القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

تقرير منظمة الصحة العالمية عن السرطان: تحديد الأولويات والاستثمار الحكيم وتوفير الرعاية للجميع (2020) (8/8)

تقرير منظمة الصحة العالمية عن السرطان: تحديد الأولويات والاستثمار الحكيم وتوفير الرعاية للجميع (2020) (8/8)
ملخص الدراسة

يركز الفصل الثامن على التنفيذ الفعال لبرامج مكافحة السرطان الوطنية الشاملة، مقترحاً ثلاث خطوات أساسية: أولاً، الاستعداد، عبر تصميم نماذج رعاية مثلى تعزز التشخيص المبكر، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع القدرات البشرية المدربة، وضمان الوصول المستدام إلى الأدوية والمنتجات الصحية. ثانياً، التنفيذ والتوسع، بتمويل مستدام للبرامج وتوسيع نطاقها تدريجياً وفقاً للموارد المتاحة. وثالثاً، الرصد والتقييم والاستدامة، للحفاظ على جودة الرعاية وسلامتها والتعلم المستمر. ويشدد الفصل على أن نجاح هذه الجهود يتطلب تفعيل الإرادة السياسية، وتحديد أولويات قابلة للتنفيذ قائمة على البيّنات، والاستثمار الحكيم في الوقاية والتشخيص المبكر والعلاج الفعال، بالإضافة إلى تعزيز نظم المعلومات، وتوفير الحماية المالية، وبناء قدرات مراكز السرطان وشبكاتها، وتحسين أداء القوى العاملة، والشراكة الفعالة مع المجتمعات المحلية والقطاع الخاص، وإعطاء الأولوية للبحث والابتكار.

الفصل الثامن: التنفيذ الفعال: تحسين القدرات والإمكانات

الرسائل الرئيسية

أولاً: يقوم التنفيذ الفعال على ثلاث خطوات. الخطوة الأولى هي الاستعداد للتنفيذ، إذ يجب إعادة توجيه نماذج تقديم الخدمات عبر نهج الرعاية الأولية لتعزيز التشخيص المبكر، وتعزيز البنية الأساسية القائمة (المعدات والشراء وسلسلة الإمداد) لتلبية الطلب على الخدمات لجميع السكان وربطها ببيئة تنظيمية متينة، مع التركيز على زيادة القدرات البشرية بوصفه أمراً أساسياً لتحقيق أفضل جودة. والخطوة الثانية هي التنفيذ والتوسع، إذ ينبغي تمويل البرامج والسياسات تمويلاً مستداماً والحفاظ عليها، مع توسيعها وفق نهج تدريجي متدرج ملائم للموارد يدمج تدخلات السرطان الجديدة في أنشطة القطاع الصحي وإصلاحاته الأوسع. والخطوة الثالثة هي الرصد والتقييم والاستدامة، إذ يجب رصد جودة الرعاية وسلامتها والحفاظ عليهما، مع المساءلة، للتعلم من التنفيذ والتخطيط لتحسين الجودة.

ثانياً: من العوامل التمكينية التي تتيح تحسينات دائمة في الإمكانات والقدرات المشاركة الواسعة لأصحاب المصلحة في التنفيذ، والبحث والابتكار لتعزيز التقدم وتسريعه، وهما عنصران أساسيان في أي تدخلات لمكافحة السرطان.

تحقيق المكافحة الشاملة للسرطان: الخلفية

لكي تكون البرامج الوطنية لمكافحة السرطان فعالة، يجب أن تتحول غاياتها وأهدافها ومراميها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ تتولاها جهات فاعلة عديدة، منها الهيئات الحكومية بقيادة وزارة الصحة في معظم البلدان. ويجب أن تحدد خطط العمل الخطوات المطلوبة وتوزيع الموارد والأدوار والمسؤوليات، ودعم أصحاب المصلحة حيوي لتيسير الروابط بينها.

وينبغي لنظم السرطان الفعالة أن تقدم خدمات شاملة، من الوقاية إلى التلطيف، مكيفة مع البيئة والموارد المتاحة. وينبغي إدخال البرامج أو الخدمات الجديدة الكبرى على مراحل بحسب قدرة النظام الصحي وإمكاناته. كما ينبغي أن يستند التنفيذ إلى تقييم صارم للتدخلات القائمة، ولعلم التنفيذ دور مهم في ذلك، ولا سيما حين تُستخدم مواقع تجريبية لتقييم جدوى البرامج واستدامتها.

وينبغي أن يتكون التنفيذ من خطوات متعاقبة. فبعد اعتماد خطة محددة الأولويات، يمكن إنشاء نظام لرعاية السرطان أو تعزيزه لتقديم خدمات شاملة من خلال: تحليل الاستعداد، الذي يشمل تحديد نموذج تقديم الرعاية وتنظيمه، وإقامة البنية الأساسية اللازمة، وضمان قدرة القوى العاملة، وتهيئة البيئة التنظيمية؛ والتنفيذ والتوسع حين يُظهر التقييم الأولي نتائج إيجابية، على مراحل ومع المراعاة الواجبة للاحتياجات المالية؛ والرصد والتقييم لضمان جودة تقديم الرعاية وسلامتها. ودون هذا المكوّن الأخير لن تتحقق النتائج المتوقعة، إذ يكفل رصد التنفيذ وتقييمه الاستخدام الكفء للموارد والتعلم المستمر لتحسين التخطيط وتقديم الرعاية.

الاستعداد لتنفيذ الأنشطة

تصميم نموذج لتنظيم الخدمات

ينبغي لوزارات الصحة أن تصمم مسارات رعاية مثلى، ترسم رحلة المريض من أول تواصل له مع النظام الصحي حتى إتمام العلاج ورعاية الناجين، وتحدد المواضع التي ستُدخل فيها الخدمات الجديدة. فنماذج تقديم الخدمات المنظمة قادرة على تحسين النتائج وخفض التكاليف وتعزيز الوصول والإنصاف.

وتربط شبكات الإحالة مسارات المرضى المحددة عبر المرافق الأولية والثانوية والثالثية من أجل التشخيص والعلاج السريعين والدقيقين. ومع أنه لا يمكن التوصية بنظام واحد بعينه لمكافحة السرطان، فمن المقبول عموماً أن يجري الكشف والتشخيص في مرافق الخدمات الصحية الأولية والثانوية، والعلاج المتخصص في المراكز الثالثية، والعلاج الداعم ورعاية الناجين في البيئات الخارجية. ويلزم تحقيق توازن بين الخدمات المركزية واللامركزية للاستفادة من مزايا كل مستوى ومن الرعاية المتكاملة. وينبغي وضع معايير للجودة في تقديم الخدمات بحسب قدرة المرافق وحجم الحالات فيها. فخدمات السرطان المتدنية المستوى قد تؤدي إلى نتائج أدنى، يصل الفرق فيها إلى 20% بالقيمة المطلقة في البقاء على قيد الحياة بحسب المرحلة، وهو ما قد يعادل ملايين الأرواح التي تُفقد سنوياً بسبب تدني جودة رعاية السرطان.

وتستطيع مراكز السرطان المركزية أن تتولى القيادة في شبكات الرعاية، وأن تركّز الخبرات لتدريب المهنيين وتشكيل الفرق المتعددة التخصصات، وأن تعزز الاستخدام الكفء للتقنيات، وأن تقيّم النتائج على نحو أكثر منهجية. أما المستشفيات الثانوية فتستطيع التعامل مع الإجراءات التشخيصية والعلاجية الأقل تعقيداً والأكثر تكراراً. ويعد تنظيم مسارات رعاية السرطان بما ييسر الإحالة داخل الشبكة، وتنسيق الإرشادات السريرية، من المكونات الرئيسية لهذا النموذج من الرعاية.

وحتى وقت قريب، كان تركيز رعاية السرطان في عدد محدود من المرافق أمراً عملياً، إذ كان يتيح لمقدمي الرعاية الصحية، في غياب التدفق السريع للمعلومات والسجلات الصحية الإلكترونية، متابعة مسارات الرعاية طولياً وتنسيقها. فضلاً عن ذلك، تطلّب التخصص الدقيق المفرط في الطب، والاعتماد المتكرر على التقنيات المتقدمة والعلاجات الباهظة، تجميع الخدمات ذات التكاليف الثابتة المرتفعة والخبرة في تدبير الآثار الضارة. غير أن نماذج الرعاية المركزية معرضة لأن تكون غير منصفة، لأن المرافق المتخصصة قد لا يسهل الوصول إليها. فقد يتواصل المرضى مع النظام الصحي مرات عديدة دون جدوى قبل أن يحالوا إلى مرفق متخصص، مما يضيف وقتاً وكلفة ويزيد احتمال التشخيص في مرحلة متأخرة. ولذلك لا بد من نماذج بديلة لشبكات منظمة رسمياً لزيادة الوصول.

دراسة حالة: نماذج بديلة لرعاية السرطان في السويد

في عام 2010 مولت الحكومة السويدية ستة مراكز إقليمية للسرطان تمثل محاور إقليمية للتدبير العلاجي للسرطان، وقد طورت هذه المراكز أنشطة داعمة بالتعاون مع مقدمي الرعاية الصحية والإدارات الصحية الإقليمية. وفي عام 2015 أطلقت الحكومة مساراً موحداً لرعاية السرطان تُحدَّد فيه الإجراءات التشخيصية والخيارات العلاجية لكل نوع من السرطان، مع إطار زمني للكشف والتشخيص والعلاج. ويلتزم مقدمو الرعاية بكل "فترة زمنية" محددة، مما ينشئ إرشاداً سريرياً مقيداً بالوقت.

ومعالجة أوجه القصور في القدرات والبنية الأساسية ليست أمراً يسيراً، فمع أن مرافق العلاج المركزية ضرورية، فإن المرضى سيظلون يراجعون في مراحل متأخرة ما لم تُعزَّز الرعاية الأولية وتتوافر نظم إحالة فعالة. ويمكن لتعزيز الرعاية الصحية الأولية وتحقيق لامركزية الرعاية أن يقللا التأخير. وللرعاية الأولية وظائف حاسمة عديدة في مكافحة السرطان، ومن العوائق أمام تعزيز الرعاية الأولية والثانوية كلفة التقنيات الملائمة، ونقص التدريب على المهام المطلوبة، واختلال نظم الإحالة.

وينبغي أن تتضمن نماذج تقديم الخدمات استراتيجيات لمعالجة التباين في نتائج السرطان بين الفئات السكانية المختلفة في الوضع الاجتماعي والاقتصادي والنوع الاجتماعي والعمر والانتماء العرقي وغير ذلك من العوامل. فمرشدو المرضى مثلاً قد يحسّنون الوصول إلى علاج السرطان في الوقت المناسب وإتمامه، وكذلك البرامج التي تعزز التواصل الملائم ثقافياً، مع نهج أكثر تخصيصاً في التواصل لزيادة التغطية وتحديث الخدمات. كما أن البرامج والنُهج التي توفر بيئة داعمة وتعالج الضغوط الاجتماعية والصعوبات المالية قد تيسر الوصول إلى العلاج وإتمامه.

توسيع قدرات القوى العاملة

نقص العاملين الصحيين المدربين مشكلة عالمية، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ففي مسح شمل 93 بلداً في عام 2017، لم يكن في 8.6% منها طبيب أورام سريري واحد، وفي 29% منها كان طبيب الأورام الواحد يرعى نحو 1000 مريض مشخص حديثاً بالسرطان (25 بلداً في أفريقيا وبلدان اثنان في آسيا، ولا بلد في أوروبا أو الأمريكتين)، وفي 42% منها كان أطباء الأورام يرعون نحو 500 مريض، وفي 24% منها كان طبيب الأورام الواحد يرعى نحو 150 مريضاً. وسيزداد الطلب على الخدمات مع تزايد أعداد المرضى والناجين من السرطان الذين يحتاجون إلى رعاية المتابعة. وستضعف أوجه النقص الحالية والمتوقعة في القوى العاملة قدرة النظم، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، على تقديم رعاية سرطان عالية الجودة.

وفي البلدان المنخفضة الدخل، قد يتطلب تعزيز القوى العاملة تدريباً دولياً لزيادة الكفاءة في رعاية الأورام، على أن يكون هذا التدريب ملائماً للبلد من حيث الاختلافات في نطاق الممارسة السريرية. أما في البلدان المتوسطة الدخل فقد تتمثل الاستراتيجيات في تحقيق أفضل كفاءة وزيادة القدرات.

وتقترح الاستراتيجية العالمية لمنظمة الصحة العالمية بشأن الموارد البشرية الصحية، التي صيغت استجابة للقرار ج ص ع 67.24 المعتمد في جمعية الصحة العالمية السابعة والستين عام 2014، تحولاً جذرياً في تخطيط العاملين الصحيين وتعليمهم ونشرهم وإدارتهم ومكافأتهم. وتُشجَّع الحكومات وأصحاب المصلحة على تحقيق أفضل استخدام للقوى العاملة الصحية لتسريع التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة وأهداف التنمية المستدامة، وعلى فهم المتطلبات المستقبلية للنظم الصحية والاستعداد لها مستفيدين من الطلب المتزايد لتعظيم فرص العمل والنمو الاقتصادي، وعلى بناء القدرة المؤسسية لتنفيذ هذا البرنامج، وتعزيز الرصد وضمان المساءلة عن تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية والاستراتيجية العالمية معاً.

وينبغي لواضعي السياسات أن يراعوا الطلب المستقبلي الذي سينشأ عن تزايد السكان وشيخوختهم عند وضع خطة طويلة الأمد. وقد يلزم التدريب على كل مستوى من مستويات الرعاية وفي كفاءات متنوعة، منها القانون والاقتصاد والاتصال. وينبغي أن يمتلك جميع مقدمي الخدمات الكفاءة اللازمة للتواصل عبر التخصصات ومستويات الخدمة من أجل الرعاية المتكاملة.

ويمكن لواضعي السياسات أن ينظروا في استراتيجيات تفويض المهام وتحقيق أفضل استخدام لها، ولا سيما حين تكون الموارد البشرية محدودة. ففي هذا النهج تُفوَّض مهام محددة، حيثما كان ذلك ملائماً، من العاملين الصحيين ذوي التأهيل العالي إلى عاملين صحيين ذوي تدريب أقصر ومؤهلات أقل، لاستخدام الموارد البشرية المتاحة بكفاءة أكبر. وقد أجريت معظم الدراسات المتعلقة بتفويض المهام حتى الآن على الممرضين وممرضي الممارسة المتقدمة لتوسيع القدرة في الكفاءات الأساسية كالرعاية الملطفة، ولا توجد بيّنات تُذكر على ما إذا كان غير الأخصائيين قادرين على وصف العلاج الجهازي أو الإشعاعي بأمان وفعالية.

الوصول إلى أدوية السرطان والمنتجات الصحية

قد تؤدي الحلقات الضعيفة على امتداد "سلسلة القيمة" إلى تعطيل وصول المرضى إلى المنتجات الصحية. ومن المشكلات الشائعة غياب الشفافية في المناقصات، وظهور منتجات متدنية النوعية ومغشوشة بسبب ضعف الرقابة التنظيمية، وارتفاع كلفة المنتجات الصحية بسبب نُهج تسعير غير مثلى، وتكرار حالات النقص بسبب تشتت سلسلة الإمداد وسوء إدارة المخزون، والتخلي عن العلاج بسبب غياب متابعة المرضى. وللتخفيف من هذه المخاطر وتعزيز وصول المرضى إلى منتجات السرطان، ينبغي أن تتضمن استراتيجيات التنفيذ نهج "سلسلة القيمة".

فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تكفل استراتيجية التنفيذ الاختيار الرشيد لمنتجات السرطان المدرجة في حزم المنافع، ولا سيما مع تزايد عدد المنتجات العالية الكلفة. وينبغي أن يكون هذا الاختيار قائماً على البيّنات، مع مراعاة طائفة من العوامل ذات الصلة كالسياق، ونجاعة المنتجات وسلامتها وجودتها، ومردوديتها، والميزانية المتاحة. وكما يشير تقرير تقني لمنظمة الصحة العالمية بشأن تسعير أدوية السرطان وآثاره، فإن "سياسة السعي إلى تمويل العدد نفسه من أدوية السرطان المتاحة في بلدان أخرى لن تحقق تحسينات صحية جوهرية، بل ستؤدي إلى تكاليف أعلى بكثير". ولذلك ينبغي للسياسة، عند النظر في استخدام منتجات صحية عالية الكلفة لفئات محددة من المرضى، أن توازن بين المنفعة الفردية واحتياجات السكان، وألا تُدخل المنتجات الجديدة على حساب تدخلات تمثل قيمة أفضل مقابل المال في رعاية السرطان.

وينبغي إدماج سياسات تسعير متينة في استراتيجية التنفيذ، وأن تنظر النظم الصحية في خيارات تكفل قيمة أفضل مقابل المال ومنتجات سرطان ميسورة الكلفة، بدءاً من تعزيز سياسات التسعير وصولاً إلى إدارة العوامل المؤثرة في الطلب على الأدوية.

وينبغي أن يمتثل الشراء للمبادئ التشغيلية لمنظمة الصحة العالمية للشراء الجيد للمستحضرات الصيدلانية، التي تشمل إجراءات شفافة وقصر المشتريات العامة على المنتجات المدرجة في قائمة رسمية للأدوية من موردين مؤهلين. ويحمي ذلك من الشراء غير المأذون به لمنتجات غير أساسية، ويصون سلسلة الإمداد من تسرب المنتجات المتدنية النوعية أو المغشوشة. ففي النظام العالمي لمنظمة الصحة العالمية لترصد المنتجات الطبية المتدنية النوعية والمغشوشة ورصدها، تعد العوامل المضادة للأورام أكثر فئات أدوية الأمراض غير السارية التي يُبلغ عن منتجات متدنية النوعية ومغشوشة منها.

ومع توافر تقديرات موثوقة للاحتياجات الفعلية، تستطيع المرافق الصحية تجنب هدر المخزونات من المنتجات غير المستخدمة، ومنع نفاد المخزون بفضل إمداد مستقر، وتحقيق رقابة مالية كفؤة ومسؤولة. وبالنظر إلى قلة حجم الاستخدام لبعض أدوية السرطان، قد يكون الشراء المركزي المجمّع مفيداً لتوحيد الطلب، ومن ثم الاستفادة من وفورات الحجم والنطاق.

العمل مع خدمات قطاع الرعاية الصحية الخاص

يشارك القطاع الخاص، بشقيه غير الربحي والربحي، في رعاية السرطان في كل بلد تقريباً. فمن بين 102 من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي أبلغت عن مراكز سرطان في القطاعين العام والخاص، بلغ وسيط نسبة المرافق التابعة للقطاع الخاص 33%. وتتفاوت جودة الخدمات ونطاقها بحسب موارد السكان، ونموذج النظام الصحي، والتغطية، والجودة، وسهولة الوصول.

ومع أن كل حكومة تحدد علاقتها بالرعاية الصحية الخاصة وفق سياساتها، فيمكن النظر في إشراك القطاع الخاص حين تكون موارد القطاع الصحي العام غير كافية لتلبية الطلب على رعاية السرطان. فيمكن إبرام اتفاقات تعاون لتقليص قوائم الانتظار ريثما يُخطَّط لمزيد من الاستثمار في القطاع العام. وينبغي أن تكون هذه الاتفاقات شفافة، وأن تتجنب تضارب المصالح والعواقب غير المقصودة أو تديرها، ولا سيما فيما يتعلق بالوصول والتكاليف التي يتحملها المرضى.

ويجب أن تُشرك استراتيجيات التنفيذ الأطباء والمرضى، وأن تتضمن استثماراً كافياً في قوى عاملة ماهرة وبنية أساسية ملائمة لضمان ممارسة سريرية ومنتجات صحية عالية الجودة. وتجنباً للتخلي عن الرعاية، ينبغي للأطباء أن يشرحوا خطط العلاج للمرضى بوضوح ليفهموا هم وأسرهم المنافع والمخاطر المتوقعة. وينبغي للسلطات الصحية أن تقيد الترويج المباشر لمنتجات السرطان لدى الأطباء والمرضى، وأن تشجع استخدام الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية حسب الاقتضاء، وأن تتحرى أي تصور خاطئ بأن هذه المنتجات أدنى جودة وتصححه. وحين يُشتبه في وجود أدوية متدنية النوعية أو مغشوشة أو يثبت ذلك، يجب تطبيق تدابير تنظيمية صارمة فوراً لحماية الجمهور وبناء الثقة.

توسيع نطاق مكافحة السرطان

لا تنجح استراتيجية التنفيذ إلا حين يتسع نطاقها لتقديم منافع البرنامج إلى فئة سكانية أوسع، تتجاوز الموقع التجريبي. والتوسع عملية معقدة، تشمل تقييم التجربة الأولية للخدمات المعدلة، ثم وضع استراتيجية لتوسيع البرنامج. وينبغي النظر إليه بوصفه تعلماً مستمراً يطبق المعرفة العملية المستخلصة من التجربة الأولية، والهدف هو بناء "نظام لرعاية السرطان يتعلم".

ويتضمن التوسع تقدير التمويل المطلوب، وتدريب المهنيين، وتقييم أثر التغييرات في الرعاية الصحية الأوسع. ولا تستند هذه القرارات إلى معايير تقنية وحدها، إذ تؤدي القيم السياسية والسمات الشخصية لمتخذي القرار دوراً في حالات كثيرة. فضلاً عن ذلك، تكتسي الضبابية السياسية والقيود الاقتصادية أهمية في قرار التوسع.

ولذلك ينبغي بناء تحالفات مع أصحاب المصلحة والشركاء المعنيين في التنفيذ. ويشمل أصحاب المصلحة المحليون منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والاتحادات ذات الخبرة في البيئات المحلية والمقبولة لدى قادة المجتمع. وهذا التعاون آخذ في التزايد ويرجح أن يستمر.

دراسة حالة: تعزيز القدرات الوطنية والعالمية لمكافحة سرطان الأطفال وأهمية الشراكات الدولية

تؤدي الشراكات بين المراكز في البلدان المرتفعة الدخل والمراكز والحكومات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل دوراً مهماً في النهوض ببرامج مكافحة سرطان الأطفال. فمستشفى سانت جود لأبحاث الأطفال في ممفيس بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو مركز متعاون مع منظمة الصحة العالمية في مجال سرطان الأطفال، يعمل مع متعاونين في أنحاء العالم لبناء القدرات المحلية، وتوسيع برامج التدريب، وتحسين الجودة، وإجراء بحوث التنفيذ لتحسين رعاية الأطفال المصابين بالسرطان ونتائجهم على نحو مستدام. واستناداً إلى عمل يمتد أكثر من 25 عاماً مع شركاء في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يُشرك برنامج سانت جود العالمي أصحاب المصلحة في شبكات إقليمية وأفقية لبناء القدرة على الرعاية وتبادل المهارات والمعارف والتقنيات. ويسترشد توسيع البرنامج بتقييمات الاحتياجات المحلية، مع التدريب والموارد والدعم، بدءاً من برامج الماجستير والشهادات في الموقع وعن بعد للمرشحين من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وصولاً إلى الخدمات السريرية على مستوى المستشفى بأكمله على امتداد سلسلة الرعاية، وأبعاد النظام كالمقاييس وتقييم الأداء وقياس عبء المرض وتخطيط النظم الصحية والمكافحة الوطنية للسرطان.

الرصد والتقييم

يجب أن تلتزم نظم رعاية السرطان بمعايير الجودة لضمان أفضل النتائج الممكنة للمرضى. فالصور السيئة الالتقاط أو الخاطئة التفسير مثلاً تضيف كلفة دون منفعة، وقد تكون مضللة بل ضارة. وينبغي رصد خدمات علم الأمراض والجراحة والعلاج الإشعاعي والصيدلة رصداً مستمراً لضمان السلامة والنجاعة، وأن تستوفي إرشادات الهيئات الوطنية أو الدولية ومعاييرها، كالوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الصحة العالمية. وتتجلى أهمية الرعاية العالية الجودة في الفروق في البقاء على قيد الحياة بحسب المرحلة، التي ينبغي أن تكون متقاربة في الولايات القضائية المختلفة إذا قُدم علاج مماثل. وقد يشير انخفاض البقاء على المستوى الوطني أو على مستوى المرفق إلى علاج دون المستوى، كالجراحة ذات الحواف الإيجابية، أو مجال العلاج الإشعاعي غير الصحيح، أو البروتوكولات غير الملائمة للعلاج الجهازي.

ومعايير الممارسة السريرية وإرشاداتها ركيزتا جودة الرعاية، وقد ثبت أنها تحسّن النتائج. والإرشادات المتدرجة بحسب الموارد طريقة للتدبير السريري الموحد القائم على البيّنات، يمكن تطبيقها في بيئات ذات مستويات موارد مختلفة، وتتيح بناء القدرات على مراحل. غير أن الإرشادات وحدها لا تكفي، فهي لا تفيد إلا إذا كانت معروفة على نطاق واسع ومطبقة ومقيَّمة من حيث الالتزام بها. ولذلك ينبغي، بالتوازي مع الإرشادات السريرية، بناء نظام معلومات لرصد جودة رعاية السرطان، تُجمع فيه المعلومات ذات الصلة بمؤشرات تتراوح بين عملية الرعاية (كالفاصل الزمني بين التشخيص والعلاج، والالتزام بالإرشادات السريرية) والنتائج القصيرة والمتوسطة الأمد (كالوفيات خلال 30 يوماً و90 يوماً بعد الإجراء الجراحي، وإعادة التدخل أو إعادة الدخول إلى المستشفى خلال 90 يوماً، والبقاء على قيد الحياة بحسب المرحلة).

ويمكن الحصول على تقارير المرضى عن نتائجهم وتجاربهم بطرق متنوعة، من مجموعات النقاش المركزة حول تجاربهم إلى استبيانات رضاهم عن الرعاية المتلقاة أو جودة حياتهم المتصورة. وتُقاس جودة الرعاية أيضاً برصد السلامة في تقديمها وضمانها، بما في ذلك مشكلات السلامة الشائعة في المستشفيات، كالتعامل مع أدوية العلاج الكيميائي والتخلص منها، والنفايات المشعة، ومضاعفات العلاج، وسوء التفاهم بين مهنيي الرعاية. والرصد المنهجي لهذه الحوادث، وتصميم التحسينات وتنفيذها، أمران أساسيان.

عوامل تمكين المكافحة الناجحة للسرطان

التعاون مع الجهات الفاعلة من غير الدول

تتطلب التحسينات المستدامة في الإمكانات والقدرات في رعاية السرطان مشاركة الجهات الفاعلة من غير الدول لتنفيذ البرامج بنجاح وتحقيق أفضل أداء لمنظومة السرطان. وينبغي أن تشمل الحوكمة التشاركية أصوات مستخدمي الخدمات الصحية وعامة السكان. ولمنظمات المجتمع المدني سجل طويل في دعم تخطيط البرامج وتنفيذها على الصعيدين الوطني والدولي، بتقديم الدعم التقني والتدريب ودعم المرضى وغير ذلك من الأنشطة.

وتكون هذه المنظمات أكثر فعالية إذا جرت أنشطتها في إطار البرنامج الوطني لمكافحة السرطان، تجنباً لازدواج الأنشطة أو استثمار الموارد في مجالات غير ذات أولوية. ولإشراكها بفعالية، ينبغي تمثيل هذه المنظمات ومجموعات المرضى في اللجنة الاستشارية المعنية بصياغة مسؤوليات البرنامج الوطني وأنشطته.

وتكتسي تلبية احتياجات المجتمعات والمرضى أهمية خاصة مع تزايد تعقيد علاج السرطان. فالمعلومات المغلوطة عن الوقاية من السرطان ومكافحته شائعة، وتؤثر في التعرض لعوامل الخطر، والوعي بأعراض السرطان، والوصم، والوصول إلى العلاج وإتمامه. ومن خلال العمل مع وسائل الإعلام وغيرها من المؤثرين في التصورات العامة، يستطيع المجتمع المدني التصدي للمعلومات المغلوطة، كالوعود الكاذبة بعلاج السرطان أو العلاجات غير المختبرة التي تُباع دون وصفة طبية ويُدعى أنها تقي من السرطان أو تعالجه. وللمجتمع المدني دور مهم في الدعوة إلى الحوار مع مقدمي الخدمات حول تشخيص السرطان وأهداف الرعاية والخدمات الداعمة، وهي وظائف أساسية للرعاية المتكاملة المتمحورة حول المريض.

إعطاء الأولوية للبحث والابتكار

البحث مفتاح التحسين الطويل الأمد لمكافحة السرطان. وتشمل أنواع البحوث المطلوبة على امتداد سلسلة رعاية السرطان بيولوجيا السرطانات ووبائياتها والوقاية منها وتحريها وتشخيصها وعلاجها وتدبير أعراضها، كما تلزم بحوث اقتصادية وبحوث في الخدمات الصحية وبحوث تنفيذية. وتيسير الحكومة للبحث، ولا سيما البحوث التنفيذية والسريرية، يخدم المصلحة العامة.

ولبناء القدرة على إجراء التجارب السريرية منافع أوسع، منها تعزيز كفاءة القوى العاملة بدعم الرواتب والتدريب، وتحسين تجهيزات المرافق، وربما تقديم الخدمات بكلفة أقل. كما يمكن للبنية الأساسية البحثية أن تدعم التعاون الإقليمي بين مراكز السرطان، وتعزز نظم المعلومات، وتحسّن معايير الرعاية.

وتستند الأولويات في البحوث التنفيذية وبحوث الخدمات الصحية إلى تقييم الابتكارات في تقديم الخدمات الصحية، كجدوى برنامج ما في سياق معين، ومحددات الإقبال على الوقاية، ونُهج الحد من عدم المساواة في الوصول إلى خدمات السرطان أو تحسين الإحالة المبكرة. ويمكن للبحوث في تقنيات كالطب عن بعد وعلم الأمراض عن بعد أن تبيّن الطريقة الواجب اختيارها بحسب السياق والسياسات. فالبحث أداة حاسمة لاستراتيجيات الخدمات الصحية الرامية إلى تحسين جودة الحياة ونتائج السرطان مع الحد من عدم المساواة.

وترد أولويات بحثية محددة في التقرير العالمي عن السرطان الصادر عن الوكالة الدولية لبحوث السرطان، بما في ذلك أولويات خاصة ببلدان مختارة. ويعد تمويل بحوث السرطان وتمكين الابتكار أمرين مهمين لفهم عبء السرطان اليوم والحد منه غداً.

الاستنتاجات والتوصيات

تفعيل الإرادة السياسية

أولاً: تعزيز الحوكمة ووضع خطة. فالخطط الوطنية للسرطان والحوكمة القوية أساس الاستجابة الفعالة، وقادرة على تحسين النتائج. ويجب أن تقوم على الأولويات، وأن تكون لها ميزانية، وأن تُموَّل وتُنفَّذ وتُرصد. كما يجب إدراج منظورات جميع أصحاب المصلحة لتلبية احتياجات المجتمعات المتنوعة، بما فيها الفئات المحرومة.

تحديد الأولويات والاستثمار الحكيم

ثانياً: تحديد أولويات قابلة للتنفيذ وقائمة على البيّنات ويمكن تمويلها. وينبغي أن يسترشد تحديد الأولويات بالقدرات الحالية وتقييمات التقنيات الصحية، وأن يشمل احتياجات جميع الفئات السكانية، وأن تتوافق الأولويات مع إعداد حزم منافع التغطية الصحية الشاملة أو صياغة خطة وطنية.

ثالثاً: الاستثمار في "أفضل الخيارات" التي حددتها منظمة الصحة العالمية للوقاية الأولية. فمع أن الأولويات ينبغي أن تُحدَّد بحسب سياق البلد، فإن الاستراتيجيات العالية الأولوية والقابلة للتطبيق في معظم البيئات هي مكافحة التبغ والتطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري، أما السمنة وتعاطي الكحول فهما عاملا خطر مستمران قد يتطلبان إجراءات أيضاً.

رابعاً: الاستثمار في التشخيص المبكر. فالتشخيص المبكر من أنجع الاستراتيجيات في التدبير العلاجي للسرطان، ويتطلب وعياً سكانياً، وقدرة في الرعاية الأولية، ونظم إحالة قوية، وقدرة تشخيصية. والتحري أعقد بكثير وأعلى كلفة من التشخيص المبكر، باستثناء تحري سرطان عنق الرحم الذي يمثل أولوية عالمية تماشياً مع برنامج منظمة الصحة العالمية للتخلص من هذا السرطان.

خامساً: تنفيذ تدبير علاجي فعال وقابل للتطبيق للسرطان. إذ يمكن تقديم علاج السرطان بكلفة منخفضة وإنقاذ الأرواح باستخدام علاجات تحقق قيمة مقابل المال. فسرطان الأطفال مثلاً أولوية قابلة للتحقيق، وتتمثل غاية المبادرة العالمية لمنظمة الصحة العالمية لسرطان الأطفال في إنقاذ حياة مليون طفل مصاب بالسرطان بحلول عام 2030. ويجب توسيع نطاق الرعاية الداعمة ورعاية الناجين لتعزيز إتمام العلاج والعودة إلى أماكن العمل والمجتمعات، كما يجب أن تكون الرعاية الملطفة أولوية في جميع البلدان.

توفير الرعاية للجميع

سادساً: تعزيز نظم المعلومات. فنظم المعلومات المتينة لازمة لاتخاذ قرارات مستنيرة، ورصد التنفيذ مع ضمان الجودة والمساءلة، وللبحث والابتكار.

سابعاً: تمويل الأولويات في تدخلات مكافحة السرطان وضمان الحماية المالية. فمع أن حجم الاستثمار سيختلف من بلد إلى آخر، فإن الاستثمارات الكفؤة في السرطان قادرة على إنقاذ الأرواح وتحقيق عائد إيجابي. وينبغي تقييم الحيز المالي الحالي والمتطلبات المتوقعة، مع زيادة الإنفاق لمستويات أعلى من التغطية، وارتفاع تكاليف الرعاية، وتزايد أعداد المرضى على المديين القصير والمتوسط.

ثامناً: بناء القدرات من خلال مراكز السرطان وشبكاته. فتعزيز تنسيق الرعاية واستخدام مسارات الرعاية يمكن أن يحسّنا النتائج ويرفعا الكفاءة. ويمكن للخدمات المركزية أن تحسّن الجودة، على أن يُضمن الإنصاف وسهولة الوصول الجغرافي من خلال شبكات الرعاية.

تاسعاً: تحقيق أفضل أداء للقوى العاملة وضمان الوصول إلى أدوية ومنتجات صحية موثوقة ومستدامة. فالتدبير العلاجي للسرطان يتطلب نظاماً عالي الأداء تتنوع فيه متطلبات القوى العاملة وتشتد. وينبغي إدارة الوصول إلى الأدوية والمنتجات الصحية وفق نهج سلسلة القيمة، مع التركيز على الاختيار ونُهج التسعير وإدارة سلسلة الإمداد والإرشادات المتسقة.

عاشراً: الشراكة مع المجتمعات المحلية والمجتمع المدني. فالمجتمع المدني الممكَّن والقادر، بما فيه الناجون من السرطان وشبكاتهم، يستطيع إحداث أثر كبير في سياسات السرطان وبرامجه، بما في ذلك تحديد الأولويات وزيادة التنفيذ والحفاظ على المساءلة، من أجل تحسين رعاية السرطان معاً.

المصدر

دراسة ذات صلة