القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

تقرير منظمة الصحة العالمية عن السرطان: تحديد الأولويات والاستثمار الحكيم وتوفير الرعاية للجميع (2020) (8/3)

تقرير منظمة الصحة العالمية عن السرطان: تحديد الأولويات والاستثمار الحكيم وتوفير الرعاية للجميع (2020) (8/3)
ملخص الدراسة

يركز هذا الفصل على أن الوقاية الأولية يمكن أن تتجنب ما بين ثلث ونصف حالات السرطان، وذلك بتقليل التعرض لعوامل الخطر المعروفة مثل التبغ والكحول وسوء التغذية وقلة النشاط البدني والعدوى (مثل فيروس الورم الحليمي البشري والتهاب الكبد B) والملوثات البيئية والمهنية. ويشدد على ضرورة تبني نهج حكومي ومجتمعي شامل ومتكامل، يجمع بين التشريعات واللوائح والسياسات المالية وحملات تعزيز الصحة وتغيير السلوك وبرامج القطاع الصحي كالتطعيم، لتقليل التعرض لعوامل الخطر وتعزيز السلوكيات الصحية. ومع أن هذه التدخلات مثبتة الفعالية وذات مردودية عالية على المدى الطويل، إلا أن معظم البلدان، خاصة ذات الدخل المنخفض والمتوسط، لا تنفذ سياسات وبرامج الوقاية تنفيذاً كاملاً بسبب تحديات مثل نقص التمويل والمقاومة من بعض القطاعات، مما يفوت فرصاً هائلة لإنقاذ الأرواح ويؤكد الحاجة الملحة لتحديد الأولويات الوطنية وتنفيذ أفضل الممارسات القائمة على البيّنات.

الفصل الثالث: الوقاية الأولية من السرطان

الرسائل الرئيسية

أولاً: يمكن الوقاية مما يتراوح بين ثلث ونصف حالات السرطان بالحد من التعرض لعوامل الخطر المعروفة، ومن أمثلة التدخلات القابلة للتنفيذ مكافحة التبغ والتطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري.

ثانياً: لا تنفذ معظم البلدان سياسات الوقاية من السرطان وبرامجها تنفيذاً كاملاً، مما يؤدي إلى ملايين من حالات السرطان التي كان يمكن تجنبها.

ثالثاً: يقوم أنجع نهج للوقاية الأولية من السرطان على إشراك الحكومة بأكملها، والجمع بين التشريعات واللوائح والسياسات المالية وأنشطة تغيير سلوك المجتمع والأفراد. وينبغي أن تتضمن رسائل الصحة العامة والترويج الصحي بيّنات خاصة بكل عامل من عوامل الخطر.

الخلفية

قد تنشأ الطفرات المؤدية إلى السرطان من تفاعل عامل خارجي مع الحمض النووي للشخص. والمواد المسرطنة قد تكون فيزيائية كالأشعة فوق البنفسجية والإشعاع المؤيّن، أو كيميائية كمكونات التبغ والأسبستوس والأفلاتوكسينات، أو معدية كبعض الفيروسات (مثل فيروس الورم الحليمي البشري) والبكتيريا والطفيليات. ويعود نحو نصف حالات السرطان إلى عوامل خطر أو مواد مسرطنة غير معروفة، إذ ينجم كثير منها عن طفرات تلقائية أثناء الانقسام الخلوي المستمر، وبعضها يعود إلى أسباب لم تُحدد بعد.

نُهج الصحة العامة في الوقاية الأولية من السرطان

تشمل الوقاية الأولية من السرطان طيفاً واسعاً من التدخلات: تشريعات وسياسات تقلل التعرض للمواد المسرطنة أو تزيله، وتعزيز السلوك الصحي، وبرامج القطاع الصحي كالتطعيم والإرشاد السريري للإقلاع عن التبغ. وتتطلب هذه الاستراتيجيات نهجاً يشمل الحكومة بأكملها والمجتمع بأسره.

وكثير من عوامل خطر السرطان هي أيضاً عوامل خطر لأمراض أخرى غير سارية، ومنها تعاطي التبغ وتعاطي الكحول على نحو ضار وقلة النشاط البدني والنظام الغذائي غير الصحي وتلوث الهواء. ولذلك ينبغي دمج برامج الوقاية من السرطان وسياساتها في استراتيجية وطنية أو إقليمية أوسع للأمراض غير السارية لتحقيق قدر أكبر من الكفاءة والأثر.

ويمكن إدراج عوامل خطر أخرى ضمن استجابة متسقة للوقاية الشاملة من السرطان. فقد حددت أفرقة العمل التابعة للوكالة الدولية لبحوث السرطان أكثر من 100 مادة مسرطنة، يمكن التحكم في كثير منها بالتنظيم أو التشريع. والعوامل المعدية مسؤولة عن 13% من حالات السرطان في العالم، وتصيب بالدرجة الأولى الفئات الأدنى اجتماعياً واقتصادياً والفئات المستضعفة، ولذلك كثيراً ما تكون قابلة للمعالجة باستجابات صحية عامة تعزز الإنصاف. وقد أسهمت برامج التطعيم ضد التهاب الكبد B عند الولادة، ولا سيما في البلدان التي يتوطن فيها المرض كالصين، في خفض الإصابة بسرطان الكبد الأولي خفضاً كبيراً. وسيتحقق التقدم في الحد من عبء أمراض الكبد من خلال الاستراتيجية العالمية للقطاع الصحي للتخلص من التهاب الكبد الفيروسي بوصفه تهديداً للصحة العامة بحلول عام 2030، التي أقرتها جمعية الصحة العالمية وتتسق مع الغاية 3.3 من أهداف التنمية المستدامة.

وينبغي أن تتوافق جميع أنشطة الوقاية مع الأولويات الوطنية، ومدى انتشار عوامل الخطر، وأسباب السرطانات الرئيسية، والمحددات الاجتماعية والاقتصادية المحلية للصحة. وتختلف عوامل الخطر في أثرها على السرطان وفي مدى إمكان تجنبها، ولذلك يجب التمييز بين الخطورة (أي هل التعرض مسرطن) والخطر (أي إلى أي مدى يسبب التعرض السرطان). فالتبغ وتأخر سن الحمل الأول مثلاً كلاهما من مخاطر السرطان، غير أن تدخين التبغ مسؤول عن أكثر من 8 ملايين وفاة سنوياً وهو عامل خطر يمكن الوقاية منه، في حين أن لتأخر سن الحمل الأول قيمة اجتماعية محتملة أوسع، ويتسبب في عدد أقل بكثير من حالات السرطان يقدر بالآلاف سنوياً. ولذلك ينبغي أن تكون الأولوية بين استراتيجيات الحد من عوامل الخطر لمكافحة التبغ، نظراً إلى الضرر الأكبر المرتبط به وإلى قبول هذه المكافحة.

المبادئ التوجيهية للوقاية من السرطان

أولاً، يجب أن تراعي تدخلات الوقاية الفاصل الزمني الذي يفصلها عن تحقق أثرها المنشود. فالاستثمارات الحالية من أكثر السبل مردودية لخفض أعداد الحالات والوفيات خلال العقدين أو العقود الثلاثة المقبلة وما بعدها. ثانياً، بالنظر إلى هذا الأفق الزمني، وإلى أن نصف حالات السرطان أو أكثر لا يمكن الوقاية منها، لا يمكن عزل استراتيجيات الوقاية عن نهج شامل يتضمن إتاحة التشخيص الدقيق في الوقت المناسب والعلاج العالي الجودة.

الوضع الراهن للوقاية من السرطان

جاء اعتماد سياسات وبرامج فعالة للوقاية من السرطان قاصراً، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وتظل مكافحة التبغ سياسة الوقاية الرئيسية في كل بلد تقريباً.

وتقع في العالم سنوياً 2.4 مليون وفاة بالسرطان بسبب تعاطي منتجات التبغ. فتعاطي التبغ عامل خطر لما لا يقل عن 20 نوعاً من السرطان ولحالات طبية أخرى كأمراض الأوعية الدموية الدماغية وأمراض القلب وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة. ويتعاطى نحو 1.1 مليار شخص في العالم منتجات التبغ، ويكون الاستهلاك في الغالب أعلى بين الأقل تعليماً ودخلاً. ومع ذلك لم ينفذ حتى الآن سوى بلدين تنفيذاً كاملاً تدابير حزمة MPOWER، وهي مجموعة تدابير توصي بها منظمة الصحة العالمية للحد من الطلب على منتجات التبغ بما يتسق مع الاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ.

ومع إحراز بعض التقدم، سيتسبب التبغ في أكثر من مليار وفاة خلال هذا القرن ما لم يُسرَّع العمل. وخلال العقد الماضي ازداد الإقبال على نظم إيصال النيكوتين الإلكترونية، بما في ذلك بين الأطفال والمراهقين. ولم يثبت بعد أثرها على الإصابة بالسرطان، لكنها تمثل خطراً جديداً وكبيراً على الصحة العامة.

ويعد استهلاك الكحول عامل خطر رئيسياً آخر للسرطان، إذ يرتبط سببياً بعشرة أنواع من السرطان وبأكثر من عشرين مرضاً ونتيجة صحية أخرى. وفي عام 2016 قُدّر أن الكحول أسهم في 4% إلى 5% من جميع وفيات السرطان وفي فقدان 10.3 ملايين سنة من العمر مرتبطة بالسرطان. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يرتبط أي استهلاك للكحول بقدر من الخطر، وإن كان الخطر الفردي منخفضاً مع الاستهلاك القليل، ومن منظور الصحة العامة لا يوجد مستوى استهلاك خالٍ من المخاطر. وقد جاء تنفيذ سياسات الكحول متفاوتاً منذ إقرار الاستراتيجية العالمية للمنظمة للحد من تعاطي الكحول على نحو ضار. ولدى معظم البلدان المرتفعة الدخل (82%) سياسات وطنية بشأن الكحول، مقابل 55% فقط من البلدان المنخفضة الدخل، مما يزيد من عدم الإنصاف الصحي العالمي.

وخلال العقد الماضي ارتفعت معدلات السمنة في كل بلد بسبب قلة النشاط البدني والنظم الغذائية غير الصحية، إذ تجاوز عدد البالغين الذين يعانون فرط الوزن 1.9 مليار شخص في عام 2016. والسمنة مسؤولة بالفعل عن 6% من حالات سرطان الثدي و8% من سرطان القولون و34% من سرطان جسم الرحم، وسيزداد إسهامها زيادة كبيرة خلال العقدين المقبلين مع ارتفاع معدلاتها. وتتوافر خطة تشغيلية للنظام الغذائي غير الصحي ولقلة النشاط البدني في 80% و78% من البلدان على التوالي.

وتواجه البلدان والمجتمعات ذات المؤشر المنخفض للتنمية البشرية مخاطر أعلى للسرطانات المرتبطة بالعدوى رغم توافر تدخلات قائمة على البيّنات كالتطعيم. وينبغي كذلك مراعاة المحددات البيئية والمهنية للسرطان، كالرادون وسلامة الأغذية وإمدادات المياه النظيفة والأجهزة الباعثة للأشعة فوق البنفسجية لأغراض تجميلية والأسبستوس، ضمن سياسات الوقاية الشاملة من السرطان.

ويسهم تلوث الهواء على نحو متزايد في العبء العالمي للسرطان، إذ يسهم تلوث الهواء الخارجي في 29% من الوفيات والأمراض الناجمة عن سرطان الرئة. وتعني وتيرة التحضر أن أعداداً متزايدة من الناس يعيشون في مدن كبيرة يتعرضون فيها أكثر لتلوث الهواء. ولذلك ينبغي أن تكون مكافحة تلوث الهواء عنصراً من عناصر أي استراتيجية للوقاية من السرطان من خلال نهج يشمل الحكومة بأكملها.

دراسة حالة: صالونات التسمير في بولندا والولايات المتحدة الأمريكية

ثمة بيّنات مقنعة على أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية، بما في ذلك الإفراط في التعرض للشمس أو أي تعرض لأجهزة التسمير الاصطناعي، يزيد خطر الإصابة بالورم الميلانيني طوال الحياة. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، سنّت 21 ولاية منذ عام 2012 تشريعات تحظر التسمير الداخلي على من هم دون الثامنة عشرة، وعزز ذلك إلزام إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بوضع تحذير في إطار أسود. وقبل هذه التشريعات أفادت 25% من طالبات المرحلة الثانوية بأنهن استخدمن جهاز تسمير داخلياً خلال العام السابق.

وفي عام 2016 دخل خبراء من مركز إم دي أندرسون للسرطان التابع لجامعة تكساس في شراكة مع أصحاب مصلحة في بولندا، من بينهم الرئيس أندجي دودا. وكشفت مراجعة تعاونية لبيانات سجل السرطان البولندي بين عامي 2005 و2015 عن تضاعف الإصابة بالورم الميلانيني تقريباً بين النساء دون الخامسة والأربعين. وفي أعقاب حوار حول الآثار الضارة للتسمير الداخلي، والفوائد الصحية المحتملة لتقييد الوصول إلى أجهزته، والتجربة التشريعية الأمريكية، طرحت بولندا في عام 2017 تشريعاً وطنياً يحظر التسمير الداخلي على من هم دون الثامنة عشرة. ويتضمن القانون، الذي سُنّ عام 2018، أحكاماً بشأن الامتثال والإنفاذ، وتوعية الأعمال التجارية المحلية والتثقيف الوطني بالآثار الضارة للتسمير الداخلي، وقيوداً على الإعلان. واللافت أن الترصد المبكر أظهر امتثالاً تجاوز 95%.

وارتبطت قوانين تقييد السن في الولايات المتحدة بانخفاض انتشار التسمير الداخلي بين طالبات المرحلة الثانوية (إلى 8% في عام 2017)، وتُظهر بيانات السجلات المقابلة انخفاضاً في الإصابة بالورم الميلانيني بين الشباب.

تدخلات فعالة للوقاية من السرطان

"أفضل الخيارات" في الوقاية الأولية من السرطان

تعد "أفضل الخيارات" التي حددتها منظمة الصحة العالمية لمكافحة عوامل الخطر الرئيسية للأمراض غير السارية وثيقة الصلة بالوقاية الأولية من السرطان، وينبغي الاستناد إليها في تحديد الأولويات في البلدان.

وينبغي اختيار الأنشطة بحسب عبء السرطان في البلد ومردوديتها في السياق المحلي والموارد المتاحة، مع ضمان الإنصاف والقبول. وتنطوي التدخلات السكانية عموماً على أثر محتمل أكبر، أما التدخلات الفردية فينبغي أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية متكاملة واسعة لا أن تُنفذ بمعزل عنها.

دراسة حالة: تنفيذ "أفضل الخيارات" في برامج الوقاية من السرطان

جرى تقييم تطبيق "أفضل الخيارات" للحد من تعاطي التبغ والكحول وقلة النشاط البدني في سبعة بلدان آسيوية هي بوتان وكمبوديا وإندونيسيا والفلبين وسري لانكا وتايلند وفييت نام. ولوحظ تقدم في التنظيم والتوعية، كتنظيم الإعلان عن الكحول، وتقييد المبيعات (باستثناء بلد واحد)، والحملات الإعلامية الجماهيرية لمكافحة التدخين. غير أن قلة من البلدان استوفت متطلبات الاتفاقية الإطارية بشأن ضرائب التبغ، ولم يكن لدى سوى بلدين أنشطة لزيادة التمارين البدنية. وارتبطت هذه النتائج الضعيفة بعدم كفاية التمويل، ومحدودية القدرات المؤسسية، وصعوبة تنفيذ الإجراءات المتعددة القطاعات، وغياب نظم الرصد، فضلاً عن مقاومة القطاع الخاص لبعض السياسات.

ولوحظ تنفيذ بطيء ومتفاوت مماثل لهذه الخيارات في خمسة بلدان أفريقية هي الكاميرون وكينيا وملاوي ونيجيريا وجنوب أفريقيا. وينبغي إجراء بحوث تنفيذية حول التدخلات الفعالة لتطبيق "أفضل الخيارات" في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، مع مزيد من الدعم السياسي والموارد لتحسين الأخذ بالبرامج والسياسات القائمة على البيّنات.

تحديد الأولويات الوطنية للوقاية الأولية

تشيع مقاومة سياسات الوقاية من السرطان وبرامجها، وقد تنشأ عن ضعف الحوكمة، أو التأثير السلبي للقطاع الخاص، أو مقاومة التشريعات وغيرها من القيود على السلوك، أو عدم كفاية خدمات الصحة العامة. وتظهر هذه التهديدات والتحديات في البلدان على اختلاف مستويات دخلها، وإن كانت قد تشتد على وجه الخصوص في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ومع ذلك برزت إرادة سياسية قوية لتعزيز صحة السكان ورفاههم والتغلب على مقاومة القطاع الخاص. ويجب أن تُدعم الأطر القانونية القوية برسائل صحية عامة فعالة تؤثر في تصورات الناس لعوامل خطر السرطان وتعزز تغيير السلوك.

دراسة حالة: الرسائل الفعالة في الوقاية من السرطان

لم تتوافر من قبل وسائل كثيرة كما هي اليوم لإيصال البيّنات السليمة حول الوقاية من السرطان. فقد وسّعت وسائل التواصل الاجتماعي سبل الوصول إلى الفئات المستهدفة وإيصال رسائل مصممة لمجموعات بعينها. وقد ثبتت فعالية التذكيرات والرسائل النصية الموجهة إلى من تجاوزوا الخامسة والخمسين لزيادة نشاطهم البدني، والتطبيقات الخاصة بتحديد الأهداف وتتبع النشاط والتذكير، والمواقع الإلكترونية التي تقدم تدريباً افتراضياً. فعلى سبيل المثال، زاد تدخل رقمي النشاط البدني بنسبة 28% أكثر من تدخل غير رقمي. ويمكن الجمع بين أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي والنُهج التقليدية كالنشرات المطبوعة. وينبغي تكييف استخدام هذه الوسائل مع الفئة المستهدفة وطبيعة الرسالة. ففي تحليل لصفحات فيسبوك المتعلقة بالسرطان في البرازيل مثلاً، حققت "الشهادات" أو "القصص الواقعية" تفاعلاً عالياً، لكنها لم تُنشر إلا في نسبة صغيرة من الحالات.

وينبغي أن تُشرك القرارات المتعلقة بالأهداف الرئيسية للوقاية الأولية من السرطان جميع أصحاب المصلحة المعنيين، من الحكومة إلى المجتمع المدني، في جميع مستويات تخطيط البرامج وتنفيذها وتقييمها. وينبغي تحديد أولويات التدخلات بحسب أهمية كل عامل خطر في البلد، ونمط السرطانات الحادثة، والنجاح المحتمل لتدخلات الوقاية، إضافة إلى الاستخدام الأكفأ للموارد. وبادئ ذي بدء، يمكن للحكومات تقييم عوامل الخطر التي تؤثر تأثيراً كبيراً في السكان وتفاقم عدم الإنصاف وتعيق النمو الاقتصادي.

ومن مقاييس عبء عامل الخطر "الكسر المنسوب على مستوى السكان"، وهو النسبة المقدرة للانخفاض في المرض أو الوفيات على مستوى السكان التي ستتحقق لو خُفّض التعرض لعامل الخطر إلى سيناريو تعرض بديل مثالي. ويمكن أيضاً تقييم التدخلات الوقائية بحسب موضع الورم أو استراتيجية الوقاية لتيسير تحديد الأولويات.

النهج المتكامل للوقاية الأولية من السرطان

ينبغي أن تشمل الوقاية الأولية الشاملة جميع التدابير، من تعزيز الصحة إلى التدخلات السريرية، وأن تُشرك جميع القطاعات لتعظيم أثرها.

إعطاء الأولوية لتعزيز الصحة: في إعلان شنغهاي لعام 2016، التزمت الحكومات بزيادة الاستثمار في جميع ركائز تعزيز الصحة (الحوكمة الرشيدة، والمدن الصحية، والإلمام الصحي) لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وينبغي أن تهدف جميع هذه الأنشطة إلى توفير المعارف والمهارات والمعلومات التي تتيح اتخاذ خيارات صحية وتغيير السلوك. ويكفل الإلمام الصحي الإنصاف في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالوقاية من السرطان ونتائج صحية أفضل، غير أن التثقيف يجب أن يقترن ببيئة مواتية وسياسات وطنية داعمة. كما يجب أن تكون الرسائل الصحية متسقة ومنسقة لتجنب سوء الفهم. وقد ثبتت فعالية الحملات الإعلامية الجماهيرية والبرامج المدرسية في تحسين التغذية والنشاط البدني. كما تعد رسائل الصحة العامة بشأن مخاطر سرطان الجلد الناجمة عن الإشعاع الشمسي والتعرض للرادون في المساكن فعالة لدى فئات سكانية بعينها.

ويتمثل النهج المتبع في الاتحاد الأوروبي، بدعم تقني من الوكالة الدولية لبحوث السرطان ومن خلال المدونة الأوروبية لمكافحة السرطان، في مجموعة بسيطة وواضحة وشاملة وقائمة على البيّنات من اثنتي عشرة رسالة للوقاية من السرطان، هي: الامتناع عن التدخين وعن أي شكل من أشكال التبغ؛ وجعل المنزل خالياً من التدخين ودعم سياسات منع التدخين في مكان العمل؛ والحفاظ على وزن صحي؛ وممارسة النشاط البدني في الحياة اليومية والحد من الوقت الذي يُقضى جلوساً؛ واتباع نظام غذائي صحي بالإكثار من الحبوب الكاملة والبقول والخضروات والفواكه، والحد من الأطعمة العالية السعرات الحرارية الغنية بالسكر أو الدهون وتجنب المشروبات السكرية، وتجنب اللحوم المصنعة والحد من اللحوم الحمراء والأطعمة الغنية بالملح؛ والحد من تناول الكحول بجميع أنواعه أو الامتناع عنه؛ وتجنب الإفراط في التعرض للشمس، ولا سيما الأطفال، واستخدام الحماية من الشمس وعدم استخدام أسرّة التسمير؛ وحماية النفس في مكان العمل من المواد المسببة للسرطان باتباع تعليمات الصحة والسلامة؛ والتحقق مما إذا كان المرء معرضاً لإشعاع ناجم عن ارتفاع مستويات الرادون في منزله والعمل على خفضها؛ وبالنسبة إلى النساء، الرضاعة الطبيعية قدر المستطاع لأنها تقلل خطر السرطان، والحد من استخدام العلاج الهرموني البديل الذي يزيد خطر بعض السرطانات؛ وضمان تطعيم الأطفال ضد التهاب الكبد B (للمواليد) وفيروس الورم الحليمي البشري؛ والمشاركة في برامج التحري المنظمة لسرطان الأمعاء (للرجال والنساء) وسرطان الثدي وسرطان عنق الرحم (للنساء).

التدابير المالية والتشريعية والتنظيمية للحد من التعرض: للسياسات الرامية إلى الحد من التعرض لعوامل خطر السرطان أثر واضح وراسخ. فقد تحقق تقدم كبير في خفض انتشار تعاطي التبغ من خلال تنفيذ تدابير الاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ. ويؤدي الحظر والتنظيم الصارمان لاستهلاك التبغ إلى الحد من التعرض، وتوليد مزيد من الإرادة السياسية، وتحقيق فوائد صحية طويلة الأمد. وتصبح البلدان التي تقل فيها التحذيرات الصحية العامة والقيود على الترويج لمنتجات التبغ والإعلان عنها ورعايتها هدفاً لشركات التبغ، ولا سيما مع تراجع قبول التدخين وربحيته في كثير من البلدان المرتفعة الدخل بفعل تزايد التنظيم. وفي السنوات الأخيرة طرحت صناعة التبغ طائفة من المنتجات التي توصل النيكوتين، منها منتجات التبغ المسخن ونظم إيصال النيكوتين الإلكترونية ونظم الإيصال الإلكترونية الخالية من النيكوتين. ومع أن مستوى الخطر المرتبط بنظم إيصال النيكوتين الإلكترونية لم يُحدد بعد على نحو قاطع، فإنها ضارة بلا شك، وينبغي تنظيمها بصرامة، والأهم إبعادها عن الأطفال. كما تعد مضغة التنبول وجوز الأريكا من مصادر التعرض الرئيسية لسرطانات الفم وغيرها في إقليمي جنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ، وينبغي تنظيمها كذلك.

وللحد من تعاطي الكحول على نحو ضار، أطلقت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها في عام 2018 مبادرة SAFER التي تتضمن خمس استراتيجيات عالية الأثر: تشديد القيود على توافر الكحول، وتطبيق تدابير صارمة لمكافحة القيادة تحت تأثيره، وتيسير الوصول إلى التحري والعلاج، وإنفاذ الحظر أو القيود على الإعلان والرعاية والترويج، ورفع الأسعار من خلال الضرائب الانتقائية وسياسات التسعير. وكلها تدخلات مثبتة للحد من الضرر الناجم عن الكحول.

كما ينبغي النظر في سياسات وتدابير تشريعية لمكافحة أنواع معينة من التعرض المهني، كالتعرض للسيليكا البلورية أو البنزين، التي يمكن أن تسبب السرطان للعمال المعرضين لها، بل لأسرهم في بعض الحالات. فهناك أكثر من 40 عاملاً ومزيجاً وظرف تعرض في بيئة العمل مسرطنة للبشر، تسهم في أكثر من 450 ألف وفاة مرتبطة بالسرطان سنوياً. ويمكن للمعايير الدولية أن تكون أيضاً مرجعاً للمعايير واللوائح الوطنية الرامية إلى الحد من تعرض الجمهور للمواد المسرطنة، كالمعايير الدولية والأوروبية الأساسية للأمان الإشعاعي.

برامج التطعيم ضد السرطانات الناجمة عن العدوى: يخفض التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري وفيروس التهاب الكبد B الإصابة بسرطاني عنق الرحم والكبد على التوالي. وكلاهما من التدخلات ذات الأولوية التي ينبغي إدراجها في الوقاية الأولية من السرطان، وتحقيق أقصى تغطية يضمن فعاليتها على مستوى السكان. ومع أن معظم البيانات مستقاة من البلدان المرتفعة الدخل، فهناك بيّنات على أن البرامج الرامية إلى زيادة تغطية التطعيم فعالة، ومنها الزيارات المنزلية، ونظم التذكير والاستدعاء، وخفض الإنفاق من الجيب، والبرامج المدرسية، أو جعل التطعيم إلزامياً.

ومع أن معظم السرطانات المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري تصيب النساء، فإن بعضها يصيب الجنسين أو الرجال وحدهم. ويوفر ارتفاع تغطية التطعيم بين الإناث حماية قوية للذكور أيضاً بفضل "أثر القطيع". ولذلك تعد الاستراتيجية الأكثر مردودية تطعيم الإناث، وموقف منظمة الصحة العالمية الحالي أن الهدف الأساسي للتطعيم ينبغي أن يكون الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 9 و14 عاماً. ويُتوقع أن تنخفض الكلفة الإجمالية للتطعيم أكثر مع ظهور مصنّعين ومنتجات وجداول جرعات محسّنة جديدة، مما قد يحسن مردودية تطعيم الذكور وأولويته.

ضمان بيئات صحية: تؤثر البيئات المادية والكيميائية والبيولوجية في الصحة وفي مخاطر السرطان. ومنها تلوث الهواء، والتعرض للإشعاع كالرادون (وهو غاز مشع طبيعي)، والبيئات الحضرية وبيئات العمل غير الصحية، والمواد المسرطنة المهنية. ويعد تلوث الهواء المحيط (الخارجي) والداخلي، ولا سيما عوادم محركات الديزل، من المواد المسرطنة المعروفة، وتستهدفها الاستراتيجية العالمية لمنظمة الصحة العالمية بشأن الصحة والبيئة وتغير المناخ. كما يزيد الإشعاع والرادون بجرعات عالية من مخاطر السرطان، ففي عام 2016 تسبب التعرض للرادون في المساكن في أكثر من 58 ألف وفاة بسرطان الرئة.

وينبغي وضع سياسات تدعم البرامج الوطنية في تحديد التركيزات المستهدفة ووضع اللوائح والبروتوكولات وتنفيذها للحد من التعرض. ومن الإجراءات الواجب اتخاذها لمنع التعرض للمواد المسرطنة المهنية أو تقليله: إزالة المواد المسرطنة أو استبدالها ببدائل أقل خطراً، وتجنب التعرض أو تقليله (عادة بالعزل والعمليات المغلقة)، وخفض كميات المواد المسرطنة إلى القيم الحدية التي تحددها سلطة وطنية مختصة، وتزويد العمال بمعدات الحماية الشخصية مع تقليص كمية العمل الذي ينطوي على التعرض ومدته.

وتشمل سياسات زيادة النشاط البدني التثقيف، وإعادة تصميم المشهد الحضري وأماكن العمل لتشجيع المشي وركوب الدراجات، وتوفير نقل عام جماعي كفء، وإدراج النشاط البدني في التعليم.

التدخلات السريرية: يستطيع الأفراد تغيير سلوكهم حين يُزوَّدون بالمعلومات ويُثقَّفون أثناء تعاملهم مع نظام الرعاية الصحية، بما في ذلك خدمات الدعم السريري. وقد تشمل الاستراتيجيات تعزيز الرعاية الصحية الأولية لزيادة فهم عوامل خطر السرطان وسائر الأمراض غير السارية، وبرامج الإقلاع، والإرشاد، وبرامج التطعيم. وتكتسي الأنشطة المقدمة في الرعاية الأولية قيمة خاصة في تعزيز الإنصاف، لأنها تلبي احتياجات الفئات المحرومة. ويمكن للتنسيق بين أنشطة الوقاية التي تنفذها الحكومة ومنظمات المجتمع المدني أن يعظّم فعاليتها.

العلوم والبرامج الناشئة

تبرز آفاق جديدة للوقاية من السرطان من البحث والابتكار في مجالات عدة، كتكييف الإجراءات الوقائية مع التعرض المحتمل لعوامل الخطر، وتقييم استراتيجيات الوقاية الكيميائية، وتطوير لقاحات جديدة للوقاية من السرطان. ويتضمن التقرير العالمي عن السرطان الصادر عن الوكالة الدولية لبحوث السرطان ملخصاً مفصلاً للعلوم الحالية والناشئة في مجال الوقاية من السرطان.

دراسة ذات صلة