الفصل الأول: العبء العالمي للسرطان في الحاضر والمستقبل
الرسائل الرئيسية
أولاً: في عام 2018 سُجّل ما يقدر بنحو 18 مليون حالة سرطان جديدة و10 ملايين وفاة بالسرطان في العالم. ويُتوقع أن يتضاعف العبء العالمي ليبلغ نحو 29 إلى 37 مليون حالة جديدة بحلول عام 2040، مع تسجيل أكبر الزيادات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
ثانياً: تقع حالات السرطان ووفياته على نحو غير منصف. فالبلدان ذات الدخل الأدنى تسجل نتائج سكانية أسوأ بكثير، وداخل البلدان نفسها يعاني الأشخاص في أدنى المستويات الاقتصادية نتائج أسوأ ويتعرضون أكثر من غيرهم للضائقة المالية.
ثالثاً: من بين 15 مليون وفاة وقعت بين سن 30 و69 عاماً (أي "الوفيات المبكرة") في عام 2018، كانت 4.5 ملايين وفاة بسبب السرطان. وفي 80% من البلدان تعيق اتجاهات الوفيات المبكرة بالسرطان التقدم نحو تحقيق الغاية 3.4 من أهداف التنمية المستدامة.
رابعاً: يعد توسيع نطاق مكافحة السرطان لتحقيق التغطية الصحية الشاملة أمراً أساسياً لتحسين النتائج وإنقاذ الأرواح في جميع البلدان.
فهم العبء العالمي للسرطان
تعد الأمراض غير السارية السبب الرئيسي للوفاة في العالم بفارق كبير، إذ كانت مسؤولة عن 71% من جميع الوفيات في عام 2016. ومن بين 15.2 مليون وفاة مبكرة، كانت 4.5 ملايين (29.7%) بسبب السرطان. ويحتل السرطان المرتبة الأولى أو الثانية بين أسباب الوفاة المبكرة في 134 بلداً من أصل 183 بلداً في العالم.
وفي عام 2018 سُجّل ما يقدر بنحو 18.1 مليون حالة جديدة و9.6 ملايين وفاة بالسرطان. وسيصاب شخص من كل خمسة أشخاص بالسرطان قبل بلوغه سن 75 عاماً.
والسرطان مسؤول بالفعل عن وفاة واحدة من كل ست وفيات في العالم. وتواصل أعداد الحالات والوفيات الجديدة ارتفاعها بسبب زيادة متوسط العمر المتوقع والتحولات الوبائية والديمغرافية. وتدعو الغاية 3.4 من أهداف التنمية المستدامة إلى خفض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير السارية بمقدار الثلث بحلول عام 2030. ومن المؤسف أن التقدم في مجال السرطان كان أبطأ من التقدم العام في مجال الأمراض غير السارية.
حجم السرطان وملامحه
يرجع التباين العالمي الكبير في أنواع السرطان الرئيسية إلى الاختلاف في التعرض لعوامل الخطر وفي متوسط العمر المتوقع. وتكون المعدلات الموحدة حسب العمر لمعظم أنواع السرطان أعلى في البلدان ذات المؤشر الأعلى للتنمية البشرية، وإن كانت بعض السرطانات، كساركومة كابوزي وسرطان عنق الرحم وسرطان البلعوم الأنفي، أكثر شيوعاً في البلدان ذات المؤشر المنخفض. وتشير الاختلافات بين البلدان في حدوث أكثر السرطانات شيوعاً إلى ضرورة أن تراعي الاستجابة الوطنية العبء الوبائي الخاص بكل بلد.
وفي عام 2018 كان سرطان الرئة أكثر السرطانات تشخيصاً (11.6% من مجموع الحالات)، يليه سرطان الثدي لدى النساء (11.6%) ثم سرطان القولون والمستقيم (10.2%). كما كان سرطان الرئة السبب الرئيسي للوفاة بالسرطان (18.4% من مجموع الوفيات)، يليه سرطان القولون والمستقيم (9.2%) ثم سرطان المعدة (8.2%). وتستأثر أكثر عشرة أنواع شيوعاً بما يتراوح بين 60% و70% من الإصابات والوفيات بالسرطان.
ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تراعي التنبؤات الطويلة الأمد أيضاً الاتجاهات الحديثة في المعدلات الوطنية الخاصة بكل نوع من السرطان وبكل جنس، استناداً إلى إسقاطات العمر والفترة الزمنية والفوج المولدي. غير أن المعلومات المتوافرة عن الإصابة بالسرطان والوفيات الناجمة عنه شحيحة للغاية في معظم أنحاء العالم. وقد أظهرت تحليلات استُخلصت فيها الاتجاهات الحديثة لمعدلات السرطانات الرئيسية في البلدان بحسب مؤشر التنمية البشرية من بيانات سجلات سرطان عالية الجودة، أن زيادة متوسط العمر المتوقع وشيخوخة السكان تسهمان بثلاثة أخماس الاتجاهات المستقبلية، فيما تسهم الزيادة في المعدلات الموحدة حسب العمر بالخمسين الباقيين. وإذا صحت هذه الافتراضات فإن الإصابات العالمية المتوقعة ستتضاعف لتبلغ نحو 37 مليون حالة سرطان جديدة بحلول عام 2040.
ومن حيث الأرقام المطلقة، يكون العبء أعلى في البلدان ذات المؤشر المرتفع والمرتفع جداً للتنمية البشرية، غير أن الزيادات ستكون من الناحية النسبية أكبر في البلدان ذات المؤشر المنخفض والمتوسط. ويمثل الارتفاع المرتقب في العدد السنوي لمرضى السرطان الجدد خلال العقود المقبلة، ولا سيما في البلدان ذات المؤشر المنخفض أو المتوسط، إشارة واضحة إلى ضرورة الاستثمار الفوري والسليم في مكافحة السرطان.
الاتجاهات الحديثة والعبء المستقبلي للسرطان
حدث تحول وبائي خلال السنوات الستين الماضية، إذ تراجعت الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية وتزايد عبء الأمراض غير السارية بما فيها السرطان. وقد أسهمت في هذا التحول تحسينات الصرف الصحي واكتشاف المضادات الحيوية وتطوير اللقاحات.
وتؤثر التغيرات في انتشار عوامل الخطر وتوزيعها تأثيراً قوياً في اتجاهات أنواع السرطان، مع ما يترتب على ذلك من آثار على استراتيجيات المكافحة. فعلى سبيل المثال، يرتبط اختلاف أثر وباء التدخين في معدلات الإصابة بسرطان الرئة بين البلدان ذات المؤشر المرتفع والبلدان ذات المؤشر الأدنى للتنمية البشرية بمدى انتشار تعاطي التبغ. فقد كانت البلدان ذات المؤشر المرتفع جداً أول من اعتاد التدخين ثم تخلى عنه، ولذلك أعقب الارتفاع المطرد في انتشار التدخين بين الرجال ثم بلوغه الذروة ثم انخفاضه نمطٌ مماثل في معدلات سرطان الرئة بعد عشرين إلى ثلاثين عاماً. وبالمثل، انخفضت الإصابة بالسرطانات المرتبطة بالعدوى، كسرطانات عنق الرحم والكبد والمعدة، انخفاضاً كبيراً خلال العقود الثلاثة الماضية في البلدان ذات المؤشر المرتفع جداً، لكنها ما زالت شائعة في البلدان ذات المؤشر المنخفض والمتوسط.
كما أن اتجاهات معدلات الوفيات محصلة للتغيرات في معدلات الإصابة ومعدلات البقاء على قيد الحياة، وهي ترتبط بقدرة النظام الصحي على التدبير العلاجي للسرطان، بما في ذلك التشخيص المبكر والوصول إلى العلاج الفعال. وقد خلصت الدراسات المتعلقة باحتمال البقاء على قيد الحياة بعد السرطان إلى نتيجتين واضحتين: أولاهما أن البقاء على قيد الحياة يمكن تحسينه بالاستثمار في التدبير العلاجي للسرطان، والثانية أن اتجاهات البقاء تختلف بحسب البلد والإقليم.
وينبغي مراعاة العبء الكامل للسرطان، بما في ذلك سرطانات الأطفال والسرطانات النادرة. فكثيراً ما لا يحظى سرطان الأطفال بالاعتراف الكافي، مما أفضى إلى عدم مساواة عالمية كبيرة. إذ يصيب السرطان أكثر من 300 ألف طفل سنوياً في أنحاء العالم، ويُتوقع أن يرتفع هذا المعدل مع السيطرة على الأسباب المنافسة للوفاة كالأمراض السارية. وقد أظهرت دراسات عبء سرطان الأطفال تفاوتاً واسعاً بين البلدان، إذ تقل كثيراً احتمالات حصول الأطفال في البلدان ذات المؤشر المنخفض والمتوسط للتنمية البشرية على الرعاية أو تلقيهم علاجاً ناجحاً.
أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في السرطان
تقع حالات السرطان ووفياته على نحو غير متكافئ. فأوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، كالفوارق في الدخل والتعليم والسكن والعمل والنظام الغذائي والثقافة والنوع الاجتماعي والانتماء العرقي والبيئة، يمكن أن تؤثر في عبء السرطان. والفئات المحرومة اجتماعياً واقتصادياً تعاني نتائج أسوأ، لأنها أكثر عرضة للإصابة بسرطانات يمكن الوقاية منها تُشخَّص في مرحلة متأخرة وبتوقعات سيئة، وأكثر عرضة لعدم الحصول على علاج كافٍ. وللحد من عدم المساواة، ينبغي أن تتضمن مكافحة السرطان أنشطة موجهة لتقليل تعرض هذه الفئات لعوامل الخطر التي يمكن تجنبها.
المحددات الاجتماعية والاقتصادية للسرطان
المحددات الصحية والإصابة بالسرطان: تؤثر المحددات الصحية، كالعوامل البيولوجية والبيئات المادية والاجتماعية والوضع الاقتصادي، في الإصابة بالسرطان ونتائجه. فتعاطي التبغ مثلاً أكثر انتشاراً بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأدنى في البلدان ذات المؤشر الأعلى للتنمية البشرية، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات السرطانات المرتبطة بالتبغ بنسبة تتراوح بين 60% و90%. ويُعزى التوزيع المتفاوت لمعدلات السرطان بحسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي جزئياً إلى الاختلافات في تعاطي التبغ واستهلاك الكحول والتغذية غير الصحية والسمنة وقلة النشاط البدني.
وتسهم العوامل البيئية كذلك في عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في السرطان. فانتشار عدد من السرطانات الشائعة المرتبطة بالعدوى، كسرطانات المعدة (الملوية البوابية) وعنق الرحم (فيروس الورم الحليمي البشري) والكبد (فيروسا التهاب الكبد B وC)، أعلى بين أشد الفئات حرماناً، على الصعيدين الوطني ودون الوطني، مع ارتفاع النسب الإجمالية للسرطانات المرتبطة بالعدوى في البلدان الأدنى دخلاً وفي الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأدنى. ويؤدي عدم تكافؤ الوصول إلى سياسات الوقاية من السرطان وبرامجها إلى تفاقم عدم المساواة بمرور الوقت. ففي عام 2014، تلقت 34% من الشابات في البلدان المرتفعة الدخل جرعات كاملة من لقاح فيروس الورم الحليمي البشري، مقابل 3% فقط في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وقد تحقق تقدم مؤخراً، فبعد أن كان الحصول على هذا اللقاح مقتصراً في السابق على الفتيات في البلدان المرتفعة الدخل أساساً، يُتوقع بحلول عام 2020 أن تُعطى معظم جرعاته لفتيات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
ومن حيث الأرقام المطلقة، يكون عبء السرطان أعلى في البلدان ذات المؤشر المرتفع والمرتفع جداً للتنمية البشرية، لكن الزيادات ستكون نسبياً أكبر في البلدان ذات المؤشر المنخفض والمتوسط. وبحلول عام 2040 ستقع 67% من حالات السرطان السنوية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
ويواجه المتعايشون مع فيروس العوز المناعي البشري خطراً أعلى للإصابة بعدة سرطانات، ولا سيما السرطانات المحددة للإيدز (ساركومة كابوزي واللمفومات اللاهودجكينية وسرطان عنق الرحم الغازي)، وتلك المرتبطة بعوامل معدية (كسرطان الشرج الناجم عن فيروس الورم الحليمي البشري، ولمفومة هودجكين المرتبطة بفيروس إبشتاين بار، وسرطان الكبد المرتبط بفيروسي التهاب الكبد B وC). وقد أسهمت تدخلات الصحة العامة لمكافحة فيروس العوز المناعي البشري بالفعل في الحد من تنامي عبء السرطان. ومع تحسن العلاج وزيادة متوسط العمر المتوقع للمتعايشين مع الفيروس، سيلزم مزيد من الاستثمار في التجارب السريرية لتحديد أنجع استراتيجيات الوقاية من السرطان ومكافحته لديهم.
المحددات الصحية والوفيات الناجمة عن السرطان: ترتبط الوفيات الناجمة عن السرطان ارتباطاً وثيقاً بمرحلة السرطان عند التشخيص وبجودة العلاج. وكثيراً ما تتأخر الفئات المحرومة في طلب الرعاية، وتواجه عوائق جغرافية واقتصادية أمام الحصول عليها، وتشارك بدرجة أقل في برامج التحري، مما يؤدي إلى مزيد من التشخيصات المتأخرة وفروق واضحة في النتائج. وحتى عند تشخيص السرطانات في مرحلة مبكرة، تكون الفئات المحرومة عموماً أكثر عرضة لتلقي رعاية أدنى جودة، أو لعدم إتمام العلاج، أو للانتقال إلى رعاية غير علاجية في حالة السرطانات ذات التوقعات السيئة.
وحتى في البلدان التي تكفل التعليم والرعاية الصحية للجميع، قد تظل النتائج غير متكافئة. ولذلك تلزم نُهج سكانية واسعة ومتضافرة، كزيادة التعليم والإلمام الصحي وإتاحة الخدمات السريرية للفئات المحرومة.
العواقب الاجتماعية والاقتصادية للسرطان
تأثر الجميع تقريباً بتشخيص السرطان، سواء في أنفسهم أو في أسرهم أو أصدقائهم. فالسرطان لا يصيب المرضى وحدهم، بل يطال أسرهم وأصدقاءهم ومجتمعاتهم. ويعاني مرضى السرطان معدلات مرتفعة من الضائقة المالية، وتصل في كثير من الحالات إلى حد الكارثة، وهو ما يتفاقم بمرور الوقت مع ارتفاع كلفة رعاية السرطان. ففي جنوب شرق آسيا مثلاً يبلغ معدل الإنفاق الكارثي 70% أو أكثر. وقد تزيد الضائقة المالية الشديدة بعد تشخيص السرطان من احتمال الوفاة، حتى بعد علاج يبدو فعالاً.
وتمتد الضائقة النفسية والمالية إلى الأسر ومقدمي الرعاية، ولا سيما عند محدودية الوصول إلى الرعاية أو انعدامه أو عندما تكون كلفتها باهظة. فكثيراً ما يقدم أفراد الأسرة ومقدمو الرعاية رعاية غير مدفوعة الأجر قد تؤدي إلى فقدان العمل والضائقة المالية وتدهور الصحة الجسدية والنفسية. كما يعاني أطفال الوالد المصاب بالسرطان نتائج صحية أسوأ.
ويؤثر عبء السرطان في اقتصاد البلد بسبب التغيب عن العمل وفقدان الإنتاجية والوفيات المبكرة. فقد قُدّرت الخسارة في الإنتاجية الناجمة عن الوفيات المبكرة بالسرطان في البرازيل والصين والهند والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا عام 2012 بنحو 46.3 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 0.2% إلى 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي لتلك البلدان. وفي عام 2009 قُدّرت الكلفة الإجمالية للوفيات المبكرة المرتبطة بالسرطان في أوروبا بنحو 945.7 مليون يورو. وتستطيع البلدان التي تطبق التغطية الصحية الشاملة حماية الناس من هذه العواقب الاقتصادية والاجتماعية السلبية وتحسين نتائجهم.
تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالسرطان
يعد خفض عبء السرطان عنصراً حيوياً للوفاء بالالتزامات المتعلقة بالحد من الوفيات المبكرة والإعاقة الناجمة عن الأمراض غير السارية، ولا سيما الغاية 3.4 من أهداف التنمية المستدامة. ففي عام 2015 بلغ احتمال الوفاة المبكرة بسبب الأمراض غير السارية 7.5% في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل و6.8% في البلدان المرتفعة الدخل.
ولا يسير على المسار الصحيح لتحقيق خفض الوفيات المبكرة بالسرطان بمقدار الثلث بحلول عام 2030 سوى 12 بلداً في العالم. وسيتطلب بلوغ الغاية 3.4 مزيداً من الاستثمار في السرطان وغيره من الأمراض غير السارية.
وفي حين تحقق تقدم كبير في البلدان المرتفعة الدخل بفضل الاتجاهات المواتية في الإصابة بالسرطان ووفياته، والتي تُعزى مباشرة إلى التطورات في مكافحته، جاء التقدم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بطيئاً وغير كافٍ، ولا بد من تسريعه.
