الفصل الأول: نظرة عامة
يتناول هذا الفصل التعلم مدى الحياة بوصفه أولوية استراتيجية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مسلطاً الضوء على الفجوات المستمرة والفرص الناشئة. ومستعيناً بالبيانات التي جمعها مرصد آفاق السياسات التعليمية وبقواعد بيانات أخرى للمنظمة، يستعرض الفصل التقدم المحدود في النهوض بالتعلم مدى الحياة، ويحدد التحديات الرئيسية المرتبطة بالتغير الديموغرافي والرقمنة واتساع أوجه عدم المساواة. ويؤكد الفصل أهمية فاعلية المتعلم، مركزاً على الكيفية التي تشكّل بها إرادة الأفراد ومهاراتهم ووسائلهم قدرتهم على الانخراط في التعلم عبر مراحل الحياة. كما يقدم مفهوم اللحظات الحاسمة في مسيرة التعلم، مركزاً على الطفولة المبكرة، والمراهقة المبكرة والمتوسطة، ومنتصف المسار المهني، والاقتراب من التقاعد. ويمهد هذا التحليل الطريق أمام السياسات لتتجاوز المبادرات المجزأة وتقوّي أنظمة التعلم مدى الحياة في سياقات عالمية تزداد ديناميكية.
باختصار: اللحظات الحاسمة للتعلم مدى الحياة
يمثل التعلم مدى الحياة أولوية استراتيجية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وركيزة لبناء مجتمعات شاملة وقادرة على الصمود ومستعدة للمستقبل، فهو يدعم التنافسية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي ورفاه الأفراد. ومع ذلك، ورغم عقود من الالتزامات السياسية، ما يزال التقدم نحو التعلم مدى الحياة متفاوتاً وغير متسق عبر مراحل الحياة المختلفة وصيغ التعلم المتنوعة.
ويزداد هذا الوضع صعوبة بفعل التحولات الديموغرافية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. فالناس يعيشون ويعملون مدداً أطول، في حين أصبحت المسارات المهنية غير خطية، وكثيراً ما تتضمن تغييرات متعددة في الوظائف وفترات انقطاع ومراحل انتقالية. وفي الوقت ذاته، تعيد التطورات التكنولوجية كالذكاء الاصطناعي والأتمتة تشكيل الطلب على المهارات. وتعني هذه التطورات أن المسار التقليدي، الذي يُتم فيه الناس تعليمهم في سن مبكرة ثم يعملون عقوداً ثم يتقاعدون، لم يعد يتوافق مع واقع الحياة الحديثة. ومن دون تحول نحو التعلم المستمر مدى الحياة، يواجه الأفراد خطر تقادم مهاراتهم، وتواجه الاقتصادات خطر فقدان تنافسيتها. ولذلك يتعين على صانعي السياسات أن يضمنوا توافر فرص مستمرة للناس لرفع مهاراتهم وإعادة تأهيلهم طوال حياتهم. وعلى الرغم من تنامي هذه الحاجة، تقصر الأنظمة الحالية عن تلبيتها، إذ ما يزال الوصول إلى تعليم ورعاية عاليي الجودة في مرحلة الطفولة المبكرة متفاوتاً بين دول المنظمة وداخلها، وقد ركدت المشاركة في التعليم والتدريب عبر مراحل الحياة منذ عام 2012، وتتراجع المهارات الأساسية كالحساب والقراءة والكتابة في كثير من دول المنظمة.
وتؤكد هذه الاتجاهات الحاجة إلى تغيير منهجي. والمشجع أن فرصاً جديدة تبرز لسد هذه الفجوات، فنماذج التعلم المرنة كالشهادات المصغرة والمقررات النمطية توسع نطاق الوصول وتتيح مسارات تعلم أكثر ملاءمة واستجابة. كما أن تحسن الجاهزية الرقمية للمدارس والمعلمين يمهد الأرضية لأنواع جديدة من خبرات التعلم الجاذبة.
وتطلعاً إلى المستقبل، يمكن لصانعي السياسات، لتحويل التعلم مدى الحياة إلى واقع، أن يضعوا فاعلية المتعلم في صميم تصميم السياسات بما يضمن امتلاك الأفراد الدافعية والقدرة والموارد اللازمة للانخراط في التعلم، وأن يقووا إرادة المتعلمين ومهاراتهم ووسائلهم بما يمكّنهم من تحديد المعرفة الجديدة واكتسابها وتطبيقها في سياقات متنوعة، وأن يستهدفوا اللحظات الحاسمة في مسيرة التعلم لتحقيق أثر سياسي فعال من حيث التكلفة. وتشمل هذه اللحظات الطفولة المبكرة، حيث يعزز التعليم والرعاية عاليا الجودة النمو المعرفي والاجتماعي والعاطفي التأسيسي؛ والمراهقة المبكرة والمتوسطة، وهي مرحلة رئيسية لتشكيل الدافعية والهوية والثقافة الرقمية؛ ومنتصف المسار المهني، حين قد يطرح تحقيق التوازن مع الحياة الشخصية تحديات عديدة، ويشكل تراجع المهارات المحتمل ونقص الدافعية مخاطر كبيرة؛ والاقتراب من التقاعد، حين قد تتراجع المهارات أكثر، ويمكن لإعادة تأطير قيمة التعلم أن تطيل الحياة العملية وتدعم انتقالاً سلساً إلى ما بعد التقاعد.
ومن خلال الاستثمار في هذه اللحظات الحاسمة وتمكين الأفراد بالإرادة والمهارات والوسائل اللازمة للتعلم، تستطيع الدول بناء مستقبل أكثر إنصافاً وقدرة على التكيف واستدامة.
مقدمة
يدعو إعلان وزراء التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2022 بشأن بناء مجتمعات منصفة عبر التعليم إلى تبني منظور أقوى للتعلم مدى الحياة، ويشجع على دمج بيئات التعلم النظامية وغير النظامية وغير الرسمية لتحسين مخرجات التعليم والتدريب للجميع. ويرسم الإعلان رؤية تشمل الطفل بكليته والمجتمع بأسره، ويحث الأنظمة التعليمية على الاستفادة من المساحات والوقت والتكنولوجيا والموارد البشرية لإيجاد فرص تعلم أكثر إنصافاً وتأثيراً.
وبعد ثلاث سنوات، ما تزال رسائل الإعلان وثيقة الصلة بالواقع. فالتسلسل التقليدي المكون من التعليم ثم العمل ثم التقاعد لم يعد يعكس الواقع الديناميكي الراهن، إذ يعيش الناس أعماراً أطول، وتتسارع وتيرة التغير الاجتماعي والتكنولوجي باستمرار. ويواجه الأفراد اليوم مسيرة تعلم تختلف اختلافاً ملحوظاً عما كانت عليه قبل عقدين، إذ يتعين عليهم التكيف المستمر مع تقنيات وسياقات متطورة، بدءاً من المهام اليومية وصولاً إلى الأنشطة المهنية المعقدة.
ويستقطب الدور المتنامي للتقنيات الرقمية، من الطفولة المبكرة حتى البلوغ، اهتماماً متزايداً من صانعي السياسات. وتركز النقاشات السياسية بصورة متزايدة على الوصول الرقمي والقدرات الرقمية، وعلى آثار التقنيات في نمو الطفل ومهارات القراءة والكتابة والسلامة، وانعكاساتها على مخرجات التعلم والرفاه. ويؤكد هذا التحول في محور الاهتمام الحاجة الملحة إلى إعداد المتعلمين لمستقبل رقمي.
ويتعين على الحكومات أن تضمن تطور التعلم مدى الحياة بالتوازي مع التغير التكنولوجي، وأن تقدم للأفراد الدعم اللازم للاستباق والتكيف والازدهار. ويعني ذلك دعم المهارات الناشئة، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص، وتقديم دعم استباقي كالإرشاد المهني وبرامج إعادة التأهيل لمساعدة الناس على تطوير أنفسهم. ولا يقل عن ذلك أهمية معالجة الهوة الفاصلة بين الأفراد المهيئين جيداً لتطوير مهاراتهم باستمرار وأولئك المعرضين لخطر التخلف عن الركب. وكثيراً ما تعكس هذه الفجوة فروقاً في الوصول إلى التعليم والبنية التحتية الرقمية والتدريب الذي يدعمه أصحاب العمل. ومن دون عمل سياسي منسق، قد تتسع هذه الفوارق بمرور الوقت، فتعمّق الحرمان الاجتماعي وتحدّ من الفرص مع تقدم الناس في العمر.
وللاستجابة بفعالية، تحتاج الحكومات إلى استكشاف سبل الاستثمار الذكي. ومن المقاربات الفعالة التركيز على لحظات رئيسية في حياة الفرد يمكن فيها للدعم الموجه أن يحدث أكبر الأثر. ويتناول هذا الفصل السياسات المتبعة خلال أربع مراحل حاسمة في مسيرة التعلم، حُددت عبر أدلة واسعة من المنظمة ومن المستوى الدولي بوصفها فترات تتقاطع فيها إمكانات التعلم وتحولات الحياة وقدرة السياسات على التأثير بأقوى صورة. فالطفولة المبكرة تضع أسس الفضول والتنظيم الذاتي والتعلم المبكر، ويحقق الاستثمار المبكر فيها أعلى العوائد على امتداد العمر. والمراهقة المبكرة والمتوسطة حاسمة في تشكيل الدافعية والهوية والانخراط قبل نهاية التعليم الإلزامي في كثير من الدول. ويمثل منتصف المسار المهني خطراً لتقادم المهارات، وفرصة للتجديد ورفع المهارات في آن واحد. أما الاقتراب من التقاعد فيكتسب أهمية متزايدة في المجتمعات الآخذة في الشيخوخة، إذ يمكن للتعلم مدى الحياة أن يطيل القدرة على التوظيف، وأن يعزز الاندماج المهني والاجتماعي والرفاه.
وتُظهر الأدلة المستقاة من مسوح المنظمة وأعمالها الموضوعية، بما فيها مسح مهارات البالغين PIAAC والبرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA ومسح المهارات الاجتماعية والعاطفية SSES ومراجعات التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة، بشكل متسق أن الإجراءات السياسية المتخذة في هذه اللحظات يمكن أن تولّد منافع مضاعفة على امتداد الحياة. فالطفولة المبكرة والمراهقة نقطتا انعطاف نمائيتان تكون فيهما القدرات المعرفية والاجتماعية والعاطفية قابلة للتشكيل على نحو خاص، ويمكن فيهما لأوجه عدم المساواة أن تتسع أو تضيق. أما مرحلتا منتصف المسار المهني وما قبل التقاعد فهما مرحلتان انتقاليتان رئيسيتان في الحياة العملية، يجعل فيهما التغير التكنولوجي وتبدل الأدوار إعادة التأهيل والتكيف أمراً لا غنى عنه.
وتوفر هذه اللحظات مجتمعة إطاراً مقارناً لتخصيص الموارد استراتيجياً ولخيارات التصميم. وهي ليست النقاط الوحيدة التي يكون فيها للتعلم أهمية، لكنها فترات تشير الأدلة إلى أن السياسات المتسقة المدروسة التوقيت فيها قادرة على تحقيق أكبر أثر تراكمي على الأفراد والاقتصادات والمجتمعات.
ويقدم هذا الفصل أولاً لمحة عامة عن السياق السياسي العالمي الذي يواجهه المتعلمون مدى الحياة اليوم، مبرزاً التحديات والفرص الناشئة، ثم يطور مفهوم التعلم مدى الحياة عبر اللحظات الحاسمة، تمهيداً للتحليل الأكثر تفصيلاً في الفصول اللاحقة.
أين نقف بوصفنا متعلمين مدى الحياة؟ الاتجاهات والفجوات والفرص
ظل التعلم مدى الحياة أولوية راسخة لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وقد أعيد تأكيد الالتزام به في اجتماعي وزراء التعليم لعامي 1996 و2022. وانسجاماً مع الأجندة الدولية، بما فيها رؤية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للتعلم مدى الحياة، تؤكد هذه الإعلانات على دعم المتعلمين من السنوات الأولى حتى الشيخوخة، ودمج التعلم النظامي وغير النظامي وغير الرسمي، وضمان فرص منصفة طوال حياة الناس. ومع ذلك، ورغم هذه الجهود، جاء التقدم متفاوتاً بين الدول وعبر مراحل الحياة.
تقدم محدود
في كثير من الدول، ما يزال التعلم مدى الحياة مقترناً في الأذهان على نحو ضيق بتعلم البالغين أو التعليم المستمر. وكثيراً ما يقيّد هذا الفهم المحدود الطموحات السياسية وتخصيص الموارد، فتبقى الاستثمارات متفاوتة عبر مراحل الحياة، وتأتي استراتيجيات التعلم مدى الحياة في الغالب مجزأة أو ذات طابع ردّ الفعل. كما يمكن لتبدل الأولويات السياسية أن يعيق التقدم أكثر، فيصعب الحفاظ على التزامات طويلة الأمد.
ومن أكثر الطرق فاعلية لإطلاق التعلم مدى الحياة ضمان حصول جميع الأطفال على تعليم ورعاية عاليي الجودة في مرحلة الطفولة المبكرة. فهذه السنوات الأولى تضع الأساس للفضول والتنظيم الذاتي والمهارات الاجتماعية والعاطفية، وهي سمات تتنبأ بقوة بالانخراط المستقبلي في التعلم. وقد ارتفعت نسبة الأطفال الملتحقين بالتعليم والرعاية في الطفولة المبكرة ارتفاعاً كبيراً خلال العقد الماضي في كثير من دول المنظمة واقتصاداتها، غير أن الفوارق ما تزال قائمة. فبينما يلتحق 85% من الأطفال بين الثالثة والخامسة بالتعليم في الطفولة المبكرة، يبقى الالتحاق منخفضاً عند 29% لمن هم بين الولادة والثانية من العمر، ويظل الأطفال من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة أقل مشاركة باستمرار أو أقل وصولاً إلى الخدمات عالية الجودة. ولهذه الفوارق أهميتها، إذ يُعد التعليم والرعاية عاليا الجودة في الطفولة المبكرة من أكثر الأدوات فعالية من حيث التكلفة لبناء المهارات المبكرة، مع آثار قوية بشكل خاص لدى الأطفال الأكثر هشاشة وآثار دائمة على الأداء الأكاديمي اللاحق.
وبعد انتقال الأطفال إلى المدرسة الابتدائية، حققت معظم دول المنظمة التحاقاً شبه شامل للأطفال بين السادسة والرابعة عشرة، بمعدلات تتجاوز 98%. أما بعد التعليم الإلزامي، فقد ركد الالتحاق بالتعليم النظامي، وما تزال بعض الدول تواجه معدلات تسرب مرتفعة في التعليم الثانوي الأعلى والتعليم العالي على حد سواء.
والوضع في مرحلة البلوغ مثير للقلق بالقدر ذاته. إذ تُظهر البيانات أن الانخراط في التعليم النظامي وغير النظامي لم يتحسن بين البالغين في كثير من الدول منذ عام 2012. فقد ركد بين البالغين من سن 25 إلى 65، وتراجع لدى من تتراوح أعمارهم بين 35 و55 عاماً، إذ لم يشارك في المتوسط سوى 43% من هذه الفئة العمرية الأخيرة خلال العام السابق. وشهد الأكبر سناً تراجعاً أكبر في المشاركة، إذ لم يُفد سوى 26% ممن تتراوح أعمارهم بين 55 و65 عاماً بمشاركتهم في أي تعلم مرتبط بالعمل خلال الاثني عشر شهراً السابقة.
كما أن نتائج التعلم آخذة في التراجع. فبيانات طلبة الصف الرابع (الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والعاشرة بحسب سياسات الدول في سن الالتحاق بالمدرسة) المستقاة من دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم TIMSS لعام 2023 تُظهر تراجعاً في الأداء في الرياضيات. وبالنسبة إلى الطلبة في سن الخامسة عشرة، تُظهر نتائج PISA لعام 2022 انخفاضاً يزيد على 3 نقاط مئوية في الأداء في الرياضيات مقارنة بعام 2012، في استمرار لاتجاه نزولي بدأ قبل جائحة كوفيد 19.
وأداء البالغين في المهارات آخذ في الانحسار أيضاً. ففي معظم دول المنظمة، ركدت الكفاءة في القراءة والكتابة والحساب أو تراجعت بين عامي 2012 و2023، مع وجود نسبة كبيرة من البالغين ذوي المهارات المتدنية. ويبرز التراجع في الحساب أكثر ما يبرز لدى الفئات العمرية من 55 إلى 65 عاماً ومن 35 إلى 44 عاماً ومن 25 إلى 34 عاماً، وفقاً لقياسات مسح مهارات البالغين PIAAC. ومن دون انخراط مستمر في تعلم جيد، يخاطر البالغون بفقدان كفايات بالغة الأهمية، لا سيما في الحساب والرياضيات، اللذين يُعدان محوريين للنجاح في اقتصادات تزداد رقمنة واعتماداً على البيانات. ورغم أن هذه المهارات تُصاغ مفاهيمياً بصور مختلفة في المسوح التي جرى تحليلها، فإن الأدلة مجتمعة تشير إلى تعثر في تنمية المهارات عبر مراحل الحياة.
وفي المقابل، تُظهر بعض الدول تحسناً ملحوظاً في مستويات الكفاءة، تتصدرها فنلندا وسنغافورة، تليهما إستونيا والنرويج وتشيلي والدنمارك. وتشير هذه النتائج إلى أن التدخلات السياسية الموجهة أو الإصلاحات التعليمية قادرة على تعزيز مهارات الحساب لدى فئات عمرية مختلفة من 16 إلى 65 عاماً، وعلى تقوية التعلم مدى الحياة.
احتياجات مهارية سريعة التطور
تثير أنماط تراجع المهارات هذه قلقاً خاصاً حين يؤخذ في الاعتبار مدى سرعة تجاوز متطلبات سوق العمل لدورات التعليم التقليدية. فالتقنيات الجديدة والتحول الأخضر وأشكال العمل المتغيرة تعيد تشكيل الطلب بسرعة، وحتى الأفراد ذوو المؤهلات الجيدة معرضون لخطر التخلف من دون رفع مهاراتهم وإعادة تأهيلهم في الوقت المناسب. كما أن التحولات الديموغرافية، ومنها شيخوخة السكان وطول الحياة العملية، تؤكد أهمية دعم المتعلمين في منتصف مسارهم المهني وقبيل التقاعد.
وتشير الأدلة الحديثة أيضاً إلى أن المهارات المكتسبة في وقت مبكر من الحياة لا تُستخدم دائماً استخداماً كاملاً ولا تُحدَّث باستمرار. ففي دول المنظمة، يبدو أن ما يقارب عاملاً واحداً من كل أربعة يحمل مؤهلات أو مهارات تفوق متطلبات وظيفته، مما يحد من الإنتاجية ويهدر رأس المال البشري. وفي المقابل، يحمل نحو عامل واحد من كل عشرة مؤهلات أو مهارات تقل عن متطلبات وظيفته، مما يعرضه لانعدام الأمان الوظيفي ويقلص الحراك الاجتماعي. ويعمل أكثر من ثلث العاملين في مجالات لا صلة لها بتعليمهم النظامي، وهو ما يعكس عدم مواءمة بين التعلم واحتياجات سوق العمل.
وفي سياق المسارات المهنية الأقل خطية، وتغيير الوظائف الأكثر تواتراً، والتبني السريع للتكنولوجيا، تواجه الأنظمة ضغوطاً مستمرة لتقديم استجابات موجهة وفعالة من حيث التكلفة. ورغم أن وتيرة التغيير قد تبدو مربكة، فإن التحول الرقمي ذاته الذي يولد متطلبات مهارية جديدة يتيح أيضاً أدوات قوية لتلبيتها. فالرقمنة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، توفر فرصاً غير مسبوقة لتوسيع الوصول إلى التعلم خارج الفصول التقليدية، وتمكّن من تقديم تدريب مصمم وفق الاحتياجات على نطاق واسع، وتحسّن المواءمة مع احتياجات سوق العمل المتطورة.
كما تفيد المدارس والمعلمون بجاهزية أكبر لاستخدام الأدوات الرقمية، وهي جاهزية تسارعت بفعل التعلم عن بُعد خلال جائحة كوفيد 19. فوفقاً لتقارير مديري المدارس التي جمعها برنامج PISA في 68 دولة من دول المنظمة والدول الشريكة التي تتوافر لها معلومات، ارتفعت نسبة المعلمين الذين يُنظر إليهم على أنهم يمتلكون المهارات التقنية والتربوية لدمج الأجهزة الرقمية في التدريس من 68% إلى 90% بين عامي 2018 و2022، أي بزيادة قدرها 22 نقطة مئوية.
وخلال الفترة ذاتها، ارتفع الوصول إلى منصات التعلم الإلكتروني من 52% إلى 81%، مدفوعاً بالاستثمارات والتوسع السريع خلال الجائحة. كما أصبحت الموارد المهنية الداعمة للمعلمين في استخدام الأجهزة الرقمية أكثر توافراً، إذ بلغت 80% عبر الدول. ولوحظت تحسينات أصغر حجماً لكنها ذات دلالة في توافر موظفي الدعم الفني المؤهلين وفي الحوافز المقدمة للمعلمين لدمج الأدوات الرقمية، وإن ظلت هذه الحوافز دون 60%. ورغم أن هذه تصورات عن الجاهزية وليست مقاييس مباشرة لها، فإنها تدل على تقدم مهم.
وفي الوقت ذاته، ينبغي للأنظمة أن تقيّم بموضوعية أين وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تضيف قيمة إلى التعليم والتعلم. فعلى الرغم من الاستثمارات المالية الكبيرة، ما تزال التكنولوجيا الرقمية لا تُحدث تحولاً في التعليم والتعلم على نطاق واسع. وتُظهر نتائج PISA لعام 2022 أنه في حين قد يكون قدر يسير من الوقت اليومي على الأجهزة الرقمية لأغراض التعلم مفيداً، فإن الوقت الإضافي بعد الساعة الأولى يرتبط عادة بأداء أدنى. ووفقاً لتقارير الطلبة، يتجاوز متوسط الوقت المخصص للتعلم عبر الأجهزة الرقمية في اليوم الدراسي ساعة واحدة في جميع الأنظمة التعليمية لدول المنظمة، بمتوسط يبلغ ساعتين. وفي 21 نظاماً من أنظمة المنظمة، ترتبط كل ساعة إضافية بتراجع في الأداء في الرياضيات يقارب نقطتين. ويبرز ذلك الحاجة إلى ضمان بقاء عمليات التعليم والتعلم في صميم أي ابتكار رقمي.
وتتيح نماذج التعلم المرنة، كالشهادات المصغرة والمقررات النمطية، للأفراد اكتساب المهارات بطرق أكثر تركيزاً وقدرة على التكيف. كما يمكن لآليات التمويل المبتكرة، كحسابات التعلم الفردية (وهي حسابات افتراضية يراكم فيها الأفراد حقوقاً في التدريب بمرور الوقت)، أن تمكّن البالغين من تولي زمام مسارات تعلمهم بدرجة أكبر. ويمكن للتقدم في الاعتراف بالمهارات المكتسبة خارج التعليم النظامي والتحقق منها أن يوسع دائرة الشمول. كما يستثمر أصحاب العمل، ولا سيما الشركات الكبرى، بصورة متزايدة في تدريب القوى العاملة، إدراكاً منهم للأهمية الاستراتيجية للمهارات.
ولذلك ينبغي لصانعي السياسات أن يضمنوا ألا تكون الأدوات الرقمية ونماذج التعلم المرنة وابتكارات التمويل غايات في ذاتها، بل أن تعزز فعلياً فاعلية المتعلمين بوصفهم متعلمين مدى الحياة فعّالين، حتى يتمكن الناس من جميع الأعمار من التكيف مع السياقات المتطورة والازدهار في خضم التغيير.
المكونات الرئيسية للتعلم مدى الحياة: الإرادة والمهارات والوسائل
يُعرّف هذا التقرير المتعلمين مدى الحياة بأنهم "الأفراد الذين ينخرطون في التعلم بصورة استباقية عبر تعبئة إرادتهم ومهاراتهم ووسائلهم لتحديد المعرفة الجديدة واكتسابها وتطبيقها في سياقات متنوعة". ويضع هذا التعريف الفاعلية في صميم التعلم مدى الحياة، وهو مستند إلى بيانات المنظمة وإلى أعمال سابقة لمرصد آفاق السياسات التعليمية، دعماً لمتابعة الأهداف التي أرساها الإعلان.
وبناء على ذلك، تشير الإرادة إلى المواقف والاستعدادات التي تحفز الأفراد على التعلم، بما فيها الفاعلية والفضول وعقلية النمو والمثابرة والانفتاح على وجهات النظر المتنوعة. ويتزايد الاعتراف بهذه السمات الذاتية والأداتية بوصفها محركات رئيسية للتعلم المستمر.
وتشمل المهارات الكفايات الأساسية والكفايات العليا على حد سواء. فالمهارات الجوهرية كالقراءة والكتابة والحساب تشكل الأساس لقدرات أكثر تعقيداً، منها المهارات ما وراء المعرفية، كالقدرة على تخطيط التعلم ومراقبته وتكييفه وتعميقه بمرور الوقت، وذلك من قبيل مراقبة المرء لتعلمه، وتبني استراتيجيات استباقية، وممارسة التفكير النقدي.
أما الوسائل فهي الممكّنات التي تجعل المشاركة ممكنة. وتشمل الوصول إلى بيئات تعلم ملائمة (كالأسر والكوادر التعليمية ومراكز التوظيف والبنى التحتية الاجتماعية)، والأدوات الرقمية وغير الرقمية، والشهادات المعترف بها (كالدرجات العلمية والشهادات المهنية والشهادات المصغرة)، والموارد الرئيسية كالوقت أو الدعم المالي. وتحدد جودة هذه الوسائل وسهولة الوصول إليها مدى فعالية التعلم مدى الحياة.
ورغم أن التعلم مدى الحياة عملية مستمرة من المهد إلى اللحد، فإن الأنظمة التعليمية يمكن أن تستفيد أيضاً من تبني مقاربة استراتيجية تعطي الأولوية للحظات الحاسمة في حياة الأفراد. ففي هذه اللحظات التي تشهد تحولات شخصية أو مهنية أو اجتماعية، يمكن لسياسات التعليم أن تدعم إرادة الأفراد ومهاراتهم ووسائلهم في البيئات الرقمية وغير الرقمية على حد سواء. وبذلك تستطيع الحكومات مساعدة الأفراد على تشكيل ذواتهم وتعزيزها وتأكيدها بوصفهم متعلمين مدى الحياة.
اللحظات الحاسمة في حياة الناس بوصفهم متعلمين مدى الحياة
لبناء مجتمعات قادرة على الصمود ومستعدة للمستقبل، يجب أن تولي السياسات التعليمية اهتماماً وثيقاً باللحظات الحاسمة في مسيرة التعلم. وهي نقاط في الحياة يكون فيها الأفراد منفتحين على التعلم بصورة خاصة، أو معرضين للانفصال عنه، ويمكن فيها للدعم السياسي الموجه أن يحقق أكبر أثر.
واستناداً إلى رؤى مستقاة من بيانات المنظمة والأدلة المقارنة، تبرز أربع لحظات حاسمة بوصفها روافع للتغيير أمام صانعي السياسات. وتبدأ هذه اللحظات من السنوات الأولى (الطفولة المبكرة، والمراهقة المبكرة والمتوسطة)، وتمتد إلى مرحلة البلوغ (منتصف المسار المهني، وما قبل التقاعد). وتشكل هذه المنعطفات الحاسمة مداخل استراتيجية لإشراك الأفراد في التعلم مدى الحياة.
اللحظة الحاسمة الأولى: الطفولة المبكرة
الطفولة المبكرة هي أساس التعلم مدى الحياة. ففي هذه الفترة يبدأ الأطفال في تطوير الاستعدادات التي تقوم عليها قدرتهم على التعلم طوال حياتهم، كالفضول والمثابرة والدافعية الذاتية والتنظيم الذاتي. وتُظهر الأدلة باستمرار أن التعليم والرعاية عاليي الجودة في الطفولة المبكرة يقويان المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية لدى الأطفال على المديين القصير والطويل، مع منافع قوية بشكل خاص للأطفال من الخلفيات الهشة. وتُعد جميع هذه السمات مؤشرات قوية على النجاح الأكاديمي المستقبلي والانخراط في التعلم.
وتسهم مقاربات مثل التعلم القائم على اللعب والتعلم التجريبي، ودعم التنظيم العاطفي، والتنمية المقصودة للمهارات الاجتماعية والعاطفية والمعرفية، جميعها في تحقيق نتائج إيجابية للتعلم مدى الحياة. وقد وجدت دراسة المنظمة حول التعلم المبكر ورفاه الطفل، التي أُجريت في إنجلترا (المملكة المتحدة) وإستونيا والولايات المتحدة، أن المهارات الاجتماعية والعاطفية (المتصلة بإرادة المتعلم) فسّرت ما يصل إلى نحو ثلث التباين في درجات القراءة والكتابة، حتى بعد ضبط أثر الوضع الاجتماعي والاقتصادي. كما تشير بيانات PISA لعام 2022 إلى أن الطلبة في سن الخامسة عشرة الذين أفادوا بالتحاقهم بالتعليم ما قبل الابتدائي لمدة عام واحد على الأقل حققوا أداءً أفضل في الرياضيات مقارنة بأقرانهم الذين لم يلتحقوا به، حتى بعد احتساب الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للطلبة والمدارس.
كما ينغمس الأطفال اليوم بصورة متزايدة في البيئات الرقمية منذ أولى سنوات حياتهم. ويمكن للتكنولوجيا أن تدعم التعلم المبكر حين تُستخدم استخداماً ملائماً، فتتيح الوصول إلى محتوى تعليمي وخبرات تفاعلية تحت إشراف مناسب من البالغين. غير أن المخاطر تنشأ حين يكون الاستخدام الرقمي مفرطاً أو غير خاضع للإشراف، إذ قد يقلص فرص التفاعل الاجتماعي واللعب، بل قد يؤثر في نوم الأطفال وتنظيمهم العاطفي. كما يفتقر كثير من الموارد الرقمية الموصوفة بأنها "تعليمية" إلى تقييم رصين أو أساس تربوي. ولذلك يُعد توجيه البالغين أمراً حاسماً لضمان أن تكمل التكنولوجيا الاستكشافَ واللعب والتفاعل الإنساني لا أن تحل محلها.
وتتشكل وسائل التعلم لدى الأطفال أيضاً إلى حد كبير بفعل بيئاتهم الأوسع، وتشمل مؤسسات التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة، والبيئة المنزلية، والوالدين ومقدمي الرعاية، والسياقات الاجتماعية الأشمل. ويمكن للاستثمارات الاستراتيجية في التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة، لا سيما للفئات الهشة، أن تعزز الإنصاف والشمول منذ السنوات الأولى، فتضيّق فجوات التحصيل قبل أن تتسع، وتنمّي قدرة الأفراد على توجيه تعلمهم في مراحل لاحقة من حياتهم.
وكما يبين الفصل الثاني، تعمل الدول حالياً على تعزيز سياسات لتقوية الوصول والمشاركة، من خلال إلغاء الرسوم والاستحقاقات الموجهة والتواصل مع الأسر، للمساعدة على ضمان استفادة جميع الأطفال، ولا سيما القادمون من خلفيات محرومة، من تعلم مبكر عالي الجودة منذ البداية. كما يمكن لتعزيز جودة العمليات والجودة الهيكلية، عبر أطر المناهج وتطوير القوى العاملة والتعلم المهني، أن يدعم المقاربات القائمة على اللعب والاستقصاء المهمة للتعلم مدى الحياة. وتهدف هذه المقاربات الاستراتيجية مجتمعة إلى تجاوز الفوارق الاجتماعية والاقتصادية المستمرة في الالتحاق والجودة والنتائج.
ومع ذلك، ما تزال فجوات التنفيذ قائمة. فالسياسات التي جرى تحليلها كثيراً ما تفتقر إلى اهتمام صريح برعاية استعدادات كالفضول والمثابرة والتنظيم الذاتي. وتبدو جهود بناء قدرات القوى العاملة متفاوتة، ويغلب على التنسيق بين القطاعات طابع المشاريع. ولا يقتصر التحدي المقبل على توسيع الوصول، بل يشمل ضمان أن تعزز الخبرات المبكرة باستمرار الاستعدادات والمهارات والظروف الممكّنة التي يقوم عليها التعلم مدى الحياة.
ولتعظيم الأثر على المدى الطويل، يجب على صانعي السياسات تقوية ما يعيشه الأطفال في مؤسسات التعليم والرعاية المبكرة، والأنظمة التي تدعم هذه الخبرات، في آن واحد. ويبدأ ذلك بتضمين الإرادة والمهارات والوسائل اللازمة للتعلم مباشرة في أطر المناهج، مع توضيح الكيفية التي ينبغي بها رعاية المهارات الاجتماعية والعاطفية في الممارسة الفعلية. ويُعد التطوير المهني المستدام للعاملين، والإرشاد، وتخصيص وقت للممارسة التأملية أموراً جوهرية. كما أن دعم الأسر بوصفها الشريك الأول في تعلم الأطفال أمر مهم، إذ يمكن لتعزيز التواصل والإرشاد والدعم المشترك بين القطاعات أن يساعد الوالدين على تهيئة بيئات تعلم منزلية راعية. ومع انتشار الأدوات الرقمية، يجب على صانعي السياسات أيضاً وضع توقعات وضمانات واضحة تكفل أن تكمل التكنولوجيا التفاعل الاجتماعي والاستكشاف لا أن تحل محلهما. وفي الوقت ذاته، يتطلب توسيع الوصول تحقيق توازن بين التقديم الشامل والتدابير الموجهة إلى الأكثر عرضة للخطر.
وأخيراً، تكون سياسات الطفولة المبكرة أكثر فاعلية حين تعمل خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية معاً. ويمكن للانتقال من المبادرات القائمة على المشاريع إلى آليات تنسيق مستقرة أن يضمن دعماً متسقاً للأطفال والأسر، ولا سيما خلال مراحل الانتقال إلى المدرسة الابتدائية.
اللحظة الحاسمة الثانية: المراهقة المبكرة والمتوسطة
تمثل المراهقة المبكرة والمتوسطة (من العاشرة حتى السادسة عشرة) فرصة منهجية أخيرة لتزويد المتعلمين بالإرادة والمهارات والوسائل اللازمة ليصبحوا متعلمين مدى الحياة قادرين على الصمود. وتتسم هذه الفترة بالنضج الجسدي وبتغيرات معرفية وعاطفية واجتماعية وسلوكية. ولأن التعليم الإلزامي ينتهي في نحو السادسة عشرة في معظم دول المنظمة، فإن هذه السنوات هي النقطة الأخيرة التي تستطيع فيها الأنظمة التعليمية الوصول إلى جميع المتعلمين بشكل موثوق.
وتؤكد الأدلة في المجالين المعرفي والاجتماعي العاطفي إلحاح التدخل. إذ تُظهر نتائج PISA لعام 2022 أن 55% فقط من الطلبة في سن الخامسة عشرة في دول المنظمة واقتصاداتها بلغوا الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة والرياضيات والعلوم، مقارنة بـ 69% في عام 2015. كما تُظهر نتائج مسح المنظمة للمهارات الاجتماعية والعاطفية لعام 2023 أن الطلبة في سن الخامسة عشرة يحققون درجات أدنى بكثير من نظرائهم في سن العاشرة في جميع المهارات الاجتماعية والعاطفية المقيسة تقريباً، ولا سيما الدافعية للإنجاز والثقة والحيوية، وذلك في الجهات المشاركة. وتشكل هذه المهارات البنية التحتية المعرفية والاجتماعية العاطفية للتعلم الموجه ذاتياً في مراحل لاحقة من الحياة.
وتسلط نتائج PISA لعام 2022 الضوء كذلك على الحاجة الملحة إلى أن تعيد الأنظمة التعليمية في دول المنظمة التفكير في كيفية إشراك المراهقين ودعمهم. فلم يوافق أو يوافق بشدة سوى نصف الطلبة (50%) في سن الخامسة عشرة على أنهم يحبون تعلم أشياء جديدة في المدرسة، مع تفاوت كبير في هذه النسبة بحسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وهذه المهارات الاجتماعية والعاطفية، رغم أنها كثيراً ما تحظى بتركيز أقل في المناهج، حيوية لتمكين المتعلمين من التكيف والنمو ومواصلة التعلم طوال حياتهم.
وفي الوقت ذاته، ورغم أن المراهقة فترة استكشاف وتحول، فإنها تحمل أيضاً خطراً متزايداً للانفصال عن التعلم. فقد يعاني الطلبة من صعوبات تتعلق بالدافعية أو الهوية أو تقدير الذات، وينسحب بعضهم من التعلم كلياً. لكن الهشاشة ليست متساوية، إذ يُظهر الذكور سلوكيات مخلة بصورة أكثر تواتراً، وتفيد الإناث والطلبة ذوو الاحتياجات التعليمية الخاصة في أحيان أكثر بتدني تقدير الذات، ويواجه القادمون من خلفيات أقلية أو محرومة مستويات أعلى من المخاطر. وتضيف نتائج PISA لعام 2022 أن تدني التحصيل السابق وضعف العلاقات بين المعلمين والطلبة يرتبطان بزيادة احتمال الانفصال عن التعلم. ويمكن أن تتجلى هذه المخاطر في التغيب وإعادة الصفوف والتسرب المبكر من المدرسة، مع عواقب اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد. فالطلبة الذين تغيبوا أكثر عن المدرسة في التعليم الثانوي حققوا درجات أدنى بكثير في الرياضيات من أقرانهم المنتظمين في الحضور. ويواجه المتسربون مبكراً مخاطر أعلى للبطالة والعمل غير المستقر والإقصاء الاجتماعي، مع تكاليف كبيرة على الأفراد والمجتمعات.
وتجري هذه التحديات بالتوازي مع تغيرات كبيرة في بيئات التعلم. فمع انتقال الطلبة من البنية العامة للمدرسة الابتدائية إلى التنظيم الأكثر تخصصاً وتجزؤاً في التعليم الثانوي، تتزايد المتطلبات وقد يتنامى خطر الانقطاع. كما يعتمد المراهقون بصورة أكبر على جماعات الأقران ويقضون وقتاً أطول في الفضاءات الرقمية، في الغالب مع إشراف محدود من البالغين. وتؤثر هذه التغيرات في وسائل التعلم والدافعية إليه على حد سواء، إذ يميل تنظيمهم الذاتي إلى التراجع، مما يزيد قابليتهم للسلوكيات الخطرة داخل الفضاء الرقمي وخارجه.
ونظراً إلى أن العالم الرقمي أصبح جزءاً لا يتجزأ من واقع كثير من المراهقين، يحتاج الطلبة إلى التوجيه والدعم والتمكين للتعامل معه بفعالية. ورغم أن الاستخدام المدروس للأجهزة الرقمية يمكن أن يدعم الانخراط، إذ تشير نتائج PISA لعام 2022 إلى ارتباطات إيجابية بالسلوك في الرياضيات في ظل ظروف معينة، فإن كثيراً من الطلبة يفتقرون إلى القدرة على تقييم المعلومات على الإنترنت تقييماً نقدياً. وعلاوة على ذلك، ورغم أن معظمهم يشعرون بالثقة في البحث عن المعلومات، فإن عدداً أقل بكثير يشعر بالثقة في تقييم دقتها أو مصداقيتها. ومن دون هذه المهارات، قد لا يستفيد المتعلمون استفادة كاملة من الموارد الرقمية، مما يحد من نموهم بوصفهم متعلمين مدى الحياة مطلعين ومستقلين.
وكما يبين الفصل الثالث، تدرك الدول بصورة متزايدة أن هذه اللحظة فرصة استراتيجية لتقوية فاعلية المتعلم والنمو الاجتماعي والعاطفي والمهارات المستعرضة. ففي مختلف الأنظمة، تعمل الإصلاحات على تحديث المناهج للتركيز على حل المشكلات والثقافة الرقمية وإدارة الذات، وتوسيع الدعم لرفاه الطلبة، وتعزيز الإرشاد لمساعدة الطلبة على التعامل مع خيارات تعليمية ومهنية معقدة.
غير أن فجوات التنفيذ ما تزال قائمة كما هو الحال في الطفولة المبكرة. فالدافعية والانخراط والتعلم الاجتماعي العاطفي تحظى باعتراف واسع بوصفها أموراً جوهرية، لكن هذه الأهداف قد لا تُترجم دائماً إلى ممارسة يومية في الفصول. وكثيراً ما يحتاج المعلمون إلى تعلم مهني أكثر استدامة لتبني أساليب تدريس أكثر شمولاً وتأملاً وقائمة على الاستقصاء. وثمة حاجة إلى دعمهم في تطوير الاستراتيجيات ما وراء المعرفية والتعلم الموجه ذاتياً، بما يعزز قدرة الطلبة على إدارة تعلمهم وتطبيق المعرفة في سياقات مختلفة. كما تتطلب الإصلاحات الرقمية اتساقاً أكبر، وينبغي أن تعطي الأولوية للاستخدام الآمن والهادف والمستند إلى أسس تربوية للتكنولوجيا. وبالمثل، ورغم توسع أشكال الدعم المقدمة للرفاه والإرشاد، يبدو التنسيق بين خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية مجزأً أو معتمداً على مبادرات قصيرة الأمد.
ولجعل المراهقة جسراً أقوى نحو التعلم مدى الحياة، يجب على الأنظمة أن تعزز الممارسة الصفية والهياكل الداعمة المحيطة بها معاً. ويشمل ذلك تضمين التعلم الاجتماعي العاطفي والفاعلية والاستراتيجيات ما وراء المعرفية في المناهج والتقييم، وتزويد المعلمين بتطوير مهني مستمر يركز على الممارسة لترجمة أهداف المناهج إلى ممارسة صفية يومية، وضمان رقمنة آمنة وهادفة، وتعزيز إرشاد عالي الجودة وإتاحة التعرف على مسارات متنوعة، والانتقال نحو تنسيق مستقر بين القطاعات بحيث يتلقى المراهقون، ولا سيما المعرضون لخطر الإقصاء، دعماً متسقاً ومستمراً.
اللحظة الحاسمة الثالثة: منتصف المسار المهني
مع شيخوخة المجتمعات وتطور طبيعة العمل والمشاركة المدنية، أصبحت مرحلة البلوغ المتوسط والمتأخر مرحلة استراتيجية للتعلم مدى الحياة. إذ يواجه البالغون متطلبات مهنية متغيرة، مع انتقالات بين الوظائف، وظروف شخصية متبدلة، وأعمار أطول، مما يجعل التعلم المستمر أمراً جوهرياً للصمود والاندماج. وتقدم الأدلة المستقاة من مسح مهارات البالغين PIAAC، الذي يغطي البالغين من سن 16 إلى 65، رؤى حول هذه اللحظات الحاسمة.
وخلال هذه المرحلة، يتسم منتصف المسار المهني (عادة من 35 إلى 44 عاماً) بحاجة متزايدة إلى التجديد المهني. فمع تجاوز البالغين التعليم النظامي نحو مسارات مهنية أقل خطية، وكثيراً ما تتخللها فترات انتقالية أطول بين الوظائف، يحتاجون إلى معارف ومهارات وثقة جديدة ليظلوا مشاركين فاعلين في أسواق عمل متطورة. ويضفي التغير التكنولوجي السريع، ولا سيما بفعل الرقمنة والذكاء الاصطناعي، مزيداً من الإلحاح على تمكين الناس من التعلم في سياقات تنشأ فيها وظائف جديدة وتتحول فيها مهام الوظائف القائمة.
وفي هذه المرحلة، كثيراً ما تتراجع إرادة البالغين للتعلم، إذ تحد ضغوط الوقت والقيود المالية والمواقف الاجتماعية من الدافعية ومن فرص العودة إلى التعلم. وفي الوقت ذاته، تُظهر الأدلة أن المشاركة في تعلم البالغين تميل أيضاً إلى التراجع مع التقدم في العمر، وقد تتراجع القدرة على التكيف كذلك. ويُظهر مسح PIAAC أن الكفاءة في القراءة والكتابة والحساب وحل المشكلات التكيفي كانت في الغالب أعلى ما تكون لدى الفئة العمرية من 25 إلى 34 عاماً، وإن تفاوتت هذه النتائج بحسب الجهات والظروف الشخصية. غير أن البالغين من 35 إلى 44 عاماً، وهي الفئة التي تقابل عادة مرحلة منتصف المسار المهني، حققوا أداءً أدنى مقارنة بالفئة الأصغر سناً، مما يشير إلى مخاطر تآكل المهارات وعدم مواءمتها رغم المهارات والمعارف المتراكمة.
ومع ذلك، تنطوي هذه المرحلة على إمكانات فريدة أيضاً. إذ يمكن تعزيز المهارات المكتسبة في مراحل سابقة من الحياة وتوسيعها واستكمالها بقدرات جديدة، ولا سيما المهارات الرقمية والمستعرضة التي تمكّن من التكيف. كما يمكن لسمات أخرى كالخبرة وحسن التقدير أن تحمي العاملين الأكبر سناً من الهشاشة في سوق العمل.
وكثيراً ما تتشكل وسائل التعلم في هذه المرحلة بفعل ممارسات أصحاب العمل والحوافز المالية والوصول إلى فرص مرنة وذات صلة. غير أن العاملين في منتصف مسارهم المهني يواجهون في أحيان كثيرة عوائق متعددة الأبعاد، منها الضغط الاقتصادي، ومحدودية العروض التدريبية، وضعف الاعتراف بالتعلم السابق، وتردد أصحاب العمل في الاستثمار في عاملين يُنظر إليهم على أنهم أقل قدرة على التكيف. ويمكن لهذه العقبات أن تجعل إعادة التأهيل تبدو بعيدة المنال.
وكما يبين الفصل الرابع، يتمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الأنظمة التعليمية في ضمان أن تكون المسارات التعليمية في منتصف المسار المهني مرنة ومتسقة ومترابطة بما يكفي لدعم البالغين في اغتنام فرص التعلم. ويمكن للتدخلات الموجهة أن تحول منتصف المسار المهني إلى لحظة تجدد بدلاً من التراجع. وتعمل دول كثيرة على تعزيز سياسات توسع مسارات التعلم المرنة، وتحفز استثمار أصحاب العمل، وتقوي الاعتراف بالتعلم غير الرسمي وغير النظامي لتمكين الأفراد من تحديث مهاراتهم والمحافظة على قابليتهم للتوظيف.
وللحد من عوائق التكلفة والوقت والوصول إلى الفئات الأقل ميلاً إلى الانخراط، تعمل الأنظمة على توسيع الصيغ النمطية والمدمجة والإلكترونية، مقترنة بأشكال دعم مالي كإجازات التدريب مدفوعة الأجر والقسائم والإعفاءات الضريبية والإعانات. كما تمنح الاستحقاقات المتمحورة حول المتعلم، بما فيها حسابات التعلم الفردية والحقوق القانونية في التدريب، البالغين تحكماً أكبر في توقيت تعلمهم وكيفيته ومضمونه. ولا تقل عن ذلك أهمية، كما يبين الفصل الرابع، السياسات التي تدعم قابلية الشهادات للتراكم والنقل عبر القطاعات وأصحاب العمل. فهذه التدابير تجعل المهارات والمؤهلات أكثر معنى بمرور الوقت، وتتيح للأفراد بناء مؤهلاتهم تدريجياً مع تطور مساراتهم المهنية. وبذلك تستطيع الأنظمة تحويل منتصف المسار المهني إلى فرصة منهجية للصمود والتكيف في التعلم مدى الحياة.
وتتطلب الجهود الرامية إلى تعزيز الأثر طويل الأمد لسياسات منتصف المسار المهني أن تقوي الأنظمة أشكال الدعم التي يتلقاها البالغون والظروف التي تساعدهم على المثابرة في التعلم معاً. ويشمل ذلك ضمان اقتران المرونة بمسارات تقدم واضحة، وربط عروض التعلم القصيرة بمؤهلات معترف بها وقابلة للنقل. ويمكن للإرشاد والتواصل والدعم الموجه أن يساعد البالغين الذين يشعرون بالبعد عن التعلم على العودة إلى المسارات بثقة. وبالمثل، يمكن للأدوات الرقمية أن توسع الوصول حين تُستخدم بأمان وبصورة هادفة ومع رقابة قوية على الجودة. كما يمكن لشراكات أقوى بين القطاعات، تجمع الحكومات وأصحاب العمل والنقابات ومقدمي التدريب والفاعلين المجتمعيين، أن تسهم في توسيع نطاق الوصول وتعزيز الملاءمة، ولا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والفئات الهشة.
اللحظة الحاسمة الرابعة: الاقتراب من التقاعد
تمثل مرحلة ما قبل التقاعد (عادة من 55 إلى 64 عاماً) منعطفاً حاسماً رابعاً للتعلم مدى الحياة. فمع شيخوخة المجتمعات وامتداد الحياة العملية بفعل تأخير سن التقاعد، تكتسب هذه المرحلة أهمية متجددة على صعيد السياسات. وتُعد رعاية مهارات البالغين في هذا العمر وما بعده أمراً جوهرياً لدعم قدرة الأفراد والمجتمعات والاقتصادات على الصمود. وبحلول عام 2030، سيبلغ من هم في سن 65 فأكثر في المتوسط 25% من سكان دول المنظمة، مقارنة بـ 18% في عام 2021.
ويشكل مجتمع آخذ في الشيخوخة ذو مستويات مهارات متدنية تحدياً كبيراً. فعلى مدى العقد الماضي، تراجعت مستويات مهارات البالغين أو ركدت في كثير من الدول والاقتصادات المشاركة. ووفقاً لمسح PIAAC، يسجل البالغون المقتربون من التقاعد، من 55 إلى 65 عاماً، أدنى متوسط كفاءة في القراءة والكتابة والحساب وحل المشكلات التكيفي بين جميع الفئات العمرية. وبعد عقود قضاها كثيرون منهم خارج التعليم النظامي، يواجهون عوائق أمام العودة إلى التعلم. غير أن تراجع المهارات ليس حتمياً ولا موحداً. فعلى سبيل المثال، يُظهر تحليل إضافي لنتائج PIAAC في ألمانيا أن العاملين في الوظائف المكتبية والحاصلين على تعليم أعلى يواصلون تطوير مهاراتهم حتى مراحل متأخرة من العمر، لا سيما حين تحفز بيئات عملهم استخدام هذه المهارات بانتظام.
غير أن من العوائق الكبرى أمام معالجة تراجع المهارات الشعورَ بعدم الحاجة إلى مزيد من التدريب، وهو شعور يثبط الانخراط. كما قد يرى أصحاب العمل والأفراد عوائد محدودة على الاستثمار بسبب قصر الأفق الزمني المتبقي لهذه الفئة العمرية قبل التقاعد، مما يؤثر في إرادة التعلم. ولذلك يُعد إعادة تأطير قيمة التعلم في المراحل المتأخرة من الحياة، بالتوازي مع حياة أطول وأكثر صحة، وترسيخ أعراف شاملة لجميع الأعمار أمراً جوهرياً. كما أن دعم البالغين في هذه المرحلة يحافظ على التعلم والفاعلية حتى بعد التقاعد.
وكما يبين الفصل الخامس، تجمع الدول بين الحوافز المالية وإجازات التدريب مدفوعة الأجر وبين مقررات قصيرة ونمطية وقابلة للتراكم مصممة للأكبر سناً. كما تعمل على ترسيخ التعلم مدى الحياة داخل أماكن عمل شاملة لجميع الأعمار عبر الإرشاد المهني والتعلم بين الأجيال والتقاعد التدريجي. وبالتوازي مع ذلك، تسعى الحكومات إلى تقوية آليات الإرشاد والاعتراف التي تقدّر الخبرة المتراكمة والمهارات القابلة للنقل. ولتحسين الوصول، توفر سياسات كثيرة قسائم وإعانات ومقررات نمطية قصيرة الأمد، مع تعزيز الإدماج الرقمي عبر مراكز مجتمعية وتدريب رقمي مصمم بحسب الاحتياجات. ويبدو أن هذه المقاربات تدرك تنوع احتياجات الأكبر سناً وأهمية الثقة والملاءمة والمرونة بوصفها عوامل ممكّنة للانخراط.
ومع ذلك، يظل التنفيذ إشكالياً. فنادراً ما تكون الدافعية هدفاً صريحاً للسياسات، رغم الأدلة على أن الثقة والملاءمة المتصورة والثقافة التنظيمية تشكل بقوة الانخراط في المرحلة المتأخرة من المسار المهني. كما يبدو الاعتراف بالتعلم السابق محدوداً، وما يزال التحيز العمري قائماً في التدريب والتوظيف، وما تزال الروابط بين التعلم والصحة والرفاه ضعيفة التطور.
ولتعزيز الأثر، ينبغي أن تركز الجهود السياسية على تقدير الخبرة، وتعزيز أماكن العمل الشاملة لجميع الأعمار، وتوسيع الإرشاد والتقديم المجتمعي، ومأسسة أنظمة الاعتراف لدعم انتقالات أكثر سلاسة إلى التقاعد وما بعده.
رصد المقاربات السياسية الداعمة للتعلم مدى الحياة في هذه اللحظات الحاسمة
رغم أن بيانات المنظمة تبرز موقع الدول والأولويات المنبثقة من الأدلة الدولية، فإن أثرها الحقيقي يتوقف على مدى فعالية دمج هذه الرؤى في تصميم وتنفيذ سياسات متسقة.
وتطبق الفصول التالية إطار الإرادة والمهارات والوسائل على أربع لحظات حاسمة في مسيرة التعلم، هي الطفولة المبكرة، والمراهقة المبكرة، ومنتصف المسار المهني، والاقتراب من التقاعد. ويحلل كل فصل كيف ترعى الدول دافعية المتعلمين (الإرادة)، وتقوي كفاياتهم (المهارات)، وتوفر الظروف الممكّنة التي تجعل المشاركة ممكنة (الوسائل).
وتُنظّم الأمثلة السياسية تحت أهداف سياسية رئيسية ضمن كل ركيزة. ويتناول قسم مخصص لخيارات التصميم الاستراتيجي الكيفية التي توائم بها الدول بين الأهداف والآليات والفاعلين والموارد والأدوات لترجمة النوايا السياسية إلى ممارسة. ويُختتم كل فصل باعتبارات للمستقبل تلخص الدروس والمفاضلات وأولويات التحسين لمساعدة الدول على تعزيز اتساق أنظمة التعلم مدى الحياة لديها واستدامتها.
وتُظهر هذه التحليلات مجتمعة كيف تعمل الحكومات على تجاوز المبادرات المجزأة لبناء منظومات أقوى للتعلم مدى الحياة، يمكن فيها لخيارات التصميم المتخذة في لحظات الحياة الرئيسية أن تضاعف مخرجات التعلم والاندماج الاجتماعي عبر الأجيال.
المنهجية
يستند التحليل إلى أدلة من 35 نظاماً تعليمياً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاقتصادات الشريكة. وقد جُمعت البيانات عبر الاستبيان الوطني المختصر المعبأ مسبقاً لآفاق السياسات التعليمية لعام 2025 الخاص بالتحليل المقارن للسياسات، واستُكملت بقواعد بيانات المنظمة (PIAAC وPISA وSSES والتعليم في لمحة وآفاق المهارات) وبالمراجعات الموضوعية والقُطرية لآفاق السياسات التعليمية. وفي المجمل، جرى استعراض أكثر من 230 سياسة والتحقق منها عبر اللحظات الحاسمة الأربع.
ولضمان الصرامة التحليلية، استُكملت المعلومات التي قدمتها الدول ببحث مكتبي، وجرت مقارنتها بقواعد الأدلة لدى المنظمة. كما رُوجعت الإسهامات المقدمة من حيث صلتها بالموضوع وقابليتها للمقارنة واتساقها مع نطاق التقرير.
ثم حُللت السياسات باستخدام مقاربة نوعية مقارنة، حُددت من خلالها الأنماط المشتركة وأوجه التكامل والمفاضلات عبر الأنظمة ومراحل الحياة. ونوقشت النتائج الأولية مع المنسقين الوطنيين لآفاق السياسات التعليمية خلال مشاورة في إطار مجموعة تركيز عُقدت في مارس 2025، أسهمت في التحقق من النتائج وتفسيرها في سياقها وتنقيحها.
