القائمة الرئيسية

التعلم مدى الحياة والمهارات من أجل المستقبل (5/3)

التعلم مدى الحياة والمهارات من أجل المستقبل (5/3)
ملخص الدراسة

يتناول هذا الفصل مبررات تنمية المهارات، مستفيداً من تحليل بيانات ضخمة لوظائف شاغرة إلكترونية وسير ذاتية عبر ثمانية بلدان متنوعة في سياق التحولات السريعة في أسواق العمل العالمية. أظهر التحليل أن المهارات الاجتماعية والعاطفية هي الأكثر طلباً، تليها المعرفية، بينما تظل المهارات اليدوية ذات صلة رغم ظهورها الأقل في الإعلانات الإلكترونية. ورغم استقرار التكوين العام للطلب على المهارات بمرور الزمن، تشهد مهارات محددة، كالبرمجيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، نمواً سريعاً. لا توجد المهارات بمعزل عن بعضها، بل تتطلب الوظائف حزماً مترابطة منها؛ وتُعد المهارات الاجتماعية والعاطفية والمعرفية الأساسية مهارات تأسيسية تدعم اكتساب مهارات أعلى تعقيداً، مثل التعلم الآلي وإدارة المشاريع، كما تؤدي المهارات الاجتماعية والعاطفية دور الجسر نحو وظائف أكثر تطوراً. ويرتبط الحصول على أجور أعلى عموماً بامتلاك عدد أكبر من المهارات الأكثر تعقيداً، لا سيما المعرفية، فيما تبرز المهارات الاجتماعية والعاطفية كعوامل تمكين أساسية تكمّل المهارات المعرفية لزيادة الأجور، حتى لو لم تحمل علاوة أجرية مباشرة لوحدها. كما أن الوظائف الأكثر تعقيداً غالباً ما تقدم مزايا غير أجرية أفضل، كفرص التطور الوظيفي والمرونة، وإن كانت بعض الوظائف ذات الأجور المنخفضة قد تقدم مزايا لتعويض ذلك. يؤكد التقرير أهمية تنمية المزيج الصحيح من المهارات لتعزيز فرص الأفراد في سوق عمل يتسم بالتحول المستمر.

مبررات تنمية المهارات: أي مهارات، ولأي غرض؟

3.1 مقدمة

تناول الفصلان الأولان مفهوم التعلم مدى الحياة، وقدما تعريفاً عملياً له وإطاراً مفاهيمياً لتتبع تطوره عبر ثلاثة أبعاد رئيسية هي التعليم وعالم العمل والتعلم المجتمعي الأوسع. وكما بيّن الفصل الثاني، فإن الفجوات في التعلم مدى الحياة وتنمية المهارات تبدو بالغة الوضوح في عالم العمل تحديداً. وفي الوقت نفسه، تشهد أسواق العمل حول العالم تحولات جوهرية ناجمة عن عوامل متعددة، منها التطور التكنولوجي المتسارع، والتحول الأخضر، والتغيرات الديموغرافية، وتبدل أنماط التجارة العالمية. ولهذا يتحول التقرير، بدءاً من هذا الفصل، إلى تركيز أكثر تحديداً على عالم العمل.

وتُبرز هذه التحولات الدور المحوري الذي تؤديه المهارات في تحديد فرص التوظيف المتاحة للأفراد. فامتلاك مهارات معينة أو الافتقار إليها يحدد مدى قدرة بعض العمال على الصمود، بينما يجعل آخرين عرضة لتدهور ظروف عملهم أو فقدان وظائفهم. ومن هنا تنبع أهمية الجهود الرامية إلى بناء المهارات وتطويرها وإعادة تأهيلها. ولكي تكون هذه الجهود فعالة، لا بد من فهم أعمق لطبيعة المهارات ومجموعات المهارات اللازمة لتأمين فرص عمل أفضل. ويعالج هذا الفصل هذا الموضوع من خلال استكشاف سؤالين رئيسيين، هما: ما هي الأنماط الملحوظة في طلب المنشآت على المهارات وفي عرض العمال لها؟ وكيف ترتبط المهارات ببعضها البعض وتتفاعل فيما بينها؟

وتشكل الإجابة عن هذين السؤالين ركيزة أساسية لمعالجة التحديات السياساتية التي يتناولها بقية هذا التقرير، ومن بينها كيفية تعزيز قدرة العمال على الصمود في مواجهة التحولات الهيكلية، وهو موضوع الفصل الرابع؛ وكيف يمكن لأنظمة التعلم مدى الحياة أن تمكّن العمال من بناء مجموعات المهارات المطلوبة؛ والدور الذي تؤديه السياسات في هذا الصدد، وهو موضوع الفصل الخامس.

ويبني هذا الفصل على تراكم واسع من الأدبيات العلمية ويكمّلها. فقد أسهم البحث الأكاديمي، خصوصاً خلال العقدين الأخيرين، في تعميق فهم العلاقة بين المهارات ونتائج التوظيف، وإن ظل ذلك مقتصراً إلى حد كبير على مجموعة مختارة من البلدان مرتفعة الدخل في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد ميّزت الأدبيات المبكرة بين المهن ذات الكثافة المهاراتية المرتفعة وتلك ذات الكثافة المنخفضة، معتمدة غالباً على المتطلبات التعليمية أو خبرة العمال كمقياس تقريبي لذلك، كما فعل تينبيرغن في دراسته لعام 1974. ثم جاء إطار أوتور وليفي ومورنين في عام 2003 ليقدم منظوراً جديداً يرى أن الوظائف تتشكل من مزيج من المهام اليدوية الروتينية والمهام الذهنية الروتينية والمهام اليدوية غير الروتينية والمهام الذهنية غير الروتينية، وأن كل نوع من هذه المهام يستدعي تطبيق مهارات مرتبطة به. وقد أسهم هذا الإطار في تعميق فهم ظاهرة التغير التكنولوجي المنحاز للمهام الروتينية واستقطاب الوظائف بين الفئات العليا والدنيا من حيث المهارات، كما وثقت ذلك دراسات عدة، وكذلك في فهم أنماط التعافي الاقتصادي بعد فترات الركود.

وقد أتاح الصعود الأخير لأساليب معالجة اللغة الطبيعية، التي تمكّن من تحليل النصوص حاسوبياً، إمكانية توظيف البيانات الضخمة في تحليل المهارات. فقد أخذت الدراسات تعتمد بشكل متزايد على هذه الأساليب لتحليل إعلانات الوظائف الشاغرة واستخلاص معلومات عن المهارات من خلال معالجة أوصاف الوظائف وتحديد الكلمات المفتاحية والأنماط المتكررة فيها. وقد بيّنت إحدى الدراسات، على سبيل المثال، أن متطلبات المهام والمهارات في الوظائف الأمريكية قد تغيرت بشكل جذري حتى داخل المهنة الواحدة. كما بيّنت دراسة أخرى أن المنشآت تميل، في فترات الركود، إلى تعيين عمال أكثر مهارة، مما يسرّع من وتيرة التغيرات في تركيبة القوى العاملة التي كان التغير التكنولوجي المنحاز للمهام الروتينية قد بدأها أصلاً. وأظهرت دراسة ثالثة، اعتمدت أيضاً على بيانات أمريكية، أن الطلب على المهارات المعرفية والاجتماعية يتفاوت حتى داخل المهنة الواحدة أو القطاع الواحد، وأن اجتماع مهارات معينة يفسر جزءاً كبيراً من التفاوت في الأجور، وهو ما يبرز أهمية أن يطور العمال المهارات المطلوبة للحصول على وظائف أعلى جودة.

كما وسّعت المؤسسات ذات التوجه السياساتي نطاق أبحاثها، فرافقت أجنداتها المتعلقة بتنمية المهارات بإصدارات ومجموعات بيانات جديدة. فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يوفر بيانات عن تنمية المهارات وأوجه نقصها من خلال مركزه الأوروبي لتطوير التدريب المهني، وتجري منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مسحها الدولي لمهارات البالغين المعروف اختصاراً بـPIAAC، فيما نشر المنتدى الاقتصادي العالمي تقارير عن الطلب على المهارات استناداً إلى مقابلات مع تنفيذيي الشركات، إضافة إلى تقارير حول استراتيجيات التوظيف القائمة على المهارات.

ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك فجوات بحثية معتبرة. فكثيراً ما تنحصر التحليلات في قطاع بعينه أو مهنة محددة أو مجموعة ضيقة من المهارات، إما بسبب محدودية البيانات المتاحة أو لأن الدراسة تسعى إلى الإجابة عن سؤال بحثي محدد. كما أن التحليلات التي تتناول أثر المهارات على نتائج توظيفية غير الأجور غالباً ما تكون غائبة. والأهم من ذلك أن معظم الدراسات تركز على بلد واحد مرتفع الدخل، بينما تظل المقارنات بين البلدان والمعرفة المتعلقة ببلدان أخرى شحيحة، ويعود ذلك أساساً إلى غياب بيانات موثوقة وإطارات مهارات قابلة للتطبيق عالمياً.

ولمعالجة هذه القيود، لجأت بعض الدراسات إلى مسوح تُجرى مرة واحدة في بلدان مختارة متوسطة الدخل، معتمدة على بيانات مسح مهارات البالغين PIAAC التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وبرنامج قياس المهارات STEP التابع للبنك الدولي، في حين اعتمدت دراسات أخرى على مسوح القوى العاملة وقيّمت المهارات بتطبيق معلومات على مستوى المهنة مستمدة من برنامج O*NET الأمريكي. غير أن النهج الأول لا يسمح برصد الاتجاهات عبر الزمن، بينما يقوم النهج الثاني على افتراض إشكالي مفاده أن تركيبة المهارات في مهن البلد قيد التحليل مطابقة لتلك الموجودة في الولايات المتحدة. ومن هنا تتضح الأهمية البالغة للوصول إلى بيانات مفصلة وطولية عن المهارات من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل من أجل فهم ديناميكيات المهارات على المستوى العالمي، خصوصاً أن الأعمال القائمة تشير إلى وجود انحرافات كبيرة في هذه البلدان عن الأنماط المهاراتية السائدة في البلدان مرتفعة الدخل.

وقد استخدمت بعض الدراسات بالفعل بيانات إلكترونية من اقتصادات ناشئة، مثل دراسة أجريت على نيجيريا وأخرى على باكستان وثالثة على الهند. غير أن هذه الدراسات تقتصر على شرائح محددة من سوق العمل أو تركز على مهارات بعينها في البلد المعني. ومن التحديات القائمة في هذا الصدد غياب تصنيف مهاراتي قابل للتطبيق دولياً، إذ إن الأطر الحالية مصممة خصيصاً للولايات المتحدة وسياقات مشابهة لها، مما يجعلها أقل ملاءمة للتطبيق في الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل، لا سيما وأنها تغفل إلى حد كبير المهارات اليدوية.

وفي ضوء هذه الفجوات والتحديات البحثية، يأتي هذا الفصل ليكمّل المعرفة القائمة، مستنداً إلى تحليل أصلي للبيانات الضخمة يغطي ستة بلدان متوسطة الدخل وبلدين مرتفعي الدخل في مناطق أهملتها الأدبيات إلى حد بعيد. كما يقر الفصل بأن الأبحاث المستقبلية ينبغي أن تواصل تعميق فهم ديناميكيات المهارات في البلدان منخفضة الدخل.

ويقدم هذا الفصل عرضاً موجزاً لأبرز النتائج، فيما تتوفر الشروحات المنهجية المفصلة والتحليلات المعمقة في المقالات والموجزات المرتبطة بالتقرير والمتاحة على موقعه الإلكتروني. ويعرض القسم 3.2 المنهجية والبيانات المستخدمة، فيما يستكشف القسم 3.3 طلب المهارات وعرضها وتطورهما عبر الزمن. ويحلل القسم 3.4 مدى ترابط المهارات في شكل حزم متكاملة. وبناء على هذه النتائج، يستكشف القسم 3.5 دور المهارات في تعزيز جودة الوظائف.

3.2 البيانات والمنهجية

يعتمد هذا الفصل على بيانات إلكترونية للوظائف الشاغرة وسير المتقدمين إليها، مستقاة من بوابات ومجمّعات إلكترونية للوظائف. وتوفر هذه البيانات معلومات دقيقة حول المهام التي أداها العمال سابقاً وتلك المطلوبة في الوظائف الشاغرة، مما يتيح تحديد الاتجاهات الخاصة بكل بلد في عرض المهارات وطلبها. وعلاوة على ذلك، تُجمع بيانات الوظائف الشاغرة والمتقدمين عادة في الزمن الفعلي أو على فترات متقاربة جداً، مما يتيح تفادي الفجوات الزمنية التي تلازم أساليب جمع البيانات التقليدية، ومنها المسوح التي كثيراً ما تُجرى على فترات متباعدة نسبياً.

ويمثل هذا الفصل أول محاولة منهجية لاستكشاف هذا النوع من البيانات في سياق الاقتصادات الناشئة. وقد جُمعت بيانات الوظائف الشاغرة من بوابات ومجمّعات إلكترونية للوظائف في ستة بلدان متوسطة الدخل، هي البرازيل ومصر والأردن والمغرب والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا. كما جُمعت بيانات إضافية من بلدين مرتفعي الدخل، هما الإمارات العربية المتحدة وأوروغواي. ويستحق هذان البلدان الدراسة نظراً إلى أن أسواق عملهما تختلف اختلافاً واضحاً عن الحالات التي ركزت عليها الأدبيات السابقة. فأوروغواي، مقارنة بالولايات المتحدة، تتميز بناتج محلي إجمالي للفرد أدنى نسبياً، ومعدل عمالة غير رسمية أعلى، وتنظيم أقوى لسوق العمل، وهي خصائص تجعلها أقرب تمثيلاً لأمريكا اللاتينية منها لمجموعة البلدان مرتفعة الدخل. أما اقتصاد الإمارات العربية المتحدة فيتشكل إلى حد كبير من صادرات النفط، ويُتوقع أن يتأثر نموه على المدى الطويل بمدى نجاح البلد في تعزيز التنويع الاقتصادي. وبشكل عام، جرى اختيار هذه البلدان لتغطية أمثلة من مناطق متنوعة وخصائص متباينة في أسواق العمل لم تُدرس من قبل من هذه الزاوية، بعيداً عن التركيز المعتاد على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبالنسبة للبرازيل وأوروغواي، توفرت أيضاً معلومات عن سير المتقدمين إلى جانب بيانات الوظائف الشاغرة.

وبالنسبة للاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا، استُقيت بيانات الوظائف الشاغرة من مجمّع الوظائف الإلكتروني أدزونا، وتغطي الفترة من عام 2016 إلى عام 2021، وشملت نحو ثمانية ملايين إعلان وظيفي في الاتحاد الروسي و4.7 مليون في جنوب أفريقيا. أما بالنسبة للبرازيل وأوروغواي، فقد وفرت بيانات الوظائف الشاغرة وسير المتقدمين منصة بوسكوجوبس، وتغطي الفترة من عام 2010 إلى عام 2023؛ وشملت العينة في أوروغواي نحو 140 ألف وظيفة شاغرة و278 ألف متقدم، بينما بلغت في البرازيل نحو 25.3 مليون وظيفة شاغرة و515 ألف متقدم (وقد استُكملت بيانات الوظائف الشاغرة في البرازيل بمصادر إلكترونية أخرى تم جمعها بواسطة تقنيات الزحف الآلي على الشبكة). أما تحليل مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة فقد أمكن إنجازه بفضل تعاون مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، وتستند بياناتها إلى منصة "راصد المهارات" التابعة للجنة، وهي منصة قائمة على التعلم الآلي تتتبع الطلب على المهارات في المنطقة العربية، وتغطي بيانات هذه المنصة الفترة من عام 2020 إلى عام 2024 (وشملت العينة نحو 336 ألف وظيفة شاغرة في مصر و73 ألف في الأردن ونحو 1.122 مليون في الإمارات العربية المتحدة). وأخيراً، أُجري تحليل المغرب بالتعاون مع مكتب منظمة العمل الدولية القطري في الجزائر، باستخدام بيانات منصة "فايي بلوس" التي طورتها الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات بالشراكة مع منظمة العمل الدولية، وهي منصة تستخدم أساليب آلية لجمع وتنظيم معلومات الوظائف الشاغرة من الشبكة، وتغطي الفترة من عام 2022 إلى عام 2025 وتشمل أكثر من 900 ألف إعلان وظيفي فريد. ولم تُدرج في التحليل إلا الوظائف الشاغرة وسير المتقدمين التي تتوفر فيها معلومات مهنية وحُددت فيها مهارة واحدة على الأقل.

ورغم أن هذه المجموعات من البيانات توفر أساساً غنياً لاستكشاف ديناميكيات المهارات، فإنها تنطوي على عدد من القيود التي تحد من تمثيليتها. فالتحليل يقتصر على سوق العمل الإلكتروني، وبالتالي يستبعد الوظائف التي يتم التوظيف فيها حصراً عبر قنوات "غير إلكترونية"، مثل التوصية الشفهية أو الإعلانات المحلية، كما يستبعد المتقدمين الذين لا يمتلكون سيرة ذاتية إلكترونية. ويتأثر مدى انتشار هذه البيانات بحجم الاقتصاد غير الرسمي، والأعراف الثقافية، والتفاوت في الوصول إلى الإنترنت ومستوى الإلمام الرقمي. كما تميل البيانات الإلكترونية إلى الانتشار بدرجة أكبر في البلدان مرتفعة الدخل وفي المناطق الحضرية.

وعلاوة على ذلك، فإن البيانات الإلكترونية المستخدمة مصدرها بوابات وظائف مملوكة لجهات خاصة، وهي بوابات تجذب عادة عدداً أكبر من الإعلانات المتعلقة بالمهن المهنية مقارنة ببوابات خدمات التوظيف العامة. ومع ذلك، تبين التحليلات الخاصة بأوروغواي أن البيانات تمثل بشكل كافٍ الوظائف التي تتطلب مؤهلات رسمية متوسطة بل ومنخفضة، بما يسمح بإجراء تحليلات ذات مغزى. كما أن المنهجية المتبعة تُسند عدداً معتبراً من المهارات اليدوية ذات الصلة بهذه المهن. ومع ذلك، يظل هناك تحد آخر يتمثل في أن المتقدمين يستخدمون عادة عدداً أقل بكثير من الكلمات، مقارنة بالكلمات المستخدمة في إعلانات الوظائف الشاغرة، لوصف فترات عملهم (وهي ما يُعرف بمراحل التوظيف، التي تتضمن تاريخي البداية والنهاية ووصفاً نصياً حراً لكل فترة عمل). وبسبب إيجاز هذه النصوص، قد لا تُرصد بعض المهارات التي استخدمها المتقدمون في وظائفهم الحالية أو السابقة، مما يشير إلى أن المتقدمين قد يحتاجون إلى تحسين طريقة عرض سيرهم الذاتية في عملية التقدم للوظائف.

ومع ذلك، تتيح هذه البيانات فرصة قيّمة للتحليل، لا سيما في البلدان التي تندر فيها بيانات المهارات الأكثر شمولاً أو تنعدم، والتي ما كان من الممكن إجراء تحليلات مماثلة فيها لولا توفر هذه المصادر. فعلى سبيل المثال، في أوروغواي، تمثل المهن الأولية سبعة في المائة من الوظائف الشاغرة الإلكترونية، مما يمنح حجم عينة معقولاً رغم أن هذه المهن ممثلة تمثيلاً ناقصاً، إذ تشكل 19 في المائة في مسح الأسر المعيشية.

ولالتقاط المهارات في البيانات الإلكترونية وتصنيفها بشكل منهجي، واستناداً إلى الإطار العالمي لمنظمة العمل الدولية بشأن المهارات الأساسية للحياة والعمل في القرن الحادي والعشرين، جرى تطوير تصنيف جديد للمهارات موجّه نحو تحقيق قابلية تطبيق واسعة عبر البلدان. ويجمّع هذا التصنيف المهارات في ثلاث فئات رئيسية هي المهارات المعرفية، والمهارات الاجتماعية والعاطفية، والمهارات اليدوية، وينقسم بدوره إلى خمس عشرة فئة فرعية. وتُعرّف كل فئة فرعية بمجموعة من الكلمات المفتاحية المتمايزة فيما بينها والمصممة خصيصاً للتطبيق على البيانات الإلكترونية. ويشمل التصنيف مهارات مرتبطة بالمهام التي يؤديها العمال في وظائفهم، وأخرى تتعلق بالسمات الشخصية للأفراد. وتستند هذه الكلمات المفتاحية إلى أدبيات علمي الاقتصاد وعلم النفس، إضافة إلى تحليلات تكميلية أجريت خصيصاً لهذا الغرض. (وتجدر الإشارة إلى أن الإطار العالمي المذكور يميّز بين مهارات أساسية ورقمية وتقنية محددة، ويقدم توجيهات لإدماج المهارات في السياسات الوطنية، في حين أن التصنيف المستخدم هنا وُضع خصيصاً لأغراض التحليل رفيع المستوى لديناميكيات المهارات، مع إمكانية ربط المهارات بين الإطارين.)

وتُفهم المهارات هنا بوصفها "القدرة على أداء نشاط يدوي أو ذهني، مكتسبة عن طريق التعلم والممارسة"، وكذلك "القدرة على أداء المهام والواجبات المرتبطة بوظيفة معينة". ولضمان الشمولية والقابلية للقياس، ينصب التركيز على المهارات التقنية وغير التقنية القابلة للنقل والتطبيق عبر مختلف المهن. فمع تطور الوظائف نتيجة التقدم التكنولوجي وغيره من التحولات الاقتصادية، يكون العمال الذين يمتلكون مهارات قابلة للنقل أقدر على التكيف مع التحولات المهنية، كما سيتضح لاحقاً. ونظراً إلى أن هدف هذا الفصل هو تقديم تحليلات رفيعة المستوى لبلدان في مناطق مختلفة، فقد عُرّفت المهارات المشمولة بالتحليل على مستوى واسع نسبياً. ومع ذلك، تتيح المنهجية الكامنة إجراء تحليلات أكثر دقة، مثل تلك المتعلقة بالطلب على مهارات محددة في القطاعات الرقمية والخضراء وقطاعات الرعاية المتنامية. فالمهارات الرقمية مشمولة أصلاً في التصنيف ضمن فئات المهارات الحاسوبية العامة والمهارات البرمجية المتخصصة ومهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي. أما المهارات الخضراء فتُضاف ويجري تحليلها في الفصل الرابع. ويمكن مستقبلاً توسيع التصنيف بطريقة مماثلة ليشمل، على سبيل المثال، مهارات الرعاية (فحتى في ظل التصنيف الحالي، يمكن تحديد العاملين بأجر في مجال الرعاية من خلال مهنهم أو قطاعاتهم، وتُسند إليهم مجموعات من المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية واليدوية المرتبطة بعملهم، رغم أن مهارة "رعاية الآخرين ومساعدتهم" على وجه التحديد، التي تتقاطع مع فئة المهارات الاجتماعية والعاطفية بما في ذلك التعاطف ضمن المهارات الاجتماعية، تحتاج إلى مزيد من التطوير لالتقاط جميع أبعادها؛ وهذه المهارة لا تخص العاملين في الرعاية وحدهم، بل تمتد إلى مهن أخرى كعمال البيع بالتجزئة والنُدل والمديرين والمهنيين؛ وقد بيّنت إحدى الدراسات أن هذه المهارة ترتبط في الولايات المتحدة بأجور أعلى للعمال العاملين في مهن ذات أجور مرتفعة يهيمن عليها الذكور، بينما ترتبط بأجور أدنى للعاملين في مهن منخفضة الأجر، وهو ما يشير إلى أن تقدير قيمة المهارات يتحدد جزئياً بعمليات اجتماعية وثقافية تشكّل كيفية النظر إلى قيمتها، وهو موضوع سيُتناول بمزيد من التفصيل في الفصل الرابع). كما تتيح المنهجية إجراء تحليلات دقيقة على مستوى الكلمات المفتاحية نفسها، كما سيتضح في بعض المواضع من هذا الفصل والفصل الرابع.

وتتألف الفئات الفرعية للمهارات الاجتماعية والعاطفية من أربع مجموعات. فمهارات الشخصية ترتبط بسمات شخصية مثل الضمير الحي والانفتاح على التجارب والاتزان الانفعالي، وتشمل كلمات مفتاحية مثل التنظيم والنشاط وإدارة الوقت والموثوقية. أما المهارات الاجتماعية فتشمل السمات الشخصية المرتبطة بالتفاعل مع الآخرين، مثل التواصل والعمل الجماعي والتعاطف وتقديم النصح والعرض. وتشير مهارات إدارة الأفراد إلى قدرات محددة ضمن نطاق التفاعل الاجتماعي الأوسع كثيراً ما تُشترط في إعلانات الوظائف، مثل الإشراف والقيادة والتوجيه وتطوير الموظفين. أما مهارات خدمة العملاء فتتصل بالتعامل مع العملاء والمرضى والبيع والشراء والاقتناء.

وتنقسم المهارات اليدوية بدورها إلى ثلاث فئات فرعية. فمهارات براعة الأصابع تُشترط عادة في الأعمال الروتينية، خصوصاً في تشغيل الآلات وإنتاج السلع أو التعامل معها، وتشمل كلمات مفتاحية مثل الانتقاء والفرز والتعبئة وتشغيل المعدات والتحكم في الآلات. أما مهارات التناسق بين اليد والقدم والعين فهي مهارات "غير روتينية" تُشترط عادة في بيئات العمل المتغيرة التي تستلزم التكيف، مثل رعاية الحيوانات والقيادة والترميم والإصلاح والتنظيف. وأخيراً، تركز المهارات البدنية على السمات الجسدية الفطرية، مثل التحمل وحمل الأثقال والقوة البدنية والمشي.

ويقوم هذا التصنيف على تبويب واسع للمهارات، تقنية وغير تقنية، معظمها قابل للنقل عبر مختلف المهن وغير مرتبط بمهنة أو قطاع بعينه. وفي حين يتضمن التصنيف أيضاً بعض المهارات التقنية، كالمهارات المالية ومهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، فإن التركيز الأساسي ينصب على المهارات القابلة للتطبيق عبر مهن متعددة.

وغالباً ما تُستكمل المهارات القابلة للنقل بمهارات تقنية خاصة بمهنة بعينها وغير قابلة للنقل إلى مهن أخرى، وتشمل مهارات "تطبيق المبادئ والتقنيات الأساسية لحرفة معينة" أو "مهارات ومعارف مرتبطة كلياً بوظيفة أو منشأة بعينها". فوضع الطوب، على سبيل المثال، مهارة خاصة بحرفة البنّائين وما يتصل بها من مهن، في حين أن إعداد دفاتر المحاسبة وفق إجراءات خاصة بمنشأة بعينها يُعد مهارة خاصة بالوظيفة أو المنشأة. وقد حظيت المهارات التقنية باهتمام كبير في أنظمة التعليم الرسمي، وخصوصاً في التعليم والتدريب التقني والمهني، نظراً لقابليتها الفورية للتطبيق في سوق العمل وأثرها الإيجابي على فرص التوظيف والأجور.

غير أنه في حين تحقق المهارات التقنية المتخصصة مكاسب أجرية مبكرة في كثير من الأحيان، فإن نمو الأجور على المدى الطويل يكون بشكل عام أدنى بالنسبة للعمال الذين يمتلكون هذا النوع من المهارات مقارنة بمن تلقوا تدريباً أعم. ويصح هذا النمط أيضاً بين خريجي الجامعات، ذلك أن المهارات التقنية قد تتغير بسرعة، خصوصاً في أوقات التحول التكنولوجي. فعلى سبيل المثال، أظهرت إحدى الدراسات أنه في المملكة المتحدة، كانت نسبة ثمانية في المائة من مهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المطلوبة في إعلانات الوظائف عام 2022 قد ظهرت حديثاً منذ عام 2016، في حين أن 26 في المائة من مهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي كانت رائجة عام 2016 أصبحت متقادمة بحلول عام 2022.

وتُبرز هذه النتائج أهمية اكتساب المهارات التقنية الحديثة، وفي الوقت ذاته المهارات الاجتماعية والعاطفية والمعرفية العامة الأكثر ثباتاً بمرور الزمن، والتي تمكّن العمال من التكيف مع التغيرات. كما تستدعي هذه النتائج ضرورة تحديث المناهج الدراسية باستمرار لمواكبة المتطلبات المتغيرة.

ويتميز هذا التصنيف بجمعه بين الشمولية والإيجاز، مما يمنحه مزايا واضحة مقارنة بالتصنيفات الأخرى. فأولاً، تجعله قاعدته النظرية الواسعة أكثر شمولاً من التصنيفات القائمة؛ فعلى سبيل المثال، تقتصر الفئات الخمس والثلاثون المجمّعة للمهارات في نظام O*NET الأمريكي على السياق الأمريكي ولا تلتقط المهارات اليدوية بالعمق ذاته. وثانياً، يجعله إيجازه ملائماً بشكل خاص لأغراض البحث العلمي، إذ يختلف عن التصنيفات المفرطة في التفصيل أو القوائم غير المصنفة أو الأنظمة المعرفية شديدة التعقيد؛ فعلى سبيل المثال، تحتوي منظومة المهارات والكفاءات والمؤهلات والمهن الأوروبية على ما يقارب 14 ألف مهارة، وهو عدد مفرط في التعقيد بحيث يصعب استخدامه مباشرة في البحث العلمي (وتوفر هذه المنظومة الأوروبية أيضاً مفاهيم مهاراتية أكثر تجميعاً، مقسّمة إلى المعارف ومهارات اللغة والمعارف اللغوية والمهارات والمهارات الشاملة، غير أن هذه المفاهيم، على غرار التصنيفات رفيعة المستوى في O*NET، لا تصلح للتطبيق المباشر في البحث في العلوم الاجتماعية).

وقد طُبّق هذا التصنيف على بيانات الوظائف الشاغرة وسير المتقدمين باستخدام تقنيات معالجة اللغة الطبيعية، التي تتيح الوصول المنهجي إلى المعلومات غير المهيكلة وتصنيفها. وخضعت الأوصاف النصية الحرة للوظائف الشاغرة لمعالجة أولية لمواءمتها مع الصيغة المهيكلة لتصنيف المهارات وكلماته المفتاحية المرتبطة به. واعتُبرت المهارة محدَّدة إذا ظهرت في نص الوظيفة الشاغرة كلمة مفتاحية واحدة على الأقل من كلمات التصنيف أو أحد مرادفاتها. وعوملت بيانات المتقدمين، المتمثلة في سيرهم الوظيفية المرفوعة، بطريقة مماثلة.

3.3 تقييم طلب أصحاب العمل وعرض العمال للمهارات

يتباين الطلب على مهارات محددة بين البلدان وعبر الزمن، ويتشكل بفعل عوامل متعددة منها تنظيم العمل وهيكل المنشآت، والتركيبة المهنية، والأوضاع الاقتصادية، والتطور التكنولوجي، والتحولات في أنماط التجارة العالمية. وبالمثل، يتأثر عرض المهارات بمحددات متعددة، منها فعالية أنظمة التعلم مدى الحياة، والأعراف الاجتماعية والثقافية، والعوامل الديموغرافية كالتركيبة العمرية للسكان ومعدلات المشاركة في القوى العاملة. ويستكشف هذا القسم المهارات التي تطلبها المنشآت وتلك التي يعرضها العمال، ويبحث الفروق المحتملة بين البلدان وعبر الزمن، مُرسياً بذلك الأساس للأقسام اللاحقة.

3.3.1 متطلبات المهارات في الوظائف الشاغرة لدى أصحاب العمل

يتبين من تحليل بيانات الوظائف الشاغرة أن أصحاب العمل يولون اهتماماً كبيراً للمهارات الاجتماعية والعاطفية في جميع البلدان المشمولة بالدراسة. فقد كشف التكرار النسبي لظهور المهارات في الوظائف الشاغرة أن المهارات الاجتماعية والعاطفية مطلوبة بشدة في جميع البلدان، حيث بلغت نسبتها 59 في المائة من إجمالي المهارات في المغرب، و52 في المائة في الاتحاد الروسي، و51 في المائة في الإمارات العربية المتحدة (مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الفصل يركز على الأهمية النسبية للمهارات لا المطلقة، تفادياً لتأثير التفاوت بين البلدان في عدد المهارات المطلوبة إجمالاً؛ فالوظائف الشاغرة في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تدرج عدداً من المهارات أكبر مما تدرجه الوظائف الشاغرة في البرازيل والاتحاد الروسي وأوروغواي، وقد يعكس ذلك تبايناً في أساليب الصياغة والتواصل بين البلدان). وضمن الفئات الفرعية للمهارات الاجتماعية والعاطفية، تُعد المهارات الاجتماعية ومهارات خدمة العملاء الأكثر طلباً، فيما تحتل مهارات الشخصية مرتبة بارزة أيضاً، إذ تأتي في المرتبة الثالثة أو الرابعة في جميع البلدان. ويعكس هذا نمطاً عالمياً أوسع رصدته دراسات سابقة أبرزت أهمية مهارات التواصل وخدمة العملاء في أوروبا، والطلب المتزايد على المهارات الاجتماعية في الولايات المتحدة، كما يعكس أيضاً بروز قطاع الخدمات في البلدان قيد الدراسة، وهو القطاع الذي تُعد فيه المهارات الاجتماعية والعاطفية أساسية.

ومن المهارات الأخرى المطلوبة بكثرة، المهارات المعرفية الأساسية مثل التخطيط والتفكير الاستراتيجي، والمهارات الحاسوبية العامة. ويؤكد هذا التركيز على الإلمام الحاسوبي الأساسي أهمية محو الأمية الرقمية بوصفه مهارة تأسيسية باتت ضرورية للازدهار في مجتمعات واقتصادات رقمية متزايدة. وبشكل عام، تراوحت أهمية الفئة الأوسع للمهارات المعرفية بين 31 في المائة في المغرب و48 في المائة في جنوب أفريقيا. أما المهارات اليدوية فمطلوبة أيضاً، وتبلغ نسبتها 16 في المائة في الاتحاد الروسي، حيث تسجل أعلى حصة لها، في حين تسجل مصر أدنى حصة لطلب المهارات اليدوية عبر الإنترنت بنسبة ستة في المائة فقط.

وقد ظل تكوين الطلب على المهارات مستقراً نسبياً عبر الزمن في معظم البلدان. فقد شهدت البرازيل والمغرب والاتحاد الروسي والإمارات العربية المتحدة تحولات طفيفة، تمثلت في تراجع حصة المهارات الاجتماعية وزيادة حصة المهارات اليدوية. في المقابل، شهدت مصر والأردن وأوروغواي زيادة في الطلب على المهارات الاجتماعية، صاحبها في كثير من الأحيان تراجع طفيف في المهارات المعرفية أو اليدوية. وقد تبدو هذه التغيرات المحدودة مخالفة للحدس، بالنظر إلى الخطاب السائد حول التغير التكنولوجي المتسارع وأثره على مهارات مكان العمل.

وهناك عدة أسباب محتملة وراء هذا الاستقرار الملحوظ. فأولاً، الفترة الزمنية المشمولة قصيرة نسبياً، إذ لا تتجاوز 13 عاماً في أطول الحالات، ومن المرجح أن التحولات الكبرى المرتبطة بإدخال الحواسيب كانت قد اكتملت بالفعل، في حين لا يزال يُتوقع أن يتكشف الأثر الكامل للتطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي في السنوات المقبلة. ويشير هذا إلى أن متطلبات المهارات لا تتغير بشكل جذري على المدى القصير أو المتوسط. وثانياً، قد يتقدم التغير التكنولوجي بوتيرة أبطأ في الاقتصادات متوسطة الدخل بسبب تركيبة قطاعية أقل اعتماداً على القطاعات كثيفة التكنولوجيا، وعدم استقرار الوصول إلى الكهرباء والإنترنت، وصعوبات أكبر في تأمين التمويل اللازم للتقنيات الجديدة.

وثمة فرق ملحوظ آخر يتعلق بمهارات الشخصية، إذ تستخدم البلدان الأربعة كلمات مفتاحية مختلفة لوصفها، وهو ما قد يعكس تبايناً في ثقافات العمل. فأصحاب العمل في الاتحاد الروسي يميلون إلى التركيز على سمتي الاجتهاد والاستقلالية، بينما يشترط أصحاب العمل في أوروغواي في الغالب سمتي الدينامية والمبادرة. أما في البرازيل فينصب التركيز على التنظيم، في حين تتسم مهارات الشخصية في جنوب أفريقيا بمجموعة متنوعة من السمات، منها الإنجاز والكفاءة والمبادرة والانتباه والابتكار والتنظيم.

غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي وراءه تحولات أكثر دقة وتدرجاً، حتى داخل الفئات الفرعية للمهارات نفسها. فعلى سبيل المثال، ظل الطلب على المهارات الاجتماعية في جنوب أفريقيا مستقراً بين عامي 2016 و2021، غير أن المهارات البرمجية المتخصصة شهدت تحولات كبيرة؛ فقد اكتسبت مهارات مثل استخدام لغة بايثون، وهي لغة برمجة لتحليل البيانات والأتمتة، ولغة تايب سكريبت، وهي نسخة من جافا سكريبت تقلل من الأخطاء البرمجية، أهمية متزايدة، في حين تراجعت الأهمية النسبية للمهارات المستخدمة على نطاق واسع في تطوير الويب، مثل إتش تي إم إل وجافا سكريبت وپي إتش پي ولغة الاستعلام الهيكلية. وقد لوحظت اتجاهات مماثلة في البرازيل والاتحاد الروسي، وكذلك في المملكة المتحدة وفق ما أظهرته دراسة أخرى.

وبناء على ذلك، فإنه في حين تظل الكفاءات الأساسية والفئات العريضة للمهارات حيوية باستمرار على المدى المتوسط، فإن مهارات محددة، خصوصاً في القطاعات سريعة التطور مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تتغير بوتيرة سريعة. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك أنه رغم بقاء الطلب الإجمالي على مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي منخفضاً نسبياً، فإن نموه لافت للنظر؛ فقد شهدت حصة الوظائف الشاغرة التي تشترط هذه المهارات زيادات كبيرة في البرازيل (من نصف في المائة إلى واحد في المائة)، وفي الاتحاد الروسي (من 0.3 في المائة إلى 0.7 في المائة)، وفي جنوب أفريقيا (من 0.5 في المائة إلى 0.8 في المائة)، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي أو يتسارع مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

المهن والطلب على المهارات

تُعد المهنة بعداً مهماً من أبعاد الطلب على المهارات. ففي البرازيل، تبين البيانات أن المهارات المعرفية أكثر طلباً في المستويات العليا من الهرم المهني، بينما تُطلب المهارات اليدوية بشكل رئيسي في المهن المصنفة عند مستويات مهاراتية أدنى وفق التصنيف الدولي الموحد للمهن (الذي يجمّع المهن أساساً حسب المهام المشتركة بينها، لكن ترقيمه يعكس أيضاً ترتيباً هرمياً من حيث كثافة المهارات المرتبطة بطبيعة العمل والمستوى المعتاد من التعليم الرسمي والخبرة أو التدريب أثناء العمل؛ فالمديرون والمهنيون يُصنَّفون عند أعلى مستويي مهارة، والفنيون عند المستوى الثالث، بينما تُصنَّف وظائف الدعم الكتابي والخدمات والمبيعات والحرف ذات الصلة وتشغيل الآلات عند المستوى الثاني، وتُصنَّف المهن الأولية عند المستوى الأول، وهو الأدنى). وتحديداً، تُطلب المهارات المعرفية الأساسية والمتقدمة والمهارات المالية بشكل رئيسي في المناصب الإدارية والمهنية، إلى جانب المجموعة الكاملة من المهارات الاجتماعية والعاطفية، مما يعكس مزيجاً معقداً من المهارات. أما مهارات خدمة العملاء فهي الأكثر طلباً في وظائف الخدمات والمبيعات، بينما يُشترط في مشغلي الآلات ومجمّعيها في الغالب امتلاك مهارات التناسق بين اليد والقدم والعين. والجدير بالذكر أن المهارات الاجتماعية والعاطفية تظل محورية عبر جميع المهن، وهي الأكثر طلباً في معظمها تقريباً، وهو نمط يتكرر أيضاً في بقية البلدان المشمولة بالتحليل.

وتظهر رؤى إضافية عند فحص الطلب على المهارات داخل المهنة الواحدة، كما يوضح مثال البرازيل. فمزيج المهارات المطلوب ضمن بعض الفئات المهنية العريضة، مثل المديرين والحرفيين والمهن الأولية، يميل إلى البقاء متسقاً نسبياً. غير أن هناك تبايناً كبيراً داخل مهن أخرى، مما يعكس نطاقاً أوسع من المهام. فعلى سبيل المثال، ضمن وظائف الدعم الكتابي، تشترط الوظائف الشاغرة لموظفي خدمة العملاء بشكل رئيسي مهارات خدمة العملاء (في 82 في المائة من الإعلانات) والمهارات الاجتماعية (73 في المائة)، مع اشتراط أقل نسبياً للمهارات الحاسوبية العامة (22 في المائة). في المقابل، تركز الوظائف الشاغرة لموظفي الإدخال الكتابي العام على المهارات الحاسوبية العامة (45 في المائة)، إلى جانب مهارات خدمة العملاء (54 في المائة) والمهارات الاجتماعية (71 في المائة).

كما أن أوصاف بعض الوظائف الشاغرة كثيراً ما تغفل مهارات أساسية للوظيفة المعنية، خصوصاً بالنسبة للمهن الأولية التي تتطلب عادة مهارات بدنية ويدوية. فعلى سبيل المثال، في البرازيل، تنخفض نسبة الوظائف الشاغرة التي تذكر صراحة هذه المهارات بشكل ملحوظ، إذ تتراوح بين أربعة في المائة فقط للمهارات البدنية و35 في المائة لمهارات التناسق بين اليد والقدم والعين. وقد يعود ذلك إلى اختلاف أساليب صياغة الإعلانات بين القطاعات والمهن، إذ قد تُعتبر بعض الإعلانات موضحة لذاتها إلى حد كبير فيما يتعلق بمتطلبات المهارات، وهو ما يبرز أهمية المعرفة الضمنية لدى الباحثين عن عمل، وهي معرفة قد تكون خاصة بالبلد أو القطاع أو المهنة. ومثال آخر على ذلك أن 15 في المائة فقط من الوظائف الشاغرة البرازيلية لعمال الرعاية الشخصية تذكر المهارات الاجتماعية، ربما لأن المسميات الوظيفية المرتبطة بها، كمربية الأطفال أو مساعد المعلم، تُعتبر واضحة بذاتها. وهذا الإغفال لمهارات خاصة بمهنة معينة يجعل التقييم الدقيق لهذه المهارات أمراً صعباً. كما تميل إعلانات الوظائف ذات المهارات المنخفضة إلى أن تكون أقصر، ربما لأن أصحاب العمل يستثمرون جهداً أقل في التوظيف لمثل هذه الوظائف.

3.3.2 المهارات التي يعرضها العمال

يتحول التركيز في هذا القسم إلى جانب العرض، وتحديداً المهارات التي يعرضها العمال في البرازيل وأوروغواي، وهما البلدان اللذان تتوفر بشأنهما بيانات المتقدمين ضمن المصادر المستخدمة في هذا التقرير. وتُجمَّع في هذا التحليل معدلات تكرار المهارات الواردة في السير الوظيفية للمتقدمين على مستوى المتقدم نفسه، بحيث تُلتقط جميع المهارات المكتسبة على مدى تاريخه الوظيفي بأكمله. ويوفر هذا النهج صورة عامة عن المهارات المتاحة في سوق العمل خلال فترة التحليل (مع ملاحظة أن هذا القياس لا يأخذ في الاعتبار احتمال تراجع المهارات أو فقدانها بمرور الزمن بسبب عدم استخدامها)، كما يوفر رؤى حول كيفية إبراز المتقدمين لمهاراتهم في سيرهم الذاتية.

ويعكس توزيع المهارات بين المتقدمين إلى حد كبير توزيعها في الوظائف الشاغرة. فالمهارات الاجتماعية والعاطفية هي الأكثر انتشاراً، تليها مباشرة المهارات المعرفية، فيما تقل المهارات اليدوية شيوعاً. وضمن الفئات الفرعية المحددة، تشكل المهارات المعرفية الأساسية والمهارات الاجتماعية ومهارات خدمة العملاء نحو 50 في المائة من مجموع المهارات المحددة بين المتقدمين. في المقابل، تُرصد مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي وإدارة المشاريع والعمليات والمهارات البرمجية المتخصصة والمهارات البدنية بشكل أقل تكراراً.

ورغم أن البرازيل وأوروغواي تُظهران تركيزاً عاماً متشابهاً على المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية، فإن هناك فروقاً ملحوظة في الفئات الفرعية لهاتين المجموعتين الواسعتين. فالمتقدمون في أوروغواي يُبرزون حضوراً أكبر لكل من المهارات المعرفية الأساسية والمتقدمة، وكذلك المهارات الحاسوبية العامة، كما يُظهرون تركيزاً أكبر على مهارات خدمة العملاء، في حين تؤدي المهارات الاجتماعية دوراً أكثر أهمية في البرازيل. ويتسق بروز المهارات المعرفية بين المتقدمين الأوروغوانيين مع الطلب القوي عليها في بيانات الوظائف الشاغرة ومع الحصة المرتفعة نسبياً من المتقدمين ذوي الخبرة في مهن مهنية. في المقابل، يبدو أن انتشار المهارات الاجتماعية في البرازيل له أهمية مستقلة عن التركيبة المهنية أو متطلبات جانب الطلب.

وقد تتفاوت مجموعات المهارات لدى العمال بقدر تفاوت العمال أنفسهم. ففي البرازيل وأوروغواي، يُظهر الرجال والنساء أنماطاً مهاراتية متقاربة إلى حد كبير، وإن كان الرجال يستخدمون بشكل عام كلمات أكثر لوصف مجموعة مهارات أوسع قليلاً. وتظهر أبرز الفروق بين النساء والرجال في مهارات خدمة العملاء، التي تذكرها النساء بتكرار أكبر (خصوصاً في البرازيل)، وفي المهارات اليدوية التي يذكرها الرجال بتكرار أكبر. وفي البرازيل، يذكر الرجال أيضاً مهارات إدارة الأفراد بشكل أكبر، بينما يبرز الرجال في أوروغواي المهارات الرقمية بشكل أوضح، خصوصاً بين المهنيين والفنيين وما يرتبط بهم من مهن. أما بالنسبة للمهارات اليدوية، فيذكر الرجال في البرازيل مهارات براعة الأصابع بتكرار أكبر، في حين يذكر الرجال في أوروغواي مهارات التناسق بين اليد والقدم والعين والمهارات البدنية بتكرار أكبر. وتتكامل هذه النتائج مع الأدبيات القائمة حول الفروق المهاراتية بين الجنسين، وقد تعكس أيضاً الفصل المهني القائم على النوع الاجتماعي.

كما يؤدي العمر دوراً في تشكيل مجموعات مهارات العمال. فعند مقارنة تركيبة المهارات بين جيلين من العمال، أحدهما وُلد بين عامي 1961 و1970 والآخر بين عامي 1981 و1990، يتبين أن العمال الأكبر سناً في البرازيل يمتلكون مجموعة مهارات أوسع بقليل، ما يعكس على الأرجح تراكم المهارات على مدى تاريخهم الوظيفي (مع الأخذ في الاعتبار أن هذا المقياس لا يأخذ في الحسبان احتمال تراجع المهارات بمرور الزمن). أما في أوروغواي فالفروق أقل وضوحاً. ويتمثل أبرز فرق في مهارات إدارة الأفراد، الأكثر انتشاراً بين العمال الأكبر سناً، بينما تكون المهارات الحاسوبية العامة أكثر شيوعاً بين الجيل الأصغر سناً. أما المهارات الأخرى، كالمهارات المعرفية المتقدمة ومهارات الشخصية، فلا تُظهر إلا فروقاً طفيفة بين الفئتين العمريتين، مما يشير إلى أن هذه المهارات تظل مستقرة نسبياً عبر مراحل الحياة العملية.

وأخيراً، توجد فروق ملحوظة في توزيع المهارات حسب المستوى التعليمي. فيتبين أن العمال ذوي التعليم العالي (سواء المهني أو التقني أو الجامعي) في البرازيل وأوروغواي يذكرون نطاقاً أوسع من المهارات، خصوصاً مختلف أنواع المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية، مقارنة بمن هم أدنى مستوى تعليماً (أي من لا يفيدون بحصولهم على أي من هذين النوعين من التعليم). ومن المحتمل أن بعض هذا الفرق ناجم عن كون الأفراد الأقل تعليماً رسمياً يصفون أنشطتهم بتفصيل أقل، إذ تكون أوصاف تاريخهم الوظيفي أقصر في المتوسط. ومع ذلك، فيما يخص مهارات خدمة العملاء في كلا البلدين والمهارات اليدوية في أوروغواي، يبدو أن الأفراد الأقل تعليماً ممثلون تمثيلاً زائداً بشكل طفيف. وعند مقارنة خريجي الجامعات بمن تلقوا تدريباً مهنياً أو تقنياً، تكون الفروق في مجموعات المهارات محدودة نسبياً، مما يشير إلى أن أنواع التعليم المختلفة تُعد الأفراد لمسارات مهنية متمايزة دون أن تُحدث بالضرورة فجوات كبيرة في القدرات الإجمالية. غير أن بعض المهارات، كالمهارات البرمجية والمالية والكتابية، يذكرها بشكل أكبر حاملو الشهادات الجامعية. ومن المهم الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من السكان البالغين 15 عاماً فأكثر، تُقدر بنحو 74.5 في المائة في أوروغواي، لا تُكمل أياً من هذين المسارين التعليميين.

المهن وعرض المهارات

ومن اللافت أنه، على عكس ما هو الحال في جانب الطلب، تتفاوت تركيبة المهارات التي يذكرها الباحثون عن عمل تفاوتاً كبيراً بين المهن، نظراً لارتباطها الوثيق بطبيعة العمل المؤدى فعلياً. فهناك فروق ملحوظة في تركز المهارات بين المهن المصنفة، وفق التصنيف الدولي الموحد للمهن، بوصفها تتطلب مستويات مهاراتية أعلى أو أدنى. فالمديرون والمهنيون يذكرون نطاقاً أوسع من المهارات، بينما يذكر مشغلو الآلات والعاملون في المهن الأولية مجموعة أضيق من المهارات. أما العاملون في وظائف الدعم الكتابي والخدمات والمبيعات فتتسم مجموعاتهم المهاراتية أيضاً بتركز نسبي، وإن أظهروا حضوراً أعلى نسبياً للمهارات المعرفية التكميلية.

وبشكل عام، تتسق مجموعات المهارات التي يبرزها المتقدمون عبر مختلف فترات عملهم مع المهارات الأساسية المتوقعة لمهنهم. فعلى سبيل المثال، يميل من عملوا كمشغلي آلات أو في مهن أولية إلى التركيز على المهارات اليدوية مع ذكر ضئيل لمهارات أخرى. وبالمثل، يركز العاملون في الدعم الكتابي والخدمات والمبيعات بشكل رئيسي على مهارات خدمة العملاء، بوصفها العنصر الأساسي في وظائفهم، مع ذكر عدد قليل من المهارات الإضافية. ويشير هذا التحليل إلى أن تركيبة المهارات التي يذكرها الباحثون عن عمل في سيرهم الذاتية أكثر تركيزاً على المهارات الأساسية لمهنهم مقارنة بتركيبة المهارات في الوظائف الشاغرة المرتبطة بالمهنة ذاتها، والتي كثيراً ما تدرج متطلبات إضافية، خصوصاً مهارات الشخصية والمهارات الاجتماعية.

وفي ضوء هذه الخلفية، أُجري تحليل لعدم التطابق في المهارات في أوروغواي، استند إلى مقياسين: الأول يرصد "درجة تشدد المهارات" بوصفها نسبة الوظائف الشاغرة التي تطلب مهارة معينة إلى عدد المتقدمين الذين يُظهرون تلك المهارة على أساس شهري، والثاني يتنبأ بالمهارات المتوقع أن يمتلكها العمال استناداً إلى المهن التي يفيدون بها والمهارات التي تطلبها الوظائف الشاغرة لتلك المهن في البيانات. وتشير النتائج إلى أنه في حين يمتلك عدد كبير من العمال في سوق العمل الإلكتروني في هذا البلد مهارات ذات صلة باحتياجات أصحاب العمل، فإنهم غالباً ما يفتقرون إلى المجموعة الكاملة من المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل، أو يفشلون في التعبير عنها بفعالية. ويشير هذا إلى أن هناك عوائق تتجاوز فجوات المهارات ذاتها، مثل دقة الإفصاح عن المهارات في السير الذاتية، قد تُعيق أيضاً كفاءة المواءمة في سوق العمل. ومعالجة هذه المسألة قد تستلزم دعم الأفراد لإعداد طلبات توظيف أكثر اكتمالاً ودقة، تعكس نطاق مهاراتهم كاملاً وتكون في الوقت نفسه مصممة خصيصاً لمتطلبات الوظائف التي يتقدمون إليها، بما يحسّن في النهاية عملية المواءمة في سوق العمل.

3.4 حزم المهارات والترابط بين المهارات

في حين تناول التحليل السابق كل مهارة على حدة، فإن المهارات لا توجد في الواقع بمعزل بعضها عن بعض، بل تتطلب الوظائف عادة مجموعة متنوعة من المهارات تعمل معاً لأداء المهام بفعالية. وبتقييم هذه المجموعات باستخدام أساليب تحليل الشبكات وقياس التعقيد، يساعد بقية هذا الفصل على تكوين فهم أفضل للتفاعل بين أنواع المهارات المختلفة وكيف تؤدي هذه الترابطات إلى نتائج أفضل في سوق العمل، وهو ما يجيب في نهاية المطاف عن سؤال أي المهارات ينبغي تعزيزها لتمكين العمال من الوصول إلى وظائف أفضل.

وتتجلى أهمية حزم المهارات في بيانات الوظائف الشاغرة الإلكترونية المحللة في هذا التقرير. ففي البرازيل والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي، على سبيل المثال، تشترط غالبية الوظائف الشاغرة ثلاث مهارات أو أكثر، ويذكر معظم المتقدمين مهارتين أو أكثر في طلباتهم. وتماشياً مع هذه النتائج، أصبح ترابط المهارات مجالاً بحثياً نشطاً، إذ تؤكد الدراسات أن الطلب على مهارة معينة والعائد عليها كثيراً ما يعتمدان على نوع المهارات المصاحبة لها.

3.4.1 تحديد الترابطات بين المهارات

تُظهر شبكات المهارات وجود روابط قوية بين المهارات المدرجة في الوظائف الشاغرة. وتظهر ترابطات لافتة بين الأنواع الأربعة للمهارات الاجتماعية والعاطفية، وكذلك بين هذه المهارات والمهارات المعرفية (الأساسية والمتقدمة على حد سواء) والمهارات الحاسوبية، في جميع البلدان المشمولة بالدراسة.

ويبرز الترابط بين المهارات الاجتماعية والمهارات المعرفية الأساسية بشكل أوضح في مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة وأوروغواي. وتظهر أيضاً بعض الأنماط الخاصة بكل بلد؛ ففي البرازيل، على سبيل المثال، تظهر أقوى الروابط بين مختلف المهارات الاجتماعية والعاطفية فيما بينها. أما في جنوب أفريقيا، فتتوزع أهمية حزم المهارات بشكل أكثر تجانساً بين مختلف المهارات، حتى إن المهارات الأقل ذكراً في الوظائف الشاغرة تُطلب عادة بالاقتران مع المهارات المعرفية الأساسية ومهارات الشخصية والمهارات الاجتماعية على التوالي. فعلى سبيل المثال، من بين جميع الوظائف الشاغرة في جنوب أفريقيا التي تشترط مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، تشترط 48 في المائة منها أيضاً مهارات معرفية أساسية، و52 في المائة مهارات شخصية، و76 في المائة مهارات اجتماعية.

ويتجلى تواتر بعض هذه الترابطات بين المهارات عبر مختلف المهن، كما يتبين من حالات البرازيل والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي. فعلى سبيل المثال، تشترط الوظائف الشاغرة في كل من المهن الإدارية والمهن الأولية على حد سواء مهارات معرفية أساسية ومهارات حاسوبية عامة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية والشخصية على التوالي، مما يؤكد الأهمية الجوهرية لهذه الحزم المهاراتية عبر سوق العمل ككل. غير أن الفروق بين المهن تظهر عند النظر في تركيبات أخرى من المهارات؛ فالوظائف الشاغرة للمهن الأولية تميل إلى التركيز على مزيج من المهارات اليدوية والاجتماعية والعاطفية، بينما تُظهر الوظائف الإدارية، بطبيعة الحال، روابط أقل بين المهارات اليدوية والأنواع الأخرى من المهارات، وتُظهر بدلاً من ذلك حزماً مهاراتية أكثر تنوعاً، تشمل روابط بين المهارات المالية والكتابية، إلى جانب المهارات المعرفية الأساسية وكافة المهارات الاجتماعية والعاطفية. وبشكل عام، تتطلب المهن الأعلى في الهرم المهني مجموعة أكثر تنوعاً وتعقيداً من المهارات، ولذلك يمكن اعتبارها أكثر "تطوراً" من منظور المهارات.

ولوصف هذه العلاقة بين المهارات والمهن، استُخدم في هذا الفصل مقياسان مترابطان هما درجة تعقيد المهارة ودرجة تطور المهنة. وتلتقط درجة تعقيد المهارة مدى صعوبة اكتساب مهارة معينة، ويُستدل عليها من مدى تخصص المهارة (مقارنة بالمهارات واسعة الانتشار)، ومن مدى تركزها في المهن الأكثر تطوراً. وتُمنح المهارات التي تعتمد على عدد من المهارات الأخرى المسبقة درجة تعقيد أعلى، بينما تُمنح المهارات الشائعة، أو تلك النادرة لكن المتركزة في مهن أقل تطوراً، درجة تعقيد أدنى. أما درجة تطور المهنة فتقيّم مدى تطور المهنة استناداً إلى كمية المهارات التي تتطلبها ومدى تعقيدها، وتُحسب بجمع درجات تعقيد جميع المهارات المطلوبة في المهنة، فكلما زاد عدد المهارات المعقدة المطلوبة في مهنة ما، ارتفعت درجة تطورها. ويُحسب هذان المقياسان معاً من خلال عملية تكرارية، بحيث تتأثر درجة تعقيد المهارة بدرجة تطور المهن التي تظهر فيها، والعكس صحيح.

وقد طُبّق هذان المقياسان على بيانات الوظائف الشاغرة في جنوب أفريقيا، حيث ظهرت أعلى درجات التعقيد لمهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي (40.5 نقطة)، تليها المهارات البرمجية والدعم التقني المتخصص (16.0 نقطة)، ثم مهارات إدارة المشاريع والعمليات (7.1 نقطة)، فالمهارات المعرفية المتقدمة (3.5 نقطة)، ومهارات إدارة الأفراد (2.9 نقطة)، والمهارات المالية (2.4 نقطة)، ومهارات براعة الأصابع (2.3 نقطة)، والمهارات الحاسوبية العامة (1.9 نقطة)، والمهارات الكتابية (1.7 نقطة)، ومهارات التناسق بين اليد والقدم والعين (1.3 نقطة)، والمهارات المعرفية الأساسية (1.3 نقطة)، ومهارات الشخصية (1.2 نقطة)، ومهارات خدمة العملاء (1.1 نقطة)، والمهارات الاجتماعية (1.0 نقطة)، وهي بذلك الأدنى تعقيداً (وقد استُبعدت المهارات البدنية من هذا الترتيب بسبب محدودية تغطية البيانات المتعلقة بها). وتفسَّر هذه المهارات الأكثر تعقيداً بأنها الأصعب إتقاناً لأنها تتطلب طيفاً واسعاً من المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية لأدائها بفعالية. وفي المقابل، عند ترتيب المهن حسب درجة تطورها، جاءت مهنة أخصائيي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المرتبة الأولى (بدرجة 3.0)، تليها مهنة أخصائيي العلوم والهندسة (2.0)، ثم كبار التنفيذيين والمسؤولين والمشرعين (1.9)، والمديرين الإداريين والتجاريين (1.9)، ومديري الإنتاج والخدمات المتخصصة (1.8)، وهو ما يعكس حاجة هذه المهن إلى عدد كبير من المهارات المعقدة. وفي المقابل، جاءت في أدنى الترتيب مهنة عمال المناجم والبناء والتصنيع والنقل (1.1)، وسائقي المركبات ومشغلي المعدات المتنقلة (1.1)، وعمال النظافة والمساعدين (1.1)، وعمال الرعاية الشخصية (1.1)، ومساعدي إعداد الطعام (1.0)، وهي مهن أقل تطوراً وأقل تعقيداً من حيث المهارات، وتتسق هذه النتائج مع منطق التصنيف الدولي الموحد للمهن، الذي يميل فيه التطور إلى الارتفاع كلما ارتقى المرء في الهرم المهني.

أما بالنسبة للمتقدمين في البرازيل وأوروغواي، فتعكس أنماط ترابط المهارات إلى حد كبير تلك الملحوظة في الوظائف الشاغرة، وإن كانت شدة هذه الترابطات أدنى بشكل عام، بما يتسق مع النتيجة السابقة القائلة إن المتقدمين يميلون إلى الإفصاح عن مهاراتهم بشكل أقل شمولاً مقارنة بأوصاف المهارات في الوظائف الشاغرة. وعند النظر إلى مجموعات مختلفة من العمال حسب الجنس والتعليم، في حالة أوروغواي تحديداً، تظل الأنماط العامة متسقة بين هذه المجموعات. غير أن هناك بعض الفروق: فالمتقدمون الذكور أميل قليلاً إلى ذكر حزم مهاراتية تتضمن مهارات يدوية، في حين تُبرز الباحثات عن عمل روابط أقوى بين مهارات خدمة العملاء والمهارات المعرفية الأساسية والمالية والاجتماعية. ويتسق هذا النمط مع الفصل المهني القائم على النوع الاجتماعي، حيث تكون النساء ممثلات تمثيلاً زائداً في وظائف الدعم الكتابي التي تتطلب مزيجاً من المهارات المالية وخدمة العملاء والمهارات التكميلية، في حين يوجد الرجال بشكل أكبر في المهن الأولية التي تتطلب اقتران المهارات اليدوية بالمهارات التكميلية.

وفيما يتعلق بالتعليم، لا يُظهر المتقدمون الحاصلون على تعليم مهني أو جامعي فروقاً كبيرة في شبكات مهاراتهم مقارنة بمن لا يحملون هذه المؤهلات. غير أن المتقدمين الذين لم يحصلوا على تعليم مهني أو جامعي يميلون إلى إبراز روابط أقوى بين مهارات خدمة العملاء والمهارات الأخرى، بما فيها المهارات الحاسوبية العامة، كما تبرز أيضاً الروابط بين المهارات اليدوية فيما بينها وبين المهارات اليدوية ومهارات خدمة العملاء. في المقابل، يُظهر ذوو التحصيل التعليمي الأعلى روابط أقوى قليلاً بين المهارات المالية من جهة، والمهارات المعرفية المتقدمة ومهارات إدارة الأفراد من جهة أخرى، وكذلك بين مختلف المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية.

3.4.2 خصائص الترابط بين المهارات

بعد إثبات بروز حزم المهارات المختلفة، يتعمق هذا القسم في استكشاف طبيعة هذه الترابطات ضمن بيانات الوظائف الشاغرة، مستخدماً أسلوب إسقاط الشبكات الثنائية الذي طوره باحثون سابقون، لفحص التزامن بين المهارات في الوظائف الشاغرة، وقوة هذه الروابط واتجاهها. ويوفر هذا التحليل فهماً أكثر دقة لبنية الشبكة الكامنة، وهو أمر ضروري لتحديد كيفية تدريس المهارات وتعلمها، ورسم مسار التقدم من المهارات التمهيدية إلى المهارات الأكثر تعقيداً.

وتكشف نتائج هذا التحليل عن نمطين مهمين: أولاً، تُظهر عدة أزواج من المهارات علاقات غير متماثلة، حيث تكون قوة الرابط من مهارة إلى أخرى أكبر بكثير من قوته في الاتجاه المعاكس (وتُعتبر العلاقة بين مهارتين غير متماثلة عندما تكون قوة الرابط في اتجاه واحد أكبر بعشر مرات على الأقل من قوته في الاتجاه المعاكس). وهذا يعني أن مهارات أخرى تظهر عادة إلى جانب مهارة معينة في الوظائف الشاغرة، لكن ليس بالضرورة العكس، مما يشير إلى أن إتقان مهارة واحدة كثيراً ما يكون شرطاً مسبقاً لاكتساب مهارة أخرى أو تطبيقها، وليس العكس. وثانياً، عند النظر إلى هذه العلاقات غير المتماثلة إلى جانب موضع كل مهارة وحجمها ضمن الشبكة، تتكشف أبعاد رئيسية لتعقيد المهارات؛ فالمهارات التي تعتمد على عدد كبير من المهارات الأخرى، أي تلك المبنية على قاعدة واسعة من الكفاءات التمهيدية، تُمنح درجات تعقيد أعلى، وتظهر هذه المهارات المعقدة في شكل عقد أصغر حجماً تتمركز في أعلى الشبكة. وتتلقى هذه المهارات الأكثر تعقيداً عادة عدداً كبيراً من الروابط الواردة من المهارات التمهيدية، لكنها تولّد عدداً قليلاً من الروابط الصادرة، باستثناء الروابط مع مهارات أخرى معقدة بالقدر ذاته (ذلك أن وجود رابط وارد إلى مهارة معينة من مهارة أخرى يعني أنه عند ظهور المهارة الثانية في وظيفة شاغرة، من المرجح أن تظهر المهارة الأولى أيضاً، لكن العكس قد لا يصح؛ وهذا الاتجاه يشير إلى علاقة هرمية أو تبعية، إذ تولد المهارات التأسيسية عادة روابط صادرة لأنها ضرورية لعدد كبير من المهارات الأخرى). وتشير هذه الأنماط مجتمعة إلى أن أكثر المهارات تعقيداً هي تلك التي تتطلب دعم مهارات أخرى لإتقانها، دون أن تكون هي نفسها شرطاً مسبقاً لإتقان مهارات أخرى، في حين قد تكون المهارات التأسيسية أقل تعقيداً لكنها حاسمة لتطوير كفاءات أخرى أكثر تعقيداً.

ويختلف تعقيد المهارات واتجاه علاقاتها باختلاف البلد، كما يتضح من تفاوت درجة تعقيد وموقع مهارات براعة الأصابع بين البلدان. غير أن هناك أنماطاً مشتركة تظهر عبر البلدان؛ فمهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، وكذلك المهارات الإدارية (خصوصاً إدارة المشاريع والعمليات)، تُحدَّد باستمرار بوصفها الأكثر تعقيداً. وتعتمد مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي اعتماداً كبيراً على المهارات الحاسوبية العامة والمهارات البرمجية المتخصصة، وكذلك المهارات المعرفية، كما تسهم بدورها في تطوير مهارات معقدة أخرى. أما مهارات إدارة المشاريع والعمليات فهي من بين الأصعب اكتساباً لأنها تتطلب مزيجاً متنوعاً من المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية. وتقع المهارات المعرفية الأساسية والمهارات الحاسوبية العامة ومهارات خدمة العملاء والمهارات الاجتماعية والشخصية عند قاعدة هذه الشبكات، مما يبرز دورها التأسيسي في دعم تطوير مهارات أعلى تعقيداً.

والجدير بالذكر أن العلاقات غير المتماثلة بين المهارات قد تختلف في طبيعتها. فقد ميّزت إحدى الدراسات بين نوعين من هذه العلاقات: الأول يتمثل في تطور بعض المهارات إلى مهارات أكثر تعقيداً، كما هو الحال مع المهارات البرمجية المتخصصة التي تحتاج إلى أساس من المهارات الحاسوبية الأساسية لكنها قد تتطور لاحقاً إلى مهارات أكثر تعقيداً في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي؛ والثاني يتمثل في كون بعض المهارات المعقدة مركبة من عدة مهارات أدنى مستوى، كما هو الحال في المهارات الإدارية التي تتطلب طيفاً واسعاً من المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية.

وإلى جانب الترابطات غير المتماثلة، تُظهر بعض أزواج المهارات علاقات تبادلية، حيث تنشأ روابط قوية في الاتجاهين، مما يدل على مستوى عالٍ من التعزيز المتبادل والتكامل في تطوير هذه المهارات واستخدامها. وتمثل المهارات الاجتماعية والعاطفية مثالاً رئيسياً على ذلك، إذ إنها لا تسهم في تطوير مهارات أخرى فحسب، بل تتعزز أيضاً بها؛ فالمهارات الاجتماعية، مثل التعاطف والمرونة والحزم، يمكن أن تحسّن مهارات خدمة العملاء، في حين أن مهارات خدمة العملاء، مثل البيع والترويج، يمكن بدورها أن تعزز المهارات الاجتماعية، مثل التواصل والتفاوض.

وتميل كل من الشبكات التبادلية وغير المتماثلة للمهارات إلى البقاء مستقرة عبر الزمن، بما يعكس الاتجاه العام لاستقرار تركيبة المهارات عبر السنوات. ويُعد فهم هذه العلاقات أمراً بالغ الأهمية للتمييز بين المهارات الأساسية لتطوير مهارات أخرى وتلك التي تعمل كعناصر متكاملة ضمن حزمة مهاراتية تُطلب معاً لأداء وظيفة ما، وهو تمييز يوفر رؤى قيّمة لتصميم استراتيجيات أكثر فعالية وشمولاً لدعم تنمية المهارات.

ويُظهر التحليل أن المهارات الاجتماعية والعاطفية، إلى جانب المهارات المعرفية الأساسية والمهارات الحاسوبية الأساسية بدرجة أقل قليلاً، تؤدي دوراً رئيسياً في اكتساب مهارات أخرى أكثر تعقيداً وتعزيزها. وتدعم الأدبيات القائمة أهمية هذه المهارات التمهيدية؛ فقد وجدت إحدى الدراسات أن البالغين العاملين في وظائف تتطلب مهارات أساسية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يحتاجون أيضاً إلى مهارات أساسية قوية، مثل القراءة والكتابة والحساب (وهي ما يُشار إليها أيضاً بمحو الأمية التأسيسي)، إضافة إلى مهارات التخطيط والتنظيم. وإرساء أساس متين في هذه "المهارات الأساسية أو التمهيدية الضرورية لاكتساب كثير من المهارات الأعلى مستوى" يمكّن العمال من التكيف بسهولة أكبر مع متطلبات الوظائف المتغيرة، وإن كانت وتيرة هذا التغير تتفاوت بين البلدان. كما يسهل هذا الأساس التنقل المهني الصاعد والانتقال إلى وظائف ذات جودة عمل أفضل، كما سيتضح في القسم التالي (مع التركيز هنا على المهارات القابلة للنقل بين المهن، لأهميتها في التنقل المهني، على أن تشمل التحليلات المستقبلية أيضاً المهارات الخاصة بمهنة بعينها وحواجز الدخول، بما فيها متطلبات المؤهلات الرسمية).

أي المهارات ضرورية للتقدم نحو مهن أعلى مستوى؟

استناداً إلى أدبيات التعقيد والتنقل المهني، التي تستكشف تشابه المهام وشبكات المهارات لفهم المسارات المهنية وقابلية نقل رأس المال البشري، يُظهر تحليل مستند إلى تركيبة المهارات في المهن مسارات محتملة للتقدم المهني. فبالنسبة لكل مهنة، تشير الروابط الصادرة إلى المسارات المهنية الثلاثة الأكثر سهولة للوصول إليها، والمحددة استناداً إلى المهارات الأكثر صلة بالمهن المستهدفة، وفق ما تعكسه متطلبات الوظائف الشاغرة. وتتركز المهن ذات التصنيفات المهنية الأعلى رقماً ودرجات التطور الأدنى، وهي المهن ذات المحتوى المهاراتي الأقل تعقيداً، في الزاوية اليمنى السفلى، وتهيمن عليها المهارات اليدوية إلى حد كبير. في المقابل، تميل المهن ذات التصنيفات المهنية الأدنى رقماً ودرجات التطور الأعلى، الواقعة في الزاوية اليمنى العليا، إلى الحاجة إلى مجموعات أوسع وأكثر تنوعاً من المهارات. ويُضفي هذا التقارب بين النهج القائم على البيانات المستخدم في هذا الفصل والتصنيف الدولي الموحد للمهن، الذي طوره إحصائيو العمل استناداً إلى معرفتهم العميقة بأسواق العمل الوطنية، مصداقية على كلا المنهجين، إذ يعيد إنتاج تمايزات مهنية ذات أساس مفاهيمي من خلال وسائل مستقلة قائمة على البيانات، مقدماً إسهاماً جديداً في فهم تعقيد المهن.

كما يكشف هذا التحليل أن الانتقالات المحتملة بين المهن التي تتشارك تركيبات مهاراتية متشابهة لا تحدث بالضرورة ضمن عائلات مهنية ضيقة التعريف، وهو ما يشير إلى أن المهارات مؤشر أكثر موثوقية على التنقل المهني من التصنيف حسب العائلة المهنية. فعلى سبيل المثال، تؤدي المهن التي تتطلب أساساً مهارات يدوية عادة إلى أدوار أخرى كثيفة النشاط البدني، وإن كانت بعض الانتقالات ممكنة إلى مهن تهيمن عليها المهارات الاجتماعية والعاطفية أو مزيج من المهارات الاجتماعية والعاطفية واليدوية. فمشغلو الآلات ومجمّعوها، على سبيل المثال، قد ينتقلون إلى مهن أخرى كثيفة النشاط البدني، مثل عمال المعادن والآلات والحرف ذات الصلة، أو إلى عمال الزراعة والغابات ومصايد الأسماك الذين يتطلب عملهم مهارات اجتماعية وبدنية معاً، ويمكن أن تقود هذه الأدوار بدورها إلى مهن أكثر تعقيداً، مثل العمال الزراعيين المهرة الموجهين نحو السوق. وبالمثل، فإن أخصائيي علوم الحياة والصحة، المصنفين ضمن الأدوار كثيفة النشاط البدني، يمكن أن ينتقلوا إلى وظائف موظفي خدمة العملاء التي تتطلب مزيجاً من المهارات الاجتماعية والعاطفية واليدوية.

وعند النظر في المهارات الضرورية للتقدم نحو مهن أعلى مستوى، يبدو أن المهارات الاجتماعية والعاطفية تؤدي دور الجسر الذي يمكّن المهن التي تهيمن عليها المهارات اليدوية من الانتقال إلى أدوار أكثر تعقيداً. وإضافة المهارات المعرفية توسّع هذا المسار أكثر ليصل إلى أكثر المهن تطوراً. فالعمال في المهن التي تتطلب مزيجاً متوازناً من المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية واليدوية يحتلون الربع الأعلى من حيث درجة التطور، مما يمكّنهم من الانتقال إلى أدوار تتطلب مزيجاً مرناً من المهارات. فعلى سبيل المثال، يمكن لموظفي الإدخال الكتابي العام أن يستفيدوا من مهاراتهم للانتقال إلى أدوار أخرى ذات مزيج مهاراتي مماثل ضمن مهن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

غير أنه في جنوب أفريقيا، تشير بيانات الوظائف الشاغرة إلى إمكانية وجود انتقالات مهنية أكثر بين أدوار وثيقة الصلة ببعضها البعض مقارنة بالبلدان الأخرى، بما يعكس خصائص شبكة المهارات في جنوب أفريقيا. أما البرازيل والاتحاد الروسي وأوروغواي فتُظهر عناقيد مهنية أقل تحديداً من حيث تشابه المهارات، مما يفتح المجال أمام انتقالات محتملة بين نطاق أوسع من المهن. وهذا يعني أنه في هذه البلدان، تنتشر المهارات بشكل أكثر تشتتاً عبر المهن المختلفة، مما يسهّل على العمال الانتقال بين وظائف قد لا تبدو وثيقة الصلة ببعضها ظاهرياً لكنها تتشارك متطلبات مهاراتية متداخلة. ففي الاتحاد الروسي، على سبيل المثال، يوجد تفاعل أكبر بين المهن كثيفة النشاط البدني، وتلك التي تتطلب مزيجاً من المهارات الاجتماعية واليدوية، وتلك التي تتطلب مزيجاً من جميع فئات المهارات؛ ففي هذا السياق، يمكن لمشغلي الآلات ومجمّعيها الانتقال المحتمل إلى مسارات مهنية كأخصائيي العلوم والهندسة، التي تتطلب مزيجاً من المهارات المعرفية واليدوية، وإن كانت جدوى مثل هذه الانتقالات تعتمد، من بين عوامل أخرى، على ما إذا كان الأفراد يحتاجون إلى تدريب أو تعليم إضافي، وإذا كان الأمر كذلك، فما مدة هذا التدريب. ومن ناحية أخرى، وفي جميع البلدان المشمولة بالدراسة، يُظهر عمال المنازل بعض إمكانات التنقل المهني، وإن كانت هذه الانتقالات تميل إلى الحدوث بين مهن ذات كثافة مهاراتية منخفضة متشابهة أو معتمدة بشكل كبير على المهام اليدوية.

3.5 المهارات وفرص العمل الأعلى جودة

بعد استعراض مدى بروز حزم المهارات ومدى قوة بعض ترابطاتها، من المهم فهم أي المهارات وحزم المهارات ترتبط بوظائف أفضل. فتحديد المهارات وحزم المهارات المرتبطة بنتائج أفضل للعمال أمر أساسي لفهم كيف يمكن لتنمية المهارات أن تُفضي إلى وظائف أعلى جودة. ويستقصي هذا القسم بالتالي كيف يمكن لتطوير مهارات معينة وحزمها أن يدعم الأفراد في الوصول إلى فرص عمل أعلى جودة. وتُعرّف منظمة العمل الدولية جودة الوظيفة بأنها "مجموع ظروف العمل والتوظيف التي تؤثر في رفاه الموظف"، ويمكن قياس هذا المفهوم باستخدام معايير موضوعية، مثل احترام حقوق العمل وإعمالها، بما في ذلك الأجور العادلة والحماية الاجتماعية وظروف العمل الآمنة، أو معايير ذاتية تعكس تقييم العمال أنفسهم لجودة وظائفهم، بما في ذلك الرضا الوظيفي.

وتتيح بيانات الوظائف الشاغرة الإلكترونية التقاط عدة أبعاد لجودة الوظيفة. فمن خلال هذه البيانات، يمكن استخلاص مؤشرات مثل الأجور المعلنة وخصائص الوظيفة غير الأجرية، التي يعكس بعضها حقوقاً عمالية أساسية، بينما يمثل بعضها الآخر سمات ترتبط عادة بجودة وظيفية أفضل. ويستكشف هذا القسم العلاقة بين هذه المؤشرات ومهارات محددة، بما يساعد على تحديد المهارات التي ينبغي تطويرها من خلال مبادرات التعلم مدى الحياة لتحسين آفاق التوظيف للأفراد.

3.5.1 كيف تؤثر المهارات في مستويات الأجور

رغم أن بيانات الوظائف الشاغرة لا تتيح قياساً مباشراً للأجور الكافية التي تضمن مستوى معيشياً لائقاً للعمال وأسرهم، فإنها تتيح تقييم نطاقات الأجر، أي الحد الأدنى والحد الأقصى للأجر المعلن، المرتبطة بالوظائف المعلن عنها. وتوفر نطاقات الأجر هذه مقياساً تقريبياً قيّماً لتقدير القدرة على الكسب المرتبطة بالوظائف، وهو بُعد أساسي من أبعاد جودة الوظيفة، كما تتيح رؤى حول كيفية ارتباط مهارات مختلفة بأجور أعلى (مع الإشارة إلى أن التحليل يركز على الحد الأدنى للأجر المعلن، لأنه المتغير الأقل افتقاراً للبيانات والأكثر دلالة على أنماط التقدم للوظائف، وأنه يقتصر على الوظائف الشاغرة التي يكون فيها الحد الأدنى للأجر أكبر من الصفر، مع استبعاد أدنى وأعلى واحد في المائة من الأجور. وتتراوح نسبة الوظائف الشاغرة المستوفية لهذا المعيار والمتضمنة معلومات عن المهارات بين 18.1 في المائة في أوروغواي، و30.1 في المائة في جنوب أفريقيا، و77.2 في المائة في الاتحاد الروسي. ورغم أن الوظائف الشاغرة التي تعلن عن الأجر قد لا تمثل عينة عشوائية، فقد بيّنت إحدى الدراسات أن التوزيع الصناعي والمهني متشابه بغض النظر عن حالة الإعلان عن الأجر في أوروغواي، مما يخفف من مخاوف التحيز على الأقل في هذين البعدين).

الوظائف الأعلى أجراً تتطلب مهارات أكثر

تُظهر مقارنة المهارات المطلوبة في الوظائف الأعلى أجراً (أعلى 20 في المائة) بتلك المطلوبة في الوظائف الأدنى أجراً (أدنى 20 في المائة) عبر البلدان الأربعة المشمولة بهذا التحليل أن الوظائف التي تتطلب مهارات أكثر تقدم أجوراً أعلى. وفي حين توجد تفاوتات بين البلدان، تميل الوظائف الشاغرة التي تقدم أجوراً ضمن أعلى 20 في المائة إلى اشتراط عدد أكبر من المهارات المعرفية الأساسية والمتقدمة، والمهارات الحاسوبية المتخصصة والعامة، والمهارات المالية، والمهارات الاجتماعية، ومهارات إدارة الأفراد. غير أن المهارات المحددة الأكثر ارتباطاً بالوظائف الأعلى أجراً تتفاوت بين البلدان؛ ففي جنوب أفريقيا، تظهر أكبر فجوة في متطلبات المهارات بين الوظائف الأعلى والأدنى أجراً في المهارات المالية والمعرفية الأساسية، في حين تُدفع في الاتحاد الروسي أجور أعلى لبعض الأدوار اليدوية الماهرة؛ فالوظائف التي تتطلب مهارات يدوية محددة، كبراعة الأصابع اللازمة للتعامل مع المعدات والتعبئة والفرز، أو التناسق بين اليد والقدم والعين اللازم للإصلاح والترميم والنقل والقيادة، يمكن أن تحقق أجوراً أعلى. فالوظائف في قطاعات البناء، والمعادن والآلات، وتشغيل الآلات، والتجميع، والقيادة، كثيراً ما تقدم أجوراً ضمن الشريحة العليا للدخل، ويعزى ذلك إلى أهمية هذه الأدوار للقطاعات الصناعية، مثل النفط والغاز والتعدين، حيث تدفع الخبرة المتخصصة والمتطلبات البدنية للعمل نحو رفع الأجور للعمال المؤهلين.

وتُطلب بعض المهارات بشكل أكبر في الوظائف الأدنى أجراً؛ ففي معظم البلدان، يصح ذلك بالنسبة لمهارات خدمة العملاء، باستثناء الإمارات العربية المتحدة. أما بالنسبة لمهارات أخرى، فيتفاوت هذا النمط بقوة أكبر بين البلدان؛ فمهارات الشخصية أكثر بروزاً في الوظائف المنخفضة الأجر في جنوب أفريقيا، بينما تكون المهارات الحاسوبية العامة أكثر شيوعاً في الوظائف المنخفضة الأجر في الاتحاد الروسي. ومع ذلك، من الممكن ألا يكون انتشار مهارات معينة في الوظائف المنخفضة الأجر محدداً مباشراً للأجور بحد ذاته، بل قد تؤثر فروق الأجور بين المهن، وكذلك أهمية حزم المهارات، في هذه الأنماط الأجرية، كما سيتضح لاحقاً.

المهارات مهمة للأجور حتى داخل المهنة الواحدة، وتُظهر المهارات المعرفية أعلى عائد

اقتصر التحليل حتى الآن على النتائج على مستوى البلد عبر مختلف المهن، حيث يمكن أن تتأثر العلاقة بين المهارات والأجور بفوارق الأجور بين المهن. وباستخدام متغيرات ضبط تتعلق بالمهنة، أُتيح تقدير كيف ترتبط المهارات بالأجور داخل المهنة الواحدة نفسها. ورغم أن هذا التحليل يقدم رؤى مفيدة، فإنه لا يكشف عن علاقات سببية بين المهارات والأجور، بالنظر إلى أن عوامل إضافية، كتأثيرات المنشأة أو القطاع، لم تُؤخذ في الحسبان.

ومن الواضح أن المهارات مهمة للأجور حتى بعد استبعاد العوامل المهنية. فعبر البلدان، ترتبط كثير من المهارات المعرفية بأجور أعلى. ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تكون الأجور أعلى بنسبة 20 في المائة عندما تُشترط المهارات المالية في الإعلان الوظيفي. وفي الإمارات العربية المتحدة، تكون الأجور المعلنة أعلى بنسبة 18 في المائة في الوظائف الشاغرة التي تشترط مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي. أما في الاتحاد الروسي وأوروغواي، فتكون الأجور المعلنة أعلى بنسبة سبعة في المائة و14 في المائة على التوالي في الوظائف الشاغرة التي تشترط مهارات إدارة المشاريع والعمليات (على أن نتائج المهارات المعرفية المتقدمة في أوروغواي تخالف بشكل مفاجئ هذا النمط العام؛ ولا يتغير هذا كثيراً عند ضبط متطلبات الخبرة والقطاع، بحيث يبدو أن المعامل السلبي ليس ناجماً عن مؤسسات بعينها أو وظائف مبتدئة تشترط هذه المهارات بشكل غير متناسب، مثل تحليل البيانات، بل إن الأثر يتفاوت بين المهن، فهو سلبي بالنسبة لعمال الدعم الكتابي والحرفيين، وإيجابي بالنسبة لمشغلي الآلات ومجمّعيها). وتتوصل الأبحاث في البلدان مرتفعة الدخل إلى استنتاجات مماثلة، إذ تحمل المهارات الرقمية علاوة أجرية معتبرة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومع ذلك، فإن الاشتراط الصريح للمهارات المعرفية الأساسية قد يرتبط في الواقع بأجور أدنى؛ وهذا صحيح بالنسبة للمهارات الحاسوبية العامة، التي تؤدي، مقارنة بوظائف شاغرة مطابقة من الناحية الرصدية، إلى انخفاض في الأجور بنسبة 10 و6 و3 في المائة في جنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الروسي على التوالي.

أما بالنسبة للمهارات الاجتماعية والعاطفية، فالنتائج أكثر تبايناً؛ فهي ترتبط عموماً بعلاوة أجرية في الاتحاد الروسي، في حين ترتبط مهارات الشخصية وخدمة العملاء سلبياً بالأجور في جنوب أفريقيا. وفي الإمارات العربية المتحدة، ترتبط مهارات الشخصية والمهارات الاجتماعية بعقوبة أجرية، وينطبق الأمر ذاته على المهارات الاجتماعية في أوروغواي.

ولماذا لا تحقق بعض المهارات الاجتماعية والعاطفية علاوات أجرية، على الأقل في بعض البلدان؟ كما سيُناقش في الفصل الرابع، فإن العلاوات الأجرية للمهارات لا تتشكل بفعل قوى العرض والطلب في السوق وحدها، بل أيضاً بفعل أحكام قيمية ذات طابع اجتماعي. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما ترتبط المهارات الاجتماعية بمهام ومهارات تؤديها النساء عادة، كما في أعمال الرعاية، وهذه المهارات، رغم أهميتها الأساسية، تميل إلى أن تكون مقدَّرة بأقل من قيمتها الحقيقية ومنخفضة الأجر. ومن العوامل المساهمة في ذلك ارتباطها بالعمل غير مدفوع الأجر الذي تؤديه النساء بشكل غير متناسب لأسرهن، مما قد يُرسّخ تصوراً بأن هذه المهارات أقل تطلباً. إضافة إلى ذلك، فإن طابع المنفعة العامة لأعمال الرعاية يؤدي إلى إخفاقات في السوق ونقص في الاستثمار، مما يزيد من تراجع قيمة هذه المهارات. ومع ذلك، وكما ستُظهر النتائج اللاحقة في هذا القسم، لا تزال المهارات الاجتماعية والعاطفية تؤدي دوراً معتبراً في رفع الأجور، إذ إنها تكمّل المهارات المعرفية.

وترتبط المهارات اليدوية بأجور أدنى في جنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة، وكذلك في الاتحاد الروسي باستثناء مهارات براعة الأصابع. ورغم التفاوت بين البلدان، لا تحقق المهارات اليدوية بشكل عام علاوات أجرية ملحوظة، وهذا أمر ذو دلالة من منظور سياساتي، بالنظر إلى أن العمال ذوي المؤهلات المنخفضة كثيراً ما يؤدون مهام يدوية. ومرة أخرى، يمكن أن تكون آثار المهارات اليدوية على الأجور إيجابية عند اقترانها بمهارات تكميلية، كما سيُناقش لاحقاً، وهو نمط ظهر أيضاً في تحليل التنقل المهني، حيث مكّن وجود مهارات أخرى المهن ذات المهارات اليدوية من الارتقاء في سلم التعقيد.

الوصول إلى الوظائف الأعلى أجراً يتطلب مهارات تكميلية، خصوصاً تلك المنتمية إلى الفئة الاجتماعية والعاطفية

قد يبدو من السهل الاستنتاج، من التحليل السابق، أن اكتساب المهارات المعرفية وحدها كافٍ لتأمين وظيفة عالية الأجر. غير أنه كما تبين سابقاً، فإن المهارات لا توجد بمعزل بعضها عن بعض، إذ تتعزز كثير من المهارات المعرفية بشكل قوي بمهارات أخرى، معظمها اجتماعي وعاطفي. ويستكشف ما يلي ما إذا كانت حزم المهارات هذه ترتبط أيضاً بأجور أعلى.

وقد رصد التحليل أعلى خمس مهارات أجراً في كل من البلدان الأربعة (أوروغواي والإمارات العربية المتحدة وجنوب أفريقيا والاتحاد الروسي)، إلى جانب المهارات الثلاث الأكثر طلباً كمكمّلات لهذه المهارات عالية الأجر. ففي أوروغواي، ترتبط مهارات إدارة الأفراد بعلاوة أجرية تبلغ 22.7 في المائة، وتُطلب غالباً مع المهارات الاجتماعية (72 في المائة من الوظائف الشاغرة) والمهارات المعرفية الأساسية (58 في المائة) ومهارات خدمة العملاء (49 في المائة)؛ وترتبط مهارات إدارة المشاريع والعمليات بعلاوة قدرها 14 في المائة، وتقترن بالمهارات المعرفية الأساسية (70 في المائة) والاجتماعية (66 في المائة) والمعرفية المتقدمة (65 في المائة)؛ وترتبط المهارات المالية بعلاوة قدرها 11.3 في المائة، مقترنة بالمهارات المعرفية الأساسية (63 في المائة) والحاسوبية (61 في المائة) والاجتماعية (60 في المائة)؛ وترتبط المهارات البرمجية والتقنية بعلاوة قدرها 11.3 في المائة، مقترنة بالمهارات الحاسوبية (70 في المائة) والاجتماعية (56 في المائة) والمعرفية الأساسية (51 في المائة)؛ وترتبط المهارات الحاسوبية العامة بعلاوة قدرها 10.5 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (54 في المائة) والمعرفية الأساسية (52 في المائة) وخدمة العملاء (52 في المائة).

وفي الإمارات العربية المتحدة، ترتبط مهارات إدارة الأفراد بعلاوة قدرها 20.4 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (94 في المائة) والمعرفية الأساسية (79 في المائة) وخدمة العملاء (69 في المائة)؛ وترتبط مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي بعلاوة قدرها 17.6 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (88 في المائة) والمعرفية الأساسية (84 في المائة) وخدمة العملاء (67 في المائة)؛ وترتبط مهارات إدارة المشاريع بعلاوة قدرها 12.7 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (91 في المائة) والمعرفية الأساسية (84 في المائة) وخدمة العملاء (73 في المائة)؛ وترتبط المهارات المعرفية الأساسية نفسها بعلاوة قدرها 6.4 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (83 في المائة) وخدمة العملاء (62 في المائة) والشخصية (51 في المائة)؛ وترتبط المهارات المالية بعلاوة قدرها 5.9 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (82 في المائة) والمعرفية الأساسية (73 في المائة) وخدمة العملاء (66 في المائة).

وفي جنوب أفريقيا، ترتبط المهارات المالية بعلاوة قدرها 19.7 في المائة، مقترنة بالمهارات المعرفية الأساسية (69 في المائة) والاجتماعية (66 في المائة) وخدمة العملاء (64 في المائة)؛ وترتبط المهارات البرمجية والتقنية بعلاوة قدرها 18.9 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (70 في المائة) والمعرفية الأساسية (69 في المائة) والحاسوبية (68 في المائة)؛ وترتبط المهارات المعرفية الأساسية بعلاوة قدرها 12.9 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (73 في المائة) وخدمة العملاء (56 في المائة) والشخصية (65 في المائة)؛ وترتبط مهارات إدارة المشاريع بعلاوة قدرها 8.1 في المائة، مقترنة بالمهارات المعرفية الأساسية (82 في المائة) والاجتماعية (78 في المائة) وخدمة العملاء (73 في المائة)؛ وترتبط المهارات المعرفية المتقدمة بعلاوة قدرها 7.9 في المائة، مقترنة بالمهارات المعرفية الأساسية (81 في المائة) والاجتماعية (78 في المائة) وخدمة العملاء (68 في المائة).

وفي الاتحاد الروسي، ترتبط مهارات إدارة المشاريع بعلاوة قدرها 6.5 في المائة، مقترنة بخدمة العملاء (76 في المائة) والمهارات الاجتماعية (72 في المائة) والمعرفية الأساسية (58 في المائة)؛ وترتبط مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي بعلاوة قدرها 5.4 في المائة، مقترنة بالمهارات المعرفية المتقدمة (70 في المائة) والاجتماعية (69 في المائة) وخدمة العملاء (58 في المائة)؛ وترتبط المهارات المالية بعلاوة قدرها 4.7 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (50 في المائة) وخدمة العملاء (49 في المائة) والشخصية (41 في المائة)؛ وترتبط المهارات البرمجية والتقنية بعلاوة قدرها 2.6 في المائة، مقترنة بالمهارات المعرفية المتقدمة (77 في المائة) والاجتماعية (71 في المائة) وخدمة العملاء (50 في المائة)؛ وترتبط مهارات خدمة العملاء نفسها بعلاوة قدرها 2.4 في المائة، مقترنة بالمهارات الاجتماعية (57 في المائة) والشخصية (49 في المائة) والحاسوبية (28 في المائة).

وفي غالبية هذه الوظائف الشاغرة، تكون المهارات المكمّلة اجتماعية أو متعلقة بخدمة العملاء أو بالشخصية. وتُبرز هذه النتائج الدور الجوهري للمهارات الاجتماعية والعاطفية بوصفها عوامل تمكين للمهارات الأعلى أجراً، وهي عادة مهارات معرفية. فحتى لو لم تكن بعض المهارات الاجتماعية والعاطفية مُقدَّرة عند النظر إليها بمعزل عن غيرها، بل قد تحمل أحياناً عقوبة أجرية، كما هو الحال مع مهارات الشخصية وخدمة العملاء والمهارات الاجتماعية في جنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة وأوروغواي، فإنها لا تزال مطلوبة بالاقتران مع المهارات الأعلى أجراً. وكما سبقت الإشارة، تؤدي المهارات الاجتماعية والعاطفية دوراً مزدوجاً، فهي تعزز مهارات أخرى وتعتمد عليها في آن واحد. وتؤكد الأدبيات الخاصة بالولايات المتحدة هذه النتيجة، إذ بيّنت إحدى الدراسات أن أهمية المهارات الاجتماعية والعاطفية قد ازدادت في المهن الأعلى أجراً، فيما بيّنت دراسات أخرى أن اقتران المهارات الاجتماعية والعاطفية بالمهارات المعرفية يؤدي إلى علاوات أجرية معتبرة (وهي نتيجة ستُراجَع بمزيد من التفصيل في القسم 4.2 من الفصل الرابع). كما أن الوظائف الكثيفة في المهارات الرياضية والاجتماعية معاً شهدت نمواً في التوظيف، في حين تراجع التوظيف في الوظائف الكثيفة في المهارات الرياضية فقط. وقد سلّطت دراسة نوعية أُجريت في إسبانيا مزيداً من الضوء على هذه العلاقات، حيث أوضح مديرو التوظيف أن المتقدمين يُغربلون في البداية استناداً إلى مهاراتهم التقنية، مما يتطلب شهادات أو نتائج جيدة في اختبار برمجي، ثم يُختار المرشح الأنسب من بين هذه المجموعة استناداً إلى المهارات الاجتماعية والشخصية التي يُظهرها خلال المقابلات.

ورغم أن المهارات اليدوية لا تظهر عادة ضمن المهارات الأعلى أجراً، فإن أوجه التكامل بين المهارات يمكن أن تؤثر أيضاً في أجورها. ففي دراسة للمنشآت الهندية، وُجد أن المهارات اليدوية تُكافأ بأجر أفضل عندما تقترن بالمهارات الرقمية. وبالمثل، فإن عمالاً سنغاليين ذوي مؤهلات رسمية منخفضة، كانوا يؤدون أعمالاً يدوية بشكل رئيسي في بناء خطوط قطار سريع، شهدوا ارتفاعاً في أجورهم بعد مشاركتهم في تدريب ركّز على تعزيز الضمير الحي.

وتحمل هذه النتائج دلالات سياساتية مهمة؛ ففي حين قد يكون الانتقال إلى أدوار جديدة تماماً أمراً معقداً، حتى بالنسبة للأفراد الذين يمتلكون المهارات المطلوبة، يبيّن هذا التحليل أن مثل هذه التغييرات الجذرية ليست ضرورية دائماً لتحقيق أجور أعلى. فكثيراً ما يكمن مفتاح تحسين القدرة على الكسب في اكتساب مهارات تكميلية، خصوصاً تلك ذات الطابع الاجتماعي والعاطفي. وبالاعتراف بقيمة هذه المهارات التكميلية، يمكن لصانعي السياسات تصميم برامج تدريب ومبادرات موجهة تعزز الكفاءات الاجتماعية والعاطفية للعمال، وهو نهج لا يزيد من قدرة الأفراد على الكسب فحسب، بل يسهم أيضاً في بناء قوة عاملة أكثر مهارة ومرونة وتكاملاً.

وقد تطورت تركيبة المهام ومتطلبات المهارات داخل المهن بشكل ملحوظ عبر الزمن، وقد أظهرت دراسات حديثة، اعتمدت على بيانات الوظائف الشاغرة الإلكترونية وبيانات على مستوى المنشآت، الأثر الذي تحدثه مهارات محددة في الأجور والأداء العام للمنشآت. ففي الولايات المتحدة، تميل المنشآت ذات الإيرادات الأعلى لكل عامل إلى اشتراط مهارات معرفية واجتماعية أكبر. وفي الهند، ترتبط المهارات الرقمية ارتباطاً وثيقاً بارتفاع الأجور، ونمو المنشآت، والاستثمار في البحث والتطوير، وأنشطة التصدير.

ويرتبط الطلب على نطاق أوسع من المهارات داخل المنشآت ارتباطاً وثيقاً بالمشاركة في أنشطة أكثر تعقيداً، وهو ما يعزز بدوره الأداء الاقتصادي. وتؤكد الأدبيات على التكامل بين المهارات المعرفية والاجتماعية في دفع الأجور نحو الارتفاع وتحسين نتائج المنشآت، مثل احتمال إدراجها في البورصة أو تحقيقها إيرادات أعلى لكل عامل. ومن اللافت أنه في حين ترتبط المهارات اليدوية وحدها بأجور أدنى في المنشآت الهندية، فإنها عند اقترانها بالمهارات الرقمية ترتبط بأجور أعلى ومشاركة أكبر في الأنشطة التصديرية للمنشآت.

وتشير هذه النتائج إلى أن المنشآت التي تطلب مجموعات متنوعة من المهارات القابلة للنقل تكون في وضع أفضل لتوظيف التطورات التكنولوجية لصالحها، مما يبرز الدور الحاسم للقرارات التنظيمية في هيكلة المهام والمهارات لتحسين أداء المنشأة.

3.5.2 العلاقة بين المهارات والسمات غير الأجرية للوظائف

إلى جانب الأجور، تشكل ظروف التوظيف المختلفة وخصائص الوظيفة جودة العمل. وتتيح بيانات الوظائف الشاغرة الإلكترونية تحديد سمات وظيفية غير أجرية تعكس جوانب من جودة الوظيفة، بما في ذلك بعض حقوق العمل وسمات أخرى مرغوبة في التوظيف، وإن كانت لا تسمح بالمقارنة بين الوظائف الرسمية وغير الرسمية. وتشمل هذه السمات غير الأجرية أشكالاً متنوعة من الأجور المتغيرة والمزايا العينية وظروف العمل والخصائص الأوسع لمكان العمل. وقد استند تطوير تصنيف لهذه السمات غير الأجرية المستخلصة من الوظائف الشاغرة الإلكترونية إلى الأدبيات التجريبية القائمة، إضافة إلى تعديلات خاصة أُدخلت لهذا الغرض، وطُبّق هذا التصنيف، المستند إلى قاموس من الكلمات المفتاحية، على بيانات الوظائف الشاغرة في البرازيل والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي، باستخدام تقنيات معالجة اللغة الطبيعية المماثلة لتلك المستخدمة في بناء متغيرات المهارات.

ويتفاوت مدى انتشار السمات غير الأجرية المعلنة في الوظائف الشاغرة بين البلدان الأربعة قيد التحليل، مما يبرز تفاوتاً في ممارسات أصحاب العمل وتوقعات سوق العمل. فحصة الوظائف الشاغرة التي تذكر واحدة على الأقل من هذه السمات هي الأعلى في الاتحاد الروسي (75 في المائة)، تليها أوروغواي (51 في المائة)، فالبرازيل (49 في المائة)، فجنوب أفريقيا (35 في المائة).

ورغم هذه الفروق، تظهر بعض القواسم المشتركة؛ فتُعد فرص التطور الوظيفي من أكثر السمات ذكراً باستمرار، خصوصاً في أوروغواي (59 في المائة) والاتحاد الروسي (57 في المائة)، مما يعكس تركيزاً على فرص التدريب والنمو الوظيفي. كما يبرز العمل ضمن فرق، خصوصاً في أوروغواي (45 في المائة) والبرازيل (14 في المائة)، حيث يُشدد على بيئات العمل التعاونية. إضافة إلى ذلك، يظهر الاهتمام ببيئة العمل وأثرها المجتمعي على نطاق واسع في أوروغواي (36 في المائة) وبدرجة أقل في البرازيل (تسعة في المائة)، مما يوحي بتركيز على ثقافة مكان العمل والمسؤولية الاجتماعية للمنشآت. من ناحية أخرى، تبرز الحوافز المالية، كالمكافآت والعمولات، بشكل لافت في البرازيل (25 في المائة) والاتحاد الروسي (25 في المائة)، وكذلك الدعم الغذائي والخصومات، بنسبة 31 في المائة في البرازيل و22 في المائة في الاتحاد الروسي. ومن اللافت أن الموقع الجغرافي والتنقل إلى مكان العمل يمثل عاملاً معلناً مهماً في الاتحاد الروسي (25 في المائة)، لكنه أقل أهمية في البرازيل وأوروغواي، وشبه غائب في جنوب أفريقيا (0.4 في المائة).

في المقابل، تظهر بعض السمات بتكرار أقل في إعلانات الوظائف الإلكترونية؛ فحقوق العمل ومزايا الحماية الاجتماعية، كالتأمين الصحي والإجازات المدفوعة الأجر ومساهمات التقاعد، نادراً ما تُذكر، خصوصاً في أوروغواي، حيث قد تجعل المتطلبات القانونية الإعلان الصريح عنها غير ضروري. وبالمثل، فإن مساحة العمل ومرافقه ومعدات العمل ومخصصاته نادراً ما تُبرز في البلدان الأربعة جميعها. ولا يُذكر التأمين الصحي بشكل أكثر بروزاً إلا في البرازيل (في نحو 10 في المائة من الإعلانات)، بينما تظهر الإجازات المدفوعة الأجر بتكرار أكبر نسبياً في الاتحاد الروسي (20 في المائة).

وفي ضوء هذا التفاوت، اختير 11 سمة غير أجرية لتحليل العلاقة بين المهارات وجودة الوظيفة. ويرتبط سبع من هذه السمات ارتباطاً إيجابياً بالرضا الوظيفي ورفاه الموظف، ولذلك تُصنَّف بوصفها "مزايا"، بعضها يتقاطع أيضاً مع حقوق العمل. وللمقارنة، أُدرجت سمتان تدلان على انخفاض جودة الوظيفة، اعتُبرتا "عيوباً". وتستند هذه التصنيفات إلى مراجعة للأدبيات، بما في ذلك تحليل المشاعر ودراسات الاستعداد للدفع مقابل سمات معينة. وأُدرجت إضافة إلى ذلك خاصيتان وظيفيتان دون تصنيف مسبق كمزية أو عيب، إذ يمكن أن يكون أثرهما إيجابياً أو سلبياً حسب الفئة والسياق، وتحدَّد هذه التصنيفات تجريبياً.

وتضم فئة الأجور المتغيرة سمة المكافآت والعمولات، وهي أشكال متنوعة من الحوافز المالية الهادفة إلى تحفيز الموظفين ومكافأتهم استناداً إلى أدائهم، وتُصنَّف مزية؛ وسمة العمل بالساعة والعمل الإضافي، التي تشمل ظروف العمل بما يتجاوز ساعات العمل الاعتيادية أو على أساس ساعي أو خلال فترات معينة، مثل العمل الموسمي، وتُصنَّف عيباً لأنها غالباً ما تُفرض من صاحب العمل وليست طوعية. أما فئة المزايا العينية فتضم سمة الدعم الغذائي والخدمات والخصومات، وتشمل مزايا متعلقة بالغذاء والسكن والنقل ومختلف أشكال الدعم أو الخصومات المقدمة للموظفين، وتُصنَّف مزية. وفي فئة ظروف العمل، تندرج سمة مرونة جدول العمل، التي تشمل خيارات العمل عن بُعد والدوام الجزئي وساعات العمل المرنة وممارسات دعم التوازن بين العمل والحياة، وتُصنَّف مزية؛ وسمة سلامة مكان العمل، المتعلقة بضمان بيئة عمل آمنة، وتُصنَّف مزية أيضاً؛ وسمة الأمن الوظيفي، المتعلقة باستقرار الوظيفة والحماية المالية للموظف، وتُصنَّف مزية. أما في فئة سمات مكان العمل، فتندرج سمة بيئة العمل وأثرها في المجتمع، وتُصنَّف مزية؛ وسمة الجهد البدني ووتيرة العمل، التي تقيّم المتطلبات البدنية للوظيفة ووتيرتها، بما في ذلك المهام الشاقة بدنياً والنوبات المتناوبة والوتيرة السريعة، وتُصنَّف عيباً؛ وسمة العمل ضمن فرق، التي يمكن أن تكون مزية أو عيباً حسب السياق؛ وسمة فرص التطور الوظيفي، وتُصنَّف مزية؛ وسمة الموقع الجغرافي والتنقل إلى مكان العمل، التي يمكن أن تكون مزية أو عيباً حسب السياق. (وقد استُبعدت من التحليل، بسبب ندرة حضورها في وظائف جميع البلدان المشمولة، السمات التالية: الإجازات المدفوعة الأجر، والتأمين الصحي، ومساهمات التقاعد، ومساحة العمل ومرافقه، ومعدات العمل ومخصصاته.)

العلاقة بين المهارات والمزايا

تتفاوت العلاقة بين المهارات المطلوبة والسمات الوظيفية المعلنة باختلاف البلد (وتُعرض هنا نتائج البرازيل تحديداً، فيما تتوفر نتائج الاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي لدى منظمة العمل الدولية عند الطلب)، غير أن بعض الأنماط تتكرر باستمرار.

فمن حيث خصائص مكان العمل، تميل الوظائف التي تشدد على فرص التطور الوظيفي والعمل ضمن فرق وبيئة العمل وأثرها المجتمعي إلى اشتراط مهارات اجتماعية وعاطفية، خصوصاً المهارات الاجتماعية وخدمة العملاء، إضافة إلى الكفاءات المعرفية. غير أن هذه الوظائف تُظهر ارتباطاً ضعيفاً، بل حتى عكسياً في بعض الأحيان، بالمهارات اليدوية. وفي البرازيل، تكون هذه الارتباطات قوية بشكل خاص، مما يشير إلى أن الوظائف الشاغرة التي تُبرز النمو المهني والتعاون تبحث عادة عن مرشحين يجمعون بين المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية.

ومن ناحية أخرى، وكما هو متوقع، يرتبط الجهد البدني ووتيرة العمل بالمهارات اليدوية، بينما يقل ارتباطه بالمهارات المعرفية أو الاجتماعية والعاطفية. أما الموقع الجغرافي والتنقل فلا يرتبط ارتباطاً يُذكر بالمهارات.

وضمن نطاق ظروف العمل، تميل مرونة جدول العمل إلى الارتباط بالأدوار التي تتطلب مهارات معرفية تقنية، كالمهارات الحاسوبية والبرمجية ومهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، مما يشير إلى أن المهنيين في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وما يتصل بها قد يتمتعون باستقلالية أكبر في تحديد جداولهم الزمنية، وإن لم يكن هذا النمط بالقوة ذاتها في جميع البلدان، مما يشير إلى أن مرونة الوظائف التقنية قد تعتمد على أوضاع سوق العمل المحلية. في المقابل، تفتقر الوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات يدوية باستمرار إلى مرونة الجدول الزمني، حيث تسود عادة نوبات عمل ثابتة.

وتُذكر سلامة مكان العمل بتكرار أكبر في الوظائف التي تتطلب مهارات معرفية وقدرات في إدارة الأفراد في البرازيل وجنوب أفريقيا، بما يتسق مع فكرة أن حقوق العمل تنعكس بشكل أكبر في الوظائف الشاغرة الأعلى مهارة، وإن كانت معاملات الارتباط صغيرة. أما الأمن الوظيفي فلا يرتبط ارتباطاً يُذكر بمتطلبات المهارات، باستثناء أوروغواي، حيث يرتبط سلبياً بجميع المهارات.

وأخيراً، ضمن نطاق الأجور المتغيرة والمزايا العينية، تميل الوظائف التي تقدم مكافآت وعمولات إلى التركيز على مهارات خدمة العملاء في البرازيل وأوروغواي. أما في الاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا، فيمتد هذا الارتباط ليشمل جميع المهارات الاجتماعية والعاطفية والمهارات المعرفية الأكثر تعقيداً، كالمهارات المعرفية المتقدمة والمالية، مما يشير إلى أن هياكل الأجور القائمة على العمولات شائعة بشكل خاص في الوظائف التي تتطلب مزيجاً محدداً من المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية القوية (وقد يعكس هذا أيضاً طبيعة المهن التي تنتشر فيها هذه الهياكل الأجرية بشكل أكبر، كالمبيعات والتمويل، والتي تتطلب هذه المهارات أصلاً). وبالمثل، يميل الدعم الغذائي والخصومات إلى أن يكون أكثر شيوعاً في الوظائف التي لا تتطلب مهارات معرفية متقدمة، مما يعزز ارتباطها بالأدوار الأقل تخصصاً. أما العمل بالساعة والعمل الإضافي فيظهر عبر أدوار ذات مستويات مهارية متفاوتة دون ارتباط قوي بكفاءات محددة.

الوظائف الأكثر تعقيداً تأتي مصحوبة بمزايا أكثر وأعلى قيمة

يُظهر تحليل العلاقة بين السمات غير الأجرية وتعقيد الوظيفة (الذي يُعرَّف بوصفه مجموع درجات تعقيد جميع المهارات المطلوبة في الوظيفة الشاغرة، محسوباً على مستوى البلد، مع تحويل درجة تعقيد كل مهارة بالجذر التربيعي للحد من التباين وضمان عدم هيمنة مهارة واحدة على المقياس الإجمالي) أن الوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات أكثر تعقيداً تقدم باستمرار مزايا أعلى قيمة، خصوصاً فرص التطور الوظيفي والعمل ضمن فرق وبيئة العمل وأثرها المجتمعي، بما يتسق مع الارتباطات المذكورة أعلاه التي تُظهر أن هذه المزايا أكثر انتشاراً في الأدوار التي تتطلب مهارات معرفية واجتماعية وعاطفية متقدمة.

وإلى جانب هذه الاتجاهات الأساسية، ترتبط بعض المزايا بالوظائف الأكثر تعقيداً في بلدان بعينها؛ فمرونة جدول العمل أكثر شيوعاً في البرازيل والاتحاد الروسي، مما يشير إلى أن الأدوار ذات المهارات الأكثر تعقيداً في هذين السوقين تسمح باستقلالية أكبر. وفي جنوب أفريقيا، يرتبط العمل بالساعة أو العمل الإضافي وسلامة مكان العمل بشكل أكبر بالوظائف التي تتطلب مهارات أكثر تعقيداً. كما تكون المكافآت والعمولات أكثر شيوعاً في الوظائف الأعلى تعقيداً، وإن كان هذا الاتجاه أقوى في الاتحاد الروسي، وبدرجة أقل في البرازيل وجنوب أفريقيا.

وعلى العكس من ذلك، تميل الوظائف الأقل تعقيداً إلى تقديم الدعم الغذائي والخصومات، وكذلك عيب الجهد البدني ووتيرة العمل. وفي الاتحاد الروسي، يؤدي الموقع الجغرافي والتنقل أيضاً دوراً أبرز في الوظائف الأقل تعقيداً. وتظل هذه الأنماط قائمة عند مقارنة السمات غير الأجرية المعروضة في الوظائف الشاغرة بين المهن الأعلى والأدنى مهارة، كالمديرين والمهن الأولية، مما يعزز الارتباط بين تعقيد الوظيفة والمزايا المقدمة.

غير أن المزايا الأكثر لا تعني بالضرورة أجوراً أعلى

من اللافت أنه في حين ترتبط المهارات الأكثر تعقيداً عادة بوظائف أعلى أجراً، وتميل الوظائف الأكثر تعقيداً إلى تقديم مزايا أكبر وأعلى قيمة، فإن العلاقة بين مستويات الأجور والمزايا تعتمد على الدور الاستراتيجي الذي تؤديه هذه السمات على مختلف مستويات الوظيفة. فالوظائف ضمن أعلى 20 في المائة من الأجور لا تقدم بالضرورة سمات وظيفية أكثر أو أفضل مقارنة بتلك ضمن أدنى 20 في المائة. ففي بعض الحالات، تنتشر المزايا المرتبطة عادة بالأدوار المعقدة أيضاً في الوظائف المنخفضة الأجر؛ فعلى سبيل المثال، تُعلن فرص التطور الوظيفي بتكرار أكبر في الوظائف الأدنى أجراً في البرازيل والاتحاد الروسي، مما يشير إلى أن الأدوار المنخفضة الأجر قد تشدد على التدريب وتنمية المهارات كوسيلة للتقدم الوظيفي. وعلى العكس من ذلك، تنتشر مزايا الموقع الجغرافي والتنقل بشكل أكبر في الوظائف الأعلى أجراً في الاتحاد الروسي، ما يعكس على الأرجح الحاجة إلى جذب المهنيين ذوي المهارات العالية عبر تعويضهم عن القيود الجغرافية.

وينشأ هذا التباين لأن المزايا تؤدي أغراضاً استراتيجية مختلفة حسب مستوى الوظيفة. ففي الوظائف المنخفضة الأجر، قد يشدد أصحاب العمل على فرص التدريب لجذب العمال من خلال تقديم آفاق للتقدم الوظيفي بدلاً من المكافآت المالية الفورية. في المقابل، قد تقدم الوظائف الأعلى أجراً مخصصات للتنقل لتأمين أفضل الكفاءات، خصوصاً عندما تتطلب الأدوار الانتقال الجغرافي أو السفر المتكرر.

وتقدم هذه الأنماط الوصفية أدلة جديدة حول كيفية تفاعل المهارات والأجور والسمات الوظيفية غير الأجرية عبر سياقات وأنواع وظيفية مختلفة، وتتسق مع الأدبيات الواسعة حول التعويضات التعادلية، التي ترى أن الوظائف ذات السمات الأقل استحساناً، كالأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة ومتطلبات الانتقال الجغرافي، قد تقدم مزايا غير نقدية لجذب العمال والاحتفاظ بهم. وتظهر هذه التعويضات التعادلية بوضوح في الوظائف المنخفضة الأجر في البرازيل وأوروغواي، التي تميل إلى تقديم عدد أكبر من المزايا القيّمة. أما في الاتحاد الروسي، فتقترن الأجور المرتفعة بمزيج من المزايا الجذابة وسمات أخرى ترتبط عادة بوظائف أقل تعقيداً أو أدنى جودة، مثل دعم التنقل والدعم الغذائي، مما يشير إلى أن هناك عوامل أخرى في سوق العمل، كالأعراف القطاعية والمنافسة على الوظائف والمتطلبات التنظيمية، تُسهم أيضاً في تحديد كيفية توزيع السمات الوظيفية غير الأجرية عبر مستويات الأجر، إلى جانب منطق التعويضات التعادلية الكلاسيكي.

3.6 الخاتمة

بيّن هذا الفصل كيف يمكن لتنمية مهارات محددة، وتركيبات صحيحة منها، أن تدعم الأفراد في الوصول إلى فرص عمل أعلى جودة، مع تركيز خاص على بلدان في مناطق كثيراً ما أغفلتها أدبيات المهارات. فقد درس الفصل ديناميكيات المهارات في البرازيل ومصر والأردن والمغرب وجنوب أفريقيا والاتحاد الروسي والإمارات العربية المتحدة وأوروغواي، مستفيداً في الوقت نفسه من الأبحاث القائمة في بلدان أخرى، كالولايات المتحدة، لتوفير سياق إضافي. وبالنظر إلى ندرة البيانات المفصلة والطولية عن المهارات في البلدان المختارة، استند التحليل إلى بيانات ضخمة من الوظائف الشاغرة الإلكترونية (وبيانات المتقدمين حيثما توفرت). وقد أمكن ذلك بفضل تطبيق منهجيات وضعتها منظمة العمل الدولية خصيصاً لهذا التقرير من أجل تصنيف واستخلاص متغيرات المهارات والمزايا الوظيفية من بيانات نصية غير مهيكلة. كما استفاد الفصل من تعاون مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ومنصة فايي بلوس في المغرب لتوسيع عدد البلدان المشمولة بالدراسة.

ورغم أن هذه البيانات تنطوي على قيود معينة، إذ يميل سوق العمل الإلكتروني إلى المبالغة في تمثيل المهن المهنية ويختلف في تركيبته القطاعية عن سوق العمل الأوسع، فإنها تظل مصدراً بالغ الأهمية للرؤى، لا سيما في السياقات التي تندر فيها بيانات المهارات التقليدية أو تنعدم.

وإجمالاً، خلص الفصل إلى نتائج رئيسية في أربعة مجالات.

أولاً، تُعد المهارات الاجتماعية والعاطفية الأكثر طلباً، تليها المهارات المعرفية. وفي حين تُلاحظ المهارات اليدوية بتكرار أقل في الوظائف الشاغرة، فإنها تظل ذات صلة، مع وجود فروق بين المهن. وبشكل عام، تبقى حصص الفئات العريضة للمهارات المطلوبة مستقرة نسبياً عبر الزمن. غير أنه، وسط هذا الاستقرار، تتطور مهارات محددة، خصوصاً البرمجيات المتقدمة والتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، بوتيرة سريعة، رغم أنها لا تزال تمثل حصة صغيرة من إجمالي الطلب. أما على جانب العرض، فإن توزيع المهارات بين المتقدمين يعكس إلى حد كبير توزيعها في الوظائف الشاغرة. ومن اللافت أن الرجال والنساء يذكرون أنماطاً مهاراتية متشابهة إلى حد بعيد، وإن كانت النساء تذكر مهارات خدمة العملاء بتكرار أكبر، بينما يذكر الرجال المهارات اليدوية بتكرار أكبر، بما يعكس توزيعهم المهني.

ثانياً، لا توجد المهارات في عزلة، بل ضمن حزم مهاراتية مترابطة. فالمنشآت تحتاج إلى مزيج من مهارات مختلفة، حيث ترتبط مختلف المهارات الاجتماعية والعاطفية ارتباطاً قوياً فيما بينها ومع المهارات المعرفية، وبدرجة أقل مع المهارات اليدوية. وقد أتاح تحليل الشبكات مزيداً من الفهم لطبيعة هذا الترابط، إذ تعمل المهارات الاجتماعية والعاطفية، إلى جانب المهارات المعرفية الأساسية والمهارات الحاسوبية العامة، بوصفها كفاءات تأسيسية تدعم تطوير مهارات أعلى تعقيداً. ومن الأمثلة البارزة على المهارات الأعلى تعقيداً مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، وكذلك المهارات الإدارية، خصوصاً إدارة المشاريع والعمليات.

ثالثاً، ترتبط الأجور الأعلى عموماً بعدد أكبر من المهارات الأعلى تعقيداً، وتحقق المهارات المعرفية أعلى عائد أجري. أما المهارات الاجتماعية والعاطفية فتُظهر نتائج أكثر تبايناً، بل تحمل أحياناً آثاراً أجرية سلبية، وهو استنتاج ستُعاد مراجعته في القسم 4.2 من الفصل الرابع. ومع ذلك، لا تزال المهارات الاجتماعية والعاطفية تؤدي دوراً مهماً في رفع الأجور، إذ تُطلب غالباً بالاقتران مع المهارات المعرفية. وتُبرز هذه النتائج الدور الجوهري للمهارات الاجتماعية والعاطفية بوصفها عوامل تمكين لمهارات أكثر تعقيداً وأعلى أجراً، وهو نمط لوحظ أيضاً في الولايات المتحدة والهند. وفي المقابل، نادراً ما تحقق المهارات اليدوية علاوات أجرية في أي من البلدان المشمولة بالدراسة، وإن كانت أوجه التكامل مع مهارات أخرى يمكن أن تحسّن عائدها.

رابعاً وأخيراً، تمثل المهارات مساراً نحو وظائف ذات مزايا أفضل. فالوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات أكثر تعقيداً، وغالباً مزيجاً من المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية المتقدمة، تقدم باستمرار مزايا أعلى قيمة، كفرص التطور الوظيفي والعمل ضمن فرق والأثر المجتمعي. غير أن بعض هذه المزايا المرتبطة عادة بالأدوار المعقدة تنتشر أيضاً في بعض الوظائف المنخفضة الأجر، مما يشير إلى أن الوظائف ذات السمات غير المرغوبة قد تعوّض عن انخفاض الأجور بتقديم مزايا غير نقدية لجذب العمال.

دراسة ذات صلة