التعلم مدى الحياة حول العالم: قياس أبعاده الثلاثة
2.1. مقدمة
كما جاء في الفصل الأول، يمثل التعلم مدى الحياة وتنمية المهارات هدفين رئيسيين من أهداف السياسات العامة، نظراً لدورهما الحاسم في تعزيز قدرة العمال والمنشآت على التكيف مع الظروف المتغيرة في أسواق العمل. ولضمان تحقيق هذين الهدفين، لا بد من قياس دقيق لحالة التعلم مدى الحياة عبر البلدان، إذ تساعد البيانات الموثوقة على تحديد المستفيدين، والوقوف على مواطن الفجوات القائمة، وابتكار السبل المثلى لسدها. كما تدعم هذه البيانات تصميم سياسات واستراتيجيات قائمة على الأدلة، بما يكفل تخصيص الموارد بكفاءة وتكييف التدخلات مع الاحتياجات الوطنية الخاصة بكل بلد. غير أن هذا الفصل سيبين أن توافر بيانات شاملة وقابلة للمقارنة بين البلدان لا يزال محدوداً، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
يضطلع هذا الفصل، بوصفه جزءاً من الباب الأول من التقرير، بمهمة أساسية تتمثل في استكشاف الصورة العالمية الراهنة للتعلم مدى الحياة عبر أبعاده الثلاثة الجوهرية التي حددها الفصل الأول، وهي التعليم والتمدرس، وعالم العمل، والتعلم المجتمعي الأوسع. وفي سبيل ذلك يسعى الفصل إلى الإجابة عن سؤالين رئيسيين: ما هي الحالة الراهنة للتعلم مدى الحياة عبر هذه الأبعاد الثلاثة؟ وكيف يمكن سد الفجوات القائمة في البيانات، لا سيما في سياق عالم العمل وفي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، بما يدعم رسم سياسات شاملة وقائمة على الأدلة؟
يستند هذا الفصل إلى منهجيات سابقة، مثل مؤشر الاتحاد الأوروبي المركب للتعلم مدى الحياة، ومؤشر التعلم المركب الكندي، وهما أداتان قدمتا رؤى مبكرة قيمة حول قياس التعلم مدى الحياة، وإن كان العمل بهما قد توقف لاحقاً. وانسجاماً مع هذين المؤشرين السابقين، يسعى الفصل إلى تقديم منظور شامل لمختلف أبعاد التعلم مدى الحياة، مع توسيع نطاق التركيز ليتجاوز البلدان المرتفعة الدخل وحدها.
ولتحقيق هذه الغاية، أجرى الفصل عملية مسح موسعة لتحديد المؤشرات القابلة للمقارنة عالمياً والتي تعكس الطابع المتعدد الأوجه للتعلم مدى الحياة. واستند اختيار هذه المؤشرات إلى مدى توافرها عبر البلدان من مختلف فئات الدخل، وقدرتها على استيعاب أنماط التعلم المتنوعة. وتشمل مصادر هذه المؤشرات بيانات أهداف التنمية المستدامة التي تجمعها مختلف وكالات الأمم المتحدة، ومؤشرات التنمية العالمية الصادرة عن البنك الدولي، وبرنامج التقييم الدولي لكفاءات الكبار (PIAAC) التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والمسح العالمي للقيم، ومجموعة البيانات المصغرة المنسقة الصادرة عن منظمة العمل الدولية عبر قاعدة بياناتها الإحصائية (ILOSTAT). وقد اعتمد التحليل على بيانات أحدث سنة متاحة بغية توسيع التغطية القُطرية قدر الإمكان وتقديم صورة راهنة، كما صنف البلدان بحسب مستوى الدخل، وحيثما أمكن، بحسب المنطقة الجغرافية، سعياً إلى تسليط الضوء على كيفية تأثير السياقات المحددة والخصائص الفردية أو المهنية في فرص الوصول إلى التعلم ونتائجه.
وبقدر ما كشف هذا المسح الواسع عن رؤى جديدة بخصوص الأبعاد الثلاثة للتعلم مدى الحياة، فقد أظهر أيضاً فجوات كبيرة في البيانات المتاحة. فالمؤشرات القائمة لا تزال قاصرة عن استيعاب دقائق التعلم مدى الحياة بكافة تفاصيلها، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وبخاصة فيما يتعلق بالتعلم في مكان العمل. فكثير من المؤشرات لا يميز بين أنماط التعلم الرسمي وغير الرسمي وغير النظامي. ويقصد بالتعلم الرسمي التعليم المنظم داخل مؤسسات معترف بها يفضي إلى مؤهلات رسمية، في حين يجري التعلم غير الرسمي خارج نظم التعليم الرسمي وقد يكون منظماً لكنه عادة لا يفضي إلى مؤهلات معترف بها رسمياً، ويندرج ضمنه التدريب الذي يوفره أصحاب العمل. أما التعلم غير النظامي فيحدث من خلال تجارب الحياة اليومية، وإن كان يمكن الاعتراف به عبر آليات التصديق والتحقق من الكفاءات المكتسبة، ويتخذ في عالم العمل صورة التفاعل مع الزملاء أو التعلم بالممارسة. وحتى عندما تميز بعض المؤشرات بين هذه الأنماط، تظل المعلومات المتعلقة بمحتوى التعلم غير الرسمي ونطاقه ومداه محدودة، فيما تكاد بيانات التعلم غير النظامي تكون منعدمة تماماً. وعلاوة على ذلك، تندر البيانات المتعلقة بخصائص المستفيدين من هذه الأنشطة، ودوافعهم، والعقبات التي تواجههم، وتصوراتهم بشأن جدوى هذه الأنشطة، وهي جميعها عناصر حاسمة لتصميم سياسات شاملة وموجهة بدقة.
ولمعالجة هذه الفجوات، أجرت منظمة العمل الدولية استقصاءات على مستوى الأفراد في ثلاثة بلدان متوسطة الدخل من مناطق مختلفة، هي بنغلاديش وفيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة، اختيرت بحيث تمثل كلاً من فئتي البلدان المنخفضة والمرتفعة المتوسطة الدخل. واختيرت هذه البلدان أيضاً لالتزامها الواضح بتحسين التعلم مدى الحياة ضمن برامجها الوطنية، ولتوافر بيانات ذات صلة بسوق العمل فيها. وقد استحدثت هذه الاستقصاءات أسئلة مبتكرة تغطي أبعاداً من التعلم مدى الحياة لم تحظ بدراسة كافية من قبل، منها التمييز بين التعلم الرسمي وغير الرسمي وغير النظامي، ومعلومات مفصلة عن محتوى الدورات ومدتها، والجهات المقدمة للتدريب والشهادات المحصل عليها، ومدى جدوى أنشطة التعلم بما في ذلك إسهامها في إعادة تأهيل المهارات وتطويرها، والاحتياجات التعلمية المحددة للأفراد، والحوافز التي يحصلون عليها، والعقبات التي يواجهونها، ضمن عوامل أخرى.
وإلى جانب ذلك، تضمنت الاستقصاءات أسئلة منسجمة مع استقصاءات القوى العاملة الوطنية، تتناول تفاصيل مثل الوضع في العمالة والأجور ونوع العقد وحالة تسجيل المنشأة. ويتيح هذا التكامل تحليل العلاقة بين أنشطة التعلم ونتائج سوق العمل، بما يشمل العمال غير الرسميين، أي العاملين في عمالة غير رسمية وفق التعريف المعتمد في ممارسات منظمة العمل الدولية. وبالجمع بين المؤشرات الإحصائية القائمة والبيانات المستحدثة، يقدم هذا الفصل صورة أكثر اكتمالاً لحالة التعلم مدى الحياة تعكس تعريفه المتعدد الأبعاد، حيث تتخلل نتائج استقصاءات منظمة العمل الدولية ثنايا الفصل لتكملة البيانات القائمة وسد الفجوات المحددة.
كما تشكل استمارة الاستقصاء والبيانات الناتجة عنه أداة مفيدة للمؤسسات العامة وصانعي السياسات والباحثين، ويمكن الاستفادة منها مستقبلاً لجمع بيانات عن التعلم مدى الحياة في بلدان أخرى أو عبر الزمن لتتبع التقدم المحرز وتوجيه الاستراتيجيات المقبلة.
ويتوزع هذا الفصل على الأبعاد الثلاثة للتعلم مدى الحياة. فيتناول القسم 2.2 التعليم والتمدرس، من خلال تحليل الاستثمار في التعليم والنتائج التعليمية ومدى الاستبعاد من فرص التعليم. وينتقل القسم 2.3 إلى عالم العمل، وهو مجال الاهتمام الرئيسي لمنظمة العمل الدولية والذي تتجلى فيه أكبر الفجوات في البيانات، إذ يبدأ هذا القسم بلمحة عامة عن مشاركة مختلف الفئات السكانية في التعلم، أي السكان في سن العمل والعاملين في المنشآت الرسمية، بغرض تحديد أوجه التفاوت المحتملة، ثم يبحث في أنشطة التعلم الرسمي وغير الرسمي وغير النظامي، مستفيداً من نتائج استقصاءات منظمة العمل الدولية للتعلم مدى الحياة. ويكشف هذا التحليل عن فجوات كبيرة في فرص التعلم داخل عالم العمل، وهو ما يبرر التركيز عليه في الباب الثاني من التقرير، كما يسلط الضوء على الدور الحيوي لمنظمات أصحاب العمل والعمال في تعزيز التعلم مدى الحياة. أما القسم 2.4 فيستكشف بعد التعلم المجتمعي الأوسع، بما في ذلك التعلم الجماعي ومشاركة المواطنين في المنظمات التطوعية. ويختتم القسم 2.5 الفصل بتحديد فجوات التعلم التي ينبغي معالجتها لتمكين الأفراد من تحقيق كامل إمكاناتهم وتحسين نتائجهم في عالم العمل.
2.2. التعلم مدى الحياة في مجال التعليم
يمثل التعليم الرسمي أو التمدرس أول تجربة رسمية يخوضها الفرد في مسيرته التعليمية مدى الحياة، وهو المرحلة التي تترسخ فيها اللبنات الأساسية اللازمة للتعلم المتقدم، بما في ذلك القراءة والكتابة والحساب، وحيث يمكن أن يترسخ الشغف بمواصلة التعلم. ويتوقف النجاح في هذا المجال على عوامل عدة، أبرزها حجم الموارد التي تخصصها البلدان للتعليم ونوعيتها. فكلما زادت الموارد المالية المتاحة، أمكن ضمان وصول الطلاب إلى مرافق مدرسية أساسية كالصرف الصحي والمياه، فضلاً عن موارد أخرى كالحواسيب والإنترنت. كما يعد التمويل الكافي عاملاً مهماً في تدريب المعلمين المؤهلين واجتذابهم والاحتفاظ بهم، بما يعزز جودة التعليم بوجه عام.
وإذا وُظفت هذه الموارد على النحو المناسب، فإنها تفضي إلى نتائج إيجابية. وتشير نتائج التعلم مدى الحياة في مجال التعليم إلى التحصيل والإنجاز التعليمي، مثل إتقان القراءة أو معدلات الالتحاق بالتعليم العالي. غير أنه إذا استُبعدت نسب كبيرة من الأطفال من الالتحاق بالمدارس أو تسربوا منها، تتراجع المكاسب الاجتماعية والاقتصادية المتحققة من التعلم مدى الحياة، وتزداد الخسائر كلما اتسع نطاق هذا الاستبعاد. ولذا يستكشف هذا القسم ثلاثة محاور رئيسية، هي أولاً الاستثمار في التعليم، وثانياً النتائج التعليمية، وثالثاً الاستبعاد من التعليم، بغية تقييم الحالة الراهنة للتعلم مدى الحياة في مجال التعليم على الصعيد العالمي.
ويسعى التحليل طوال هذا الفصل إلى التمييز بين نوعين من التعليم، أولهما التعليم العام الذي تُعرّفه اليونسكو بأنه التعليم "المصمم لتنمية المعارف والمهارات والكفاءات العامة للمتعلمين"، وثانيهما التعليم المهني الذي يُعِدّ الطلاب تحديداً لسوق العمل، ولهذا يُبحث في سياق عالم العمل ضمن القسم 2.3.1. غير أن ندرة البيانات القابلة للمقارنة عالمياً التي تميز بوضوح بين هذين النوعين من التعليم تحد من إمكانية إجراء هذا التمييز بدقة، ولذا يركز التحليل، حيثما توافرت البيانات، على مؤشرات التعليم الإعدادي أو المرحلة الأولى من التعليم الثانوي، الذي يبدأ عادة بين سن العاشرة والثالثة عشرة (وأكثرها شيوعاً سن الثانية عشرة)، بينما تبدأ المرحلة الثانوية العليا بين سن الرابعة عشرة والسادسة عشرة وتنتهي في حدود السابعة عشرة أو الثامنة عشرة. ويستند هذا الاختيار إلى كون العديد من البلدان تستحدث برامج تعليمية مرتبطة مباشرة بعالم العمل، كالتعليم والتدريب التقني والمهني الرسمي، بعد اجتياز هذه المرحلة، ولكون التعليم الإعدادي يُعد على نطاق واسع مرحلة محورية في سلسلة التعليم المتصلة. كما أن التركيز على هذه المرحلة يضمن إمكانية مقارنة النتائج التعليمية، إذ إن العديد من المؤشرات الرئيسية، كالكفاءة في القراءة والرياضيات، تُرصد عادة عند هذا المستوى، خصوصاً في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
2.2.1. الاستثمار في التعليم
يُعد حجم الموارد التي يخصصها البلد للتعليم أحد أهم محددات توافر الفرص التعليمية وجودتها ونتائجها. ويمكن رصد أربعة مؤشرات رئيسية للاستثمار في التعليم بحسب فئة دخل البلد وفق تصنيف البنك الدولي، وهي الإنفاق الحكومي على التعليم، ومدى انتشار المعلمين المؤهلين، وإمكانية الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وإمكانية الوصول إلى البنية التحتية المدرسية. ويُعبر عن الإنفاق الحكومي على التعليم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ويغطي جميع المراحل التعليمية، في حين يستند مؤشر الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى متوسط مؤشرين يقيسان توافر الحواسيب لأغراض تعليمية وإمكانية الوصول إلى الإنترنت عند المرحلة الإعدادية. أما مؤشر الوصول إلى البنية التحتية فهو متوسط لعدة مؤشرات فرعية تشمل الصرف الصحي والمياه ومرافق غسل اليدين والكهرباء والبنية التحتية الملائمة للطلاب ذوي الإعاقة، وذلك أيضاً عند المرحلة الإعدادية. ويشير مؤشر المعلمين المؤهلين إلى نسبة المعلمين الحاصلين على الحد الأدنى من المؤهلات المطلوبة. وتجدر الإشارة إلى أن تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جودة التعليم يظل معقداً ومرتبطاً بعدة عوامل، منها نوع التكنولوجيا المستخدمة وخصائص الطلاب والمعلمين، غير أن التقنيات الرقمية أظهرت إمكانات ملموسة لتحسين التعليم في المدارس، لا سيما حين تُستخدم لتكملة عملية التدريس لا لتحل محلها، وقد ارتبط توافر الإنترنت في المدارس تحديداً بتحسن أداء الطلاب وإن تفاوتت آثاره بين المجموعات المدروسة.
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة عن اتجاه واضح مرتبط بمستوى الدخل: فالبلدان المنخفضة الدخل تخصص أقل قدر من الموارد للتعليم، ويتصاعد هذا الاستثمار تدريجياً مع ارتفاع مستوى الدخل، لتصبح البلدان المرتفعة الدخل الأكثر استثماراً في هذا المجال. وينبغي النظر إلى هذه المؤشرات أيضاً في ضوء نسبة الأطفال، أي الفئة العمرية من صفر إلى أربعة عشر عاماً، ضمن السكان، إذ إن هذه الفئة هي المستفيد الرئيسي من نظام التعليم العام. ونظراً لأن البلدان المنخفضة الدخل تسجل نسبة أعلى من الأطفال ضمن سكانها، فإن الموارد المحدودة توزع على عدد أكبر من المستفيدين، مما يخفض معدل الاستثمار الفعلي لكل طفل مقارنة بالبلدان الأعلى دخلاً.
2.2.2. النتائج التعليمية والاستبعاد من التعليم
تظهر اتجاهات مماثلة مرتبطة بالدخل عند النظر إلى النتائج التعليمية. فكلما ارتفع دخل البلد، ازدادت نسبة الأطفال والمراهقين الملتحقين بالمدارس، وهو ما ينعكس في ارتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم الثانوي والعالي. كما تتحسن مع ارتفاع مستوى الدخل النتائج في مادتي الرياضيات والقراءة، وكذلك معدلات إتمام المرحلة الإعدادية. ومع أن التعليم العالي لا يحظى إلا بتغطية جزئية في هذا التحليل، فإن الأدلة تشير إلى تفاوتات واسعة بين مستويات الدخل، حيث لا يلتحق بالتعليم العالي في البلدان المنخفضة الدخل سوى نسبة ضئيلة من الطلاب المنحدرين من أسر منخفضة أو متوسطة الدخل. وتوحي هذه الاتجاهات مجتمعة بأن مستوى دخل البلد واستثماره في التعليم يشكلان محددين قويين للنتائج التعليمية، وهو ما ينسجم مع الأدبيات التي تخلص إلى وجود علاقة وثيقة بين الإنفاق المدرسي ونتائج الطلاب.
ويمكن أن يُعزى جزء من التفاوت الملحوظ بين فئات الدخل أيضاً إلى مستوى استبعاد الأطفال والشباب من برامج التعليم في البلدان. وتُظهر ثلاثة مؤشرات دالة على هذا الاستبعاد ارتباطاً وثيقاً بمستوى دخل البلد، إذ تسجل البلدان المنخفضة الدخل أعلى نسبة من الأطفال والمراهقين غير الملتحقين بالمدارس، وكذلك أعلى نسبة من الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب، وإن كان هذا المؤشر الأخير يظل مرتفعاً نسبياً في جميع فئات الدخل. وتتراجع مؤشرات الاستبعاد هذه بشكل مطرد كلما ارتفع مستوى الدخل. كما تتقلص الفجوات بين الجنسين في التعليم مع ارتفاع مستوى الدخل، وهو ما يوحي بأن النساء يواجهن استبعاداً أكبر من نظام التعليم في البلدان المنخفضة الدخل تحديداً.
وتسهم عوامل متعددة في العقبات التي يواجهها الأطفال والشباب في الوصول إلى التعليم، فإلى جانب أوجه القصور في النظم التعليمية ذاتها، يؤدي الفقر والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية الأوسع دوراً كبيراً في هذا الصدد. ولفقر الأطفال تحديداً آثار سلبية موثقة جيداً على نتائجهم التعليمية والصحية. وفي مثل هذه السياقات، يمكن لبرامج الحماية الاجتماعية، لا سيما تلك التي تجمع بين المنافع النقدية والوصول إلى التعليم والحماية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، أن تحدث آثاراً إيجابية متبادلة التعزيز.
كما تبين أن هذه الاتجاهات المرتبطة بالدخل لا تصمد بشكل موحد عبر جميع البلدان ضمن الفئة الواحدة، مما يوحي بأن النمو الاقتصادي وحده لا يحدد النتائج التعليمية بشكل كامل. فكلما انخفض مستوى دخل البلدان، اتسع نطاق التباين بين المؤشرات المرتبطة بالاستثمار في التعليم فيما بينها. وبعبارة أخرى، تميل البلدان المرتفعة الدخل إلى التشابه الكبير في هذه الجوانب، في حين يسود تفاوت أكبر بكثير بين البلدان ضمن فئات الدخل الأدنى. ويتجلى هذا التباين بأوضح صوره، بين البلدان المنخفضة الدخل، في إمكانية الوصول إلى البنية التحتية المدرسية، التي تتراوح بين ثلاثة في المائة و77 في المائة، وفي الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذي يتراوح بين شبه انعدام و67 في المائة، علماً بأن قابلية المقارنة بين البلدان قد لا تكون دقيقة تماماً نظراً للاختلاف في التعريفات المعتمدة. أما فيما يخص انتشار المعلمين المؤهلين، فلا يتجاوز نصف المعلمين في بعض البلدان المنخفضة الدخل الحد الأدنى من المؤهلات، بينما تتجاوز هذه النسبة 75 في المائة في بلدان أخرى من الفئة نفسها.
ويظهر نمط مماثل عند النظر إلى النتائج التعليمية، لا سيما في الكفاءة بالرياضيات والقراءة ومعدلات إتمام المرحلة الإعدادية. فعلى سبيل المثال، تسجل فييت نام، وهي بلد من فئة الدخل المتوسط الأدنى، نسبة لافتة من الطلاب الذين يحققون الحد الأدنى من الكفاءة في كل من الرياضيات، بواقع 84 في المائة، والقراءة، بواقع 90 في المائة. وضمن مجموعة البلدان المتوسطة الدخل الأدنى أيضاً، تُلاحظ معدلات مرتفعة من الالتحاق الإجمالي بالتعليم الثانوي في عدد من البلدان. ويوحي هذا التباين بين بلدان تتقارب في مستوى الدخل بأن عوامل أخرى قد تؤدي دوراً مهماً في تشكيل فرص التعلم، من قبيل أطر السياسات، والمواقف الثقافية تجاه التعليم، ومدى الأولوية التي يحظى بها التعليم في الإنفاق العام.
وتحديداً، تمثل الإدارة المالية عنصراً حاسماً في النظم التعليمية، يكمل مستويات الاستثمار الإجمالية في تشكيل النتائج التعليمية. فالإشكالات المتعلقة بالميزانية، كتأخر صرف الأموال، ومحدودية المرونة في إعادة توزيعها، وتعقد الإجراءات المالية، يمكن أن تنال من جودة التعليم. وتشير الدراسات إلى أن إمكانية التنبؤ بالميزانية لا تزال منخفضة في العديد من البلدان، لا سيما المنخفضة الدخل منها، بما لذلك من انعكاسات محتملة على أداء الطلاب. وفي المقابل، حين تكون التحويلات المالية قابلة للتنبؤ وتصل إلى المدارس كما هو مقرر لها، فإنها يمكن أن تسهم في زيادة معدلات الالتحاق وتحسين نتائج التعلم، بما في ذلك تحسن نتائج الاختبارات.
وتتجاوز آثار السياسات التعليمية النتائج التعليمية لتمتد إلى سوق العمل، من خلال الإسهام في الجهود الأوسع لمعالجة النقص وعدم التوافق في المهارات. وفي هذا السياق، تُعد المعلومات الدقيقة والآنية عن احتياجات المهارات الحالية والمستقبلية أمراً أساسياً، إذ تسترشد بها عمليات تصميم المناهج الدراسية، وتوجه القرارات المتعلقة بعدد المقاعد المتاحة في مختلف المسارات التعليمية، وتساعد الطلاب على اتخاذ خيارات مهنية مستنيرة. كما يُعد تجاوز التحديات المتعلقة بجمع البيانات، والاستخدام الفعال للمعلومات، والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية، أمراً حاسماً في تصميم سياسات فعالة للتعليم والتدريب، وهو موضوع يجري تناوله بإسهاب في الفصل الثالث.
2.3. التعلم مدى الحياة في عالم العمل
يواصل الأفراد رحلة تعلمهم مدى الحياة بعد مغادرتهم نظام التعليم الرسمي وانتقالهم إلى عالم العمل، علماً بأن التعلم في عالم العمل لا يقتصر على التعلم القائم في مكان العمل، بل يشمل جميع الأنشطة ذات الصلة المباشرة بعالم العمل، سواء جرت في مكان العمل أو داخل قاعات الدراسة أو بمبادرة من العمال أنفسهم. ويوفر نظام التعليم العام المهارات والمعارف الأساسية الضرورية للقوى العاملة، مما يخلق ترابطاً وثيقاً بين التعليم والعمل، بل إن بعض الفئات، كالمتدربين المهنيين والمتدربين الداخليين، تجمع بين هذين المجالين في آن واحد. كما أن المهارات والكفاءات المكتسبة من نظام التعليم تظل عاملاً أساسياً للاستفادة من فرص التعلم مدى الحياة في عالم العمل. وتؤكد الأدلة المستقاة من استقصاءات منظمة العمل الدولية للتعلم مدى الحياة في بنغلاديش وفيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة أن الأفراد الأدنى تحصيلاً تعليمياً يتمتعون غالباً بفرص أقل للاستفادة من مبادرات التعلم مدى الحياة في عالم العمل.
وتُتاح فرص التعلم مدى الحياة في عالم العمل بشكل مباشر أو غير مباشر عبر قنوات متعددة، منها البرامج الحكومية، والمبادرات التي يمولها أصحاب العمل أو التعلم القائم في مكان العمل، والجهود الذاتية التمويل، والشبكات المهنية أو غير الرسمية. وتعتمد البلدان حول العالم على مزيج مختلف من هذه المصادر لإتاحة فرص التعلم مدى الحياة للأفراد في عالم العمل، وتُبحث هذه التركيبات وآليات تمويلها بالتفصيل في الفصل الخامس. ويعكس هذا التباين في مصادر التعلم المتاحة اختلافات في السياسات والأطر المؤسسية ومدى نضج نظام التعلم مدى الحياة في كل بلد.
وفي حين يُظهر المسح الشامل الذي أجراه هذا الفصل اتساع نطاق المؤشرات المتاحة عن التعلم مدى الحياة، فإنه يكشف أيضاً عن فجوات كبيرة في بيانات فرص التعلم داخل عالم العمل، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فنادراً ما تميز المؤشرات القائمة بوضوح بين أنشطة التعلم الرسمي وغير الرسمي وغير النظامي، وتظل المعلومات عن التعلم غير النظامي وعن الخصائص المحددة لأنشطة التعلم غير متوافرة عموماً. كما تندر البيانات المتعلقة بنتائج التعلم، من قبيل الدخل والإنتاجية والآفاق المهنية.
ولمعالجة هذه الفجوات، أجرت منظمة العمل الدولية استقصاءات مخصصة على مستوى الأفراد في بنغلاديش وفيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة، أتاحت رؤى جديدة حول كيفية انخراط الأفراد في أنماط التعلم المختلفة، ومدى الجدوى المتصورة لهذه التجارب، والعقبات التي تواجههم، وعلاقة التعلم بعملهم. وتكمل هذه الاستقصاءات البيانات القائمة وتوفر أدوات عملية للبلدان لتتبع التعلم مدى الحياة عبر الزمن. ومع أن اختيار هذه البلدان الثلاثة روعي فيه تنوع السياقات الإقليمية ومستويات الدخل، فإن الغاية ليست تعميم نتائجها على سياقات أخرى، بل توضيح كيفية إجراء تحليل شامل للتعلم داخل عالم العمل من الناحية العملية، بما يبرهن على جدوى وقيمة توليد بيانات متينة خارج نطاق البلدان المرتفعة الدخل، ويقدم نموذجاً يمكن لجهات أخرى تكييفه وتوسيعه في جهود البحث والسياسات المستقبلية.
ولرسم صورة شاملة للتعلم في عالم العمل، يعرض هذا القسم أبرز النتائج المستقاة من المؤشرات العالمية ومن استقصاءات منظمة العمل الدولية الجديدة على حد سواء. فيبدأ أولاً بلمحة عامة عن فرص التعلم المتاحة للسكان في سن العمل، مع تركيز خاص على العمال غير الرسميين الذين كثيراً ما تغفلهم البيانات القائمة، ثم ينتقل إلى بحث أنماط التعلم الثلاثة في عالم العمل، أي الرسمي وغير الرسمي وغير النظامي، مع الإقرار بأن هذه الفئات كثيراً ما تتداخل وأن بعض الأنشطة يمكن أن تجمع في آن واحد بين عناصر من كل منها.
وتؤكد الأدلة المستقاة من استقصاءات منظمة العمل الدولية أن التحصيل التعليمي عامل حاسم يمكّن الأفراد من الانخراط في التعلم مدى الحياة داخل عالم العمل. فقد كشفت الاستقصاءات أن الأفراد غير القادرين على القراءة والكتابة يحظون بفرص أقل بكثير للتعرض لأنماط التعلم الرسمي وغير الرسمي المرتبطة بالعمل. ففي بنغلاديش، لا تتجاوز نسبة الأميين الذين يفيدون بانخراطهم في أنشطة تعلم رسمي في عالم العمل 1.4 في المائة، مقابل ما يقارب 15 في المائة بين بقية السكان. وتُلاحظ فجوة مماثلة في معدلات الانخراط في التعلم الرسمي بحسب مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة في جمهورية تنزانيا المتحدة، إذ تبلغ نحو 16 نقطة مئوية، في حين أن معدل الأمية بين المستجيبين للاستقصاء في فيجي منخفض للغاية بحيث لا يسمح بتقديم إحصاءات ذات دلالة.
وعلى نحو مماثل، يشارك الأفراد الذين لم يتموا المرحلة الإعدادية من التعليم في عدد أقل من أنشطة التعلم الرسمي وغير الرسمي مقارنة بمن أتموها. فعلى سبيل المثال، يخوض أكثر من ربع الأفراد الذين أتموا التعليم الإعدادي في بنغلاديش أنشطة تعلم رسمي في عالم العمل، مقابل ثلاثة في المائة فقط ممن لم يتموا هذه المرحلة. وتظهر فجوات كبيرة مماثلة في التعلم الرسمي بين الأفراد الحاصلين على التعليم الثانوي وغير الحاصلين عليه في كل من فيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة. ويؤكد هذا الترابط الجوهري بين التعليم وعالم العمل أهمية التحصيل التعليمي كشرط مسبق ييسر الوصول إلى فرص التعلم مدى الحياة داخل عالم العمل.
وتبين نتائج الاستقصاءات وجود فجوة صارخة في التعلم المنظم بين من يجيدون القراءة والكتابة ومن لا يجيدونها، إذ يفوق من يجيدون القراءة والكتابة بكثير غيرهم في احتمال الانخراط في التعليم الرسمي، بمعدلات بلغت في بنغلاديش 14.6 في المائة مقابل 1.4 في المائة، وفي جمهورية تنزانيا المتحدة 17.1 في المائة مقابل 1.3 في المائة. وتظهر فجوة مماثلة وإن كانت أقل حدة في التعلم غير الرسمي. وفي المقابل، يشكل التعلم غير النظامي النمط الأكثر شيوعاً بلا منازع بين جميع الفئات، حيث بلغت معدلات المشاركة فيه لدى من يجيدون القراءة والكتابة 94.8 في المائة في بنغلاديش، و96.6 في المائة في فيجي، و80.1 في المائة في جمهورية تنزانيا المتحدة. ويفيد جزء كبير من العاملين في البلدان الثلاثة، بمن فيهم الأميون وغير الحاصلين على التعليم الثانوي، بحصولهم على تعلم غير نظامي، ويتجلى ذلك بوضوح خاص في بنغلاديش وفيجي حيث تتجاوز هذه النسبة 90 في المائة.
2.3.1. لمحة عامة عن التعلم في عالم العمل
نظراً لمرحلتهم العمرية، يكون الأفراد في سن العمل أكثر ميلاً إلى الاستفادة من فرص التعلم المرتبطة بالعمل أو بالتطوير المهني، مقارنة بالتعليم العام، وإن كانت هذه الفئة تستطيع أيضاً الوصول إلى أشكال أخرى من التعلم، كالجامعات المفتوحة التي تتيح، بمرونتها في أساليب التقديم، للبالغين متابعة دراستهم مع الموازنة بين العمل ومسؤوليات أخرى. غير أن العمال غير الرسميين أقل حظاً بكثير في الوصول إلى أنشطة التعلم المنظم، إذ يواجهون عقبات متعددة تشمل تكاليف التدريب، وقلة المعلومات عن الفرص المتاحة، وانخفاض مستويات المهارات الأساسية، والقيود المالية. أما العاملون في المنشآت غير الرسمية فتتاح لهم فرص تدريب أقل، إذ كثيراً ما تفتقر هذه المنشآت إلى الموارد اللازمة للاستثمار في التعلم. ورغم أن البيانات التي تميز بين فرص التعلم مدى الحياة المتاحة للعمال الرسميين وغير الرسميين لا تزال محدودة، فإن مؤشرين عالميين، إلى جانب نتائج استقصاءات بنغلاديش وفيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة، يسلطان بعض الضوء على هذه المسألة.
يتيح المؤشر الأول، وهو الغاية 4.3.1 من أهداف التنمية المستدامة، رؤية حول فرص التعلم مدى الحياة المتاحة لجميع العمال، إذ يرصد مشاركة كامل السكان في سن العمل، أي الفئة العمرية من 15 إلى 64 عاماً، في مختلف أشكال التدريب خلال الأثني عشر شهراً السابقة. وعلى الصعيد العالمي، لا تتجاوز نسبة من شاركوا في التعليم والتدريب الرسمي وغير الرسمي ضمن هذه الفئة العمرية 16 في المائة وفق هذا المؤشر، مع تفاوت محدود بين مختلف فئات دخل البلدان عن هذا الاتجاه العالمي، ما يوحي بمحدودية فرص التعلم المتاحة للسكان في سن العمل بشكل عام. ويعكس هذا التعريف الواسع، الذي يشمل التعلم الرسمي وغير الرسمي معاً، بما فيه التعليم العام المصنف ضمن التعلم الرسمي، محدودية فرص التعلم مدى الحياة على الصعيد العالمي. ومما يؤسف له أن هذا المؤشر لا يقدم معلومات عن الأفراد بحسب وضعهم في العمالة، ولا يميز بين التعلم الرسمي وغير الرسمي، وكلاهما أمر بالغ الأهمية بالنسبة للفئة العمرية من 15 إلى 25 عاماً، الأكثر احتمالاً للانخراط في التعليم الأساسي. ومع ذلك، يظل هذا المؤشر معياراً مرجعياً مفيداً للمقارنة مع مؤشرات أخرى أكثر تحديداً.
أما المؤشر العالمي الثاني فمستمد من استقصاءات المنشآت التابعة للبنك الدولي، ويقيس التدريب الذي يتلقاه العمال في المنشآت الرسمية، مما يوفر رؤية حول مشهد التدريب داخل الاقتصاد الرسمي، الذي يُرجح أن يتيح فرصاً تدريبية أفضل. وتُعرَّف المنشآت الرسمية عادة بأنها تلك المسجلة لدى المؤسسات الوطنية المعنية أو التي تحتفظ بسجلات محاسبية يفرضها القانون، في حين تعتبر المنشآت غير رسمية حين لا تحتفظ بحسابات رسمية ولا تكون مسجلة على المستوى الوطني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التدريب، وإن وُصف بأنه "رسمي"، فإنه يندرج وفق تعريفات هذا التقرير ضمن التعلم غير الرسمي، ذلك أن التدريب الذي يقدمه أصحاب العمل يميل إلى أن يكون منظماً ومقصوداً لكنه لا يفضي إلى مؤهلات معترف بها وطنياً، وغالباً ما يتخذ شكل ورش عمل أو دورات قصيرة أو حلقات دراسية.
وتُظهر بيانات البنك الدولي أن أكثر من 50 في المائة من العمال الدائمين المتفرغين في المنشآت الرسمية على الصعيد العالمي تلقوا تدريباً من أصحاب عملهم خلال السنة المالية المشمولة بقاعدة البيانات، وإن كانت هذه النسبة أقل قليلاً في البلدان المنخفضة الدخل، إذ تبلغ 42 في المائة، لكنها تظل قريبة من المتوسط العالمي بالنسبة لبقية فئات الدخل. ومن أوجه القصور في هذه المتوسطات أنها تستند إلى عينات تستثني المنشآت التي يقل عدد موظفيها عن خمسة، علماً بأن الأبحاث تظهر ارتباطاً وثيقاً بين التدريب وحجم الشركة، إذ تكون الشركات الأكبر حجماً أكثر ميلاً إلى توفيره، وهو ما قد يُعزى جزئياً إلى تحديات هيكلية ومتعلقة بالموارد تواجهها المنشآت الصغيرة، إلى جانب عوامل أخرى كالضغوط التنظيمية والرقابية التي تخضع لها.
ويتناقض هذا المعدل المرتفع نسبياً من التدريب الذي يقدمه أصحاب العمل للموظفين الدائمين المتفرغين في المنشآت الرسمية بشكل صارخ مع المتوسط العالمي لجميع العمال البالغ 16 في المائة وفق مؤشر الغاية 4.3.1، مما يشير إلى أن العمال غير الرسميين، سواء العاملين في منشآت غير رسمية أو العمال غير الرسميين ضمن القطاع الرسمي، أقل حظاً بكثير من الاستفادة من التدريب مقارنة بغيرهم من العمال حول العالم. ويعكس هذا الفارق بين المؤشرين، جزئياً، الاختلافات في تركيبة العمالة عالمياً، حيث تسجل البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل معدلات أعلى بكثير من العمالة غير الرسمية.
وتؤكد نتائج استقصاءات منظمة العمل الدولية للتعلم مدى الحياة وجود أوجه تفاوت في فرص التعلم المتاحة للعمال الرسميين وغير الرسميين، إذ يحظى العمال غير الرسميين بفرص أقل للوصول إلى التعلم الرسمي وغير الرسمي. وعبر أنماط التعلم الرسمي وغير الرسمي، يسجل العمال الرسميون معدلات مشاركة أعلى مقارنة بالعمال غير الرسميين، وتبرز أكبر فجوة في التعلم الرسمي، إذ يزيد احتمال وصول العمال الرسميين إليه بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بالعمال غير الرسميين. وإلى جانب وضع العمالة، تُلاحظ أيضاً فروق كبيرة في المشاركة في التعلم الرسمي بين مختلف الفئات المهنية.
وفيما يخص معدلات المشاركة في التعلم غير الرسمي، تُلاحظ فجوة قدرها 20 نقطة مئوية بين العمال الرسميين وغير الرسميين في بنغلاديش، إذ يصل التعلم غير الرسمي إلى 44.5 في المائة من العمال الرسميين مقابل 24 في المائة من العمال غير الرسميين. وفي جمهورية تنزانيا المتحدة، تكون المشاركة الإجمالية أدنى بكثير لكنها تحافظ على نمط مماثل، إذ يفيد 10.7 في المائة من العمال الرسميين بانخراطهم في تعلم غير رسمي، مقابل 5.5 في المائة من العمال غير الرسميين. أما في فيجي، فتبقى المشاركة محدودة جداً بوجه عام، إذ لا تتجاوز نسبة 1.1 في المائة بين العمال الرسميين و0.5 في المائة بين العمال غير الرسميين.
وفيما يتعلق بالتعلم غير النظامي في مكان العمل، يفيد معظم العاملين في بنغلاديش وفيجي بحصولهم على هذا النمط من التعلم في مكان عملهم الحالي، بنسب متقاربة بين العمال الرسميين، أي 94 في المائة في بنغلاديش و100 في المائة في فيجي، والعمال غير الرسميين، أي 95 في المائة في كلا البلدين. كما ترتفع نسبة التعلم غير النظامي بين العمال الرسميين وغير الرسميين في جمهورية تنزانيا المتحدة أيضاً، إذ تبلغ 86 في المائة و79 في المائة على التوالي. غير أن العمال غير الرسميين يعتمدون أساساً على شكل محدد من أشكال التعلم غير النظامي، وهو التعلم بالممارسة، وهذا الاعتماد المفرط على التعلم الذاتي التوجيه، مقارنة بغيره من الأشكال، يعكس محدودية فرص التعلم التي يوفرها أصحاب العمل للعمال غير الرسميين.
وبالاستناد إلى استقصاءات منظمة العمل الدولية، يمكن رصد أنشطة التعلم بحسب المهنة وفق التصنيف الدولي الموحد للمهن في البلدان الثلاثة. فالمديرون والمهنيون والفنيون، الذين يشغلون عادة وظائف عالية المهارة، يسجلون مشاركة مرتفعة في التعلم الرسمي في جميع البلدان الثلاثة، في حين تنخفض هذه المشاركة لدى العاملين في مهن أقل مهارة، كعمال الخدمات والمبيعات، والعمال الزراعيين المهرة، والعاملين في المهن الأولية، الذين لا يتجاوز انخراطهم في هذا النوع من التعلم ما بين 3 و14 في المائة. أما التعلم غير الرسمي، في بنغلاديش وجمهورية تنزانيا المتحدة حيث تتوافر البيانات، فيميل إلى أن يكون أقل تفاوتاً بين المهن، وإن كان المهنيون والفنيون وموظفو الدعم الكتابي في بنغلاديش يستفيدون منه أكثر من غيرهم، بمعدلات مشاركة تتراوح بين 44 و46 في المائة في هذه الفئات الثلاث، في حين يستهدف التعلم غير الرسمي في جمهورية تنزانيا المتحدة بالدرجة الأولى المهنيين والعاملين في الحرف والمهن ذات الصلة، بمعدلات مشاركة تبلغ 12 و13 في المائة.
أما التعلم غير النظامي فينتشر عبر جل الفئات المهنية تقريباً، وإن بدا أقل انتشاراً بعض الشيء بين مشغلي الآلات والمجمعين في جمهورية تنزانيا المتحدة. كما تتفاوت إمكانية الوصول إلى أساليب محددة من التعلم غير النظامي بحسب الفئة المهنية، إذ يفيد عدد قليل نسبياً من العمال ذوي المهارات المنخفضة بتعلمهم من زملائهم أو مشرفيهم. ففي بنغلاديش، يفيد 57 في المائة من المديرين والمهنيين بتعلمهم من مشرفيهم أو زملائهم، مقابل 39 في المائة فقط من العاملين في المهن الأولية. وتظهر أنماط مماثلة في فيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة، حيث أفاد 57 في المائة و60 في المائة من المديرين والمهنيين على التوالي بأنهم يتعلمون عادة من زملائهم أو مشرفيهم، مقابل 18 في المائة و38 في المائة فقط من العاملين في المهن الأولية. وتؤكد أوجه التفاوت هذه مجتمعة الحاجة إلى تدخلات موجهة لتعزيز فرص التعلم الرسمي للعمال الأدنى مهارة وتعزيز المساواة في الوصول إلى التعلم مدى الحياة.
2.3.2. أنواع التعلم المختلفة مدى الحياة في عالم العمل
يتناول هذا القسم الأنواع المختلفة من أنشطة التعلم التي تجري ضمن أطر التعلم الرسمي وغير الرسمي وغير النظامي في عالم العمل، ويسلط الضوء على أمثلة منها برامج التعليم والتدريب التقني والمهني التي تندرج عموماً ضمن التعلم الرسمي، والتدريب المهني الحرفي والتدريب الداخلي اللذين يمكن أن يكونا رسميين أو غير رسميين، وسائر أنشطة التعلم غير الرسمي وغير النظامي. ويساعد فهم هذه الفروق على إلقاء الضوء على الكيفية التي يكتسب بها العمال مهاراتهم طوال مسيرتهم المهنية والمسارات المتنوعة التي يسلكونها لتطوير مهاراتهم أو إعادة تأهيلها. ويستند هذا التحليل إلى استقصاءات منظمة العمل الدولية، وإلى بيانات استقصاءات القوى العاملة الوطنية وبرنامج التقييم الدولي لكفاءات الكبار التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
استكشاف التعلم الرسمي، المشاركة في التعليم والتدريب التقني والمهني
يشمل التعليم والتدريب التقني والمهني التعليم والتدريب وتنمية المهارات عبر طائفة واسعة من المجالات المهنية وقطاعات الإنتاج والخدمات وسبل العيش، ويمكن أن يجري على المستوى الثانوي وما بعد الثانوي والعالي، ويشمل التعلم القائم في مكان العمل والتدريب المستمر والتطوير المهني، وقد يفضي إلى مؤهلات رسمية. كما يشمل فرصاً متنوعة لاكتساب مهارات ومعارف عملية ذات صلة بمهن في مختلف قطاعات الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ونظراً لأن برامج التعليم والتدريب التقني والمهني تفضي عادة إلى شهادات معترف بها وطنياً تصدرها السلطات العامة، فإنها تصنف أساساً ضمن التدريب الرسمي، وإن كان يمكن أن تتضمن أيضاً عناصر غير رسمية وغير نظامية. وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسات هذا النوع من التعليم في العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل غير مجهزة عادة ببنية تحتية شاملة وملائمة لذوي الإعاقة، كما أن أساليب المعلمين التربوية لا تلبي دائماً الاحتياجات التعليمية الخاصة للمتعلمين، بمن فيهم ذوو الإعاقة.
وتُظهر بيانات استقصاءات القوى العاملة التي جمعتها منظمة العمل الدولية أن البلدان المرتفعة الدخل تسجل أعلى معدلات إتمام للتعليم والتدريب التقني والمهني بين السكان في سن العمل مقارنة بغيرها من فئات الدخل. ورغم التفاوت الكبير بين البلدان المرتفعة الدخل نفسها، يُعزى هذا المتوسط المرتفع نسبياً إلى عوامل عدة، منها ارتفاع توقعات التوظيف بعد إتمام البرنامج، وارتفاع معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة بين الطلاب، ومتانة خدمات التوجيه المهني والوساطة، ورسوخ نظم التدريب المهني، وقوة الروابط بين برامج التدريب واحتياجات الصناعة. وفي المقابل، تتخلف البلدان المنخفضة الدخل عن الركب، وقد يُعزى ذلك إلى غياب اهتمام عام كافٍ بالتدريب المهني أو إلى قيود في القدرات المؤسسية. وقد تناول تقرير مشترك للبنك الدولي واليونسكو ومنظمة العمل الدولية هذه التحديات بالتفصيل، وحدد جملة من الشواغل من بينها تدني مستويات المهارات الأساسية لدى المتعلمين، والعقبات المالية والاجتماعية، ومحدودية المهارات التربوية لدى المعلمين، وضعف الحوافز التي تدفع مقدمي هذا النوع من التعليم إلى ضمان المساءلة. وفي حالات عديدة، تُرصد تحديات إضافية تتعلق بإتمام هذا النوع من التعليم بالنسبة لفئات محددة، كالأشخاص ذوي الإعاقة.
وتُظهر البيانات أن البلدان المرتفعة الدخل تسجل أعلى متوسط لنسبة السكان الذين يشكل التعليم المهني آخر مؤهل حصلوا عليه، بواقع 27.2 في المائة، وتتراجع هذه النسبة تدريجياً كلما انخفض مستوى الدخل، لتبلغ 13.1 في المائة في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى، و11.7 في المائة في البلدان المتوسطة الدخل الأدنى، و5.7 في المائة فقط في البلدان المنخفضة الدخل. كما يُظهر توزيع هذه النسبة تبايناً واسعاً بشكل ملحوظ بين البلدان المرتفعة الدخل نفسها، في حين يتركز توزيعها بشكل ضيق عند الطرف الأدنى من السلم بالنسبة للبلدان المنخفضة الدخل.
وتكمل استقصاءات منظمة العمل الدولية هذه النتائج بإلقاء الضوء على أنواع برامج التعليم والتدريب التقني والمهني التي يشارك فيها الأفراد. ففي بنغلاديش وجمهورية تنزانيا المتحدة، أفاد 11 في المائة و13 في المائة من الأفراد على التوالي بمشاركتهم في وقت من الأوقات في برنامج من هذا النوع أفضى إلى شهادة. وفي حين تقاربت نسبة المشاركة بين الجنسين في بنغلاديش، كانت أدنى بين النساء في جمهورية تنزانيا المتحدة، إذ بلغت 11 في المائة مقابل 16 في المائة بين الرجال. وفي كلا البلدين، التحق معظم المشاركين ببرامج تقل مدتها عن ستة أشهر، بواقع 69 في المائة في بنغلاديش و58 في المائة في جمهورية تنزانيا المتحدة، مع ارتفاع نسبة النساء اللواتي التحقن بهذه البرامج القصيرة، إذ بلغت 80 في المائة في بنغلاديش و60 في المائة في جمهورية تنزانيا المتحدة.
وفيما يخص المجالات الدراسية التي يتابعها كل جنس، شملت أكثر برامج التعليم والتدريب التقني والمهني شيوعاً بين الرجال في بنغلاديش علوم الحاسوب، بنسبة 43 في المائة من الرجال الذين التحقوا بهذا النوع من التعليم، والهندسة الكهربائية والإلكترونية بنسبة 14 في المائة، والقيادة وميكانيكا السيارات بنسبة 10 في المائة. أما النساء فأقبلن أيضاً على علوم الحاسوب بنسبة 45 في المائة، ثم ركزن على صناعة الملابس الجاهزة بنسبة 17 في المائة، والحرف اليدوية والصناعات المنزلية بنسبة 15 في المائة. وفي جمهورية تنزانيا المتحدة، تمثلت أكثر البرامج شعبية لدى النساء في علوم الحاسوب بنسبة 24 في المائة، والجلود والمنسوجات بنسبة 19 في المائة، والضيافة والفندقة والمطاعم بنسبة 15 في المائة، في حين أقبل الرجال أكثر على برامج القيادة وميكانيكا السيارات بنسبة 42 في المائة، والهندسة الكهربائية والإلكترونية بنسبة 16 في المائة، وعلوم الحاسوب بنسبة 11 في المائة.
أما في فيجي، فأفاد 5 في المائة من المستجيبين للاستقصاء، بواقع 6 في المائة بين الذكور و3 في المائة بين الإناث، بمشاركتهم في التعليم والتدريب التقني والمهني، ورغم أن هذه النسبة المنخفضة نسبياً لا تسمح بتقديرات ذات دلالة إحصائية لتوزيع البرامج بحسب الجنس، فقد كانت الهندسة الميكانيكية والمدنية أكثر البرامج التحاقاً بوجه عام، بنسبة 16 في المائة، تلتها الضيافة والفندقة والمطاعم بنسبة 11 في المائة، وعلوم الحاسوب بنسبة 10 في المائة.
كما تلقي الاستقصاءات الضوء على مدى الجدوى المتصورة لبرامج التعليم والتدريب التقني والمهني، إذ يشدد جزء كبير من المشاركين فيها على قيمتها في مساعدتهم على الحصول على مؤهلات. فعلى سبيل المثال، أفاد ثلاثة أرباع المشاركين في بنغلاديش بأن هذه البرامج كانت مفيدة في الحصول على مؤهلات رسمية، فيما أفاد 64 في المائة بأنها ساعدتهم على الدخول إلى مهنة محددة أو التقدم فيها، ورأى 38 في المائة أنها وسيلة فعالة لتطوير مهارات مرتبطة بالعمل. وتظهر أنماط مماثلة في فيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة، حيث أفاد معظم المشاركين بأن الحصول على مؤهلات هو الفائدة الرئيسية، بنسبة 33 في المائة و38 في المائة على التوالي، تلتها تنمية المهارات المرتبطة بالعمل بنسبة 31 في المائة و28 في المائة، ثم التقدم المهني بنسبة 30 في المائة و14 في المائة.
كما تقدم استقصاءات منظمة العمل الدولية رؤى حول نتائج سوق العمل المرتبطة بهذا النوع من التعليم. ورغم الحاجة إلى أساليب اقتصادية قياسية أكثر تطوراً لإثبات وجود علاقة سببية، تبرز أنماط وصفية جديرة بالاهتمام. فعند مقارنة من تلقوا تدريباً تقنياً ومهنياً بمن لم يتلقوه، لا يُلاحظ فرق يذكر في معدلات التوظيف بين المجموعتين في بنغلاديش وفيجي، في حين يرتفع معدل التوظيف قليلاً لدى من تلقوا هذا التدريب في جمهورية تنزانيا المتحدة، إذ يبلغ 68 في المائة مقابل 55 في المائة لمن لم يتلقوه. أما من حيث الدخل، فتظهر البيانات فارقاً كبيراً في الدخل لصالح من أتموا هذا النوع من التعليم في البلدان الثلاثة جميعها، إذ يكسب هؤلاء في المتوسط نحو 40 في المائة أكثر من نظرائهم في بنغلاديش، و7 في المائة أكثر في فيجي، و20 في المائة أكثر في جمهورية تنزانيا المتحدة. وحيثما أمكن تقدير الدخل بحسب الجنس، لوحظت مكاسب أعلى في الدخل لكل من النساء والرجال ممن أتموا هذا النوع من التعليم، وإن كانت النساء يكسبن أقل بكثير من الرجال في المتوسط. ومن الأمثلة الدالة على ذلك، أن متوسط الدخل الشهري للعمال الذكور في بنغلاديش يرتفع من 151.3 دولاراً أمريكياً إلى 214.6 دولاراً أمريكياً بفضل هذا التدريب، بينما يرتفع دخل العاملات من 84.3 دولاراً أمريكياً إلى 120.9 دولاراً أمريكياً. ويتكرر نمط مماثل في جمهورية تنزانيا المتحدة، حيث يرتفع دخل العمال الذكور من 125.8 دولاراً أمريكياً إلى 146.5 دولاراً أمريكياً، ودخل العاملات من 71.5 دولاراً أمريكياً إلى 74.8 دولاراً أمريكياً. أما في فيجي، فيرتفع متوسط الدخل الإجمالي من 339.1 دولاراً أمريكياً لمن لم يتلقوا هذا التدريب إلى 367.8 دولاراً أمريكياً لمن أتموه.
ولا يمكن أن تُعزى هذه الفوارق في الدخل حصراً إلى المشاركة في التعليم والتدريب التقني والمهني، إذ قد تسهم فيها عوامل أخرى كمستوى التعليم والمهارات المكتسبة سلفاً، والخلفية الاجتماعية والاقتصادية، وفرص الوصول إلى العمل، والشبكات المهنية. وبالفعل، خلص أحد التحليلات التجميعية إلى أن إتمام هذا النوع من التعليم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل يرتبط بآثار إيجابية، وإن كانت متواضعة نسبياً، على فرص العمل المأجور والعمل الرسمي والدخل الشهري، وهي آثار تتفاوت بشكل كبير بحسب السياق، مما يوحي بأن المكاسب المحتملة في سوق العمل من هذا النوع من التعليم قد لا تكون كافية لتحفيز الإقبال الواسع عليه في هذه البلدان.
التعلم غير الرسمي، المشاركة ومحتوى التدريب والاحتياجات
يشير التعلم غير الرسمي إلى تعليم منظم ومقصود لكنه لا يفضي إلى شهادة معترف بها وطنياً، ويشمل في سياق عالم العمل عادة التدريب الذي يوفره أصحاب العمل والدورات التي يخوضها العمال بمبادرة منهم. ويتضمن برنامج التقييم الدولي لكفاءات الكبار أربعة أسئلة محددة تلقي الضوء على هذا النوع من التعلم، تتناول ما إذا كان الأفراد قد شاركوا خلال الأثني عشر شهراً الماضية في دورات أو دروس خصوصية، أو انخرطوا في تعليم مفتوح أو عن بعد، أو حضروا حلقات دراسية أو ورش عمل، أو شاركوا في جلسات تدريب منظم في مكان العمل. وتلتقط هذه الأسئلة أنشطة تعلم مقصودة ومنظمة، بما ينسجم مع تصنيف التعلم غير الرسمي.
وعبر البلدان التي تتوافر عنها بيانات، وأغلبها من البلدان المرتفعة الدخل، يُظهر هذا البرنامج أن نحو 10 في المائة في المتوسط من السكان العاملين، بمن فيهم الموظفون والعاملون لحسابهم الخاص وأفراد الأسرة غير مدفوعي الأجر، شاركوا في دروس خصوصية أو تعليم إلكتروني خلال الأثني عشر شهراً الماضية، تراوحت هذه النسبة بين حد أدنى قدره 3.6 في المائة وحد أقصى قدره 27.4 في المائة. كما أفاد أكثر من ربع السكان العاملين بمشاركتهم في حلقات دراسية أو ورش عمل، بمتوسط بلغ 26 في المائة تراوح بين 10.5 في المائة و45 في المائة. وفيما يخص التعليم المفتوح أو عن بعد، تراوحت النسبة بين 2.5 في المائة و20 في المائة، بمتوسط قدره 10.8 في المائة. أما التدريب المنظم في مكان العمل فيسجل متوسطاً أعلى بكثير، إذ يبلغ 35.1 في المائة، متراوحاً بين 11.1 في المائة و56.7 في المائة. ويمثل هذا النوع من التدريب بالنسبة للشركات وسيلة فعالة من حيث التكلفة لمساعدة الموظفين الجدد على التأقلم، وإطلاعهم على المهام الخاصة بوظائفهم، أو تعريفهم بمسؤوليات جديدة، وقد تبين أنه عنصر حاسم في رفع إنتاجية العمال وأجورهم، كما أن نسبة الموظفين الذين يتلقون تدريباً توفره منشآتهم ترتفع كلما ارتفع مستوى التنمية الاقتصادية للبلد.
وتتيح استقصاءات منظمة العمل الدولية استكشافاً أعمق لأنشطة التعلم غير الرسمي من خلال بحث محتواها المحدد، إذ تسأل الأفراد عن مشاركتهم في مختلف أشكال التدريب خلال الستة والثلاثين شهراً الماضية. وتُظهر النتائج أن التدريب الخاص بالمهنة يعد الأكثر انتشاراً في كل من بنغلاديش وجمهورية تنزانيا المتحدة، حيث أفاد 57 في المائة و31 في المائة من المستجيبين على التوالي بمشاركتهم فيه في وقت ما خلال هذه الفترة، كما يبدو الإقبال عليه مرتفعاً نسبياً بين النساء، بنسبة 65 في المائة في بنغلاديش و35 في المائة في جمهورية تنزانيا المتحدة. وتباين النوع الثاني الأكثر شيوعاً من التدريب بين البلدين، إذ جاء التدريب على التوجيه في مكان العمل في المرتبة الثانية في جمهورية تنزانيا المتحدة بنسبة 24 في المائة، بينما جاء تدريب المهارات الرقمية والحاسوبية في المرتبة الثانية في بنغلاديش بنسبة 20 في المائة.
وتبرز فجوات بين الجنسين عبر مختلف أنواع التدريب، فعلى سبيل المثال يبلغ معدل مشاركة الرجال في تدريب المهارات الرقمية والحاسوبية في بنغلاديش 25 في المائة، مقابل 10 في المائة فقط بين النساء. ويُرجح أن تنبع هذه الفجوة من محدودية وصول النساء إلى معدات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ومن الأدوار الجندرية التقليدية، والأعراف المجتمعية، والعوائق البنيوية داخل النظم التعليمية التي تمس النساء بشكل غير متناسب. وتحديداً، يمكن لأعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر، التي تضطلع بها النساء بشكل غير متناسب، أن تؤثر في فرص التدريب ومحتواه بتقليص الوقت المتاح للتطور المهني. وعلى نحو مماثل، يرتفع معدل مشاركة الرجال مقارنة بالنساء في التدريب على التوجيه في مكان العمل في كلا البلدين، في حين ترتفع مشاركة النساء بشكل ملحوظ في التدريب الخاص بالمهنة.
كما تتناول الاستقصاءات احتياجات التعلم المحددة للمستجيبين وأنواع التدريب التي يشعرون بالحاجة إليها أو يرون أنها ستفيدهم، مصنفة بحسب الفئة العمرية في بنغلاديش وجمهورية تنزانيا المتحدة. وعبر جميع الفئات العمرية، أعرب جزء كبير من المستجيبين في كلا البلدين عن حاجتهم إلى تدريب في مهارات تقنية جديدة، وكان التدريب المتعلق بالمهارات الرقمية والحاسوبية مطلوباً بشدة، لا سيما بين الفئات الأصغر سناً، مما يعكس أهمية إتقان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، في حين أعرب من هم في سن 25 عاماً فما فوق، وبخاصة العمال الأكبر سناً، عن حاجة محدودة نسبياً إلى المهارات الرقمية. كما يظهر اهتمام قوي بالتدريب التقني بين البالغين والعمال الأكبر سناً، مما يوحي برغبة في تطوير المهارات أو تغيير المسار المهني أو مواصلة التطور المهني. وأولى المستجيبون أهمية كبيرة أيضاً للتطور الشخصي واليقظة الذهنية، لا سيما بين البالغين والعمال الأكبر سناً، وربما يعود ذلك إلى الرغبة في استمرار المسيرة المهنية أو التحول إلى أنشطة ما بعد التقاعد. وكان التدريب القصير لاكتساب مهارات تقنية جديدة الاحتياج الأكثر ذكراً في كلا البلدين، بنسبة 48.5 في المائة في بنغلاديش و28.7 في المائة في جمهورية تنزانيا المتحدة، مع فروق واضحة بين الفئات العمرية، إذ عبر الشباب في كلا البلدين عن أقوى حاجة إلى المهارات الرقمية والحاسوبية، في حين اختلفت احتياجات كبار السن، الذين أبدوا حاجة أكبر إلى مهارات التنظيم الذاتي والإدارة، لا سيما في جمهورية تنزانيا المتحدة، وحاجة أقل إلى المهارات التقنية أو الرقمية مقارنة بالفئات العمرية الأخرى.
ومن اللافت أن نسبة قليلة نسبياً من المستجيبين في كلا البلدين المشمولين بالاستقصاء ذكرت الحاجة إلى اكتساب مهارات بيئية، وقد لا يعكس ذلك انعداماً في الاهتمام بقدر ما يعكس صعوبة أوسع في تحديد المحتوى الدقيق للمهارات الخضراء وفهم أنواع الوظائف التي ستتطلبها، وكذلك فوائد الاستثمار في هذه المهارات، وهو ما يُبحث بتفصيل أكبر في الفصل الرابع. ويشكل هذا الأمر فجوة معرفية حاسمة تستدعي مزيداً من البحث. وإلى جانب الفروق المرتبطة بالفئة العمرية، قد تتباين احتياجات التدريب أيضاً بين مختلف الفئات السكانية، فقد تناولت بعض الأبحاث تدخلات تدريبية تدعم الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل، لا سيما من حيث قابليتهم للتوظيف واستمرارهم في وظائفهم، غير أن الحاجة تظل قائمة إلى مزيد من الأدلة لسد الفجوات المعرفية المستمرة، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
التداخل بين التعلم الرسمي وغير الرسمي، التدريب المهني الحرفي والتدريب الداخلي
يجمع التدريب المهني الحرفي والتدريب الداخلي بين عناصر من التعلم الرسمي وغير الرسمي. فالتدريب المهني الحرفي الجيد المندمج في التعليم الرسمي، كالتعليم والتدريب التقني والمهني، يجمع بين التعليم داخل الفصول الدراسية والتعلم المنظم في مكان العمل، فيما يُعرف عادة بالتدريب بالتناوب. وفي حين تدعو التوصية المتعلقة بالتدريب المهني الحرفي الجيد الصادرة عام 2023، رقم 208، إلى إرساء أطر تنظيمية تعزز جودة هذا النوع من التدريب، لا يزال التدريب المهني الحرفي غير الرسمي شائعاً بشكل خاص في البلدان ذات الاقتصادات غير الرسمية الكبيرة، وكثيراً ما يوجد في حرف كالنجارة والبناء. ويُطبق هذا التدريب التقليدي أو غير الرسمي، المستفيد من التعلم غير الرسمي، بشكل كامل في أماكن العمل المرتبطة بالعديد من أنشطة الاقتصاد غير الرسمي، كورش الحرفيين التقليدية حيث يقوم الحرفيون المخضرمون بتدريب المتدربين الجدد.
أما التدريب الداخلي فهو شكل من أشكال التعلم القائم في مكان العمل، لا يفضي عادة إلى مؤهل تعليمي، وتقتصر شهادات التدريب الداخلي أساساً على إثبات المشاركة والإتمام. ويتيح هذا التدريب للطلاب اكتساب خبرة عملية من خلال فترات تدريب أقصر وأقل تنظيماً، تخضع عموماً لمتطلبات تنظيمية أقل، وتتفاوت من حيث الأجر والاعتراف، وتفتقر عادة إلى منهج تعليمي محدد، علماً بأن التدريب المهني الحرفي، لا سيما غير الرسمي منه، قد يشترك في خصائص عديدة مع التدريب الداخلي في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
وتُظهر بيانات استقصاءات القوى العاملة أن التدريب الداخلي والمهني الحرفي أكثر انتشاراً في البلدان المنخفضة الدخل، وهو ما يعكس الاستخدام الواسع للتدريب المهني الحرفي التقليدي أو غير الرسمي في العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في القطاعات التي تسود فيها العمالة غير الرسمية. وفي حين يلتزم التدريب المهني الحرفي الرسمي المندمج في برامج التعليم والتدريب التقني والمهني عادة بالمتطلبات التنظيمية المتعلقة بالحقوق والالتزامات، يعتمد التدريب المهني الحرفي التقليدي في العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على الممارسات المحلية، ويقع عادة خارج هذه الأطر، مما يطرح تحديات أمام ضمان الجودة في البلدان ذات القدرات المؤسسية المحدودة والقطاعات غير الرسمية الواسعة.
وتظهر البيانات أيضاً أن نسبة ضئيلة فقط من السكان في سن العمل، لا تتجاوز 3 في المائة، تشارك حالياً في تدريب داخلي أو مهني حرفي عبر جميع فئات الدخل، وهو أمر غير مستغرب بالنظر إلى أن هذه التقديرات لا تعكس سوى من كانوا منخرطين فعلياً وقت إجراء الاستقصاء، فضلاً عن أن استقصاءات القوى العاملة لا تلتقط بشكل كامل أشكال التعلم التقليدية أو الوضع الملتبس لأفراد الأسرة المساهمين في العمل. وتتفاقم هذه المسألة بفجوات قياس إضافية، إذ لا يتضمن سوى نحو 25 بلداً أسئلة محددة لتحديد المتدربين مهنياً، فيما تعجز أسئلة عديدة عن التمييز بين التدريب المهني الحرفي والتدريب الداخلي وغيرهما من أشكال التمرس، ناهيك عن أن تعريفات هذه المصطلحات تتفاوت بين البلدان وداخلها عبر الزمن.
وتساعد استقصاءات منظمة العمل الدولية على سد بعض هذه الفجوات من خلال إدراج أسئلة محددة عن التدريب المهني الحرفي والتدريب الداخلي، إذ توضح نطاق مؤشرات استقصاءات القوى العاملة الوطنية بالتمييز بينهما ورصد التجارب الماضية والحالية على حد سواء. ففي بنغلاديش، شارك نحو 18 في المائة من الرجال و11 في المائة من النساء في تدريب مهني حرفي، بينما تقل نسبة المشاركة في فيجي عن 1 في المائة لكلا الجنسين، وفي جمهورية تنزانيا المتحدة تبلغ نسبة مشاركة الرجال 8 في المائة مقابل 6 في المائة للنساء.
أما المشاركة في التدريب الداخلي فتظل منخفضة في البلدان الثلاثة جميعها، إذ لا تتجاوز 3 في المائة لكل من الرجال والنساء في بنغلاديش دون فروق تذكر بين الجنسين، بينما تبلغ 4 في المائة بين النساء في فيجي، أعلى قليلاً من نسبة 2 في المائة المسجلة بين الرجال، وتبلغ في جمهورية تنزانيا المتحدة 4 في المائة بين الرجال و3 في المائة بين النساء. ويشير هذا إلى أن التدريب المهني الحرفي أكثر انتشاراً من التدريب الداخلي في بنغلاديش وجمهورية تنزانيا المتحدة، وأنه موجه بشكل أكبر نحو الرجال.
وتذهب استقصاءات منظمة العمل الدولية إلى أبعد من ذلك بتقييم الجدوى المتصورة لتجارب التدريب المهني الحرفي والداخلي، وتُظهر النتائج أن تحسن الأداء الوظيفي وزيادة فرص النجاح في البحث عن عمل يحتلان باستمرار مرتبة ضمن أبرز ثلاث فوائد يذكرها المستجيبون في بنغلاديش وفيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة. ومن الفوائد الأخرى المرتفعة الترتيب تحسن آفاق الأجور، والنجاح في البحث عن عمل، وتعزيز الاندماج في مكان العمل، فيما ذكر المستجيبون في بنغلاديش وفيجي أيضاً بشكل متكرر التطور الشخصي كفائدة من هذه التجارب.
التعلم غير النظامي، المشاركة والتطبيق
يمكن وصف التعلم غير النظامي بأنه مقصود لكنه غير مؤسسي، وأقل تنظيماً من التعلم الرسمي وغير الرسمي. وتندرج ضمنه أنشطة متنوعة، كالتعلم بالممارسة، ويسمى أيضاً التعلم التجريبي، والتعلم من المشرفين والزملاء، والتعلم الذاتي. وقد تبين أن التحولات الجارية في عالم العمل، كأنماط العمل الجديدة الناشئة في ظل تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تنطوي على إمكانية تعزيز التعلم غير النظامي.
ويتضمن برنامج التقييم الدولي لكفاءات الكبار أسئلة عن تكرار التعلم من الزملاء والمشرفين، ومواكبة المستجدات في المنتجات أو الخدمات، والتعلم بالممارسة. وعلى الرغم من التفاوت بين البلدان، تبين النتائج أن المشاركة المتكررة في التعلم غير النظامي أمر شائع، إذ يفيد أكثر من ربع السكان العاملين بأنهم يتعلمون من زملائهم أو يواكبون المستجدات يومياً أو أسبوعياً في المتوسط، تراوحت هذه النسبة بين 15 في المائة و45.2 في المائة بمتوسط قدره 27.1 في المائة، فيما تراوحت نسبة مواكبة المستجدات بين 13.3 في المائة و38.5 في المائة بمتوسط قدره 27.6 في المائة. أما بالنسبة للتعلم بالممارسة، فترتفع النسبة أكثر، إذ يمارس نصف السكان العاملين في المتوسط هذا النشاط يومياً أو أسبوعياً، بمعدل تراوح بين 18.4 في المائة و50.2 في المائة ومتوسط قدره 37.5 في المائة.
وتلقي استقصاءات منظمة العمل الدولية الضوء على مدى وصول العمال الرسميين وغير الرسميين إلى التعلم غير النظامي، وتكشف عن تفاوتات واضحة في أنواع التعلم غير النظامي المتاحة لكل منهما في مكان عملهم الحالي. فالعمال غير الرسميون يعتمدون أساساً على التعلم بالممارسة في البلدان الثلاثة جميعها، بمعدلات مشاركة أعلى من العمال الرسميين، وهذا يتسق مع الأدبيات القائمة التي تُظهر أن العمال غير الرسميين، وكثير منهم يعملون لحسابهم الخاص، غالباً ما يعتمدون على التعلم الذاتي أو التعلم القائم على الممارسة في مكان العمل، نظراً لقلة فرص التفاعل مع المشرفين أو الزملاء المتاحة لهم.
وفي المقابل، يفيد العمال الرسميون بحصولهم على قدر أكبر من أشكال التعلم غير النظامي الأخرى التي تتطلب تفاعلاً في مكان العمل. ففي بنغلاديش على سبيل المثال، يفيد أكثر من ثلاثة أرباع العمال الرسميين، أي 77 في المائة، بتعلمهم من زملاء أكثر خبرة، مقابل 34 في المائة فقط من العمال غير الرسميين، ويفيد 32 في المائة من العمال الرسميين بتعلمهم من مشرفيهم، مقابل 8 في المائة فقط من العمال غير الرسميين. وعند سؤالهم عن مدى قابلية تطبيق التعلم المكتسب في مكان العمل من الزملاء والمشرفين، أفاد معظم المستجيبين في فيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة بأنه ذو طابع خاص بالمنشأة وعام في آن واحد، في حين لا يرى نحو ثلث المستجيبين فقط في بنغلاديش أنه كذلك، إذ يفيد 40 في المائة منهم بأنه خاص بالمنشأة بشكل أساسي، مما يوحي بأن هذا النوع من التعلم غير النظامي لا يكون دائماً قابلاً للنقل بسهولة إلى أصحاب عمل آخرين.
ويمكن لأنواع التعلم المختلفة أن يكمل بعضها بعضاً، لا سيما التعلم غير الرسمي وغير النظامي، إذ تبرز الأدلة من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تكاملاً بين التدريب المرتبط بالعمل والتعلم غير النظامي، خصوصاً بين العمال المؤقتين، ويُحتمل أن يعود ذلك إلى أن التدريب الرسمي لا يعزز مهارات العمال فحسب، بل يعزز أيضاً قدرتهم على التعلم بشكل غير نظامي أثناء العمل.
2.3.3. الدور المحوري لمنظمات أصحاب العمل والعمال
كما جاء في الفصل الأول، تؤدي النقابات العمالية دوراً حيوياً في تشكيل عالم العمل، لا سيما من خلال تعزيز ظروف العمل اللائق والعدالة الاجتماعية، وتسهم في هذا الإطار في تعزيز أنشطة التعلم، بما في ذلك عبر دعم مبادرات التعلم. وتدافع النقابات العمالية عن حق العمال في التعليم، بما في ذلك ضمن عمليات التفاوض الجماعي، وتساعد، إلى جانب الأدوار المؤكدة في صكوك منظمة العمل الدولية، على ضمان إطلاع العمال على حقوقهم واستحقاقاتهم في مكان العمل من خلال أنشطة التعلم التي تنظمها. كما يمكن للنقابات أن تضطلع بدور "سفراء التعلم" بتشجيع العمال على الانخراط في التدريب وجمع المعلومات عن احتياجات التعلم، وقد تبين أن وجودها في مكان العمل يرتبط بزيادة فرص التدريب.
غير أن معدلات الانتساب النقابي، أي نسبة الموظفين الأعضاء في نقابات عمالية، لا تزال منخفضة على الصعيد العالمي، إذ لا تتجاوز نحو 11.2 في المائة، وهي في تراجع مستمر بمرور الوقت. ويثير هذا الاتجاه قلقاً بالغاً، إذ قد يحد من قدرة النقابات على تيسير فرص التعلم للعمال، ويضعف قدرة الشركاء الاجتماعيين على الاستجابة الجماعية لتطور الطلب على المهارات.
كما تؤدي منظمات أصحاب العمل دوراً مهماً في إتاحة فرص التعلم، إلى جانب إسهاماتها في الحوار الاجتماعي وسائر وظائفها الأساسية، ومن أبرز أدوارها تقديم خدمات لأعضائها، بما في ذلك توفير معلومات محدثة. غير أن الأدلة المتاحة تشير إلى أن الانتساب إلى هذه المنظمات لا يزال منخفضاً في أجزاء عدة من العالم، بما في ذلك في بعض بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وفي ضوء تراجع معدلات الانتساب النقابي وتدني مستويات الانتساب إلى منظمات أصحاب العمل، يصبح تعزيز الحق في حرية تكوين الجمعيات وضمان إعمال هذا الحق بفعالية أمراً أساسياً، شأنه في ذلك شأن رفع مستوى الوعي بين الشركاء الاجتماعيين بأهمية دورهم في دعم التعلم مدى الحياة وتنمية المهارات.
2.4. البعد المجتمعي الأوسع للتعلم
في حين يشكل التعلم عبر التعليم والعمل جوهر مسارات التعلم مدى الحياة للأفراد، فإن قسطاً كبيراً من التعلم يحدث من خلال التفاعلات ضمن المجتمع الأوسع، بما يشمل الأسرة والمجتمع المحلي والمنظمات التطوعية. ويعكس هذا النمط من التعلم ما وُصف بأنه "إدماج التعلم في جميع جوانب أنشطة الحياة"، وينطوي على مشاركة فاعلة من مختلف شرائح المجتمع. ويكتسي التعلم المجتمعي الأوسع أهمية بالغة لأسباب عدة.
فأولاً، تشكل المجتمعات بعمق مسار التعلم مدى الحياة للأفراد من خلال غرس القيم والأعراف منذ سن مبكرة عبر القنوات الأسرية والثقافية والمؤسسية، وتشكل هذه القيم التأسيسية مواقف الأفراد تجاه التعلم والتطور الشخصي طوال حياتهم. وثانياً، يمكّن التعلم الجماعي داخل المجتمعات الأفراد ويسهم في تنمية القدرات الجماعية، وهي قدرات تتجاوز التراكم الفردي لرأس المال البشري وتعزز نشوء مجتمع أكثر تكيفاً وصموداً. وبذلك تمكّن هذه القدرات المجموعات الاجتماعية من الابتكار وبناء توافق حول الأهداف المجتمعية وتحويل المؤسسات بما يعزز الرفاه المجتمعي العام. غير أن هذه الفوائد لا تتحقق إلا عندما تكون القيم المجتمعية شاملة، إذ إن الشمولية تنطوي على إمكانية تعزيز الترابط الاجتماعي وتحسين جودة التعلم مدى الحياة من خلال استيعاب وجهات نظر متنوعة. فالتعلم المجتمعي الشامل يكفل مشاركة الفئات المهمشة بفاعلية في المجتمع، مما يثري تجربة التعلم الجماعي.
ويبحث هذا القسم البعد المجتمعي الأوسع للتعلم مدى الحياة، مع الإقرار بأن المؤشرات والمفاهيم القائمة قد لا تستوعب نطاقه بشكل كامل. فمع عدم وجود إطار إحصائي موحد لقياس التعلم المجتمعي، يمكن للمشاركة الاجتماعية أن تكون مؤشراً بديلاً ذا دلالة على مدى التعلم خارج نطاق التعليم وعالم العمل. فالمشاركة في المنظمات التطوعية والانتساب إلى منظمات أصحاب العمل أو العمال، وبعضها يشرك الأفراد فيما يتجاوز مكان عملهم المباشر، يمكن أن يعكس تعلماً يحدث خارج التعليم الرسمي والتدريب المنظم القائم في مكان العمل. كما يمكن لسعي الأفراد إلى مصادر معلومات خارجية أن يدل على استعداد للتعلم والتكيف، وأن يكون وسيلة لاكتساب منظورات ومعارف جديدة من مجتمعات تتجاوز بيئتهم المباشرة. وبدلاً من تقديم تقييم شامل، تهدف المقاييس الدالة الواردة في هذا القسم إلى تكوين صورة ملموسة عن مدى تعرض الأفراد للتعلم المجتمعي، إذ تساعد مجتمعة على إلقاء الضوء على كيفية تبلور التعلم في السياقات الاجتماعية الأوسع.
2.4.1. المشاركة في فرص التعلم المجتمعي
تُعد الأسرة بلا شك أول بيئة يتفاعل فيها الإنسان مع الآخرين وينمي فيها علاقات اجتماعية متفاوتة في شدتها ومدتها. فعلى سبيل المثال، يُعد انخراط الوالدين ومقدمي الرعاية وأفراد الأسرة في تنمية فضول الأطفال أمراً أساسياً لترسيخ الاهتمام بالمسارات المهنية المرتبطة بالعلوم وتشجيع المشاركة في الأنشطة الاجتماعية ذات الصلة بتعلم العلوم. وإلى جانب ذلك، توفر أنماط أخرى من العلاقات الاجتماعية، كالصداقات، والتعاون داخل المنظمات، والتواصل غير الرسمي مع الجيران، مجموعة غنية من التجارب ذات الأهمية للأفراد.
وفي هذا الإطار، تؤدي منظمات أصحاب العمل والعمال دوراً رئيسياً في تعزيز وتمكين التعلم المجتمعي فيما يتجاوز عالم العمل، إذ تشكل جزءاً من شبكة أوسع من المنظمات التي تمكّن الأفراد من التعبير عن آرائهم والتواصل مع الحكومات والمشاركة في صنع القرار، مع تعزيز الوعي بالحقوق وفرص التعلم في الوقت نفسه.
غير أنه بمعزل عن الدور الذي يؤديه الشركاء الاجتماعيون، يمكن لأشكال أخرى من المشاركة أن تعزز التعلم داخل المجتمع أيضاً. وتُظهر البيانات أبعاداً متنوعة للمشاركة التطوعية مع المجتمع المحلي، إذ تعكس هذه المشاركة قدرة الفرد واستعداده للانخراط في التعلم الجماعي، مما يعزز القدرات الجماعية كلما تعلم الأفراد بعضهم من بعض. كما يمكن لارتفاع مستويات المشاركة التطوعية أن يدل على قدرة أكبر على نشر المعلومات عبر المجتمع، بما يعزز التعلم المجتمعي الأوسع. وتشير البيانات إلى أن نسبة الأفراد الأعضاء النشطين في منظمات المجتمع المحلي تتراوح عالمياً بين 4 في المائة و20 في المائة بحسب نوع المنظمة، إذ تُعد العضوية النشطة في المنظمات الدينية الأكثر شيوعاً من بين جميع أنواع المنظمات، بنسبة 20 في المائة من السكان، تليها المنظمات الرياضية أو الترفيهية بنسبة تقارب 13 في المائة، ثم منظمات الفنون والموسيقى والتعليم بنسبة 10 في المائة، فيما تسجل أدنى مستويات المشاركة في الأحزاب السياسية والمنظمات البيئية ومنظمات حماية المستهلك، وجميعها في حدود 5 في المائة.
وتُظهر البيانات، المستقاة من المسح العالمي للقيم الذي أُجريت جولته السابعة في 66 بلداً وإقليماً بين عامي 2017 و2023، تبايناً ملحوظاً بين المناطق فيما يخص الشكل الأكثر شيوعاً من المشاركة التطوعية في المنظمات. فالمنظمات الدينية هي الأكثر شعبية في أفريقيا والأمريكتين وآسيا والمحيط الهادئ. أما في الدول العربية، فالمنظمات المهنية هي الأكثر شعبية، وقد برزت هذه الرابطات المهنية بوصفها جهات فاعلة رئيسية في الدول العربية، لا سيما خلال المنعطفات الحاسمة، كالاحتجاجات الشعبية عام 2011، إذ تعمل بوصفها منظمات تمثيلية قطاعية تتألف بشكل رئيسي من فئات الطبقة الوسطى. وفي أوروبا، تُعد المنظمات الرياضية أو الترفيهية والمنظمات الدينية الشكلين الأكثر شيوعاً للانتساب التطوعي، غير أن المنطقة تسجل بوجه عام معدلات انتساب منخفضة. أما في آسيا الوسطى، فيسجل الانتساب إلى الأحزاب السياسية أعلى معدل بين جميع المناطق، وإن كان لا يزال أدنى من الانتساب إلى المنظمات الرياضية أو الترفيهية ومنظمات الفنون والموسيقى والتعليم في المنطقة نفسها.
وتظهر البيانات الإقليمية بمزيد من التفصيل أن أفريقيا والأمريكتين تسجلان بوجه عام أعلى معدلات للتطوع، لا سيما في المنظمات الدينية حيث تتجاوز المشاركة 30 في المائة، فيما تشكل الدول العربية استثناءً لافتاً بمشاركة مرتفعة بشكل استثنائي في الرابطات المهنية تتجاوز 30 في المائة، مقابل معدلات أدنى نسبياً في الفئات الأخرى. وفي المقابل، تسجل منطقتا آسيا والمحيط الهادئ وآسيا الوسطى، وكذلك أوروبا، معدلات أدنى بوجه عام من المشاركة التطوعية عبر معظم أنواع المنظمات.
2.4.2. الاستعداد للتعلم داخل المجتمع
يتمثل أحد مقاييس التعلم المجتمعي في مدى سعي الجمهور بانتظام إلى مصادر معلومات خارجية. ورغم أن متابعة الشأن العام قد لا تشكل دائماً تعلماً منظماً أو مقصوداً، فإنها تؤدي دوراً رئيسياً في تعزيز الوعي المدني والمشاركة الاجتماعية والتفكير النقدي، إذ يسهم البقاء على اطلاع في التعلم المجتمعي من خلال تشكيل كيفية فهم الأفراد للعالم من حولهم واستجابتهم له، حتى وإن لم يتسق ذلك بشكل مباشر مع التعليم الرسمي أو التعلم القائم على المهارات. وفي الوقت ذاته، تؤكد المخاطر المرتبطة بالمعلومات المضللة وفرط المعلومات أن التعلم عبر المعلومات لا يتوقف فقط على إمكانية الوصول إليها وكميتها، بل أيضاً على جودتها وموثوقيتها.
ويرصد المسح العالمي للقيم تكرار البحث عن المعلومات الخارجية ومصادرها. وتُظهر البيانات أن شريحة كبيرة من سكان العالم تسعى إلى المعلومات يومياً عبر 58 بلداً، وأن أكثر المصادر استخداماً يومياً لمتابعة الأحداث الجارية محلياً وعالمياً هي نشرات الأخبار التلفزيونية، والهواتف المحمولة، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي. فتبلغ نسبة من يسعون إلى المعلومات يومياً من نشرات الأخبار التلفزيونية نحو 61 في المائة في المتوسط، تليها الهواتف المحمولة بنسبة 51 في المائة، ثم الإنترنت بنسبة 47 في المائة، ووسائل التواصل الاجتماعي بنسبة قريبة جداً بلغت 45 في المائة، والحديث مع الأصدقاء أو الزملاء بنسبة 40 في المائة، ونشرات الأخبار الإذاعية بنسبة 29 في المائة، في حين يُعد البريد الإلكتروني والصحف اليومية أقل المصادر استخداماً، بنسبة 21 في المائة و19 في المائة على التوالي. وتشير دراسات حديثة أيضاً إلى تنامي شعبية مصادر معلومات جديدة، لا سيما روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي، للبحث عن المعلومات.
كما يمكّن الوصول إلى معلومات موثوقة الأفراد والمجتمعات المحلية من اتخاذ قرارات مستنيرة ويعزز التقدم الاجتماعي، إذ تظهر الأبحاث أن توسيع نطاق الوصول إلى وسائل الإعلام يمكن أن يغير الأعراف والسلوكيات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، ارتبط انتشار التلفزيون الكابلي في الهند بمزيد من الاستقلالية للنساء وتراجع القبول المجتمعي للعنف الأسري. كما شجع الوصول إلى الإذاعة المجتمعية في بنن الأسر على الاستثمار في السلع الصحية العامة، كالوقاية من الملاريا. وفضلاً عن ذلك، يدعم الوصول إلى المعلومات التعلم المجتمعي المتعلق بالحقوق، حيث تؤدي المنظمات المجتمعية دوراً حاسماً، على سبيل المثال من خلال التوعية بالممارسات الضارة، كعمل الأطفال، ودعم الأسر المتضررة.
وعند تحليل هذه الإحصاءات بحسب فئة دخل البلد، يتضح اتجاه واضح مفاده أن ارتفاع مستوى دخل البلد يرتبط باتساع شريحة الأفراد الذين يسعون إلى المعلومات يومياً من مختلف المصادر. فباستثناء الهاتف المحمول والإذاعة، يسجل الأفراد في البلدان المنخفضة الدخل أدنى نسبة من الباحثين اليوميين عن المعلومات مقارنة بفئات الدخل الأخرى، ويُعد الوصول المحدود إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عاملاً رئيسياً وراء هذا التفاوت، إذ يحد ضعف إمكانية الوصول إلى الإنترنت في البلدان المنخفضة الدخل من قدرة السكان على استخدام مصادر المعلومات القائمة على التكنولوجيا، كالإنترنت والبريد الإلكتروني. وتؤكد الأبحاث أن الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى الدخل القومي الإجمالي. كما أن انخفاض معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة في البلدان المنخفضة الدخل قد يقلل من الاعتماد على الصحف، مما يجعل السكان أكثر اعتماداً على المصادر الشفهية للمعلومات، كالتحدث مع الأصدقاء والزملاء أو نشرات الأخبار الإذاعية. وتُظهر البيانات أن استخدام الإنترنت، على سبيل المثال، يتراجع من 59 في المائة في البلدان المرتفعة الدخل إلى 18 في المائة في البلدان المنخفضة الدخل، في حين يبلغ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ذروته في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى بنسبة 52 في المائة، بينما تنتشر نشرات الأخبار الإذاعية أكثر في البلدان المنخفضة الدخل بنسبة 40 في المائة.
وتبرز أيضاً تفاوتات إقليمية ملحوظة فيما يخص مصادر المعلومات المفضلة، إذ تعتمد نسبة أكبر من الأفراد في الدول العربية على وسائل التواصل الاجتماعي، تليها نشرات الأخبار التلفزيونية، وهو ما يعكس على الأرجح القيود المفروضة على حرية الصحافة في المنطقة. أما في أفريقيا، فيحصل عدد أكبر نسبياً من السكان على المعلومات من نشرات الأخبار الإذاعية، وهو نمط يرتبط على الأرجح بمحدودية الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتدني مستويات التحصيل التعليمي.
غير أنه من المهم الإشارة إلى أن المعلومات يمكن أن تقوض أيضاً فرص التعلم المجتمعي، إذ يسود قلق واسع النطاق إزاء العلاقة بين المشاركة في الشبكات الاجتماعية الإلكترونية والاستقطاب السياسي، الذي يحدث من خلال نشوء ما يعرف بغرف الصدى، حيث يتلقى الأفراد رسائل شديدة التخصيص تعزز آراءهم وتحيزاتهم القائمة، وهي ظاهرة يُطلق عليها فرضية العلاقة بين التخصيص والاستقطاب. وتتسم ديناميكيات تشكل الآراء وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي بالتعقيد، إذ تتوسط استجابات الأفراد عوامل متعددة، وبالتالي فإن فروقاً طفيفة في مستوى تخصيص الرسائل يمكن أن تؤثر تأثيراً كبيراً في ديناميكيات الرأي العام إجمالاً، سواء بزيادة الاستقطاب أو الحد منه. كما تبين أن التمايز الأيديولوجي داخل الشبكات الإلكترونية، الذي يجمع الأفراد متقاربي التوجه، يفضي إلى نشوء غرف صدى تسهل انتشار المعلومات المضللة.
وتظل فرص التعلم المجتمعي أساسية، لكنها تظل غير كافية ما دام الوصول إليها غير متكافئ، لا سيما بالنسبة للفئات المهمشة التي كثيراً ما تواجه عقبات كبيرة في الوصول إلى الفرص المتاحة. فقد أظهرت الأبحاث مثلاً أن الأشخاص ذوي الإعاقة قد يواجهون صعوبة في الوصول إلى بعض مصادر المعلومات. وحين يمنح المجتمع قيمة أكبر لآراء فئة على حساب أخرى، تتراجع جودة التعلم المجتمعي وفوائده. ومع ذلك، لا تزال البيانات المتعلقة بمعدلات المشاركة عبر مختلف الفئات السكانية نادرة، مما يبرز الحاجة إلى مزيد من البحث وجمع بيانات أكثر شمولاً في هذا المجال.
2.5. الخاتمة
استعرض هذا الفصل الحالة الراهنة للتعلم مدى الحياة في مجالي التعليم والعمل، وقيّم في الوقت ذاته مدى انخراط الأفراد في التعلم المجتمعي. وكشف تقييم التعلم مدى الحياة في التعليم الرسمي عن ارتباط وثيق بين مستوى دخل البلد واستثماره في التعليم ونتائجه التعليمية، إذ تميل البلدان المرتفعة الدخل إلى استثمار أكبر في التعليم وتحقيق معدلات أعلى في الإلمام بالقراءة والكتابة والكفاءة في مواد كالرياضيات. كما تتقلص الفجوات بين الجنسين في التعليم كلما انتقلت البلدان من فئات الدخل الأدنى إلى الأعلى، مما يوحي بأن النساء يواجهن استبعاداً أكبر من نظام التعليم في البلدان المنخفضة الدخل. غير أن الفروق داخل فئة الدخل الواحدة توحي بأن فرص التعلم تتشكل أيضاً بفعل عوامل أخرى، كخيارات السياسات التعليمية وكيفية تنفيذها، ومتانة نظم الحماية الاجتماعية التي تساعد على تخفيف الحواجز المرتبطة بالفقر أمام التعليم، والمواقف الثقافية السائدة تجاه التعلم.
أما في عالم العمل، فإن فهم من يستفيد من فرص التعلم مدى الحياة يمثل أمراً محورياً لتصميم السياسات. وتُظهر البيانات أن العمال في وظائف دائمة متفرغة داخل منشآت رسمية يحظون بفرص تعلم أكبر مقارنة بعموم السكان في سن العمل، الذين يشملون أيضاً العمال غير الرسميين والعاطلين عن العمل والعاملين لحسابهم الخاص. وتؤكد استقصاءات منظمة العمل الدولية أن العمال غير الرسميين وذوي المستويات التعليمية الأدنى يعتمدون في الغالب على التعلم غير النظامي، لا سيما التعلم بالممارسة، مما يبرز الحاجة إلى سياسات موجهة لدعم هذه الفئات.
وفيما يخص أنشطة التعلم، يؤدي التعليم والتدريب التقني والمهني دوراً مهماً، إذ تسجل البلدان المرتفعة الدخل عادة مشاركة أعلى فيه، في حين تظهر البلدان المنخفضة الدخل في الغالب انخراطاً أقل، وقد يعكس ذلك محدودية الاهتمام بالتدريب المهني أو قيوداً في القدرات المؤسسية. ووفق استقصاءات منظمة العمل الدولية، يفيد كثير من المستفيدين من هذا النوع من التعليم بفوائد تتعلق بالحصول على مؤهلات والتقدم المهني، وإن كانت هناك فروق كبيرة بين الرجال والنساء في هذا الصدد.
ويُعد التعلم غير الرسمي، بما في ذلك التدريب الذي يوفره أصحاب العمل والدورات التي يبادر إليها العمال أنفسهم، عنصراً أساسياً في نظم التعلم مدى الحياة. وتُظهر بيانات برنامج التقييم الدولي لكفاءات الكبار أن نحو 10 في المائة من العمال يحصلون على دروس خصوصية، في حين يتلقى نحو 35 في المائة تدريباً في مكان العمل، مما يبرز اختلاف سبل الوصول إلى التعلم غير الرسمي. وتؤكد نتائج استقصاءات منظمة العمل الدولية في فيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة أهمية تكييف محتوى التدريب مع الاحتياجات المحددة، لا سيما في المهارات التقنية والرقمية. كما ينتشر التعلم غير النظامي على نطاق واسع، لكن أنماطه تختلف بحسب فئة العمال، إذ يعتمد العمال غير الرسميون بشكل غير متناسب على التعلم بالممارسة، في حين يستفيد العمال الرسميون من تعلم أكثر تفاعلاً مع الزملاء والمشرفين.
وتؤدي منظمات أصحاب العمل والعمال دوراً محورياً في تشكيل ودعم فرص التعلم هذه، لا سيما في عالم العمل، مما يجعل تعزيز هذه المنظمات أمراً أساسياً لبناء نظم تعلم مدى الحياة شاملة. ومع ذلك، لا تزال المشاركة فيها منخفضة عالمياً، وهو ما يعكس تحديات هيكلية أوسع في سوق العمل وتفاوتاً في مستويات الامتثال للمبادئ والحقوق الأساسية في العمل.
وأخيراً، توحي البيانات العالمية بانتشار عادة السعي إلى المعلومات يومياً، مما يشكل أساساً متيناً للتعلم المجتمعي. غير أن وتيرة الوصول إلى المعلومات والقنوات المستخدمة لذلك تتفاوت بشكل كبير بين البلدان والفئات السكانية. ففي العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لا يزال محدودية الوصول إلى الإنترنت يمثل عائقاً، لا سيما بالنسبة للمجتمعات المهمشة. ولذا يظل ضمان الوصول العادل إلى معلومات موثوقة أمراً أساسياً لتجنب تعميق أوجه عدم المساواة القائمة والوقاية من مخاطر المعلومات المضللة. وعلاوة على ذلك، ورغم أن المشاركة المجتمعية، كالانخراط في المنظمات التطوعية، تنطوي على إمكانات كبيرة لتعزيز التعلم الجماعي، فإن المشاركة الفعلية فيها لا تزال متفاوتة بشكل ملحوظ.
