الفصل الرابع: دور المهارات في ظل التحولات العالمية
استناداً إلى ما جاء في الفصلين الأول والثاني بشأن تطور التعلم مدى الحياة والفجوات القائمة في المشاركة فيه، وامتداداً لما تناوله الفصل الثالث من دور المهارات في تحسين نتائج التوظيف، يبحث هذا الفصل في الكيفية التي يعزز بها اكتساب المهارات وتثمينها قدرة العمال والمنشآت على الصمود في مواجهة التحولات العالمية الجارية. وباعتباره جزءاً من الباب الثاني من التقرير، يواصل هذا الفصل التركيز على عالم العمل، ويستكشف كيف تشكّل ديناميكيات المهارات المتغيرة القدرة على التكيف والإدماج. وتساهم النتائج التي يخلص إليها في تأطير الأسئلة السياساتية التي يتناولها الفصل الخامس، من قبيل كيفية دعم نظم التعلم مدى الحياة للعمال في اكتساب مجموعات المهارات المطلوبة، والدور الذي تؤديه التدخلات السياساتية في تمكين هذه العملية.
تشهد عوالم العمل اليوم تحولات عالمية متشابكة ومتزامنة تعيد تشكيل ملامحها. فقد أفضت التقنيات الرقمية، بما في ذلك الأتمتة والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، إلى إعادة تصميم الوظائف وهياكل أماكن العمل ومتطلبات المهارات في مختلف القطاعات. وفي الوقت ذاته، غدت الاستدامة البيئية محركاً رئيسياً للتغيير، إذ تعجّل إلحاحية أزمة المناخ من وتيرة التحولات في الإنتاج والعمالة، وتغذي الطلب على الوظائف الأكثر مراعاة للبيئة، والممارسات المستدامة، والمهارات اللازمة للتخفيف من آثار المناخ والتكيف معها، وإدارة مخاطر الكوارث. كما تعيد التحولات الديمغرافية، وفي مقدمتها شيخوخة السكان، تشكيل تركيبة القوى العاملة واحتياجاتها في كثير من البلدان، ومن أبرز الانعكاسات المباشرة لذلك تنامي الطلب على أعمال الرعاية، وهو ما يحمل في طياته فرصاً وتحديات في آن واحد. وتزداد هذه التحولات البنيوية تعقيداً بفعل اتساع نطاق العمل عبر المنصات الرقمية، وانتشار نماذج العمل عن بُعد والعمل الهجين، وتصاعد الضغوط على العولمة المتمثلة في تفتت سلاسل الإمداد والنظام التجاري المتعدد الأطراف، وحركات الهجرة الدولية. وتمثل هذه التحولات العالمية في مجملها انتقالات مجتمعية عميقة تعيد تشكيل الاقتصادات والنظم السياسية والعلاقات المجتمعية بصورة جوهرية، وتفرض معاً مطالب جديدة على نظم التعليم والتدريب.
وفي هذا السياق، يؤدي تطوير المهارات دوراً محورياً. فكما أكد إعلان الذكرى المئوية لمنظمة العمل الدولية بشأن مستقبل العمل، يُعد تعزيز قدرات الجميع من خلال تعلم فعال مدى الحياة وتعليم جيد أمراً أساسياً لضمان قدرة الجميع على الاستفادة من الفرص التي يتيحها عالم العمل السريع التغير، والصمود أمام ما يحمله من اضطرابات. فتطوير المهارات يمكّن العمال والمنشآت من الحفاظ على قدرتهم على التكيف والتنافسية في سوق عمل متغيرة باستمرار، ويمنح العمال والمنشآت على حد سواء القدرة على صياغة مستقبل عمل شامل وعادل ومستدام بصورة فاعلة. غير أن فعالية سياسات المهارات تتوقف أيضاً على ضمان الاعتراف السليم بالمهارات وتقييمها التقييم المناسب، وعلى مواءمتها مع احتياجات سوق العمل المتغيرة. ومعالجة هذه التحديات تستلزم عملاً منسقاً بين الحكومات والشركاء الاجتماعيين ومؤسسات التعليم والتدريب من أجل بناء نظم تعلم مدى الحياة تتسم بسهولة الوصول إليها والعدالة والاستجابة والمرونة.
وانطلاقاً من هذه الخلفية، يركز هذا الفصل على ثلاثة تحولات عالمية كبرى، هي التغير الديمغرافي، والتحول الأخضر، والتحول الرقمي، باعتبارها الأكثر صلة بفهم تحديات المهارات وفرصها في الوقت الراهن. ومع أن كل تحول من هذه التحولات يعيد تشكيل أسواق العمل بطريقته الخاصة، فإن هذا الفصل يسلط الضوء عمداً على جوانب بعينها من كل تحول، لأنها تكشف أبعاداً حاسمة عن الكيفية التي يمكّن بها اكتساب المهارات وتثمينها العمال والمنشآت من الازدهار في عالم العمل المتغير.
فأولاً، يبرز التحول الديمغرافي مسألة التقييم المتدني المنتشر للمهارات، متخذاً من أعمال الرعاية مثالاً رئيسياً على ذلك. فمع تقدم المجتمعات في العمر، يتنامى الطلب على أعمال الرعاية، غير أن المهارات التي تتطلبها هذه الأدوار تظل في الغالب غير معترف بها كما ينبغي وغير مكافأة بما يليق بها. وهذا التقييم المتدني لمهارات العاملين، إلى جانب ما يقترن به من قصور في جودة العمل، يسهم في استمرار حالات النقص في اليد العاملة، إذ يجد العاملون في مجال الرعاية أنفسهم غير مشجعين على الالتحاق بهذه الوظائف أو البقاء فيها. وثانياً، يوضح التحول الأخضر أن الكفاءات التقنية والبيئية ضرورية لكنها غير كافية بمفردها، إذ إن تحقيق انتقال عادل ومستدام يتطلب مزيجاً أوسع من المهارات، الأساسية منها والتقنية على حد سواء، في المجالات المعرفية والاجتماعية الوجدانية واليدوية، فضلاً عن المهارات الخضراء المتخصصة، وذلك من أجل بناء قوى عاملة قادرة على التكيف والابتكار. وثالثاً، يكشف التحول الرقمي كيف تتوسط المهارات في تحديد آثار التعرض الرقمي على العمالة، إذ تحدد ما إذا كانت المناطق التي يرتفع فيها الطلب على مهارات معينة، كالمهارات الرقمية أو الاجتماعية الوجدانية أو مهارات حل المشكلات، أوفر حظاً في الاستفادة من التغير التكنولوجي أم أكثر عرضة لخطر التخلف عن الركب.
وتتيح هذه التحولات الثلاثة مجتمعة عدسة تحليلية تمكّن من دراسة طيف شامل من تحديات المهارات التي يتعين معالجتها لبناء القدرة على الصمود، وهي: الاعتراف بالمهارات وتقييمها على النحو المناسب، وتنوع حافظات المهارات وقابليتها للتكيف، وقدرة المهارات على مساعدة العمال والمنشآت على تجاوز التغيرات المفاجئة.
4.2 تقييم المهارات في أعمال الرعاية لمواكبة التحولات الديمغرافية
يؤدي اكتساب المهارات وتحسينها وإعادة تأهيلها دوراً مهماً في تمكين العمال من أداء عملهم على أكمل وجه، والتكيف مع التحولات الجذرية في أسواق العمل، والإسهام في إنتاجية المنشآت. ويمكن لهذه العمليات أيضاً أن تسهم في تحقيق أهداف مجتمعية أوسع، من قبيل المواطنة الفاعلة، والتنظيم الجماعي، والتماسك الاجتماعي. غير أن تحقيق هذه الأهداف الأوسع يستوجب تجنب التركيز الضيق المفرط على تطوير المهارات بهدف وحيد هو الحفاظ على قدرة العمال التنافسية، إذ إن هذا النهج يحمل خطر إلقاء عبء غير متناسب على كاهل العمال. ويقتضي نهج أكثر توازناً الإقرار بأن ترجمة تطوير المهارات إلى تحسن فعلي في نتائج التوظيف وإلى منافع مجتمعية أوسع يستلزم أن تقوم أسواق العمل والمجتمعات بدورها بتقييم المهارات المكتسبة والمستخدمة تقييماً سليماً.
وتمثل أعمال الرعاية مثالاً بالغ الوضوح على مسألة التقييم المتدني للمهارات بوجه عام. ويركز هذا القسم على أعمال الرعاية بأجر في سياق شيخوخة السكان بوصفها أحد الأبعاد المهمة للتغير الديمغرافي، والتي يُتوقع أن تزيد بقوة من الطلب على خدمات الرعاية في مناطق عديدة من العالم. وفي غياب إجراءات سياساتية منسقة، فإن هذا الطلب المتصاعد سيفاقم مشكلة التقييم المتدني للمهارات، مما يفضي إلى نقص في اليد العاملة وإلى تبعات سلبية أوسع نطاقاً على أسواق العمل والمجتمعات. وبصفة عامة، يوضح مثال أعمال الرعاية بأجر أن الاستثمار في المهارات وحده لا يكفي، بل لا بد أن يقترن بتحول جوهري في طريقة الاعتراف بالمهارات ومكافأتها وتقييمها اجتماعياً، لا سيما في القطاعات التي تولّد قيمة اجتماعية مرتفعة وتشهد طلباً متزايداً عليها.
4.2.1 تزايد الطلب على أعمال الرعاية
تشهد المجتمعات في مختلف أنحاء العالم تقدماً متوسطاً في العمر السكاني. فعلى الصعيد العالمي، قُدّرت نسبة الأشخاص البالغين 65 عاماً فأكثر بنحو 6.1 في المائة في عام 1990، وارتفعت إلى 10.4 في المائة في عام 2025، ومن المتوقع أن تبلغ 16.3 في المائة بحلول عام 2050. وتنتج شيخوخة السكان عن تضافر عوامل ثلاثة، هي الانخفاض المستمر في معدلات الخصوبة، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وعدم كفاية صافي الهجرة على المستويين الإقليمي أو الوطني لموازنة أثر هذه الشيخوخة.
ومن المتوقع أن تكون منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسرع شيخوخة في العالم، إذ تبلغ هذه العملية أقصى سرعتها في شرق آسيا نتيجة التطورات الجارية في بلدان مثل اليابان وجمهورية كوريا، وكذلك الصين. كما ارتفعت نسبة كبار السن في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وإن كان هذا التحول الديمغرافي أقوى ما يكون في شيلي وكوستاريكا وأوروغواي، فإن أياً من بلدان المنطقة، بما فيها الاقتصادات الكبرى، لم يفلت من هذا الاتجاه العام. أما في أوروبا وأمريكا الشمالية فقد بدأت شيخوخة السكان في وقت أبكر من ذلك بكثير، إذ ظلت معدلات الخصوبة الإجمالية دون مستوى الإحلال السكاني لعقود عديدة في بلدان مثل ألمانيا والاتحاد الروسي وإسبانيا والمملكة المتحدة. ولهذا يُتوقع أن تكون مناطق شمال أوروبا وجنوبها وغربها، وأوروبا الشرقية، وأمريكا الشمالية، من بين المناطق الأربع التي ستضم أعلى نسب من السكان البالغين 65 عاماً فأكثر بحلول عام 2050. وفي المقابل، تقف التركيبة السكانية الشابة نسبياً في أفريقيا والدول العربية عند الطرف الآخر من هذا الطيف، إذ تبلغ معدلات الخصوبة الإجمالية أعلى مستوياتها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (4.72 طفل لكل امرأة في عام 2020)، وتُعد ساكنة هذه المنطقة من أسرع الفئات السكانية نمواً وأصغرها سناً في العالم.
وتدفع شيخوخة السكان إلى ارتفاع حاد في الطلب على رعاية المسنين. وتستند تقديرات الطلب على عمال الرعاية طويلة الأجل اللازمين لمساعدة الأشخاص البالغين 65 عاماً فأكثر ممن لديهم احتياجات رعاية كبيرة إلى افتراض أن هذه الخدمات تقدَّم عبر عمال بأجر لا عبر أفراد الأسرة دون مقابل، وأن هناك، بحسب مستوى دخل البلد، نسبة تتراوح بين 2.5 و3 من متلقي الرعاية مقابل كل عامل رعاية واحد. كما يفترض هذا التحليل أن نسب العاملين إلى المرضى هذه ستظل مطلوبة بالنسبة للحالات ذات الاحتياجات الشديدة، حتى مع إدخال تقنيات جديدة، كآلات الرفع أو الروبوتات، لأداء المهام اليدوية الثقيلة. وبناءً على هذه الافتراضات، يُقدَّر أن يرتفع الطلب العالمي على عمال الرعاية طويلة الأجل من 85.2 مليون عامل في عام 2023 إلى 158.1 مليون عامل في عام 2050. وتسجل منطقتا شرق آسيا وجنوب آسيا أعلى مستويات الطلب المتوقعة، إذ تحتاجان إلى 45.5 مليون و31.5 مليون عامل على التوالي. وستشهد جميع المناطق زيادة ملحوظة في حصة هذا الطلب من إجمالي العمالة، لا سيما في شمال أوروبا وجنوبها وغربها، وفي شرق آسيا، حيث يُتوقع أن تتجاوز هذه الحصة النظرية للعمالة 6 في المائة بحلول عام 2050. ومن المتوقع أن تبلغ هذه الحصة على المستوى العالمي 3.8 في المائة، على أن تظل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى المنطقة الوحيدة التي لا يُنتظر أن تشهد ارتفاعاً معتبراً في هذا الصدد.
وقد يكون الطلب الفعلي على أعمال رعاية المسنين أعلى من ذلك إذا لم تكن نسبة الرعاية المفترضة كافية لتلبية الاحتياجات الشديدة تلبية تامة، وهو ما من شأنه أن يزيد العبء التكميلي الملقى على عاتق أفراد الأسرة غير مدفوعي الأجر. واليوم، هناك ملايين من عمال الرعاية الأسرية غير مدفوعي الأجر، ومعظمهم من النساء. وتُعد مسؤوليات الرعاية الأسرية السبب الرئيسي وراء عدم اندماج النساء في سوق العمل، وبخاصة في أفريقيا والدول العربية وأجزاء من آسيا.
وإضافة إلى ذلك، تمتد أعمال رعاية المسنين بأجر لتشمل طائفة من المهن غير مقتصرة على الرعاية طويلة الأجل، إذ تضم العاملين الصحيين المهنيين ومساعدي المهن الصحية الذين يقدمون خدمات الرعاية الصحية للمسنين، كما يمارس مختلف أنواع عمال المنازل أنشطة رعاية غير مباشرة، كالتنظيف والطبخ، وهي أنشطة كثيراً ما تتشابك مع أنشطة الرعاية الشخصية. وبمفهومها الشامل، تضم أعمال الرعاية بأجر جميع هذه الوظائف التي تمثل الأنشطة والعلاقات المرتبطة بتلبية الاحتياجات الجسدية والنفسية والوجدانية للأشخاص. وهذا يعني أن أعمال الرعاية شديدة التنوع، إذ تشمل عاملين من مستويات مؤهلات رسمية متباينة يتوزعون على امتداد طيف الأجور بأكمله. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حتى الآن تعريف إحصائي دولي موحد لأعمال الرعاية بأجر وغير مدفوعة الأجر، وإن كانت معايير القياس قيد التطوير للنقاش في المؤتمرات الدولية القادمة لخبراء الإحصاء العمالي.
4.2.2 عمال الرعاية بأجر وظروف عملهم
كما هو الحال في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، تؤدي النساء الحصة الغالبة من مختلف أنواع أعمال الرعاية بأجر. ويظهر ذلك جلياً في المهن والقطاعات الأكثر صلة بأنشطة رعاية المسنين، إذ تشكل النساء أغلبية العاملين في هذه المهن والقطاعات في جل المناطق تقريباً. كما تنزع حصة النساء إلى الارتفاع في مهن الرعاية الأقل أجراً في المتوسط، بحيث تقل نسبياً مشاركة النساء في المهن الأعلى أجراً، كالعاملين الصحيين المهنيين ومساعدي المهن الصحية. وفي المقابل، تسجل فئة عمال النظافة والمساعدة المنزلية، وهي فئة كثيراً ما تُستثنى من الحد الأدنى للأجور وغيره من أشكال الحماية العمالية، أعلى نسب مشاركة نسائية، تتراوح بين 85.1 في المائة في أفريقيا و95.4 في المائة في القارة الأمريكية. أما في الدول العربية فيختلف النمط جزئياً، إذ تنخفض نسب مشاركة النساء بين عمال الرعاية المختارين بسبب تدني معدل المشاركة العامة للنساء في القوى العاملة في هذه المنطقة.
وإلى جانب ذلك، كثيراً ما يؤدي أعمال الرعاية عمال مهاجرون، وهو ما يمكن قياسه، وإن بصورة غير كاملة، عبر تقدير حصة الأشخاص المولودين خارج البلد المعني من إجمالي العاملين في هذه المهن، استناداً إلى البيانات الجزئية المتناسقة الصادرة عن قاعدة بيانات منظمة العمل الدولية للإحصاءات العمالية. ويشكل هؤلاء نسبة معتبرة من عمال الرعاية، لا سيما في الاقتصادات المرتفعة الدخل. فعلى سبيل المثال، ترتفع نسبة عمال الرعاية الشخصية المولودين خارج البلد في أستراليا (43.9 في المائة) وإسرائيل (39.4 في المائة) وسويسرا (35.9 في المائة). وبالمقارنة مع أمثلة من مناطق أخرى، تنخفض هذه النسبة في شيلي، وإن ظلت معتبرة (12.5 في المائة)، وفي الاقتصادات المتوسطة الدخل كالأرجنتين (5.1 في المائة) وتركيا (4.1 في المائة).
ووفقاً للمنطق الاقتصادي، كان يُفترض أن يترجم الطلب الكبير والمتنامي على عمال الرعاية إلى أجور مرتفعة نسبياً وظروف عمل جيدة لهؤلاء العمال، غير أن الواقع لا يعكس ذلك في أغلب الأحيان. فقد قارنت دراسة سابقة أجراها بوديغ وميسرا في عام 2010 أجور عمال الرعاية في اثني عشر بلداً من مناطق مختلفة، وتوصلت، بعد ضبط أثر الخصائص الشخصية للعمال ومستوى تحصيلهم التعليمي وخصائص وظيفية مختارة، إلى وجود عقوبات أجرية على عمال الرعاية في معظم البلدان المدروسة. وكانت هذه العقوبات أكثر وضوحاً في المكسيك (بتراجع نسبته 38.6 في المائة)، وفرنسا (32.9 في المائة)، وهنغاريا (24.9 في المائة)، والاتحاد الروسي (19.3 في المائة)، والولايات المتحدة (16.8 في المائة). وشكلت السويد، وإلى حد أقل ألمانيا، استثناءً لافتاً، إذ يتقاضى عمال الرعاية فيهما أجوراً أعلى من نظرائهم في المهن غير المرتبطة بالرعاية. وتُفسَّر هذه العقوبات الأجرية في بلدان أخرى جزئياً بانخفاض الأجور في المهن والقطاعات التي تهيمن عليها النساء، كما تكون أصغر في البلدان التي تشهد تفاوتاً أقل في الأجور عموماً، ونقابات أكثر انتشاراً، وإنفاقاً عاماً أعلى على قطاع الرعاية. وتركز الدراسات الأحدث غالباً على الولايات المتحدة، ومن ذلك دراسة فولبر وغوثام وسميث في عام 2023 التي قدرت أن العمل في تقديم خدمات الرعاية في الولايات المتحدة يقترن بانخفاض في الأجور بنسبة 19 في المائة للعاملين والعاملات على حد سواء، مقارنة بالعمل في تقديم الخدمات المرتبطة بقطاع الأعمال.
ولا تقتصر إشكاليات جودة العمل بالنسبة لعمال الرعاية على العقوبات الأجرية، بل تمتد، بحسب نوع العمل، إلى ساعات عمل طويلة وغير منتظمة، وأعباء عمل ثقيلة، وضعف في الحماية العمالية والاجتماعية، وتعرض غير متناسب للعنف والتحرش في مكان العمل. وقد أكد ذلك استقصاء عبر الإنترنت شمل عمال رعاية يعملون في مؤسسات رعاية في بلدان من مختلف مستويات الدخل، حيث أفادت نسب معتبرة من المستجيبين بحدوث نقص في عدد العاملين "غالباً" أو "دائماً"، بنسب تتراوح بين أكثر من 40 في المائة في نيبال وأكثر من 80 في المائة في بلجيكا. وارتبطت هذه النتيجة بتأثير سلبي متصور في جودة خدمات الرعاية المقدمة، وبتراجع في الصحة الجسدية والنفسية للعاملين. وأفاد 65 في المائة من عمال الرعاية المستطلعة آراؤهم، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، بأنهم لن يكونوا قادرين على مواصلة مسارهم المهني حتى بلوغ سن التقاعد.
وقد اتضح التناقض بين ما يقدمه عمال الرعاية من خدمات جوهرية ومهام شاقة، وما يتعرضون له في المقابل من ظروف عمل هشة، بجلاء خاص إبان جائحة كوفيد 19. ففي تلك الفترة، اعتُرف على نطاق واسع بأن أعمال الرعاية من الأنشطة الأساسية التي تضمن استمرار عمل المجتمعات والأسواق، وهو ما استلزم العمل في قرب مباشر من الآخرين وترتب عليه ارتفاع مخاطر العدوى. وقد تصاعدت أعباء العمل الملقاة على عمال الرعاية خلال الجائحة بصورة كبيرة، إذ تعين عليهم تلبية احتياجات رعاية مرضى كوفيد 19، وتطبيق تدابير جديدة للسلامة والصحة المهنيتين، والتعويض عن ارتفاع معدلات الغياب في أماكن العمل. وفي الولايات المتحدة، نادراً ما حصل عمال الرعاية على تعويض مالي مقابل عملهم في ظروف خطرة أثناء الجائحة. ومن الأمثلة الأخرى، استمر العاملون في مجال الصحة المجتمعية في الهند في تقاضي أجور متدنية ومتأخرة رغم تحملهم مسؤولية الوقاية من كوفيد 19، وتقديم الرعاية الأولى، ونقل المرضى إلى المستشفيات، وغير ذلك من أشكال الدعم الأساسي.
4.2.3 تقييم مهارات عمال الرعاية بأجر
تشير هذه النتائج إلى أن مهارات عمال الرعاية لا تحظى بتقييم كامل. فكما بيّن الفصل الثالث، يُعد امتلاك مهارات ومجموعات مهارات معينة أمراً أساسياً لتمكين العمال من الحصول على أجور أعلى وظروف عمل أفضل، غير أن الأعراف الاجتماعية تؤثر بدورها في القيمة التي تُمنح لمهارات بعينها. فبالنسبة لعمال الرعاية بأجر، ثمة تداخل بين المهام التي يؤدونها، وهي في الغالب مهام اجتماعية وجدانية، وإن كانت تشمل أيضاً مهارات معرفية ويدوية، وبين أعمال الرعاية الأسرية غير مدفوعة الأجر. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هذا التداخل شكّل تصورات ثقافية بشأن قيمة أعمال الرعاية بأجر. وإضافة إلى ذلك، قد يتمتع عمال الرعاية بأجر بمستويات مرتفعة نسبياً من الدافعية الذاتية، ويشعرون بارتباط وجداني بمن يرعونهم، وهو التزام كثيراً ما يُستغل بطرق تفضي إلى مكافأة مالية متدنية نسبياً، كما يمكن أن يقلل من استعداد عمال الرعاية للتفاوض على أجور أعلى. وأخيراً، يتسق انخفاض أجور عمال الرعاية مع كون النساء أقل ميلاً من الرجال إلى المفاوضة على أجور أعلى.
وقد درست دراسة أجراها بيتريكوفسكي في عام 2017 مباشرة عوائد مختلف المهارات الاجتماعية الوجدانية في الولايات المتحدة، مقارنةً عوائد هذه المهارات عند نقاط مختلفة من توزيع الأجور. ومن أبرز النتائج ما يتعلق بمهارة "مساعدة الآخرين ورعايتهم"، إذ تبين أن العمل في مهنة تعتمد بقوة على هذه المهارة يرتبط ارتباطاً سلبياً بالأجور بين العمال ذوي الأجور المنخفضة، في حين ينقلب هذا الأثر إيجابياً بين العمال ذوي الأجور المرتفعة، وكذلك حين يعمل هؤلاء في مهنة يشكل فيها الرجال 60 في المائة على الأقل من القوى العاملة.
وتبدو هذه النتائج، للوهلة الأولى، متعارضة مع ما بيّنه الفصل الثالث من أن المهارات الاجتماعية الوجدانية، الوثيقة الصلة بمهمة رعاية الآخرين، تيسّر وصول العمال إلى وظائف أفضل جودة. غير أن هناك بُعداً جندرياً في هذه المسألة، إذ يسّر الاعتماد المتزايد على المهارات الاجتماعية الوجدانية اندماج النساء في الوظائف التي تتطلب مثل هذه المهارات، وأسهم في رفع أجورهن. فقد ارتبط لجوء النساء المتزايد إلى المهارات التفاعلية بتقلص فجوة الأجور بين الجنسين في ألمانيا. كما استخدم بورغانس وتير ويل وواينبرغ في عام 2014 إطاراً مفاهيمياً يفترض أن الفتيات أكثر ميلاً إلى تنمية المهارات الاجتماعية الوجدانية في مرحلة المراهقة، ثم العمل لاحقاً في مهن تولي هذه المهارات أهمية أكبر، وأظهروا بالنسبة للولايات المتحدة أن ارتفاع عوائد المهارات الاجتماعية الوجدانية واكب تقلص فجوة الأجور بين الجنسين حتى تسعينيات القرن الماضي. وبالمثل، ارتبط تنامي أهمية المهارات الاجتماعية الوجدانية في المهن الأعلى أجراً بين عامي 1980 و2016 بازدياد أعداد النساء العاملات في هذه المهن في الولايات المتحدة، وهو ما جاء نتيجة لقدرة النساء على التكيف مع أتمتة العمليات كثيفة الروتين، مما أفضى إلى تراجع فجوة الأجور بين الجنسين.
ووفقاً لديمينغ في عام 2017، تعزز المهارات الاجتماعية الوجدانية العمل الجماعي، مما يفضي إلى إنتاجية أعلى، وبالتالي إلى أجور أفضل للعمال، كما يُقال إن العمال ذوي المهارات الاجتماعية الوجدانية القوية أكثر فعالية في تلبية الاحتياجات الفردية لعملائهم أو مرضاهم، وهو ما ينعكس في إنتاجية وأجور أعلى. بيد أن هذه النظرية الاقتصادية تفترض غياب أي تشوهات في السوق كي تتناسب الأجور تناسباً وثيقاً مع إنتاجية العمال.
وثمة أسباب عدة تجعل هذا الشرط أقل احتمالاً في حالة عمال الرعاية. فأولاً، يخلق عمال الرعاية قيمة اجتماعية أو ما يسمى بالمنافع العامة التي تتجاوز النتائج المباشرة المتعلقة بمتلقي الرعاية، إذ يسهمون في استمرار عمل النظام الصحي، ويتيح عملهم لأفراد أسر المرضى الاندماج في سوق العمل، مما يؤدي في الأسواق التنافسية إلى مستويات متدنية بصورة غير كفؤة من تقديم خدمات الرعاية ومن أجور مقدميها ومؤسساتها. وفي حين يشكل الاستثمار العام أداة لمواجهة أوجه القصور هذه، فقد تراجع الإنفاق العام على خدمات الرعاية في كثير من البلدان. وثانياً، يصعب قياس حتى الإنتاجية الأقرب مباشرة لعمال الرعاية، نظراً لأن نتائج عملهم، كتحسن رفاه المرضى أو ارتفاع عمرهم المتوقع، يصعب تحديدها مفاهيمياً، وهو ما يفضي إلى معلومات ناقصة لدى أصحاب العمل والعملاء، فيمثل تشوهاً إضافياً في تحديد الأجور. وأخيراً، قد تكون فرص عمال الرعاية ذوي الأجور المنخفضة في التفاوض على أجورهم أضيق، لا سيما حين يفتقرون إلى تمثيل جماعي أو ينتمون إلى فئات مهمشة.
ونتيجة لذلك، حتى وإن كان من المعقول افتراض أن استخدام المهارات الاجتماعية الوجدانية يؤثر إيجاباً في إنتاجية عمال الرعاية، فقد لا يترجم ذلك إلى أجور أعلى بصورة معتبرة لهم. وقد فحصت إحدى التحليلات العلاقة بين المهارات الاجتماعية الوجدانية والأجور، بالمقارنة بين خدمات الرعاية وخدمات الأعمال في الولايات المتحدة، وتبين أن النوعين من الخدمات يرتبطان بمستويات متقاربة من المؤهلات الرسمية، ويتطلبان كلاهما استخداماً معتبراً للمهارات الاجتماعية الوجدانية، إلا أن السمات السوقية المذكورة آنفاً تؤدي دوراً أقل أهمية في خدمات الأعمال، التي يقل ارتباطها بخلق منافع عامة ونتائج يصعب تقييمها. وقيس استخدام المهارات على المستوى المهني التفصيلي، مع الأخذ في الاعتبار، بالنسبة للقطاعين، أثر العمل في مهنة تعتمد بقوة أكبر على المهارات الاجتماعية الوجدانية مقارنة بالعمل في مهنة تعتمد عليها بقدر أقل. وقيست المهارات الاجتماعية الوجدانية عبر مؤشر مركّب يستند إلى متوسط متغيرات مهارات تشمل تنسيق الأعمال والتفاوض والإقناع والإدراك الاجتماعي.
وقد تبين أن عوائد المهارات الاجتماعية الوجدانية على مستوى المهنة في خدمات الأعمال ذات دلالة اقتصادية معتبرة فعلاً؛ فبالنظر إلى نتائج جميع العاملين، تؤدي زيادة استخدام المهارات الاجتماعية الوجدانية على مستوى المهنة بمقدار انحراف معياري واحد إلى ارتفاع الدخل من الأجور والرواتب بنسبة 5.8 في المائة في خدمات الأعمال. وهذا الأثر ذو دلالة إحصائية، ويبلغ نحو 2.5 ضعف العوائد المقدرة في خدمات الرعاية (2.3 في المائة)، والتي لا يمكن تمييزها إحصائياً عن الصفر. ويتكرر هذا النمط بالنسبة للرجال والنساء على حد سواء، وبين العمال من مختلف مستويات التحصيل التعليمي، مع اتساع الفارق بصورة لافتة بين العمال ذوي التحصيل التعليمي المنخفض. وتشير هذه النتائج إلى أن عمال الرعاية لا يستفيدون من العوائد الإيجابية للمهارات الاجتماعية الوجدانية، رغم أن عملهم يتطلب مستويات مرتفعة من هذه المهارات، وتتكرر هذه الأنماط عند النظر في مكونات مؤشر المهارات كل على حدة، أي تنسيق الأعمال والتفاوض والإقناع والإدراك الاجتماعي.
وبطبيعة الحال، تتطلب خدمات الرعاية وخدمات الأعمال أيضاً مهارات معرفية ويدوية، وقد ضُبط أثرها في التحليل. ومن اللافت أن عوائد هاتين الفئتين من المهارات على مستوى المهنة تميل إلى التشابه بين نوعي الخدمات: فترتبط المهارات المعرفية بعلاوات أجرية كبيرة وذات دلالة إحصائية، في حين تشير المهارات اليدوية إلى عوائد أصغر وأقل دقة في تقديرها. وعليه، فإن تباين عوائد المهارات بين خدمات الرعاية وخدمات الأعمال يعود أساساً إلى الفارق في مكافأة المهارات الاجتماعية الوجدانية.
وتقدم هذه النتائج أدلة تجريبية تدعم ما جاء في قرار عام 2024 بشأن العمل اللائق واقتصاد الرعاية، الذي أقر بأنه "على الرغم من أن أعمال الرعاية شديدة المطالب وكثيراً ما تتطلب مستويات عالية من المهارات والمعرفة المتخصصة، فإن هذه المهارات لا تحظى دوماً بالاعتراف والتقييم الكاملين بما يتناسب معها". وعلى المستوى المبدئي، يستلزم ذلك من الحكومات والشركاء الاجتماعيين "إذكاء الوعي العام بالقيمة الاجتماعية والاقتصادية لأعمال الرعاية"، ويستدعي على نحو أكثر تحديداً تدابير من قبيل تعزيز الاعتراف بالمهارات ومنح الشهادات المهنية، فضلاً عن تحمّل الدولة المسؤولية الأولى عن "توفير الرعاية وتمويلها وتنظيمها وضمان معايير عالية لها".
وشأنها شأن سائر العمال، يحتاج عمال الرعاية إلى مهارات ملائمة وتدريب مناسب لأداء عملهم على أكمل وجه والحصول على ظروف عمل جيدة، غير أن التقييم السليم لمهاراتهم من قبل المجتمعات والأسواق يكتسي أهمية مماثلة. ونظراً لشيخوخة السكان في مناطق عديدة من العالم، فإن مسألة التقييم السليم لن تزداد إلا أهمية مع الوقت، ومعالجتها وسيلة لمواجهة الطلب المتصاعد بسرعة على أعمال الرعاية، ولتحسين ظروف عمل من يؤدونها.
4.3 المهارات اللازمة للتكيف مع التحول الأخضر
4.3.1 التحولات البيئية وتأثيرها في أسواق العمل
إلى جانب التحولات الديمغرافية، تعيد التحولات البيئية، المدفوعة بتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث وما يرتبط بها من تحديات كالتصحر وارتفاع مستوى سطح البحر وتدهور التربة، تشكيل أسواق العمل في مختلف أنحاء العالم. ويعطل تغير المناخ بالفعل العمالة، لا سيما في المناطق والقطاعات الأكثر هشاشة كالزراعة والبناء، إذ يُقدَّر أن يكلف الإجهاد الحراري وحده ما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل بحلول عام 2030. واستجابة لذلك، تنتقل البلدان نحو اقتصادات أكثر مراعاة للبيئة، وإن بوتيرة متفاوتة، إذ اعتمد أربعون بلداً بحلول عام 2021 شكلاً من أشكال التسعير الوطني للكربون، تغطي نحو 16 في المائة من الانبعاثات العالمية لغازات الاحتباس الحراري. ويغير هذا التحول أنماط العمالة عبر ما يستحدثه من تشريعات وتقنيات ونماذج أعمال جديدة، وما يرتبط به من استثمارات في البنية التحتية والمهارات.
وفي حين تم توثيق الآثار العمالية لتغير المناخ توثيقاً وافياً، فإن قياس أثر الانتقال نحو اقتصاد أكثر اخضراراً أكثر صعوبة. فقد فحصت مجموعة واسعة من الأبحاث الآثار العمالية لاعتماد التشريعات البيئية، وأظهر هذا الأدب البحثي، الذي يركز أساساً على البلدان المرتفعة الدخل، آثاراً متباينة تعتمد تقديراتها بشدة على وتيرة إزالة الكربون على المستوى العالمي ومدى تبني السياسات ذات الصلة. فعلى سبيل المثال، أفضت تشريعات جودة الهواء في الولايات المتحدة إلى خسائر معتبرة في الوظائف في القطاعات كثيفة التلوث، في حين أظهرت دراسات أخرى آثاراً محدودة أو حتى إيجابية بفعل الابتكار ونمو العمالة في الصناعات الخضراء.
والمهم أن النماذج التي تركز حصراً على الاضطراب قصير الأجل كثيراً ما تغفل المكاسب الأطول أجلاً. فقد أشارت المحاكاة البنيوية والدراسات التجريبية في بلدان كالصين وجنوب أفريقيا إلى خلق صافٍ للوظائف عندما تندرج السياسات الخضراء ضمن إصلاحات أوسع نطاقاً. وفي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، أظهرت الحوافز المالية الخضراء مكاسب توظيفية قصيرة الأجل، لا سيما في مشاريع البنية التحتية وإدارة المياه. كما تشير التقييمات العالمية والإقليمية الحديثة، ومنها تقييمات منظمة العمل الدولية وسيناريو "صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2050" الذي وضعه مصرف التنمية للبلدان الأمريكية، إلى نتائج صافية إيجابية عندما تعزز السياسات والتشريعات الاستثمارات اللازمة.
وفضلاً عن أثرها على الوظائف، تؤثر التشريعات البيئية أيضاً في تنافسية المنشآت. فبإمكان المنشآت التي تتبنى ممارسات خضراء تحقيق إنتاجية أعلى، وذلك مثلاً عبر استقطاب المواهب الواعية بيئياً والاحتفاظ بها، وتعزيز دافعية الموظفين، وتحسين الكفاءة التشغيلية من خلال توفير الطاقة والموارد، وتشجيع الابتكار في العمليات المستدامة. ويمكن لهذا التوافق بين قيم المنشأة وتوقعات العمال أن يدعم نماذج الأعمال المستدامة، كما سيتضح لاحقاً. كما تعزز تفضيلات المستهلكين هذه الديناميكية، إذ يزداد إقبال الزبائن الواعين بيئياً على المنشآت التي تعتمد ممارسات خضراء، مما يقوي مكانتها السوقية. وتؤدي المنشآت المملوكة لأجانب دوراً في هذا الصدد أيضاً، إذ تميل إلى تبني ممارسات أكثر اخضراراً، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتسريع انتشار المعايير البيئية.
4.3.2 تحديد المهارات الخضراء
في حين تتوقف وتيرة التحول الأخضر واتجاهه في نهاية المطاف على الإرادة السياسية وتماسك السياسات والالتزام المؤسسي، فإن تزويد العمال بالمهارات اللازمة أمر لا غنى عنه لضمان انتقال عادل ومستدام. وقد بينت الأبحاث أن التحولات البيئية بدأت بالفعل تغيّر متطلبات المهارات، إذ تنزع الوظائف الخضراء إلى طلب مستويات أعلى من المهارات المعرفية والتقنية، والتعليم الرسمي، والكفاءات الشاملة كالتعاون والقدرة على التكيف. غير أنه لا تزال هناك فجوات معرفية مهمة، لا سيما فيما يتعلق بالتفاوتات الإقليمية، وجودة الوظائف الخضراء، وكيفية ضمان انتقال عادل لجميع العمال، بمن فيهم العاملون في القطاعات الآخذة في الانحسار. ومعالجة هذه الفجوات تستلزم قياساً أفضل للمهارات المطلوبة في ظل التحول الأخضر، وهو ما يسعى هذا الفصل إلى الإسهام فيه.
وللمساعدة في سد هذه الفجوات وتقديم رؤى قابلة للتطبيق في سياسات المهارات ونظم التعلم مدى الحياة، يبحث هذا القسم مفهومين مترابطين لكن متمايزين، هما المهارات الخضراء والمهارات اللازمة للوظائف الخضراء. فالمهارات الخضراء، كالوعي البيئي والكفاءات التقنية المرتبطة بالممارسات المستدامة، ترتبط ارتباطاً مباشراً بأداء مهام ذات توجه بيئي، ويشكل تحديدها خطوة أولى حاسمة لفهم الكيفية التي يتطور بها سوق العمل لدعم التحول الأخضر. غير أن معظم الوظائف الخضراء تتطلب عادة مزيجاً أوسع من المهارات يتجاوز ما هو بيئي صراحة، وهذه الفئة الأوسع، المعروفة بالمهارات اللازمة للوظائف الخضراء، تشمل على سبيل المثال المهارات المعرفية والاجتماعية الوجدانية، التي تتفاوت بحسب المهنة والقطاع لكنها ضرورية لإنجاز عمل يسهم في تحقيق الأهداف البيئية.
وكثيراً ما يستخدم مصطلحا "المهارات الخضراء" و"المهارات اللازمة للوظائف الخضراء" على نحو متبادل في الأدبيات، غير أن التمييز بينهما أمر بالغ الأهمية لتصميم سياسات مهارات فعالة ولأغراض القياس. فالمهارات الخضراء تشير إلى كفاءات محددة تمكّن الأفراد من القيام بأنشطة تسهم إسهاماً مباشراً في الاستدامة البيئية، وتشمل على سبيل المثال الكفاءات اللازمة لتشغيل الألواح الشمسية، وإدارة النفايات، وصيانة نظم الطاقة المتجددة، وتطبيق تقنيات بناء موفرة للطاقة، أو فرز المواد القابلة لإعادة التدوير.
ويعتمد هذا الفصل تعريفاً أضيق وإجرائياً يتماشى مع نهج قائم على المهام، إذ يُحدَّد استخدام كلمات مفتاحية مرتبطة بالبيئة، كـ"الألواح الشمسية" أو "إدارة النفايات"، تظهر في الإعلانات الوظيفية، وحضور هذه الكلمات المفتاحية في الإعلانات الوظيفية، وإن لم تكن بمثابة بيانات كاملة للمهام، يُستخدم كمؤشر تقريبي للمهام الخضراء، إذ يشير حضورها في الأوصاف الوظيفية إلى أن الوظائف المرتبطة بها تتطلب المهارات اللازمة لأداء تلك المهام الخضراء، أي المهارات الخضراء بالمعنى المقصود هنا. وهذا نهج عملي شائع الاستخدام حالياً في أدبيات المهام الخضراء، ويتسق مع الطريقة التي تُرصد بها اتجاهات المهارات الخضراء غالباً في بيانات الشواغر، وإن كان يختلف قليلاً عن نهج قياس المهارات الأوسع المتبع في الفصل الثالث، الذي يرصد المهام والسمات مباشرة من الأوصاف الوظيفية.
أما المهارات اللازمة للوظائف الخضراء، فقد استُحدث هذا المفهوم في منظمة العمل الدولية على يد الباحثين الذين عرّفوها بأنها "المهارات" الضرورية للأداء الناجح لمهام الوظائف الخضراء، ولجعل أي وظيفة أكثر اخضراراً، بحيث تشمل المهارات الأساسية والتقنية معاً، وتغطي جميع أنواع المهن التي تسهم في عملية تخضير المنتجات والخدمات والعمليات، ليس فقط في الأنشطة البيئية بل أيضاً في القطاعات "البنية" التقليدية. وعليه، تشمل المهارات اللازمة للوظائف الخضراء المهارات المعرفية والاجتماعية الوجدانية واليدوية التي ليست "خضراء" بطبيعتها لكنها ضرورية في الوظائف الداعمة للتحول الأخضر، وتُقاس باستخدام نهج المهارات الشامل المعروض في الفصل الثالث.
ولا يزال قياس المهارات الخضراء يمثل تحدياً بسبب غياب تعريف عالمي موحد لها، وتستمر محدودية البيانات، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي لا توجد فيها استقصاءات لرصد المهارات الخضراء. غير أن مبادرات عدة سعت إلى سد هذه الثغرة؛ فقد وضع الاتحاد الأوروبي مؤشرات لتتبع احتياجات المهارات المرتبطة بالتحول الأخضر، وحددت منظمة العمل الدولية مهارات تقنية بعينها ذات أهمية حاسمة لتحقيق انتقال عادل، فيما اعتمدت محاولات أخرى على التصنيفات المهنية، كنظام "أونيت" في الولايات المتحدة، لوسم المهام والكفاءات الخضراء. ورغم هذه الجهود، لا يوجد حتى الآن معيار قياس مقبول عالمياً.
ويستند هذا الفصل إلى تطورات بحثية حديثة طوّر أصحابها "قاموساً أخضر" من خلال استعراض شامل لأكثر من 70 مصدراً في أدبيات الاقتصاد البيئي والعمالي، باتباع منهجية شاملة من حيث التغطية الجغرافية للمصادر المستخدمة. وتضم قاعدة البيانات الناتجة كلمات وجذور كلمات وتعبيرات مرتبطة مباشرة بالاستدامة البيئية، لتوفر أداة جديدة لتحديد المهام الخضراء عبر تحليل النصوص في قواعد بيانات متعددة. ويعتمد هذا الفصل النسخة الضيقة من هذا القاموس، التي تقتصر على المصطلحات الموسومة بأنها "خضراء" وتستبعد المصطلحات الموسومة بأنها ذات "إمكانية خضراء"، ويوسّع هذه القائمة بإدراج مدخلات من خبراء منظمة العمل الدولية. ويُطبَّق هذا القاموس الأخضر الخاص بمنظمة العمل الدولية على بيانات الشواغر الوظيفية عبر الإنترنت باستخدام تقنيات معالجة اللغة الطبيعية لرصد حضور المهام الخضراء في الإعلانات الوظيفية وقياسه، إذ يشير رصد الكلمات المفتاحية المرتبطة بالمهام الخضراء في الشواغر إلى أن هذه الوظائف تتطلب المهارات اللازمة لأداء تلك المهام.
ولتنظيم عملية التحديد هذه، تُصنَّف المصطلحات ذات الصلة البيئية ضمن تسع فئات تعكس مجالات الاستدامة الرئيسية، وهي: نظم الطاقة البديلة؛ وكفاءة استهلاك الطاقة؛ والبناء والتشييد المستدامان؛ والانبعاثات والتلوث والنقل المستدام؛ وإعادة التدوير وإدارة النفايات؛ والزراعة والحراجة وإنتاج الغذاء المستدامة؛ وحفظ الموارد الطبيعية؛ والوعي البيئي؛ والشهادات والامتثال البيئيان. وقد أظهر تطبيق هذا التصنيف على بيانات الشواغر في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، أن أكثر الكلمات تكراراً في فئة نظم الطاقة البديلة هي "الطاقة المتجددة" و"الطاقة الشمسية"، وفي فئة كفاءة استهلاك الطاقة "التصنيع الرشيق" و"كفاءة الطاقة"، وفي فئة البناء المستدام "البناء الأخضر" و"التصميم المستدام"، وفي فئة الانبعاثات والتلوث "معالجة المياه" و"المياه العادمة"، وفي فئة إعادة التدوير وإدارة النفايات "إدارة النفايات" و"إعادة التدوير"، وفي فئة الزراعة المستدامة "العضوي" و"الحراجة"، وفي فئة حفظ الموارد الطبيعية "النظام البيئي"، وفي فئة الوعي البيئي "المستدام" و"البيئي"، وفي فئة الشهادات والامتثال "البيئة الصحية" و"منهجية ستة سيغما".
وتساعد دراسة حضور المهام الخضراء في كل من الشواغر الوظيفية، التي تعكس طلب أصحاب العمل، وفي أوصاف السير المهنية للعمال، التي تعكس المهام التي يؤدونها فعلياً، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، على توضيح تفاوت سرعة التحول الأخضر بين السياقات المختلفة. غير أن الأدلة التجريبية في هذا الصدد تبقى شحيحة، ومعظم الرؤى المتاحة تستند إلى تجميعات عالمية قد تحجب الخصوصيات الوطنية والقطاعية. فعلى سبيل المثال، يقدم التقرير العالمي عن المهارات الخضراء الصادر عن شبكة "لينكدإن" في عام 2023، والمستند إلى بيانات هذه المنصة لعدد كبير من البلدان، منظوراً واسعاً عبر رصد حضور المهارات الخضراء في الإعلانات الوظيفية والملفات الشخصية للعاملين.
ويخلص هذا التقرير إلى أن حصة العاملين الذين يمتلكون مهارة خضراء واحدة على الأقل ارتفعت بنسبة 12.3 في المائة بين عامي 2022 و2023، في حين ارتفعت الإعلانات الوظيفية التي تتطلب مهارات خضراء بوتيرة أسرع بمقدار الضعف تقريباً، أي بنسبة 22.4 في المائة. ورغم هذا الزخم، يقدَّر أن عاملاً واحداً فقط من كل ثمانية عمال في العالم يمتلك حالياً أي مهارة خضراء، وهو ما يبرز حجم الفجوة العالمية القائمة في هذا المجال.
واستناداً إلى هذه الرؤى، يقدم هذا الفصل أدلة قطرية بشأن ديناميكيات المهام الخضراء اعتماداً على بيانات تفصيلية للشواغر والمتقدمين إليها عبر الإنترنت في البرازيل وأوروغواي. وباستخدام القاموس الأخضر لمنظمة العمل الدولية، لا يقتصر التحليل على تحديد الحضور الإجمالي للمهام الخضراء، بل يمتد إلى توزيعها على الفئات الفرعية التسع، مما يعزز دقة النتائج وأهميتها من الناحية السياساتية. وقد تبين أنه بين عامي 2010 و2023، تضمنت 2.5 في المائة من الشواغر الوظيفية في أوروغواي مهمة خضراء واحدة على الأقل، مقارنة بـ2.3 في المائة من المتقدمين الذين أفادوا بأدائهم مهام مماثلة. أما في البرازيل، فارتفعت النسبتان معاً، إذ بلغتا 5.8 في المائة للشواغر و8.3 في المائة للمتقدمين. وبالرغم من اختلاف المستويات بين البلدين، تبقى الفجوة بين العرض والطلب ضيقة نسبياً، لا سيما في أوروغواي، مما يوحي بسوق عمل خضراء متوازنة نسبياً، خلافاً للصورة العالمية التي يرسمها تقرير "لينكدإن". وعلاوة على ذلك، ورغم أن المستويات الإجمالية تبقى منخفضة في قيمتها المطلقة، فمن غير المرجح أن تشكل هذه الفجوة الضيقة عائقاً كبيراً، لا سيما بالنظر إلى أهمية حزم المهارات التي أبرزها الفصل الثالث، وإلى أن المهارات الخضراء المتخصصة مطلوبة إلى جانب مهارات أساسية وتقنية أخرى.
وتؤكد هذه النتائج أهمية تأصيل تحليلات المهارات الخضراء في بيانات قطرية خاصة، لأن الأنماط الوطنية قد تختلف عن النتائج العالمية. فعند التفصيل بحسب الفئات الفرعية، يُلاحظ فائض لدى المتقدمين في مجالات مثل نظم الطاقة البديلة، وكفاءة استهلاك الطاقة، والانبعاثات والتلوث والنقل المستدام، والشهادات والامتثال البيئيين. وفي المقابل، ينشر أصحاب العمل، لا سيما في أوروغواي، إعلانات وظيفية تذكر مهاماً في مجالي حفظ الموارد الطبيعية والوعي البيئي بوتيرة أعلى.
وإلى جانب احتمال وجود عدم تطابق في المهارات الخضراء، هناك اعتراف واسع بأن هذه المهارات أساسية لإدارة الانتقال نحو اقتصادات أكثر استدامة. واستجابة لذلك، بدأت بلدان عديدة تدمج الكفاءات الخضراء في نظم التعلم مدى الحياة والتعليم والتدريب التقنيين والمهنيين، عبر إصلاح المناهج، واستحداث شهادات جديدة، وإدماج عناصر خضراء ضمن المعايير المهنية. وتعكس هذه الجهود إدراكاً متنامياً بأن الوافدين الجدد إلى سوق العمل والعمال الحاليين على حد سواء بحاجة إلى فرص مستمرة لتطوير المهارات الخضراء مع تطور التقنيات والتشريعات ونماذج الأعمال. ومع تقدم هذا الإدماج، من الضروري معالجة أوجه التفاوت المرتبطة بالجنس والعمر والتعليم والخلفية الاجتماعية والاقتصادية والجغرافيا، لضمان أن تعزز استراتيجيات المهارات الخضراء انتقالاً عادلاً وشاملاً بدلاً من أن تقوّضه. وقد بدأت بلدان عديدة بالفعل تجارب في هذا الاتجاه، تقدم دروساً مفيدة للسياسات، وتبرز في مجملها رغبة البلدان في مواءمة استراتيجيات المهارات مع السياسات المناخية والصناعية، وترسيخ الاستدامة ضمن البرامج القائمة. وتوضح هذه التجارب أن إدماج المهارات الخضراء ليس أجندة موازية بل وسيلة لتعزيز نظم التعلم مدى الحياة من أجل إعداد العمال والمنشآت للتحولات البيئية.
4.3.3 "خضرة" الوظائف والمهن
رغم وجود تعريفات مرجعية عدة، لا يوجد تعريف واحد متفق عليه عالمياً للوظيفة الخضراء عبر مختلف المؤسسات والسياقات. ويعرّف أحد التعريفات الأكثر شيوعاً الوظائف الخضراء بأنها الوظائف في مختلف القطاعات التي تسهم في الحفاظ على جودة البيئة أو استعادتها. وفي وقت أحدث، عرّفت منظمة العمل الدولية الوظائف الخضراء بأنها وظائف لائقة تسهم في الحفاظ على البيئة أو استعادتها، سواء في القطاعات التقليدية كالصناعة التحويلية والبناء، أو في القطاعات الناشئة كالطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. وقد أُعيد تأكيد هذا التركيز المزدوج على الأهداف البيئية والاجتماعية في قرار مؤتمر العمل الدولي لعام 2023. وإضافة إلى ذلك، تميز منظمة العمل الدولية بين المهن الخضراء، التي تدعم مباشرة الحماية البيئية أو الاستدامة أو كفاءة الطاقة، والمهن "البنية"، التي ترتبط عادة بآثار بيئية مرتفعة، كالمهن في صناعة الوقود الأحفوري.
وفي هذا الفصل، تُصنَّف الوظائف والمهن الخضراء بحسب درجة "خضرتها" استناداً إلى المهام الخضراء المحددة في الشواغر الوظيفية، باستخدام القاموس الأخضر لمنظمة العمل الدولية المشار إليه آنفاً. وتُصنَّف الشواغر التي تذكر مهمة خضراء واحدة على الأقل بوصفها شواغر خضراء، أما الشواغر التي لا تذكر ذلك فتُصنَّف بأنها غير خضراء. وتُقسَّم الشواغر الخضراء بدورها إلى شواغر خضراء فاتحة، تتضمن حصة أقل من المهام الخضراء ضمن مجمل المهارات المدرجة، وشواغر خضراء داكنة، تظهر تركزاً مرتفعاً لهذه المهام. وتماشياً مع الأدبيات المستقاة من البلدان المرتفعة الدخل، يساعد هذا التمييز على رصد تفاوت درجات المضمون البيئي بين الأدوار المختلفة. أما على مستوى المهنة، فتُعرَّف المهن الخضراء بأنها المهن التي يحضر فيها المهام الخضراء بصورة منهجية في حصة معتبرة من الشواغر.
ويستند هذا التصنيف إلى نهج قائم على المهام، يُطبَّق باستخدام تقنيات معالجة اللغة الطبيعية على الإعلانات الوظيفية عبر الإنترنت، إذ تُحسب حصة المهام الخضراء من مجمل المهارات المطلوبة على مستوى كل شاغر وظيفي في كل بلد مشمول بالتحليل. وتُقسَّم الشواغر بعد ذلك إلى ثلاث فئات وفقاً لحصتها من المهام الخضراء، بما يستند إلى مفهوم "درجات الاخضرار" الذي طُرح في تقرير سابق شارك في تأليفه برنامج الأمم المتحدة للبيئة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، وهو مفهوم لا يزال مفيداً للتمييز بين درجات الصلة البيئية المتفاوتة عبر الوظائف. أما تصنيف المهن ضمن التصنيف الدولي الموحد للمهن على مستوى الرقمين، فيُحسب فيه نصيب كل مهنة من مجموع المهام الخضراء المحددة في شواغرها مقسوماً على إجمالي عدد المهارات المدرجة في تلك الشواغر، ثم تُقسَّم المهن إلى أخماس، بحيث تُعد المهن في الخُمس الأدنى غير خضراء، وتلك في الخُمس الأعلى خضراء داكنة، فيما تُعد المهن في الأخماس الثلاثة الوسطى خضراء فاتحة.
وتجدر الإشارة إلى أن الإعلانات الوظيفية عبر الإنترنت قد تغفل بعض المهارات والمهام الضمنية المتوقعة، وهو ما قد يفضي إلى تقدير أقل من الواقع لبعض المهارات أو المهام الخضراء. ومن محددات هذه الطريقة أيضاً أن الإعلانات الوظيفية عبر الإنترنت لا تمثل غالباً سوق العمل بأكمله. ولمعالجة ذلك وضمان تغطية أوسع للمهن والقطاعات، قورنت نتائج النهج القائم على المهام المطبق على الشواغر بنتائج نهج مماثل مطبق على أوصاف المهن، إذ طُبِّق القاموس الأخضر مباشرة على أوصاف مهام المهن الواردة في دليل التصنيف الدولي الموحد للمهن. وكما هو الحال بالنسبة للشواغر، حُسبت حصة المهام الخضراء لكل مهنة وقُسّمت المهن إلى أخماس لتحديد المهن غير الخضراء والخضراء الفاتحة والخضراء الداكنة. ورغم أن الطريقتين تفضيان إلى تصنيفات متقاربة عموماً للمهن الخضراء، فإن هذا الفصل يعتمد على النهج القائم على بيانات الشواغر لسببين: أولهما أنه يتيح إجراء تحليلات خاصة بكل بلد، في حين أن أوصاف المهن ضمن التصنيف الدولي الموحد تكون موحدة بين جميع البلدان ولا تسمح برصد التباين بين السياقات القطرية؛ وثانيهما أن النهج القائم على الشواغر يرصد التباين داخل المهنة الواحدة عبر الزمن، في حين لا يقيس النهج القائم على أوصاف المهن سوى آثار التركيبة عبر الزمن. ويُعد رصد التغيرات على المستوى القطري عبر الزمن سمة أساسية لفهم كيفية تطور المهام أو المهارات الخضراء في أسواق عمل دينامية، وإن كان تقارب الطريقتين يمثل تأكيداً مهماً على تمثيلية النهج المعتمد على بيانات الشواغر عبر الإنترنت.
وتُظهر البيانات الخاصة بمجموعات المهن ضمن التصنيف الدولي الموحد للمهن، على مستوى الرقمين، حصصها من المهام الخضراء كنسبة من مجمل المهارات المحددة في الشواغر الوظيفية في كل من البرازيل والمغرب والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي، ويمكن استخلاص رؤيتين رئيسيتين من هذه البيانات. أولاهما أن مهناً معينة تسجل باستمرار حصصاً خضراء أعلى، بما يعكس ارتباطها الوثيق بالأهداف البيئية والوظائف التقنية، ومنها المهنيون في العلوم والهندسة، والحرفيون المهرة في مجالات البناء والمعادن والكهرباء، ومشغلو المصانع والآلات، إذ تُظهر هذه المجموعات عموماً كثافة أعلى للمهارات الخضراء في معظم البلدان. فعلى سبيل المثال، تتضمن إعلانات الشواغر الخاصة بالمهنيين في العلوم والهندسة مصطلحات متكررة مثل "بيئي" و"مستدام" و"مياه الأمطار" و"المياه العادمة"، مما يدل على أدوار في تصميم أنظمة ممتثلة بيئياً أو تنفيذها أو صيانتها. أما بالنسبة لعمال المهن الحرفية المهرة، فتشير الإشارات إلى "الألواح الشمسية" و"الطاقة المتجددة" إلى أعمال مرتبطة بتركيب التقنيات الخضراء وصيانتها. وتتضمن إعلانات مشغلي المصانع والآلات ومن في حكمهم إشارات إلى مهام لوجستية تتعلق بإدارة المواد القابلة لإعادة التدوير أو الإشراف على عمليات صديقة للبيئة.
أما الرؤية الثانية فتتمثل في أن حضور المهام الخضراء في المهن غير المرتبطة تقليدياً بالوظائف البيئية يتفاوت بين البلدان، وهو ما يظهر جلياً في مهن كعمال الرعاية الشخصية، والعمال في التعدين والبناء والتصنيع والنقل، ومساعدي إعداد الطعام، وعمال جمع النفايات وسائر المهن الأولية. وتسجل البرازيل، على وجه الخصوص، حصصاً خضراء مرتفعة نسبياً في كثير من هذه الأدوار، مما يشير إلى إدماج أوسع نطاقاً للكفاءات البيئية في الوظائف الخدمية والوظائف اليدوية الأقل مهارة. فتذكر إعلانات الشواغر في مجموعة العمال في التعدين والبناء والتصنيع والنقل بالبرازيل، على سبيل المثال، مهاماً مرتبطة بالاستدامة، كالامتثال للمبادئ التوجيهية أو التشريعات المتعلقة بالاستدامة، وإعادة التدوير، كإعداد المواد وتكديسها لإعادة استخدامها، وإدارة المياه والصرف الصحي، كإصلاح الأنابيب أو إزالة انسدادات الشبكات. وفي المقابل، تسجل أوروغواي والمغرب وجنوب أفريقيا حصصاً خضراء أدنى بكثير في المهن ذاتها. وإجمالاً، تبرز هذه الأنماط الحاجة إلى سياسات مهارات مصممة خصيصاً تراعي كلاً من الهياكل المهنية ومسار كل بلد في التحول الأخضر.
4.3.4 ما وراء المهارات الخضراء: المهارات اللازمة للوظائف الخضراء
المهارات الخضراء، كالوعي البيئي والمعرفة التقنية، ضرورية للتحول الأخضر، لكنها لا تشكل سوى جزء من مجموعة المهارات الأوسع المطلوبة. ويستند هذا القسم إلى تعريف الشواغر والمهن الخضراء الوارد آنفاً لدراسة المهارات المحددة التي تتطلبها. فبينما تتطلب الشواغر والمهن الخضراء مهمة خضراء واحدة على الأقل، فإنها تستدعي أيضاً مجموعة أوسع من المهارات، تُعرف بالمهارات اللازمة للوظائف الخضراء، تشمل طيفاً واسعاً من المهارات المعرفية والاجتماعية الوجدانية واليدوية التي تمكّن العمال من التكيف مع التقنيات والعمليات الخضراء، وتُقاس هذه المجموعات الأوسع باستخدام نهج المهارات الشامل المعروض في الفصل الثالث.
وتظهر معظم الأدلة المستقاة من البلدان المرتفعة الدخل أن الوظائف الخضراء تنزع إلى طلب مجموعات مهارات أكثر تعقيداً مقارنة بالوظائف غير الخضراء. فعلى سبيل المثال، تبين دراسات معتمدة على بيانات أمريكية أن المهن الخضراء أكثر كثافة عادة في المهارات التحليلية والتقنية، وتتضمن مهام روتينية أقل، كما أنها تعتمد بصورة أكبر على المهارات التجريدية العليا، كتلك التي تتطلب الاستدلال المنطقي، وترتبط عادة بمستويات أعلى من التعليم والخبرة العملية والتدريب أثناء العمل. وفي المقابل، تخلص أبحاث أخرى إلى أن الفروق بين الوظائف الخضراء وغير الخضراء تقتصر على أبعاد قليلة محددة في المهارات، مما يوحي بأن أغلب عمليات الانتقال إلى الوظائف الخضراء يمكن دعمها من خلال تدريب موجه أثناء العمل. ومع ذلك، لا يزال هناك نقص في المعرفة بشأن هذه الأنماط في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
وللمساهمة في سد هذه الفجوة، يقدم هذا القسم أدلة جديدة من خمسة بلدان لم تُدرَس سابقاً في الأدبيات ذات الصلة. وإدراكاً منه لتفاوت المهارات المطلوبة تفاوتاً كبيراً بحسب المهنة، يركز التحليل على مقارنات داخل المهنة الواحدة، ويفحص حافظات المهارات، أي مجموعة المهارات المعرفية أو الاجتماعية الوجدانية أو اليدوية المطلوبة، للشواغر الخضراء وغير الخضراء ضمن المجموعة المهنية ذاتها في التصنيف الدولي الموحد. وتُدرَس مجموعتان مهنيتان رئيسيتان، هما مجموعة المديرين ومجموعة المهن الأولية.
وتكشف النتائج عن فروق ملحوظة في حافظات المهارات بين الشواغر الخضراء وغير الخضراء. ففي مجموعة المديرين، تتطلب الشواغر الخضراء عموماً مهارات أكثر تقدماً، لا سيما في مجال المهارات المعرفية. ففي المغرب والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي، تُظهر المناصب الإدارية الخضراء طلباً أعلى على المهارات المعرفية المتقدمة، والقدرات المعرفية الأساسية، ومحو الأمية الحاسوبية (أو المهارات الرقمية المتقدمة في حالة الاتحاد الروسي)، ومهارات إدارة المشاريع والعمليات، والكفاءات المالية. كما تسجل هذه الوظائف متطلبات أقوى في المهارات الاجتماعية الوجدانية، لا سيما تلك المرتبطة بالتفاعل الاجتماعي وإدارة الأفراد.
غير أن هناك فروقاً بين البلدان في هذا الصدد؛ ففي المغرب والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا، تتطلب الوظائف الإدارية الخضراء قدراً أكبر من كل نوع تقريباً من المهارات مقارنة بالوظائف غير الخضراء، مع اتساع الفجوة بصورة خاصة في جنوب أفريقيا. وفي المقابل، تظل الفروق في متطلبات المهارات بين الوظائف الإدارية الخضراء وغير الخضراء في البرازيل محدودة للغاية، بل إن الوظائف غير الخضراء تُظهر في بعض الأحيان متطلبات أعلى قليلاً، كما هو الحال في المهارات الحاسوبية والمهارات المعرفية الأساسية والمهارات الاجتماعية الوجدانية.
وتمتد هذه الأنماط إلى المهن الأقل مهارة أيضاً؛ ففي مجموعة المهن الأولية، لا تزال الشواغر الخضراء تنزع إلى طلب مزيج أكثر كثافة من المهارات مقارنة بالشواغر غير الخضراء، وإن كانت الفروق أقل وضوحاً منها في المهن الأعلى مهارة. ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تتطلب الشواغر الخضراء في المهن الأولية مهارات معرفية أساسية ومهارات بدنية أقوى، مما يوحي بأن الأدوار الخضراء قد تضع سقفاً أعلى للكفاءات الوظيفية الأساسية. وبالمثل، تُظهر الشواغر الخضراء في الاتحاد الروسي ضمن هذه المجموعة طلباً أعلى على مهارتي براعة الأصابع وخدمة العملاء. ويسجل المغرب أيضاً فجوات ملحوظة، إذ تتطلب الشواغر الخضراء في المهن الأولية فيه مستويات أعلى من القدرات المعرفية الأساسية وبراعة الأصابع والتناسق بين اليد والقدم والعين، مقارنة بالأدوار غير الخضراء. وأخيراً، تنفرد البرازيل مجدداً بإظهار متطلبات مهارات أعلى للأدوار غير الخضراء في هذه المجموعة المهنية، في حين تبدو متطلبات المهارات للشواغر الخضراء ضئيلة نسبياً.
4.3.5 جودة العمل والإنصاف
في حين تتطلب الشواغر الخضراء عادة مجموعة أوسع، وغالباً أكثر تقدماً، من المهارات، فإن ضمان انتقال عادل يعني أن هذه الشواغر يجب أن توفر أيضاً أجوراً لائقة وظروف عمل جيدة، وهو شرط أساسي لاعتبار الوظيفة خضراء وفقاً لتعريف منظمة العمل الدولية. وتكتسي مثل هذه الظروف أهمية جوهرية لتجنب تفاقم أوجه التفاوت القائمة في سوق العمل.
وتُظهر الأدبيات القائمة، التي تركز أساساً على الاقتصادات المرتفعة الدخل، أنه في حين تختلف الوظائف الخضراء عن الوظائف المحايدة أو "البنية" من حيث المهارات والمتطلبات التعليمية، فإنها تُظهر فروقاً أقل من حيث ظروف العمل. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تنزع الوظائف منخفضة الكربون إلى طلب مستويات مهارات أعلى عبر مجموعة واسعة من الكفاءات، لكن كثيراً منها لا يزال يقدم أجوراً منخفضة نسبياً، لا سيما في القطاعات الخضراء الناشئة. وفي المقابل، وجدت إحدى الدراسات أنه في حين ترتبط الوظائف منخفضة الكربون في الولايات المتحدة بعلاوة أجرية معتبرة، فإن هذه العلاوة تراجعت مع مرور الوقت. وفي غياب سياسات استباقية واستثمارات موجهة، قد يعمق التحول الأخضر إذن أوجه التفاوت القائمة في سوق العمل.
ويسلط هذا القسم الضوء على هذه المسألة في بلدان أقل تمثيلاً في الأدبيات، من خلال مقارنة متوسط الأجور المعلنة للشواغر الخضراء وغير الخضراء في الاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي، مع التركيز على ثلاث مجموعات مهنية واسعة على المستوى الأول من التصنيف الدولي الموحد للمهن (المديرون، والحرفيون المهرة، والمهن الأولية)، اختيرت بحيث تعكس طيفاً متنوعاً من المهن. وتُظهر النتائج أنه بالنسبة للمديرين، تسجل جميع البلدان الثلاثة علاوة أجرية واضحة لصالح الشواغر الخضراء، لا سيما في الاتحاد الروسي وأوروغواي. أما في مهن الحرف المرتبطة، فلا تقدم الشواغر الخضراء أجوراً أعلى إلا في الاتحاد الروسي، بينما لا توجد فروق واضحة بين الشواغر الخضراء وغير الخضراء في جنوب أفريقيا، وتُسجَّل علاوة أجرية لصالح الشواغر غير الخضراء في أوروغواي. وأبرز الأنماط تظهر في المهن الأولية، إذ تقدم الشواغر الخضراء في جنوب أفريقيا أجوراً أعلى بكثير من نظيراتها غير الخضراء، مما يشير إلى أن الأدوار الخضراء ذات المهارات المنخفضة قد ترتبط في بعض السياقات بأجر أفضل، في حين لا يظهر فارق يُذكر في هذه الفئة في الاتحاد الروسي وأوروغواي. وتشير هذه النتائج إلى أنه رغم إمكانية أن تقدم الأدوار الخضراء أجوراً أعلى، فإن وجود هذه العلاوة وحجمها يتوقفان على كل من المهنة والسياق الأوسع لسوق العمل.
وإلى جانب الأجور، قد تختلف الوظائف الخضراء وغير الخضراء في مختلف شروط التوظيف وخصائص العمل. وقد اعتمد باحثون، كما ورد في الفصل الثالث، على الأدبيات التجريبية القائمة وعلى تعديلات خاصة بهم لوضع تصنيف يرصد خصائص العمل غير المرتبطة بالأجر في الشواغر عبر الإنترنت، مستند إلى قاموس قائم على الكلمات المفتاحية، وطُبِّق هذا التصنيف على بيانات الشواغر عبر الإنترنت في البرازيل والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي، باستخدام تقنيات معالجة اللغة الطبيعية المماثلة لتلك المستخدمة في بناء متغيرات المهارات، مما أتاح استكشاف الفروق في خصائص العمل بين الشواغر الخضراء وغير الخضراء.
وتُظهر المقارنة بين مدى انتشار سمات العمل غير المرتبطة بالأجر في الشواغر الخضراء وغير الخضراء، ضمن مجموعتي المديرين والمهن الأولية، أن فرص التطور المهني تبرز باستمرار عبر البلدان والمستويات المهنية بوصفها السمة الأكثر ذكراً في الشواغر الخضراء، مما يعكس تركيزاً على فرص التعلم وتنمية المهارات. وكثيراً ما يقترن ذلك بالإشارة إلى العمل الجماعي وبيئة عمل إيجابية وأثر مجتمعي، مما يوحي بأن الشواغر الخضراء تنزع إلى تعزيز التعاون والشعور بالهدف. ورغم أن هذه الأنماط أكثر وضوحاً بين المهن الإدارية الماهرة، فإنها تمتد أيضاً، وإن بصورة أقل بروزاً، إلى المهن الأولية، لا سيما في جنوب أفريقيا. وفي المقابل، نادراً ما تُذكر الحقوق العمالية ومزايا الحماية الاجتماعية وسمات أخرى، كالمكافآت والعمولات، والعمل بالساعة أو العمل الإضافي، والإجازات مدفوعة الأجر، والأمن الوظيفي، والسلامة في مكان العمل، ومرونة جداول العمل، في الشواغر الخضراء، بصرف النظر عن المستوى المهني.
وخلاصة القول، إن التحول الأخضر يعيد تشكيل كل من متطلبات المهارات وخصائص الوظائف بطرق مهمة. فالشواغر الخضراء تتطلب عادة متطلبات مهارية أعلى، تشمل مجموعة واسعة من الكفاءات، منها المهارات التقنية والمعرفية والاجتماعية الوجدانية واليدوية والمهارات الخضراء المتخصصة، كالوعي البيئي والخبرة في مجال الاستدامة. ومع تسارع وتيرة هذا التحول واتساع حصة الوظائف الخضراء، سيكون تزويد العمال بهذه المهارات أمراً بالغ الأهمية لضمان قدرتهم على التكيف والتوظف ووقايتهم من فقدان وظائفهم. غير أن تطوير المهام الخضراء المتخصصة وإتقانها في مكان العمل لا يزال يسير بوتيرة تدريجية، مما يبرز الحاجة إلى استثمار أكثر استباقية في سياسات المهارات لإعداد العمال لمواجهة المتطلبات المتغيرة لاقتصاد أكثر اخضراراً.
وعلاوة على ذلك، تقدم الوظائف الخضراء، في بعض السياقات، أجوراً أفضل وبعض السمات المرغوبة غير المرتبطة بالأجر، كفرص التطور المهني والعمل الجماعي، غير أن هذه المزايا ليست موحدة عبر البلدان أو المهن؛ فبينما تحقق الشواغر الخضراء علاوات أجرية ملحوظة في بعض المهن، تُظهر مهن أخرى فروقاً محدودة أو معدومة مقارنة بالوظائف غير الخضراء. والجدير بالذكر أن البلدان التي تنخفض فيها الحصة الأولية للوظائف الخضراء لا تستفيد بعد بالقدر ذاته من هذا التحول، ولا تظهر مؤشرات تُذكر على تقليص هذه الفجوة.
وتؤكد هذه الأنماط الحاجة إلى سياسات مهارات موجهة تتجاوز مجرد تعزيز المهارات الخضراء؛ فدعم تنمية كفاءات مرنة وقابلة للتحويل أمر أساسي لضمان وصول أوسع إلى وظائف خضراء جيدة، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. والأهم من ذلك أن هذا الجهد يجب أن يكون شاملاً، بحيث يضمن لجميع الفئات، وبخاصة الأكثر عرضة لخطر التخلف عن الركب، فرصاً متكافئة لاكتساب هذه المهارات. ويتطلب تحقيق ذلك سياسات تعلم مدى الحياة توفر فرصاً مرنة ومستمرة لإعادة تأهيل العمال وتحسين مهاراتهم طوال حياتهم المهنية، بما يمكّنهم من التكيف مع تطور التقنيات الخضراء واحتياجات سوق العمل. وبهذا يمكن للتحول الأخضر أن يحقق في آن واحد الأهداف البيئية ونتائج شاملة ومستدامة في سوق العمل. وكما سيتضح في القسم التالي، تبرز استنتاجات مماثلة في سياق التحول الرقمي.
4.4 المهارات اللازمة للتكيف مع التحول الرقمي
4.4.1 التحول الرقمي وتأثيره في أسواق العمل
شهدت العقود الأخيرة أيضاً توسعاً سريعاً في التقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والروبوتات، والأنظمة المستقلة، وإنترنت الأشياء. وتؤثر درجة تعرض البلدان والصناعات والمهن لهذه التقنيات ومدى تبنيها إياها تأثيراً كبيراً في آثارها على العمالة والمهارات. فارتفاع التعرض والتبني قد يدفع نحو خلق وظائف في القطاعات كثيفة التقنية، بينما يحوّل أو حتى يزيل وظائف في قطاعات أخرى، في حين أن بطء التبني، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، قد يحد من الفرص لكنه قد يقي هذه البلدان أيضاً من آثار سلبية محتملة.
وقد طُوِّرت في الأدبيات مقاييس متنوعة لتقييم التعرض العالمي للتقنيات الرقمية الناشئة عبر البلدان، تهدف عموماً إلى رصد درجة أهمية التقنيات الجديدة بالنسبة لصناعات أو مهن بعينها. وتعتمد بعض المناهج على بيانات استقصائية تتضمن معلومات تفصيلية عن المهام، بينما تعتمد مناهج أخرى على بيانات براءات الاختراع لتحديد كيفية إدماج التقنيات في عمليات الإنتاج أو تأثيرها في المهام المطلوبة لوظائف معينة. والمهم أن آثار التقنيات الرقمية في نتائج العمالة تتوقف على مستوى التعرض لها ومدى تبنيها النهائي، وهو ما يتباين بين البلدان ومجموعات الدخل، وكذلك على عوامل مكمّلة، كتركيبة مهارات القوى العاملة، والممارسات التنظيمية، والمؤسسات والتشريعات التي تحدد كيفية ترجمة هذه التقنيات إلى آثار فعلية.
ولتوضيح التباين بين البلدان في التعرض للتقنيات الرقمية، تُستخدم درجات تعرض متوسطة معتمدة على مقياس يرصد التعرض لأربعين تقنية رقمية ظهرت خلال العقد الماضي، مصنفة ضمن تسع مجموعات من التقنيات الرقمية الناشئة، هي الطباعة الثلاثية الأبعاد، والأنظمة المضمنة، والتنقل الذكي، وخدمات الأغذية، والتجارة الإلكترونية، ونظم الدفع، والخدمات الرقمية، والرؤية الحاسوبية، وتقنيات الصحة. ويستند هذا المقياس إلى أساليب معالجة اللغة الطبيعية، كمحولات الجمل، المطبقة على بيانات براءات الاختراع، ويعكس أهمية هذه التقنيات الأربعين بالنسبة لصناعة معينة، سواء من خلال إدماجها في عمليات الإنتاج أو تعزيزها لمخرجات هذه الصناعة. وقد قُرنت درجات الأهمية هذه بحصص العمالة بحسب الصناعة على المستوى الإداري الفرعي الوطني الأول، باستخدام استقصاءات متناسقة للقوى العاملة والأسر المعيشية من قاعدة بيانات منظمة العمل الدولية للإحصاءات العمالية، لسنوات قريبة من عام 2010، بما يتيح مقارنة متوسط التعرض للتقنيات الرقمية الناشئة بين مجموعات الدخل والمناطق. ولتيسير هذه المقارنة، صُنِّفت المناطق دون الوطنية إلى أرباع بحسب درجة تعرضها، تتراوح بين تعرض منخفض وتعرض مرتفع.
وتتركز المناطق ذات التعرض المرتفع (الربع الرابع) في أجزاء من أمريكا الشمالية، لا سيما الولايات المتحدة وأجزاء من المكسيك، وفي أوروبا، بما يشمل معظم شمالها وغربها وأجزاء من شرقها، وفي أستراليا، وبعض أجزاء أمريكا الجنوبية، خاصة مناطق في الأرجنتين وشيلي. كما تسجل عدة مناطق في غرب آسيا وأجزاء من جنوب أفريقيا تعرضاً مرتفعاً. ويعكس ذلك تركيبة الصناعات السائدة في هذه المناطق دون الوطنية عام 2010، والتي كانت تميل إلى التخصص في قطاعات أكثر تعرضاً للتقنيات الرقمية الناشئة. فعلى سبيل المثال، هيمنت تجارة الجملة والتجزئة إلى جانب قاعدة صناعية معتبرة على العمالة في بانكوك، في حين ركّزت أجزاء من الولايات المتحدة على الخدمات اللوجستية والتقنية كثيفة استخدام الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تتركز المناطق الأقل تعرضاً (الربعان الأول والثاني) في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا وجنوب شرقها، وأمريكا الوسطى، وأجزاء من أوروبا الشرقية، وتواجه كثير من هذه المناطق على الأرجح قيوداً من قبيل محدودية البنية التحتية الرقمية، وتدني معدلات تبني التقنيات، وضعف الاستثمار في التقنيات الناشئة.
ورغم ما يوفره فحص متوسط التعرض للتقنيات الرقمية بين البلدان من معلومات مفيدة، من المهم التمييز بين التعرض للتقنيات الرقمية الناشئة وتبنيها فعلياً، إذ قد تتفاوت مستويات التبني تفاوتاً كبيراً بين البلدان. والمهم أن التعرض والتبني يرتبطان ارتباطاً إيجابياً؛ وحتى حين يتقدم التبني بوتيرة أبطأ من التعرض، فإن الانتشار المتنامي للتقنيات الرقمية وتأثيرها المتزايد يغيران بالفعل عالم العمل تغييراً جوهرياً، بإعادة تشكيل الأدوار الوظيفية التقليدية وتغيير المهارات اللازمة لأدائها. كما يغيّر التحول الرقمي هيكل صناعات بأكملها، من الصناعة التحويلية واللوجستيات إلى التمويل والرعاية الصحية. وفي حين يسود توافق عام على أن التغير التكنولوجي يحمل تبعات عميقة على العمالة، لا يزال نطاق هذه الآثار واتجاهها موضع نقاش متواصل.
ويُقصد بالتعرض العالمي للتقنيات الرقمية مدى تأثر الأفراد والمنشآت والاقتصادات بالابتكارات الرقمية، ويُقاس عادة عبر مؤشرات كانتشار الإنترنت، وتوافر البنية التحتية الرقمية، والوصول إلى المنصات الرقمية، وهو بذلك مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإمكانية تبني التقنيات الرقمية واستخدامها دون أن يضمن انتشارها الفعلي. أما التبني العالمي للتقنيات الرقمية فيشير إلى الإدماج الفعلي للأدوات الرقمية في الأنشطة الاقتصادية، ويُقاس عبر مقاييس كمعدلات أتمتة الأعمال ومدى استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات في مكان العمل، ويتوقف على عوامل كتوافر اليد العاملة الماهرة، والبنية التحتية، والسياسات الداعمة.
وكثيراً ما توجد فجوة بين التعرض والتبني، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث قد يكون التعرض مرتفعاً بينما يبقى التبني محدوداً بسبب نقص الموارد، أو قصور البنية التحتية، أو نقص اليد العاملة الماهرة، أو ضعف الدعم التنظيمي. وفي المقابل، تشهد البلدان المرتفعة الدخل عموماً فجوة أضيق نظراً لتوافر أفضل لهذه الأصول التكميلية. ومع ذلك، غالباً ما يرتبط التعرض للتقنيات الرقمية وتبنيها ارتباطاً إيجابياً؛ فمع ارتفاع التعرض، يميل التبني إلى الارتفاع بصورة متناسبة، إذ تنزع البلدان المرتفعة الدخل، كما هو متوقع، إلى الجمع بين تعرض مرتفع وتبني مرتفع، بينما تسجل البلدان المنخفضة الدخل مستويات أدنى من كليهما.
وتُظهر الأبحاث الأحدث أن آثار تقنيات محددة تتفاوت بحسب السياق؛ ففي البلدان المرتفعة الدخل، أزاحت الروبوتات الصناعية وظائف تصنيعية منخفضة المهارة، لكنها كانت مكمّلة للأدوار العالية المهارة في أوروبا. وفي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، خفف بطء تبني الروبوتات من الآثار المباشرة على العمالة. وفي غضون ذلك، فضّل تبني تقنيات المعلومات والاتصالات عموماً الأدوار المعرفية غير الروتينية العالية المهارة، ووسّع نطاق العمالة الرسمية في قطاعات الخدمات الأفريقية، وأعاد تشكيل الطلب على العمالة في البرازيل وشيلي على سبيل المثال.
كما أفرزت تقنيات الأتمتة ديناميكيات معقدة في أسواق العمل، لا سيما في البلدان المرتفعة الدخل؛ ففي الولايات المتحدة، نزعت أتمتة قطاع الخدمات إلى تعزيز العمالة إجمالاً، بينما أظهرت الدراسات أن أتمتة الصناعة التحويلية قلصت العمالة، سواء في الولايات المتحدة أو في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وقد أثرت هذه الآثار بصورة غير متناسبة في العمال ذوي المؤهلات المنخفضة، الذين واجهوا مخاطر أعلى لفقدان وظائفهم بسبب الأتمتة مقارنة بنظرائهم ذوي المهارات العالية.
وأخيراً، يمثل ظهور الذكاء الاصطناعي تحولاً مهماً آخر. ففي حين تنامت المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر بصورة متزايدة في المهام التي يؤديها تقليدياً كل من العمال ذوي المهارات العالية والعمال المبتدئين، تشير الأدلة الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي ينزع، بدلاً من إحلال الوظائف بصورة كاملة، إلى إعادة هيكلة المهام داخل الوظائف نفسها، وهو ما يستلزم مزيجاً جديداً من المهارات قد يقلل من التوظيف في بعض الأدوار غير المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ولا تتسم هذه الآثار الناجمة عن التغير التكنولوجي بالتجانس؛ فقد شهدت البلدان المرتفعة الدخل إزاحة وظيفية واستقطاباً أسرع، في حين أخّر بطء التبني في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، الناجم عن اختلاف البنية الصناعية ومهارات القوى العاملة والوصول الرقمي، كلاً من المخاطر والمنافع على حد سواء. كما تُظهر الأدلة الحديثة أن الآثار تتباين تبايناً كبيراً بحسب نوع التقنية. ورغم أن الأدبيات القائمة توفر رؤى قيّمة بشأن الآثار العمالية لتقنيات بعينها، لا سيما في البلدان المرتفعة الدخل، فإنها غالباً ما تركز على مجموعات ضيقة من التقنيات، كالروبوتات أو الذكاء الاصطناعي، أو على جغرافيات محدودة أو قطاعات بعينها. ولا يزال هناك نقص كبير في المعرفة بشأن الآثار العمالية الأوسع للتعرض للتقنيات الرقمية الناشئة في سياقات اقتصادية متنوعة، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ولسد هذه الفجوة، يعتمد هذا الفصل على مؤشر التعرض التقني السابق ذكره، ويستند إلى نهج قائم على متغيرات أداتية وحصص التحول لتقدير الأثر السببي للتعرض للتقنيات الرقمية على نتائج العمالة، اعتماداً على مجموعة بيانات واسعة وممثلة عالمياً.
وتشير النتائج إلى أن ارتفاع التعرض للتقنيات الرقمية الناشئة يرتبط في المتوسط بأثر إيجابي في نسب العمالة إلى السكان في سن العمل (15 عاماً فأكثر)، خلال الفترة من عام 2014 إلى عام 2019 (وقد اقتصر التحليل على هذه الفترة تفادياً للعوامل المرتبطة بجائحة كوفيد 19 وتأثيرها في العمالة والسكان). غير أن هذه الآثار ليست موحدة بين مجموعات دخل البلدان أو المناطق. فأولاً، تتفاوت البلدان في متوسط مستوى تعرضها؛ إذ تسجل البلدان المنخفضة الدخل أدنى متوسط تعرض للتقنيات الرقمية الناشئة (0.50)، بينما تسجل البلدان المرتفعة الدخل أعلى متوسط (0.76). وثانياً، هناك تباين في التعرض بين المناطق دون الوطنية ضمن المجموعة الواحدة، كالتباين داخل البلدان المنخفضة الدخل أو داخل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ولمراعاة اختلاف مستويات التعرض الأساسية بين البلدان، ركز التحليل على التفاوتات النسبية بين المناطق دون الوطنية ضمن كل مجموعة، بحيث قيست آثار التعرض للتقنيات الرقمية على العمالة دون الوطنية نسبة إلى الانحراف المعياري داخل المجموعة.
وتُظهر النتائج أن البلدان المنخفضة الدخل سجلت أكبر مكاسب في العمالة، بارتفاع بلغ 1.39 نقطة مئوية خلال فترة السنوات الخمس مقابل تغير قدره انحراف معياري واحد ضمن المجموعة في التعرض الرقمي، تلتها البلدان المرتفعة الدخل ثم البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، في حين سجلت الاقتصادات المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا أضعف نمو. ويمكن تفسير ذلك بأن التحول الرقمي في البلدان المنخفضة الدخل غالباً ما يكون في مرحلة انتشار مبكرة، ويتركز في تقنيات مكمّلة معززة للعمل، كخدمات الهاتف المحمول، وتمكين التجارة الإلكترونية، ومنصات الدفع، ورقمنة الخدمات اللوجستية. وعلى المستوى دون الإقليمي، سجلت أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أكبر المكاسب، بارتفاع نسب العمالة إلى السكان بمقدار 1.17 نقطة مئوية خلال السنوات الخمس، تلتها شمال أفريقيا بزيادة معتبرة بلغت 0.51 نقطة مئوية، ثم أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (0.46 نقطة مئوية)، وشمال أوروبا وجنوبها وغربها (0.45 نقطة مئوية)، وأوروبا الشرقية (0.44 نقطة مئوية). وسجلت أمريكا الشمالية وجزر المحيط الهادئ ووسط آسيا وغربها تحسنات معتدلة (0.39 و0.36 و0.24 نقطة مئوية على التوالي)، في حين لم تشهد الدول العربية سوى تغير طفيف (0.09 نقطة مئوية)، بينما سجلت بعض مناطق آسيا تراجعاً في نسب العمالة إلى السكان، إذ انخفضت في شرق آسيا بمقدار 0.55 نقطة مئوية وفي جنوب شرق آسيا بمقدار 0.35 نقطة مئوية. وتبرز هذه النتائج الطابع غير المتجانس لآثار التحول الرقمي على العمالة، إذ إنه رغم إيجابية الأثر الصافي عموماً، لا تزال حالات فقدان الوظائف والإزاحة الوظيفية واضحة في سياقات عديدة.
وعند التفصيل بحسب الجنس والعمر ومستوى التعليم ضمن مجموعات الدخل، تبرز أنماط متمايزة عدة؛ ففي البلدان المنخفضة الدخل، كان للتعرض الرقمي أثر قوي وشامل، إذ ارتفعت نسب العمالة إلى السكان بمقدار 0.86 نقطة مئوية للنساء و0.53 نقطة مئوية للرجال، مع مكاسب معتبرة أيضاً بين الشباب (من 15 إلى 24 عاماً) والعمال في سن الذروة (من 25 إلى 54 عاماً). ومن اللافت أن الأفراد ذوي المستوى التعليمي المنخفض استفادوا أكثر من غيرهم (بارتفاع بلغ 1.63 نقطة مئوية)، في مقابل تراجع بين ذوي المستوى التعليمي المتوسط (بانخفاض قدره 0.26 نقطة مئوية)، وهو ما يوحي بأن التحول الرقمي في هذه السياقات قد يرتبط بتوسع العمل الرقمي المنخفض المهارة بدلاً من العمالة كثيفة التقنية العالية المهارة. أما في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، فكانت الآثار طفيفة عبر جميع الفئات. وفي المقابل، أظهرت البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا والبلدان المرتفعة الدخل مكاسب معتدلة وأكثر توزعاً، مع ارتفاع في نسب العمالة إلى السكان بين الرجال وكذلك بين العمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض والمرتفع على حد سواء، مما يوحي باستقطاب في سوق العمل.
وعلى المستوى دون الإقليمي، تُظهر بعض المناطق مكاسب عمالية شاملة نسبياً من التعرض الرقمي؛ ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، سُجلت آثار إيجابية عبر فئات الجنس والعمر والتعليم، مع مكاسب أقوى للنساء (0.76 نقطة مئوية) وللعمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض (1.52 نقطة مئوية). كما أظهرت شمال أفريقيا اتجاهات شاملة، مع زيادات ملحوظة بين ذوي المستوى التعليمي المنخفض (0.52 نقطة مئوية) وآثار متوازنة نسبياً عبر الفئات العمرية. واتبعت أوروبا نمطاً مختلفاً إلى حد ما، إذ استفاد كل من ذوي المستوى التعليمي المنخفض والمرتفع على حساب ذوي المستوى التعليمي المتوسط. وأظهرت مناطق أخرى آثاراً أكثر تركزاً أو تبايناً؛ ففي أمريكا الشمالية، كانت المكاسب معتدلة لكنها انحازت نحو النساء (0.32 نقطة مئوية)، والعمال في سن الذروة (0.38 نقطة مئوية)، وذوي المستوى التعليمي المرتفع (0.62 نقطة مئوية). وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، تركزت المنافع أساساً بين الرجال ذوي المستوى التعليمي المرتفع. وسجلت الدول العربية مكاسب عمالية طفيفة تركزت في معظمها بين الرجال والعمال في سن الذروة وذوي المستوى التعليمي المرتفع، مما يوحي بنمط أقل شمولاً. وأخيراً، شهد شرق آسيا وجنوب شرقها تراجعاً في العمالة، لا سيما بين العمال في سن الذروة وكبار السن وذوي المستوى التعليمي المنخفض أو المتوسط.
وإجمالاً، تشير هذه النتائج إلى أنه رغم قدرة التحول الرقمي على توليد مكاسب صافية في العمالة، فإن هذه المنافع موزعة توزيعاً غير متكافئ بين المناطق والفئات، وقد تخفي وراءها خسائر وظيفية لشرائح معينة من القوى العاملة. كما تشير الأدلة إلى أن النتائج الإجمالية قد تُخفي تبايناً في الآثار بين أنواع مختلفة من التقنيات الرقمية.
4.4.2 المهارات باعتبارها عاملاً للصمود
لا يقتصر التحول الرقمي على إعادة تشكيل أسواق العمل وتغيير الطلب على المهارات، بل يتشكل هو ذاته أيضاً بفعل المهارات المتوافرة داخل القوى العاملة. فمع تطور الوظائف وظهور مهام جديدة، يتعين على العمال والمنشآت تكييف كفاءاتهم وفقاً لذلك. وفي الوقت نفسه، يمكن لتزويد العمال بالمزيج المناسب من المهارات أن يؤثر في الكيفية التي يواجهون بها، هم ومناطقهم، التغير الرقمي، سواء بفتح آفاق فرص جديدة أو بالحد من خطر الإقصاء. لذا فإن تحديد المهارات المحددة التي تمكّن العمال من مواجهة هذه الظروف المتغيرة أمر أساسي، وهو ما يكتسي أهمية خاصة في مساعدة العمال المسرَّحين على الانتقال إلى القطاعات والأدوار الناشئة. وقد أثبتت المهارات الأساسية والقدرة على التكيف والالتزام بالتعلم مدى الحياة أهميتها الحاسمة في الأزمات الأخيرة، ولا تزال ضرورية لبناء أسواق عمل قادرة على الصمود، فضلاً عن أن بعض مجموعات المهارات يمكن أن تحسّن نتائج التوظيف تحسيناً كبيراً كما بيّن الفصل الثالث.
ولتقييم الكيفية التي تتوسط بها المهارات آثار التعرض الرقمي، يفحص التحليل كيفية تفاوت أثر هذا التعرض تبعاً لتركيبة المهارات الأساسية للمهن على المستوى الإداري الفرعي الوطني الأول. وتُحسب تركيبة المهارات بالجمع بين كثافة المهارة في كل مهنة، أي الأهمية النسبية لكل مهارة ضمن مهنة معينة، وحصص العمالة المهنية في كل وحدة دون وطنية. وتُستمد كثافة المهارات المهنية من بيانات الشواغر الوظيفية عبر الإنترنت في البرازيل والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وأوروغواي، وتُبنى مقاييس المهارات هذه باستخدام نهج المهارات الشامل المعروض في الفصل الثالث.
ويلقي هذا التحليل ضوءاً جديداً على كيفية تخفيف بعض المهارات للآثار السلبية للتعرض الرقمي على نسبة العمالة إلى السكان، أو تعزيزها للآثار الإيجابية، بهدف فهم ما إذا كانت أنواع معينة من المهارات تجعل المناطق دون الوطنية أكثر صموداً أو أكثر هشاشة إزاء التغير التكنولوجي.
وتبين النتائج أن عدداً من المهارات المعرفية يؤدي دوراً أساسياً في توسط الآثار العمالية للتعرض الرقمي؛ فالمناطق دون الوطنية التي تتسم بتركز أعلى للوظائف التي تتطلب مهارات مالية وحاسوبية ومعرفية متقدمة، ومهارات كتابية، ومهارات معرفية أساسية كالاستدلال المنطقي وحل المشكلات ومحو الأمية الرقمية، تنزع إلى تحقيق نتائج عمالية أفضل عند تعرضها للتقنيات الرقمية. والمهم أن هذه الآثار تظل قائمة حتى بعد ضبط أثر التركيبة التعليمية العامة للقوى العاملة، مما يشير إلى أن التعليم، وإن كان أساساً ضرورياً، فإن مزيج المهارات المحدد هو الذي يحدد النتائج في نهاية المطاف. وبالمثل، تنزع المناطق دون الوطنية التي يرتفع فيها الطلب على مهارات إدارة المشاريع والعمليات إلى أن تكون أفضل استعداداً للتكيف مع التعرض الرقمي، ربما لأن هذه المهارات تعزز المرونة التنظيمية والقدرة على حل المشكلات اللازمتين لتعديل سير العمل عند إدخال تقنيات جديدة. وتؤكد هذه النتائج فكرة أن مهارات التواصل والتنظيم والتنسيق المتقدمة تشكل عناصر تكميلية قيّمة للتقنية.
ومن اللافت أنه رغم ملاحظة هذه الآثار التوسطية الإيجابية عبر جميع مستويات دخل البلدان، فإنها أقوى في البلدان المرتفعة الدخل، وقد يعود ذلك إلى بيئات مؤسسية أكثر دعماً، بما في ذلك تحسن الوصول إلى البنية التحتية الرقمية ونظم التدريب ومنظومات الابتكار.
والمهم أيضاً أن مدى توسط المهارات للآثار العمالية للتعرض الرقمي يتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب مستويات تعليم العمال ضمن مجموعات دخل البلدان؛ فترتبط معظم المهارات المعرفية بنتائج عمالية إيجابية، لا سيما للعمال ذوي المستوى التعليمي المتوسط والمرتفع في البلدان المرتفعة الدخل، وللعمال ذوي المستوى التعليمي المرتفع في السياقات المتوسطة الدخل من الشريحة العليا. وتتسق هذه النتيجة مع فكرة أن التقنيات الرقمية تميل إلى تكميل عمل العمال ذوي المستوى التعليمي المتوسط والمرتفع حين تتطلب الوظائف المحلية مهارات معرفية قوية، لأن هؤلاء العمال أقدر على التكيف مع ترقية المهام والاستفادة من التقنيات التكميلية. أما في البلدان المنخفضة الدخل، فتنزع المناطق شديدة التعرض التي تضم حصة مرتفعة من الوظائف التي تتطلب مهارات معرفية إلى تحقيق مكاسب في العمالة بين العمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض والمتوسط، في حين يبدو العمال ذوو المستوى التعليمي المرتفع أكثر عرضة لخطر الإزاحة الوظيفية، وقد يعكس هذا النمط أن التعرض الرقمي في هذه السياقات لا يزال في مرحلة مبكرة، إذ يستحدث أو يحوّل في البداية وظائف تعتمد على مهارات معرفية أساسية أو متوسطة بدلاً من توليد عدد كافٍ من الأدوار العالية المستوى.
غير أن ليست كل المهارات المعرفية مفيدة على قدم المساواة؛ فالمناطق دون الوطنية التي ترتفع فيها حصة الوظائف التي تتطلب مهارات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، أو المهارات البرمجية والتقنية، تنزع إلى أداء أضعف من حيث نمو العمالة عقب التعرض الرقمي. كما تتبع هذه المهارات الرقمية المتخصصة نمطاً مختلفاً فيما يتعلق بالفئات التعليمية المتأثرة بها؛ ففي البلدان المرتفعة الدخل، ترتبط هذه المهارات بآثار عمالية إيجابية للعمال ذوي المستوى التعليمي المتوسط والمرتفع، حيث تشكل هذه المهارات عناصر مكمّلة لتقنيات إنتاج وعمليات تنظيمية ناضجة رقمياً بالفعل. وفي المقابل، في السياقات المنخفضة الدخل، حيث لا تزال هذه التقنيات ناشئة، ترتبط هذه المهارات بإزاحة وظيفية لكل من العمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض والمرتفع، بينما يحقق ذوو المستوى التعليمي المتوسط مكاسب في العمالة، بما يعكس آلية استقطاب ذات استيعاب محدود للمهارات العالية. وقد تشير هذه الأنماط إلى وجود عدم تطابق بين تنامي الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة ومدى استعداد القوى العاملة التي قد تفتقر إلى الكفاءات المحددة المطلوبة، وإن كان التحليل لم يختبر هذا النوع من عدم التطابق مباشرة، كما قد تعكس هذه الأنماط أن البيانات تسبق زمنياً الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي ينزع إلى إعادة تشكيل المهام داخل الوظائف بدلاً من إزاحة العمالة إزاحة كاملة. وفي كلتا الحالتين، تبرز هذه النتائج أهمية وضع استراتيجيات للمهارات الرقمية تراعي السياق وتتماشى مع هياكل سوق العمل المحلية والحقائق التكنولوجية المتطورة.
أما الآثار التوسطية للمهارات الاجتماعية الوجدانية فهي عموماً أصغر حجماً وأقل وضوحاً في أنماطها بين مجموعات دخل البلدان. وتبرز مهارة إدارة الأفراد بوصفها عاملاً توسطياً إيجابياً في كل من البلدان المنخفضة والمرتفعة الدخل، مما يوحي بأن الأدوار التي تنطوي على تنسيق الفرق والمسؤوليات الإشرافية تكمّل التغير التكنولوجي. وفي المقابل، ترتبط مهارتا خدمة العملاء والتفاعل الاجتماعي بنتائج عمالية أضعف في كل من البلدان المنخفضة والمرتفعة الدخل. غير أنه عند التمييز بحسب المستوى التعليمي للقوى العاملة، تُظهر معظم هذه المهارات أثراً توسطياً إيجابياً بالنسبة للعمال ذوي المستوى التعليمي المتوسط في البلدان المرتفعة الدخل، وهو ما يعكس على الأرجح تكامل هذه المهارات التفاعلية مع التقنية وإمكانية تعزيزها بدلاً من إحلالها في الأدوار المتجهة بصورة متزايدة نحو الخدمات.
وأخيراً، لا تتسم آثار المهارات اليدوية بالتجانس عبر السياقات؛ ففي البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا والبلدان المرتفعة الدخل، ترتبط المهارات اليدوية بمكاسب عمالية للعمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض، لكنها ترتبط بآثار سلبية للعمال ذوي المستوى التعليمي المتوسط والمرتفع، وهو نمط يوحي بوجود عدم تطابق بين مستويات المؤهلات ومتطلبات المهام؛ فبينما يستمر الطلب على بعض المهام اليدوية غير القابلة للأتمتة التي يؤديها عادة العمال ذوو المستوى التعليمي المنخفض، قد يعاني العمال ذوو المستوى التعليمي المتوسط والمرتفع ممن يمتلكون حافظات مهارات يدوية من الإزاحة الوظيفية. وفي المقابل، في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، ترتبط المهارات اليدوية بآثار عمالية سلبية للعمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض والمتوسط، بينما يميل العمال ذوو المستوى التعليمي المرتفع إلى الاستفادة منها. ويعكس هذا النمط على الأرجح فروقاً بنيوية في محتوى المهام ومدى تبني التقنية؛ فبين العمال الأقل تعليماً، تتركز المهارات اليدوية غالباً في وظائف روتينية كثيفة الجهد البدني وأكثر عرضة للأتمتة أو النقل إلى الخارج أو العمل غير المنظم. أما العمال ذوو المستوى التعليمي المرتفع الذين يمتلكون كفاءات يدوية، فيُرجَّح أن يعملوا في مهام متخصصة أو دقيقة أو مكمّلة للتقنية، كما في الصناعة التحويلية المتقدمة أو التقنيات الطبية أو صيانة المعدات المتطورة، حيث تكمّل البراعة اليدوية والمعرفة التقنية الأدوات الرقمية بدلاً من أن تنافسها.
وإجمالاً، يؤكد هذا التحليل أن الآثار العمالية للتعرض للتقنيات الرقمية ليست موحدة، بل تتوسطها بقوة تركيبة المهارات الأساسية للقوى العاملة. فلا توفر جميع المهارات القدر ذاته من الحماية إزاء التعرض الرقمي؛ فبينما تؤدي مهارات معرفية واجتماعية وجدانية عدة، لا سيما محو الأمية المالية، والاستخدام الحاسوبي، والقدرات الاستدلالية الأساسية، وإدارة الأفراد، دوراً محورياً في تمكين المناطق دون الوطنية من ترجمة التعرض الرقمي إلى مكاسب في العمالة، فإن هذه الآثار تتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب مستوى دخل البلد والتحصيل التعليمي ونوع المهارة. غير أن المهارات الرقمية الأكثر تخصصاً، كالتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي والكفاءات البرمجية، تمثل سلاحاً ذا حدين؛ ففي البلدان المرتفعة الدخل، ترتبط بآثار إيجابية للعمال ذوي المستوى التعليمي المرتفع على حساب العمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض، بينما ترتبط في البلدان المنخفضة الدخل بإزاحة وظيفية تطال كلاً من العمال ذوي المستوى التعليمي المنخفض والمرتفع. ويبرز ذلك كيف يمكن لتفاوت الجاهزية الرقمية بين السياقات، ولمستوى استعداد القوى العاملة المحلية، أن يحدد ما إذا كانت المهارات المتقدمة ستفضي إلى فرصة أو إلى إقصاء.
وتؤكد هذه النتائج أهمية تجاوز سياسات التعليم العامة نحو وضع سياسات مهارات موجهة تراعي السياق وتستجيب لوتيرة التعرض الرقمي وطبيعته؛ فضمان تحول رقمي شامل لن يتوقف فقط على توسيع نطاق الوصول إلى التقنية وتحسين المهارات الرقمية، بل أيضاً على بناء المزيج الصحيح من المهارات الذي يمكّن جميع العمال، وبخاصة أكثرهم هشاشة، من الاستفادة من هذه التحولات.
4.5 الخلاصة
استعرض هذا الفصل الكيفية التي تعيد بها التحولات العالمية، وفي مقدمتها التحولات الديمغرافية والتحول الأخضر والتحول الرقمي، تشكيل عالم العمل، بهدف بحث ثلاثة تحديات مترابطة وحاسمة في مجال المهارات. فأولاً، يبرز التركيز على تنامي الطلب على أعمال الرعاية نتيجة شيخوخة السكان مسألة التقييم المتدني للمهارات، لا سيما في القطاعات المولّدة لقيمة اجتماعية، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تحول جوهري في الطريقة التي تعترف بها المجتمعات والأسواق بحافظات مهارات العمال الكاملة وتكافئها. وثانياً، يبيّن كل من التحول الأخضر والتحول الرقمي أن المهارات التقنية المرتبطة مباشرة بكل تحول ضرورية لكنها غير كافية بمفردها، إذ يتطلب بناء قوى عاملة قادرة على التكيف مع التغيرات السريعة في سوق العمل حافظات مهارات متنوعة تجمع بين المهارات الأساسية والتقنية، عبر المجالات المعرفية والاجتماعية الوجدانية واليدوية، بما يضمن أن يكون كل من التحول الأخضر والتحول الرقمي شاملين وعادلين. وثالثاً، يؤكد تحليل التحول الرقمي كيف تتوسط المهارات آثار التغير التكنولوجي، بما يحدد ما إذا كان التعرض الرقمي يفضي إلى خلق وظائف أم إلى إزاحتها، ويبيّن التحليل أيضاً أي مجموعات المهارات أكثر فاعلية، وذلك بحسب مستوى دخل البلد والخلفية التعليمية والمهارية لقوته العاملة.
وبمزيد من التفصيل، فإن أحد الانعكاسات المباشرة للتغيرات الديمغرافية، وبخاصة شيخوخة السكان، هو تنامي الطلب على أعمال الرعاية. ويمكن لهذا القطاع الذي تهيمن عليه النساء عادة أن يوفر فرص عمل لائق، غير أن مهارات العاملين فيه، وبخاصة المهارات الاجتماعية الوجدانية، كثيراً ما تظل غير مقدَّرة بما يكفي. ولا تتطلب تلبية الطلب المتنامي على أعمال الرعاية استثماراً في التدريب المتخصص فحسب، بل تستلزم أيضاً اعترافاً مجتمعياً أوسع بمهارات عمال الرعاية وبإسهامهم الجوهري في القيمة الاجتماعية، بما يتجاوز ما يمكن قياسه مباشرة. وتشمل المبادرات المطلوبة تعزيز منح شهادات المهارات المناسبة، وتحسين ظروف العمل، وتقوية الحماية الاجتماعية، وإعادة تأكيد مسؤولية الدولة عن توفير الرعاية وتمويلها وتنظيمها وضمان جودتها، على النحو الذي أقره قرار منظمة العمل الدولية لعام 2024 بشأن العمل اللائق واقتصاد الرعاية.
أما التحول الأخضر، فيعيد تشكيل ليس فقط القطاعات التي تُستحدث فيها الوظائف، بل أيضاً حافظات المهارات التي تتطلبها هذه الوظائف. وكما بيّن هذا الفصل، يستدعي التحول الأخضر مزيجاً واسعاً من المهارات، الأساسية منها والتقنية، عبر المجالات المعرفية والاجتماعية الوجدانية واليدوية، إضافة إلى المهارات الخضراء المتخصصة. غير أن تطوير هذه المهارات وإدماجها في مكان العمل يبقيان محدودين في كثير من البلدان. علاوة على ذلك، فإن المزايا المرتبطة بالوظائف الخضراء، كتحسن الأجور وظروف العمل، موزعة توزيعاً غير متكافئ؛ فبينما تحقق الشواغر الخضراء علاوات أجرية ملحوظة في بعض البلدان والمهن، فإنها لا تُظهر في بلدان ومهن أخرى سوى ميزة ضئيلة أو معدومة مقارنة بالأدوار غير الخضراء. وتؤكد هذه الأنماط الحاجة إلى سياسات مهارات موجهة تتجاوز مجرد تعزيز المهارات الخضراء، بحيث تدعم أيضاً العمال في القطاعات كثيفة الكربون وتعالج احتياجات الفئات الضعيفة والمناطق الأقل حظاً.
وأخيراً، وفي حين يمكن للتحول الرقمي أن يدعم نمو العمالة، فإن آثاره تتوقف على المهارات المتوافرة داخل القوى العاملة. فالمهارات المعرفية والاجتماعية الوجدانية، كمحو الأمية المالية، والاستخدام الحاسوبي الأساسي، والمهارات المعرفية الأساسية، وإدارة الأفراد، أساسية لترجمة التعرض الرقمي إلى مكاسب عمالية شاملة. في حين تُظهر المهارات الرقمية المتقدمة، كتلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، آثاراً أكثر تبايناً، إذ يتوقف تأثيرها على النضج التكنولوجي للبلد، ونوع التقنية المتبناة، ومدى استعداد القوى العاملة لإدماج هذه المهارات. والأهم من ذلك أن الاقتصار على الذكاء الاصطناعي أو غيره من المهارات الرقمية المتخصصة لا يكفي، إذ تتطلب الوظائف بصورة متزايدة هذه المهارات التقنية مقترنة بمهارات معرفية واجتماعية وجدانية أخرى، كما بيّن الفصل الثالث. وتبرز هذه الأنماط الحاجة إلى استراتيجيات مهارات تراعي السياق وتتجاوز التعليم العام، من أجل بناء مهارات متنوعة ومتكاملة تمزج بين القدرات الرقمية والمعرفية والاجتماعية الوجدانية، بما يمكّن العمال والمنشآت من التكيف مع وتيرة التغير الرقمي وطبيعته. ومع استمرار التطور السريع للتقنيات، يظل الرصد المتواصل والتحليل المحدَّث أمرين لا غنى عنهما لالتقاط الاتجاهات الجديدة واحتياجات المهارات الناشئة.
