استكشاف التعلم مدى الحياة: تاريخ ومفاهيم تعزيز المهارات
يشمل التعلم مدى الحياة جميع أنشطة التعلم التي يخوضها الفرد أو تخوضها الجماعات طوال حياتهم، سواء وقعت في سياقات تعليمية أو مهنية أو أسرية أو اجتماعية أخرى. ويهدف هذا التعلم إلى تنمية المعارف والمهارات والمواقف أو السلوكيات المفضية إلى مزيد من التعلم، بما يستجيب لتطلعات الأفراد والجماعات وكذلك لاحتياجات الاقتصاد الأوسع، بصرف النظر عما إذا كان هذا التعلم يفضي إلى شهادات أو مؤهلات رسمية أم لا.
ورغم أن هذا التقرير ينطلق من ولاية منظمة العمل الدولية التي تركز أساسا على التعلم داخل عالم العمل، فإنه يقر أيضا بأن التعلم مدى الحياة يمتد ليشمل جميع مراحل الحياة ومجالاتها. ولإرساء أساس مفاهيمي متين، يعتمد الفصلان الأول والثاني منظورا واسعا يستكشف التعلم مدى الحياة من زاوية التعليم والعمل والمجتمع الأوسع معا. وبما أن الفجوات في الوصول إلى التعلم مدى الحياة تبدو أشد وضوحا في عالم العمل، وبما أن التحولات الكبرى الجارية في عالم العمل تطرح تحديات خاصة أمام تنمية مهارات العمال والمؤسسات، فإن الفصول اللاحقة تضيق نطاق التركيز لتنصب على التعلم داخل عالم العمل، وتبحث كيف يسهم هذا التعلم في تنمية القوى العاملة وتعزيز شمولها وقدرتها على الصمود. وتماشيا مع نهج منظمة العمل الدولية، يحلل التقرير الأنواع المختلفة من التعلم، أي الرسمي وغير النظامي وغير الرسمي، والعوائق التي يواجهها الأفراد والمؤسسات على حد سواء في الوصول إلى فرص التعلم مدى الحياة أو دعمها أو توفيرها، كما يستكشف كيف يستجيب التعلم مدى الحياة لديناميكيات سوق العمل مع إيلاء اهتمام خاص لتنمية مهارات العمال.
غير أن نطاق التعلم مدى الحياة أوسع من ذلك بكثير، فهو يشمل جميع أشكال التعلم منذ الطفولة المبكرة وحتى مرحلة الرشد، متجاوزا احتياجات مكان عمل بعينه أو قطاع أو مهنة محددة. ويمتد هذا النطاق إلى أهداف مجتمعية أرحب، لا سيما ما يتصل بالمواطنة الفاعلة والتنظيم الجماعي، والاندماج الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، وتصحيح الاختلالات في فرص الناس، سعيا إلى كسر الحلقة التي تتوارثها الأجيال من الفقر ومعالجة أوجه التفاوت بين الجنسين. وبهذا المعنى، يشكل التعلم مدى الحياة هدفا متعدد الأبعاد يتجاوز حدود سياسات التعليم والتدريب وحدها، إذ ينبغي أن يتضمن آليات توفر للعمال ما يلزمهم من وقت ودعم مالي للتعلم، وتساعدهم على تلبية احتياجات أخرى. ولهذا يجب أن يندمج التعلم مدى الحياة استراتيجيا مع سياسات أخرى، مثل الحماية الاجتماعية والتشغيل وسياسات سوق العمل النشطة، بما يدعم العمال خلال مختلف التحولات التي يمرون بها على امتداد مسيرتهم المهنية.
كما أن التعلم مدى الحياة مفهوم متطور وديناميكي يستجيب للتحديات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة، ويعكس أولويات السياسات الراهنة. فالنقاش حول التعلم مدى الحياة ليس جديدا، لكنه اكتسب زخما متجددا في السنوات الأخيرة. ذلك أن وتيرة التغير التكنولوجي المتسارعة المدفوعة بالتحول الرقمي، إلى جانب التحول نحو اقتصادات أكثر استدامة بيئيا، وهو ما يشار إليه بمصطلح التحول المزدوج، تؤكد الحاجة إلى عرض مرن لتنمية المهارات يتيح للعمال التنقل بين مراحل العمل والتعلم بطرق غير خطية على امتداد دورة حياتهم. ومن شأن مسارات التعلم المرنة هذه أن تعالج بفعالية فجوات المهارات، وأن تحد من تقادم مهارات العمال ذوي الخبرة، وأن تخفف من حدة عدم التوافق بين المهارات، خصوصا لدى الشباب المتعلمين. كذلك أثار شيخوخة السكان وما يترتب عليها من إطالة الحياة المهنية في أنحاء عديدة من العالم مخاوف جديدة، وسلط الضوء على أهمية دمج التعلم مدى الحياة عبر كامل دورة الحياة.
يهدف هذا الفصل الأول إلى تعميق فهم تعقيدات التعلم مدى الحياة وأهميته في زماننا الراهن. فيتتبع القسم 1.2 التطور التاريخي لمفهوم التعلم مدى الحياة، حتى قبل أن يظهر هذا المصطلح نفسه، ويستعرض كيف تبلور هذا المفهوم داخل منظمة العمل الدولية. وانطلاقا من هذا السياق التاريخي ومن تعدد وجهات النظر بشأن التعلم مدى الحياة، يطور القسم 1.3 التعريف المذكور أعلاه بما يتسق مع روح صكوك منظمة العمل الدولية وأهدافها، ليكون هذا التعريف الواسع بمثابة دليل تأسيسي لتفعيل مفهوم التعلم مدى الحياة على أرض الواقع. وبناء على هذا الأساس، يعرض الفصل إطارا مفاهيميا يمكن أن يستخدمه الباحثون وواضعو السياسات في سياقات متعددة، ويتمحور حول ثلاثة مجالات هي التعليم والتمدرس، وعالم العمل، والتعلم المجتمعي الأوسع. ويختتم القسم 1.4 الفصل باستكشاف تطور نظم التعلم مدى الحياة وتنوع تكيفاتها بحسب الفوارق الإقليمية والاقتصادية.
1.2. التطور التاريخي لمفهوم التعلم مدى الحياة
منذ فجر البشرية، دأبت الأجيال الأكبر سنا على نقل المعلومات والمهارات والمعارف إلى الأجيال الأصغر، لكن التعلم لم يقتصر على هذا الاتجاه العمودي، بل جرى أيضا بين الأقران وداخل المجتمعات وعبر الفئات العمرية المختلفة. وكان هذا النقل شفهيا في معظمه طوال حقب طويلة من التاريخ، إذ غلب على التعلم طابع غير رسمي أو عرضي، يتم من خلال أنشطة العمل والملاحظة والحياة الجماعية والأسرية. غير أن التعلم اتخذ أيضا أشكالا أكثر تنظيما، مثل التعبيرات الثقافية الطقسية أو النقل المنهجي لمهارات حرفة بعينها كما هو الحال في نظم التلمذة الحرفية التقليدية. ومع مرور الزمن، طورت المجتمعات في مختلف أنحاء العالم أساليب لتنظيم التعلم، جامعة بين الأساليب غير الرسمية والتعليم والتدريب المؤسسي الرسمي الذي توفره جهات عامة وخاصة.
وقد أرست مجتمعات مختلفة حول العالم نظما تعليمية فريدة تشكلت وفق سياقاتها الثقافية والاقتصادية والسياسية الخاصة. وكانت هذه النظم تسعى غالبا إلى دعم النمو الأخلاقي والروحي، وضمان استقرار المجتمع، والحفاظ على التقاليد الثقافية. وقد تباينت الممارسات التعليمية تباينا واسعا، لكنها اتسمت في الغالب بعلاقات وثيقة بين المعلم والمتعلم. وفي حين اقتصرت هذه النظم في البداية على فئات محددة، وفي مقدمتها الذكور، فإن بعضها تطور مع الزمن نحو مزيد من الشمولية.
وقد جسد التعليم الرسمي في العادة صورة مصغرة عن التراتبية الاجتماعية السائدة، فكانت مبادئ القراءة والكتابة تلقن غالبا في أطر مجتمعية بسيطة، كمدارس الرعايا الكنسية أو ما يعرف في الهند بالـ"باتشالا"، بينما كانت الدراسات الأعلى مستوى حكرا على النخب، كما في الجامعات أو مدارس "الفيدا" الهندوسية أو بعض المدارس الدينية الإسلامية. كما وجدت نظم للتلمذة الحرفية في حضارات قديمة مثل بابل ومصر، وأصبحت لاحقا سمة أساسية من سمات نقابات الحرف اليدوية في أوروبا القرون الوسطى. ومع مرور الوقت، تولت الدولة مسؤولية التعليم، فأنشأت المدارس العامة، وميزت بين التعليم العلماني والتعليم الديني.
1.2.1. من التعليم مدى الحياة إلى التعلم مدى الحياة
تعود فكرة أن التعلم والتعليم عملية مستمرة تشكل ركيزة أساسية لتحقق الفرد ولتطور المجتمع إلى فلاسفة ومصلحين روحيين قدامى في حضارات شتى تركوا أثرا مكتوبا، من أمثال أفلاطون وسينيكا وكونفوشيوس وبوذا وفلاسفة الهند القدامى والقادة الروحيين المسلمين. كذلك تبنت النظم التعليمية المبكرة أطرا شمولية قدرت قيمة التعلم المستمر بوصفه أداة للتكيف مع التغير، بما يعكس أفكارا شبيهة بما بات يعرف حديثا بمصطلحي "التعليم مدى الحياة" و"التعلم مدى الحياة"، اللذين اكتسبا حضورا دوليا بارزا في سبعينيات القرن العشرين.
أما الفهم المعاصر لهذين المفهومين فقد نشأ في مرحلة أحدث، تشكل بفعل تطور النظام التعليمي الأوروبي وتأثير التصنيع في أوروبا. وبينما ركز مفهوم "التعليم مدى الحياة" على النقل المؤسسي للمعرفة، فإن مفهوم "التعلم مدى الحياة"، الذي اكتسب زخما في تسعينيات القرن العشرين، انصب على اكتساب الفرد للمعرفة، ووضع قدرا أكبر من المسؤولية على عاتقه هو نفسه.
ويحدد هذا الفصل خمس مراحل تاريخية في تطور مفهوم التعلم مدى الحياة. تتمثل المرحلة الأولى في ظهور تعليم الكبار إبان عصر التنوير الأوروبي والثورة الصناعية. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الابتكار والمأسسة في تعليم الكبار. وتتمثل المرحلة الثالثة، التي تزامنت مع سابقتها، في امتداد هذا التعليم إلى المجتمعات المستعمرة وغير الغربية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وتتمثل المرحلة الرابعة في بروز الخطاب الدولي حول التعليم مدى الحياة بوصفه إطارا عالميا في سبعينيات القرن العشرين. أما المرحلة الخامسة فهي ترويج التعلم مدى الحياة استجابة لتحديات العولمة ابتداء من تسعينيات القرن العشرين. وقد تشكلت هذه الروافد المتعددة عبر محطات فارقة، من بينها إعلان الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن الحق في التعليم، وتقارير مؤثرة صدرت عن اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وأهداف التنمية المستدامة لعام 2015 التي رسخت التعلم مدى الحياة بوصفه مفهوما عالميا راسخا.
يعود المفهوم الغربي للتعليم مدى الحياة إلى تطورين متشابكين، أولهما إيمان عصر التنوير بالعقل البشري وبالتعليم قوة للتحول، وثانيهما التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي جلبها التصنيع في أوروبا. ومنذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى القرن التاسع عشر، أفضت هذه التحولات إلى قيام نظم تعليمية وطنية وصلت إلى شرائح أوسع من السكان، وأصبحت فيها المدرسة الفضاء المركزي لتعليم منظم ومتزايد العلمانية.
وإبان الثورة الفرنسية، أصبحت فكرة التعلم مدى الحياة مرادفة لتعليم الكبار والتعلم الذاتي بوصفهما سبيلين إلى التقدم الاجتماعي والاقتصادي. واستجابة لديناميكيات الثورة الصناعية الآخذة في التبلور، اتسع نطاق تعليم الكبار في أنحاء أوروبا ليشمل التعلم المهني وغير المهني على حد سواء، كالقراءة والكتابة والحساب والرسم والميكانيكا والزراعة، ثم امتد لاحقا ليشمل محاضرات جامعية. ومع أن هذه المبادرات كانت مكملة لنظم التعليم الرسمي الناشئة ولما نطلق عليه اليوم التعليم والتدريب التقني والمهني، وهو ما يشمل التعليم والتدريب المرتبطين بمجموعة واسعة من الميادين المهنية والإنتاج والخدمات وسبل العيش، ويمكن أن يتم على المستويات الثانوية وما بعد الثانوية والعليا، ويشمل التعلم القائم على العمل والتدريب المستمر والتطوير المهني الذي قد يفضي إلى مؤهلات، فإن هذه المبادرات ظلت تفتقر إلى روابط مؤسسية بينها وبين تلك النظم الرسمية.
وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، انتشرت على نطاق واسع في البلدان الأخرى الآخذة في التصنيع مبادرات مؤسسية لتعليم الكبار، من قبيل معاهد الميكانيكا التي ظهرت في اسكتلندا وإنكلترا في عشرينيات القرن التاسع عشر، والصفوف البلدية لتعليم الكبار في فرنسا في ثلاثينيات القرن نفسه، والمدارس الشعبية العليا الدنماركية في أربعينياته.
وقد استهدف تعليم الكبار في الأصل الرجال ممن لم يحظوا بتعليم رسمي أو حظوا بقدر يسير منه، كالمزارعين والحرفيين، ثم العمال الصناعيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في حين تأخرت مشاركة النساء فيه. وكانت هذه البرامج خاصة في معظمها، وتخدم في آن واحد أهداف تنمية المهارات والأهداف المدنية، ومن بينها الارتقاء الأخلاقي للعمال، خصوصا النساء. وفي مقابل هذه المبادرات "من الأعلى إلى الأسفل" التي أطلقتها التيارات الليبرالية والإصلاحية الاجتماعية، روجت الحركة العمالية لنهج "تعليم العمال بأيدي العمال أنفسهم"، وكانت النقابات العمالية غالبا هي من ينظم هذه البرامج التي ركزت على محو الأمية والمهارات التقنية والانفتاح الثقافي، وسعت في الوقت نفسه إلى أهداف أرحب تتعلق بالتمكين والتحرر السياسي وبناء هوية طبقية جامعة. وهكذا أصبح تعليم الكبار الليبرالي وتعليم العمال معا الرافدين الرئيسيين اللذين شكلا مبادرات منظمة العمل الدولية في مجال التعليم داخل عالم العمل.
وفي مطلع القرن العشرين، أخذ تعليم الكبار طابعا أكثر احترافا ومأسسة، وارتبط بصورة متزايدة بحركات اجتماعية أوسع، منها الحركات العمالية والنسائية والمسيحية والتعاونية. وقد أذكت الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية جدلا متجددا في البلدان الغربية حول دور التعليم في التحديث والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والاستقرار الديمقراطي. وتجدر الإشارة إلى أن تقرير الحكومة البريطانية الصادر عام 1919 بشأن تعليم الكبار كان على الأرجح أول وثيقة رسمية تؤكد أن "تعليم الكبار ضرورة وطنية دائمة، وجانب لا ينفصل عن المواطنة، وينبغي بالتالي أن يكون شاملا ومستمرا مدى الحياة".
ودعا تربويون من أمثال إدوارد س. ليندمان في الولايات المتحدة وباسل أ. ييكسلي في المملكة المتحدة إلى "التعليم مدى الحياة" بوصفه رافعة رئيسية للديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وشددا على أهمية التعلم من التجربة، وأقرا بقيمة ما يسمى اليوم بالتعلم غير النظامي وغير الرسمي، كالتعلم في الكنائس والنقابات وورش العمل والجمعيات. غير أن الأزمة الاقتصادية في ثلاثينيات القرن العشرين وما رافقها من ارتفاع حاد في البطالة حولا الاهتمام نحو برامج إعادة تدريب الكبار، التي غالبا ما كانت إلزامية وتدعمها السلطات العامة وأرباب العمل.
وعقب الحرب العالمية الثانية، تصاعد الطلب على تعليم الكبار وإعادة التدريب المهني بصورة كبيرة، إذ فرضت إعادة إدماج مئات الآلاف من الجنود المسرحين وملايين اللاجئين، وضرورة إعادة الإعمار الاقتصادي، ووتيرة التغير التكنولوجي المتسارع بفعل الحرب، على الحكومات أن تيسر سبل الوصول إلى التعليم الرسمي وإعادة تدريب الكبار. وقد انعكست هذه الأولويات أيضا في برامج القوى العاملة المبكرة التي أطلقتها منظمة العمل الدولية. وفي ستينيات القرن العشرين، أدمجت الاقتصادات السوقية الليبرالية تعليم الكبار الممول عموميا، سواء كان مهنيا أو غير مهني، في صلب هياكل الرفاه والتعليم الرسمي، بينما عملت البلدان الاشتراكية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفياتي، على النهوض بتعليم الكبار الرسمي وغير النظامي معا لتعزيز الإنتاجية ودفع مسيرة التصنيع والتحديث، وهو ما خدم أيضا الأهداف السياسية والمجتمعية التي حدده الحزب الشيوعي.
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، انتشرت المفاهيم التعليمية الغربية على الصعيد العالمي، وكثيرا ما عطل تطبيقها التقاليد المحلية أو قوضها، مخلفا آثارا صادمة طويلة الأمد، لا سيما في السياقات الاستعمارية، لكن أيضا في أوساط الأقليات العرقية والسكان الأصليين داخل البلدان الغربية نفسها. ومع أن نظم التعليم الاستعماري تباينت من حيث طبيعتها وأساليبها، فإنها فرضت في الغالب هياكل رسمية لم تنجح دائما، سواء عن قصد أو عن غير قصد، في إحلال محل أشكال التعليم القائمة من قبل، بل خدمت غالبا المستعمرين والنخب المحلية، مكرسة بذلك التفاوت في الوصول إلى التعليم الرسمي. ومع ذلك، فإن بعض جوانب تعليم الكبار الغربي، ولا سيما ما ارتبط منها بالتحرر عبر التعلم ومحو الأمية، ألهمت أيضا حركات الإصلاح الاجتماعي والحركات المناهضة للاستعمار. وعقب نيل الاستقلال، وضعت الدول ما بعد الاستعمارية التعليم، وتعليم الكبار على وجه الخصوص، في صميم برامجها للتنمية الوطنية والتحديث.
ففي الهند، على سبيل المثال، تجلت أهمية التعلم مدى الحياة في النصوص القديمة والممارسات التعليمية التي شملت المعابد والقرى والجامعات المبكرة. وقد أدخل الحكم الاستعماري البريطاني نظاما تعليميا مركزيا اقتصر إلى حد بعيد على النخب الحضرية. وقد اضطلعت الإرساليات التبشيرية، مستلهمة الإصلاح الاجتماعي الغربي، بالجانب الأكبر من التعليم الموجه إلى محو الأمية، ثم تولته لاحقا منظمات إصلاح اجتماعي غير حكومية، تحالف بعضها مع حركة التحرر الوطني. وبعد الاستقلال، أصبح تعليم الكبار ركيزة من ركائز بناء الأمة.
وفي الصين، شكلت الكونفوشيوسية، التي نظرت إلى التعلم بوصفه رحلة مستمرة مدى الحياة لتحسين الذات، وهو ما لم يكن يفرض في نظام الامتحانات التقليدي للخدمة المدنية في الصين الإمبراطورية أي حدود عمرية، مبدأ تأسيسيا لتعليم الكبار المبكر الرامي إلى إعداد نخب المستقبل. وقد بدأ التعليم الجماهيري المبكر، بما فيه تعليم الكبار، خلال عهد الجمهورية، وركز على محو الأمية وعلى التعليم والتدريب التقنيين معا، متأثرا بالنماذج الغربية.
أما في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، فقد ظل المشهد التعليمي متشكلا منذ أمد بعيد بفعل إرث استعماري لا يزال يؤثر في فرص الوصول إلى التعليم والإنصاف فيه. فبعد نيل الاستقلال في القرن التاسع عشر، حافظت معظم البلدان على نظم تعليمية كرست أوجه التفاوت العرقي والاجتماعي والاقتصادي، إذ ظل التعليم الرسمي متاحا في الغالب للنخب من الذكور، بينما اعتبر التدريب الأساسي أثناء العمل كافيا لعموم السكان. وعقب الحرب العالمية الثانية، أفضت الإصلاحات التعليمية الرامية إلى التحديث والتصنيع إلى مأسسة أوسع لتعليم الكبار، بما في ذلك محو الأمية والتدريب المهني والتقني.
وفي ستينيات القرن العشرين، وفي خضم اضطرابات اجتماعية وسياسية واسعة، برزت حركة التعليم الشعبي، التي قادها ناشطون محليون وكنائس ومنظمات غير حكومية، ونادت بتعليم الكبار غير الرسمي المتمحور حول المتعلم أداة للتحرر والعدالة الاجتماعية والتغيير السياسي. وكان المربي واللاهوتي البرازيلي باولو فريري شخصية محورية في هذه الحركة، إذ أثرت أفكاره تأثيرا عميقا في النقاش التعليمي الإقليمي وتماهت مع رؤية اليونسكو للتعلم مدى الحياة، وإن اتخذ التعليم الشعبي أشكالا متنوعة تبعا للسياقات المحلية، وتباين من حيث أهدافه ومحتواه وأساليبه ونتائجه.
وفي أفريقيا المستعمرة، كانت فرص التعليم المتاحة للسكان المستعمرين مقيدة بالتمييز العرقي والجنسي، وموجهة نحو إعداد قوة عاملة خاضعة لخدمة الإدارة الاستعمارية، وهو ما قوض النظم المحلية التي كانت تقوم على نقل المعرفة العملية وعلى مشاركة المجتمع. وفي بعض المستعمرات الأفريقية، أنشئت مبادرات لتعليم الكبار مستلهمة من النماذج الأوروبية المعنية، موجهة إلى فئات مختارة من السكان الأصليين، غالبا في المناطق الحضرية، وقدمت صفوفا مسائية ودورات بالمراسلة، بل أتاحت في نهاية القرن أحيانا سبلا عن بعد للوصول إلى التعليم الجامعي، اقتصرت في معظمها على الرجال.
وعقب إنهاء الاستعمار، أدمج تعليم الكبار والتعليم والتدريب التقني والمهني في استراتيجيات التنمية الوطنية. ورغم أهمية هذه البرامج، فإن كثيرا منها فشل في الارتباط بواقع الناس وحياتهم المهنية، خصوصا في الاقتصادات الريفية. وقد بذلت محاولات في بلدان أفريقية حديثة الاستقلال، من قبيل تلك التي قادها الرئيس كوامي نكروما في غانا والرئيس جوليوس نيريري في جمهورية تنزانيا المتحدة، من أجل "إنهاء استعمار" التعليم وترسيخ التعلم مدى الحياة في التقاليد الأفريقية، على غرار مفهومي "أوجاما" و"أوبونتو".
وفي مقابل نظم التعليم الرسمي، كثيرا ما أتاحت نظم التعليم غير الرسمي والتقليدي غير النظامي مسارات تعلم أيسر منالا، وإن ظلت عوائق من قبيل التفاوت بين الجنسين في نظم التلمذة الحرفية التقليدية قائمة. ولا تزال علاقات التلمذة الحرفية التقليدية، حيث ينقل الحرفي الأكثر خبرة معارفه ومهاراته إلى المتعلمين، قائمة في كثير من المجتمعات ما بعد الاستعمارية. فعلى سبيل المثال، كثيرا ما ينظر إلى التعليم والتدريب التقني والمهني في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل باعتباره طريقا نحو الوظائف المكتبية، في حين تكتسب المهارات العملية اللازمة لمهن بعينها عبر التلمذة الحرفية التقليدية. وبعد الاستقلال، برزت انتقادات للنظم الموروثة باعتبارها تكرس الظلم الاجتماعي وعدم المساواة والإقصاء، بما يرد صدى نقاشات أوسع حول نماذج التعليم الغربية، وقد عززت هذه الانتقادات، إلى جانب التحولات التكنولوجية والمجتمعية المتسارعة، الدعوات إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم مدى الحياة.
وقد عاد مفهوم التعليم مدى الحياة الأوسع إلى الظهور في ستينيات القرن العشرين، هذه المرة على الساحة الدولية، حيث برزت ثلاثة توجهات فكرية متمايزة استجابة لما اعتبر أزمة عالمية في التعليم، أذكتها احتجاجات الطلاب عام 1968 ومطالب الدول حديثة الاستقلال بتعليم يدعم استراتيجياتها الإنمائية. وقد أثرت هذه التوجهات الفكرية أيضا في النقاشات الدائرة داخل منظمة العمل الدولية.
ففي عام 1970، طرح مجلس أوروبا مفهوم "التعليم الدائم" بوصفه استراتيجية متماسكة لنظم التعليم الأوروبية، تهدف إلى تعزيز تكافؤ الفرص عبر الجمع بين التعليم النظري والتطبيقي وتوسيع مشاركة المتعلم، وهو ما اعتبر استجابة ضرورية لاحتياجات المجتمعات الحديثة ما بعد الصناعية التي تشهد تحولا تكنولوجيا واجتماعيا متسارعا. وفي الوقت نفسه، اقترحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، استجابة لمطالب عضويتها العالمية المتنامية، ولا سيما من البلدان النامية، مفهوم "التعليم مدى الحياة" بوصفه إطارا عالميا شاملا يلائم جميع السياقات، مستندة في ذلك إلى الحق في التعليم كما ينص عليه دستور اليونسكو نفسه، وكذلك المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تجسد هذا المفهوم في أوضح صوره في تقرير عام 1972 المعروف باسم "تقرير فور"، الذي جاء ثمرة عقود من الحوار حول تعليم الكبار وجهود الإصلاح التعليمي الديمقراطي الأوروبي.
وقد وسع تقرير فور المُثل الليبرالية السابقة لتعليم الكبار، وعزز ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تقضي بأن يستهدف التعليم النمو الكامل لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان وتوطيد التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم والجماعات. كما دعا هذا المفهوم إلى بناء "مجتمعات متعلمة" من خلال دمج جميع مراحل التعليم، وتوسيع الوصول إلى التعليم العالي، واحتضان التعلم الرسمي وغير الرسمي معا، ومعالجة قضايا مستجدة كالتربية الصحية والبيئية.
ومن زاوية مختلفة، طرحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مفهوم "التعليم المتجدد"، وهو مفهوم أكثر وظيفية وتوجها نحو الإنتاجية، يستند إلى نظرية رأس المال البشري، ويشجع على التناوب بين فترات التعليم أو التدريب وفترات العمل، مع اعتماد الإجازة التعليمية المدفوعة الأجر آلية أساسية لتحقيق ذلك.
وقد أسهم النقاش الدائر حول التعليم مدى الحياة في تحسين العرض العام لتعليم الكبار، إذ ساعدت تقنيات جديدة، من قبيل الجامعة المفتوحة البريطانية، على دعم التعلم عن بعد وتيسير سبل الوصول إلى التعليم على نطاق أوسع. غير أن الجهود الدولية الرامية إلى ترويج التعلم مدى الحياة لم تفض إلى إصلاحات كبرى في نظم التعليم والتدريب الوطنية. وفي العقود التالية، أدى تراجع العمالة المستقرة بأجر، وانحسار معدلات الانتساب النقابي، وتزايد تشرذم أسواق العمل في كثير من البلدان إلى إضعاف مبادرات التعلم مدى الحياة أكثر فأكثر، إذ عانت سياسات الإجازة التعليمية المدفوعة الأجر في أوروبا الغربية من ضعف الإقبال عليها بسبب قيود الأهلية ومحدودية الوعي بها وعدم كفاية الدعم المالي المخصص لها.
وينبغي في هذا السياق التمييز بين التعلم غير النظامي والتعلم غير الرسمي بحسب التعريفات المعتمدة في هذا التقرير، مع التنبيه إلى أن هذه التعريفات لا ينبغي الخلط بينها وبين التصنيفات الإحصائية للتعليم الرسمي وغير النظامي التي تشير تحديدا إلى نظم تعلم مؤسسية ومنظمة. فالتعلم غير النظامي، وإن كان مقصودا من منظور المتعلم نفسه، لا تحظى نتائجه دائما باعتراف رسمي، وحين يحدث هذا الاعتراف فإنه يتم عادة من خلال عمليات تصديق واعتماد تديرها جهات مختصة، وأحيانا بمشاركة مؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني. وقد يخضع التعلم غير النظامي أيضا لعمليات تصديق تشرف عليها منظمات قطاعية معترف بها تضع معايير مهنية تحظى باعتراف واسع من أرباب العمل والمهنيين في القطاع المعني. ومن الأمثلة على التعلم غير النظامي برامج محو أمية الكبار، والتدريب داخل الشركات، والتعلم الإلكتروني المنظم، والتلمذة الحرفية في الاقتصاد غير الرسمي.
ومع بداية تسعينيات القرن العشرين، عززت الوتيرة المتسارعة للعولمة عقب انتهاء الحرب الباردة، إلى جانب التحول التكنولوجي السريع، من إعادة تشكيل عالم العمل، إذ أذكى استمرار العمالة غير الرسمية والهشة في البلدان النامية، مقترنا بتزايدها في البلدان الصناعية وارتفاع معدلات البطالة في مناطق عديدة، الاهتمام مجددا بالتعلم مدى الحياة، وبحلول تلك المرحلة كان مصطلح "التعلم مدى الحياة" قد حل إلى حد بعيد محل مصطلح "التعليم مدى الحياة". كما أدمج هذا المفهوم رسميا في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عام 1999 أن الحق في التعليم الأساسي "لا يقيده السن أو الجنس... وهو عنصر لا يتجزأ من تعليم الكبار والتعلم مدى الحياة".
وشكل تقرير اليونسكو الصادر عام 1996 والمعروف باسم "تقرير ديلور"، نسبة إلى جاك ديلور، وثيقة سياسات محورية في تلك المرحلة، إذ قدم رؤية عالمية للتعليم في القرن الحادي والعشرين ترتكز على أربع ركائز لـ"التعلم طوال الحياة"، هي تعلم المعرفة، وتعلم العمل، وتعلم العيش المشترك، وتعلم الكينونة. وبالمقارنة مع تقرير فور، شدد تقرير ديلور بقدر أكبر على البعد الاقتصادي للتدريب المستمر، الرسمي وغير الرسمي معا، من أجل قابلية التوظيف، مقرا في الوقت نفسه بقدرة التقنيات الناشئة على إتاحة المعرفة للجميع، لكنه حذر أيضا من احتمال أن تعمق هذه التقنيات أوجه التفاوت.
وفي العام نفسه، أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريرها المعنون "التعلم مدى الحياة للجميع"، الذي طرح رؤية أكثر توجها نحو السوق، فأطر التعلم مدى الحياة أداة لتعزيز مهارات الأفراد وكفاءاتهم بما يلبي احتياجات أسواق العمل ويبني مجتمعات معرفة تنافسية. ومن خلال التشديد على "نهج شامل للنظام"، دعا هذا التقرير إلى دمج التعليم والتدريب الرسميين وغير الرسميين ضمن نظم متسقة للنتائج والاعتمادات. كما تبنت المفوضية الأوروبية بنشاط ترويج التعلم مدى الحياة في إطار استراتيجيتها لبناء سوق أوروبية موحدة، واعتمدت حكومات عديدة هذا الإطار لتحديث نظمها التعليمية وتعزيز تنافسيتها وقدرتها على الابتكار.
وبحلول مطلع الألفية الثالثة، أصبح التعلم مدى الحياة استجابة توافقية بين البلدان الصناعية لمواجهة المنافسة الاقتصادية العالمية، وعكس هذا التحول من التعليم مدى الحياة إلى التعلم مدى الحياة تحولات مجتمعية أوسع نحو مزيد من المسؤولية الفردية والاستقلالية والتكيف المستمر مع احتياجات سوق العمل. كما زادت هذه الحقبة الضغط على الفئات غير المشتغلة للدخول إلى سوق العمل بغية الحد من الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وفي حين اعتبرت الجهات الفاعلة غير الحكومية شركاء أساسيين، ظل دور النقابات العمالية في التعلم مدى الحياة هامشيا، مما يعكس ترجيح الأهداف الاقتصادية على الأهداف السياسية والاجتماعية وأهداف الرفاه الأوسع.
وفي آسيا، طورت البلدان استراتيجيات للتعلم مدى الحياة تنسجم مع نهج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي، مستفيدة من قيمها التقليدية القائمة على التعلم المستمر. أما بلدان أخرى، خصوصا في أمريكا اللاتينية، فقد منحت الأولوية للوصول إلى التعليم العالي، أو ركزت على التعليم الأساسي والابتدائي للجميع باعتباره الاستثمار الأكثر جدوى من حيث الكلفة. وفي ضوء هذا التباين الكبير في المقاربات، لم يكن مستغربا أن يغيب مفهوم التعلم مدى الحياة عن الأهداف الإنمائية للألفية التي اعتمدتها الأمم المتحدة.
ومع مرور الوقت، أصبحت قابلية التوظيف والمسؤولية الفردية عن تنمية المهارات الهدفين المهيمنين للتعلم مدى الحياة، وهو تطور أثر أيضا في تفكير منظمة العمل الدولية. وفي عام 2015، جاء الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، وهو ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة، ليوسع نطاق المفهوم من جديد، فلم يقتصر على الأهداف الاقتصادية بل شمل أهدافا مجتمعية وبيئية أيضا، من بينها التعليم من أجل التنمية المستدامة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والسلام والمواطنة العالمية. وقد سارت وثائق سياسات أوروبية حديثة، من قبيل خطة الاتحاد الأوروبي للمهارات، على النهج نفسه، فدمجت أبعاد الاندماج والمواطنة، ودعت إلى تعزيز الدعم العام لخيارات الأفراد التعليمية. كذلك أعاد تقرير اليونسكو الصادر عام 2021 بعنوان "إعادة تصور مستقبلنا معا: عقد اجتماعي جديد للتعليم" التأكيد على ضرورة أن يخدم التعليم والتعلم هدفا مجتمعيا باعتبارهما منفعة مشتركة، وأبرز الدور المحوري للمعلمين وللتعليم العام المجاني، وشدد على كرامة الإنسان والمجتمع باعتبارهما من أهم غايات التعليم.
وإلى جانب تنامي التركيز على الدور المجتمعي للتعلم والتعليم، برز اعتراف متزايد بضرورة تطوير استراتيجيات للتعلم مدى الحياة متجذرة في السياقات الثقافية المحلية. ففي القرن الحادي والعشرين، ينبغي لمثل هذه الاستراتيجيات أن تمزج بين التقاليد التعليمية القائمة والرؤى الفلسفية ومنظومات القيم من جهة، والمقاربات التربوية المعاصرة من جهة أخرى، بما يعزز مجتمعات تعلم شاملة ومتجذرة في واقعها المحلي.
1.2.2. منظمة العمل الدولية والتعلم مدى الحياة
مع تطور مفهوم التعلم مدى الحياة، تطور معه أيضا دوره داخل منظمة العمل الدولية، تبعا للاحتياجات الاقتصادية والمجتمعية لدولها الأعضاء. فقد دأبت المنظمة منذ أمد بعيد على دعم التعليم والتعلم منذ الطفولة وحتى سن الرشد، مركزة على ثلاثة محاور تتسق مع ولايتها في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهي مكافحة عمل الأطفال عبر التعليم الأساسي الإلزامي، والنهوض بالتعليم والتدريب التقني والمهني، وتوفير تعليم الكبار للعمال. وترتكز هذه الجهود على التزام المنظمة الراسخ بتحقيق نتائج أكثر إنصافا في سوق العمل، بما يخدم الهدف العام الوارد في ديباجة دستور منظمة العمل الدولية والمتمثل في "تحسين ظروف العمل".
وقد تجسد المحوران الأولان بالفعل في ديباجة دستور منظمة العمل الدولية، التي دعت إلى "حماية الأطفال والأحداث" و"تنظيم التعليم المهني والفني". وفي الوقت نفسه، دعمت المنظمة تعليم العمال، انطلاقا من قناعتها التأسيسية بأن "العمل ليس سلعة". وقد ارتبط الترويج ليوم عمل من ثماني ساعات بإتاحة فرص التعليم خلال أوقات الفراغ، وهو ما تجسد في توصية استغلال أوقات الفراغ لعام 1924، وهي التوصية رقم 21.
وعقب الحرب العالمية الثانية، دعت منظمة العمل الدولية الدول الأعضاء إلى إرساء نظم شاملة للتعليم والتدريب، بما يتماشى مع إعلان فيلادلفيا لعام 1944. وقد ألحق هذا الإعلان بدستور منظمة العمل الدولية عام 1946، وأكد أن "لجميع البشر، بصرف النظر عن العرق أو العقيدة أو الجنس، الحق في السعي لتحقيق رفاههم المادي ونموهم الروحي في ظروف من الحرية والكرامة والأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص". وقد أوجب الجزء الثالث من هذا الإعلان على المنظمة توفير مرافق التدريب اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، والنهوض بالعمالة في المهن التي تتيح للعمال توظيف كامل مهاراتهم ومواهبهم، وتشجيع تعاون أرباب العمل والعمال في التحسين المستمر للإنتاجية، وكفالة تكافؤ فرص الوصول إلى التعليم والتدريب المهني. وقد انصبت جهود التدريب التي بذلتها المنظمة في البداية على إعادة إعمار أوروبا، قبل أن تتسع لاحقا لتشمل دعم تنمية البلدان الأقل نموا اقتصاديا.
واستجابة لاحتياجات الدول الأعضاء الجديدة، ولا سيما تلك الخارجة حديثا من الاستعمار، تحول الاهتمام نحو بناء قوى عاملة حديثة ومنتجة، بما في ذلك التدريب المهني والتقني وما يعرف بـ"تعليم العمال"، الذي أصبح يعرف تعريفا أضيق باعتباره تعليما غير مهني تديره النقابات العمالية في الغالب، وشملت أهدافه توعية العمال بأدوارهم الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ الوعي بحقوقهم العمالية، وتعزيز المشاركة الديمقراطية وتحسين العلاقات الصناعية. ودعما لهذا التوجه، أنشأت منظمة العمل الدولية مركزها الدولي للتدريب في مدينة تورينو الإيطالية عام 1965، الذي وفر دورات في التدريب المهني وتعليم العمال على حد سواء للمهنيين القادمين من البلدان النامية. كما ساعدت المنظمة على إنشاء منظمات ثلاثية وطنية وإقليمية معنية بالإنتاجية، شكل التدريب فيها محورا أساسيا.
وفي سبعينيات القرن العشرين، شاركت منظمة العمل الدولية بفاعلية في النقاش العام والأكاديمي حول التعليم مدى الحياة والتعليم المتجدد، حيث ساد توافق واسع بين الأطراف المكونة للمنظمة على أن التعلم مدى الحياة يمكن أن ييسر الوصول المنصف إلى العمل ويحسن ظروف العمل، بما في ذلك في مجالات كالوقاية من الحوادث وسائر جوانب السلامة والصحة المهنيتين. وفي عام 1974، اعتمدت منظمة العمل الدولية اتفاقية الإجازة التعليمية المدفوعة الأجر رقم 140 والتوصية المرافقة لها رقم 148، وقد وسعت هاتان الأداتان نطاق التعليم المستمر ليشمل "التدريب على أي مستوى، والتعليم العام والاجتماعي والمدني، والتعليم النقابي"، بما يعكس النهج الشامل الذي تتبناه المنظمة إزاء تنمية القوى العاملة.
وبعد عام واحد، جاءت اتفاقية تنمية الموارد البشرية لعام 1975، وهي الاتفاقية رقم 142، وتوصيتها لعام 2004، وهي التوصية رقم 150، لتؤكدا مجددا الطابع الشامل لمفهوم التعليم مدى الحياة، إذ جسد الصكان معا الفكرة القائلة إن التعليم مدى الحياة ضروري ليس فقط للتقدم الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، بل أيضا لتحقق الفرد ولصون حريته الأساسية في الاختيار، ودعا الصكان إلى التعاون الفعلي مع منظمات أرباب العمل والعمال في صياغة سياسات وبرامج التدريب وتنفيذها، بما يعزز النهج الثلاثي إزاء نظم التعلم مدى الحياة.
وفي منتصف تسعينيات القرن العشرين، وتحت وطأة ضغوط العولمة والتغير التكنولوجي المتسارع، انضمت منظمة العمل الدولية إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واليونسكو في الدعوة إلى التعلم مدى الحياة أداة لزيادة إنتاجية العمال، ودعم قابليتهم للتوظيف مدى الحياة، وتعزيز التنافسية الاقتصادية بين البلدان. كما خدم التعلم مدى الحياة هدف حقوق الإنسان المتمثل في تعزيز تكافؤ الفرص للنساء والفئات المهمشة، كالأشخاص ذوي الإعاقة والنازحين، غير أن الاهتمام الوطني بتعليم العمال غير المهني التقليدي تراجع خلال هذه المرحلة.
وفي عام 1999، جاء إطلاق برنامج العمل اللائق لمنظمة العمل الدولية ليرسخ الصلة بين التعلم مدى الحياة وتعزيز العمالة. وقد شكلت توصية تنمية الموارد البشرية لعام 2004، وهي التوصية رقم 195، أول معيار من معايير المنظمة يستخدم صراحة مصطلح التعلم مدى الحياة، وقد عززت هذه التوصية الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما قابلية التوظيف، لكنها أقرت أيضا بإسهام التعلم مدى الحياة في التنمية الشخصية والثقافة والمواطنة الفاعلة، بما يعكس صدى المنظورات الأوسع لليونسكو والاتحاد الأوروبي. وقد شددت لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات، التابعة لمنظمة العمل الدولية، على البعد الحقوقي لهذه التوصية، مذكرة بأنها تنص على وجوب أن تقر الدول الأعضاء بأن التعليم والتدريب حق للجميع، وأن تعمل بالتعاون مع الشركاء الاجتماعيين على ضمان وصول الجميع إلى التعلم مدى الحياة. وقد عزز إعلان منظمة العمل الدولية بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة لعام 2008، وإعلان الذكرى المئوية لمنظمة العمل الدولية بشأن مستقبل العمل لعام 2019، ضرورة مواءمة نظم التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل، وتعزيز قدرة الأفراد على الوصول إلى العمل اللائق، كما أبرز الإعلانان أهمية تنمية القدرات اللازمة للمشاركة الديمقراطية، ولإدماج الفئات الضعيفة إدماجا كاملا في المجتمع.
واليوم، وفي ظل ما تواجهه المجتمعات من اضطراب تكنولوجي متسارع وأزمات عالمية متشابكة، يولي هذا التقرير اهتماما متجددا بالأبعاد المجتمعية للتعلم مدى الحياة، مستلهما تقرير الرصد العالمي للتعليم الصادر عن اليونسكو للفترة 2021 و2022، وبناء على المناقشات اللاحقة بشأن المبادئ والعناصر الرئيسية للتعلم مدى الحياة، إذ يدعو إلى تجديد التركيز على الاستفادة من الأشكال التقليدية والمجتمعية للتعليم والتعلم وتنمية المهارات.
1.3. بناء تعريف للتعلم مدى الحياة
1.3.1. التعلم مدى الحياة في صكوك منظمة العمل الدولية والوثائق الرئيسية الأخرى
مع أن معايير العمل الدولية، وعمل الهيئات الإشرافية، وسائر نصوص منظمة العمل الدولية وصكوكها، لا تقدم وصفا كاملا لجميع الأبعاد التي يمكن أن تسهم في تعريف التعلم مدى الحياة، فإنها توفر عناصر معيارية مهمة وتوثق التزامات الأطراف المعنية الرئيسية. وكما سبقت الإشارة، أرسى إعلان فيلادلفيا منذ عام 1944 أساسا تأسيسيا لنهج منظمة العمل الدولية إزاء التعلم مدى الحياة.
وتشجع معايير العمل الدولية، وهي صكوك قانونية تضعها الأطراف المكونة لمنظمة العمل الدولية من حكومات ومنظمات أرباب عمل وعمال، وتحدد مبادئ وحقوقا أساسية في العمل، سواء في صورة اتفاقيات أو بروتوكولات ملزمة قانونا يمكن للدول الأعضاء التصديق عليها، أو في صورة توصيات غير ملزمة تقدم إرشادات، على تعزيز وصول شامل إلى التعلم لجميع الفئات العمرية، إقرارا بوجود أنواع متعددة من التعلم وأهميتها على امتداد دورة الحياة. وتتصدر هذه الصكوك اتفاقية تنمية الموارد البشرية لعام 1975، وهي الاتفاقية رقم 142، وتوصيتها لعام 2004، وهي التوصية رقم 195. وتؤطر الاتفاقية رقم 142 التعليم وتنمية الموارد البشرية بطريقة شاملة، إذ تدعو إلى إنشاء وتطوير نظم مرنة ومتكاملة للتعليم العام والتقني والمهني، والتوجيه التعليمي والمهني، والتدريب المهني، سواء داخل النظام التعليمي الرسمي أو خارجه. والمهم أن هذا النص يقدم نهجا يقوم على مدى الحياة يراعي تطلعات العمال واحتياجات المجتمع الأوسع معا، متجاوزا بذلك الأهداف الاقتصادية وأهداف العمالة وحدها. وقد علقت لجنة الخبراء على الاتفاقية رقم 142 مؤكدة أنها تبرز أهمية التدريب طوال الحياة المهنية للفرد، وهو ما بات يعرف اليوم بـ"التعلم مدى الحياة"، وشددت اللجنة في هذا السياق على أن الوصول المستمر إلى التدريب يمكن الأفراد من الارتقاء بمهاراتهم، بما يدعم تقدمهم الوظيفي ويحسن آفاق توظيفهم، كما تقر اللجنة بأن وجود نظم متينة للتعلم مدى الحياة أمر أساسي للاستجابة للتحولات الهيكلية الراهنة.
ومع أن مصطلح التعلم مدى الحياة كان قد ورد سابقا في توصية إيجاد فرص العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لعام 1998، وهي التوصية رقم 189، التي شجعت على "عملية للتعلم مدى الحياة لصالح جميع فئات العمال ومنظمي المشاريع"، فإن التوصية رقم 195 هي أول صك يعرف هذا المفهوم رسميا ويدرجه ضمن إطار شامل، إذ عرفته بأنه "جميع أنشطة التعلم التي تجري طوال الحياة من أجل تنمية الكفاءات والمؤهلات". وكما سبقت الإشارة، تلاحظ لجنة الخبراء أن التوصية رقم 195 تتسق مع صكوك حقوق الإنسان من خلال تأكيدها الحق في التعليم والتدريب. كما تقر التوصية رقم 195 بأن التعلم مدى الحياة عامل مساهم في تعزيز مصالح الأفراد والمؤسسات والاقتصاد والمجتمع ككل، وهو تعريف يبرز أهمية المعارف والمهارات المكتسبة سواء بطريقة رسمية أو غير نظامية أو غير رسمية، ويشدد على أهمية التعلم الذي يحدث داخل سياقات العمل والمجتمعات المحلية والأسر. وتماشيا مع ذلك، تدعو التوصية رقم 195 إلى إقامة نظم شاملة قادرة على الاستجابة لاحتياجات المهارات الحالية والمستقبلية، على أن تكفل هذه النظم خيارات تدريب مرنة، والاعتراف بالمهارات وتصديقها، ونظم مؤهلات متينة، وتمويلا مستداما، وضمان جودة، ودعما للتطور الوظيفي.
وتكمل اتفاقية الإجازة التعليمية المدفوعة الأجر رقم 140 وتوصيتها رقم 148 لعام 1974 هذه الصكوك، إذ ترسيان التزاما واضحا على الدول الأعضاء بتعزيز الوصول إلى التعليم والتدريب في عالم العمل. وتقضي الاتفاقية رقم 140 بأن تصوغ الدول الأعضاء وتطبق سياسة ترمي إلى الترويج، بأساليب تلائم الظروف والممارسات الوطنية وعلى مراحل عند الحاجة، لمنح الإجازة التعليمية المدفوعة الأجر، على أن تمنح هذه الإجازة لفترة محددة أثناء ساعات العمل، مع استحقاقات مالية كافية، بهدف مساعدة العمال على التكيف مع التغير التكنولوجي والاقتصادي والهيكلي. ومع أن هذه الاتفاقية تركز على المزايا الاجتماعية والحقوق الأخرى الناشئة عن علاقة عمل، فإنها تسري على جميع العمال، بمن فيهم العاملون في أشكال العمل غير النمطية أو غير المصرح بها، وإن كان تطبيقها قد يظل صعبا في السياقات غير الرسمية. وفي المقابل، تعالج توصية الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي لعام 2015، وهي التوصية رقم 204، احتياجات العمال والمتعلمين في الاقتصاد غير الرسمي معالجة صريحة، إذ تنص على أنه ينبغي الاعتراف بالتعلم السابق، كالمكتسب من خلال نظم التلمذة غير الرسمية، بما يوسع من فرص الحصول على عمل رسمي.
وتركيزا على جانب محدد من جوانب التعلم مدى الحياة، تدعو توصية التلمذة المهنية الجيدة لعام 2023، وهي التوصية رقم 208، إلى وضع أطر تنظيمية تعزز جودة برامج التلمذة المهنية، وتشدد على الدور الحاسم للنظم والبرامج الثلاثية في تطوير مهارات ومؤهلات محدثة تلبي متطلبات المهن المختلفة، كما تؤكد أهمية الحفاظ على معايير عالية لتدريب المعلمين والمدربين، وإضفاء الطابع الرسمي على اتفاقيات التلمذة المهنية، وضمان أجر مناسب وحماية اجتماعية كافية، فضلا عن تهيئة فرص شاملة اجتماعيا للوصول إلى برامج التلمذة المهنية بما يكفل استفادة مختلف الفئات منها. وإلى جانب ذلك، توفر توصية منظمة العمل الدولية واليونسكو المشتركة بشأن مركز المعلمين لعام 1966، والإعلان اللاحق الصادر عام 2018، إرشادات تأسيسية بشأن حقوق العاملين في التعليم والتدريس ومسؤولياتهم وظروف عملهم، وترمي هذه التدابير إلى دعم المعلمين والمربين في إعداد المتعلمين لا لمجرد التكيف مع مستقبلهم بل لتشكيله فعليا، بما يتسق مع الأهداف التعليمية وأهداف سوق العمل الأوسع.
ومع أن هذا الفصل يركز على معايير العمل الدولية المرتبطة مباشرة بتنمية المهارات والمؤهلات، فإن الفهم الواسع للتعلم مدى الحياة المعتمد في هذا التقرير، والذي يشمل التعليم والتعلم في عالم العمل والتعلم المجتمعي على امتداد مسار الحياة، يستدعي الرجوع إلى مجموعة أوسع من الصكوك ذات الصلة، منها اتفاقية الحد الأدنى لسن الاستخدام لعام 1973، وهي الاتفاقية رقم 138، واتفاقية أسوأ أشكال عمل الأطفال لعام 1999، وهي الاتفاقية رقم 182، وكلتاهما تصون حق الأطفال في التعليم، فضلا عن اتفاقية الشعوب الأصلية والقبلية لعام 1989، وهي الاتفاقية رقم 169، التي تدعم أشكال التعلم مدى الحياة الملائمة ثقافيا. وتؤكد هذه الصكوك مجتمعة أن التعلم مدى الحياة بعد رئيسي من أبعاد التنمية البشرية والعمل اللائق والعدالة الاجتماعية.
كما شددت لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات على الأهمية الحاسمة للتعلم مدى الحياة في مواجهة التحولات العالمية، ففي دراستها الاستقصائية العامة لعام 2020 بشأن تعزيز العمالة والعمل اللائق، أبرزت اللجنة الدور الأساسي للتعلم مدى الحياة في مواجهة الابتكارات التكنولوجية المستمرة وتغير المناخ والتحولات البيئية، وأقرت في سياقات التغير المستمر بأن الوصول إلى التعلم مدى الحياة يمكن جميع العمال من المشاركة الفاعلة في سوق العمل والتكيف بنجاح مع التحولات المقبلة.
وعلاوة على ذلك، ومستندة إلى معايير العمل الدولية، اعتمدت منظمة العمل الدولية التعلم مدى الحياة مبدأ تنظيميا لنهجها المتمحور حول الإنسان في تنمية المهارات. ويربط إعلان الذكرى المئوية لمنظمة العمل الدولية بشأن مستقبل العمل هذا المبدأ بالتحولات الجوهرية الجارية في عالم العمل، ويكلف المنظمة بتعزيز اكتساب جميع العمال للمهارات والكفاءات والمؤهلات طوال حياتهم المهنية باعتبار ذلك مسؤولية مشتركة بين الحكومات والشركاء الاجتماعيين. ولتحقيق ذلك، يكلف الإعلان المنظمة ودولها الأعضاء بضمان التعلم مدى الحياة والتعليم الجيد للجميع، ووضع تدابير فعالة لدعم العمال خلال التحولات المختلفة، مع إيلاء اهتمام خاص لنظم التعليم والتدريب المستجيبة لاحتياجات سوق العمل. ومن جانبه، شدد تقرير اللجنة العالمية المعنية بمستقبل العمل على أن الاستثمار في قدرات الناس هو حجر الزاوية في عقد اجتماعي متجدد، بما له من أهمية للأبعاد الأوسع للتنمية البشرية، إذ يهدف هذا الاستثمار إلى دعم الناس خلال التحولات والإسهام في بناء مجتمع نشط مدى الحياة، ولذلك يدعو التقرير إلى اعتراف رسمي باستحقاق عالمي للتعلم مدى الحياة.
وأخيرا، تجمع استراتيجية منظمة العمل الدولية بشأن المهارات والتعلم مدى الحياة حتى عام 2030 كثيرا من الأبعاد التي تناولتها الصكوك الدولية، وتقدم إطارا متفقا عليه للعمل يشرك الحكومات والشركاء الاجتماعيين والمجتمع المدني. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز قدرة المنظمة على مساعدة الأطراف المكونة لها في بناء نظم شاملة ومرنة وجامعة للتعلم مدى الحياة، تقوم على الحوار الاجتماعي، وترمي إلى توفير تعلم جيد النوعية والإسهام فعليا في التنمية البشرية وفي تحقيق عمالة كاملة ومنتجة ومختارة بحرية وعمل لائق.
1.3.2. وجهات نظر أصحاب المصلحة بشأن التعلم مدى الحياة في عالم العمل
لا يتفق فهم التعلم مدى الحياة وقيمته المتصورة بين الحكومات وأرباب العمل والعمال ومقدمي خدمات التدريب، إذ تؤثر هذه المنظورات المتعددة تأثيرا كبيرا في الطريقة التي يرتب بها أصحاب المصلحة الرئيسيون هؤلاء أولوياتهم ويشكلون بها تطور النظم، وكثيرا ما تفضي هذه الاختلافات إلى تنازع وتباين في وجهات النظر. وفي هذا السياق، يضطلع الحوار الاجتماعي بدور محوري في ترسيخ مكانة التعلم مدى الحياة بوصفه رافعة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، إذ يتيح تقريب وجهات نظر مختلف الأطراف وإيجاد أرضية مشتركة بينها، على النحو الذي تعكسه معايير العمل الدولية، مثل توصية تنمية الموارد البشرية لعام 2004، وهي التوصية رقم 195، وكما أكد عليه أيضا قرار مؤتمر العمل الدولي بشأن المهارات والتعلم مدى الحياة الصادر عام 2021. وتدعو منظمة العمل الدولية الحكومات إلى العمل بالتعاون مع الشركاء الاجتماعيين لضمان وصول الجميع إلى التعلم مدى الحياة، انطلاقا من التزام مشترك بتطوير النظم كما تعكسه معايير العمل الدولية، رغم تباين الآراء والمصالح. ويقدم هذا القسم تحليلا موجزا للقيم المتنوعة والتوقعات المتغيرة التي يحملها أصحاب المصلحة تجاه التعلم مدى الحياة.
فبالنسبة إلى الأفراد، تتزايد قيمة التعلم مدى الحياة بوصفه عاملا مساهما في النجاح المهني والتحقق الذاتي والرفاه والقدرة على التكيف في عالم متغير باستمرار، إذ تظهر دراسات استقصائية واسعة النطاق أجراها المركز الأوروبي لتطوير التدريب المهني عام 2021 ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2025 أن الشباب والكبار على حد سواء يعتبرون استمرار التعلم بعد التعليم والتدريب الأوليين أمرا أساسيا للحفاظ على قابلية التوظيف واغتنام الفرص المهنية. كما ينظر المتعلمون المنخرطون في التعليم والتدريب السابق للتوظيف إلى الشهادات والدبلومات المستقبلية، وكذلك إلى المهارات التي يكتسبونها، باعتبارها أمورا حاسمة لتأمين وظيفة أو لمواصلة التدريب.
وتبرز هذه الدراسات الاستقصائية أيضا تحولا في نظرة الأفراد إلى قيمة التعليم والتدريب الأوليين، فرغم أن الشهادات التقليدية تظل عنصرا حاسما للدخول إلى سوق العمل، تكتسب الدورات التدريبية القصيرة والمركزة على مجموعات مهارات محددة شعبية متزايدة. وإلى جانب ذلك، تؤدي الحوافز المالية، كالمنح الموجهة والمنح الدراسية والقروض الطلابية، دورا مهما في تحسين فرص وصول الفئات الضعيفة، كما يوفر تطوير برامج التعليم الجماهيري والتوعية، وتعدد نقاط الدخول إلى المسارات التعليمية، والاستفادة من وسائط متنوعة، سبلا مرنة للوصول إلى التدريب أمام أفراد من مختلف مناحي الحياة.
أما بالنسبة إلى العمال تحديدا، فإن التعلم مدى الحياة ضروري لهم من أجل التكيف مع احتياجات المهارات المتغيرة، وتعزيز قابليتهم للتوظيف، ومتابعة الترقي الوظيفي، ولذلك يتزايد الاهتمام بنظم التوجيه المهني وفرص التعلم القائم على العمل، كبرامج التدريب والتلمذة المهنية الجيدة. كذلك يمكن للتعلم مدى الحياة أن يترك أثرا إيجابيا في الإنتاجية والآفاق المهنية والدافعية، إذ يمكن للعمال ذوي الخبرة الذين يفتقرون إلى مؤهلات رسمية أن يستفيدوا من الاعتراف بالتعلم السابق مقترنا بتدريب تكميلي للحصول على المؤهلات اللازمة، في حين قد يحتاج العمال ممن باتت مهاراتهم متقادمة إلى تدريب في مجالات كالمهارات الرقمية والوظائف الخضراء ومحو الأمية والتواصل وتحليل البيانات. ورغم صعوبة إثبات فعالية نظم التعلم مدى الحياة إثباتا سببيا قاطعا، فإن الآثار الإيجابية لمختلف فرص التعلم موثقة توثيقا جيدا، كما أن مدى تقدير العمال للتعلم مدى الحياة بحسب فوائده المحتملة والمتحققة موثق كذلك. وتحظى فرص الارتقاء بالمهارات وإعادة تأهيلها بمرونة، من خلال التدريب القائم على العمل وفي مكان العمل، بتقدير كبير لما لها من أثر في قابلية التوظيف والدخل، في حين كثيرا ما يبحث العمال في منتصف مسارهم المهني عن تحولات وظيفية تنسجم بصورة أفضل مع تطلعاتهم الشخصية، وهنا يمكن أن يؤدي التوجيه المهني والمنح والإعانات الفردية دورا حاسما.
ومن المهم الإشارة إلى أن العمال في الاقتصاد غير الرسمي يصلون إلى التعلم أساسا عبر فرص غير نظامية وعرضية، وبخاصة نظم التلمذة الحرفية التقليدية أو غير الرسمية، التي تزود الأفراد بالمهارات اللازمة لحرفة بعينها، ويمكن الارتقاء بها لتلبية معايير الجودة الحديثة، ودمج التقنيات الجديدة فيها، وإتاحة فرص للحصول على مؤهلات رسمية. ويعد هذا المسار المرن حاسما لإدماج العمال غير الرسميين في الاقتصاد الرسمي وتعزيز أمنهم الوظيفي وآفاق تطورهم. وفي الوقت ذاته، من المهم الإقرار بأن كثيرا من العمال، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، غالبا ما يتنقلون بين العمل الرسمي والعمل غير الرسمي على امتداد حياتهم، ولذلك فإن دعم التعلم مدى الحياة في القطاعين معا أمر ضروري لضمان انتقالات أكثر سلاسة واستدامة في قابلية التوظيف.
ويقر أرباب العمل بضرورة التعلم مدى الحياة في تنمية مهارات القوى العاملة لتلبية احتياجاتهم الحالية والمستقبلية، والاحتفاظ بالمواهب وصقلها، وتيسير التوظيف، وتعزيز القدرة على التكيف والابتكار. وتؤدي برامج التلمذة المهنية دورا استراتيجيا في مواءمة برامج تنمية المهارات باستمرار مع احتياجات أسواق العمل الحالية والمستقبلية، وفي بناء قوة عاملة مؤهلة. كذلك ييسر التعلم القائم على العمل التطور المستهدف لمجموعات مهارات بعينها تدعم التكيفات في الإنتاج والخدمات اللوجستية والتسويق المرتبطة بالتحول الرقمي وبتخضير أماكن العمل. ويقترن الطلب على المهارات الرقمية والخضراء بطلب متزايد على مهارات أساسية وقابلة للنقل أخرى، كالتواصل وحل المشكلات، وكثيرا ما تلبى هذه الاحتياجات من خلال عرض متزايد من الشهادات الجزئية.
وتقدر الحكومات التعلم مدى الحياة لما له من آثار اجتماعية واقتصادية واسعة، تتحقق من خلال حلول تعليمية وتدريبية متنوعة وميسرة ومرنة، وقد تشمل هذه الفوائد تحسين فرص الوصول إلى محو الأمية والمهارات، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وارتفاع معدلات الابتكار الناتجة عن قوى عاملة أكثر مهارة، وتشجيع المواطنة الفاعلة، وتحسن عام في مستوى الرفاه. وتمتلك الحكومات القدرة على إقامة البنية التحتية والأطر التنظيمية والحوافز التي تحفز تطوير مختلف مكونات نظم التعلم مدى الحياة، سواء أكانت هذه المكونات تعليما أو تدريبا أوليا أو تعلما قائما على العمل أو تعلما رقميا. وتعنى الحكومات بضمان استمرار الوصول الشامل إلى التعليم، وتضطلع بدور أساسي في تمويل التعلم مدى الحياة وتوسيع نطاق الوصول إليه، وكذلك في ضمان جودة العرض التعليمي المتزايد التنوع، وكثيرا ما يتحقق ذلك من خلال شراكات استراتيجية ونهج ثلاثي يوازن بين مختلف المنظورات والاحتياجات المتكاملة.
وأخيرا، يستفيد مقدمو خدمات التعليم والتدريب من التعلم مدى الحياة لأنه يتيح لهم تنويع عرضهم وتوسيعه، والوصول إلى متعلمين جدد، وتقديم قيمة أعلى من الخدمات. ويشجع التعلم مدى الحياة على استحداث خيارات تعلم تتماشى بصورة وثيقة مع الطلب المتنامي على الارتقاء بالمهارات وإعادة تأهيلها بصورة موجهة، إذ يساعد اعتماد أساليب التقديم الهجينة والإلكترونية على خفض التكاليف وتوسيع العرض، وبناء القدرات عبر الاستعانة بمجموعة متنوعة من المدربين، وتصميم تدريب يستقطب المتعلمين على امتداد أعمارهم. كما يشجع تطور التعلم مدى الحياة التعليم والتدريب التقني والمهني على أن يصبح أكثر استجابة للطلب على المهارات، مدعوما بنماذج تمويل تدمج المساهمات الخاصة، وبتحسين حوكمة المهارات، وبتيسير الوصول إلى معلومات سوق العمل. وقد يفضي تطور التعلم مدى الحياة أيضا إلى توسع في العرض القائم على القطاع الخاص، غالبا في صورة دورات إلكترونية ذات مؤهلات تدريبية متفاوتة، وهو ما يطرح تحديات كبيرة من حيث تطوير النظم وتنظيمها.
1.3.3. تعريف التعلم مدى الحياة
استنادا إلى هذه الخلفية، يعتمد هذا التقرير التعريف المشار إليه أعلاه في مقدمة الفصل باعتباره نقطة انطلاق نحو تفعيل مفهوم التعلم مدى الحياة، بما في ذلك قياسه وتطبيقه عمليا.
وكما ورد في القسم 1.3.1، يبني هذا التعريف على التعريف الوارد في توصية تنمية الموارد البشرية لعام 2004، وهي التوصية رقم 195، التي وصفت التعلم مدى الحياة بأنه "جميع أنشطة التعلم التي تجري طوال الحياة من أجل تنمية الكفاءات والمؤهلات". ويضيف تعريف هذا التقرير عناصر أساسية ومبادئ توجيهية إضافية لازمة لتفعيل مفهوم التعلم مدى الحياة في سياق اليوم، وتسهم هذه العناصر في صياغة المفهوم وتفعيله على النحو التالي.
فأولا، يقوم مبدأ الوصول الشامل، إذ ينبغي الترويج للتعلم مدى الحياة من خلال عروض شاملة ومرنة لفرص التعلم، وهو ما يشمل إتاحة مسارات جامعة تعترف بخبرات التعلم السابقة، وتقديم حوافز مالية وغير مالية على حد سواء.
وثانيا، تبرز أهمية ملاءمة المهارات، إذ إن معالجة احتياجات المهارات الراهنة والناشئة وسد الفجوات وأوجه عدم التوافق فيها أمر بالغ الأهمية لضمان قابلية توظيف العمال، ووصولهم إلى العمل اللائق، وتعزيز إنتاجية المؤسسات وقدرتها على الابتكار.
وثالثا، تتصل الأهداف الأوسع، إذ يشمل التعلم مدى الحياة، تماشيا مع النهج المتمحور حول الإنسان، أهدافا أرحب من الجانب الاقتصادي البحت، من بينها تحقق الذات وتنمية المجتمعات المحلية والانتقال إلى مجتمعات أكثر شمولا واستدامة وقدرة على الصمود.
ورابعا، يقوم مبدأ شمول النظم، إذ يتطلب التعلم الفعال مدى الحياة سياسات متماسكة ومنسقة ترتبط بسياسات العمالة والحماية الاجتماعية والاستراتيجيات البيئية والرقمية. ومع أن صكوك منظمة العمل الدولية تمتنع عن فرض نهج وحيد محدد أو بنية مثالية واحدة لنظم التعلم مدى الحياة، فإنها تشجع على تطوير نظم شاملة تقوم على استخبارات متينة بشأن المهارات، وينبغي أن تجمع هذه النظم بين فرص تعلم مرنة وجامعة تدعمها مؤسسات قوية، بما في ذلك الحوار الاجتماعي وترتيبات التعلم القائم على العمل كالتلمذة المهنية. كما تعتمد هذه النظم على أطر واضحة المعالم، وحوكمة فعالة، وتمويل مستقر، وكوادر مؤهلة، وآليات صارمة لضمان الجودة، والاعتراف بالتعلم السابق، وتوفير التوجيه المهني.
وتقدم التوصية رقم 195 توجيهات في هذا الصدد، إذ تشدد على ضرورة إدماج التعليم والتدريب والتعلم مدى الحياة في السياسات والبرامج الاقتصادية والمالية والاجتماعية وسياسات سوق العمل الأوسع، دعما للنمو المستدام والعمالة والتنمية الاجتماعية. كما تدعو الدول الأعضاء إلى ضمان التنسيق بين جميع مكونات نظام التعليم والتدريب ضمن إطار التعلم مدى الحياة.
وتدمج هذه العناصر مجتمعة أبعاد "عالم العمل" مع الأبعاد "المجتمعية الأوسع" للتعلم مدى الحياة، بما يؤكد أهمية الحوار الاجتماعي في توسيع الفرص وضمان جودة العرض، كما تعكس هذه العناصر إدراكا بأن التعلم مدى الحياة لا يخدم فقط الأهداف الاقتصادية وأهداف العمالة، بل يسهم إسهاما كبيرا أيضا في التنمية البشرية والاجتماعية والبيئية الأوسع. وتفضي هذه الرؤية إلى الطابع المتعدد الأبعاد للتعلم مدى الحياة إلى صياغة ثلاثة مبادئ توجيهية، تتسق مع الإطار الذي حدده قرار مؤتمر العمل الدولي بشأن المهارات والتعلم مدى الحياة لعام 2021، من أجل فهم شامل للتعلم مدى الحياة.
يتمثل المبدأ الأول في اتساع النطاق مدى الحياة، إذ يتألف التعلم مدى الحياة من أنشطة تعلم تجري على امتداد دورة الحياة وفي سياقات متنوعة، كالمدرسة والعمل والمجتمعات المحلية والمنزل، وأثناء ممارسة الأفراد لأدوار وأنشطة متنوعة.
ويتمثل المبدأ الثاني في تنوع الطرائق، إذ يشمل التعلم مدى الحياة مجموعة واسعة من طرائق التعلم، من التعلم الرسمي المفضي إلى شهادات ومؤهلات، إلى التعلم غير النظامي، كالتدريب شبه المنظم أثناء العمل، الذي قد لا يفضي بالضرورة إلى شهادة. أما التعلم غير الرسمي، وهو ما يكتسب دون قصد من خلال العمل وأنشطة أخرى أو من خلال الاستكشاف الشخصي للمعلومات والتفاعل الإنساني، فيشكل جزءا لا يتجزأ من التعلم مدى الحياة.
ويتمثل المبدأ الثالث في الشمول والإنصاف، إذ يتسم التعلم مدى الحياة بأنه متمحور حول الإنسان وجامع، يتيح فرص تعلم متكافئة للجميع، بصرف النظر عن خلفياتهم.
1.4. تفعيل التعلم مدى الحياة
1.4.1. الإطار المفاهيمي للتعلم مدى الحياة المستخدم في هذا التقرير
يفضي التعريف الشامل والمتعدد الأبعاد للتعلم مدى الحياة الذي يعتمده هذا التقرير، وأسسه المفاهيمية المستمدة من معايير العمل الدولية التي جرى تناولها أعلاه، إلى تحديد ثلاثة أبعاد رئيسية للتعلم مدى الحياة، لكل منها أهدافه المختلفة بالنسبة إلى الأفراد والمؤسسات والمجتمع. وهذه الأبعاد الثلاثة هي التعليم أو التمدرس، وعالم العمل، والتعلم المجتمعي الأوسع.
فالبعد الأول يقر بأن جزءا كبيرا من التعلم مدى الحياة يحدث داخل مؤسسات تعليمية متنوعة، من التعليم المبكر والأساسي للأطفال والمراهقين، إلى التعليم العالي والجامعي. وهذا البعد، الذي يخضع عادة لولاية حكومات وطنية أو إقليمية أو محلية، يركز على اكتساب المعرفة، وبناء الشبكات الاجتماعية، وتنمية المهارات المعرفية وغير المعرفية، بدءا من القراءة والكتابة والحساب، وصولا إلى القدرة على التعلم نفسها وتنمية المهارات الاجتماعية والوجدانية.
أما البعد الثاني، وهو محوري في مهمة منظمة العمل الدولية وأنشطتها، فيتعلق بالتعلم ذي الصلة المباشرة بعالم العمل، سواء كان قائما على العمل أو داخل الفصول الدراسية أو مبادرة من العمال أنفسهم. وينظر هذا البعد إلى التعلم بوصفه بوابة نحو ظروف عمل لائقة، ويعالج قدرة العمال على الصمود في مواجهة الظواهر التحويلية الكبرى التي تشهدها أسواق العمل المعاصرة، كالتغير التكنولوجي والتحول نحو اقتصادات أكثر استدامة بيئيا. ويدعم هذا التعلم العمال ويعود بفائدة كبيرة على أرباب العمل أيضا، ولذلك لا ينبغي اعتباره مسؤولية تقع على عاتق العمال وحدهم. وكما سبق بيانه، يتسق هذا النوع من التعلم مع طلب أرباب العمل على مهارات محددة، بما يفضي إلى زيادة الإنتاجية والابتكار، ويسهم في نهاية المطاف في تعزيز النمو والتنمية الاقتصاديين على نحو مستدام. ولهذا يشكل الانخراط الفاعل لمنظمات أرباب العمل والعمال معا عنصرا أساسيا في تصميم وتنظيم عروض تعلم تلبي احتياجات سوق العمل من المهارات الحالية، وتعزز تحقق العمال الذاتي، وتحسن ظروف عملهم.
وانعكاسا لتنوع التعلم داخل عالم العمل، تشير معايير العمل الدولية إلى مجموعة واسعة من الصكوك المتصلة بالتعلم في مجال العمل. ويركز بعضها على تيسير الدخول إلى سوق العمل، بما في ذلك التدريب السابق للتوظيف الذي تقدمه المؤسسات التعليمية، وهو مجال يتقاطع مع البعد الأول من هذا الإطار، بما يوضح أوجه التكامل القائمة بين الأبعاد الثلاثة.
وتؤدي برامج التلمذة المهنية دورا حاسما في تيسير دخول العمال الأولي إلى سوق العمل، وتظل مهمة أيضا للعمال الأكبر سنا. ويتفاوت مدى توافر برامج التلمذة المهنية وتنظيمها بين البلدان، مما يفضي إلى هياكل تنظيمية مختلفة، تشمل نظما مدرسية، ونظما مزدوجة تجمع بين التعليم النظري في المدارس المهنية والتدريب العملي في الشركات، ونظما للتلمذة غير الرسمية تراعي الأعراف والتقاليد المحلية. أما برامج التلمذة المهنية التي يجري فيها عنصر التعلم داخل المدارس الثانوية فتتقاطع مباشرة مع البعد الأول من هذا الإطار، وهو ما يظهر مجددا مدى ترابط الأبعاد المختلفة.
وثمة شكل آخر من أشكال التعلم داخل عالم العمل يستهدف على وجه التحديد تحسين آفاق التوظيف أمام العمال العاطلين عن العمل أو ناقصي العمالة، وينظم هذا النوع من التدريب عادة في إطار سياسات سوق العمل النشطة، ويفضل أن يقترن بمزايا الحماية الاجتماعية. وإلى جانب ذلك، تشمل معايير العمل الدولية المشار إليها أعلاه أشكالا أخرى متعددة من التعلم القائم على العمل، كالتدريب الذي يوفره أرباب العمل، والتعلم الذاتي الذي يبادر إليه العمال أنفسهم، والتعلم العام الذي يحدث من خلال التفاعلات في مكان العمل.
وأما البعد الثالث فيبرز صراحة الجوانب المجتمعية للتعلم، حيث يفعل التفاعل الجماعي بين الأفراد والمؤسسات إمكانات لا يمكن تحقيقها بمعزل عن هذا التفاعل، ويحقق نتائج تعجز عن بلوغها الجهات الفاعلة منفردة. وبحسب مدى المشاركة التعاونية لعدد كاف من الفاعلين، يوسع هذا البعد المجتمعي النطاق ليتجاوز مصالح العمال أو الشركات الفردية، ليشمل أهدافا من قبيل المواطنة الفاعلة. كما يشمل هذا البعد تنمية الهويات المهنية والحرفية، رابطا بذلك بين تحقق الفرد الذاتي ومبادئ العمل اللائق. وترمي هذه الجهود إلى تعزيز التماسك الاجتماعي والحد من أوجه التفاوت من خلال تشجيع مشاركة الفئات المهمشة في العمليات المجتمعية. ولا يقتصر تيسير هذا النوع من التعلم على المؤسسات التعليمية وعالم العمل وحدهما، وتحديدا من خلال النقابات ومنظمات العمال، بل يمتد أيضا ليشمل العمل المجتمعي والتفاعلات الأسرية، وهو ما يعكس مرة أخرى الترابط القائم بين الأبعاد الثلاثة جميعا.
1.4.2. التعلم مدى الحياة بوصفه نظاما: التحديات والتنفيذ
انطلاقا من الإطار المفاهيمي الشامل الموضح أعلاه، بات من الضروري مناقشة التعلم مدى الحياة ضمن سياق نظامي متكامل، ذلك أن تحقيق تعلم شامل مدى الحياة يتطلب أكثر من مجرد توفير فرص فردية، إذ يستلزم جهدا منسقا بين السياسات وعروض التعلم ونظم الدعم لبناء مسارات تعلم سلسة أمام الأفراد. ويعد تطوير هذا النظام المتكامل أمرا أساسيا، وهو ما تقر به الأطراف المكونة لمنظمة العمل الدولية. ويتناول هذا التقرير على امتداد فصوله بعض المسائل السياساتية المهمة لتطوير هذه النظم.
ويشمل مفهوم نظم المهارات والتعلم مدى الحياة أطرا شاملة مصممة لتعزيز فرص التعلم المستمر ودعمها طوال حياة الفرد، وتتفاوت هذه النظم من حيث نطاقها ودرجة تطورها. ومن العناصر الأساسية لهذه النظم تنوع طرائق التعليم والتدريب، أي الرسمية وغير الرسمية وغير النظامية، وخدمات الدعم، كالاعتراف بالتعلم السابق والمساعدة المالية والدعم في التطور الوظيفي، فضلا عن ترتيبات وآليات الحوكمة، مثل نظم استشراف المهارات وضمان الجودة.
ومع ذلك، نادرا ما يعامل التعلم مدى الحياة باعتباره نظاما متماسكا، بل كثيرا ما يرتبط بمجموعة من الأنشطة والبرامج غير المنسقة الموزعة بين مقدمين متعددين، تنظمها وتديرها سياسات وهيئات مختلفة، كالوزارات والجمعيات المهنية والغرف والهيئات الثنائية وغيرها. ورغم أن عددا متزايدا من الحكومات يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التنسيق، فإنها كثيرا ما تواجه تشرذما نظاميا يفتقر إلى رؤية استراتيجية ونهج سياساتي متكامل. فعلى سبيل المثال، تفتقر عادة إلى التنسيق جهود من قبيل توسيع برامج التلمذة المهنية، والتعلم غير النظامي، ونظم الاعتراف بالتعلم السابق.
كما أن غياب تقييم مناسب للوضع القائم وغياب أطر حوكمة فعالة قادرة على قيادة جهود التنسيق وتنمية القدرات يعيق أيضا تحقيق النتائج المرجوة. فالتنفيذ الفعال لبرامج التعلم مدى الحياة يستلزم تشخيصا أوليا دقيقا، وينبغي أن تحكم هذه البرامج آليات حوكمة تشاركية ولا مركزية، توفر تمويلا كافيا وآليات لضمان الجودة تتيح تقييم الأثر. وكثيرا ما تفتقر هذه البرامج إلى المرونة اللازمة، فتخفق في تلبية احتياجات الأفراد على النحو المناسب، وتعامل المتعلمين باعتبارهم "حالة إشكالية" كلما لم يتطابقوا مع النماذج المحددة مسبقا للمستفيدين أو شكلوا تحديا أمام السير المعتاد للإجراءات المقررة، بدلا من أن تقدم لهم حلولا ملائمة.
وعلاوة على ذلك، تواجه برامج التعليم والتدريب خطر الإخفاق في الوصول إلى الفئات الأكثر استفادة منها، بسبب سوء الاستهداف، وعدم مرونة فرص التعلم، وغياب التدابير التمكينية اللازمة. وكثيرا ما يفضي هذا إلى إقصاء الفئات الضعيفة، كالشباب والنساء والفئات المحرومة اقتصاديا والأقليات العرقية والسكان المعزولين، عن فرص التعلم.
1.4.3. التنوع في تطور نظم التعلم مدى الحياة
لا يعد بلوغ مستويات أعلى من تطور النظم عملية خطية، إذ يكشف التطور الوطني في مختلف البلدان عن تشكيلات نظامية نموذجية تعكس مسارات تاريخية وأولويات مختلفة في مراحل متباينة من نضج النظام. ويكشف تطور التعلم مدى الحياة عن تفاعل معقد بين التقارب والتباين داخل نظم التعليم والتدريب في مختلف أنحاء العالم. وتتجذر هذه التعقيدات في الممارسات التعليمية التقليدية، حيث شكل التعليم غير الرسمي وغير النظامي، النابع من التعلم العرضي عبر أنشطة العمل والمشاركة المجتمعية، على مر التاريخ حجر الزاوية في تنمية المعرفة والمهارات.
وفي المقابل، وكما ورد في القسم 1.2.1، نشأ التعليم الرسمي أصلا في مدارس مجتمعية غالبا ما قادتها مؤسسات دينية، ثم تطور تدريجيا إلى نظم تعليم عام تقودها الدولة، تهدف إلى تحقيق محو الأمية الأساسي للجميع. وقد أسهم الإرث الاستعماري أيضا في تشكيل هذه النظم التعليمية الرسمية، وكثيرا ما رسخ التراتبيات الاجتماعية القائمة وأدام أوجه التفاوت. ورغم الجهود المبذولة عقب إنهاء الاستعمار لتوسيع الوصول إلى التعليم الرسمي، لا يزال التعليم غير الرسمي وغير النظامي يؤدي دورا محوريا في كثير من المجتمعات بفضل قدرته على التكيف وسهولة الوصول إليه من الجميع.
وهكذا يعمل التعلم مدى الحياة ضمن حيز غير مؤسسي إلا جزئيا، فبينما يخضع التعليم الرسمي والتعليم والتدريب التقني والمهني لهياكل مؤسسية راسخة تعزز مشروعيتهما وتيسر استمرار التمويل العام لهما، إذ يلتزم التعليم الرسمي بمناهج وعمليات تقييم موحدة مدعومة بحماية للحقوق الفردية، بينما يحافظ التعليم والتدريب التقني والمهني، وإن لم يكن قائما في جوهره على الحقوق، على درجة من التوحيد القياسي المرتبط بعمليات التصديق والاعتماد، فإنهما كثيرا ما يواجهان صعوبة في التكيف مع الاحتياجات المحلية وأفضليات الأفراد، مما يفضي إلى أوجه عدم تطابق بين العرض التعليمي ومتطلبات السوق واحتياجات الأفراد. ويوفر مفهوم التعلم مدى الحياة نهجا مرنا لمعالجة الاحتياجات الاقتصادية والمجتمعية والمحلية والفردية، متجاوزا بذلك هياكل التعليم والتدريب الموحدة.
وبناء على ذلك، يتباين فهم التعلم مدى الحياة ومأسسته تباينا كبيرا بين البلدان، ففي بعض البلدان يرتبط التعلم مدى الحياة ارتباطا وثيقا ببرامج تعليم الكبار التي تقدمها مؤسسات معتمدة من الدولة، وقد تشمل هذه البرامج دورات محو الأمية والتدريب التقني وبرامج التلمذة المهنية الرسمية. وفي بلدان أخرى، ينصب التركيز على التدريب المستمر داخل المؤسسات، الممول جزئيا من مراكز التدريب، أو على برامج مرنة قصيرة الأجل قد لا تفضي إلى شهادة رسمية. أما النطاق الأوسع الذي يجمع بين هذه العروض المتعددة فهو الأكثر انسجاما مع مفهوم التعلم مدى الحياة كما ورد في معايير منظمة العمل الدولية.
ونظرا للحجم الكبير الذي يمثله الاقتصاد غير الرسمي في كثير من البلدان، يصبح دمج التعلم مدى الحياة بالعمل أمرا أساسيا، وهو ما يقتضي توسيع برامج التعلم غير النظامي، وتوفير التعليم والتدريب لدوام جزئي، وتطبيق التعلم عن بعد، والارتقاء بنظم التلمذة الحرفية التقليدية بما يلبي احتياجات الفئات السكانية المتنوعة على نحو أفضل. كذلك تعد جهود التوعية، والاعتراف بالتعلم السابق، والتوجيه المهني، والاستفادة من مختلف وسائط الإعلام، بما في ذلك المنصات الرقمية والإذاعة، عناصر أساسية لضمان وصول شامل إلى فرص التعلم مدى الحياة. ومن الأهمية بمكان أن تتماشى برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الضعيفة مع مسارات تنمية المهارات والمؤهلات، بما يمكن الأفراد من المشاركة عندما تجعل قيود الوقت والدخل هذه المشاركة مكلفة.
ومع تطور النظم، يمكن أن تتغير الأولويات، إذ تركز كثير من البلدان في مرحلة أولى على توسيع التدريب المهني الرسمي، لا سيما في السياقات التي تشكل فيها هياكل التعليم الرسمي إرثا موروثا من الإدارات الاستعمارية. وكثيرا ما يستلزم ذلك استثمارات عامة في التدريب الأولي وتوسيع المعايير والأنظمة، من قبيل المؤهلات والمناهج الدراسية وتأهيل المدربين مهنيا والتصديق والاعتماد. ومع مرور الوقت وتغير الحقائق الاقتصادية والاجتماعية، قد تتجه التطورات الموجهة إما نحو توسيع التعليم المؤسسي أو نحو دعم أطر التعليم غير النظامي القائمة، وقد تختار بعض البلدان توسيع عروض التدريب الحكومية مع تحفيز التدريب داخل المؤسسات في الوقت نفسه.
وقد تعطي البلدان ذات مستويات الدخل المختلفة الأولوية لجوانب مختلفة من تطوير النظم، فقد تركز البلدان المنخفضة الدخل مثلا على توسيع برامج التعليم الجماهيري لمواجهة تحديات محو الأمية الأساسية، وتطوير نظم الاعتراف بالتعلم السابق، وتيسير الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، والارتقاء بنظم التلمذة الحرفية التقليدية، وتمكين المجتمعات المحلية. وفي المقابل، قد تسعى البلدان المتوسطة والمرتفعة الدخل إلى تعزيز التنافسية والابتكار التكنولوجي، وتلبية المتطلبات الاجتماعية، وإطالة الحياة المهنية. ومن التطورات الأساسية للتدخل الفعال في هذا الصدد إنشاء نظم لمعلومات سوق العمل، ووضع استراتيجيات على مستوى القطاعات، وتوفير حوافز مالية فردية تتيح مسارات تعلم مصممة خصيصا للأفراد.
ورغم الجهود المبذولة لتطوير مكونات نظامية متطورة في بعض المجالات، قد تترك كثير من البلدان جوانب أخرى دون تطوير كاف نسبيا. فعلى سبيل المثال، قد تمتلك بعض البلدان آليات تمويل متنوعة، وحوكمة قوية متعددة الأطراف، ومعلومات وافية عن سوق العمل، بينما تظل تدابير ضمان الشمول غير كافية. وعلى النقيض من ذلك، قد تواجه نظم تمتلك أطر مؤهلات متطورة ونظما جيدة لتدريب المدربين صعوبة في مواءمة عروض التدريب الرسمي مع احتياجات القطاعات الصناعية، وقليلة هي النظم التي تعالج جميع هذه الجوانب بصورة شاملة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية استراتيجية.
كما تشكل سمات هيكلية أخرى للاقتصاد طريقة تطور نظم التعلم مدى الحياة، فعوامل من قبيل التركيبة القطاعية، وحجم المؤسسات، وتنظيم العمل، وحجم سوق العمل غير الرسمي، ومتانة مؤسسات سوق العمل، يمكن أن تؤثر جميعها في أولويات النظام وقدراته. فعلى سبيل المثال، تتيح الأطر التنظيمية القوية مسارات تعلم أكثر تنظيما، يسهل تطبيقها في المؤسسات الرسمية الأكبر حجما. كذلك يمكن لمؤسسات سوق العمل المتينة والعلاقات الصناعية الفعالة المدعومة بالحوار الاجتماعي أن تسهم في تطوير استحقاقات التعلم، وتشجيع المشاركة في التدريب، وتيسير تكييف أنشطة التعلم بما يلائم فئات محددة.
ومن الأهمية بمكان الإقرار بأنه، رغم إمكانية تحديد عناصر تدل على تطور النظام، كما جرت مناقشته في الأقسام السابقة، لا توجد عملية خطية مثالية واحدة، إذ يفضي تطور نظم التعلم مدى الحياة إلى حلول متمايزة تعكس سياقات وتحديات وإرثا خاصا بكل بلد. ويقر هذا التقرير بأن الأبعاد السياساتية تتباين تباينا كبيرا، وهو ما يؤكد أهمية تكييف الاستراتيجيات بما يلبي الاحتياجات والظروف المحلية بفعالية.
1.5. الخلاصة
يتبين أن التعلم مدى الحياة مفهوم ديناميكي ومتعدد الأبعاد، مرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت المجتمعات عبر مختلف الحقب، من عصر التنوير والثورة الصناعية إلى العصر الرقمي واهتمام اليوم بالاستدامة. وتمتد جذوره الفلسفية عبر ثقافات وتقاليد متعددة، وتؤطر باستمرار التعليم المستمر باعتباره أساسا لا غنى عنه لتحقق الفرد ولبناء مجتمعات متناغمة على حد سواء.
وقد أدركت جهات فاعلة متعددة، على الصعيدين الوطني والدولي، منذ أمد بعيد إمكانات التعلم مدى الحياة. وقد أكدت منظمة العمل الدولية بدورها أهميته من خلال معايير العمل الدولية وأطر السياسات التي اعتمدتها. وينظر إلى التعلم مدى الحياة لا باعتباره وسيلة فقط لتعزيز قدرة العمال على التكيف مع أسواق عمل متغيرة، بل أيضا باعتباره أساسا لوصول أكثر إنصافا إلى فرص التعلم، ونمو شامل، وتمكين الأفراد والمجتمعات في مختلف أرجاء عالم العمل.
ورغم هذا الاهتمام المتنامي بالتعلم مدى الحياة وتنمية المهارات، لا يوجد حتى الآن فهم متفق عليه عالميا لماهية التعلم مدى الحياة. ويقدم هذا الفصل تعريفا لهذا المفهوم ويعرض إطارا مفاهيميا لتفعيله عبر مجالات مختلفة. فالتعلم مدى الحياة، بحسب هذا الفهم الشامل، يضم جميع أنشطة التعلم التي يخوضها الفرد أو تخوضها الجماعات طوال حياتهم، سواء في سياقات تعليمية أو مهنية أو أسرية أو اجتماعية أخرى، ويشدد على تنمية المعارف والمهارات والمواقف أو السلوكيات المفضية إلى التعلم بما يستجيب لتطلعات الأفراد والجماعات واحتياجاتهم معا، بصرف النظر عن نتائج التصديق الرسمي. ويوسع هذا التعريف الموسع نطاق ما يشكل تعلما متجاوزا الأطر التعليمية التقليدية، ويقر بقيمة عمليات التعلم غير الرسمي وغير النظامي.
وانطلاقا من هذا التعريف واستنادا إلى معايير العمل الدولية، يقدم هذا الفصل إطارا مفاهيميا يصنف التعلم مدى الحياة ضمن ثلاثة مكونات مترابطة، هي التعليم والتمدرس، وعالم العمل، والتعلم المجتمعي الأوسع. ويدعم هذا الإطار فهما أكثر شمولية لكيفية عمل التعلم مدى الحياة عبر مختلف مستويات المجتمع، وكيفية دعمه لتطوير السياسات وتنفيذها على نحو أكثر فعالية في سياقات متعددة.
وإجمالا، يضع هذا التعريف وهذا الإطار التعلم مدى الحياة في مرتبة أولوية استراتيجية متعددة الأبعاد. فمن خلال تقديم نهج واضح وقابل للتطبيق، يزودان واضعي السياسات والمربين والشركاء الاجتماعيين وسائر أصحاب المصلحة بما يلزمهم لبناء نظم تدعم التنمية الشخصية، وتعزز إنتاجية المؤسسات، وتنهض بتقدم اجتماعي شامل ومستدام.
