القائمة الرئيسية

التعلم مدى الحياة والمهارات من أجل المستقبل (5/5)

التعلم مدى الحياة والمهارات من أجل المستقبل (5/5)
ملخص الدراسة

يؤكد هذا الفصل على الحاجة الملحة لتحويل نظم التعلم مدى الحياة لكي تستجيب لمتطلبات عالم العمل المتسارع، مسلطاً الضوء على الفجوة بين الإقرار بأهمية اكتساب المهارات وواقع توفيرها. ويرجع ذلك إلى حواجز فردية، كضيق الوقت والتكاليف وتدني العائد المتصور، وأخرى مؤسسية تتعلق بتشتت الحوكمة وضعف التنسيق وغياب العروض التدريبية الملائمة وآليات الاعتراف بالتعلم السابق. كما يتناول التحديات الكبيرة في تمويل هذا التعلم، الذي يميل الإنفاق العام عليه إلى الانخفاض، لا سيما في البلدان الأقل ثراءً، رغم العوائد الاقتصادية المثبتة للتدريب الفعال. ويُبرز الفصل أهمية الحلول متعددة الأبعاد، التي تشمل الدعم المالي الموجه، وتصاميم البرامج المرنة والفعالة الموجهة للفئات المستهدفة، إلى جانب تعزيز التنسيق المؤسسي والتمويل المستدام والشراكة بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال لبناء نظم متكاملة وموجهة نحو المستقبل.

5.1. مقدمة

بعد أن حدد الفصلان الثالث والرابع من هذا التقرير أهم المهارات اللازمة لتحسين نتائج التوظيف وتعزيز قدرة الأفراد والمنشآت على التكيف مع التحولات المتسارعة في عالم العمل، ينتقل هذا الفصل الخامس إلى مستوى آخر من التحليل، هو نظم وبرامج التعلم مدى الحياة التي لا غنى عنها لدعم اكتساب هذه المهارات وتجديدها باستمرار. فمعرفة نوع المهارات المطلوبة لا تكفي وحدها، إذ لا بد من وجود القنوات المؤسسية والبرامجية القادرة على إيصال هذه المهارات إلى من يحتاجها، في الوقت المناسب وبالجودة المناسبة. ورغم أن أهمية التعلم مدى الحياة باتت موضع اعتراف واسع من الحكومات وأصحاب العمل والعمال على حد سواء، فإن الواقع الفعلي يكشف عن صورة مغايرة، إذ لا يزال توفير فرص هذا التعلم والمشاركة الفعلية فيه متفاوتين بشدة ومقيدين في سياقات كثيرة حول العالم، سواء بين البلدان أو داخل البلد الواحد. ومن هنا تنبع الحاجة الملحة إلى فهم أعمق للأسباب التي حالت دون ترويج التعلم مدى الحياة على النطاق الذي تستدعيه التحولات الجارية في أسواق العمل، وتحديد السبل الكفيلة بتجاوز الحواجز التي لا تزال تعترضه، بوصف ذلك خطوة أساسية لتحسين اتساع عروض التعلم وملاءمتها لاحتياجات سوق العمل وجودتها في آن واحد، ولتعزيز قدرة أسواق العمل على الصمود في وجه الصدمات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية والديمغرافية.

ويشكل تعزيز التعلم مدى الحياة تحديا سياساتيا بالغ التعقيد، تتشابك فيه مجموعتان من القيود: قيود على مستوى المؤسسات وأخرى على مستوى الأفراد أنفسهم. فعلى مستوى الأفراد، تبرز عوائق متكررة تحول دون المشاركة، من أبرزها ضيق الوقت المتاح للتعلم في ظل الالتزامات المهنية والأسرية، والتكاليف المالية المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالتدريب، وتدني العائد المتصور من التعلم لدى كثير من الأفراد الذين لا يرون فيه استثمارا يستحق الجهد والمال، ومحدودية الوصول إلى خيارات تعلم مرنة وملائمة لظروفهم الشخصية. أما على المستوى المؤسسي، فإن تشتت الحوكمة بين وزارات وهيئات متعددة، وضعف التنسيق بين القطاعات وأصحاب المصلحة المختلفين من حكومات ومنظمات أصحاب عمل ومنظمات عمال، وضعف تطور آليات ضمان الجودة، واستمرار الفجوات بين ما تنص عليه السياسات وما يُنفَّذ منها فعليا على أرض الواقع، كلها عوامل تعرقل تطوير نظم تعلم مدى الحياة شاملة وفعالة وتقديمها على النحو المطلوب. ومن دون معالجة هذه التحديات البنيوية العميقة، يصعب على أي مبادرات تعلم، مهما أُحسن تصميمها من الناحية الفنية، أن تحقق كامل إمكاناتها المرجوة، إذ تظل محاصرة بعوائق تتجاوز حدود البرنامج الواحد لتطال البنية الأشمل للنظام برمته.

ولفهم هذه القضايا بشكل أعمق وأكثر استنادا إلى الأدلة، يستند هذا الفصل إلى استقصاءين جديدين أُعدا خصيصا لأغراض هذا التقرير، ويشكلان معا مصدرا غنيا وغير مسبوق من نوعه لفهم واقع التعلم مدى الحياة من زاويتين متكاملتين. فاستقصاءات منظمة العمل الدولية بشأن التعلم مدى الحياة، التي سبق عرضها في الفصل الثاني، تقدم رؤى غنية ومباشرة حول احتياجات الأفراد التعليمية، ودوافعهم للانخراط في التعلم أو الإحجام عنه، وتصوراتهم للعائد المتوقع من هذا التعلم، والعقبات الفعلية التي تحول دون مشاركتهم، وذلك في مجموعة مختارة من البلدان شملت بلدانا من مستويات دخل متفاوتة. ويكمّل هذه الاستقصاءات على مستوى الأفراد استقصاء مؤسسي جديد بشأن التعلم مدى الحياة أعدته منظمة العمل الدولية، وهو الأول من نوعه الذي يُجرى على نطاق عالمي شامل، إذ يغطي إجابات وردت من وزارات وهيئات وطنية معنية بالمهارات وشركاء اجتماعيين، أي منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال، في واحد وعشرين بلدا موزعة على مختلف قارات العالم ومستويات الدخل، وهي على وجه التحديد بنغلاديش والرأس الأخضر وشيلي والصين وكولومبيا والكونغو وكوستاريكا والهند وإندونيسيا ومدغشقر والمكسيك والجبل الأسود والمغرب والفلبين وجمهورية مولدوفا والمملكة العربية السعودية والسنغال وجنوب أفريقيا وتركيا وجمهورية تنزانيا المتحدة وفيتنام. ويستكشف هذا الاستقصاء المؤسسي البنية المؤسسية الكامنة وراء نظم التعلم مدى الحياة في هذه البلدان، فيسلط الضوء على الاستراتيجيات الوطنية المعتمدة وآليات الحوكمة القائمة، ونماذج التمويل المتبعة، ومستوى إشراك أصحاب المصلحة المختلفين، ومعايير الاعتراف بالتعلم وعمليات المصادقة عليه واعتماده. وتجدر الإشارة إلى أن نتائج هذين الاستقصاءين لا تُقصد منها التعميم على مستوى عالمي، بل تهدف إلى إلقاء الضوء على أسئلة جوهرية متصلة بالتعلم مدى الحياة كان من الصعب الإجابة عنها بأدوات الاستقصاء المتاحة سابقا. وبذلك يوفر هذان الاستقصاءان معا منظورا فريدا وغير مسبوق لفهم الكيفية التي تتشكل بها نتائج التعلم مدى الحياة بفعل تفاعل عوامل فردية وعوامل مؤسسية في آن واحد، بدلا من الاكتفاء بدراسة أحد الجانبين بمعزل عن الآخر.

ويسير هذا الفصل وفق التسلسل التالي: يرسم القسم 5.2 خريطة شاملة لأبرز الحواجز التي تعترض المشاركة في التعلم مدى الحياة وتقديمه على حد سواء، مستندا إلى قاعدتي بيانات الاستقصاءين المذكورين لتحديد أين تظل فرص الوصول محدودة ولماذا. أما القسم 5.3 فيستكشف العوامل التي تجعل نظم التعلم مدى الحياة فعالة من الناحية العملية لا النظرية فحسب، فيبدأ بفحص العوامل الممكّنة على مستوى النظام ككل، مثل ترتيبات الحوكمة، وآليات التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المختلفة، ومشاركة الشركاء الاجتماعيين في صياغة السياسات وتنفيذها، وهي عوامل ترسخ نظما شاملة ومتجاوبة مع احتياجات سوق العمل المتغيرة، ثم ينتقل هذا القسم إلى برامج تنمية المهارات تحديدا، معتمدا على تحليل تلوي جديد وواسع النطاق لتقييمات الأثر العالمية، بهدف تحديد أنواع التدخلات التدريبية ومجموعات المهارات الأكثر فاعلية، ولأي الفئات السكانية تحديدا. ويتناول القسم 5.4 مسألة التمويل المستدام والمنصف للتعلم مدى الحياة، مستكشفا نماذج التمويل القائمة ومستفيدا من الممارسات العالمية الفعالة لإلقاء الضوء على آليات تقاسم التكاليف والاستثمار القائمة والتي يمكن أن تدعم أجندة طموحة للتعلم مدى الحياة. ويختتم القسم 5.5 هذا الفصل بأهم الاستنتاجات المستخلصة والتوصيات العملية اللازمة لبناء نظم تعلم مدى الحياة تحقق فائدة ملموسة للأفراد والمنشآت والمجتمع ككل.

5.2. التحديات التي تواجه توفير التعلم مدى الحياة واعتماده

يظل الوصول إلى التعلم مدى الحياة شرطا جوهريا لتحقيق مشاركة اقتصادية واجتماعية شاملة وعادلة، خصوصا في ظل تسارع المطالب الموجهة إلى العمال والمنشآت على حد سواء بشأن ضرورة رفع المهارات القائمة وإعادة تأهيلها بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. ومع ذلك، وعلى الرغم من الاعتراف الواسع بهذه الأهمية، لا يزال كثير من الناس، في جميع الفئات الدخلية من البلدان دون استثناء، يواجهون حواجز مستمرة تحول دون انخراطهم في فرص التعلم في اللحظات التي يحتاجون إليها أشد الحاجة، سواء عند دخول سوق العمل أو عند مواجهة تحول مهني أو فقدان وظيفة. ويأخذ التعلم مدى الحياة أشكالا متعددة ومتكاملة، تمتد من التعليم والتدريب النظاميين اللذين يُتوَّجان عادة بشهادات معترف بها، مرورا بالتعلم غير النظامي كالتعلم المهيكل الذي يجري في مكان العمل دون أن يفضي بالضرورة إلى مؤهل رسمي، وصولا إلى التجارب غير الرسمية التي تحدث تلقائيا في سياق الممارسة اليومية، مثل التعلم بالممارسة والملاحظة. ولا تتشكل المشاركة في هذه المسارات المتنوعة بفعل ظروف الأفراد الشخصية وحدها، بل تتأثر أيضا وبقدر كبير بتصميم النظم الداعمة لها، ومدى سهولة الوصول إليها، ومستوى التنسيق القائم بين مختلف مكوناتها. ويستكشف هذا القسم بالتفصيل الحواجز، الفردية منها والمؤسسية على حد سواء، التي لا تزال تحد من اتساع نطاق التعلم مدى الحياة وشموليته في مختلف أنحاء العالم.

5.2.1. الحواجز التي تعوق مشاركة الأفراد

تشير الأدلة المتاحة إلى وجود طلب كبير وغير ملبى على التعلم مدى الحياة في عالم العمل اليوم. فكما تكشف بيانات استقصاء منظمة العمل الدولية بشأن التعلم مدى الحياة، التي عُرضت بالتفصيل في الفصل الثاني من هذا التقرير، لا يشارك كثير من الأفراد في أي نشاط تدريبي منتظم رغم حاجتهم إليه. فقد أفاد ما نسبته 93.4 في المائة من المستجيبين في بنغلاديش، وما نسبته 99.3 في المائة من المستجيبين في فيجي، بأنهم لم يحصلوا على أي تدريب مرتبط بالعمل خلال الستة والثلاثين شهرا الماضية، أي خارج نطاق نظام التعليم الرسمي بالكامل. والأهم من ذلك أن نحو 49.8 في المائة من هؤلاء في بنغلاديش، ونحو 87.4 في المائة منهم في فيجي، رأوا أنهم بحاجة فعلية إلى تدريب من أجل أداء عملهم على نحو أفضل، أي أن الفجوة هنا ليست فجوة في الوعي بأهمية التدريب بقدر ما هي فجوة في إمكانية الوصول إليه. وحين يشعر الأفراد بحاجتهم إلى التدريب على هذا النحو، غالبا ما يفتقرون إلى إمكانية وصول كافية إليه عمليا، وهذا النمط يتكرر لدى النساء والرجال على حد سواء، وفي مختلف الفئات العمرية، ولدى العاطلين عن العمل، وكذلك لدى العاملين في القطاعين الرسمي وغير الرسمي جميعا، ما يدل على أن هذه المشكلة عابرة للفئات الاجتماعية والاقتصادية ولا تقتصر على شريحة بعينها.

وتتكرر هذه الصورة، وإن بدرجات متفاوتة، في بلدان ومناطق أخرى من العالم، حيث يتضح أيضا وجود طلب غير ملبى واضح على التدريب. فوفقا لاستقصاء منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بشأن مهارات البالغين، أفاد ما متوسطه 23.4 في المائة من العمال في واحد وثلاثين بلدا من بلدان هذه المنظمة بأنهم واجهوا حواجز حالت دون مشاركتهم في التعلم المرتبط بالعمل خلال العام الماضي فقط. ومن بين هؤلاء، رغب 10.5 في المائة في المشاركة في تدريب ولم يتمكنوا فعليا من ذلك لأسباب مختلفة، في حين تمنى 12.8 في المائة الانخراط في تدريب مرتبط بالعمل بقدر أكبر مما أتيح لهم فعليا، وهو ما يعني أن الفجوة تشمل حتى من شاركوا بالفعل في بعض التدريب لكنه لم يكن كافيا بالنسبة لهم. وقد تفاوت حجم هذا الطلب غير الملبى تفاوتا كبيرا بين البلدان، إذ تراوح بين نسبة منخفضة بلغت 4.9 في المائة فقط في بولندا، ونسبة مرتفعة بلغت 36.1 في المائة في إستونيا، وهو تباين يعكس اختلاف النظم الوطنية للتعلم مدى الحياة من حيث النضج والشمول. وعلى نحو مشابه، تشير استقصاءات الانتقال من المدرسة إلى العمل التي أُجريت في عدد من البلدان الأفريقية إلى أن نحو 28 في المائة من العمال الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر وعشرين عاما شعروا بأنهم أقل تأهيلا مما يتطلبه عملهم الحالي فعليا، وقد تراوحت هذه النسبة بين مستويات لا تكاد تُذكر في مصر، وأكثر من 40 في المائة في مدغشقر، وهو تفاوت واسع يعكس بدوره تباين ظروف أسواق العمل ونظم التعليم والتدريب بين هذه البلدان.

وتتنوع الحواجز التي تعوق مشاركة الأفراد في التعلم مدى الحياة داخل عالم العمل تنوعا كبيرا، كما تكشف رؤى مفصلة مستقاة من حالتي بنغلاديش وفيجي على وجه الخصوص. فمن جانب الطلب، أي الحواجز النابعة أساسا من الظروف الشخصية للعمال أنفسهم، تبرز عدة عوامل متداخلة، من أبرزها القيود المالية التي تحول دون تحمل تكاليف التدريب، وضيق الوقت المتاح في ظل التزامات العمل والحياة اليومية، وأعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر التي تقع في الغالب على عاتق النساء، والمشكلات الصحية التي تحد من القدرة على المشاركة، ومحدودية الوعي بخيارات التعلم المتاحة أصلا، وعدم استيفاء شروط القبول المطلوبة للالتحاق ببعض البرامج. ففي بنغلاديش، برزت القيود المالية وضيق الوقت تحديدا بوصفهما العائقين الأكثر أهمية وتأثيرا في قرار المشاركة، في حين أشار عدد معتبر من المستجيبين في فيجي إلى كل واحد من هذه الحواجز مجتمعة دون أن يتصدر أحدها الآخرين بشكل واضح. وتؤكد بيانات استقصاء منظمة التعاون والتنمية بشأن مهارات البالغين وجود عقبات مشابهة إلى حد كبير في البلدان المتقدمة أيضا، إذ يتصدر ضيق الوقت، ومسؤوليات الأسرة والرعاية، والقيود المالية، قائمة أهم ثلاثة أسباب تحول دون المشاركة في التعلم المرتبط بالعمل، ما يشير إلى أن هذه الحواجز، رغم اختلاف السياقات الاقتصادية، تكاد تكون عالمية الطابع.

ويمكن أن يشكل ضعف الدافعية الشخصية للتعلم عائقا إضافيا مهما من جانب الطلب، وهو عائق أقل وضوحا من الحواجز المادية لكنه لا يقل عنها أهمية. فقد بينت دراسة أُجريت في السويد أن الوظائف التي لا تتطلب من شاغليها تعلما مستمرا أو لا تتيح لهم فرصا حقيقية للنمو والتطور المهني لا تحفزهم على الاستثمار في التدريب من الأساس، إذ لا يرون فائدة مباشرة تعود عليهم من ذلك. وهكذا تنشأ حلقة مفرغة يغذي فيها ضعف الدافعية محدودية فرص التعلم المتاحة، ويغذي بدوره غياب فرص التعلم مزيدا من ضعف الدافعية، وهو ما يبرز أهمية بالغة لتشجيع أرباب العمل على إعادة تصميم الوظائف والمهام بطرق تعزز تنمية المهارات وتمنح العاملين حافزا حقيقيا للتعلم بدلا من الاكتفاء بأداء مهام روتينية ثابتة.

ورغم أن حواجز الطلب هذه تبدو للوهلة الأولى نابعة حصرا من ظروف الأفراد أنفسهم، فإنها في واقع الأمر ترتبط ارتباطا وثيقا بعوامل مؤسسية أعمق، ما يفرض على السياسات العامة دورا حاسما لا غنى عنه في دعم المشاركة في التعلم مدى الحياة، وهو موضوع سيجري تناوله بمزيد من التفصيل في القسم 5.4. فعلى سبيل المثال، تُبرز قيود الوقت ومسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر الحاجة الملحة إلى إجازات تعليمية مدفوعة الأجر تمكّن العاملين من التفرغ للتعلم دون خسارة دخلهم، وإلى استثمارات حقيقية في اقتصاد الرعاية بما يخفف العبء الواقع على الأفراد، وإلى تحقيق تقاسم أكثر إنصافا لأعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر بين النساء والرجال. وهذه كلها مبادئ تجسدها بوضوح الاتفاقية الخاصة بالإجازة التعليمية المدفوعة الأجر لعام 1974، رقم 140، وكذلك القرار الصادر عام 2024 بشأن العمل اللائق واقتصاد الرعاية. ولما كانت الإجازة التعليمية المدفوعة الأجر قد لا تتاح عمليا إلا للعاملين في القطاع الرسمي، فإن الحماية الاجتماعية القائمة على الاشتراكات وتلك غير القائمة عليها تؤدي هي الأخرى دورا محوريا لا يمكن الاستغناء عنه، وينبغي أن تُستكمل بإتاحة فرص فعلية للتعلم مدى الحياة، على غرار ما تنص عليه التوصية بشأن الحدود الدنيا للحماية الاجتماعية لعام 2012، رقم 202، في الفقرة الرابعة عشرة، بند د، التي تدعو إلى اعتماد إجراءات لسوق العمل النشطة تشمل التدريب وغيره من التدابير الداعمة. وإلى جانب ذلك، يمكن لخدمات التوجيه المهني، حين تُقدَّم بفاعلية، أن تسد الفجوات المعلوماتية القائمة وتصل العمال بعروض تدريبية فعلية تتوافق مع احتياجاتهم الفعلية ومؤهلاتهم القائمة، بدلا من تركهم يبحثون بمفردهم عن خيارات قد لا تناسبهم. أما القيود المالية تحديدا، ونظرا لما لها من أهمية بالغة وتأثير حاسم في قرار المشاركة، فسيجري تناولها بتفصيل أكبر في القسم 5.4 المخصص لمسألة التمويل.

وتنبثق مجموعة أخرى مختلفة تماما من الحواجز من جانب العرض هذه المرة، أي من المؤسسات والجهات المسؤولة عن توفير التعلم مدى الحياة وتيسيره فعليا للراغبين فيه. وتشمل هذه الحواجز غياب عروض تدريبية ملائمة لاحتياجات سوق العمل الفعلية، وضعف البنية التحتية والتجهيزات اللازمة لتقديم تدريب جيد، وعدم تلاؤم المرافق التدريبية مع احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة بما يقصيهم فعليا عن المشاركة، وعدم ملاءمة مواعيد الدورات التدريبية لظروف العمل والحياة اليومية للمشاركين المحتملين، وعدم مراعاة تصميم الدورات لاحتياجات النساء أو الرجال على حد سواء بحسب السياق. وتكشف شواهد مستقاة من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي عن نمط عالمي أوسع نطاقا يتجاوز حدود هذه المنطقة، يتمثل في الأهمية البالغة لمواءمة محتوى التدريب مع احتياجات سوق العمل الفعلية، إذ إن حالات عدم التطابق المتكررة بين التدريبات المعروضة فعليا والمهارات التي تطلبها المنشآت غالبا ما تعود جذورها إلى فجوات معلوماتية قائمة بين مختلف أصحاب المصلحة المعنيين، من مقدمي تدريب وأصحاب عمل وجهات حكومية. كما أن محدودية الوصول إلى شبكة الإنترنت وندرة الأجهزة الرقمية، وخصوصا لدى فئة الشباب في المجتمعات المهمشة، تحد أكثر فأكثر من فرص الوصول إلى التعلم في عصر باتت فيه المنصات الرقمية تشكل قناة أساسية لتقديم التدريب. وتسلط استراتيجية منظمة العمل الدولية بشأن المهارات والتعلم مدى الحياة الضوء على مجالات إضافية عديدة تستدعي تدخلا عاجلا من صانعي السياسات، من أبرزها الحاجة إلى إرساء نظم متينة لضمان الجودة، وإتاحة آليات فعلية للاعتراف بالتعلم السابق، وضمان اتساق التقديم عبر مختلف المؤسسات المعنية بدلا من تشتته بينها.

وتُظهر بيانات مقارنة تفصيلية بين بنغلاديش وفيجي، مستقاة من الاستقصاء ذاته، أن العائق الرئيسي الذي يواجهه المستجيبون في بنغلاديش هو القيود المالية تحديدا، التي أشار إليها 63 في المائة من المستجيبين باعتبارها العقبة الأولى أمامهم، تليها في المرتبة الثانية ندرة العروض التدريبية الملائمة وضعف البنية التحتية الداعمة لها، بنسبة 42 في المائة. وفي المقابل، يتصدر غياب العروض التدريبية الملائمة والبنية التحتية الضرورية لها قائمة الحواجز في فيجي، بنسبة بلغت 35 في المائة من المستجيبين. كذلك تبرز في فيجي حواجز أخرى أكثر وضوحا بكثير مما هي عليه في بنغلاديش، من أبرزها عدم ملاءمة الدورات المتاحة فعليا لاحتياجات النساء أو الرجال، بنسبة 29 في المائة، وعدم استيفاء المشاركين المحتملين لشروط القبول المطلوبة، بنسبة 29 في المائة أيضا، في حين تكاد هاتان النسبتان تكونان معدومتين تماما في بنغلاديش، إذ لا تتجاوزان 3 في المائة و0.4 في المائة على التوالي، وهو ما يعكس اختلاف طبيعة التحديات بين البلدين رغم تشابههما من حيث ضعف مستوى النمو الاقتصادي نسبيا.

وترتبط بعض هذه التحديات ارتباطا وثيقا بمستوى الرخاء الاقتصادي العام وحجم التفاوت الاجتماعي والاقتصادي السائد في كل بلد على حدة. وينطبق الأمر نفسه على فئة ثالثة من الحواجز، تنبع هذه المرة من عوامل مؤسسية أوسع نطاقا بكثير وتتجاوز حدود نظام التعلم مدى الحياة نفسه، وتشمل على وجه الخصوص عدم توافر وسائل نقل آمنة أو ملائمة تمكّن الأفراد، وبخاصة النساء، من الوصول إلى أماكن التدريب بأمان، وكذلك سيادة أعراف اجتماعية تقييدية في بعض السياقات تثني فئات بعينها، وخصوصا النساء، عن المشاركة في أنشطة التعلم خارج المنزل. وتستدعي معالجة هذه المجموعة الثالثة من الحواجز بالذات اتباع نهج منظومي شامل في بناء منظومة تعلم مدى الحياة حقيقية وشاملة للجميع، إلى جانب استثمار مالي مستدام على المدى الطويل، وهما موضوعان سيجري تناولهما بمزيد من التفصيل والعمق في الأقسام اللاحقة من هذا الفصل.

5.2.2. الحواجز المؤسسية التي تعوق التقديم

يمكن للحواجز المؤسسية أن تثني الأفراد عن المشاركة في التعلم مدى الحياة حتى حين تتوفر لديهم الدافعية والرغبة الشخصية للمشاركة، وهي غالبا ما تعكس تحديات بنيوية ومنظومية أعمق بكثير من مجرد نقص في التمويل أو التنظيم اليومي. ويتطلب توسيع نطاق الوصول إلى التعلم مدى الحياة على نحو فعلي وملموس تطوير مسارات تعلم شاملة ومرنة قادرة على استيعاب أشكال متنوعة وقابلة للتكيف من التعلم، بدلا من الاقتصار على المسارات التعليمية التقليدية الجامدة. وينبغي أن تمكّن هذه المسارات المرنة الأفراد فعليا من اكتساب مهارات جديدة، وإعادة تأهيل مهاراتهم القائمة، والحصول على مؤهلات معترف بها تعزز فرصهم الحقيقية في الحصول على عمل لائق وسبل عيش مستدامة، وتحقق في الوقت ذاته تطلعاتهم الشخصية الأوسع من مجرد التوظيف. غير أن حواجز مؤسسية عدة ومتشابكة كثيرا ما تعرقل تطوير هذه المسارات المنشودة، من أبرزها الجمود البنيوي المتمثل في ضعف قابلية الانتقال بين مختلف مسارات التعلم، أو محدودية المسارات المتاحة أصلا للبالغين الراغبين في الوصول إلى التدريب بعد انقطاعهم عن التعليم النظامي، إلى جانب محدودية القدرات المؤسسية المتاحة لتنفيذ هذه المسارات، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية بها.

وتشهد فرص التعلم خارج المسارات التعليمية التقليدية الخطية توسعا مطردا وملحوظا في السنوات الأخيرة، إذ باتت نظم كثيرة حول العالم تتيح للبالغين إمكانية العودة إلى مقاعد التعلم من خلال ما يُعرف ببرامج "الفرصة الثانية"، التي تمكّنهم من إتمام تعليمهم الإلزامي الذي لم يتمكنوا من إكماله في وقته الطبيعي. غير أن هذا التوسع الملحوظ لم يفلح حتى الآن في حل الحواجز الأعمق التي يواجهها البالغون الساعون تحديدا إلى الحصول على مؤهلات مهنية متخصصة، ومن أبرز هذه الحواجز عدم استيفاء معايير القبول الصارمة المعمول بها في برامج التعليم والتدريب التقنيين والمهنيين، أو ارتفاع تكلفة الالتحاق بهذه البرامج بما يفوق طاقة كثير من البالغين، أو حاجة بعضهم إلى عناصر محددة فقط من دورة تدريبية بعينها دون الحاجة إلى إتمامها بالكامل. فلعقود طويلة من الزمن، منحت سياسات التعليم والتدريب في معظم أنحاء العالم الأولوية القصوى للتعليم الأساسي والثانوي النظامي الموجه أساسا للأطفال والشباب، متجاهلة في الغالب الخيارات المرنة الموجهة خصيصا للبالغين وكبار الشباب الذين تجاوزوا سن التعليم النظامي المعتاد. وعلاوة على ذلك، وكما يكشف استقصاء منظمة العمل الدولية المؤسسي الجديد بشأن التعلم مدى الحياة، الذي يغطي عينة واسعة من واحد وعشرين بلدا تمثل مختلف مستويات الدخل في أفريقيا والأمريكتين وآسيا وأوروبا، فإن مفهوم التعلم مدى الحياة ذاته لا يزال يُفهم بطرق متباينة تباينا كبيرا من بلد إلى آخر، ولا يزال يُنظر إليه في أحيان كثيرة على أنه مفهوم منفصل تماما عن التعليم الأساسي بدلا من أن يكون امتدادا طبيعيا له، وهو ما يسهم بشكل مباشر في استمرار نقص الاستثمار في مجالات حيوية للغاية، مثل التعلم القائم على العمل وتعلم البالغين بوجه عام.

وتُعرَّف مسارات التعلم المرنة، بحسب المفهوم المتداول في هذا المجال، بأنها ترتيبات قائمة ضمن نظم التعلم مدى الحياة تمكّن الأفراد من اكتساب المعارف والمهارات، وتنمية المواقف والاتجاهات، والحصول على المؤهلات المعترف بها، وذلك من خلال التنقل بطريقة غير خطية بين التعليم والتدريب والعمل والتجارب المجتمعية المختلفة، بدلا من السير في مسار واحد جامد لا رجعة فيه. ويمكن أن تجمع هذه المسارات المرنة بين التعليم والتدريب النظاميين من جهة، والتدريب المباشر في مكان العمل من جهة أخرى، والتعلم عبر الإنترنت أو التعلم المدمج الذي يجمع بين الحضور الفعلي والتعلم الرقمي، كما يمكن أن تتضمن أيضا خدمات التوجيه المهني المتخصصة، ونظم التصديق على التعلم السابق والاعتراف الرسمي به. وهي بذلك تتيح وصولا مرنا ومنصفا إلى فرص التعلم أمام جميع الأفراد، بصرف النظر عن أعمارهم أو خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وتؤدي دورا أساسيا ومحوريا في تحقيق نتائج جوهرية للتعلم مدى الحياة، من قبيل تعزيز الإدماج الاجتماعي، ودفع عجلة التطور المهني، وتحسين سبل العيش، وتعزيز الإنتاجية على المستويين الفردي والوطني.

وغالبا ما تنطوي المشاركة في التعليم الثانوي العام، وفي التعليم والتدريب التقنيين والمهنيين، وكذلك في التعليم العالي، على تكاليف كبيرة ومتعددة الأوجه، لا تقتصر على الرسوم الدراسية المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل الالتزامات الزمنية الطويلة التي يصعب التوفيق بينها وبين العمل، والمواد والأدوات التعليمية المكلفة، والنفقات غير المباشرة المتنوعة، كتكاليف النقل، والغذاء، ورعاية الأطفال أثناء فترة التعلم، وحتى فقدان الدخل بشكل مؤقت نتيجة التفرغ للتعلم بدلا من العمل. وفي هذا السياق تحديدا، يمكن لمحدودية الوصول إلى استحقاقات تعلم جيدة التصميم، مثل المنح الدراسية المخصصة للبالغين أو حسابات التعلم الفردية التي تتيح للفرد رصيدا ماليا مخصصا للتدريب على مدار حياته المهنية، وهي وسائل نادرا ما تتوفر عمليا في معظم البلدان، أن تشكل حاجزا كبيرا وحقيقيا أمام المشاركة، لا سيما بالنسبة للبالغين والفئات الضعيفة التي تفتقر أصلا إلى موارد مالية احتياطية. فبينما أفاد أكثر من نصف البلدان المشمولة بالاستقصاء بوجود شكل ما من أشكال الاستحقاق في الإجازة التعليمية لصالح العاملين لديها، أفادت نسبة معتبرة من البلدان، تناهز 40 في المائة منها، بعدم وجود مثل هذا الاستحقاق على الإطلاق. وضمن البلدان التي تتيح فعلا مثل هذه الترتيبات، أفادت غالبيتها بتقديم إجازة تعليمية مدفوعة الأجر لا غير مدفوعة، وإن ظل من غير الواضح تماما ما إذا كانت هذه الترتيبات القائمة تغطي فعليا وبشكل كاف التكاليف الحقيقية التي يتحملها المتعلمون خلال فترة تعلمهم. والجدير بالذكر أنه لم يصدق على الاتفاقية رقم 140 المذكورة آنفا، حتى وقت إعداد هذا التقرير، سوى خمسة وثلاثين بلدا فقط من مجموع الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية، وهو رقم متواضع يعكس بوضوح محدودية الالتزام العالمي الفعلي بجعل التعلم مدى الحياة حقا مكفولا وملزما للعمال بدلا من مجرد إمكانية اختيارية.

وتُظهر بيانات الاستقصاء المؤسسي أن الأنشطة الأكثر شيوعا في التعريف الرسمي المعتمد للتعلم مدى الحياة هي على التوالي تعلم البالغين داخل مؤسسات التعليم والتدريب المتخصصة، والتلمذة الصناعية بمختلف أشكالها، والتدريب المباشر في مكان العمل أو ما يُعرف بالتعلم القائم على العمل، إذ ذكر كل واحد من هذه الأنشطة الثلاثة تسعة عشر بلدا من أصل واحد وعشرين بلدا مشمولا بالاستقصاء بالكامل. وفي المقابل، تُدرج الأشكال التقليدية الأكثر رسمية للتمدرس بوتيرة أقل بكثير ضمن هذا التعريف الرسمي، فالدراسات الجامعية على سبيل المثال لا تُدرج إلا في عشرة بلدان فقط من أصل واحد وعشرين، بينما يمثل التعليم والتدريب الأساسيان النشاط الأقل إدراجا على الإطلاق ضمن مفهوم التعلم مدى الحياة، إذ لا يشملهما هذا التعريف إلا في تسعة بلدان فقط، وهو ما يعكس مفارقة لافتة مفادها أن أساسيات التعليم ذاتها هي الأقل ارتباطا بمفهوم التعلم مدى الحياة في الأدبيات الرسمية لعدد كبير من البلدان.

كذلك تكشف بيانات الاستقصاء ذاته أن 62 في المائة من البلدان المشمولة به تتيح فعليا استحقاقا وطنيا معترفا به قانونا للإجازة التعليمية، بينما لا تتيح 38 في المائة منها أي استحقاق من هذا القبيل على الإطلاق. ومن بين جميع البلدان المشمولة بالاستقصاء، تنص الاستحقاقات القائمة لدى 48 في المائة منها تحديدا على حق واضح في الحصول على إجازة تعليمية مدفوعة الأجر بالكامل، في حين لا تنص عليه لدى 14 في المائة أخرى رغم وجود استحقاق للإجازة أصلا لديها ولكن دون ضمان دفع الأجر خلالها، ما يشير في مجمله إلى أن الغالبية العظمى من البلدان التي تتبنى أصلا سياسة إجازة تعليمية تحرص على أن تكون هذه الإجازة مدفوعة الأجر لا مجرد إجازة بلا مقابل.

وكما سبقت الإشارة، غالبا ما تعود الحواجز المؤسسية أمام التعلم مدى الحياة في جذورها إلى جمود شروط القبول المعمول بها في التعليم والتدريب النظاميين، من قبيل محدودية العروض التدريبية المتاحة أصلا وضعف قابلية الانتقال بين مختلف مسارات التعلم القائمة، وهو جمود يعجز عمليا عن استيعاب التنوع الكبير في خلفيات المتعلمين المحتملين، خصوصا من حيث أعمارهم المتفاوتة، وخبراتهم العملية السابقة، وأوضاعهم الوظيفية المختلفة. ويقيّد هذا الجمود بشدة إمكانية الوصول إلى المؤهلات المعترف بها، ولا سيما في مجال التعليم والتدريب التقنيين والمهنيين تحديدا. وبالنسبة إلى البالغين الذين يمتلكون فعليا خبرة عملية ذات صلة وثيقة بمجال عملهم، سواء اكتسبوها في القطاع الرسمي أو في القطاع غير الرسمي، لكنهم يفتقرون رغم ذلك إلى شهادات رسمية توثق هذه الخبرة، تصبح القدرة على تقييم مهاراتهم القائمة فعليا والتصديق عليها رسميا أمرا بالغ الأهمية لمستقبلهم المهني. ويمكن لآلية الاعتراف بالتعلم السابق أن تؤدي في هذا الصدد دورا تحويليا حقيقيا، إذ تتيح للأفراد الحصول على مؤهلات كاملة أو جزئية معترف بها رسميا، وذلك من خلال عمليات منظمة ودقيقة للتقييم والتصديق والاعتماد.

ومن الأمثلة الدالة بوضوح على هذا التقدم ما تحقق فعليا في الهند، حيث انطلق نظام الاعتراف بالتعلم السابق عام 2015 في إطار مبادرة الحكومة الهندية الرائدة المعروفة باسم "مهارة الهند"، ويُدار هذا النظام عمليا من خلال برنامج حكومي متخصص يُعرف اختصارا باسم "بي إم كيه في واي"، تحت إشراف مباشر من وزارة تنمية المهارات وريادة الأعمال الهندية، وبمشاركة اتحادية فعلية عبر ما يُعرف بالبعثات الحكومية لتنمية المهارات على مستوى مختلف الولايات الهندية. ويهدف هذا النظام تحديدا إلى الاعتراف رسميا بالكفاءات الفعلية التي يمتلكها العمال في القطاع غير الرسمي ومواءمتها مع الإطار الوطني الموحد لمؤهلات المهارات المعتمد في البلاد، بما يعزز فرصهم الحقيقية في التوظيف اللائق ويتيح لهم مسارات مرنة وميسرة للحصول على مؤهلات معترف بها رسميا. وتشمل الفئات المستهدفة الرئيسية من هذا النظام الحرفيين المهرة، والنجارين، والنساجين، وعمال البناء الذين اكتسبوا مهاراتهم بطرق غير رسمية بحتة أو من خلال تلمذة صناعية تقليدية توارثوها جيلا بعد جيل. وإلى جانب عملية تقييم المهارات واعتمادها رسميا، تتضمن عملية الاعتراف بالتعلم السابق في هذا النظام تدريبا إضافيا على المهارات الاجتماعية والوجدانية، ودورات جسرية قصيرة المدة مصممة خصيصا لسد الفجوات المحددة سلفا في المهارات لدى كل مستفيد. وفي الفترة الممتدة من عام 2015 وحتى آذار من عام 2022، حصل ما يزيد على 6.4 مليون مستفيد فعليا على شهادات اعتماد رسمية في سبعة وثلاثين قطاعا اقتصاديا مختلفا تماما، وقد أظهر تقييم لاحق للنسخة الثانية من هذا البرنامج أن دخل المستفيدين المعتمدين ارتفع فعليا بنسبة 25 في المائة بعد حصولهم مباشرة على شهادة الاعتماد الرسمية، وهو دليل ملموس على الأثر الاقتصادي المباشر لمثل هذه الآليات حين تُصمَّم وتُنفَّذ بشكل جيد.

ومن المشجع أن 75 في المائة من مجموع البلدان المشمولة بالاستقصاء المؤسسي أفادت بأنها طورت فعليا نظما وطنية للاعتراف بالتعلم السابق، وأن 73 في المائة من هذه البلدان تحديدا تتيح ضمن نظمها الاعتراف بكل من المؤهلات الكاملة والمؤهلات الجزئية على حد سواء، وليس بأحدهما فقط. غير أنه لا يزال من غير الواضح تماما مستوى نضج هذه النظم فعليا، ومدى اتساع تغطيتها للمهن والقطاعات المختلفة، ومدى استخدامها الفعلي على أرض الواقع من قبل المستفيدين المحتملين. فالشواهد المستقاة من عمليات رصد متكررة أُجريت في أوروبا على مدار فترة طويلة نسبيا امتدت بين عامي 2004 و2023 تبين بوضوح أن التقدم المحرز في تنفيذ آليات الاعتراف بالتعلم السابق كان بطيئا نسبيا طوال هذه الفترة، وأن استخدامها الفعلي من قبل المستفيدين المستهدفين ظل محدودا رغم مرور نحو عقدين من الزمن على إطلاق هذه الآليات في كثير من البلدان الأوروبية. كما أن قلة قليلة فقط من مجموع البلدان المشمولة بالاستقصاء رقمنت فعليا إجراءات الاعتراف بالتعلم السابق لديها، وذلك رغم ما تنطوي عليه الرقمنة من إمكانات حقيقية وواعدة لتوسيع نطاق الوصول أمام الفئات الضعيفة التي قد يصعب عليها الوصول فعليا إلى مراكز التقييم التقليدية.

وإلى جانب هذه التحديات المؤسسية البحتة، تؤثر تصورات الأفراد الذاتية وقيودهم الشخصية أيضا تأثيرا ملموسا في مشاركتهم في التعليم والتدريب النظاميين طوال حياتهم المهنية. ففي كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، تكون العوائد الاقتصادية الفعلية للتعليم النظامي بمختلف مستوياته أعلى عموما مما هي عليه فعلا في البلدان المرتفعة الدخل، إلا أن هذا الواقع لا ينعكس دائما، وبشكل مفارق، في مستوى أعلى فعليا من الاستثمار في التعليم من قبل الأفراد أو الحكومات على حد سواء. ومن أبرز العوامل المساهمة في هذه المفارقة محدودية الموارد المالية المتاحة فعليا للمشاركين المحتملين من جهة، وسيادة تصورات خاطئة وسائدة بشأن القيمة الحقيقية للتعليم من جهة أخرى. وتشير الأبحاث المتخصصة إلى أن الأفراد في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا تحديدا، وخصوصا الفئات الأكثر ضعفا بينهم، كثيرا ما يقللون فعليا من قيمة الفوائد الحقيقية المترتبة على إتمام التعليم الثانوي تحديدا. كما تشير دراسات أخرى إلى أن العوائد الخاصة والاجتماعية المترتبة على التعليم الثانوي غالبا ما تُسجَّل فعليا بمستوى أقل مما هي عليه في مرحلة التعليم الابتدائي، وهو ما يعزز لدى كثير من واضعي السياسات تصورا سائدا مفاده أن العوائد المتحققة، وبخاصة في المسارات المهنية تحديدا، تبقى محدودة نسبيا مقارنة بمسارات التعليم الأكاديمي التقليدي. وعلى الرغم من أن التعليم والتدريب التقنيين والمهنيين والتعلم القائم على العمل يرتبطان فعليا بمكاسب أعلى نسبيا على المدى القصير من حيث فرص التوظيف ومستوى الدخل المتحقق، فإن الأبحاث المتاحة تشير في المقابل إلى أن هذه الميزة النسبية تتراجع تدريجيا مع مرور الوقت وتقدم العمر المهني للفرد. كما تواجه هذه المسارات المهنية تحديدا، في أحيان كثيرة، وصمة اجتماعية سلبية لدى فئة الشباب وأسرهم على حد سواء، الذين كثيرا ما ينظرون إليها باعتبارها خيارا أدنى مكانة من التعليم الأكاديمي التقليدي. وحتى حين يُنظر فعليا إلى فرص التعليم والتدريب المهنيين والتعلم المستمر بشكل عام نظرة إيجابية نسبيا من حيث المبدأ، فإن معدلات المشاركة الفعلية فيها تظل مع ذلك منخفضة نسبيا، كما تبين استقصاءات أوروبية حديثة نسبيا أُجريت في هذا الصدد.

ومن الحواجز المؤسسية المهمة الأخرى التي تعترض التعلم مدى الحياة محدودية نشر المعلومات الفعلية المتعلقة بخيارات التعلم المرنة المتاحة وفرص الاعتراف بالتعلم السابق القائمة، وهي مشكلة تزداد حدتها بشكل ملحوظ لدى الفئات الضعيفة التي كثيرا ما تكون أصلا منقطعة الصلة تماما بخدمات التعليم والتوظيف والحماية الاجتماعية السائدة والمتاحة لغيرها من الفئات. وتؤدي خدمات التوجيه المهني وخدمات التوعية المجتمعية دورا محوريا لا غنى عنه في سد هذه الفجوات المعلوماتية القائمة، غير أنها لا تزال، ولسوء الحظ، ضعيفة التطور نسبيا في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تحديدا مقارنة بالبلدان المرتفعة الدخل. فقد أفاد 84 في المائة و78 في المائة على التوالي من البلدان المشمولة بالاستقصاء بتقديمها فعليا خدمات توجيه مهني منظمة للطلبة الملتحقين بالتعليم النظامي من جهة وللعاطلين عن العمل المسجلين رسميا من جهة أخرى، وهو ما يعكس هيمنة واضحة للخدمات التعليمية وخدمات سوق العمل الرسمية والراسخة أصلا على حساب فئات أخرى أقل ارتباطا بهذه المؤسسات. غير أن استعراضات وطنية متعددة أجريت في هذا الصدد تكشف عن أوجه قصور مستمرة وملحوظة في مدى تغطية هذه الخدمات فعليا، وفي مستوى احترافية القائمين عليها، وفي متانة روابطها الفعلية مع أرباب العمل والمجتمعات المحلية المعنية. وعلاوة على ذلك، لا يقدم فعليا سوى نصف مجموع البلدان المشمولة بالاستقصاء توجيها مهنيا احترافيا منظما عبر منصات مطابقة الوظائف الرقمية، بينما تقدم نسبة أقل من ذلك بكثير خدمات دعم التوجيه المهني الفعلية للشباب والبالغين غير الناشطين اقتصاديا من جهة، وللعاملين في كل من القطاعين الرسمي وغير الرسمي من جهة أخرى، وهي جميعا فئات مستهدفة رئيسية بالنسبة لتعلم البالغين والتعلم القائم على العمل وآليات الاعتراف بالتعلم السابق تحديدا. ومن الجوانب الإيجابية اللافتة في هذا الصدد أن ما يقارب 60 في المائة من مجموع البلدان تقدم فعليا شكلا ما من أشكال التوجيه المهني لعمال الاقتصاد غير الرسمي تحديدا، بما في ذلك تقديم دعم فعلي للتلمذة الصناعية وما يتصل بها من مبادرات مكملة أخرى.

ولا يقتصر تجاوز الحواجز الفردية والمؤسسية أمام المشاركة على مجرد توسيع نطاق الوصول الشكلي إلى فرص التعلم فحسب، بل يُعد أيضا أمرا ضروريا وحاسما لضمان أن تعمل نظم التعلم مدى الحياة بأكملها بفاعلية حقيقية وبإنصاف كامل بين جميع الفئات المستهدفة. وما لم تُعالج هذه التحديات المتشابكة معالجة جدية وشاملة، وبخاصة تلك التي تمس أشد الفئات انقطاعا فعليا عن مؤسسات التعليم وسوق العمل الرسمية على حد سواء، فإن الجهود المبذولة والرامية إلى توسيع نطاق تنمية المهارات وتعميق أثرها الفعلي على أرض الواقع ستظل جهودا محدودة النتائج مهما بلغ حجم الموارد المخصصة لها.

5.4. تمويل التعلم مدى الحياة

يترتب على التعلم مدى الحياة في عالم العمل تكاليف تتوزع على مستويات متعددة. فمقدمو التدريب يتحملون نفقات تتعلق بالموظفين والبنية التحتية والمعدات والمواد التعليمية. أما العمال فيواجهون تكاليف مباشرة للمشاركة في برامج التدريب، منها رسوم التسجيل، إضافة إلى تكاليف غير مباشرة كالتنقل والإقامة والدخل الذي يفوتهم أثناء التدريب. وبالنسبة لأصحاب العمل، فإن دعم التعلم مدى الحياة يستلزم أيضاً تكاليف، سواء من خلال المشاركة في تمويل تدريب العاملين أو تغطيته بالكامل، أو منح إجازات مدفوعة الأجر أثناء ساعات العمل، أو تنظيم برامج تدريب داخلية. كما تُسهم الجهات الوسيطة والمؤسسات التي تقدم خدمات مكمّلة، مثل تشخيص المهارات وضمان الجودة والإرشاد المهني، في التكلفة الإجمالية للتعلم مدى الحياة.

وكما سيتبين لاحقاً، تشكل هذه التكاليف عائقاً رئيسياً أمام إقامة نظم تعلم شاملة وفعالة، إذ تشمل القيود المرتبطة بالتكلفة، سواء بالنسبة لأصحاب العمل أو العمال، معوقات تتعلق بالمشاركة في التدريب وبالتمويل اللازم لبناء عروض تدريبية عالية الجودة وذات صلة باحتياجات سوق العمل. وتوضح هذه النتائج أن تحقيق تعلم شامل وفعال مدى الحياة لا يتأتى إلا بوجود آليات مالية ملائمة.

يستعرض هذا القسم آليات تمويل التعلم مدى الحياة على مرحلتين. تتناول المرحلة الأولى واقع تمويل التعلم مدى الحياة في عالم العمل، وتكشف عن فجوة تمويلية مستمرة في تعليم الكبار عبر مختلف البلدان، لا سيما الأقل ثراءً منها. ورغم إلحاح هذه المسألة، فإن ندرة البيانات الموثوقة تحول دون إجراء تحليل شامل لها، إذ تبقى المعطيات المتاحة مجزأة ومبنية على مقاييس إحصائية متباينة. ويسعى هذا القسم إلى توحيد المعرفة القائمة وتوسيعها، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة تحسين جودة البيانات المتاحة.

أما المرحلة الثانية، فتتناول الآليات المالية بتفصيل أكبر، مع التركيز على قدرتها على دعم أشكال أكثر مرونة من التعلم تتجاوز التدريب الرسمي، بوصف ذلك رافعة أساسية لتوسيع فرص الوصول. وفي حين ركزت الدراسات السابقة على آليات مالية بعينها، أو على الإدماج الاجتماعي كهدف سياساتي، أو على مناطق جغرافية محددة، دون التطرق إلى مسألة المرونة كقضية محورية، يقدم هذا القسم توليفاً لتقييمات آليات مالية من بلدان متفاوتة الدخل ومناطق مختلفة من العالم تسهم في جعل التعلم مدى الحياة أكثر مرونة.

وتُظهر الأدلة المتاحة، من جهة أخرى، أن نوع البرنامج التدريبي وتصميمه يحدثان فرقاً واضحاً بحسب فئة المستفيدين: فبرامج التدريب المدمجة التي تتضمن تدريباً داخلياً أو تلمذة مهنية ترتبط بزيادة معتبرة في الدخل واحتمال التوظف بالنسبة للنساء مقارنة بالرجال، كما يرتبط الحصول على مؤهلات معترف بها إيجابياً باحتمال توظف النساء. أما بالنسبة للشباب دون سن الخامسة والعشرين، فإن البرامج التي تتضمن عنصر تدريب أثناء العمل أو تلمذة مهنية ترتبط بأثر إيجابي معتبر على الدخل، في حين ترتبط البرامج المفضية إلى مؤهلات رسمية بأثر سلبي معتبر على دخل الشباب مقارنة بغير الشباب. وتؤكد هذه النتائج أهمية تصميم البرامج التدريبية بما يراعي خصائص الفئات المستهدفة عند وضع الآليات المالية الداعمة لها.

5.4.1. واقع تمويل التعلم مدى الحياة

يمكن أن تكون تكاليف التعلم مدى الحياة باهظة، والاعتماد على التمويل الخاص وحده كفيل بتعميق عدم المساواة في الوصول إلى هذا التعلم وبالتسبب في نقص الاستثمار في المهارات. لذلك تضطلع الحكومات بدور محوري في تمويل البنية التحتية اللازمة لنظم التعلم مدى الحياة وفي توفير آليات مالية تدعم أصحاب العمل والعمال على حد سواء في التدريب وأشكال التعلم الأخرى، بما يوجه تنمية المهارات بما يتسق مع أولويات التنمية. ويمكن للجهات المانحة، بما فيها المصارف الإنمائية المتعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية، أن تؤدي دوراً مكملاً لهذه الجهود الحكومية، خصوصاً في الاقتصادات الأقل نمواً. وقد جسدت التوصية بشأن تنمية الموارد البشرية لعام 2004 (رقم 195) هذا الدور المحوري للحكومات في تمويل التعلم مدى الحياة، إذ دعت الدول الأعضاء صراحة إلى الالتزام بالاستثمار وتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز التعليم والتدريب على جميع المستويات، كما نصت على ضرورة أن يعمل التعاون الدولي والتقني في مجال التعلم مدى الحياة والمجالات ذات الصلة على زيادة المساعدة التقنية والمالية المقدمة إلى البلدان النامية.

إضافة إلى ذلك، تُعد المساهمات المالية للمؤسسات ضرورية لتعبئة الموارد وتعزيز التزام جميع الأطراف المعنية وبناء نظم تعلم شاملة وفعالة. ولذلك أوصت التوصية رقم 195 الدول الأعضاء بتشجيع المؤسسات على الاستثمار في التعليم والتدريب، وتشجيع الأفراد على تطوير كفاءاتهم ومساراتهم المهنية، وتمكين الجميع وتحفيزهم على المشاركة في برامج التعليم والتدريب. كما أشارت التوصية بشأن إعادة التأهيل المهني والعمالة للمعوقين لعام 1983 (رقم 168) إلى ضرورة اتخاذ تدابير خاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، منها تقديم حوافز مالية لأصحاب العمل تشجعهم على توفير التدريب لهم.

وتتعدد آليات تمويل التعلم مدى الحياة تعدداً كبيراً، ويمكن تمويل معظمها بالاشتراك بين جهتين أو أكثر من الجهات الممولة. وتستهدف كل آلية فئة بعينها، وتختلف باختلاف الفئة المستهدفة أنماط المشاركة التي تشجعها هذه الآليات في أنشطة التعلم، وهو ما يُعرف بالأهداف من الدرجة الأولى. وتترتب على هذه المشاركة نتائج مرجوة تُعرف بالأهداف من الدرجة الثانية، منها تحسين مهارات العمال وظروف عملهم، وتعزيز الابتكار والإنتاجية لدى أصحاب العمل. وينبع هذا التمييز بين درجتي الأهداف من أدبيات الرصد والتقييم، حيث يمكن ربط الأهداف من الدرجة الأولى بالمخرجات المباشرة، وربط الأهداف من الدرجة الثانية بالنتائج والآثار الأبعد مدى، على غرار ما يُعرف بمنهج "نظرية التغيير".

وتؤدي كل آلية دوراً مختلفاً. فالآليات الموجهة إلى العمال تهدف إلى الإسهام في التكاليف التي يتحملها العمال جراء التعلم مدى الحياة، وبالتالي تيسير مشاركتهم في التدريب وأنشطة التعلم الأخرى. فعلى سبيل المثال، تغطي صناديق التدريب، الممولة من رسوم تفرض على أصحاب العمل أو من إعانات عامة أو تمويل من الجهات المانحة أو مساهمات العمال أو مزيج من ذلك، تكاليف التدريب مباشرة، فيما قد يُمنح العمال إجازة تدريبية مدفوعة الأجر لفترة زمنية متفق عليها بين الطرفين.

وتستهدف آليات أخرى أصحاب العمل، منها الحوافز الضريبية أو التحويلات المباشرة كالمنح والإعانات. وتغطي هذه الآليات، عبر استثمارات عامة وربما تمويل من الجهات المانحة، تكاليف التدريب المباشرة وغير المباشرة التي يتحملها أصحاب العمل لتدريب عمالهم أو لتنظيم التدريب بأنفسهم، كلياً أو جزئياً. كما توفر صناديق التدريب وسيلة لحفز أصحاب العمل على إتاحة فرص التعلم لعمالهم.

ويمكن أيضاً توجيه الآليات المالية إلى المؤسسات التدريبية، حيث قد تحصل جهات تقديم التدريب على تمويل عام لمرة واحدة لتطوير برامج تدريبية محددة وشاملة، أو تبرم عقوداً مع جهات عامة أو مؤسسات لتقديم التدريب. وفي هذا السياق، يتزايد اللجوء إلى التمويل القائم على النتائج. كما قد تموّل الحكومات منظمات بعينها لتقديم خدمات مكملة، مثل تشخيص المهارات وضمان الجودة والإرشاد، بهدف كفالة جودة عروض التعلم مدى الحياة وملاءمتها، وتهيئة الظروف المؤسسية اللازمة للمشاركة فيها.

وتكشف هذه الصورة العامة عن صعوبة جمع بيانات شاملة ومتسقة عن تمويل التعلم مدى الحياة عبر البلدان. فمن الناحية المثالية، ينبغي أن ترصد هذه البيانات المجموعة الواسعة من الآليات المالية والفئات المستهدفة والجهات الممولة المعنية. ومن التحديات الإضافية أن كثيراً من الحكومات لا تخصص ميزانية مستقلة لأنشطة التعلم مدى الحياة، أو تخصص ميزانيات تغطي بعض جوانبها فقط. كما يجري تمويل هذا التعلم على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية في آن واحد. وأخيراً، يصعب بوجه خاص تقدير قيمة التكاليف المالية لفرص التعلم غير النظامي وغير الرسمي. ويختلف فهم ماهية التعلم مدى الحياة، لا سيما التعلم غير النظامي وغير الرسمي، داخل البلدان وفيما بينها، ما يجعل تجميع البيانات على المستوى القطري وإجراء مقارنات بين البلدان أمراً بالغ الصعوبة. ونتيجة لذلك، لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات شاملة عابرة للبلدان تغطي جميع الآليات المالية وأصحاب المصلحة المعنيين بتكاليف التعلم مدى الحياة، بل إن عدد الدراسات التي جمعت بيانات وطنية شاملة في هذا الشأن لا يتجاوز حالات قليلة، كما هو الحال بالنسبة للمملكة المتحدة وجنوب أفريقيا.

ومع ذلك، تساعد بعض المؤشرات التقريبية على رصد جوانب أساسية من تمويل التعلم مدى الحياة. فقد أظهر استقصاء أجرته اليونسكو لدى الحكومات الوطنية حول الإنفاق الحكومي على تعليم الكبار وتعلمهم أن هذا الإنفاق يمثل حصة صغيرة نسبياً من الإنفاق العام على التعليم عبر البلدان: ففي 80 في المائة من البلدان، تقل هذه الحصة عن 4 في المائة.

كما يوجد تفاوت كبير بين البلدان: فمن أصل 104 بلدان تتوافر عنها بيانات، يخصص 21 بلداً 4 في المائة أو أكثر من إجمالي إنفاقها العام على التعليم لتعليم الكبار وتعلمهم، في حين ينفق 27 بلداً أقل من 0.5 في المائة. وتميل البلدان المرتفعة الدخل إلى تخصيص حصص نسبية أعلى، بينما تسجل البلدان المتوسطة الدخل، والمنخفضة الدخل بوجه خاص، حصصاً أدنى بكثير؛ إذ ينفق 38 في المائة من البلدان المنخفضة الدخل أقل من 0.5 في المائة، ويخصص ما يقارب ثلثي هذه البلدان أقل من 1 في المائة من إنفاقها العام على التعليم لتعليم الكبار وتعلمهم.

وقدم الاستقصاء المؤسسي الذي أجرته منظمة العمل الدولية لأغراض هذا التقرير معلومات قيّمة عن أنواع الإنفاق العام على التعلم مدى الحياة في عالم العمل. فبعض البلدان، ومنها الصين والهند وفييت نام، تعتمد مزيجاً واسعاً من الأدوات المالية، بينما تعتمد بلدان أخرى، مثل مدغشقر والمكسيك والسنغال وجمهورية تنزانيا المتحدة، على أداة واحدة فقط. ومن أكثر الأدوات شيوعاً صناديق التدريب الوطنية، إلى جانب أنواع مختلفة من المنح والإعانات والمنح الدراسية الموجهة إلى الأفراد أو المؤسسات، حيث تستخدم 15 دولة منحاً دراسية للتعليم العام، وتعتمد 13 دولة على صندوق تدريب وطني، بينما تستخدم 11 دولة منحاً وإعانات وقسائم موجهة للتدريب المهني. وتوجد أيضاً حوافز ضريبية للمؤسسات والأفراد في عدد من البلدان، وإن كانت أقل انتشاراً. أما رسوم التدريب الوطنية والقطاعية فهي أقل شيوعاً، ولا تستخدمها سوى دولتين، وينطبق الأمر ذاته على حسابات التعلم الفردية التي لا تعتمدها سوى دولتين أيضاً، باستثناء بنغلاديش وفييت نام اللتين اتخذتا خطوات نحو إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الحسابات، بينما تُعد سنغافورة مثالاً على درجة عالية من إضفاء الطابع الرسمي على هذا النوع من الحسابات. وتستخدم الصين والهند أوسع تشكيلة من هذه الأدوات، إذ تعتمد كل منهما على سبع أدوات وتسع أدوات على التوالي، بينما تعتمد بلدان أخرى على آلية واحدة فقط.

وفيما يخص تكاليف التدريب في مكان العمل، تقدم بيانات الاستقصاءات على المستويين الوطني والإقليمي رؤى حول ممارسات التمويل المشترك، خصوصاً بالنسبة للتعلم غير النظامي، مثل الدورات القصيرة وورش العمل والحلقات الدراسية. وتُظهر هذه البيانات انتشاراً واسعاً لتقاسم التكاليف بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال وأصحاب المصلحة الآخرين.

ففي البلدان المرتفعة الدخل، يؤدي أصحاب العمل دوراً رئيسياً في التمويل المشترك للتدريب غير النظامي لعمالهم. فوفقاً لاستقصاء المهارات والوظائف الأوروبي لعام 2021، يدفع أصحاب العمل كلياً أو جزئياً تكاليف 77 في المائة من التعليم والتدريب الذي يخضع له العمال في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وآيسلندا والنرويج، أو يتم خلال وقت عمل مدفوع الأجر. وتبلغ مساهمة أصحاب العمل أعلى مستوياتها في النرويج بنسبة 89 في المائة وإستونيا بنسبة 88 في المائة، وأدناها في اليونان وإسبانيا حيث تبلغ 59 في المائة في كل منهما. وتشير استقصاءات ممثلة لعينات من العمال في شيلي وجمهورية كوريا إلى نتائج مماثلة بشأن الدور المهم الذي يؤديه أصحاب العمل في تغطية جزء من تكاليف التعليم والتدريب غير النظاميين.

في المقابل، يقدم استقصاء منظمة العمل الدولية للتعلم مدى الحياة، الذي يستطلع معلومات عن التدريب غير النظامي الذي جرى خلال الستة والثلاثين شهراً السابقة، صورة مختلفة في بلدين من فئة الدخل المتوسط الأدنى، هما بنغلاديش وجمهورية تنزانيا المتحدة. ففي بنغلاديش، لم يحصل سوى 16 في المائة فقط من الموظفين الذين تلقوا تدريباً على دعم مالي من أصحاب عملهم، فيما كان التمويل الحكومي هو الأهم بالنسبة لهم بنسبة 33 في المائة، يليه التمويل الشخصي بنسبة 23 في المائة. أما بين العاملين لحسابهم الخاص وغير الموظفين، فقد كان معظم التدريب ممولاً ذاتياً من خلال استثمارات شخصية، بنسبة 39 في المائة و46 في المائة على التوالي، ولم يحصل هؤلاء على دعم عام إلا في 28 في المائة و23 في المائة من الحالات على التوالي، وفي حالات نادرة جداً من أصحاب عمل سابقين. أما في جمهورية تنزانيا المتحدة، فقد حصلت نسبة أعلى من الموظفين، بلغت 56 في المائة، على دعم تدريبي من أصحاب عملهم، وظل التمويل الذاتي شائعاً كما هو الحال في بنغلاديش، إذ بلغ 22 في المائة بين الموظفين و56 في المائة بين العاملين لحسابهم الخاص و48 في المائة بين غير الموظفين، في حين أدى التمويل الحكومي دوراً أصغر مقارنة ببنغلاديش.

وخلاصة القول إن ممارسات التمويل المشترك للتعليم والتدريب غير النظاميين قائمة في مختلف البلدان، غير أن مداها وأشكالها تتفاوت تفاوتاً كبيراً. ففي البلدان المرتفعة الدخل، يؤدي أصحاب العمل دوراً أقوى في تمويل التدريب غير النظامي، بينما تضعف مشاركتهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ما يقوض كفاءة الآليات التمويلية. ويسهم ارتفاع نسبة العاملين لحسابهم الخاص في البلدان الأقل ثراءً في تعميق هذا الأثر، بما يجعل الدعم الحكومي أكثر أهمية، غير أن الإنفاق الحكومي على التعلم مدى الحياة في عالم العمل يميل إلى الانخفاض في هذه البلدان، تاركاً كثيراً من العاطلين عن العمل والعاملين لحسابهم الخاص يتحملون تكاليف التدريب من مواردهم الشخصية، وهو ما يسهم على الأرجح في تدني معدلات مشاركتهم في التعلم مدى الحياة.

وتُظهر هذه النتائج أن تحقيق المساواة في فرص الوصول إلى التعلم مدى الحياة، داخل البلدان وفيما بينها، لا يزال أمراً بعيد المنال. وعموماً، يبقى الإنفاق العام على التعلم مدى الحياة في عالم العمل محدوداً في جميع فئات الدخل، ولا يرقى إلى الأهداف التي حدّدها إطار عمل بيليم، وهو اتفاق اعتمدته اليونسكو عام 2009 والتزمت بموجبه الدول الأعضاء بأن تستثمر ما لا يقل عن 6 في المائة من ناتجها القومي الإجمالي في التعليم وبأن تزيد استثمارها في تعليم الكبار وتعلمهم.

ورغم التكاليف المترتبة على التعلم مدى الحياة، فإن الاستثمار فيه يمكن أن يحقق عوائد على المدى الطويل، شريطة أن يستند إلى تصميم سليم وتنفيذ فعال للتدخلات المعنية. فقد قدرت دراسات اقتصادية قياسية مبكرة في الولايات المتحدة عائد الاستثمار الذي تجنيه المؤسسات من التدريب المنظم بما يتراوح بين 7 و50 في المائة. وبالمثل، تُظهر بيانات على مستوى المؤسسات في بلجيكا أن زيادة نسبة العمال المدربين بمقدار عشر نقاط مئوية ترتبط بارتفاع الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 1.7 و3.2 في المائة، وبارتفاع متوسط الأجور بنسبة تتراوح بين 1.0 و1.7 في المائة.

5.4.2. فعالية الآليات المالية خارج نطاق التدريب الرسمي

تُعد مرونة فرص التعلم عنصراً أساسياً لكفالة وصول واسع وشامل إلى التعلم مدى الحياة، وللاستجابة بمرونة لاحتياجات المهارات المتغيرة، غير أن تحقيق هذه المرونة يتطلب، كما سبقت الإشارة، مزيداً من الاستثمار.

يستعرض هذا القسم فعالية عدد مختار من الأمثلة الوطنية على الآليات المالية في دعم تعلم مدى الحياة مرن. ويُقصد بالتعلم المرن، كما ذُكر سابقاً، التعلم غير النظامي، مثل الدورات وورش العمل والحلقات الدراسية، والتعلم غير الرسمي، مثل المبادرات التي يقودها العمال أنفسهم والتعلم من خلال الممارسة في مكان العمل. ولأن التعلم غير الرسمي أقل تنظيماً، فإنه أصعب رصداً ودعماً عبر الآليات المالية، لذلك يركز هذا القسم أساساً على التعلم غير النظامي، بما في ذلك بعض المبادرات المعتمدة التي قد تخرج عن التعريف الصارم للتعلم غير النظامي. وتنصب العناية على الآليات الموجهة إلى أصحاب العمل والعمال، مع مثال واحد يستهدف مقدمي التدريب.

واختيرت الأمثلة القطرية بحيث تغطي مناطق مختلفة وتبرز حالات ذات دلالة تكشف العوامل التي تحدد نجاح البرامج أو إخفاقها. ونظراً لمحدودية الدراسات المتاحة حول فعالية هذه الآليات، فقد استند اختيار البلدان أيضاً إلى مدى توافر التقييمات، وهو ما حال دون إجراء تحليل مقارن منهجي بين البلدان لاستخلاص عوامل النجاح المشتركة. ويظل الاستثمار في تقييمات أكثر صرامة، ثم مقارنتها بين البلدان، سبيلاً مرغوباً فيه لبناء قاعدة أدلة أقوى.

ويُفهم مصطلح "الفعالية" هنا من حيث تحقيق الأهداف من الدرجتين الأولى والثانية. وتشمل الأهداف من الدرجة الأولى، التي تقابل المخرجات في منهج "نظرية التغيير"، حشد العمال للمشاركة في التعلم مدى الحياة، وتحفيز أصحاب العمل على منح إجازات التدريب أو تمويله أو تقديمه، ودعم مقدمي التدريب في إتاحة أنشطة التعلم مدى الحياة. أما الأهداف من الدرجة الثانية فتشبه النتائج أو الآثار الأبعد مدى في منهج نظرية التغيير؛ فبالنسبة للعمال، قد تشمل آثار التدريب تحسين المهارات وتحسين نتائج سوق العمل وتعزيز القدرة على الصمود خلال فترات التحول في سوق العمل، أما بالنسبة لأصحاب العمل فقد تشمل الفوائد قوة عاملة أكثر مهارة وآثاراً إيجابية على الابتكار والإنتاجية والقدرة التنافسية والأرباح. وفي نهاية المطاف، ينبغي قياس مدى تحقيق هذه الأهداف من الدرجتين الأولى والثانية في ضوء تكلفة الآلية المالية المعنية، وهو ما جرى الأخذ به كلما توافرت المعلومات اللازمة لذلك.

الآليات المالية الموجهة إلى أصحاب العمل

مثال على صندوق قائم على الرسوم

تُعد الصناديق القائمة على رسوم تُفرض على أصحاب العمل آلية شائعة لتمويل التعلم مدى الحياة خارج الميزانية الوطنية العادية. ومن الأمثلة على ذلك صندوق تنمية الموارد البشرية في بوتسوانا، الذي يعوّض أصحاب العمل عن نفقاتهم على تدريب عمالهم عبر مقدمي تدريب معتمدين. وتدفع المؤسسات العاملة في القطاع الرسمي هذه الرسوم بحسب حجم إيراداتها السنوية. وفي الفترة 2022 و2023، ارتبط 48 في المائة من المشاركة في الدورات باكتساب مهارات أساسية، منها خدمة العملاء والتواصل والذكاء العاطفي وإدارة الأداء، كما قُدم تدريب تقني في مجالات منها الصحة والخدمات الاجتماعية.

ومن حيث الأهداف من الدرجة الأولى، التحق نحو 37 ألف عامل بدورات ممولة عبر هذا الصندوق خلال الفترة 2022 و2023، وقُدم نحو 2800 مطالبة بالتعويض. وتشير أدلة غير منهجية إلى أن بعض المؤسسات قد تنظر إلى الرسوم بوصفها ضريبة، وهو تصور لا يحفزها على استحداث فرص تعلم إضافية. علاوة على ذلك، يقتصر نطاق هذا النظام بصورة رئيسية على المؤسسات الرسمية، ما يطرح تحدياً أمام حفز التعلم المرن في الاقتصاد غير الرسمي. غير أن المؤسسات الرسمية الصغيرة غير الملزمة بدفع الرسوم قد تحق لها الاستفادة من التعويضات، وثمة اهتمام معلن بإدماج فئات خاصة والصناعات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة.

ومقارنة بغيره من الصناديق في المنطقة، يحظى هذا الصندوق بتقييم جيد من حيث الجودة، إذ يحظى بثقة عالية وقدرة على منع تضارب المصالح ومستوى جيد من توافر البيانات ووضوح الأهداف، ويُعزى جزء من هذا الأداء إلى مشاركة قوية من ممثلي أصحاب العمل. وتشير بيانات الاستقصاءات والمعلومات النوعية المستقاة من المؤسسات التي استفادت من آلية التعويض إلى أن كثيراً منها يرى أن الصندوق يسهم إيجاباً في التدريب وتنمية المهارات وآليات تقاسم التكاليف، ما يوحي بتحقق الأهداف من الدرجة الثانية لهذه الآلية التحفيزية. غير أن بعض أصحاب العمل أبدوا تحفظات مفادها أن مضامين التدريب لا تتوافق دائماً مع احتياجات الصناعة، وأن المتطلبات الإدارية، مثل اعتماد الدورات، تشكل عبئاً.

وفي الفترة الممتدة بين عامي 2008 و2018، لم يُنفق سوى ثلث إيرادات الرسوم مباشرة على تعويضات التدريب، بينما خُصص الباقي للتكاليف الإدارية والتشغيلية أو لبرامج مهارات أخرى أو تم ترحيله إلى العام التالي. ومع ذلك، يظل هذا الصندوق فعالاً من حيث التكلفة مقارنة بنظم رسوم المهارات الأخرى في الجنوب الأفريقي.

مثال على إعانات موجهة لأصحاب العمل

تُعد المنح والإعانات آلية أخرى شائعة لحفز أصحاب العمل على إتاحة فرص التدريب والتعلم لعمالهم. ويمكن تمويل هذه التحويلات المباشرة لأصحاب العمل من الضرائب العامة أو من رسوم تفرض على أصحاب العمل أو من تحويلات الحماية الاجتماعية. ومن الأمثلة الموثقة جيداً على ذلك الإعانات المقدمة لأصحاب العمل في ولاية سكسونيا أنهالت الألمانية، حيث تغطي هذه الإعانات ما بين 40 و90 في المائة من النفقات المؤهلة، مع منح نسب أعلى عادة للمؤسسات الصغيرة ولتدابير التدريب الموجهة لفئات محددة، مثل العمال الأكبر سناً والعمال ذوي المؤهلات المنخفضة والأسر وحيدة العائل والأشخاص ذوي الإعاقة. وتُحدد سقف هذه الإعانات بمئة ألف يورو لكل مشروع، ويمكن استخدامها لتمويل التدريب الداخلي والخارجي، مثل الحلقات الدراسية والدورات والبرامج الدراسية، والتوجيه الفردي والجماعي، والتدريب الرسمي وتدابير التعلم الذاتي، بما فيها التعلم الإلكتروني والتعلم المدمج والعروض المتصلة بذلك عبر الإنترنت. وتُموَّل هذه الإعانات بصورة مشتركة من الصندوق الاجتماعي الأوروبي الإضافي التابع للاتحاد الأوروبي ومن ولاية سكسونيا أنهالت.

ووفقاً لتقييم أجري لهذا البرنامج، نجحت الإعانات في حشد أصحاب العمل بصورة ملحوظة، إذ أفاد 88 في المائة من المؤسسات المستطلعة بأن الإعانات إما حفزتها على تقديم تدريب ما كانت لتقدمه لولا ذلك، أو مكنتها من تقديم التدريب في وقت أبكر وعلى نطاق أوسع. وتنشط المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة بوجه خاص في استخدام هذه الآلية لتقديم حلقات ودورات قصيرة لموظفيها.

كما أفاد أصحاب العمل بنتائج إيجابية تتسق مع الأهداف من الدرجة الثانية، إذ أكدت 95 في المائة من الردود أن الدورات المدعومة أسهمت في توسيع المهارات المهنية للموظفين، وأفادت 82 في المائة بزيادة القدرات الابتكارية، و84 في المائة بتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسة. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن هذه الردود الاستقصائية استدلالية فحسب، ويتطلب إثبات الأثر السببي مقارنتها بمجموعة ضابطة لم تحصل على الإعانة.

وقد تبدو التكاليف الإدارية لهذا البرنامج مرتفعة، إذ يُنفق 0.37 يورو على الإدارة مقابل كل يورو يُصرف، غير أن هذه التكاليف تعود أساساً إلى صرامة إجراءات التقديم المعتمدة للحد من مخاطر الغش وسوء الاستخدام. كما أن هذا الحساب لا يأخذ في الاعتبار الأثر الرافع المعتبر لهذه الإعانة، إذ تسهم المؤسسات المستفيدة، في المتوسط، بمبلغ 0.50 يورو مقابل كل يورو من التمويل المعتمد.

مثال يجمع بين التدريب ودعم الدخل لإنشاء المشاريع

في بعض الحالات، يكون أصحاب العمل أنفسهم المستفيدين المباشرين من الدعم المالي الرامي إلى تشجيع إنشاء الأعمال وتغطية تكاليف المعيشة وتيسير الوصول إلى التدريب. ومن الأمثلة على ذلك برنامج شيلي لتنمية المشاريع متناهية الصغر المعروف باسم "لنزرع البذرة"، الذي يجمع بين تمويل الأعمال والتدريب على ممارسات الأعمال الفعالة والتوجيه الشخصي للأفراد الراغبين في إنشاء مشاريعهم الخاصة.

وفي عام 2023، شمل هذا البرنامج 46 ألف مشارك، معظمهم من الأفراد الأقل ثراءً نسبياً، بمن فيهم العاطلون عن العمل أو ناقصو العمالة والمستفيدون من الضمان الاجتماعي، مع استهداف خاص للنساء.

وأجريت دراسة تقييمية لنسخة سابقة من هذا البرنامج بحثت آثاره من الدرجة الثانية على العمل الحر للمشاركين وعملهم بأجر ودخلهم من العمل، بالمقارنة بين ثلاث مجموعات اختيرت عشوائياً: مجموعة ضابطة من المستفيدين من الضمان الاجتماعي الذين تقدموا للبرنامج لكنهم لم يحصلوا على الدعم المالي والتدريبي والإرشادي لإنشاء مشاريع متناهية الصغر، ومجموعة معالجة أولى حصلت على هذا الدعم، ومجموعة معالجة ثانية حصلت على الدعم ذاته إضافة إلى دعم مالي أعلى. وبعد تسعة أشهر من المشاركة، ارتفع احتمال العمل الحر بمقدار 14.8 نقطة مئوية للمجموعة الأولى و25.2 نقطة مئوية للمجموعة الثانية، كما ارتفع دخل العمل لدى كلتا المجموعتين. وبعد ثلاث سنوات، ظلت الآثار الإيجابية على الدخل ظاهرة لدى المجموعة الأولى، من خلال انتقالها إلى العمل بأجر.

وتظل الفعالية الموصوفة مشروطة بسلامة تصميم التدخل وتنفيذه؛ فعلى سبيل المثال، كان برنامج سابق لريادة الأعمال في الأرجنتين أقل نجاحاً في تحسين نتائج المشاركين، ويُرجَّح أن يعود ذلك إلى ضعف تنظيم عنصر التدريب فيه. وفي حين قد تكون برامج سوق العمل النشطة، من قبيل مبادرة ريادة الأعمال هذه، مكلفة، فإن فوائدها ينبغي أن توازن بتكاليف التقاعس عن العمل، التي غالباً ما تكون أعلى، بما في ذلك ارتفاع نفقات الحماية الاجتماعية والعواقب بعيدة المدى للفقر المستمر.

الآليات المالية الموجهة إلى العمال

مثال على حسابات التعلم الفردية

تُعد حسابات التعلم الفردية وسيلة شائعة لإرساء استحقاقات التعلم مدى الحياة للأفراد المؤهلين، غالباً من خلال قسائم أو أرصدة تتيح لهم المشاركة في أنشطة التعلم. وتوفر سنغافورة أحد أكثر نظم الاستحقاق شمولاً في مجال التعلم مدى الحياة، ويُموَّل هذا النظام من صندوق تنمية المهارات الذي يعتمد بدوره على رسوم تُفرض على كشوف الأجور. ومن ضمن قنوات هذا النظام، يمكن للمواطنين السنغافوريين الالتحاق بدورات عبر رصيد مهارات المستقبل. وفي عام 2025، تلقى المواطنون البالغون من العمر 25 عاماً فأكثر رصيداً غير قابل للانتهاء قدره 500 دولار سنغافوري، أي ما يعادل نحو 390 دولاراً أمريكياً، للاختيار بحرية من بين مجموعة واسعة من الدورات المعتمدة، ويمكن زيادة هذا المبلغ بـ 500 دولار سنغافوري إضافي إذا استُخدم بحلول نهاية عام 2025. علاوة على ذلك، يحق للمواطنين البالغين من العمر 40 عاماً فأكثر الحصول على رصيد إضافي غير قابل للانتهاء قدره 4000 دولار سنغافوري. وتتفاوت مدد هذه الدورات والمهارات التي تغطيها، فتشمل مثلاً المهارات التقنية اللازمة للاقتصاد الرقمي والأخضر، والمهارات الأساسية، بما فيها المهارات الاجتماعية الوجدانية والمعرفية.

وفيما يتعلق بالأهداف من الدرجة الأولى، يشارك عدد كبير من السنغافوريين في الدورات المدعومة، إذ شارك نحو 520 ألف فرد في عام 2023، من بينهم 200 ألف فرد تبلغ أعمارهم 40 عاماً فأكثر. ورغم أن نسبة أقل التحقت بالدورات تحديداً عبر قناة رصيد مهارات المستقبل، فقد شجع هذا النظام مشاركة نحو 25 ألف فرد من الفئة العمرية 40 عاماً فأكثر في الفترة الممتدة بين شهري مايو ونوفمبر من عام 2024 وحدها.

وكشف استقصاء أجري في عام 2019 لدى المشاركين في التدريب عن تصور إيجابي لفعالية هذا النظام من حيث الأهداف من الدرجة الثانية، إذ رأى 86 في المائة من المشاركين أن التدريب مكّنهم من أداء وظائفهم بصورة أفضل. وشملت الفوائد الأخرى المبلغ عنها زيادة الإنتاجية بنسبة 49 في المائة، وتطوير مهارات وظيفية بنسبة 45 في المائة، وتحسين أداء الخدمة بنسبة 40 في المائة، وارتفاع الثقة بالنفس بنسبة 32 في المائة، وتحسن فرص التوظف بنسبة 30 في المائة.

وقدمت دراسة أخرى تقييماً كمياً لأثر المشاركة في الدورات على أداء المؤسسات، ركزت على الدورات المنظمة عبر أصحاب العمل ضمن هذا النظام. وبعد ضبط أثر خصائص المؤسسات والاتجاهات الخاصة بالقطاع، تبين أن زيادة نسبة الموظفين الذين يتلقون تدريباً مموَّلاً بمقدار عشر نقاط مئوية أدت إلى زيادة إيرادات المؤسسات بنسبة 0.7 في المائة وزيادة التوظف بنسبة 0.5 في المائة على مدى أربع سنوات، كما تحسنت إنتاجية العمل بنسبة 2.2 في المائة والاحتفاظ بالموظفين بنسبة 0.6 في المائة على مدى سنتين.

مثال على عروض دورات مدعومة للعمال

من الأشكال الأخرى للمنح الموجهة للأفراد دعماً لمشاركتهم في التعلم مدى الحياة، الإعانات التدريبية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مراكز تعليم الكبار الألمانية المعروفة اختصاراً بـ"فولكسهوخشولن"، وهي أكبر مقدم للتعليم الطوعي العام الممول للكبار في ألمانيا، ومفتوحة أمام كل من يرغب في المشاركة. وتوجد هذه المراكز في كل مقاطعة تقريباً، إذ تلزم دساتير معظم الولايات الاتحادية بتوفير التعلم مدى الحياة على المستوى المحلي. وتقدم هذه المراكز مجموعة واسعة من الدورات، غير النظامية في معظمها، تُعقد عادة مرة أسبوعياً على مدى فصل دراسي، وتغطي مجالات مثل الصحة واللغات والثقافة والتصميم والمهارات المهنية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإدارة والسياسة والمجتمع والبيئة. وفي عام 2019، بلغت ميزانية هذه المراكز 1.4 مليار يورو، مُوِّل 68 في المائة منها من المال العام، فيما مُوِّلت النسبة المتبقية البالغة 32 في المائة من رسوم الدورات.

وفي عام 2019 أيضاً، التحق أكثر من 6 ملايين فرد بدورات هذه المراكز، شكلت النساء 74 في المائة منهم. وانتمى نحو 170 ألف مشارك إلى فئات مستهدفة محددة، مثل المهاجرين وكبار السن ومحدودي الإلمام بالقراءة والكتابة والأشخاص ذوي الإعاقة، وكان الأفراد المنخفضو الدخل والعاطلون عن العمل يطلبون بانتظام الإعفاءات من الرسوم التي يحق لهم الحصول عليها.

وفي تقييم للآثار من الدرجة الثانية لهذه المراكز، استُخدم التوسع الكبير الذي شهدته بعد إعادة توحيد ألمانيا بمثابة تجربة طبيعية، فتبين أن الدورات المرتبطة بالعمل التي قدمتها هذه المراكز خفضت معدلات البطالة في المناطق الألمانية الشرقية المجاورة لألمانيا الغربية، حيث يمكن للعمال التنقل يومياً إلى مناطق ذات طلب أكبر على العمالة، وهي نتيجة جديرة بالملاحظة إذ لا يُتوقع عادة أن يؤثر التعليم غير الرسمي للكبار في معدل البطالة الكلي. كما أدى هذا التوسع إلى زيادة المشاركة المدنية، مثل الاهتمام بالسياسة والعمل التطوعي، وإن كان ذلك على حساب المشاركة السياسية الأكثر رسمية داخل الأحزاب السياسية والسياسة البلدية ومبادرات المواطنين.

الآلية المالية الموجهة إلى مقدمي التدريب

مثال على التمويل القائم على النتائج

تستهدف بعض الآليات المالية مقدمي التدريب مباشرة، ومنها التمويل القائم على النتائج، حيث يحصل مقدم التدريب على جزء من التعويض المالي بشرط تحقيق نتائج محددة سلفاً. وتكتسب هذه الآليات زخماً متزايداً بوصفها وسيلة مبتكرة لتحسين فعالية عروض التعلم.

ومن الأمثلة على ذلك برنامج التمكين الاقتصادي للفتيات المراهقات في ليبريا، الذي أُطلق عام 2009 واستهدف 2500 شابة عبر التدريب ودعم الحصول على عمل بأجر أو إنشاء مشروع خاص. وقد أدارت البرنامج جهة دولية بتمويل من جهات مانحة، واشترطت على مقدمي التدريب تقديم خدمات تشمل تطوير المناهج وتجنيد المشاركات وتوفير رعاية الأطفال وتقديم التدريب، وتضمن البرنامج عنصراً قائماً على المخرجات إذ صُرفت مكافآت لمقدمي التدريب مشروطة بحصول المشاركات على عمل بأجر أو بدء مشاريعهن الخاصة.

ورغم تعذر تحديد الإسهام الخاص لعنصر التمويل القائم على النتائج، فقد حقق البرنامج ككل أهدافه من الدرجة الثانية، على الأقل بالنسبة للنساء اللواتي تلقين دعماً لإنشاء مشاريعهن، إذ شهدت هؤلاء المشاركات تحسناً معتبراً في التوظف والدخل، إلى جانب زيادة إمكانية الحصول على المال وتعزيز الثقة بالنفس. ومن حيث فعالية التكلفة، عادلت تكلفة تقديم الدعم لإنشاء المشاريع الزيادة المقدرة في دخل المشاركات على مدى ثلاث سنوات.

وفي حين يحمل التمويل القائم على النتائج بوادر واعدة، فإنه يستلزم تصميماً يتجنب النتائج غير المقصودة؛ فمثلاً، قد يدفع التركيز المفرط على مجرد تشغيل المشاركين مقدمي التدريب إلى إهمال الفئات الضعيفة أو التهاون في جودة الوظائف المتاحة، وهو ما يمكن تخفيفه من خلال تعريف النتائج المستهدفة تعريفاً أكثر شمولاً.

5.5. الخلاصة

أكد هذا الفصل الحاجة الملحة إلى تحويل نظم التعلم مدى الحياة بما يستجيب لمتطلبات عالم عمل سريع التغير. ويتطلب تجاوز العقبات التي تحول دون المشاركة في التعلم مدى الحياة حلولاً متعددة الأبعاد ومنسقة فيما بينها. فعلى المستوى الفردي، يمكن للدعم المالي الموجه، وأشكال التدريب المرنة والمعيارية، وبيئات التعلم الميسرة الوصول، وتعزيز خدمات المعلومات والتوجيه المهني، أن تخفف من القيود المالية والزمنية والمعرفية، خصوصاً بالنسبة للفئات الأقل حظاً، غير أن التدابير على المستوى الفردي وحدها لا تكفي.

فلا بد أيضاً من معالجة التحديات البنيوية، مثل تشتت الحوكمة وضعف التنسيق ومحدودية القدرة المؤسسية. ويستلزم ذلك تعزيز التنسيق والتعاون بين الوزارات ومختلف مستويات الحكم، وتوضيح أدوار أصحاب المصلحة، وإرساء نظم قوية لضمان الجودة، والاستثمار في البنية التحتية للبيانات اللازمة لاستشراف المهارات وتقييمها. فلا يمكن أن يصبح التعلم مدى الحياة شاملاً ومتكيفاً بحق إلا في ظل نظم متسقة ومتكاملة.

ومما لا يقل أهمية عن ذلك ضمان أن تكون فرص التعلم المتاحة فعالة، وموجهة بدقة نحو الفئات المستهدفة، ومركزة على تنمية مجموعات المهارات اللازمة لتحسين نتائج التوظف وتعزيز القدرة على التكيف. فنجاح سياسات المهارات لا يتوقف على ما يُقدَّم فحسب، بل أيضاً على كيفية تقديمه ولمن وفي أي سياق. وتُظهر التحليلات المجمّعة أن البرامج التي تجمع بين التدريب النظري والعملي، وتفضي إلى مؤهلات معترف بها، وتنمي مجموعات مهارات متكاملة، ترتبط بنتائج توظيفية أقوى. وتحديداً، تكتسي المهارات المعرفية واليدوية أهمية خاصة في تأمين فرص العمل، بينما تسهم المهارات الاجتماعية الوجدانية بقدر أكبر في جودة الوظائف ونمو الأجور. كما تميل النساء إلى الاستفادة على نحو أكثر اتساقاً من التدخلات التدريبية، لا سيما من حيث التوظف والدخل، ما يبرز إمكانية هذه التدخلات في معالجة العوائق البنيوية التي تواجهها المرأة في أسواق العمل. ومع ذلك، تتفاوت النتائج تفاوتاً كبيراً بحسب خصائص المشاركين وتصميم البرامج والسياق المحلي، ما يجعل تكييف التدخلات مع هذه العوامل أمراً ضرورياً للنهوض بالإنصاف والأثر معاً.

ويبقى التمويل حجر الزاوية في أي إصلاح وعاملاً ممكِّناً لكل ما سبق. ونظراً لاتساع نطاق التعلم مدى الحياة، ليشمل التعلم الرسمي وغير الرسمي، والتعليم والتدريب الأوليين والمستمرين، فلا بد أن تعكس نماذج التمويل المستدامة هذا التعقد. وينبغي أن يمنح الاستثمار العام الأولوية للتعلم التأسيسي والعلاجي وللدعم الموجه إلى الفئات الضعيفة، مع ضرورة توفير حوافز لإشراك أصحاب العمل، وآليات للتمويل المشترك، وأطر تدعم إمكانية الوصول إلى التعلم مدى الحياة، بوصف ذلك أموراً بالغة الأهمية لبناء نظم قادرة على الصمود. فالتمويل الفعال لا يقاس بحجم الإنفاق فحسب، بل أيضاً بمدى الحكمة في توزيع الموارد وتوجيهها وإدارتها.

وتستدعي هذه التحولات مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف؛ فعلى الحكومات أن تتصدر عملية بلورة الرؤى الوطنية والأطر التنظيمية، مع إتاحة المجال لأن تكون النظم مرنة وقابلة للتكيف. ويُعد أصحاب العمل شركاء أساسيين في تشكيل تدريب قائم على الطلب وفي التمويل المشترك لتنمية القوى العاملة، بالتشاور مع منظمات أصحاب العمل والعمال. كما تؤدي منظمات العمال دوراً حيوياً في تعزيز الإنصاف والتمثيل، في حين ينبغي تمكين العمال أنفسهم ودعمهم لأداء دور فاعل في مسيرتهم التعليمية. ويتعين على مقدمي التدريب والجهات الوسيطة الابتكار في أساليب التقديم والتعاون عبر القطاعات، فيما يمكن لشركاء التنمية المساعدة في بناء القدرات، خصوصاً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

وفي الأفق المنظور، ستستمر الضغوط المزدوجة الناجمة عن التحول الرقمي والتحول الأخضر، إلى جانب التحولات الديمغرافية وتصاعد حالة عدم اليقين العالمي، في إعادة تشكيل احتياجات المهارات وأنماط التعلم. ولا بد أن تتطور نظم التعلم مدى الحياة لمواجهة هذه التحديات، بما يستلزم الانتقال من مبادرات تدريبية مجزأة ومرتجلة إلى نظم مهارات متكاملة وشاملة وموجهة نحو المستقبل، تدعم تنمية المهارات في كل مرحلة من مراحل الحياة. عندئذ فقط يمكن للتعلم مدى الحياة أن يشكل بحق ركيزة للنمو الشامل والقدرة على الصمود والعمل اللائق في زمن يتسم بالتغير المستمر.

المصدر

دراسة ذات صلة