الفيضان الكارثي الذي لم يحدث
لطالما ساد الاعتقاد بأن البحر المتوسط جف قبل نحو 6 ملايين عام خلال «أزمة الملوحة المسينية»، ثم امتلأ فجأة بفيضان هائل عبر مضيق جبل طارق، لكن أدلة ودراسات حديثة تشكك في هذا التصور. فقد تشير الرواسب والطبقات الملحية ومجاري الأنهار القديمة إلى أن البحر لم يجف بالكامل، وأن انخفاض مستوى مياهه وارتفاع ملوحته حدثا على مراحل متكررة، قبل أن يبدأ بالامتلاء تدريجيًا نتيجة تدفقات مائية من مناطق مجاورة، وربما من حوض باراثيثيس القديم. كما لم يعثر الباحثون في بحر البوران على آثار واضحة للفيضان الهائل المفترض، ما يثير احتمال أن الاتصال بين الأطلسي والمتوسط لم يكن عبر مضيق جبل طارق أصلًا، بل عبر ممرات أخرى تغيرت معالمها بفعل حركة الصفائح التكتونية. وتكشف هذه القصة أن تغيرات جغرافية ومناخية صغيرة، مثل تضيق ممر مائي، يمكن أن تؤدي إلى تحولات بيئية هائلة وانقراض نسبة كبيرة من الكائنات البحرية، كما قد تساعد دراسة هذه الفترة العلماء على فهم تأثير الرواسب الملحية في المناخ، لكن نقص الرحلات البحثية إلى أعماق البحر يهدد بإبطاء اكتشاف الأدلة اللازمة لفهم هذه الأحداث.
