في إحدى المدارس الخاصة بمدينة بنغالورو الهندية، وهي مدرسة تعتمد تصنيف الطلاب وتوزيعهم في فصول مستقلة بناءً على قدراتهم الأكاديمية ونوع الإعاقة التي يحملونها، تعمل المعلمة بيندو داخل قسم الاحتياجات الخاصة.
تسلك هذه المعلمة ثلاثة مسارات متوازية لتكريس مفهوم التعليم الجامع داخل بيئتها المدرسية.
المسار الأول يتجلى في حرصها الدائم على تصميم أنشطة صفية تتسع لمشاركات الطلاب كافة، متجاوزة بذلك التباين الكبير في قدراتهم.
أما المسار الثاني فيتمثل في استثمار الوقت الذي تقضيه داخل الحافلة المدرسية لفتح نقاشات أخوية مع زملائها المعلمين، للوقوف على تجاربهم وأساليبهم في التعامل مع الأطفال ذوي الإعاقة أو من يعانون من صعوبات التعلم.
في حين يتجسد المسار الثالث في اتخاذها من التقارير التقييمية جسراً للتواصل الشفاف مع أولياء الأمور، حيث ترسم معهم معالم الخطة الأكاديمية التي تناسب القدرات الخاصة لكل طفل، مع التأكيد على أهمية استكمال هذا الجهد وتطبيق تلك الممارسات داخل البيت.
إن الخبرة التي اكتسبتها بيندو سابقاً من خلال عملها التطوعي مع أمثالها من أمهات وآباء الطلاب، أورثتها يقيناً بأن النهج التوفيقي الهادئ هو الأقدر على شق الطريق نحو تغيير القناعات، وأن التودد الحكيم لإدارة المدرسة والزملاء وأولياء الأمور أبلغ أثراً من اكتفاء المرء بتقديم المقترحات النظرية أو ممارسة التنظير الأخلاقي حول الممارسات الشاملة، وهو أمر يسهل الحديث عنه ويكثر التحدي عند تطبيقه.
وتشير البيانات الصادرة عن منظمة اليونسكو بشأن المبادرة الحكومية الهندية المعروفة باسم التعليم للجميع، إلى أن ثلاثة ملايين معلم خضعوا لدورات تدريبية مكثفة حول أساليب التعليم الجامع تراوحت مدتها بين يومين وثلاثة أيام، كما حظي اثنان وأربعون بالمئة منهم بتوجيه إضافي امتد من ثلاثة إلى خمسة أيام. وعلى الرغم من أن هذه البرامج أسهمت في نشر الوعي، إلا أنها لم تنعكس بشكل ملموس على تحسين النتائج التعليمية لدى الطلاب.
ومع ذلك، تؤكد الدراسات الاستكشافية أن هذا النوع من التدريب يمتلك طاقة كامنة لتمكين المعلمين، وتحويلهم من مجرد منفذين إلى مدافعين صلاب عن حقوق الأطفال ذوي الإعاقة، ومجددين فاعلين في تطوير المناهج الدراسية.
إلا أن التحفظ الذي تبديه بعض إدارات المدارس تجاه اتخاذ خطوات فعلية لدمج هذه الفئة، إلى جانب وجود ثغرات تنظيمية تتشبث بالواقع القائم، يقف حائلاً أمام المعلمين الراغبين في قيادة هذا التحول وإرساء دعائم العدالة الاجتماعية.
يتأسس مسار إتاحة التعليم للأطفال ذوي الإعاقة في الهند على نموذج متعدد الخيارات لتقديم الخدمات التعليمية، وهو نموذج جرى اعتماده في بداية الأمر ضمن مبادرة التعليم للجميع، ثم جاءت السياسة الوطنية للتعليم لعام ألفين وعشرين لتؤكد عليه مجدداً.
وقد أتاحت المرونة الذاتية لهذا النموذج هوياماً للولايات المختلفة لتطبيقه وفق التصورات التي تراها مناسبة لظروفها، بل إن بعض الولايات امتنعت كلياً عن تطبيق السياسة الوطنية لأسباب وسياسات محلية.
ويرى جمع من الباحثين أن الهند تمتلك بنية تشريعية صلبة تدعم خيار التمكين والدمج، مما يفتح أفقاً واعداً لرفع كفاءة هذه السياسات وتفعيل البرامج المنبثقة عنها، شريطة التوسع في تقديم دورات تطوير مهني عالية الجودة تزود الكوادر التعليمية بالمعارف النظرية والمهارات التطبيقية الثرية.
تهيئة المعلم لرسالة الشمول
تذكر بيندو أن الشاغل الأكبر لزملائها المعلمين يكمن في صعوبة إعطاء الأولوية لاحتياجات الطلاب ذوي صعوبات التعلم، في ظل الضغوط المحيطة بإنهاء المقررات المدرسية والاستعداد للامتحانات.
من جانبها، تجد شيفاني، وهي معلمة لغة إنجليزية في مدرسة خاصة بمدينة تشيناي، أن لمدرستها فضلاً كبيراً في تحفيزها نحو السعي الأكاديمي والاستكشاف المعرفي للممارسات الشاملة.
وحين تستحضر أثر برامج التطوير المهني على مسارها العملي، تتذكر كيف كانت تنظر إلى الطلاب في بداية عهدها بالتدريس.
توضح شيفاني أن تركيزها كان ينصب في السابق على العلامات الظاهرة فقط، كالأطفال الذين يجدون صعوبة في الكتابة أو القراءة، لكنها أدركت لاحقاً أن الأنماط السلوكية والتغيرات المزاجية تعد هي الأخرى مؤشرات الخطر الحقيقية.
وتضيف أنها لم تكن تدرك هذه الأبعاد من قبل، وكانت تعزو تلك التصرفات إلى الكسل أو إلى طبيعة التنشئة المنزلية، غير أن التحاقها بدبلوم متخصص فتح عينها على حقيقة مفادها أنه لا يوجد طفل يختار أن يكون على هذه الحال، وأن وراء كل سلوك دوافع وأسباب يجب فهمها.
وتشدد شيفاني على أهمية اتساع الرؤية لدى المجتمع المدرسي ككل، لضمان التجاوب الأمثل مع التنوع في احتياجات الطلاب، مشيرة إلى تجربة عاشتها مع طالبها أرون في الصف الثاني الابتدائي.
تروي شيفاني أنها تمكنت من التشخيص المبكر لحالة أرون، وتواصلت مع أسرته لاطلاعهم على نوع الدعم الذي يحتاجه، حيث استجابت الأسرة وعرضت الطفل على المختصين، مما مكنهم من الوصول إلى الكادر الصحي والتربوي القادر على تقديم الدعم العلاجي والتأهيلي المناسب.
تعكس التهاريد التي تقدمها بيندو وشيفاني كيفية الاعتماد على رؤية شاملة لتجاوز العقبات الميدانية، وهو ما يوحي بأن تلك التحديات ليست سوى عثرات عابرة تنتظر الحلول المناسبة.
كما أبدت المعلمتان حنيناً إلى مساحات التطوير المهني التي كانت تجمعهم بنظراء يواجهون التحديات ذاتها، حيث كانت تلك الملتقيات منصة حية لابتكار الحلول الجماعية.
الفضاء المشترك للدعم والتكامل
يعبر التربويون عن حاجتهم الماسة إلى وجود فضاءات أو منتديات مستدامة على مدار العام، تنطلق من أهداف واضحة وتتيح لهم النمو والتطور المستمر.
وتؤكد نتائج البحوث أن المشاركين في مجموعات التطوير المهني يحرصون على الاستمرار في التواصل حتى بعد انتهاء البرامج الرسمية، ليبقى كل منهم سنداً ومصدراً لدعم الآخرين.
وهذه الأطر هي ما يُعرف في البيئات التعليمية المتقدمة باسم مجتمعات التعلم المهني.
ويرتكز الهدف المحوري لهذه المجتمعات على توفير بيئة مفتوحة تتيح للمعلمين فرصة التعاون، والتأمل الذاتي والجماعي، وتحمل المسؤولية المشتركة تجاه الطلاب، وتكريس مبادئ الشمول في أجواء تسودها الثقة والدعم المتبادل.
ومن خلال هذه المنصات، يستطيع المعلمون بناء شبكات تواصل وتفاهم تمكنهم من قيادة التغيير المنشود داخل مدارسهم.
وفي ظل البيئة المدرسية المباشرة للتربويين، تشكل مجتمعات التعلم المهني مساحة سيادية تمنح المعلم القدرة على ابتكار استراتيجيات، فردية وجماعية، تتصدى للعوائق التي تحول دون تحقق الدمج الكامل.
وعلى العكس من تجربة بيندو وشيفاني، تخوض شوبها، وهي معلمة في مدرسة حكومية ببنغالورو، جدولاً يومياً شاقاً يتضمن أربع ساعات من التدريس المتواصل، إلى جانب تكليفها بمهام إدارية رسمية مثل التنسيق لبرنامج التغذية المدرسية، ومتابعة دمج الطلاب، والتواصل الفردي مع أولياء أمور الغائبين.
تضم الفصول الدراسية في مدرسة شوبها الحكومية ما بين أربعين إلى خمسين طالباً، وقد يتجاوز عدد الغائبين في اليوم الواحد نصف سعة الفصل، مما يتطلب منها إجراء اتصالات مكثفة للوقوف على الظروف التي تحول دون حضور الطلاب، بمن فيهم ذوي الاحتياجات الخاصة.
غير أن شوبها تصطدم بقلة الدعم في ظل الهيكل المدرسي الحالي الذي يعاني فيه التربويون من الإرهاق، وتندر فيه برامج التدريب المتخصص أثناء الخدمة المقدمة من المؤسسات الرسمية، فضلاً عن ارتفاع نسب الغياب بين الطلاب، وهو ما يعوق قدرتها على اتخاذ خطوات ملموسة لتطبيق حلول تناسب البيئة الطلابية.
كما تواجه المعلمة مشقة كبيرة في التواصل مع أولياء الأمور الذين تحول ظروفهم العيشية والاجتماعية دون المشاركة الفاعلة في متابعة المسار المدرسي لأبنائهم.
وعند سؤالها عن مدى التنسيق مع معلمي التربية الخاصة المعتمدين في المربع التعليمي الذي تتبع له المدرسة، أوضحت شوبها أن اتساع نطاق المدارس الموكلة إلى كل معلم متخصص يزيد من الضغوط الفائقة التي يرزح تحتها نظام التعليم العام برمتها.
وأشارت إلى أن معظم أسر الطلاب الغائبين ينتمون إلى الفئات الأكثر احتياجاً، مما يجعل حضورهم إلى المدرسة لمناقشة التحديات التي تواجه أبناءهم أمراً في غاية الصعوبة.
ولا يعني هذا التعثر في التواصل عدم اهتمام الأسر بتعليم أبنائها، بل إنه يشكل عائقاً يولد حالة من الشعور بالإحباط واليأس تجاه منظومة التعليم النظامي لدى أولياء الأمور عبر مختلف الفئات الاجتماعية.
خطوات متناسقة نحو المستقبل
تؤكد الدراسات والبحوث الميدانية على ضرورة أن تؤهل برامج التطوير المهني المعلمين لممارسة التفكير النقدي، وطرح أسئلة جوهرية حول رفاه الطفل وكيفية تسخير البيئة المدرسية بكامل مكوناتها لدعم مساره التعليمي.
وكما يتضح من تجربة المعلمة شوبها، فإن الانخراط في برامج التطوير المهني الخاصة بالتعليم الجامع يجعل المعلم أكثر إدراكاً لظروف الطفل المنزلية ومستويات رفاهه، حتى وإن كان يعمل في ظل إمكانيات محدودة داخل نظام التعليم العام.
كما ينبغي أن يسهم التطوير المهني في مساعدة المعلمين على استكشاف المساحات والفرص المتاحة في محيط تأثيرهم المباشر، للبدء في تطبيق خطوات ملموسة للدمج، بدلاً من الارتهان لخيار الكل أو لا شيء.
علاوة على ذلك، يمتد الأثر الإيجابي لهذه البرامج لتمكين الكوادر التعليمية من مهارات بناء تحالفات محلية داخل المنشأة المدرسية، للعمل بروح الفريق على نشر مفهوم الشمول والدمج.
وفي نهاية المطاف، فإن التعليم الجامع يتلخص في الامتلاك الفوري للقدرة على الاستجابة لمظاهر الاستبعاد فور ظهورها.
لقد استغرقت برامج التطوير المهني زمناً طويلاً في التركيز على المفاهيم المجردة مثل أفضل الممارسات أو الاستراتيجيات النموذجية، دون مراعاة للواقع الفعلي والظروف التي يخوض المعلمون تجاربهم في ظلها.
إن التلويح بمصطلح أفضل الممارسات ينطوي في أصله على إيحاء ضمني بأن المجهود الحالي للتربويين ليس هو الأفضل، ويحمل في طياته نبرة توجيهية تفتقر إلى التشارك.
وحري بنا بدلاً من ذلك أن ننظر إلى المعلمين باعتبارهم شركاء أصلاء في مسيرة النهوض بالعملية التعليمية، لا مجرد متلقين يستوجب تطويرهم، فهذا التحول في النظر هو الكفيل بالارتقاء بكفاءتهم لإنشاء فصول دراسية تتسع للجميع وتستوعب كافة الاختلافات.
نبذة عن كتاب المقال:
مدهوسودان راميش أستاذ مساعد في كلية التربية بجامعة أزيم بريمجي في بنغالورو بالهند، ويتولى تدريس مساقات التعليم الشامل في برامج الدبلوم العالي والماجستير.
الدكتورة سيما ناث تعمل حالياً كمديرة مشاركة لخدمات المدارس في مركز أوميد لتنمية الطفل بمدينة مومباي، وتعمل أستاذة زائرة في جامعة أزيم بريمجي.
ماغدي ديكشا حاصلة على الماجستير في دراسات النوع الاجتماعي من جامعة أمبدكار بفي دلهي، وتعمل باحثة مشاركة في جامعة أزيم بريمجي.
