تكشف دراسة حديثة عن بعد غائب في تقييم أثر إنستغرام؛ إذ أظهرت أن الاستخدام الممتد لهذه المنصة قد يتجاوز السلوكيات الظاهرية ليمس طريقة ادراك الأفراد لهوياتهم الذاتية والحدود الفاصلة بينهم وبين العالم الخارجي.
ولم يعد الحديث عن أضرار هذه المنصات على الناشئة مجرد سجال آكاديمي، بل تحول إلى قضية رأي عام حثّت الحكومات على اتخاذ خطوات حازمة. فقد أقرت أستراليا حظراً يستهدف حماية من هم دون السادسة عشرة، وتدرس دول عدة اقتفاء أثرها. وفي السياق نفسه، فرضت فرنسا والنرويج ضوابط تنظيمية تحتم على المؤثرين والمعلنين الإفصاح عن أي تعديلات رقمية تجرى على الصور.
ولأن منصات التواصل تعد في جوهرها مسرحاً لإعادة تقديم الذات، فقد انصبت أكثر النقاشات على التأثيرات السطحية المتعلقة بالنظرة إلى الجسد وتقييم المظهر الخارجي. غير أن الجسد ومظهره لا يمثلان سوى جزء من تجربة الإنسان لذاته، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل أكثر عمقاً: ماذا لو كانت التأثيرات النفسية أعمق بكثير من مجرد شعور بالرضا عن الجسد أو السخط عليه؟
أما المسألة التي لم تنل حظها من البحث، فهي مدى قدرة المعايشة اليومية للقصص المصورة، والتقاط الصور الشخصية، واستخدام الفلاتر، والتفاعل مع نسخنا الرقمية على إعادة تشكيل العمليات النفسية التي نتبين بها هوياتنا.
أبعاد تتجاوز حدود المظهر
شاع التعامل مع مفهوم ""الهوية"" بوصفه بناءً نفسياً أو اجتماعياً تجريدياً، غير أن أبحاث الدماغ تشير إلى جذورها الضاربة في تكويننا الجسدي. فالمرء لا يدرك فرديته المتميزة إلا بعد أن يستوعب أن جسده ملك له بوضوح يفرّقه عن الآخرين.
ويتشكل هذا الانتماء الجسدي عبر عملية معقدة يُجري فيها الدماغ مطابقة مستمرة بين الإشارات الحشوية الداخلية (كنبضات القلب، وهيئة الجلوس، والحس الجسدي العام) وبين المعطيات القادمة من البيئة المحيطة. وينتج عن هذا التكامل الشغف والشعور الصريح بأننا نعيش داخل أجسادنا، ونملك زمام أفعالنا، ونشغل مساحتنا الخاصة في هذا العالم.
وحين يتعثر هذا التكامل بين الداخل والخارج، يجنح الإنسان إلى الارتهان للمعايير الخارجية ليعيد بناء شعوره بذاته، كأن يستمد قيمته من صورته في لقطة ما أو بعدد أزرار الإعجاب التي حصدها منشور. وتتقاطع هذه الاختلالات مع اضطرابات السلوك الغذائي وظواهر الانفصال عن الواقع، مما يثير الشكوك حول البيئات الرقمية القائمة على الصور ومدى قدرتها على تغيير صلتنا بذواتنا.
وتكسب هذه القضية أهمية مضاعفة لدى فئة المراهقين والشباب؛ إذ تمثل مرحلة المراهقة المحطة المفصلية التي يتشكل فيها الوعي بالذات، وتُبنى فيها العلاقة مع الجسد، وتُرسم الحدود مع الآخرين. وخلافاً لما عرفته الأجيال السابقة، تصاغ هذه التطورات اليوم عبر وسائط رقمية تصنع الانطباعات وتحدد أطر التعرف على الذات من خلال الشاشات.
تجربة الحواجز الفاصلة بين الذات والآخر
كيف يُمكِن لعلماء النفس اختبار مفهوم يتسم بالتعقيد كالهوية الجسدية؟ يجيب عن ذلك ميدان أبحاث ""خدع التجسيد"". فخلال العقدين الماضيين، أثبتت التجارب أن شعور الإنسان بملكيته لجسده ليس ثابتاً كما نظن، بل هو مرن بشكل يبعث على الدهشة. إذ يمكن للمرء تحت ظروف معملية معينة أن يستشعر يداً مطاطية أو جسداً افتراضياً أو ملامح وجه شخص آخر وكأنها جزء منه. وتوفر هذه التجارب أداة للتعرف على الآليات التي يفصل بها الدماغ بين الذات والآخر، وكيف يعزو الجسد إلى صاحبه.
وعلى هذا النحو، أجرى باحثون من ""مختبر التكنولوجيا الإنسانية"" في الجامعة الكاثوليكية للقلب الأقدس تجربة تقيس أثر إنستغرام على استقرار الهوية الجسدية.
وانصب تركيز الباحثين على ""الوجه"" لما يحمله من رمزية في الهوية الإنسانية. فالوجه هو الركيزة الأولى للتعرف على الذات ولتميزنا لدى الآخرين، ومن خلاله نتطلع في المرآة، ونفصح عن انفعالاتنا، ونعبر عن شخصيتنا. وتبدأ أولى اللبنات الجسدية للهوية من تلك اللحظة التي ننظر فيها إلى الوجه وندرك بديهياً: ""هذا أنا"".
ولقیاس مدى ثبات هذا الشعور لدى رواد إنستغرام، أُدخل المشاركون في تجربة واقع افتراضي تقوم على إيجاد وهم يمزج بين ملامح وجه المشارك وملامح شخص غريب. وعبر تحفيز حسي متزامن، بدأ بعضهم يستشعر تفاصيل الوجه الغريب وكأنها ملك له. وفي واقع الحال، لا يخلط الإنسان السوي بين وجهه ووجه غيره، غير أن استشعار وجه الغريب وكأنه جزء من الذات يعني أن الحدود الفاصلة قد غدت أكثر مسامية، مما يتيح التداخل بين الملامح الغريبة والوعي الذاتي. وفي تلك اللحظة، يتذبذب ذلك اليقين الجازم بالهوية الشخصية.
وأظهرت نتائج المختبر أن المشاركين الذين أمضوا سنوات أطول في استخدام إنستغرام كانوا أكثر استجابة للوهم وأسرع تقبلاً لملكية الوجه الغريب والشعور بالاندماج فيه. وبمعنى آخر: كلما طالت فترة التعرض لإنستغرام، أصبحت الصورة الذهنية للوجه ومعها الهوية الجسدية أكثر لينة وقابلية للتشكل.
ولا تعني هذه النتيجة بالضرورة أن وسائل التواصل تمحو هويات الأفراد، لكنها تطرح تساؤلاً لم ينل حقه من التمحيص: هل يمكن لسنوات من معايشة صور الشخصيات الملمعة والوسائط المعدلة أن تسهم بدهاء في تغيير الكيفية التي ندرك بها تميزنا الفردي؟
فرضية التأكل الرقمي للهوية
توفر ""فرضية التآكل الرقمي للهوية الجسدية"" تفسيراً منطقياً لهذه الظاهرة. فلم يسبق في التاريخ البشري أن قضى الناس كل هذا الوقت في تأمل صورهم وصور غيرهم. لقد جعلت الهواتف الذكية وشبكات التواصل المظهر البصري جزءاً من الطقوس اليومية، فالصور التي كانت توثق المناسبات العابرة أضحت مادة للإنتاج والتعديل والمشاركة والمقارنة المستمرة.
وقد يمتد هذا التحول ليطال جوانب تتجاوز حدود الشكل الظاهري؛ إذ يرجح أن يؤدي الانغماس المتكرر في هذه المنصات إلى اختلال التوازن بين مصدري بناء الهوية: الإشارات الحشوية الداخلية للإنسان من جهة، وصورته الخارجية من جهة أخرى. ومع أن البشر اعتمدوا دائماً على هذين المصدرين، فإن المنصات القائمة على الصور تمنح ثقلاً غير مسبوق للمظهر الخارجي، مما يضعف قدرة الجسد على نسج إحساس متماسك وداخلي بالذات.
لماذا تستدعي الأجيال الشابة هذا القدر من الاهتمام؟
تحثنا هذه النتائج على فتح نقاش أوسع حول معايشة الأجيال الجديدة للبيئات الرقمية. لقد ينتمي المشاركون في تجارب المختبر إلى الرعيل الأول الذي أمضى أواخر مراهقته وبداية شبابه بالتزامن مع طفرة هذه المنصات، في حين يواجهها أطفال اليوم في مراحل أسرع، ويقضون فيها أوقاتاً أطول، ويدمجونها في أدق تفاصيل يومياتهم.
وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن نحو ثلثي الأطفال دون سن الثالثة عشرة يستخدمون شبكات التواصل رغم القيود العمرية، مع تفضيل جلي للمنصات البصرية مثل ""تيك توك"" و""إنستغرام"". وينطوي ذلك على دلالتين: الأولى أن التعرض يتزامن مع أدق الفترات التشكيلية لبناء الهوية، والثانية أن شريحة واسعة من أطفال اليوم ينشؤون في عالم لم يخلُ يوماً من هذه الشبكات، فتتشكل ذواتهم في بيئات تطفح بالصور المثالية والنسخ الرقمية المنتقاة.
ولم يقطع الباحثون بعد بقول جازم حول ما إذا كانت هذه المتغيرات تبشر بظهور مخاطر نفسية أم أنها مجرد نمط من التكيف مع الحياة الرقمية. وحسم هذا الأمور يقتضي إجراء دراسات طولية ترصد تحولات الاستخدام الرقمي وتطور الإدراك الذاتي عبر الزمان.
وبينما يتواصل النقاش بين صناع القرار والتربويين والأسر حول مآلات الشبكات الاجتماعية في حياة الناشئة، يبدو أن استكشاف التأثيرات التي تتجاوز كيفية عرض الذات لتصل إلى عمق التجربة الذاتية سيظل واحداً من أهم الحقول البحثية، لا سيما للأجيال التي لم تشهد عالماً خلوياً من الشاشات.
