تعتمد سلاسل التوريد الخاصة بالتحول العالمي نحو خفض الانبعاثات بشكل محوري على الصناعة الصينية.
وهذه الحقيقة ليست مجرد وجهة نظر في السجالات الجيوسياسية، بل هي الواقع الفعلي الذي يحرك أسرع تحول في تاريخ الطاقة البشرية.
تنتج الصين اليوم نحو ثمانين في المئة من الألواح الشمسية في العالم، وثمانين في المئة من خلايا بطاريات الليثيوم، وسبعين في المئة من السيارات الكهربائية، إضافة إلى أكثر من تسعين في المئة من الشاحنات الكهربائية الثقيلة وغيرها من تقنيات الطاقة الخضراء. وقد أدى هذا التسارع الصناعي، وفق مفاهيم تطور الكفاءة الإنتاجية، إلى إحداث تحولات عميقة وملموسة على مستوى العالم.
فبين عامي 2019 و2025، استحوذت الشركات الصينية على خمسة وخمسين في المئة من إجمالي الاستثمارات العالمية في تصنيع الطاقة النظيفة، والتي بلغت قيمتها 1.1 تريليون دولار أمريكي. وفي شهر مارس من عام 2026 وحده، سجلت الصادرات الصينية من الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية رقماً قياسياً بلغ 26 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها سبعون في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وجاء هذا الارتفاع المتصاعد نتيجة الاضطرابات التي شهدتها المنطقة إثر الهجمات على إيران وإغلاق مضيق هرمز، مما أطلق شرارة أزمة النفط الرابعة في التاريخ، ودفع دول العالم إلى تسريع البحث عن بدائل طاقة المستدامة.
وقد ساهم انتشار السيارات الكهربائية عالمياً في تقليل استهلاك النفط بمقدار 1.8 مليون برميل يومياً خلال عام 2025، وهو ما يعادل ثلاث عشرة في المئة من إجمالي إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة.
لقد أصبح الاعتماد العالمي على التقنيات النظيفة الصينية واقعاً حتمياً وعميقاً لا يمكن التراجع عنه. ولم يعد السؤال المطروح يتعلق بمدى هذا الاعتماد، بل بكيفية إدارته؛ فهل تتم إدارته عبر الصراعات والعوائق التجارية التي ترفع التكاليف وتبطئ تنفيذ المشروعات، أم عبر شراكات هادفة تسرع الانتقال وتضمن كفاءة المعدات واستجابتها لمتطلبات التشغيل في مختلف دول العالم؟
صياغة المعايير الناظمة للتكنولوجيا النظيفة
جري جرف العادة في قطاع التكنولوجيا على أن تتولى الدولة الرائدة تطوير المعايير الفنية والتنظيمية قبل اعتمادها عالمياً. وتضطلع الصين اليوم بهذا الدور المحوري في وضع الضوابط والمعايير كجزء من مسؤولياتها الإنتاجية، فهي لا تكتفي بتصنيع التقنيات النظيفة، بل تشارك بشكل رئيسي في وضع القواعد التي تحدد آليات تشغيلها.
في يناير من عام 2026، فرضت الصين أول معيار إلزامي في العالم لكفاءة استهلاك الطاقة في سيارات الركاب الكهربائية، حيث وضعت حداً أقصى لاستهلاك الكيلوواط في الساعة لكل 100 كيلومتر بحسب وزن المركبة، وهو معيار أشد صرامة بنسبة أحد عشر في المئة مقارنة بالتوجيهات الاسترشادية السابقة. وفي شهر يوليو من العام نفسه، دخلت الاشتراطات الإلزامية لأمان البطاريات دخل التنفيذ، والتي تنص على منع نشوب الحرائق أو حدوث الانفجارات في بطاريات المركبات الكهربائية بشكل مطلق، لتكون هذه المرة الأولى التي تصبح فيها هذه المعايير ملزمة قانوناً على المستوى الوطني.
كما فرضت الصين تقديم تقارير إلزامية ترصد البصمة الكربونية لبطاريات السيارات الكهربائية طوال دورة حياتها، بدءاً من عمليات استخراج المواد الخام وحتى مراحل إعادة التدوير. وعلاوة على ذلك، أقامت منصة معلومات وطنية لتتبع مسار كل بطارية منذ تصنيعها وحتى انتهاء عمرها التشغيلي.
إن التحول نحو اقتصاد خالٍ من الانبعاثات يتطلب هذا النوع من القيادة التنظيمية، وقد بدأت الهيئات الدولية لوضع المعايير بالتفاعل مع هذه التطورات مع اتساع نطاق اعتماد التقنيات الجديدة. وعلى الرغم من أن هذه الضوابط تُعرض على الدول المستوردة، إلا أن تطبيقها يظل مرهوناً بمدى موافقة تلك الدول وتنسيقها.
خلال عام 2025 وحده، قادت الصين جهود صياغة 285 معياراً دولياً ضمن المنظمة الدولية للمقاييس واللجنة الكهرتقنية الدولية، بزيادة قدرها سبعة وعشرون في المئة عن العام السابق، وشملت مجالات الطاقة الجديدة، والسيارات الكهربائية، وبطاريات الليثيوم. كما أبرمت 130 اتفاقية تعاون في مجال التوحيد القياسي مع 75 دولة ومؤسسة. وبحسب تقارير معهد كلينغندايل للدراسات، فقد تحول الدور الصيني من مجرد الالتزام بالمعايير الدولية إلى المبادرة في صياغتها وتوجيهها.
ولا ينبغي التعامل مع هذا التطور باعتباره تهديداً، بل هو فرصة استثمارية وتنظيمية إذا ما اختار العالم التفاعل معه بدلاً من الانكفاء على الذات.
ملامح الشراكة المستقبلية المطلوبة
إن الانعزال والابتعاد عن هذه الشراكات لا يعني الاستقلالية، بل يؤدي إلى التخلف عن مواكبة التحول العالمي، رغم أن بعض الدول تحاول جاهدة تقييد هذه الواردات.
فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية تتراوح بين خمسة وعشرين ومئة في المئة على السيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة النظيفة القادمة من الصين. وكانت النتيجة المباشرة لهذه السياسات هي تحميل المستهلكين تكاليف إضافية وتباطؤ وتيرة خفض الانبعاثات، في حين واصلت القدرات الإنتاجية الصينية تزويد بقية أسواق العالم بمستويات غير مسبوقة.
إن بناء شراكة عالمية حقيقية لتحقيق التحول البيئي يتطلب نهجاً مختلفاً تماماً.
يبدأ هذا النهج بالاستفادة من التكنولوجيا الحديثة واسعة النطاق وانخفاض تكاليفها بدلاً من فرض الرسوم الجمركية، ثم يمتد إلى المشاركة الفاعلة في عمليات وضع المعايير داخل الصين، لضمان توافق القواعد المعتمدة في أكبر سوق للتكنولوجيا النظيفة مع شبكات الكهرباء والمركبات والبنى التحتية في الدول المستوردة.
كما يستلزم هذا التوجه تبادل البيانات بلقدر أعلى من الشفافية والوضوح، بحيث تصبح التفاصيل المتعلقة بكيمياء البطاريات، وأنظمة التبريد والتثبيت الحراري، وبروتوكولات الربط بين السيارات وشبكات الكهرباء معلومة ومتاحة للتخطيط من قبل شركات المرافق والجهات التنظيمية خارج الصين.
ويتطلب الأمر أيضاً تأسيس أطر تجارية واستثمارية تكفل تدفق المعادن والتكنولوجيا والخبرات بين الاقتصاديات المتكاملة بمرونة وفي الاتجاهين، مما يضمن توزيع منافع ثورة الطاقة النظيفة على مختلف مناطق العالم دون أن تقتصر على طرف واحد.
ورغم أن وكالة الطاقة الدولية والأمم المتحدة واتفاقية باريس للمناخ تؤكد جميعها على أهمية التحول العالمي وضرورة إرساء معايير جديدة يستفيد منها الجميع، إلا أنها لم تتوقع المدى الذي ستصل إليه الهيمنة التصنيعية الصينية، مما جعلها أبطأ في دمج هذه المعايير ضمن الأطر العالمية. وفي الوقت الراهن، فإن المصانع الصينية هي التي تغطي الفجوة الفاصلة بين الطموحات المناخية العالمية والواقع الصناعي الفعلي.
ولردم هذه الفجوة، يتوجب التعامل مع الصين باعتبارها المحرك الصناعي الرئيسي لهذا القطاع، وليس مجرد طرف هامشي. إن صياغة أشكال جديدة من التعاون مع قطاع الإنتاج الصيني تعد خطوة أساسية لإدارة هذا التحول بأسلوب عادل ومتوازن عالمياً.
ويتطلب التحرك نحو الأمام الالتزام بثلاث خطوات رئيسية من جانب الدول المستوردة والمؤسسات الدولية:
الخطوة الأولى هي المشاركة في وضع المعايير التنظيمية داخل الصين، ليس بهدف تعطيلها، بل لضمان ملاءمة الاشتراطات الصينية الخاصة بالسيارات الكهربائية والبطاريات مع الشبكات والأنظمة التشغيلية في البلدان المستوردة.
الخطوة الثانية تتمثل في إرساء أطر متكافئة لتبادل البيانات، تتضمن مشاركة المعلومات المتعلقة بالأداء والسلامة ودورة حياة المنتجات، مما يتيح لمؤسسات الطاقة والجهات التنظيمية وفنيي الصيانة خارج الصين التخطيط بأسلوب علمي وموثوق.
الخطوة الثالثة تتطلب بناء بنيان تجاري واستثماري يدعم التدفق المتبادل، بحيث تُوجه الاستثمارات والمعادن والخبرات نحو المنظومة الإنتاجية في الصين، مقابل تطوير القدرات المحلية في مجالات الصيانة والتشغيل والتطبيقات العملية في الدول المستوردة، بدلاً من حصر العلاقة في مجرد استيراد المنتجات.
إن هذه الخطوات لا تعني منح الثقة المطلقة دون ضمانات، بل تعني الاستجابة الواقعية للثقل الصناعي الذي تمثله الصين اليوم، وبناء الأنظمة والبيانات والمؤسسات التي تجعل الشراكة أكثر فاعلية وعدالة واستدامة، بدلاً من الاستمرار في سياسات التنافر والتباعد.
عن الكاتبين:
بيتر نيومان: أستاذ متميز في مجال الاستدامة بجامعة كورتين، ومشارك رئيسي في إعداد تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي لعام 2022 الخاص بسبل التخفيف في قطاع النقل. عمل على مدى خمسة عقود في البحث والدراسة لإثبات كيف تؤدي وسائل النقل الكهربائية إلى تحول جذري في منظومة النقل العالمية.
راي ويلز: أستاذ أستاذ ملحق بجامعة أستراليا الغربية والمدير التنفيذي لشركة استراتيجيات المستقبل الذكية، ويعمل على تحليل البيانات التي تؤكد أن الطفرة الصينية في التكنولوجيا النظيفة هي التحول الصناعي الأبرز في عصرنا الحالي.
