الفصل الرابع: كيف ينبغي للمنظومات العلمية أن تتكيف لدعم التغيير التحويلي
للعلم دور محوري في دعم التحول الاجتماعي والاقتصادي وتحقيق الازدهار المستدام. غير أن بلوغ ذلك بالحجم والسرعة المطلوبين يستلزم إحداث تغييرات في جوانب أساسية من الطريقة التي تعمل بها المنظومات العلمية والبحث الأكاديمي في الوقت الراهن. ويتناول هذا الفصل كيف يمكن للسياسات المتعلقة بالمسارات المهنية البحثية والبنى التحتية البحثية وانخراط العلم مع المجتمع أن تؤدي دور روافع مهمة لتعزيز البحوث التي تتصدى للأسئلة الكبرى المرتبطة بالتحول الاجتماعي والاقتصادي. ولما كان كل مجال من هذه المجالات يحتاج إلى تغييرات هيكلية، فإن الفصل يناقش الدور الحاسم الذي يؤديه تقييم الأداء البحثي في تحفيز التغييرات اللازمة.
الرسائل الرئيسية
ينبغي أن تكون المسارات المهنية البحثية في الأوساط الأكاديمية جذابة ومتاحة لأفضل العلماء الشباب وأكثرهم تميزاً من مختلف الخلفيات الاجتماعية، ممن يستطيعون إدخال طيف متنوع من وجهات النظر إلى البحث العلمي. كما يتعين على الأوساط الأكاديمية أن تتبنى البحوث الرامية إلى إيجاد حلول للتحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي تتجاوز حدود التخصصات والقطاعات، وأن تقدّرها حق قدرها. ومن الضروري تطوير مسارات مهنية متنوعة وشفافة تعترف بالتنقل بين القطاعات وتيسّره، وتقدّر الإسهام الجوهري الذي يقدمه موظفو الدعم البحثي المتخصصون.
تؤدي البنى التحتية البحثية دوراً مهماً بوصفها محفزات تجمع الموارد الأساسية، من معدات وبرمجيات وبيانات وأساليب وخبرات، عبر مختلف المجالات والبلدان من أجل تعزيز التغيير التحويلي. ويمكن تضخيم هذا الدور التحفيزي أكثر حين تعمل هذه البنى معاً ضمن منظومات متكاملة لتحقيق أهداف مشتركة. ومن ثم، لا بد من مواصلة تطوير آليات مرنة لدعم هذه المنظومات وحوكمتها، ولا سيما على المستوى الدولي.
يُعدّ الانخراط مع المجتمع، بما في ذلك التواصل العلمي المسؤول والإنتاج المشترك للمعرفة العلمية، أمراً لا غنى عنه لتحقيق التغيير التحويلي. بيد أن التواصل العلمي، بما فيه ترجمة المعرفة العلمية إلى سياسات، لا يحظى دائماً بالتقدير داخل المنظومات العلمية. وفي حين يتزايد عدد مبادرات التمويل الداعمة للبحوث العابرة للتخصصات وعلوم المواطن التي تقوم عليها الحلول العملية، فإن الأوساط الأكاديمية في مجملها لم تتبنَّ هذه المقاربات تبنياً كاملاً بعد.
لا تعترف هياكل تقييم الأداء والحوافز اعترافاً كاملاً بتنوع الإسهامات في العلم ومخرجاته اللازمة لدعم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ولا تقدّرها كما ينبغي. لذا يتعين توسيع مفهوم التميز البحثي، واعتماد طائفة من المقاييس والمؤشرات الكمية والنوعية لتقييم الجوانب المختلفة للأداء العلمي على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول. ويجب أن يقترن ذلك بإدخال تعديلات على آليات مراجعة طلبات التمويل البحثي ومنحه.
إن الحفاظ على نزاهة العلم ومصداقيته أمر لا مناص منه. فثمة خطر يكمن في أن يؤدي تنفيذ التغييرات اللازمة إلى أن يصبح العلم الأكاديمي خاضعاً لسيطرة حكومية مفرطة، أو أن يُنظر إليه على هذا النحو، وهو ما قد يقوّض سريعاً العلم ذاته وثقة الجمهور به على حد سواء. وفي ظل بيئة جيوسياسية تزداد استقطاباً، تكتسي حماية حرية البحث واستقلاليته وتعزيز العلم المفتوح أهمية بالغة، مع ضمان نزاهة المنظومة العلمية العالمية وأمنها في الوقت ذاته.
يُعدّ التعاون العلمي الدولي ضرورياً لتحقيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية العاجلة اللازمة لضمان مستقبل صحي ومزدهر للجميع. إذ تتشارك الدول تحديات مشتركة في تحويل منظومات الإنتاج والاستهلاك لديها، كما أن التبادل المفتوح للخبرات العلمية والمعلومات والبيانات ضروري للتصدي لتحديات الاستدامة والأزمات التي لا تعترف بالحدود الوطنية. ولا بد من تعزيز نزاهة المنظومة البحثية العالمية وأمنها، مع الاعتراف بالمعرفة العلمية الداعمة للتحولات بوصفها منفعة عامة عالمية.
إعادة معايرة المنظومات العلمية للتصدي للتحديات الحرجة والعاجلة
ثمة إدراك واسع لضرورة إحداث تغيير تحويلي في الاقتصادات والمجتمعات لمواجهة طائفة من التحديات، من بينها القدرة التنافسية والأمن والاستدامة. وكما ورد في الفصل الأول، يُنتظر من منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تسهم في التغيير التحويلي، غير أنها تحتاج إلى الإصلاح كي تتمكن من توليد المعارف والتقنيات والابتكارات ذات الصلة ونشرها بوتيرة وحجم غير مسبوقين. وقد جرى الإقرار بذلك بوضوح في الإعلان الذي اعتمده وزراء العلوم والتكنولوجيا والابتكار في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أبريل 2024، حين رحّبوا بأجندة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التحويلية. وتوفر هذه الأجندة إطاراً رفيع المستوى يمكن تطبيقه على أي أهداف تحويلية، وإن كانت قد سلّطت الضوء على ثلاثة أهداف تجسد كثيراً من الشواغل المعاصرة لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار: أولاً، تعزيز قدرة تنافسية اقتصادية عادلة وشاملة؛ وثانياً، ترسيخ المرونة والأمن في مواجهة المخاطر وحالات عدم اليقين الناجمة عن تزايد ظهور التهديدات النظامية؛ وثالثاً، المضي قدماً في التحولات نحو الاستدامة التي تخفف من إرث التنمية غير المستدامة المتمثل في تغير المناخ والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي، وتتكيف معه.
ومع أن قدراً كبيراً من التركيز، والأمل كذلك، في تحقيق هذه الأهداف ينصبّ على الأدوار المستقبلية للتكنولوجيا والابتكار، فإن للأهداف الثلاثة جميعها انعكاسات عميقة على العلم وعلى السياسات العلمية. وباختصار، لا يمكن تحقيقها دون المعرفة الجديدة التي يتعين على العلم توليدها. وتشكّل الدعوات إلى التغيير التحويلي حافزاً ملحاً لإجراء إصلاحات نظامية وهيكلية تجعل المنظومات العلمية أكثر ملاءمة لدعم المجتمعات في التصدي للتحديات والأزمات الراهنة والمستقبلية. ويمكن النظر إلى ذلك أيضاً بوصفه فرصة لمعالجة بعض المشكلات المزمنة التي تراكمت في المنظومات العلمية خلال السنوات الأخيرة، في أثناء محاولتها التكيف مع مطالب اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية وسياساتية متباينة.
إن المعرفة العلمية الجديدة ضرورية لفهم التحديات العالمية "المستعصية" والاستجابة لها، ولإثراء السياسات وعمليات صنع القرار على مستويات متعددة تمتد من المحلي إلى العالمي، ولتطوير التقنيات الجديدة التي لا غنى عنها لتحقيق تحولات فعالة. وفي الوقت ذاته، تتأثر المنظومات العلمية نفسها تأثراً مباشراً بالتحولات التي تسهم في دفعها. ولعل هذا يتجلى بأوضح صوره في المجال التكنولوجي؛ فاللبنات الأساسية للثورة الرقمية، على سبيل المثال، انبثقت من الاستثمار العام في البحث العلمي، ثم أحدثت تحولاً في الممارسة العلمية ذاتها. كما أن التحولات الاجتماعية الأوسع التي أتاحتها التقنيات الرقمية تؤثر في العلم تأثيراً مباشراً، ومن الشواهد على ذلك استهداف العلماء عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالعلم ليس مجرد مساهم سلبي، بل هو محرك رئيسي للتحول وشديد التأثر بانعكاساته في آن معاً. ولذلك ينبغي أن يضطلع بدور فاعل في تشكيل التحولات، بما يعظّم فوائد مخرجاته ويحدّ من عواقبها السلبية المحتملة.
لقد صُممت المنظومات العلمية وتطورت وفق تركيز مزدوج على التميز العلمي وتعزيز النمو الاقتصادي، مع افتراض ضمني بأن المنفعة المجتمعية متضمنة في كليهما. فالمجتمع الأكاديمي هو الضامن الرئيسي للتميز، في حين تمثل المنفعة الاقتصادية المسوّغ الأساسي للاستثمار العام في البحث العلمي. وتركّز سياسات الابتكار تركيزاً قوياً على تحويل المخرجات العلمية إلى منتجات قابلة للتسويق تجارياً، بينما انصبّ تركيز السياسات العلمية أساساً على دعم المجتمع الأكاديمي وتعزيز التميز البحثي، مع إيلاء قدر متفاوت من الاهتمام للطلب المجتمعي والسياساتي تبعاً للمجال البحثي. وفي هذا السياق العام، دأب المجتمع البحثي الأكاديمي على مقاومة التوجيه الصارم للبحث من الأعلى إلى الأسفل، وتشكّلت المحافظ البحثية إلى حد بعيد وفق اختيارات الباحثين الأفراد وتقييم الأقران من العلماء. وفي بعض المجالات، كالبحوث الطبية، تنسجم هذه المحافظ انسجاماً جيداً مع الأولويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولا شك في أن المنظومات العلمية في مجملها تستجيب للبيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تعمل فيها؛ إذ تنشأ الأولويات الجماعية من القاعدة صعوداً، وكثيراً ما تندمج مع أولويات السياسات المحددة من القمة أو تتقارب معها، لكنها عملية بطيئة في العادة، ونادراً ما تحدث تحولات كبرى في الاتجاه العام للجهود البحثية الجماعية، باستثناء أوقات الأزمات الحادة. فثمة جمود متأصل في المنظومات العلمية يعزز صمودها، لكنه يقيّد الظروف التي يمكن فيها تعبئتها على نطاق واسع حول أولويات مشتركة.
وبمرور الوقت، أثبتت المنظومة العلمية النموذجية قدرتها على توليد المعرفة الجديدة، وكانت آثارها غير المباشرة على المجتمع هائلة من حيث التقنيات والابتكارات. وتُعدّ منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الفعالة القادرة على توليد المعرفة العلمية الجديدة واستثمارها سمة رئيسية لجميع الاقتصادات الرائدة. كما ألقى البحث العلمي الضوء على الآثار السلبية لبعض جوانب التطور التكنولوجي والسلوكيات البشرية، ومنها الآثار البيئية، وعلى سبل تجنبها أو التخفيف منها. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة جدلاً متزايداً حول حجم الاستثمار العام، وحول ما إذا كانت إنتاجية العلم، أي التكاليف مقارنة بالعوائد الاقتصادية، آخذة في التراجع. ويبدو أن العلم قد أصبح ميالاً إلى تجنب المخاطر، بفعل مزيج من ظروف العمل الهشة التي يعانيها كثيرون والحوافز قصيرة الأجل التي تطال الجميع. إذ ينصبّ التركيز الرئيسي للجهود البحثية على البحوث التدريجية في المجالات الراسخة، بدلاً من استكشاف أفكار جديدة في مجالات جديدة أو التصدي "للأسئلة الكبرى" التي تشغل العلم والمجتمعات. واستجابة لذلك، دأبت دول كثيرة على إطلاق مبادرات مخصصة لدعم البحوث عالية المخاطر وعالية العائد، بهدف صريح يتمثل في تشجيع الاختراقات التكنولوجية أو التصدي للتحديات المعقدة متعددة التخصصات والعابرة للتخصصات، أو كليهما. بيد أن هذه المبادرات محدودة النطاق، وتعوقها حواجز هيكلية في الأوساط الأكاديمية، من بينها منظومات الحوافز والمكافآت السائدة.
وإلى جانب دعم النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية، ينطوي البحث الأكاديمي الممول من المال العام على دافع أوسع يتعلق بالمنفعة العامة، وهو ما يميزه عن معظم البحوث التي يُجريها القطاع الخاص. ويمكن توضيح ذلك، على سبيل المثال، بالدور الجوهري الذي أداه البحث الأكاديمي في الاستجابة لجائحة كوفيد 19، بدءاً من فهم بيولوجيا الفيروس وتطوير اللقاحات، مروراً بالكشف عن العدوى ورصدها، ووصولاً إلى تطبيق تدابير الصحة العامة والتدابير الاجتماعية. وقد كانت الجائحة إحدى الحالات النادرة التي تعبأت فيها المنظومات العلمية بسرعة عبر طيف واسع من التخصصات وعلى نطاق كبير لتلبية احتياجات مجتمعية ملحة. وتكتسي وظيفة المنفعة العامة للبحث الأكاديمي أهمية بالغة فيما يتعلق بالتحولات المجتمعية، التي لا يمكن أن تُحرّكها اعتبارات القدرة التنافسية الاقتصادية وحدها، وإن كانت هذه الاعتبارات تمثل أولوية السياسات القصوى في دول كثيرة. كما لا يمكن تحقيق هذه التحولات في الوقت المطلوب وبالحجم اللازم بمجرد التركيز على التميز العلمي والتقدم التدريجي ونشر المعرفة. فالحاجة إلى معرفة علمية جديدة تدعم التغيير التحويلي حاجة ملحة، ومن غير المرجح أن توفرها المنظومات البحثية بصيغتها الحالية، أو أن تضمن نقلها الفعال إلى المجتمع، بالحجم والسرعة المطلوبين.
لطالما عُدّ الانفتاح والحرية الأكاديمية والتعاون الدولي أسساً حاسمة للتقدم العلمي بما يعود بالنفع على المجتمع، أي لكي يؤدي العلم وظيفته بوصفه منفعة عامة. وفي عالم يزداد انقساماً على الصعيد الجيوسياسي، لا بد من حماية حرية البحث الأكاديمي واستقلاليته والتشديد عليهما. فالعلم إما أن يُوظَّف أو يُسلَّح أداةً لدعم الحكم السلطوي وتعميق أوجه عدم المساواة بين الدول والشعوب، وإما أن يكون قوة دافعة لتحول اجتماعي واقتصادي شامل. ويتعين أن يتسق التوظيف المشروع للمعرفة العلمية في خدمة المصالح الوطنية، بما فيها النمو الاقتصادي والأمن، مع الضرورة المستجدة المتمثلة في التصدي للتحديات العالمية المشتركة ودعم جميع الدول في إجراء التحولات اللازمة. فثمة حاجة إلى تعبئة جماعية قائمة على قيم مشتركة. ويُعدّ الانفتاح والتعاون الدولي وتقاسم المنافع عناصر أساسية للحفاظ على منظومة بحثية عالمية موثوقة، وهي منظومة لا غنى عنها للتصدي للتحديات العالمية، على النحو الذي تناوله الفصلان الأول والثاني. ويمثل ضمان نزاهة هذه المنظومة العالمية وأمنها في عالم منقسم جيوسياسياً، وحماية البحث العلمي من التدخل والإكراه وسوء الاستخدام من جانب جهات فاعلة حكومية وغير حكومية ذات نوايا خبيثة، تحدياً بالغ الأهمية لصانعي السياسات العلمية، كما بيّن الفصل الثاني.
وثمة ثلاثة مجالات رئيسية مترابطة ينبغي لصانعي السياسات العلمية أن يولوها اهتمامهم إذا أُريد للعلم أن يؤدي دوره في التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وهي: أولاً، القوى العاملة العلمية؛ وثانياً، البنى التحتية البحثية؛ وثالثاً، الواجهة البينية بين العلم والمجتمع. ويُضاف إليها مجال رابع، أو نقطة ارتكاز عليا، يؤثر في هذه المجالات جميعها، وهو تقييم البحث العلمي والحوافز، بما في ذلك التمويل. فالقوى العاملة البحثية الماهرة، والأدوات والمعدات التي تستخدمها، أي البنى التحتية البحثية، تشكّل حجر الأساس لأي منظومة علمية. كما أن العلاقة الوثيقة القائمة على الثقة بين العلم والمجتمع أمر حاسم لكي تُعتمد المعارف والتقنيات العلمية الجديدة اللازمة لتحقيق التحول الاجتماعي والاقتصادي، ولكي يُتخلّى تدريجياً عن الأنشطة التي ثبت ضررها. أما تقييم البحث العلمي والحوافز، بما في ذلك التمويل، فهي أكثر الآليات فاعلية في تشكيل البحث العلمي وتعزيز التغيير في ممارسات المؤسسات العلمية.
ففي الوضع الراهن، يتباين حجم ما تحظى به الفئات المختلفة من البحوث ومخرجاتها من دعم، ويمكن استخدام نقاط الارتكاز السياساتية لتغيير هذا الوضع وتوسيع الفئات الأصغر حجماً. ومن المهم الإشارة إلى أن الأمر ليس "لعبة صفرية"، إذ إن جميع أنواع البحوث ونقاط التقاطع فيما بينها مهمة لتحقيق أهداف التحول. ولا يمكن تحقيق إعادة التوازن هذه عبر سيطرة من الأعلى إلى الأسفل، ومن ثم فإن دور صانعي السياسات العلمية يتمثل في التحفيز والتمكين بدلاً من التوجيه والتحكم عن كثب. ولا بد من تصميم الإجراءات السياساتية في المجالات الأربعة جميعها وتنفيذها بعناية، مع احترام القيم الراسخة للعلم واستقلالية المؤسسات العلمية.
ويركز ما تبقى من هذا الفصل على نقاط الارتكاز السياساتية الرئيسية الأربع، فيتناول التحديات والحلول السياساتية الممكنة. وتُختتم الأقسام الرئيسية بتوصيات سياساتية عامة، مع أمثلة توضيحية لإجراءات سياساتية من دول مختلفة واردة في الهوامش الختامية. ويمكن الاطلاع على مزيد من الأمثلة في قاعدة بيانات بوصلة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار المشتركة بين المفوضية الأوروبية والمنظمة (EC OECD STIP Compass).
بناء قوى عاملة علمية منتجة تتسم بتنوع المواهب
في نهاية المطاف، يتوقف إسهام العلم في التغيير التحويلي على القوى العاملة العلمية. إذ يعتمد على قدرة المنظومة البحثية على استقطاب مواهب متنوعة، من ألمع العقول وأفضلها من مختلف الخلفيات الاجتماعية، والحفاظ عليها، وتوفير الظروف اللازمة لهؤلاء العلماء ولموظفي الدعم البحثي المتخصصين كي يكونوا مبدعين ومنتجين في التصدي "للأسئلة الكبرى" التي تشغل العلم والمجتمع. ويشمل ذلك ضمان حصولهم على البيانات والأدوات الرقمية اللازمة. ويُعدّ بناء هذه القدرة والحفاظ عليها أمراً جوهرياً لتمكين العلم من الإجابة عن كثير من الأسئلة التي ينبغي حسمها إذا أُريد تحقيق تحولات شاملة وعادلة. ويعني ذلك مواجهة عدد من تحديات الموارد البشرية المزمنة التي تراكمت في المنظومات البحثية على مدى عقود عدة، إلى حد لم يعد معه البحث الأكاديمي يُعدّ خياراً مهنياً جذاباً أو واقعياً لكثير من العلماء الشباب الطموحين الراغبين في الإسهام في علم يخدم المجتمع.
البحث الأكاديمي وهشاشة الأوضاع الوظيفية
تؤدي الأوساط الأكاديمية دوراً أساسياً لا يقتصر على إجراء نسبة كبيرة من البحوث الممولة من المال العام في معظم الدول، بل يمتد إلى تدريب العلماء والمهندسين القادرين على العمل في القطاعين العام والخاص، سواء داخل البلد الذي تدربوا فيه أو خارجه. وفي حين يبدأ أغلب طلبة الدكتوراه في العلوم مسيرتهم وهم يطمحون إلى مسار مهني أكاديمي، فإن أقلية صغيرة منهم فقط هي التي تنجح في ذلك. فبعضهم يغادر البحث العلمي فور حصوله على الدكتوراه، أو ينتقل إلى مسارات مهنية بحثية في القطاع الخاص. ويواصل كثيرون غيرهم السعي وراء طموحاتهم في الأوساط الأكاديمية إلى أن ينسحبوا محبطين بعد سلسلة من الوظائف قصيرة الأجل، أو يصابوا بالإنهاك جراء ثقافة "انشر أو اندثر" شديدة التنافسية السائدة في الأوساط الأكاديمية. وهذا لا يصب في مصلحتهم، ولا في مصلحة البحث الأكاديمي، ولا في مصلحة العلم في المجتمع على نطاق أوسع.
تعمل المنظومات البحثية الأكاديمية إلى حد كبير على أساس مشروعات بحثية متعددة قصيرة الأجل، تتراوح مدتها بين سنتين وثلاث سنوات، يقودها علماء مثبّتون في وظائفهم، في حين يتولى باحثو الدكتوراه وباحثو ما بعد الدكتوراه العمل البحثي الميداني. وفي الدول الأعضاء في المنظمة، يعمل معظم الباحثين الأكاديميين دون سن الرابعة والأربعين بموجب عقود عمل محددة المدة وقصيرة الأجل. وفي دول كثيرة، يُموَّل جزء كبير من هؤلاء الباحثين، بمن فيهم أغلب باحثي الدكتوراه، عبر منح معيشية. ويُستخدم التوظيف محدد المدة آليةً مرنة لتلبية احتياجات القوى العاملة قصيرة الأجل، لكنه يفضي أيضاً إلى هشاشة الأوضاع الوظيفية ويقلل من جاذبية المسارات المهنية الأكاديمية. وتحدّ هذه الهشاشة بدورها من التنوع، سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد الخيارات البحثية؛ فحين يكون هناك ضغط للنشر، يصبح من الأفضل تجنب الموضوعات البحثية عالية المخاطر ذات النتائج غير المؤكدة. ولا تقتصر مسألة الهشاشة على كيفية استخدام التمويل والموارد، وإن كانت هذه عوامل مهمة بلا شك، بل تتعلق أيضاً وبدرجة كبيرة بهياكل المسارات المهنية الأكاديمية، وتخطيط القوى العاملة، وعمليات التطوير الشخصي والمهني، والحوافز، والمكافآت. وتتطلب معالجة هذه القضايا معالجة فعالة اتباع نهج نظامي يُشرك جهات فاعلة متعددة، من صانعي السياسات العلمية وممولي البحث العلمي ومقدمي الخدمات البحثية وأصحاب العمل، إلى الباحثين في بداية مسيرتهم المهنية.
تختلف هشاشة الأوضاع الوظيفية باختلاف السياق، لكنها سمة مهمة في جميع المنظومات البحثية الوطنية. وقد تفاقمت مع تزايد التركيز على المنافسة وعلى التميز العلمي بمفهومه الضيق. وفي حين تُعدّ المنافسة بين العلماء والمؤسسات والدول قوة دافعة مهمة للعلم، فإن التنافس المفرط على المواهب وعلى الموارد المحدودة ينطوي على آثار سلبية خطيرة. وتستدعي التحديات العالمية المشتركة تعبئة جماعية للمجتمع البحثي العالمي، وينبغي للدول والمؤسسات البحثية أن تتبادل أفضل الممارسات وتعتمدها للحد من الهشاشة الأكاديمية والاحتفاظ بالمواهب العلمية المتنوعة، بما يضمن أن تظل المسارات المهنية البحثية خيارات جذابة لنخبة الباحثين الشباب.
الخيارات المهنية والتنافس على المواهب
شهدت نسبة الحاصلين على شهادة الدكتوراه بين السكان نمواً سريعاً في دول المنظمة خلال العقد الماضي، غير أن معدلات الالتحاق ببرامج الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بدأت تتراجع مؤخراً في بعض الدول. وفي بعض الدول وبعض المجالات، يسود تصور بأن التدريب على مستوى الدكتوراه لم يعد يستقطب أفضل المواهب. وفي بعض المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية، كالمعلوماتية والذكاء الاصطناعي وعلوم الكمّ، يسهل اتخاذ قرار العزوف عن الدكتوراه بفضل عروض التوظيف المغرية من القطاع الخاص، التي قد تكفي فيها درجة الماجستير أو ما يعادلها، على الأقل في المراحل الأولى من المسيرة المهنية.
وعلى الرغم من مؤشرات على تباطؤ حديث في بعض الدول، فقد ازداد عدد حاملي الدكتوراه على مستوى العالم، واشتد التنافس على الوظائف الثابتة المحدودة في الأوساط الأكاديمية ومنظمات البحث العامة. ووفقاً لتقديرات عالمية حديثة، يغادر نحو 40% من باحثي ما بعد الدكتوراه الأوساط الأكاديمية. وفي حين يترك كثير من العلماء الشباب ذوي المهارات العالية البحث العلمي كلياً، يوظف آخرون مهاراتهم وخبراتهم البحثية في أماكن أخرى، ولا سيما في قطاع الأعمال. ومن منظور مجتمعي، يُعدّ العلم الأكاديمي والعلم الصناعي نشاطين متكاملين، لكنهما من الناحية العملية مهنتان متمايزتان ذواتا هياكل مهنية مختلفة اختلافاً كبيراً. فمغادرة الأوساط الأكاديمية لإجراء البحوث في القطاع الخاص أمر شائع، في حين أن الانتقال في الاتجاه المعاكس نادر نسبياً في معظم المجالات العلمية، مع استثناء لافت لعلوم الحاسوب في بعض الدول. فلا وجود لباب دوّار؛ إذ إن من يغادر الأوساط الأكاديمية يكون من المستبعد جداً أن يتمكن من العودة إليها، لأن سجل منشوراته وسيرته الذاتية الأكاديمية سيفقدان قيمتهما حتماً مع مرور الوقت. ومن ثم، فإن تخفيف الحواجز الهيكلية أمام دخول "الوافدين من الخارج" ذوي المهارات العالية إلى الأوساط الأكاديمية يُعدّ آلية قد تكون مهمة لتوسيع تنوع وجهات النظر وسد الثغرات في القوى العاملة البحثية العامة في المجالات سريعة التوسع، كالذكاء الاصطناعي وعلوم الكمّ، التي تكتسي أهمية حاسمة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية.
ومع أن أغلب حاملي الدكتوراه والباحثين في بداية مسيرتهم المهنية ينتهي بهم المطاف في مسارات مهنية خارج الأوساط الأكاديمية، فإن الاهتمام المولى لإعدادهم لذلك أو لمساعدتهم على اتخاذ خيارات مهنية مستنيرة ضئيل للغاية. فالبحث العلمي ينمّي خبرات فردية ومهارات قابلة للنقل يمكن توظيفها في قطاعات اجتماعية واقتصادية عديدة، لكنها كثيراً ما لا تُقدَّر بقيمتها الكاملة. ويمثل الأفراد ومؤهلاتهم أهم أداة لنقل نتائج البحوث والتفكير العلمي إلى قطاعي الأعمال والحكومة وإلى المجتمع على نطاق أوسع. ولكي يسهم العلم إسهاماً كاملاً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لأي بلد، لا بد من إضفاء الطابع المؤسسي على الإرشاد المهني لطلبة الدكتوراه وباحثي ما بعد الدكتوراه. وفي عالم مثالي، سيظل هؤلاء الباحثون الشباب يتمتعون بدافعية عالية وإنتاجية مرتفعة طوال وجودهم في الأوساط الأكاديمية، وسيتمكنون من توظيف ما اكتسبوه من خبرات ومهارات ثمينة في قطاعات أخرى، إذا ما اختاروا ذلك في مرحلة ما من مسيرتهم المهنية.
ولا يقتصر التنافس الشديد على المواهب العلمية على القطاعين العام والخاص، بل يمتد ليشمل العالم بأسره، كما أوضح الفصل الثاني. إذ تواجه دول ومؤسسات كثيرة صعوبة في استقطاب الكوادر ذات المهارات العالية التي تحتاجها لإجراء بحوث عالية الجودة ودعم التغيير التحويلي، وفي الاحتفاظ بها. وقد ارتفعت حصة الطلبة الدوليين في برامج الدكتوراه في معظم الدول الأعضاء في المنظمة. غير أن التوترات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة بالأمن البحثي والاستقلالية الاستراتيجية تجعل بعض الوجهات البحثية التي كانت جذابة في السابق أقل جاذبية، كما أن تشديد أنظمة التأشيرات يعيق التنقل الدولي. وفي وقت يُطالَب فيه العلم بصورة متزايدة بالتصدي للتحديات العالمية، يتعين الإبقاء على التدابير السياساتية الرامية إلى تعزيز حرية تنقل العلماء وتقويتها.
التميز الشامل
يتطلب التقدم العلمي ودعم التغيير التحويلي دمج أفكار ووجهات نظر ومهارات متنوعة داخل القوى العاملة البحثية. فالمواهب ووجهات النظر المتنوعة يمكن أن تؤثر في اختيار الموضوعات والأساليب البحثية، فتفتح آفاقاً بحثية جديدة وتحفز الاكتشاف. وقد أظهرت الدراسات التجريبية حول العلم القائم على الفرق أن تنوع وجهات النظر يفضي إلى إنتاجية أكبر حين تتوفر ممارسات فعالة لإدارة الفرق. بيد أن العلم والأوساط الأكاديمية يعيدان إنتاج نفسيهما إلى حد كبير. فالعلماء الذين ينجحون في الأوساط الأكاديمية بوصفهم أول جيل من عائلاتهم يلج هذا المجال قلة نادرة، كما أن معدل الإقبال على المسار المهني الأكاديمي منخفض بين العلماء المنتمين إلى فئات عانت تاريخياً من نقص التمثيل. ولا يقتصر أثر محدودية تنوع وجهات النظر وضيق نطاق الموضوعات البحثية على إبعاد العلم عن تلبية الاحتياجات الفعلية لشرائح واسعة من المجتمع، بل قد يمتد إلى إبطاء الإنتاجية العلمية الإجمالية.
وقد قدمت دراسات المنظومات البحثية الوطنية أدلة قابلة للتعميم على نطاق واسع بشأن التفاوت في الفرص عبر مختلف مراحل المسارات المهنية البحثية، مسلطة الضوء على الفجوات في الترقي المهني والأجور والدعم والتمويل. وقد ركزت هذه الدراسات أساساً على الجنس، وعلى العرق والإثنية، ومؤخراً كذلك على التقاطع بين الجنس والعرق. وتشير إلى أن أوجه التفاوت والفجوات، التي تختلف باختلاف الدول والمجالات العلمية، لا تُعزى إلى فروق في جودة الأفراد المرشحين. كما أن العدد ليس عاملاً قوياً، وإن كان نقص التمثيل أمراً ذا شأن؛ ففي معظم الدول لا تعكس الأوساط الأكاديمية تركيبة السكان عموماً إلا بقدر ضئيل. ويمكن تفسير هذه التباينات بمجموعة من الحواجز المترابطة التي تعترض الأفراد الموهوبين المنتمين إلى الفئات ناقصة التمثيل، وهي: حواجز علائقية بين الأفراد، وحواجز هيكلية داخل المنظمات البحثية، وحواجز نظامية متجذرة في الأعراف الثقافية واللوائح والأطر القانونية.
وسيتطلب تعزيز تنوع وجهات النظر والمواهب من أجل "التميز في البحث" جهداً منسقاً من صانعي السياسات والمنظمات البحثية ووكالات التمويل. وفي هذا الصدد، تضطلع السياسات العامة بدور مزدوج يجمع بين التوجيه، من خلال وضع المعايير وتوفير البيانات والتمويل، وبناء القدرات لضمان رعاية المواهب والاحتفاظ بها وتمكينها في جميع مراحل المسار المهني. وثمة حاجة إلى بيانات أفضل لتحديد الحواجز التي تحول دون الشمول في البحث العلمي، مع مراعاة أن المتغيرات التي تعكس الفروق في الخلفيات ووجهات النظر، كالجنس والعرق والإثنية، مترابطة ويعزز بعضها بعضاً، وكذلك لتصميم التدخلات السياساتية ومتابعتها بحيث تعترف بالتآزر بين الشمول والتميز في العلم وتستثمره.
التميز الشامل في البحث العلمي
يشير التميز في البحث العلمي إلى بلوغ أعلى معايير العلم، من دقة وأخلاقيات وأهمية وأصالة، بهدف تقديم إسهام مؤثر في المعرفة والممارسة. أما التميز الشامل في البحث العلمي فهو مفهوم يؤكد ضرورة تدخل السياسات العامة لتعزيز تنوع وجهات النظر ومشاركة أفراد من خلفيات مختلفة تعزيزاً فاعلاً، بغية تسريع تقدم العلم. وهو يقر بأن مفهوم "التميز" مُنشأ اجتماعياً، وأن معناه ليس ثابتاً ولا كونياً. فما يُعدّ "مهماً" أو "أصيلاً" أو "مؤثراً" قد يتباين تبايناً كبيراً عبر السياقات والمجتمعات والتخصصات المختلفة، بما يعكس أولويات من يشغلون مواقع السلطة ممن يحددون هذه المعايير ويقيّمونها. وقد يؤدي التركيز الضيق على التميز بمعزل عن غيره إلى تفضيل وجهات النظر المهيمنة، مع التقليل من قيمة الطرائق المتنوعة في المعرفة وفي ممارسة العلم.
ويقوم التميز الشامل على أعلى معايير العلم، ويُدمج الإنصاف في صلب ممارسات البحث العلمي والتعليم والتدريب، وكذلك في الترقية وتخصيص الموارد. ويعني الإنصاف هنا الإقرار بأن الباحثين ينطلقون من نقاط بداية وظروف مختلفة، وتهيئة ظروف عمل تجعل احتمال النجاح مستقلاً عنها، أي ضمان تكافؤ الفرص. ولهذا انعكاسات على المسارات المهنية الأكاديمية، وعلى التقييم والتقدير، وعلى قيادة الفرق والمنظمات البحثية. كما يوفر مسوغاً قوياً للسياسات والتدابير التي تعالج الاختلالات الإقليمية والمؤسسية في تخصيص الموارد البحثية داخل المنظومة البحثية.
ويمكن تطبيق مفهوم التميز الشامل على مستوى المنظومة البحثية بطرق مختلفة. ففي المنظمات المنفذة للبحوث، على سبيل المثال، يمكن أن يوفر إطاراً لتحفيز تحول في الثقافة البحثية واستدامته. وفي منظمات التمويل، يمكن أن يساعد على ضمان الوصول المنصف إلى فرص التمويل، من خلال استحداث منح "للباحثين الناشئين" وأخرى "للباحثين المتمرسين" مثلاً، بما يكفل تكافؤ الفرص عند التقدم بطلبات التمويل البحثي.
الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة والمهارات الرقمية
يُغيّر الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة والروبوتات الطريقة التي يُجرى بها العلم والأدوار التي يؤديها الباحثون. فهذه التقنيات باتت منتشرة في كل جوانب البحث العلمي، إذ تزيد من سرعة معالجة البيانات والمعلومات وكفاءتها. بل إنها باتت تؤثر في توليد الفرضيات، الذي كان يُعدّ حتى وقت قريب حكراً على العالِم البشري، ويتزايد الحديث عن "علماء ذكاء اصطناعي" يتمتعون باستقلالية تامة أو جزئية. ومع ذلك، لا يمكن لهذه الأدوات التحليلية، على الأقل في المستقبل المنظور، أن تحل محل العقل البشري والمهارات التقنية التي يعتمد عليها العلم. فالعلماء يظلون عنصراً لا غنى عنه لدفع عجلة الاكتشاف والتقدم من خلال الإبداع والحدس والتعاون. وفي العالم الجديد للذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة، يُرجَّح أن يغدو تنوع وجهات النظر محدداً أكثر أهمية للتقدم العلمي الذي يعود بالنفع على المجتمع.
استخدام الذكاء الاصطناعي في العلم
تعزز أدوات الذكاء الاصطناعي في العلم قدرات الباحثين في تحليل البيانات والمحاكاة وتوليد الفرضيات. ففي علم الجينوم، على سبيل المثال، ساعد استخدام الذكاء الاصطناعي على تحديد المتغيرات الجينية المرتبطة بالأمراض، والتنبؤ بوظائف الجينات، وفهم التفاعلات الجينومية المعقدة. وفي النمذجة المناخية، أسهم في زيادة دقة التنبؤ بأنماط الطقس قصيرة الأجل واتجاهات المناخ طويلة الأجل، كما يمكنه تسريع تطوير مواد ومنتجات جديدة في طائفة واسعة من المجالات، بما فيها الطب.
وينطوي الذكاء الاصطناعي على إمكانات لمضاعفة الإنتاجية العلمية من خلال خفض التكاليف وزيادة كفاءة البحث. فالروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، يمكنها زيادة السرعة والدقة والاتساق في إجراء التجارب داخل المختبرات. كما أن نماذج الذكاء الاصطناعي المدرَّبة على النتائج العلمية المنشورة قادرة على استباق العلماء البشريين في الاكتشاف. فمن خلال تجنب النهج المعتاد القائم على الاستثمار المحلي لما هو مألوف بدلاً من استكشاف المجهول، يمكن لهذه النماذج أن تفضي إلى رؤى وفرضيات يُستبعد أن يطرحها العلماء البشريون.
وفي عام 2024، نالت بحوث الذكاء الاصطناعي جائزتي نوبل عن ابتكارات ستشكّل مستقبل الطب. فقد مُنحت جائزة الفيزياء لجون ج. هوبفيلد وجيفري إ. هينتون (الذي عمل سابقاً في شركة غوغل) عن "اكتشافات واختراعات تأسيسية تتيح التعلم الآلي باستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية". ومُنحت جائزة الكيمياء لديفيد بيكر عن "التصميم الحاسوبي للبروتينات"، ولديميس هسابيس وجون م. جمبر (من شركة ديب مايند) عن "التنبؤ ببنية البروتينات". ومن اللافت أن جميع هؤلاء الفائزين عملوا في الأوساط الأكاديمية وفي الصناعة في مراحل مختلفة من مسيراتهم المهنية.
كما يطرح الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة عدداً من التحديات أمام الممارسات العلمية الراسخة، ولا سيما فيما يتعلق بالمنشورات ونزاهة السجل العلمي.
وتزداد أهمية هذه المسألة إذا ما أُخذ في الحسبان التركيز الذي توليه السياسات للوصول المفتوح، والدور المهيمن الذي تؤديه المنشورات في عمليات تقييم البحث العلمي والتقويم.
يُعدّ الذكاء الاصطناعي مجالاً يشهد منافسة حادة وتعاوناً مثمراً في آن واحد بين الأوساط الأكاديمية والصناعة، كما أنه مجال تتعارض فيه أحياناً روح المنفعة العامة التي تميز الأوساط الأكاديمية مع الدوافع التجارية للصناعة. وثمة مؤشرات على أن الدور الغالب للصناعة في أبحاث الذكاء الاصطناعي قد يفضي إلى تضييق نطاق اهتمام البحث. إذ تخلص أعمال تجريبية حديثة إلى أن "باحثي الذكاء الاصطناعي في القطاع الخاص يميلون إلى التخصص في أساليب التعلم العميق التي تستهلك كميات هائلة من البيانات وتتطلب قدرات حوسبية مكثفة"، وأن ذلك يأتي على حساب "البحوث التي تتناول أساليب أخرى في الذكاء الاصطناعي، والبحوث التي تدرس الآثار المجتمعية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي، والتطبيقات في قطاعات مثل الصحة". ومن ثم، فإن تحقيق التوازن في توزيع البحث والخبرات بين قطاعي البحث العام والخاص أمر بالغ الأهمية لضمان تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره على النحو الأمثل بما يخدم التغيير التحويلي.
وتُعلَّق آمال كبيرة على العلم المفتوح، بما في ذلك البيانات والأدوات الرقمية القابلة للعثور عليها والوصول إليها والتشغيل البيني وإعادة الاستخدام (وفق مبادئ FAIR)، بوصفه محفزاً لتسريع التقدم العلمي والابتكار. فالوصول إلى البيانات المستمدة من مجالات بحثية مختلفة، مقترنةً بالبيانات الإدارية وغيرها من المصادر، أمر جوهري لفهم الأزمات المعقدة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية وإدارتها. كما أن الذكاء الاصطناعي وغيره من الأدوات البرمجية والموارد الحوسبية ضرورية لتحليل هذه البيانات وتحويلها إلى معرفة ذات صلة. بيد أن المتطلب الأساسي لعلم موثوق قائم على البيانات المكثفة هو توافر كوادر علمية تتمتع بمهارات رقمية، من علماء البيانات وأمناء البيانات ومهندسي البرمجيات. فجعل بيانات البحث متوافقة مع مبادئ FAIR والحفاظ عليها بمرور الوقت ليس بالمهمة اليسيرة، وهو في معظمه تكليف لا يحظى بالدعم الكافي داخل المجتمع العلمي. وإذا أُريد للعلم المفتوح والبيانات أن يُسهما في توجيه التحولات المجتمعية، فلا بد من تقدير الكوادر المهنية المتخصصة في الدعم الرقمي للبحث، القادرة على تحقيق ذلك، ودعمها على النحو الملائم، فضلاً عن توفير الحوافز لجعل البيانات متوافقة مع تلك المبادئ.
العلم القائم على الفرق والمجازفة (والحوافز)
باتت البحوث العلمية تُجرى على نحو متزايد ضمن فرق كثيراً ما تكون متعددة التخصصات ودولية. والبحوث متعددة التخصصات والعابرة للتخصصات، من النوع اللازم لدعم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، تنطوي في الغالب على مخاطر عالية، إذ قد تستغرق وقتاً أطول من البحوث التقليدية لتقديم نتائج قابلة للنشر، كما يصعب التنبؤ بمخرجاتها في البداية. وفي حين يتزايد توافر التمويل للمشروعات البينية ومتعددة التخصصات، لا تزال أنظمة المكافأة، بما فيها التوظيف والترقية، تركز في المقام الأول على الأداء الفردي. وبالنسبة إلى باحث شاب يطمح إلى مسيرة مهنية في الأوساط الأكاديمية، يظل البحث التراكمي في مجال بحثي معترف به خياراً أكثر أماناً بكثير من الخوض في مجال جديد ومعقد متعدد التخصصات.
ويمثل الاعتراف بإسهامات الباحثين والكوادر المهنية الداعمة في العلم القائم على الفرق مجالاً مهماً يحتاج إلى التحسين. فثمة حاجة إلى وضع مبادئ توجيهية واضحة تكفل الإقرار المنصف بإسهامات أعضاء الفريق. وتوفر مبادرات مثل تصنيف أدوار المساهمين (CRediT) إطاراً منظماً لتوثيق الإسهامات الفردية في المشروعات البحثية، بما يضمن الشفافية والإنصاف في الاعتراف، ويتيح إقراراً أكثر دقة بالإسهامات في المنشورات. ومع ذلك، ورغم أهمية مخرجات النشر العلمي، فإن انتشارها وأثرها في الأمد القصير، مقيساً بعدد الاستشهادات، يظلان محدودين في الغالب في المجالات الجديدة التي لا تتوافر فيها بعدُ مجتمعات اهتمام راسخة. أما المخرجات الأخرى الأكثر قيمة للعلم القائم على الفرق وللبحوث متعددة التخصصات أو العابرة للتخصصات، كالإسهام في صنع السياسات أو في اتخاذ القرارات المجتمعية، فيصعب قياسها كمياً، ونادراً ما تحظى بما تستحقه من تقدير في التقييمات الأكاديمية.
ويُلاحظ غياب المسارات المهنية الجاذبة وأطر التقييم الملائمة للباحثين الراغبين في العمل عبر التخصصات والتفاعل مع المواطنين وصانعي السياسات للتصدي للتحديات المجتمعية المعقدة. وستكون معالجة هذا الأمر، وتحفيز الباحثين ودعمهم لخوض المخاطر والعمل معاً لمواجهة التحديات الكبرى والمعقدة، أمراً حاسماً إذا أُريد للعلم أن يدعم التحول الاجتماعي والاقتصادي دعماً كاملاً.
إجراءات السياسات
أولاً، معالجة القضايا الهيكلية الكامنة التي تقف وراء هشاشة الأوضاع الوظيفية في البحث العلمي، والتي تحدّ من الخيارات البحثية وقدرة العلماء في بداية مسيرتهم المهنية على المجازفة.
ثانياً، تعزيز "التميز الشامل" في مختلف منظومات العلوم.
ثالثاً، تشجيع طائفة متنوعة من المسارات المهنية البديلة داخل الأوساط الأكاديمية وخارجها، بما يتيح توليد المعرفة العلمية واستخدامها لدعم التحولات، وتحفيز التنقل في الاتجاهين بين العلم الأكاديمي والقطاعات الأخرى، ومنها الصناعة.
رابعاً، مواصلة دعم التنقل الدولي وتيسيره، وتبادل الباحثين والكوادر المهنية الداعمة للبحث.
تمكين الدور المحفز للبنى التحتية البحثية
إلى جانب المواهب، يتوقف التقدم العلمي على إمكانية الوصول إلى أحدث التقنيات والبيانات. وكثيراً ما تُقدَّم هذه الموارد في صورة خدمات مشتركة عبر البنى التحتية البحثية، التي توجد في جميع الميادين العلمية، ويعمل كثير منها على المستوى الدولي، أي أنها تتيح الوصول لمجتمعات البحث الوطنية والدولية على حد سواء. وتتباين البنى التحتية البحثية من حيث طبيعتها وحجمها وبنيتها، فمنها المرافق التجريبية الكبيرة القائمة في موقع واحد، كالسنكروترونات والتلسكوبات، ومنها المرافق الموزعة الأصغر حجماً، كشبكات البيانات أو البنوك الحيوية. وتشكل هذه البنى العمود الفقري لمنظومات البحث الوطنية والدولية، ومن ثم تؤدي دوراً حاسماً في هيكلة هذه المنظومات. كما أنها ملتقيات تجمع فاعلين مختلفين من بلدان وقطاعات متعددة. وبإمكان البنى التحتية البحثية أن تضطلع بدور ريادي في تعزيز التغيير التحويلي، غير أن ذلك يستلزم إصلاحات في الطريقة التي تُدعم بها وتُدار حالياً.
منظومات البنى التحتية البحثية
كما تجلى في الاستجابة لجائحة كوفيد 19، يمكن للبنى التحتية البحثية أن تؤدي دوراً تحفيزياً مهماً في حشد البحث العلمي للاستجابة للأزمات. فهي تتمتع بموقع فريد يؤهلها للجمع بين فاعلين وتخصصات وبلدان مختلفة لمعالجة التحديات العلمية والمجتمعية المعقدة. وبحسب نطاق ولايتها وحجمها، يمكن لكل بنية تحتية بحثية أن تمارس تأثيراً كبيراً في التوجهات الاستراتيجية والخيارات البحثية في مجالها، كما يمكنها، بانفتاحها وتقديمها الخدمات لمستخدمين جدد، أن تدعم البحث النابع من القاعدة في ميادين متعددة. ويكتسي كل من التوجيه والتنوع في البحث أهمية في تعزيز التغيير التحويلي، والبنى التحتية البحثية قادرة على دعم الأمرين معاً، شريطة أن تحظى باستثمار استراتيجي طويل الأمد يمكّنها من توسيع مهامها العلمية الأساسية لاستيعاب المستخدمين الجدد من داخل الأوساط العلمية وخارجها استيعاباً كاملاً.
وإلى جانب دورها الأساسي بوصفها منتجة للمعرفة، تؤدي معظم البنى التحتية البحثية دوراً في التطوير التكنولوجي والابتكار. وقد يأتي ذلك نتاجاً ثانوياً لسعيها إلى تحقيق أهداف علمية، إذ كثيراً ما تضطر إلى تطوير أدواتها وبرمجياتها الفريدة، أو نتيجة مباشرة للتعاون مع الصناعة وغيرها من الشركاء لتطوير منتجاتهم واختبارها. وفضلاً عن المعدات والموارد التجريبية، كثيراً ما تمتلك هذه البنى خبرات تقنية ومهارات ودراية فنية فريدة يمكن توظيفها فيما يتجاوز أهدافها العلمية المباشرة. ويسهم كثير منها في التطوير التكنولوجي والابتكار في طائفة من المجالات المهمة للتحولات المستدامة، من الطاقة إلى أبحاث المواد، وغالباً ما يجري ذلك بتعاون وثيق مع الصناعة. وقد أطلق بعضها مبادرات جوهرية تركز تحديداً على الاستفادة من الخبرات الداخلية لمعالجة قضايا التحولات الخضراء أو التنمية المستدامة أو كليهما. بيد أن تمويل هذه الأنشطة لا يزال محدوداً، كما أن حوافز المشاركة وآلياتها تظل ضعيفة نسبياً.
وتتعاون البنى التحتية البحثية فيما بينها على نحو متزايد، فتتبادل الدراية الفنية وتطور بروتوكولات وممارسات مشتركة لرفع كفاءتها وفعاليتها. كما بدأت تبرز منظومات للبنى التحتية البحثية تدعم الخدمات أو الأنشطة أو كليهما عبر مرافق مختلفة أو تنسقها. وهذه المنظومات كيانات ديناميكية متطورة تنشأ حول أهداف استراتيجية مشتركة، كثيراً ما ترتبط بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية أو بالتأهب للأزمات والاستجابة لها أو بكليهما، وتعمل على نطاقات جغرافية متباينة تمتد من المستوى المحلي إلى المستوى الدولي. ومن خلال الجمع بين الموارد والخبرات، تعزز هذه المنظومات قدرة منظومات البحث على مواجهة التحديات المشتركة. ورغم وجود آليات لدعم مثل هذه المنظومات على المستويين الوطني والإقليمي، فإنه لا تتوافر أدوات أو حوافز فعالة لاستدامة منظومات عالمية فعالة للبنى التحتية البحثية، والتي كثيراً ما تعتمد على تمويل قصير الأمد أو تُدعم من أنشطة أعضاء آخرين.
ونظراً إلى أن كثيراً من البنى التحتية البحثية دولية بطبيعتها، وأن معظمها يتيح وصولاً دولياً مفتوحاً إلى البيانات، فإن لها دوراً مهماً في تعزيز الشمول في البحث وإتاحة المعرفة العلمية. ويمكن للبنى التحتية البحثية الدولية، أي تلك التي تتلقى تمويلاً من بلدان متعددة وتخضع لترتيبات حوكمة دولية، أن تؤدي دوراً محورياً في التحول الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة أو البلد المضيف لها. فعلى سبيل المثال، يستند إنشاء تلسكوب مصفوفة الكيلومتر المربع (Square Kilometre Array) في جنوب أفريقيا إلى خطط تتوقع أن يسهم في تنشيط الاقتصاد الرقمي في جنوب أفريقيا والمنطقة بوجه أعم. غير أن المتطلبات العلمية والعوامل السياسية التي تحدد مواقع البنى التحتية البحثية الدولية معقدة، والفرص المتاحة لاستثمار هذه الإمكانات التحويلية نادرة. في المقابل، توفر البنى التحتية البحثية الموزعة والشبكات وتطوير منظومات البنى التحتية البحثية فرصاً أيسر منالاً لجميع البلدان للمشاركة في البحوث الداعمة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية. ولا تزال آليات الدعم العالمي والحوكمة المرنة لمثل هذه المنظومات العالمية من البنى التحتية غائبة حتى الآن، إلا أن الحاجة إلى أجندة للتحول الاجتماعي والاقتصادي يمكن أن تشكل حافزاً لتطويرها، والعكس صحيح.
البنى التحتية البحثية والبيانات الموثوقة
تقع البنى التحتية البحثية في صميم التحول الرقمي، إذ تجمع كميات هائلة من البيانات والمعلومات العلمية وتنتجها وتديرها، وتمتلك الخبرة المهنية اللازمة لتمكين طيف متنوع من المستخدمين من تحليلها تحليلاً رصيناً. ولهذه البيانات قيمة مجتمعية كبيرة، فهي تشكل الأساس للابتكار والتطوير التكنولوجي، كما أنها حاسمة في توجيه سياسات وقرارات سليمة قائمة على الأدلة. ويُعدّ الوصول إلى بيانات ومعلومات موثوقة أمراً بالغ الأهمية للصناعة والأوساط الأكاديمية وصانعي السياسات والجمهور عموماً. ويقف كثير من البنى التحتية البحثية في طليعة تطوير الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة ونشرها، مدفوعاً في المقام الأول باحتياجاته الخاصة في إدارة بيانات البحث، ولكن مع آثار جانبية كبيرة تعود بالنفع على المجتمع.
وتدعم البنى التحتية السيبرانية المخصصة، كالحواسيب عالية الأداء أو شبكات الحوسبة الشبكية (GRID)، مجمل منظومة البحث العام، فضلاً عن جزء كبير من أنشطة البحث والتطوير في القطاع الخاص. وتُودَع بيانات البحث في شبكات من مستودعات البيانات التي تكفل رعايتها مستقبلاً وإتاحة الوصول إليها على نحو آمن ومأمون، وفقاً لمبادئ FAIR. ويعمل كثير من هذه المستودعات أيضاً على تطوير طائفة من خدمات البيانات وأدواتها وإتاحتها لمجتمعات المستخدمين المختلفة. وفي حالات كثيرة، تقود هذه المستودعات الجهود الرامية إلى تطوير المعايير والبروتوكولات والأدوات اللازمة لضمان قابلية التشغيل البيني للبيانات الواردة من مجالات مختلفة، وهو أمر جوهري لتوليد المعرفة الجديدة اللازمة لدعم التحولات المجتمعية. فعلى سبيل المثال، أطلقت البنيتان التحتيتان البحثيتان في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، البنية التحتية للبيانات المفتوحة للعلوم الاجتماعية والابتكارات الاقتصادية (ODISSEI) والمختبر المشترك للبنية التحتية البحثية للفنون والعلوم الإنسانية (CLARIAH)، بالاشتراك مع السحابة المفتوحة للعلوم الاجتماعية والإنسانية في هولندا (SSHOC NL)، مبادرة مشتركة لإنشاء بنية تحتية رقمية آمنة لربط مجموعات متنوعة من البيانات الإدارية والبحثية وتحليلها. ويتيح ذلك إجراء بحوث متعددة التخصصات حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية "الكبرى"، كالاستقطاب وأوجه عدم المساواة الاجتماعية والآثار المجتمعية للتغير البيئي.
وعلى الصعيد الدولي، تسعى السحابة الأوروبية للعلم المفتوح، ومبادرات مماثلة لمشاعات البيانات في مناطق أخرى، إلى الاستفادة من رقمنة البحث العلمي عبر الربط بين مصادر البيانات الموثوقة وأدوات التحليل وخدماته، بما في ذلك خوارزميات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء. وستكون هذه الموارد متاحة، في ظروف آمنة ومأمونة، لباحثي القطاعين العام والخاص على السواء، وتبشر بتسريع هائل لتحليل البيانات الضخمة متعدد التخصصات اللازم لتوجيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية. ويمثل دعم البنية التحتية السيبرانية وصيانتها، وتطوير المعايير والبروتوكولات التقنية المفتوحة التي تتيح التشغيل البيني للبيانات الواردة من مصادر مختلفة، تحديات كبيرة، غير أن البناء السريع للقدرات البشرية والمهارات اللازمة للبحث الرصين القائم على البيانات المكثفة ربما يكون أصعب التحديات على الإطلاق.
البنى التحتية البحثية والمهارات والتدريب
يعتمد إنشاء البنى التحتية البحثية وتشغيلها على موارد بشرية عالية المهارة والتخصص، من علماء ومهندسين وكوادر مهنية داعمة. ومن ثم، تمتلك هذه البنى القدرة على الإسهام إسهاماً كبيراً في تنمية المهارات والقدرات اللازمة في مجالات كثيرة من المجتمع. ويشمل ذلك مجموعات عديدة من المهارات المتخصصة، كالخبرة الرقمية أو الهندسة كثيفة التكنولوجيا، إلى جانب مهارات أوسع نطاقاً لازمة لإدارة العمليات المعقدة للبنى التحتية البحثية وأوجه التعاون فيها، كالتفكير العرضي أو المنظومي وإدارة المشروعات المعقدة. وتكرس البنى التحتية البحثية وقتاً وجهداً كبيرين لتلبية احتياجاتها التدريبية الخاصة، وهو ما يمكن تيسيره عبر العمل المشترك في شبكات أو منظومات. كما باتت تُستخدم على نحو متزايد من جانب طيف أوسع من مجتمعات المستخدمين غير المتخصصين، بما في ذلك ممارسو علم المواطن وفرق البحث العابرة للتخصصات، الذين يحتاجون إلى تدريب مخصص. بيد أنه رغم ما تقدمه البنى التحتية البحثية من تدريب رسمي وغير رسمي للعلماء وكوادر الدعم الفني والمستخدمين، فإنها نادراً ما تكون مدمجة في أنظمة التعليم الوطنية أو مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً. فعلى سبيل المثال، تتعامل هذه البنى مع كميات هائلة من البيانات المعقدة، وتستخدم الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد في التنقيب عن البيانات وتحليلها، غير أن التدريب الذي تقدمه في هذه المجالات يقتصر عادةً على موظفيها ومجتمعات مستخدميها العلميين الرئيسيين. وثمة فرص أمام البنى التحتية البحثية للعمل بصورة أوثق مع مؤسسات التعليم العالي وغيرها من مقدمي خدمات التدريب لبناء القدرات الرقمية وغيرها، بما يلبي احتياجاتها واحتياجات المجتمع بوجه أعم.
وتتشابه التحديات المتعلقة بتطوير كوادر البنى التحتية البحثية والاحتفاظ بها مع تلك التي تواجه الأوساط الأكاديمية عموماً، ومنها هشاشة الأوضاع الوظيفية، والرواتب غير التنافسية، وعدم وضوح المسارات المهنية. يضاف إلى ذلك أن الخيارات المهنية داخل منظومة البحث العام كثيراً ما تكون محدودة جداً لأصحاب المهارات شديدة التخصص، في حين قد يكون جذب القطاع الخاص قوياً في بعض المجالات، كالذكاء الاصطناعي أو علوم الكمّ. وتُعدّ الكوادر المتخصصة في دعم البحث والكوادر الفنية عنصراً حاسماً في التشغيل الفعال للبنى التحتية البحثية، إذ تؤدي دوراً أساسياً في صيانة عمل هذه البنى وتكييفه. ولا يكفل ذلك سير عملياتها اليومية فحسب، بل يتيح أيضاً حشد هذه المرافق بسرعة خلال الأزمات، كجائحة كوفيد 19، وربما تمكينها كذلك من أداء دور رئيسي في تحفيز الحلول اللازمة للتحول الاجتماعي والاقتصادي.
وفي حين يمكن للتشبيك ومنظومات البنى التحتية البحثية أن تسهم في تعزيز التعلم المتبادل وتبادل الموظفين، فإن هذه البنى بحاجة إلى الدعم للعمل مع الجامعات والفاعلين المعنيين في القطاع الخاص من أجل تحسين المسارات المهنية والتنقل بين القطاعات. ومن شأن ذلك أيضاً أن يضمن تقاسم المعرفة الضمنية القيّمة التي تختزنها الكوادر المهنية الداعمة للبحث ونشرها عبر مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.
إجراءات السياسات
أولاً، الاعتراف بالدور الجوهري الذي يمكن أن تؤديه البنى التحتية البحثية في دعم الاستجابة للأزمات والتحول الاجتماعي والاقتصادي، واعتماد مناهج تمويل استراتيجية تعزز استدامتها وتتيح لها المرونة.
ثانياً، دعم التطوير والتشغيل والاستخدام المنسق والتعاوني للبنى التحتية البحثية، بما في ذلك تعزيز المنظومات العالمية للبنى التحتية البحثية، للتصدي للتحديات العالمية المعقدة والمترابطة.
ثالثاً، تكليف البنى التحتية البحثية ودعمها بوصفها مواقع لتوليد بيانات عالية الجودة متوافقة مع مبادئ FAIR ورعايتها على نحو آمن، من أجل الاستجابة للتحديات المجتمعية.
رابعاً، الاستفادة من البنى التحتية البحثية في التدريب والتعليم للمساعدة في معالجة أوجه النقص في المهارات وعدم المواءمة بينها وبين الاحتياجات المرتبطة بالتحولات.
سد الفجوة بين العلم والمجتمع
كما شهدنا خلال جائحة كوفيد 19، تُعدّ المعرفة العلمية ذات الصلة والابتكارات الاجتماعية والتكنولوجية أموراً جوهرية للاستجابة الفعالة للتحديات والأزمات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة. وتتوقف هذه بدورها على توافر بيئات بحثية منتجة وحوافز ملائمة. غير أن ترجمة المعرفة العلمية إلى إجراءات فعالة في حالات الأزمات تعتمد اعتماداً تاماً على العلاقة الثلاثية بين العلم وصانعي السياسات والمجتمع. فحيثما وُجدت علاقات قائمة على الثقة، يمكن لصنع السياسات القائم على الأدلة أن يفضي إلى استراتيجيات فعالة للتخفيف من الأزمات والتكيف معها. أما حيثما انعدمت الثقة بين العلم والجمهور، فإن الاستجابة للأزمات تتعرض لخلل جسيم. وبالمثل، حين تستخف السلطات المعنية بالعلم، يُرجَّح أن تكون قراراتها وإجراءاتها غير فعالة. وثمة ثلاثة مجالات حاسمة تستدعي اهتماماً عاجلاً إذا أُريد للعلم أن يتفاعل بفعالية مع الجمهور وصانعي السياسات وأن يحظى بثقتهم، وهي: أولاً، النزاهة والتواصل العلمي؛ وثانياً، إشراك المواطنين في البحث؛ وثالثاً، الواجهة بين العلم وصنع السياسات. وترتبط هذه المجالات جميعها ارتباطاً وثيقاً بتطبيق العلم المفتوح بمعناه الأوسع، أي ترسيخ العلم في المجتمع.
نزاهة البحث والتواصل العلمي
تُعدّ النزاهة العلمية والممارسات الأخلاقية السليمة والتواصل العلمي المسؤول أموراً لا غنى عنها لكي يحظى العلم بالثقة. وفي أعقاب عدد من الفضائح البارزة المتصلة بممارسات بحثية احتيالية أو غير أخلاقية أو كلتيهما في مطلع الألفية الثالثة، اتُّخذت تدابير صارمة لحماية نزاهة البحث العلمي، شملت وضع مبادئ توجيهية، وتوفير التدريب، واعتماد إجراءات للمراجعة والإبلاغ. وقد أدى الناشرون العلميون دوراً رئيسياً في هذا الصدد، إذ يخضع النشر الرسمي للنتائج العلمية في المجلات المتخصصة لإجراءات مراجعة صارمة و"رقابة ذاتية" من جانب الأقران. ومع ذلك، وفي أعقاب عدد من الانتهاكات لنزاهة البحث والمنشورات المضللة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة خلال جائحة كوفيد 19، أعلنت السلطات العلمية في بعض البلدان مؤخراً أن العلم بحاجة إلى إعادة التركيز على قيمه الجوهرية.
ويُعدّ ضمان رصانة العلم والسجل العلمي تحدياً طويل الأمد يرتبط أيضاً بهياكل الحوافز والمكافآت. وأياً كانت تدابير التخفيف المطبقة، فإنها لن تكون فعالة بنسبة 100% في جميع الأحوال، ولا بد أن تقع أخطاء بشرية (وآلية) غير مقصودة. وعلى الرغم من الاهتمام الذي يُولى لعدد قليل من المنشورات الاحتيالية والخاطئة، تواصل آليات التصحيح الذاتي في العلم عملها بفعالية، وإن كان ذلك ببطء في بعض الحالات. وباتت عمليات تصحيح المقالات أو سحبها، ومنها ما ترصده مبادرات مثل "مرصد السحب" (Retraction Watch)، تتسم بقدر متزايد من الشفافية والانتظام، كما أن نزاهة السجل العلمي الرسمي مرتفعة إجمالاً. وفي الوقت ذاته، يفرز التطور السريع للذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة تحديات وفرصاً جديدة فيما يتعلق بإنتاج المنشورات البحثية الاحتيالية وكشفها.
ولم يحظ التواصل العلمي مع الجمهور، حتى وقت قريب، بالقدر نفسه من الاهتمام الذي حظيت به عملية النشر الرسمي للمقالات العلمية. فقد مال التواصل مع الجمهور إلى التركيز على الاكتشافات العلمية المثيرة وتقديم الحقائق في عملية أحادية الاتجاه، بدلاً من التفاعل مع الجمهور ومعالجة اهتماماته ومخاوفه. وقد تجلت قيود هذا النهج بوضوح خلال جائحة كوفيد، حين أسهم غياب الشفافية بشأن الثغرات وأوجه عدم اليقين في البيانات والمعلومات العلمية في انعدام الثقة بالتدخلات القائمة على العلم لدى كثير من الفئات السكانية. وسيكون الحوار الفعال في الاتجاهين بين المواطنين والعلماء أمراً مهماً إذا أُريد للعلم أن يوجّه التحول الاجتماعي والاقتصادي بفعالية.
ويشهد مشهد التواصل العلمي تطوراً مستمراً يمهد الطريق أمام مجموعة من الفاعلين الجدد (جماهير متعددة، ومؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات رقمية، وخوارزميات، وغير ذلك) القادرين على إنشاء المحتوى العلمي ومشاركته. ويجري تحول من وسطاء التواصل التقليديين (المجلات العلمية ووسائل الإعلام الرئيسية) نحو الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مدفوعاً إلى حد كبير بالتحول الرقمي. وفي حين يتيح هذا التغيير فرصة مرحباً بها لتجاوز التواصل أحادي الاتجاه، فإنه قد يفسح المجال أيضاً للمعلومات الخاطئة والمضللة. وفي هذا السياق الجديد، يواجه التواصل العلمي المتعلق بالقضايا الحاسمة ذات الأهمية المجتمعية (كالصحة العامة وتغير المناخ والتقنيات الناشئة) عدداً من التحديات الكبيرة.
فالتواصل العلمي الرديء أو غير المسؤول قد يزرع بذور الأخبار الزائفة التي يمكن أن تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويسهّل استخدام الذكاء الاصطناعي انتشارها. وكثيراً ما تروج الأخبار الزائفة لرؤى علمية بديلة أو غير موثوقة، وتشكل تهديداً كبيراً للعلم وللعمليات الديمقراطية. ويمكن للتواصل العلمي غير الفعال أن يقوض مصداقية الخبراء العلميين والمؤسسات العلمية وصانعي السياسات. وخلال الأزمات، قد تؤدي الرسائل العلمية المربكة والمتناقضة وغير الموجهة إلى ضعف الالتزام بالمشورة المتعلقة بالسياسات، بما يعرّض الأفراد والمجتمعات للخطر. وتتطلب الاستجابة الفعالة للمعلومات الخاطئة والمضللة نهجاً متعدد الأوجه ينبغي أن يضطلع فيه المجتمع العلمي بدور ريادي. ويتعلق ذلك جزئياً بالتواصل العلمي المسؤول، ولكنه يتعلق أيضاً بتعزيز الثقافة العلمية والرقمية بحيث يتمكن الناس من التمييز بين المعلومات العلمية الرصينة والآراء.
المبادئ الأساسية للتواصل العلمي المسؤول
أولاً، الشفافية: وتشمل إتاحة الوصول إلى البيانات التي تستند إليها الاستنتاجات العلمية.
ووصف الأساليب والبيانات المستخدمة للتوصل إلى الاستنتاج وصفاً واضحاً.
والإفصاح عن أوجه عدم اليقين.
ثانياً، الشمول: ويشمل الوصول إلى الفئات المتنوعة في المجتمع.
وجعل التواصل العلمي في متناول الجميع (مثلاً بمراعاة البنية التحتية الرقمية والحواجز اللغوية).
ثالثاً، النزاهة: وتشمل التقيد بالمعايير الأخلاقية والمهنية في البحث العلمي والتواصل بشأنه.
والتحلي بالأمانة الفكرية (مثلاً بعدم المبالغة في تضخيم النتائج العلمية)، وضمان رصانة البحث الذي يجري التواصل بشأنه.
رابعاً، المساءلة: وتشمل توضيح الجهة المسؤولة عن التواصل العلمي والصفة التي تتواصل بها (مثلاً بصفة شخصية أو مؤسسية، أو بصفة خبير في الموضوع أو معلّق علمي).
والوضوح بشأن المصادر التي يستند إليها التواصل العلمي.
والإفصاح العلني عن أي تضارب محتمل في المصالح أو الالتزامات لدى القائمين على التواصل أو مقدمي محتواه.
خامساً، الحرية والاستقلالية: وتشملان التواصل بشأن البحث العلمي دون التقيد بأي تدخل خارجي (سياسي أو قانوني أو ديني مثلاً).
واحترام الحوكمة الذاتية للبحث الأكاديمي وحق العلماء في التواصل بحرية (وفقاً للمبادئ من الأول إلى الرابع).
سادساً، التوقيت المناسب: ويكتسي أهمية خاصة في حالات الطوارئ، ويشمل تقديم معلومات ملائمة ومحدّثة للمواطنين في الوقت المناسب، مع التحفظات اللازمة عند الضرورة.
وعدم حجب المعلومات العلمية ذات الصلة أو تأخير الإبلاغ عنها، مع ضمان إجراء ضوابط الجودة الأساسية قبل نشرها.
مشاركة المواطنين
على الرغم من أهمية التواصل العلمي المسؤول والفعال، فإن تفاعل الجمهور مع العلم ينبغي أن يتجاوز ذلك. فالتصميم المشترك للبحث وإنتاجه المشترك، بما في ذلك إشراك المجتمعات المحلية ومجتمعات الشعوب الأصلية، أمر جوهري لتحقيق أجندة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التحويلية. ويُعدّ المواطنون مساهمين مهمين في الرصد البيئي والصحي، كتقييمات التنوع البيولوجي وآليات الإنذار بالجوائح، كما يمتلكون معارف ورؤى بالغة الأهمية ينبغي إدماجها في الأجندات والممارسات البحثية التحويلية. ولذا ينبغي تبني علم المواطن، أي المشاركة الفاعلة للمواطنين في إنتاج المعرفة العلمية، على نطاق واسع وتحفيزه. وفضلاً عن ذلك، ثمة حاجة إلى دعم البحوث العابرة للتخصصات التي تجمع بين المعارف المستمدة من تخصصات مختلفة ومن أصحاب مصلحة متنوعين في القطاعين العام والخاص وتدمجها. ويتزايد اعتماد هذه الأنماط وغيرها من أنماط البحث التي تجمع أصحاب مصلحة مختلفين للإنتاج المشترك للمعرفة العلمية أو الابتكارات أو كليهما في كثير من المجالات البحثية، وإن كانت لا تزال تمثل نسبة ضئيلة جداً من إجمالي النشاط البحثي. وتتطلب زيادة هذه النسبة قبولاً واسعاً لقيمة مشاركة المواطنين في البحث داخل الأوساط الأكاديمية وأوساط السياسات على حد سواء، إلى جانب آليات دعم ومراجعة مصممة خصيصاً لذلك. كما تتطلب هياكل جديدة للحوافز والمكافآت تعزز تحولاً في الثقافة الأكاديمية.
اعتبارات السياسات الرئيسية لتعزيز علم المواطن
لماذا يُعزَّز علم المواطن ومتى؟
أولاً، ينبغي لصانعي السياسات ومتخذي القرار في مختلف الأجهزة الحكومية الاعتراف بقيمة علم المواطن للعلم والمجتمع، وإدماجه في اعتباراتهم عند صياغة السياسات. ومن منظور سياسات البحث، ثمة ثلاثة مسوغات رئيسية لتعزيز علم المواطن، هي:
توسيع نطاق جمع البيانات أو تحليلها أو كليهما وتسريع الاكتشاف العلمي.
معالجة الاحتياجات والتحديات المجتمعية بفعالية أكبر.
تعزيز ديمقراطية السياسات المستنيرة بالمعرفة العلمية وشرعيتها وتبنيها.
كيف يُدعم علم المواطن؟
ثانياً، يُعدّ التزام القيادات العليا (في الوزارات ووكالات البحث والمؤسسات) أمراً حاسماً لدفع قبول أوسع لقيمة الإشراك الفاعل للمواطنين في البحث.
ثالثاً، ينبغي الجمع بين المقاربات التنازلية والتصاعدية ودعمها بفعالية لتعزيز علم المواطن، إذ يتطلب ذلك مشاركة فاعلين متعددين وتفاعلات جيدة فيما بينهم.
رابعاً، تؤدي طائفة متنوعة من مجموعات علم المواطن المجتمعية وكياناته، بما فيها الجهات الوسيطة العامة والخاصة والشبكات والجمعيات، أدواراً مهمة، وينبغي دعمها تبعاً لذلك.
تذليل العقبات والتحديات
خامساً، يجب ضمان رصانة علم المواطن وجودته، فضلاً عن إدارة التحيزات المحتملة، لكي يحظى بقبول واسع.
سادساً، من المهم طوال مراحل تخطيط السياسات وتنفيذها إدراك أن المواطنين فئة شديدة التباين، تختلف دوافعها واهتماماتها والعوائق التي تحول دون مشاركتها في البحث.
سابعاً، يمكن لأوجه التعاون في علم المواطن عبر البلدان أن تسهم إسهاماً كبيراً في التصدي للتحديات العالمية.
التغيير المنظومي وتقييم الأثر
ثامناً، يتعين على المجتمع العلمي ومؤسساته تبني علم المواطن بوصفه نمطاً بحثياً قيّماً يمكن أن يكمّل الأنشطة البحثية التقليدية ويحسّنها. ويتطلب ذلك تحولاً في ثقافة البحث الأكاديمي يمكن دعمه عبر توفير مسارات مهنية وأنظمة مكافآت ملائمة لممارسي علم المواطن.
تاسعاً، ينبغي أن تعكس عمليات رصد آثار علم المواطن وتقويمها وتقييمها المسوغاتِ المختلفة لاعتماده، علماً بأن أهم الآثار، في حالات كثيرة، لن تنعكس انعكاساً كاملاً في مقاييس الأداء الببليومترية التقليدية.
ويمكن للعلم المفتوح، بما في ذلك إتاحة المعلومات والبيانات العلمية للجمهور، أن يكون محركاً مهماً لتعزيز التواصل العلمي المسؤول ومشاركة المواطنين في البحث. بل إن علم المواطن يُنظر إليه على نحو متزايد بوصفه الركيزة الثالثة للعلم المفتوح. وفي حين أن فتح البيانات والمعلومات العلمية وعمليات العلم أمام الجمهور العريض قد يشجع على إساءة الاستخدام، فإن الفوائد المحتملة تفوق المخاطر بكثير، شريطة إمكان وضع ضمانات ملائمة للحد من إساءة الاستخدام. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، مع البيانات الشخصية الحساسة التي يجري تطوير بروتوكولات وصول آمنة ومأمونة بشأنها، بحيث لا يتمكن من الوصول إليها وتحليلها إلا الأطراف المشروعة. وسيكون دمج البيانات المستمدة من مصادر متعددة، بما فيها البيانات الإدارية والبحثية والبيانات التي يجمعها المواطنون، أمراً مهماً لتوجيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية ورصد أثرها.
العلم واتخاذ القرار وصنع السياسات
كما سبقت الإشارة، انصبّ التركيز الرئيسي لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في معظم البلدان على تحويل المعرفة العلمية إلى منتجات تجارية ونمو اقتصادي. وحتى وقت قريب، لم يُولَ سوى اهتمام أقل بكثير لترجمة المعرفة العلمية إلى سياسات وقرارات فعالة. غير أن هذا المجال يستدعي اهتماماً بالغاً في سياق التحولات. إذ تتسم التحولات المعقدة بقدر كبير من عدم اليقين العلمي، ويتعين أن تكون المشورة العلمية ذات الصلة في الوقت المناسب، وأن تكون في الوقت ذاته رصينة وشفافة. وينبغي أن تستنير السياسات والقرارات بأفضل الأدلة العلمية المتاحة المستمدة من جميع التخصصات ذات الصلة، والتي تقرّ صراحةً بالثغرات في المعرفة القائمة. وفي الوقت نفسه، يجب صون استقلالية العلم وحريته. وتفتقر بلدان كثيرة، كما يفتقر المستوى الدولي، إلى الأطر والعمليات والحوافز اللازمة لتمكين منظومات المشورة العلمية من أداء عملها على نحو سليم، ولتعزيز الأخذ بالمعرفة العلمية في صنع السياسات. وقد كانت جائحة كوفيد 19 كاشفة في هذا الصدد، والدروس المستفادة منها قابلة للتطبيق مباشرة على الأزمات المستقبلية وعلى الجهود المتواصلة لتطوير السياسات الرامية إلى معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية المعقدة.
مبادئ المشورة العلمية
ثمة مبادئ مهمة لبناء عملية استشارية علمية فعالة وجديرة بالثقة، وهي على النحو الآتي:
أولاً، أن تكون لهذه العملية صلاحيات واضحة، مع أدوار ومسؤوليات محددة للجهات الفاعلة المختلفة فيها. ويشمل ذلك:
تعريفاً واضحاً للوظائف والأدوار الاستشارية وتمييزها بجلاء عن وظائف صنع القرار وأدواره.
أدواراً ومسؤوليات محددة، فضلاً عن الخبرات اللازمة للتواصل.
تحديداً مسبقاً للدور القانوني والمسؤولية المحتملة لجميع الأفراد والمؤسسات المشاركين فيها.
الدعم المؤسسي واللوجستي والبشري اللازم بما يتناسب مع صلاحياتها.
ثانياً، إشراك الجهات الفاعلة المعنية، ومنها العلماء وصانعو السياسات وسائر أصحاب المصلحة، حسب الحاجة. ويقتضي ذلك:
اعتماد عملية شفافة للمشاركة، واتباع إجراءات صارمة في الإفصاح عن تضارب المصالح والتحقق منه ومعالجته.
الاستعانة بجميع الخبرات العلمية اللازمة عبر مختلف التخصصات لمعالجة المسألة المطروحة.
النظر صراحةً في مدى إشراك الخبراء من غير العلماء وأصحاب المصلحة من المجتمع المدني في صياغة إطار المشورة أو إعدادها أو كليهما، وفي كيفية ذلك.
تطبيق إجراءات فعالة لتبادل المعلومات في الوقت المناسب والتنسيق مع النظراء الوطنيين والدوليين المختلفين.
ثالثاً، تقديم مشورة سليمة وغير منحازة ومشروعة، إذ ينبغي لهذه المشورة:
أن تستند إلى أفضل الأدلة العلمية المتاحة.
أن تُقيِّم أوجه عدم اليقين العلمي وتُفصح عنها صراحةً.
أن تكون بمنأى عن التدخل السياسي وتدخل الجماعات ذات المصالح الخاصة الأخرى.
أن تُعَدّ وتُستخدَم بطريقة شفافة وخاضعة للمساءلة.
ومن أبرز الدروس المستفادة من أزمة كوفيد 19 أن الاستفادة الفعلية للحكومات من الأدلة العلمية الرصينة تتوقف على مدى استعدادها السياسي للأخذ بهذه الأدلة، مهما بلغت جودة العمليات الاستشارية العلمية. فنادراً ما يكون العلم وحده هو الذي يحدد مسار صنع السياسات، إذ ثمة منظورات قطاعية متعددة ينبغي أخذها في الحسبان والموازنة بينها وفقاً لأحكام قيمية متباينة لدى صانعي السياسات. بيد أن مراعاة أفضل الأدلة العلمية المتاحة، وما يكتنفها من ثغرات وأوجه عدم يقين، أمر بالغ الأهمية لكي تدعم السياسات التحولات الاجتماعية والاقتصادية الشاملة بفعالية. وقد يمثل غياب الدعم أو القبول السياسي تحدياً كبيراً أمام العلم. ومن هذا المنطلق، تكتسي العلاقة الثلاثية بين العلم والمجتمع وصنع السياسات أهمية حاسمة. ففي الديمقراطيات التي تعمل على نحو سليم، تخضع الحكومات للمساءلة أمام المواطنين، ويمكن لثقة الجمهور في العلم أن تعزز صنع السياسات القائم على الأدلة وتنفيذ هذه السياسات على حد سواء. وفي الوضع الأمثل، يمكن إرساء مثلث فاضل من الثقة يجمع بين الحكومات والعلم والجمهور.
ولا بد من تغيير ثقافي داخل المنظومة العلمية يجعلها أكثر انفتاحاً وشمولاً واستجابةً لاحتياجات المجتمع. ففي مواجهة التحديات العالمية الملحة، ينبغي أن تسترشد عملية وضع السياسات واتخاذ القرارات بالمعرفة العلمية على مختلف المستويات، من المستوى الدولي إلى المستوى المحلي.
إجراءات السياسات
أولاً، تعزيز النزاهة العلمية وحسن السلوك البحثي من خلال تحويل التركيز من كمية المخرجات البحثية إلى جودتها وشفافيتها ودقتها المنهجية.
ثانياً، إيلاء الأولوية للتواصل العلمي المسؤول والانخراط المجتمعي ومكافأتهما، بما في ذلك الأنشطة العابرة للتخصصات وأنشطة العلم التشاركي (علم المواطن).
ثالثاً، تعزيز العلم المفتوح وإتاحة وصول الجمهور إلى البيانات والمعلومات العلمية، مع ضمان سلامة المعلومات الحساسة وأمنها.
رابعاً، تطوير منظومات فعالة للمشورة العلمية قادرة على دمج الرؤى المستمدة من مختلف التخصصات، والاستجابة في الوقت المناسب لاحتياجات صانعي السياسات والمواطنين.
خامساً، تعزيز الثقافة العلمية والرقمية في المجتمع بأسره، ومكافأة العلماء على إسهامهم في أنشطة التعليم والتدريب ذات الصلة.
الاستفادة من تقييم البحث العلمي والحوافز
لكي تُحدث المنظومات العلمية تغييراً جوهرياً في طريقة عملها، لا بد من توافر أحد الشرطين التاليين أو كليهما: أولهما وقوع أزمة كبرى، كجائحة أو حرب، يكون للعلم دور واضح في التصدي لها؛ وثانيهما تغيير هياكل الحوافز والمكافآت المقدمة للعلماء والمؤسسات العلمية. وفيما يتعلق بالشرط الثاني، وكما سبق بيانه، تتركز هياكل الحوافز والمكافآت في البحث العام تركزاً شديداً على تعريف ضيق للتميز العلمي. وعلى الرغم من تزايد الانتقادات والدعوات إلى التغيير، لا تزال المقاييس الببليومترية، كعدد الاستشهادات، تُستخدم على نطاق واسع، وكثيراً ما تُستخدم بمعزل عن غيرها، لتقييم الأداء العلمي ومكافأته على المستويين المؤسسي والفردي، ولمقارنة الأداء الوطني بالمعايير المرجعية. وهذا ما يغذي ثقافة "النشر أو الاندثار" بما لها من آثار سلبية على العلماء في بداية مسيرتهم المهنية، وعلى التنوع في العلم وفي الخيارات البحثية. كما أنها تثني الباحثين عن خوض مخاطرة العمل عبر التخصصات أو القطاعات، وعن التصدي لـ"القضايا الكبرى" التي تقوم عليها التحولات الاجتماعية والاقتصادية الشاملة.
وفي حين تظل المنشورات البحثية الرسمية مخرجاً مهماً من مخرجات البحث، ثمة أنشطة ومخرجات أخرى يتوقعها المجتمع ويحتاج إليها، ولا بد من تقديرها وتحفيزها إذا أريد للعلم أن يدعم التحولات المستدامة. ومن هذه الأنشطة والمخرجات: إشراك الجمهور، ودعم السياسات، وتوفير بيانات موثوقة متوافقة مع مبادئ "فير" (FAIR) أي قابلة للإيجاد والوصول والتشغيل البيني وإعادة الاستخدام، فضلاً عن الابتكارات الخضراء. وخلافاً لمخرجات النشر، لا يسهل قياس أي من هذه المخرجات أو تقييمها بطريقة موضوعية أو كمية، باستثناء الابتكار التكنولوجي ربما. ومع أن التقييمات النوعية ومراجعة الأقران يمكن أن تقدم مؤشراً ما على الأداء في هذه المجالات، فإن هذه المناهج تستهلك موارد كثيفة، وليست ممكنة دائماً، ولها قيودها الخاصة. ومع ذلك، من المهم أن يبعث صانعو السياسات العلمية والقيادات الأكاديمية برسائل واضحة، من حيث الحوافز والتمويل، مفادها أن الاستمرار في النهج المعتاد لا يكفي لكي يدعم العلم التحول الاجتماعي والاقتصادي. ولا بد من تشجيع العلماء الشباب الموهوبين والمؤسسات العلمية ودعمهم في السعي إلى التميز البحثي الشامل وفي دعم التغيير التحويلي.
ويتزايد الإدراك بضرورة تغيير عمليات تقييم البحث العلمي. ومع أن هذا الإدراك نابع أساساً من المخاوف إزاء الآثار العكسية التي تخلّفها العمليات الحالية على سلوك الأفراد والمؤسسات، فإنه يعترف أيضاً بالحاجة إلى تأطير أوسع للتميز العلمي، أي التميز الشامل، يقدّر مختلف الإسهامات والأنشطة والمخرجات العلمية. وتستجيب دول ومؤسسات عدة لهذه الدعوات إلى التغيير وتُجري إصلاحات على منظومات التقييم لديها. ويضع كثير من هذه الإصلاحات تركيزاً أكبر على التقييم النوعي ومراجعة الأقران، وإن كانت لهذه المناهج عيوبها الخاصة من حيث متطلبات الموارد واحتمال التحيز. كما يفتح الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة آفاقاً جديدة، كتحليل المنشورات لتحديد المخرجات البحثية الابتكارية عالية المخاطر. وسيكون من المهم المواءمة بين هذه المبادرات المتنوعة على مختلف المستويات، الفردية والمؤسسية والوطنية، وفيما بين الدول، كي لا تُنشئ دون قصد عوائق أمام التنقل. وتُعد إصلاحات تقييم البحث العلمي أداة حاسمة لتحفيز مختلف جوانب الأداء العلمي ورصدها فيما يتصل بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية.
أمثلة على المبادرات الدولية الداعمة لتغيير تقييم البحث العلمي
إعلان سان فرانسيسكو بشأن تقييم البحث العلمي (DORA) عام 2012: يدعو الجهات الفاعلة في مجال البحث إلى تجنب استخدام المقاييس القائمة على المجلات العلمية بديلاً عن قياس جودة العلماء أو أعمالهم، ويأخذ في الحسبان طيفاً واسعاً من مقاييس الأثر، ويقدم توصيات إيجابية.
حركة "العلم في مرحلة انتقالية" (Science in Transition) عام 2013: حركة انطلقت في هولندا لوضع مبادئ لتقييم العلماء لأغراض التعيين والترقية والتثبيت الوظيفي.
بيان لايدن (Leiden Manifesto) عام 2015: يحدد المبادئ وأفضل الممارسات لاستخدام المؤشرات الكمية في تقييم البحث العلمي.
الشبكة الدولية لجمعيات إدارة البحوث (INORMS) عام 2018: تجمع مديري البحوث لتبادل الممارسات الجيدة. وتستهدف المخرجات الرئيسية لفريق تقييم البحوث التابع لهذه الشبكة، ومنها إطار "سكوب" (SCOPE) لتقييم البحوث ومبادرة "أكثر من مجرد ترتيبنا" (More than Our Rank)، جميع أصحاب المصلحة في التعليم العالي والبحث العلمي.
منتدى أمريكا اللاتينية لتقييم البحث العلمي (FOLEC) عام 2019: منتدى لتبادل ممارسات تقييم البحوث في أمريكا اللاتينية، أطلقه مجلس أمريكا اللاتينية للعلوم الاجتماعية (CLACSO). ويقدم المنتدى إرشادات خاصة بالمنطقة لتقييم البحث العلمي، فيما تتولى أكاديمية تقييم البحوث التابعة له تدريب المراجعين والمتخصصين في التقييم لدعم عمليات تقييم أكثر إنصافاً ومراعاةً للسياق.
مبادرة "متسع لموهبة الجميع" (Room for Everyone's Talent) عام 2019: مبادرة أطلقتها مؤسسات المعرفة العامة والجهات الممولة للبحوث في هولندا، تدعو إلى تغيير منظومة التقدير والمكافأة وإلى ثقافة بحثية أكثر شمولاً.
مبادئ هونغ كونغ لتقييم الباحثين عام 2019: مبادئ تساعد المؤسسات البحثية على الحد من الحوافز العكسية، والاعتراف بالبحوث الجديرة بالثقة ومكافأتها، ودعم إدراج السلوكيات التي تعزز النزاهة البحثية في أطر تقييم المسار المهني والترقي فيه.
منظمة "العلم في أوروبا" (Science Europe) عام 2020: أصدرت بياناً بموقفها وتوصيات بشأن عمليات تقييم البحث العلمي.
مبادرة "أدوات النهوض بتقييم البحث العلمي" (TARA) عام 2021: نشأت هذه المبادرة التصاعدية من القاعدة إلى القمة من رحم مجتمع إعلان سان فرانسيسكو، وتهدف إلى تطوير أدوات عملية لتعزيز التقييم المسؤول للبحث العلمي في المؤسسات المنفذة للبحوث.
تحالف النهوض بتقييم البحث العلمي (CoARA) عام 2022: مبادرة دولية تهدف إلى إصلاح منظومات تقييم البحوث بحيث تركز على الجودة والشمول وتنوع الإسهامات، متجاوزةً المقاييس التقليدية كعدد المنشورات ومعاملات تأثير المجلات.
المرصد العالمي للتقييم المسؤول للبحث العلمي (AGORRA) عام 2023: مرصد تابع لمعهد البحث في البحث العلمي، يُنتج الأدلة والتحليلات لدعم التقييم المسؤول للبحث العلمي وتسريعه في 14 دولة.
إعلان برشلونة عام 2024: يدعو إلى إتاحة المعلومات البحثية بصورة مفتوحة.
وإلى جانب التغييرات في منظومات تقييم الأداء، تنفذ دول كثيرة مبادرات جديدة لتمويل البحوث بهدف دعم نوع البحث والابتكار اللازم للتصدي لـ"الأسئلة الكبرى" ودعم التحول الاجتماعي والاقتصادي المستدام والشامل. إذ تدعم عدة برامج تمويل جديدة البحوث القائمة على المهام والتحديات، والبحوث عالية المخاطر وعالية العائد، والعلم التشاركي، والبحوث العابرة للتخصصات، وغيرها من أنماط البحث التشاركي. وعلى المستوى المؤسسي، باتت مراكز التميز متعددة التخصصات، وبعضها مكلّف تحديداً بتوجيه السياسات، شائعة نسبياً، كما تعيد بعض الجامعات هيكلة بحوثها حول مهام عابرة للقطاعات أو احتياجات مجتمعية محلية أو كليهما، بدلاً من التخصصات الأكاديمية التقليدية. وتبرز تخصصات جديدة، كبحوث الاستدامة، تتناول مباشرةً جوانب رئيسية من أجندة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التحويلية. بيد أن جميع هذه المبادرات والتطورات لا تمثل سوى نسبة ضئيلة جداً من إجمالي الجهد البحثي العام. فلا تزال الغالبية العظمى من البحوث الأكاديمية تُجرى في إطار التخصصات التقليدية، ولا تزال أنشطة إشراك الجمهور وصانعي السياسات أنشطة هامشية لا مخرجات رئيسية. ومن ثم، يتمثل التحدي أمام صانعي السياسات العلمية في توفير الحوافز المناسبة، بما فيها التمويل، لحشد جزء كبير من العلم الأكاديمي للتصدي للأسئلة الكبرى ومساندة المجتمع في إحداث التحولات الاجتماعية والاقتصادية الملحة.
إجراءات السياسات
أولاً، مراجعة عمليات تقييم البحث العلمي على جميع المستويات لتعزيز التميز الشامل، ومراعاة التنوع الكامل للأنشطة والمخرجات العلمية اللازمة لدعم التغيير التحويلي.
ثانياً، الاعتراف بقيمة إشراك المواطنين وتقديم المشورة في مجال السياسات وتوفير البيانات المتوافقة مع مبادئ "فير" في التوظيف الفردي والتقدم المهني، حتى في غياب مقاييس كمية دقيقة.
ثالثاً، الاعتراف بقيمة العمل الجماعي والبحوث متعددة التخصصات والعابرة للتخصصات ومناهج العلم التشاركي، وكلها لازمة للتصدي للتحولات نحو الاستدامة، وإدماج ذلك في تقييمات البحث العلمي.
رابعاً، توفير دعم التمويل اللازم، عبر آليات مكيّفة على نحو ملائم، للتوسع في نوع البحوث والأنشطة القادرة على دعم التحولات، بما في ذلك إشراك الجمهور وصانعي السياسات.
الاستنتاجات
تضطلع الحكومات والجهات الممولة للبحوث بدور مهم في الاستثمار في البحوث الداعمة للتحول الاجتماعي والاقتصادي، وفي دعم أنشطة التواصل والانخراط اللازمة لترجمة نتائج البحوث إلى عمل فعال. بيد أن الاستثمار وحده لا يكفي، إذ لا بد من تعديل الهياكل وأطر العمل والحوافز القائمة التي تشكّل الخيارات البحثية والمسارات المهنية والممارسات البحثية.
وثمة تطورات إيجابية كثيرة جارية بالفعل، غير أنها تظل في الغالب محدودة النطاق وهامشية بالنسبة إلى التيار الرئيسي للنشاط العلمي. ولا بد من مواصلة دعم البحوث التخصصية التقليدية التي يجريها أفراد نابغون، ولا شك أن الاكتشافات التي تأتي مصادفةً ستسهم في تحولات إيجابية، لكن ذلك وحده لن يكون كافياً. فالمطلوب تغيير هيكلي كبير وحوافز جديدة تضمن تمكين طيف متنوع من العقول اللامعة ودعمها بالبنى التحتية اللازمة للعمل معاً وإشراك أصحاب المصلحة الآخرين في إنتاج المعرفة العلمية اللازمة لتعزيز التغيير التحويلي وتطبيقها.
وفي مواجهة التحديات العالمية الملحة، ينبغي أن يكون العلم مصدراً للأمل والتفاؤل لا للتشكك وانعدام الثقة. فقد كان العلم عاملاً حاسماً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والازدهار في كثير من الدول، وقدّم في مجالات كالبحوث الطبية والزراعة إسهاماً هائلاً في تحسين رفاه الإنسان. كما خلّف فهم الكون المستمد من البحوث الأساسية في الفيزياء وعلم الفلك أثراً لا يُقدّر في الثقافة الإنسانية ومعتقداتها وقيمها. غير أن من الدروس المهمة التي يقدمها التاريخ أن المعرفة العلمية والتقنيات المنبثقة عنها يمكن توظيفها لأغراض خيّرة وشريرة على حد سواء.
ومن دروس التاريخ أيضاً أن العلم يتقدم على أفضل وجه ويعود بالنفع على أكبر عدد من الناس حين يتحقق توازن ملائم بين التنافس الوطني والتعاون الدولي. فلا تملك أي دولة بمفردها كل الخبرات والبنى التحتية اللازمة للتصدي للتحديات العالمية المعقدة التي نواجهها بالفعل، ناهيك عن الأزمات الجديدة التي ستنشأ حتماً خلال العقود المقبلة. وكما بيّنت جائحة كوفيد 19، نعيش في عالم مترابط عالمياً يمكن أن تنتشر فيه الأزمات بسرعة غير آبهة بالحدود الوطنية. ويقتضي تحقيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والازدهار المستدام للجميع تكييف المنظومات العلمية الوطنية وتعزيز المنظومة البحثية العالمية معاً.
وتتوقف فعالية العلم في تعزيز التغيير التحويلي على كونه جديراً بالثقة وعلى ثقة صانعي السياسات والجمهور عامةً به. ويعني بناء هذه الثقة والحفاظ عليها، في بيئة جيوسياسية تزداد استقطاباً، صون الحرية الأكاديمية والنزاهة البحثية. كما يعني دعم العلم المفتوح والتعاون الدولي، مع حماية العلماء والمؤسسات العلمية من تدخل الجهات الحكومية وغير الحكومية.
