القائمة الرئيسية

آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025: قيادة التغيير في مشهد متحول (7/5)

آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025: قيادة التغيير في مشهد متحول (7/5)
ملخص الدراسة

يُبرز الفصل الخامس أن تقارب التقنيات، الذي يشمل البيولوجيا التركيبية والتقنيات العصبية وتقنيات الكمّ ورصد الأرض من الفضاء، يدفع عجلة الابتكار ويفتح آفاقًا جديدة عبر تكامل التخصصات والمجتمعات العلمية والمهنية، وليس فقط دمج المنتجات. لتسخير إمكاناته التحويلية، التي يُعد الذكاء الاصطناعي محركًا رئيسيًا لها، يوصي الفصل بتصميم "فضاءات التقارب" كمنصات ومؤسسات تعزز البحث والهندسة متعددة التخصصات. وفي الوقت ذاته، يُشدد على ضرورة تبني الحكومات لحوكمة استباقية ومرنة تعالج التحديات الأمنية والأخلاقية والقانونية والاجتماعية المرتبطة بهذا التقارب، مثل قضايا الخصوصية والإنصاف والمسؤولية، لضمان تحقيق أقصى الفوائد وتقليل المخاطر.

الفصل الخامس: تقارب التقنيات: الاتجاهات والآفاق والسياسات

يدفع تقارب التقنيات عجلة الابتكار، ويفتح الباب أمام مقاربات جديدة وأساليب إنتاج جديدة وتطبيقات جديدة، كما يطرح تحديات جديدة على صعيد الحوكمة. وتجسّد أربعة مجالات تقنية مهمة هذه العمليات، هي: البيولوجيا التركيبية، والتقنيات العصبية، وتقنيات الكمّ، ورصد الأرض من الفضاء. وإذا كان من الممكن فهم تقارب التقنيات من زاوية المنتجات أو التطبيقات التقنية، فإنه يمكن فهمه كذلك بوصفه عملية تكامل لا تقتصر على التقنيات وحدها، بل تمتد لتشمل التخصصات والمجتمعات العلمية والمهنية. ويعمل صانعو السياسات حول العالم على تمكين هذا التقارب من خلال تصميم ما يُعرف بـ"فضاءات التقارب"، أي المؤسسات والبرامج التي تدمج المقاربات العلمية والبنى التحتية التقنية ومجموعات المهارات متعددة التخصصات، والغاية من ذلك إطلاق الطاقات التوليدية الكامنة في التعددية التخصصية العميقة والأصول متعددة التخصصات. ويكشف تناول هذه المجالات التقنية الأربعة عن الإمكانات التي يتيحها التقارب بوصفه قوة توليدية في كل مجال منها، كما يسلّط الضوء على تحديات وفرص جديدة أمام سياسات التقنيات الناشئة.

الرسائل الرئيسية

يمكن فهم تقارب التقنيات من زاوية المنتجات أو التطبيقات التقنية، غير أنه يمكن فهمه أيضاً بوصفه عملية تكامل تشترك فيها تخصصات ومجتمعات مختلفة. وستتطلب التحولات المجتمعية تسخير ديناميكية تقارب التقنيات، وهو اتجاه يبرز بقوة خاصة في سياقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات العصبية والبيولوجيا التركيبية وتقنيات الكمّ والرصد الفضائي.

ويمكن تعزيز التقارب من خلال تصميم "فضاءات التقارب"، وهي بنى تحتية ومنصات مادية ورقمية وتقنية تشجّع على دمج الأدوات والمجالات والخبرات البشرية. كما أن إدماج الاعتبارات ذات الطابع التنظيمي والأخلاقي والقانوني والاجتماعي من شأنه أن يسهم في توجيه مخرجات التقارب، بحيث يأتي الابتكار منسجماً مع الأنظمة القائمة والقيم المجتمعية، ومراعياً للمخاوف والمخاطر.

وسعياً إلى تعزيز تقارب التقنيات بما يدفع التغيير التحويلي في الاقتصاد، يمكن للحكومات أن تتخذ الخطوات الآتية:

تصميم فضاءات التقارب عبر تصميم مؤسسي وبرامجي محكم يرسّخ أشكالاً أعمق من البحث والهندسة والابتكار متعدد التخصصات.

النظر في التطورات التقنية والتنظيمية في آن واحد، إذ إن الآثار التنظيمية المعقدة في الغالب التي ينطوي عليها التقارب تستدعي إدراج التحليل الأخلاقي والقانوني والاجتماعي ضمن المزيج متعدد التخصصات الذي يضمه فضاء التقارب.

تحليل جدوى التقارب التقني وآثاره المحتملة على القطاعات الرئيسية، بمشاركة أصحاب المصلحة من العمال وقطاع الأعمال وغيرهم من ممثلي المجتمع المدني.

الاستفادة من نماذج التمويل المختلفة وقواعد النفاذ وهياكل نقل التكنولوجيا لتشكيل المنصات التقنية والتعاونية اللازمة للتقارب.

اعتماد مقاربات تنظيمية مرنة وتعزيز الذكاء الاستراتيجي لاستباق محركات التقارب وآثاره والتعامل معها على نحو أفضل، بالاستناد إلى إطار المنظمة للحوكمة الاستباقية للتقنيات الناشئة.

مقدمة

ستتطلب التحولات المجتمعية تسخير ديناميكية التقارب التقني، وهو اتجاه طالما رصدته الأوساط المعنية بسياسات العلوم والتكنولوجيا، غير أنه بات يبرز بقوة خاصة في سياقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتقنيات الحيوية المتقدمة وعلوم المواد. ووفقاً لكثير من التحليلات، يَعِد تقارب التقنيات بتآزر قوي يعزز سرعة التقنيات والأدوات والمنتجات ووظائفها. وتتجلى هذه الظاهرة في الأوساط الأكاديمية والصناعية على حد سواء؛ إذ يتجاوز كثير من الفاعلين الصناعيين، في سعيهم إلى توسيع مجالاتهم المعرفية القائمة، النماذج التقليدية لتطوير التقنيات الأحادية، متجهين نحو تقارب تقني أكثر تعدداً في أبعاده وعابر للتخصصات. ويَعِد الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، بوصفه تقنية تمكينية واسعة النطاق، بتسريع هائل لعملية دمج التقنيات الرقمية على نطاق واسع. وبفعل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بصفة خاصة، وإن لم يكن بفعلهما وحدهما، غدت مجالات رئيسية عديدة من التقنيات الناشئة، كالروبوتات القادرة على التعلم والتقنيات الحيوية وعلوم الكمّ وتقنياته وأنظمة الأقمار الاصطناعية، مواطن لتكامل قوي بين الأدوات والمقاربات والتخصصات والتقنيات.

وربما لأن التقارب يطرح فرصاً وتحديات خاصة أمام سياسات الابتكار تنشأ عن التآزر بين مجالات ظلت منفصلة حتى وقت قريب، فقد أصبح أحد المحاور الأساسية في استراتيجيات التكنولوجيا والابتكار. ويُفرز التكامل التقني أبعاداً فريدة على صعيد السياسات وتحديات في مجال الحوكمة لا بد من معالجتها إذا أُريد للتقنيات أن تبلغ كامل إمكاناتها، في حين أن الأساس التجريبي الذي تقوم عليه مقاربات السياسات لا يزال، على الرغم من اتساعه، محدوداً على ما يبدو.

ويتناول هذا الفصل ظاهرة تقارب التقنيات في سياق أربعة مجالات تقنية ناشئة مهمة، هي: البيولوجيا التركيبية، والتقنيات العصبية، وتقنيات الكمّ، ورصد الأرض من الفضاء. فالجمع بين تقنيات كان يُنظر إليها سابقاً بوصفها متمايزة يدفع عجلة الابتكار، ويفتح المجال أمام مقاربات جديدة وأساليب إنتاج جديدة وتطبيقات جديدة، ويطرح كذلك تحديات جديدة على صعيد الحوكمة. ويرى هذا الفصل أنه إذا كان من الممكن فهم تقارب التقنيات من زاوية المنتجات أو التطبيقات التقنية، فإنه يمكن فهمه أيضاً بوصفه عملية تكامل لا تقتصر على التقنيات، بل تمتد عبر التخصصات والمجتمعات. ولهذه العملية منطقها الداخلي ومحركاتها التقنية، ومع ذلك يعمل صانعو السياسات على تمكين التقارب من خلال بناء ما يمكن تسميته "فضاءات التقارب"، أي المؤسسات والبرامج التي تدمج المقاربات العلمية والبنى التحتية التقنية ومجموعات المهارات متعددة التخصصات. ومن خلال مناقشة التقارب في المجالات التقنية الناشئة الأربعة، يستعرض الفصل المنتجات المتنوعة التي تنشأ عند تقاطع تقنيات متعددة، فضلاً عن الدور الذي تؤديه فضاءات التقارب. وتُفرز ظواهر التقارب الحاصلة عبر هذه التقنيات الأربع ومن حولها تحديات وفرصاً جديدة أمام سياسات التقنيات الناشئة.

فهم التقارب

التقارب بوصفه منتجاً

التقارب التقني مصطلح جامع اتسع تعريفه منذ أن شاع استخدامه لأول مرة في مطلع الألفية الثالثة. فقد استُخدم مصطلح "التقارب التقني" في البداية لوصف الجمع بين تقنية النانو والتقنية الحيوية وتقنيات المعلومات والاتصالات والتقنيات الإدراكية، وهو ما أفضى إلى منتجات مثل الأنظمة الكهروميكانيكية الدقيقة (المستخدمة في أجهزة الاستشعار والمشغلات، بدءاً من السيارات ووصولاً إلى أجهزة الألعاب الإلكترونية والهواتف المحمولة)، وعلم الجينوم المحوسب، والإلكترونيات النانوية. ووفق هذا الاستخدام، يمكن فهم تقارب التقنيات من زاوية الجمع بين تقنية واحدة أو أكثر أو تهجينها. أما اليوم، فتشمل أبرز منتجات التقارب واجهات الدماغ والحاسوب، وأجهزة الاستشعار الحيوية المعززة بتقنيات الكمّ، وأجهزة التصنيع الحيوي في الفضاء، وجميعها ناشئة عن التفاعل بين البيولوجيا التركيبية والتقنيات العصبية وتقنيات الكمّ وتقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي. وبهذا المعنى للمفهوم، يتموضع التقارب أساساً في المنتجات، أي في التقنيات الناتجة ذاتها. وتُصمَّم منتجات التقارب هذه للاستخدام المباشر من قبل العملاء والمستهلكين والمرضى، أو لتكون أدوات بحثية.

التقارب بوصفه عملية

على الرغم من أن النظر إلى التقارب بوصفه أداة يمثل إطاراً مألوفاً يلتقط جوانب أساسية من الظاهرة، فإنه يمكن فهم التقارب أيضاً بوصفه عملية تعتمد على الفعل البشري والتقنيات والأنظمة، ويمكن أن تُفضي إلى منتجات وصناعات جديدة ومجالات جديدة للبحث والتطوير. فابتكار منتجات التقارب ثمرة لجهود تكامل متنوعة عابرة للتخصصات والقطاعات. وبهذا المعنى، يشير التقارب التقني إلى مجموعة من العمليات تُقسَّم عادة إلى التطور المشترك والاندماج. والتطور المشترك هو العملية التي تتطور فيها تقنيات مختلفة جنباً إلى جنب، بحيث تدفع كل منها تقدم الأخرى. فعلى سبيل المثال، يزداد الذكاء الاصطناعي قوة بفضل التقدم في عتاد الحوسبة، في حين تضاعف شبكات الجيل الخامس نطاق الخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي وسرعة تقديمها.

أما الاندماج فيتجاوز مجرد الجمع، ويشير إلى التكامل التام بين المعارف والأدوات العلمية بما يفضي إلى مجالات ابتكار جديدة كلياً. ففي عام 2014، عرّف خبراء يعملون في إطار الأكاديميات الوطنية الأمريكية هذا المفهوم بأنه الجمع بين التخصصات لإنشاء مجالات جديدة. وبعبارة أخرى، فإنه "يشمل دمج الأفكار والمقاربات والتقنيات المستمدة من مجالات معرفية شديدة التباين بمستوى عالٍ من التكامل، و[يشكّل ذلك] استراتيجية بالغة الأهمية لحل المشكلات المعقدة ومعالجة المسائل الفكرية المعقدة في إطار التخصصات الناشئة".

ولا توصف هذه العملية بأنها التقاء جزأين لتكوين كلٍّ واحد، بل كما يصفها بْرو: "التخصصات أشبه بالماء منها باليابسة، إذ يمكن فصلها ثم التقاؤها من جديد، ويمكنها أن تتحد وتندمج ثم تعيد الاتحاد بطرق تكاد لا تُحصى". ويمكن أن يحدث الاندماج على درجات متفاوتة من العمق، بدءاً من البنى التحتية للاتصالات والشبكات بكاملها، مروراً بمجموعات البيانات والتحليلات، ووصولاً إلى المنتجات والخدمات الموجهة إلى المستخدم النهائي في آخر السلسلة.

ويتجلى العنصر البشري في التقارب في التصميم، وفي توظيف الخبرة والحكم التقديري، وفي السياق المؤسسي، وفي الظروف الإطارية التي تمكّن من التطوير والانتشار. وفي ما قد يكون أوسع تصوراته، فُهمت عملية التقارب بوصفها ظاهرة "تفاعل متصاعد وتحويلي بين تخصصات علمية وتقنيات ومجتمعات ومجالات للنشاط البشري تبدو متمايزة في ظاهرها". وبهذا المعنى، يُعد التقارب تعاوناً حقيقياً بين الإبداع البشري والمنطق التقني. وفضلاً عن أن هذا التصور يذكّرنا بالطابع الاجتماعي المتأصل في التغير التقني، فإنه يفتح أيضاً إمكانية تحقيق تكامل معياري يعبر الحد الفاصل بين التقني والاجتماعي. فعلى سبيل المثال، يمكن للتقارب أن يسهم في ترسيخ معايير مثل "الخصوصية منذ التصميم" في التقنيات، وأن يدفع نحو الابتكار المسؤول.

فضاءات التقارب والأصول متعددة التخصصات

قد يبدو تقارب التقنيات، على مستوى ما، أمراً يحدث تلقائياً ويحكمه منطق تقني بحت. غير أن علماء اجتماع العلوم والتكنولوجيا أثبتوا منذ عقود الدور الذي يؤديه الفعل البشري في العلم والابتكار. فكيف يمكن للحكومات وغيرها من الجهات الممولة أن تسهم في تهيئة ظروف مواتية لدفع التقارب وتوجيهه نحو المشكلات العلمية والهندسية والمجتمعية الرئيسية؟

قد تتوقف تهيئة الظروف الملائمة للتقارب على إيجاد الظروف المثلى التي تتيح لمؤسسات البحث والتطوير والأصول من البنى التحتية ومجموعات المهارات البشرية والشبكات أن تولّد أوجه تآزر وعلوماً وتقنيات مستحدثة، أي ما يُعرف بـ"فضاءات التقارب". وقد عرّفت المنظمة فضاءات التقارب بأنها مواقع مادية أو ملموسة أو كلاهما معاً، تجمع عناصر متنوعة من فاعلين وتخصصات وتقنيات على نحو يعزز التقارب. وتشبه فضاءات التقارب "منظومات الابتكار"، بيد أنه في حين يركز مفهوم منظومة الابتكار على شبكات المؤسسات، فإن مفهوم فضاءات التقارب يشدد على هدف دمج المقاربات والمهارات والأفهام العلمية والهندسية للاستفادة من التعددية التخصصية العميقة وإيجادها. والغاية هنا هي إطلاق الطاقات التوليدية للأصول متعددة التخصصات المجتمعة في فضاءات التقارب. وبذلك، يمكن لفضاءات التقارب أن تنتج أنواعاً جديدة من القيمة والمنتجات والتقنيات والتدريب والمقاربات التنظيمية. وإذا ما صُممت على النحو الصحيح، فإنها تسهم في تعظيم القيمة الملموسة وغير الملموسة، وتحقيق نماذج الاستدامة، وتعزيز التعاون، ودفع التكامل التقني. ويقدّم المثال الآتي نموذجاً لهذا التوجه.

البرنامج الإسرائيلي للتقارب الحيوي: نموذج أولي لفضاء التقارب

صُمم البرنامج الوطني الإسرائيلي للتقارب الحيوي استراتيجياً ليعبر القطاعات والتخصصات، فيجمع بين علم الأحياء والهندسة وعلوم الحوسبة، ويدفع الابتكار في مجالات الصحة والأغذية الزراعية والتصنيع والبيئة. وقد أُطلقت هذه المبادرة عام 2022، وهي تجمع عدداً من الجهات العامة المعنية بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار والصحة والمالية والدفاع والأوساط الأكاديمية، بما يحقق مواءمة واسعة بين السياسات ودعم المنظومة. ويبلغ الاستثمار العام المخطط له في البرنامج نحو 400 مليون دولار أمريكي على مدى عقد من الزمن، ويُتوقع أن يستقطب نحو 200 مليون دولار أمريكي إضافية من خلال الرفع المالي للقطاع الخاص، بما في ذلك الشراكات الدولية، ومنها برنامج دولي لتحديات التقارب الحيوي. ويقوم البرنامج على خمس ركائز:

البحث: تستثمر الصناديق الوطنية في البحوث التطبيقية متعددة التخصصات، مدعومةً ببنى تحتية وخدمات بحثية متطورة.

البحث والتطوير متعدد التخصصات: استُثمر أكثر من 80 مليون دولار أمريكي من الأموال العامة في البحث والتطوير الصناعي والشركات الناشئة والاتحادات البحثية، بما يسد فجوات التمويل وينمّي المنظومات بعشرات الشركات الجديدة. ومن أبرز المحاور: الرقائق الحيوية، والأنسجة المهندَسة، والبلاستيك الحيوي، وحلول الاقتصاد الحيوي الدائري.

البنية التحتية: استثمارات عامة كبيرة لإنشاء مختبرات خدمات للبحث والتطوير مكتفية ذاتياً، تدعم الابتكار في البيولوجيا التركيبية والتخمير الدقيق وتوسيع نطاق الإنتاج، فضلاً عن النمذجة الأولية والإنتاج على نطاق صغير للرقائق والأجهزة الحيوية.

الأصول البشرية: خُصص أكثر من 2 مليون دولار أمريكي لبرامج متنوعة للتدريب متعدد التخصصات ورفع المهارات وبناء الفرق على امتداد المسار الأكاديمي والصناعي، وقد استفاد منها أكثر من 1000 شخص.

التنظيم التمكيني: بيئة تنظيمية ميسِّرة طُوِّرت بالتعاون مع وزارة الصحة لإرشاد الشركات عبر المسارات التنظيمية الخاصة بتقنيات التقارب الحيوي المعقدة في مجالي الصحة والغذاء، وقد أسفرت عن أول موافقات في العالم على الحليب البديل ولحم البقر المستزرع.

وفي نموذج مبسّط لهذه العملية، يمكن تصور ثلاثة جوانب للتقارب التقني، هي التقنيات التمكينية ومجالات البحث والتطوير والخبرات التقنية المتنوعة، على أنها تعمل من خلال عجلة دوّارة، تجري فيها عملية دمج التخصصات المتعددة والبنى التحتية المعرفية عبر فضاءات للتعاون والتبادل. ويمكن لتقارب التقنيات أن يستجيب لاحتياجات سوقية أو مجتمعية محددة بما يتيح نشوء صناعات أو مجالات بحثية جديدة. ومن شأن هذه العملية أن تسهم في إنتاج منتجات جديدة وهجينة، وفتح مجالات بحثية مستحدثة، وإيجاد فرص صناعية جديدة.

حالات التقارب

يتناول هذا القسم التقارب في سياق أربعة مجالات تقنية مهمة: أولاً، البيولوجيا التركيبية؛ وثانياً، التقنيات العصبية؛ وثالثاً، تقنيات الكمّ؛ ورابعاً، رصد الأرض من الفضاء. وتكشف مناقشة هذه الحالات التقنية الأربع عن الإمكانات الثرية التي يتيحها التقارب بوصفه قوة توليدية في كل مجال منها. وبذلك يوضح الفصل التقارب بشكليه كليهما: المنتجات المتنوعة الناشئة عند تقاطع تقنيات متعددة، وأمثلة على فضاءات التقارب تعرضها الأطر الواردة أدناه.

التقارب في البيولوجيا التركيبية

تُضفي البيولوجيا التركيبية على التقنية الحيوية مقاربة هندسية متعددة التخصصات، إذ تربط بين علم الأحياء والرقمنة والهندسة والذكاء الاصطناعي والأتمتة. ومع أنه لا يوجد تعريف معترف به دولياً لها، فإن البيولوجيا التركيبية تصمم المكونات والأنظمة البيولوجية، ولا سيما مقاطع الحمض النووي، وتصنّعها وتوسّع نطاقها وتدمجها في تطبيقات مفيدة. وتنطلق البيولوجيا التركيبية من منظور شامل يقوم على تسخير الأنظمة الحية في البحث وتطوير المنتجات والحلول التجارية، وتنطوي على هندسة الأنظمة الحية على مستويات متعددة، من الجزيئات إلى الكائنات الحية، لتمكين البحث وتطوير المنتجات في مجالات مثل الكيماويات والمواد الجديدة والوقود الحيوي. وتستند البيولوجيا التركيبية إلى طائفة من المقاربات والأدوات العلمية والتقنية، على النحو المبيّن أدناه، ويجد التقارب فيها تعبيره الأكثر وضوحاً في عناصر البنية التحتية المعروفة بالمسابك الحيوية، التي تمثل أصولاً متعددة التخصصات بامتياز.

فهم الأنظمة البيولوجية وبنية البروتينات وتصميمها

مع أن البيولوجيا التركيبية مجال علمي وهندسي مهم سبق ظهور الذكاء الاصطناعي، فإن تقاربها مع أدوات الذكاء الاصطناعي وما يرافقها من تقنيات رقمية وأتمتة يُسرّع وتيرة الابتكار في هذا المجال. إذ يثبت الجمع بين البيولوجيا التركيبية والذكاء الاصطناعي، ولا سيما تعلم الآلة، أنه أداة فعالة لتصميم الأنظمة البيولوجية وتحسينها. ويمكن استخدام خوارزميات تعلم الآلة لتحليل كميات هائلة من البيانات التجريبية، مثل ملامح التعبير الجيني والتدفقات الأيضية، بهدف تحديد الأنماط والتنبؤ بسلوك الأنظمة البيولوجية. ومن خلال تدريب الشبكات العصبية العميقة على مجموعات بيانات كبيرة تتناول العلاقات بين النمط الجيني والنمط الظاهري، يستطيع الباحثون بناء نماذج تتنبأ بدقة بنتائج التعديلات الجينية، كتعطيل الجينات أو الطفرات. ويمكن بعد ذلك الاستعانة بهذه النماذج في توجيه التصميم الرشيد للكائنات المهندَسة، بما يقلل الحاجة إلى التجريب القائم على المحاولة والخطأ، ويوجّه تصميم دوائر جينية ومسارات أيضية وكائنات تركيبية جديدة ذات خصائص مرغوبة. ولهذه المقاربات طيف واسع من التطبيقات في القطاعات البحثية والاقتصادية على حد سواء، بما في ذلك استخدام أدوات التنبؤ الحاسوبي.

إذ يمكن لأدوات التنبؤ الحاسوبي أن تزوّد الباحثين بمعلومات جديدة أو أسرع تساعد على تسريع البحث. ويُعد فهم بنى البروتينات على المستوى الجزيئي ابتكاراً تأسيسياً في التقنية الحيوية، لا سيما في تطوير علاجات جديدة. وقد تبيّن مؤخراً أن أدوات الذكاء الاصطناعي، كالتعلم العميق، تساعد على التنبؤ ببنية البروتينات بدقة تضاهي دقة الأساليب التجريبية. ويُعد نموذج "ألفا فولد" (AlphaFold) الذي طورته شركة "غوغل ديب مايند" (Google DeepMind)، والذي أسهم في منح جائزة نوبل في الكيمياء مناصفة، مثالاً بارزاً على التطبيق الناجح للتقارب في البيولوجيا التركيبية اليوم. فمن خلال الاستفادة من البيانات المتاحة للعموم بشأن تسلسلات البروتينات المعروفة وبناها (التي جرى الحصول عليها تجريبياً)، يستطيع نموذج الذكاء الاصطناعي التنبؤ بدقة وكفاءة بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات استناداً إلى تسلسل أحماضها الأمينية فحسب. بل إن أحدث نماذجه، "ألفا فولد 3"، يذهب أبعد من ذلك، إذ يتنبأ بالتفاعلات والبنى بين البروتينات والجزيئات الحيوية الأخرى، كالحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين والحمض النووي الريبي. وقد كانت هذه التحليلات للبروتينات تستغرق تقليدياً وقتاً طويلاً وتكلفة عالية، ما شكّل عائقاً رئيسياً أمام الابتكار.

الكيماويات والمواد

تستعد البيولوجيا التركيبية المعززة بالذكاء الاصطناعي كذلك لإحداث تحول في إنتاج المواد والكيماويات، بما يتيح تخليق طيف واسع من المنتجات على نحو مستدام وقابل للتوسع. فمن خلال هندسة الكائنات الدقيقة لإنتاج المركبات المطلوبة، تقدم البيولوجيا التركيبية بديلاً عن أساليب التخليق الكيميائي التقليدية التي كثيراً ما تعتمد على الوقود الأحفوري وتولّد نواتج ثانوية ضارة.

الكيماويات عالية القيمة، كالنكهات والعطور والمستحضرات الصيدلانية، باستخدام التخمير الميكروبي. فمن خلال هندسة المسارات الأيضية للكائنات الدقيقة، يستطيع الباحثون إنشاء منصات إنتاج فعالة ومستدامة لهذه المركبات. ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تقدم العون طوال هذه العملية، من مرحلة التصميم حتى مرحلة الاستخلاص، عبر المساعدة في تصميم التسلسلات الجينية المستخدمة أو تحسين أنظمة الإنتاج وتوسيع نطاقها.

البلاستيك الحيوي والراتنجات. طوّر الباحثون مسارات تركيبية في البكتيريا والخمائر قادرة على تحويل المواد الأولية المتجددة، كالسكريات والزيوت النباتية، إلى مونومرات يمكن بلمرتها لإنتاج بلاستيك قابل للتحلل الحيوي. ويُتوقع أن يحل هذا البلاستيك الحيوي محل البلاستيك المشتق من النفط، بما يقلل اعتمادنا على الوقود الأحفوري ويتيح تطوير مواد آمنة منذ التصميم تخفف الأثر البيئي للنفايات البلاستيكية. وتُستخدم الشبكات العصبية للذكاء الاصطناعي في التنبؤ بخصائص هذا البلاستيك الحيوي وإيجاد بدائل عملية للمنتجات غير القابلة للتحلل الحيوي المطروحة في السوق، يمكن بعد ذلك إنتاجها عن طريق التخليق الميكروبي.

المواد المتقدمة ذاتية التجميع وذاتية الإصلاح. هندس العلماء بكتيريا لإنتاج أغشية حيوية يمكن استخدامها مواد حية في تطبيقات مثل ترشيح المياه والمعالجة الحيوية. ويمكن برمجة هذه المواد الحية لأداء وظائف محددة، كالارتباط الانتقائي بالملوثات أو تحليلها. غير أن الإطلاق غير المقصود لهذه الكائنات الحية أو تسربها إلى البيئة قد يشكل خطراً على المجتمعات الميكروبية الطبيعية.

المسابك الحيوية بوصفها فضاءات متعددة التخصصات

تميل التقنيات المتقاربة إلى الظهور بالتزامن مع بنى تحتية أخرى تستفيد من التقارب وتمكّنه وتدفعه. وفي البيولوجيا التركيبية، تتجلى هذه العملية فيما يُعرف بـ"المسبك الحيوي"، وهو منشأة متقدمة ومؤتمتة صُممت لتسريع البحث في البيولوجيا التركيبية والتصنيع الحيوي من خلال دمج الروبوتات عالية الإنتاجية والأتمتة وأدوات التصميم المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي مجال البيولوجيا التركيبية، تعمل المسابك الحيوية، ومعها المؤسسات والتخصصات ومجموعات المهارات المجتمعة حولها، بوصفها فضاءات تقارب فعالة. ومن خلال تحفيز تطوير المنتجات المحتملة، يمكن للمسابك الحيوية أن تحسّن المعارف والمنتجات وتنتج معارف ومنتجات جديدة. ولا يزال التقارب مع الذكاء الاصطناعي في مجال التقنية الحيوية في بداية انطلاقته.

ويستفيد المسبك الحيوي المشار إليه أعلاه من تعلم الآلة والنماذج اللغوية الكبيرة لتسريع تصميم المنتجات الحيوية وإنتاجها، وخفض تكاليف العمالة عبر الأتمتة. وقد أظهرت دراسة أُجريت في جامعة ويسكونسن في ماديسون أن هندسة البروتينات المستقلة القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحقق نتائج أسرع بثلاث إلى ست مرات من سرعة الباحثين (البشر) في الجامعة. وتتطلب المسابك الحيوية استثمارات أولية كبيرة، غير أن تكاليفها التشغيلية على المدى الطويل، كالتوظيف وصيانة المعدات، تشكل تحدياً أكبر أمام استدامتها. وتمثل الحاجة إلى قوى عاملة ماهرة تجمع بين المعرفة بالذكاء الاصطناعي والأتمتة والبيولوجيا الجزيئية عائقاً جدياً على وجه الخصوص. ففي حين تتقارب التقنيات والأدوات، لا تزال برامج تدريب الباحثين والفنيين في معظمها أحادية التخصص.

فرص السياسات وتحدياتها

من قضايا السياسات الناشئة عن تقارب البيولوجيا التركيبية والذكاء الاصطناعي والأتمتة ما يلي:

تحسين البيئة التنظيمية. قد تطرح التطورات التقنية تحديات أمام الأنظمة التنظيمية التي قد تغدو أقل ملاءمة لأغراضها مع تقارب التقنيات. وفي حالة البيولوجيا التركيبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتفاقم هذه التحديات لا بسبب سرعة التطور التقني فحسب، بل أيضاً بسبب تعقيد التوليفات التي تجمع الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا التركيبية والأتمتة وغيرها. ففي هذا التقارب، تنطبق أنظمة تنظيمية متنوعة تشمل البحث والتطوير في تصميم المنتجات الحيوية الجديدة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق، والتنظيم المتعلق بسلامة المنتجات ذاتها. وهذا يستدعي النظر في التطور التقني والاعتبارات التنظيمية في آن واحد، ويعزز الحاجة إلى إدراج التحليل الأخلاقي والقانوني والاجتماعي ضمن المزيج متعدد التخصصات لفضاء التقارب.

النفاذ وحرية العمل. تُعد الموازنة بين العلم المفتوح والأمن مسألة محورية في البيولوجيا التركيبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، نظراً إلى ما قد تنطوي عليه بعض التطبيقات من آثار على الأمن الحيوي، وكذلك الموازنة بين النفاذ المفتوح والتطبيق التجاري، إذ إن تعزيز الثقة في البيانات الحيوية المستخدمة والخوارزميات الموظفة أمر أساسي، شأنه شأن حماية الملكية الفكرية وضمان القدرة التنافسية الاقتصادية. فكيف يمكن للمبتكرين أن يتحلوا بالشفافية ويبنوا الثقة، وأن يحافظوا في الوقت ذاته على الأمن والربحية؟

مواءمة البيانات الحيوية وتبادلها. تعتمد البيولوجيا التركيبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي على حشد كميات هائلة من البيانات الحيوية التي يمكن معالجتها بعد ذلك باستخدام الخوارزميات. غير أن طبيعة البنى التحتية للبيانات، من حيث شكلها ومن يتحكم فيها، لم تتضح بعد. ومع احتمال نشوء احتكارات صناعية للبيانات الحيوية، وغياب المعايير الخاصة بضبط الجودة والتشغيل البيني وقواعد تبادل البيانات، ثمة تحدٍّ واضح على صعيد الحوكمة. وعلى المنوال ذاته، كثيراً ما تنعدم الشفافية بشأن بناء قواعد البيانات (الحيوية) (ما الذي تتضمنه مجموعة البيانات وكيف جرى الحصول عليها؟)، ووسائل تخزين البيانات (من يملكها وكيف تُدار؟)، وجودة الخوارزميات (ما الذي تعنيه مخرجات الخوارزميات فعلاً؟). وهذا كله يطرح تحدياً كبيراً أمام الحوكمة.

تحديات الرقابة في ظل إقصاء البشر عن الحلقة. يعني إحلال الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات محل البشر إمكانية تنفيذ عمليات تطوير في البيولوجيا التركيبية تزداد تعقيداً واستهلاكاً للوقت. غير أن ضمان مكانة ذات معنى للفعل البشري في سير العمل يحفظ الفرص لإصدار الأحكام القيمية خلال عمليات البحث والتطوير، فضلاً عن ضبط الجودة وضمانها والأمن السيبراني، بل والمساءلة القانونية والأخلاقية. ومن الضروري كذلك مراعاة حقوق العمال في التشاور والمشاركة والحماية من البطالة. ومع الوعود بدورات تصميم وبناء واختبار وتعلم تتزايد استقلاليتها، ما هو التوازن الأمثل بين الأنظمة المستقلة والأنظمة التي يبقى فيها الإنسان ضمن الحلقة؟

النفاذ إلى سلاسل الإمداد ومرونتها. كشفت جائحة كوفيد 19 عن الضغوط التي تتعرض لها سلاسل الإمداد الرئيسية للبحث والتطوير في البيولوجيا التركيبية. ومع تزايد الاهتمام بالسيادة التقنية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يمثل بناء المرونة في سلاسل الإمداد العالمية للبيولوجيا التركيبية تحدياً رئيسياً في المرحلة المقبلة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لتحقيق وعد التصنيع الموزَّع عبر البيولوجيا التركيبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إذ تُعد الحاجة إلى كواشف كيميائية محددة لإجراء البحث والتطوير أمراً جوهرياً، وتحددها الموارد المحلية والضغوط الديموغرافية والأثر على الاستدامة. وإلى جانب مخاطر الإمداد التي لوحظت خلال الأزمات الصحية مع إغلاق الحدود، تنبع التحديات التي تطرحها البيولوجيا التركيبية على سلاسل الإمداد أيضاً من الاستعاضة عن النفط بسكريات نباتية المصدر أو مشتقة من النفايات بوصفها مواد خاماً. ومن ثم، فإنه سيكون من الضروري، بما يتجاوز مخاطر إغلاق الحدود، إعادة النظر في شبكات إمداد المواد الخام لجعل هذه الصناعة مستدامة.

الأمن السيبراني الحيوي بوصفه قضية محورية للأمن البحثي. رفع التكامل المتزايد بين البحث البيولوجي والأتمتة من أهمية الأمن السيبراني الحيوي، أي نقطة التقاء الأمن السيبراني بالعلوم البيولوجية. فالهجمات السيبرانية، كبرمجيات الفدية وهجمات حجب الخدمة الموزعة، التي تستهدف منشآت البحث البيولوجي والتصنيع الحيوي، تنطوي على مخاطر جسيمة، منها الاضطرابات الاقتصادية (كتأخر العمليات والتجسس الصناعي)، والمخاطر البيئية (كالانفجارات العرضية وتسرب المواد الخطرة)، والتهديدات للصحة العامة (كالانتشار غير المقصود للعوامل المعدية). غير أن جانباً كبيراً من البنية التحتية القائمة الداعمة للبحث البيولوجي والإنتاج الحيوي لم يُصمَّم في الأصل مع مراعاة الصمود في وجه التهديدات السيبرانية. ويبرز هذا الضعف على نحو خاص في المجتمعات محدودة الموارد، التي كثيراً ما تعتمد على الأسواق الثانوية حيث تنتشر المعدات الأقدم والأقل أماناً على الأرجح. ونتيجة لذلك، قد يلزم تعزيز آليات الرقابة والضبط لتقييم مواطن الضعف هذه تقييماً منهجياً ووضع استراتيجيات فعالة للتخفيف منها. ولا غنى عن مزيد من البحوث متعددة التخصصات ومبادرات السياسات لتعزيز أطر الأمن السيبراني الحيوي وضمان صمود البنى التحتية للبحث البيولوجي والتصنيع الحيوي أمام التهديدات السيبرانية المتطورة.

نقص البيانات البيئية للتطبيقات المعدّة للإطلاق في البيئة. مع الوتيرة المتسارعة لظهور تطبيقات مبتكرة وجديدة في البيولوجيا التركيبية معدّة للإطلاق في البيئة، ستنشأ حالات أكثر يتعذر فيها إجراء تقييم سليم للمخاطر بسبب نقص البيانات البيئية عن البيئة المستقبِلة. ومن شأن تعزيز بحوث التنوع البيولوجي بالتوازي مع ذلك أن يزيل هذا العائق ويساعد على الاستفادة من هذه التقنيات.

التقارب في التقنيات العصبية

عُرّفت التقنيات العصبية بأنها "الأجهزة والإجراءات المستخدمة للوصول إلى بنية الأنظمة العصبية لدى الأشخاص الطبيعيين ووظيفتها، أو رصدها أو استقصائها أو تقييمها أو التأثير فيها أو محاكاتها". وتتسم التقنيات العصبية بالتقاء متزايد بين التقنيات المكونة لها والأفهام العلمية والدراية العملية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي وواجهات الدماغ والحاسوب، بل وحتى التقنيات الغامرة الجديدة. وتتقارب هذه التقنيات والمقاربات بمعنييْ "التطور المشترك" و"الاندماج" المشار إليهما آنفاً، وتتيح فرصاً لإصلاح الوظائف العصبية وتعزيزها. غير أن هذا الالتقاء ذاته يثير كذلك تبعات أخلاقية وقانونية واجتماعية جديدة، أو يفاقم التبعات القائمة.

حشد المؤسسات والفاعلين والأدوات حول الدماغ البشري

إن تعقيد الدماغ البشري وأهميته، بوصفه ميداناً للدراسة والهندسة ولمجموعات متنوعة من المهارات والتخصصات، يفتحان الباب أمام أشكال من الابتكار متعددة التخصصات بعمق، وانتقالية وتحويلية. بل إنه يحشد بفاعلية طيفاً واسعاً من الفاعلين والمقاربات والمؤسسات حول مشروع توليد علاجات وتطبيقات وحلول جديدة. وتستفيد مؤسسات جديدة مكرسة للتقنيات العصبية من قدرة الدماغ البشري على الجمع والحشد لتوليد أنواع جديدة من الفهم للعمليات العصبية والتدخل فيها. ومن الأمثلة الممتازة على ذلك مركز "فيس" في جنيف.

مركز فيس: تقارب التقنيات العصبية في سويسرا

مركز فيس للهندسة الحيوية والعصبية (Wyss Center for Bio and Neuroengineering) مركز بحثي انتقالي مستقل غير ربحي و"مُنشئ للمشاريع"، مكرس لدفع الابتكارات الثورية في ساحة تقارب التقنيات العصبية. ويُعد المركز نموذجاً أولياً لفضاء التقارب، إذ يجمع مهارات كوادره ومعارفهم، وبنية تحتية متطورة، وشراكات في مجال ابتكار الأعمال، لتوليد حلول جديدة في مجال الصحة النفسية وصحة الدماغ.

تأسس مركز فيس عام 2014 بدعم من رجل الأعمال والمحسن السويسري هانسيورغ فيس، ويجمع خبراء من مجالات متنوعة كعلم الأعصاب والهندسة والبرمجيات وتحليلات البيانات وجراحة الأعصاب والشؤون التنظيمية والسريرية وضمان الجودة والتصنيع وتطوير الأعمال. ويعمل هؤلاء معاً على تطبيق مقاربات بحثية وهندسية قائمة على التحديات في دراسة الدماغ البشري، كما ينخرطون في الترجمة السريرية القائمة على المرضى، وفي أنشطة تجارية مثل تأسيس الشركات المنبثقة والترخيص والمشاريع المشتركة وصفقات الأصول. وتشمل محفظة المركز المتنوعة واجهات الدماغ والحاسوب، وأوجه التقدم في جراحة الأعصاب، والتعديل العصبي القائم على الذكاء الاصطناعي، والإنجازات في التصوير العصبي، والدراسات المتعلقة بمحور الأمعاء والدماغ، وإدارة الصرع، والتطبيقات السريرية لعلم البصريات الوراثي.

ومن أمثلة برامجه "شراكة منارة الحرم البيوتقني للتعديل العصبي الموجَّه بالذكاء الاصطناعي" (Campus Biotech Lighthouse Partnership for AI Guided Neuromodulation) بقيمة 23 مليون دولار أمريكي، وهي تعاون بين عدة مؤسسات يهدف إلى تسريع البحث والتطوير الانتقالي في مجال التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي. ويسعى البرنامج إلى الاستفادة من التميز متعدد التخصصات لاستكشاف تقنيات عصبية جديدة قابلة للزرع لتسجيل نشاط الدماغ، وفك ترميز النشاط العصبي إلى أنماط كهربائية بتوجيه من الذكاء الاصطناعي على الرقاقة نفسها، والتحفيز الدقيق للحبل الشوكي.

واجهات الدماغ والحاسوب آليات تقنية تتيح التواصل المباشر بين الدماغ والأجهزة الخارجية. وتُظهر هذه التقنيات إمكانات لتعزيز القدرات الإدراكية من خلال التأثير في النشاط العصبي، كالانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية، دون تدخل جراحي. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي فهي أنظمة آلية تستنتج، لتحقيق أهداف صريحة أو ضمنية، من المدخلات التي تتلقاها كيفية توليد مخرجات كالتنبؤات أو المحتوى أو التوصيات أو القرارات التي يمكن أن تؤثر في البيئات المادية أو الافتراضية. وأما التقنيات الغامرة، التي يُشار إليها غالباً بـ"الواقع الممتد"، فتُنشئ بيئات تمزج بين الواقعين الرقمي والمادي بدرجات متفاوتة. وتشمل العناصر الرئيسية لهذه التقنيات الغامرة: البيئات الرقمية الغامرة كلياً التي تحل محل المحيط المادي للمستخدم، أي الواقع الافتراضي؛ والطبقات الرقمية المضافة إلى العالم المادي التي تُثري التجارب الواقعية بالمعلومات الرقمية، أي الواقع المعزز؛ ومزيجاً من الاثنين تتأثر فيه الطبقات الرقمية بالخصائص المادية كالإضاءة، أي الواقع المختلط.

وتسهم هذه المجالات الثلاثة في تسريع مسارات بعضها بعضاً، وتتكامل لتشكيل تطبيقات جديدة. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُثري تجارب التقنيات الغامرة من خلال تقديم استجابات ذكية ومحتوى مخصص وبيئات تكيفية تستند إلى سلوك المستخدم وتفضيلاته.

وتتيح واجهات الدماغ والحاسوب تواصلاً مباشراً بين الدماغ والأجهزة أو البرمجيات الخارجية، بحيث يغدو بمقدور المستخدمين التحكم في الحواسيب أو الأجهزة بأفكارهم. ومن شأن ذلك أن يفضي إلى تفاعلات أكثر طبيعية وبداهة داخل بيئات التقنيات الغامرة، كالتحكم في الأجسام أو البيئات الافتراضية عبر أوامر ذهنية. وقد توفر التقنيات الغامرة مستقبلاً منصة تُدمج فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي وواجهات الدماغ والحاسوب، فتمنح المستخدمين تجارب تستجيب بذكاء لمدخلاتهم وحالاتهم الإدراكية. بيد أن أوجه التقارب هذه نفسها قد تثير مخاوف تتعلق باستقلالية الإنسان وخصوصيته.

ومن الأمثلة على ذلك نظام لواجهات الدماغ والحاسوب مخصص للواقع المعزز، يبرهن على إمكانية الدمج السلس بين المدخلات العصبية وبيئات التقنيات الغامرة. إذ يتيح هذا التقارب تفاعلات أكثر طبيعية وبداهة داخل تلك البيئات، كالتحكم في الأجسام الافتراضية أو التنقل في الفضاءات الرقمية بواسطة أوامر ذهنية. ويمكن لهذه الأوامر الذهنية أن تحل محل وسائل الإدخال التقليدية أو تكملها، وهو أمر بالغ القيمة على وجه الخصوص في الحالات التي تكون فيها الحركة الجسدية محدودة أو غير مرغوب فيها.

ويُنتج التقارب بين التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي منتجات جديدة ويفتح آفاقاً بحثية غير مسبوقة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن السوق العالمية لواجهات الدماغ والحاسوب ستبلغ 6.2 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030. وتترتب على ذلك آثار عميقة في مجال الرعاية الصحية وفي استخدامات المستهلكين، مما يستدعي تأملاً أخلاقياً ونظراً متأنياً على صعيد السياسات. ويستعرض هذا القسم أبرز التطورات في التقارب بين الذكاء الاصطناعي وواجهات الدماغ والحاسوب والتقنيات الغامرة، ويناقش أهم الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة به، ويحدد أبرز التحديات التي يطرحها على صعيد السياسات.

تقارب التقنيات الطبية

كان أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم، أي ما يزيد على 40% من سكان المعمورة، يعانون من حالة عصبية في عام 2021. وتشهد الرعاية الصحية تحولاً رقمياً يدمج الذكاء الاصطناعي في جوانب عديدة من الرعاية، بما يبشر بخفض تكاليف العلاجات ومخاطرها. وفي مجال صحة الدماغ، يُحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في تقديم الرعاية وفي النتائج التي يحققها المرضى وفي البحث الطبي. ويمكن رصد التقارب حول التقنيات العصبية في مجالات طبية متنوعة، منها:

الطب الدقيق: تحلل خوارزميات الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من بيانات المرضى، بما فيها المعلومات الجينية، بهدف تكييف العلاجات مع كل مريض على حدة. وحين يقترن ذلك بتقنية واجهات الدماغ والحاسوب، يصبح من الممكن رصد العلاجات وتعديلها آنياً استناداً إلى التغذية الراجعة العصبية. ففي علاج مرض باركنسون مثلاً، تستطيع أنظمة التحفيز العميق للدماغ ذات الحلقة المغلقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضبط معايير التحفيز آنياً بناءً على الإشارات العصبية، مما يتيح تحكماً أكثر فاعلية في الأعراض.

الجراحة الروبوتية: تزداد الروبوتات الجراحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تطوراً، إذ توفر واجهات التقنيات الغامرة للجراحين قدرة معززة على الرؤية والتحكم. ويجري استكشاف واجهات الدماغ والحاسوب لتمكين الجراحين من التحكم في هذه الروبوتات على نحو أكثر بداهة، بما قد يحسّن الدقة الجراحية ويحدّ من الإرهاق. ومن أحدث التطورات في هذا الشأن دمج التغذية الراجعة اللمسية في أنظمة الجراحة الروبوتية، مما يتيح للجراحين "الإحساس" بخصائص الأنسجة عبر واجهات الدماغ والحاسوب، فيرفع الدقة رفعاً ملحوظاً في العمليات طفيفة التوغل.

إعادة التأهيل العصبي: يمكن للجمع بين البيئات الافتراضية التي تُدار بواجهات الدماغ والحاسوب والتقنيات الغامرة أن يفرز برامج إعادة تأهيل شديدة الجاذبية وعالية الفاعلية للمرضى المصابين باضطرابات حركية. وبفضل الذكاء الاصطناعي، تتكيف هذه الأنظمة آنياً وفق التغذية الراجعة العصبية، فتحسّن مسار إعادة التأهيل. وقد أظهرت دراسات حديثة أن أنظمة إعادة التأهيل القائمة على الجمع بين واجهات الدماغ والحاسوب والواقع الافتراضي تحفز قدراً أكبر من المرونة العصبية مقارنة بالعلاجات التقليدية، مما يفضي إلى نتائج وظيفية أفضل لدى مرضى السكتة الدماغية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك استخدام أنظمة الواقع الافتراضي التي تُدار بواجهات الدماغ والحاسوب في إعادة تأهيل الأطراف العلوية لدى مرضى السكتة الدماغية، وقد حققت نتائج واعدة في تحسين الوظيفة الحركية تتجاوز ما تحققه العلاجات التقليدية.

التدريب الإدراكي: توفر الأنظمة التي تجمع بين واجهات الدماغ والحاسوب والتقنيات الغامرة للمرضى المصابين باضطرابات إدراكية تمارين تدريب إدراكي مصممة لكل منهم، يُعدَّل مستوى صعوبتها بحسب النشاط العصبي الآني، مما قد يعزز فاعلية إعادة التأهيل الإدراكي. وتحلل خوارزميات الذكاء الاصطناعي أنماط الأداء الإدراكي والنشاط العصبي لتكييف برامج تدريبية تستهدف مجالات إدراكية بعينها، بما يرفع الفاعلية العلاجية إلى أقصاها.

الأسواق الاستهلاكية

يكتسي تقارب التقنيات العصبية في المجال الاستهلاكي أهمية كبيرة نظراً لقابليته للانتشار السريع والواسع واندماجه الوثيق في الحياة اليومية. فخلافاً للتطبيقات المتخصصة أو الصناعية، يملك التقارب الموجه نحو المستهلكين القدرة على إعادة تشكيل الأعراف الاجتماعية والعادات الشخصية، بل والعمليات الإدراكية ذاتها، على نطاق واسع. وتتطور السوق الاستهلاكية للتقنيات المتقاربة بوتيرة سريعة، إذ تمتد منتجاتها من سماعات التأمل القائمة على تخطيط كهربية الدماغ إلى نظارات الواقع المعزز المتقدمة المزودة بواجهات عصبية. وتجد هذه التقنيات تطبيقاتها في الألعاب والترفيه والتعليم، وهي مجالات تمثل مجتمعة إمكانات اقتصادية كبيرة.

وتتوسع سوق التقنيات العصبية الاستهلاكية بسرعة، مع تركيز على تعزيز الأداء الإدراكي وتنظيم الانفعالات والرفاه العام. وتسعى شركات كثيرة نحو تطوير واجهات للدماغ والحاسوب غير جراحية أو طفيفة التوغل للاستخدام الاستهلاكي. وتتجاوز هذه التقنيات على نحو متزايد حدود الأسواق المتخصصة لتدخل الوعي الاستهلاكي العام، مدفوعة بالتقدم في التصغير وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وتصميم تجربة المستخدم. وتستكشف شركات أخرى مقاربات مختلفة لواجهات الدماغ والحاسوب الاستهلاكية؛ فبراءة الاختراع الممنوحة لشركة كوغنيكشن (Cognixion) تصف نظاماً لواجهات الدماغ والحاسوب مخصصاً للواقع المعزز، يرمي إلى تجاوز القيود التي تفرضها التوصيلات السلكية والخروج من نطاق الاستخدام في المختبرات الطبية. ويشير تركيز الشركة على معالجة الذكاء الاصطناعي دون اتصال بالشبكة، وعلى إمكانية دمج هذه الواجهات في النظارات الذكية أو العدسات اللاصقة، إلى مستقبل قد تغدو فيه واجهات الدماغ والحاسوب واسعة الانتشار وغير لافتة للنظر شأنها شأن الهواتف الذكية اليوم. ومن الأمثلة البارزة على ذلك سماعات الرأس الاستشعارية الدماغية من شركة نيورابل (Neurable)، التي تستخدم تخطيط كهربية الدماغ لقياس التركيز وتقديم تجربة صوتية مخصصة، فضلاً عن حزمة التطوير من شركة نكست مايند (NextMind) التي تتيح للمستخدمين التحكم في الواجهات الرقمية بأفكارهم.

ويمثل دمج تقنية تخطيط كهربية الدماغ في الأجهزة القابلة للارتداء اليومية، كما يتجلى في براءة اختراع شركة آبل لسماعات أذن قادرة على تسجيل كهربية الدماغ، خطوة مهمة نحو تقنيات عصبية واسعة الانتشار. ويتعزز هذا التوجه نحو تقنيات عصبية غير لافتة وملائمة للمستهلكين بأمثلة من قبيل شركة سينس إيه آي (Sens.AI)، التي تصف براءة اختراعها جهازاً قابلاً للارتداء للتعديل الحيوي الضوئي عبر الجمجمة بنظام الحلقة المغلقة، يستخدم الضوء لتحسين العمليات الدماغية وعلاج اضطرابات نفسية كالاكتئاب. وتطمس مثل هذه التقنيات الحدود الفاصلة بين منتجات العافية الاستهلاكية والأجهزة الطبية، وقد تتيح لعامة الناس قدرات لتعزيز الإدراك.

ويُقصد بالتقنيات الاستهلاكية في سياق التقارب بين الذكاء الاصطناعي وواجهات الدماغ والحاسوب والتقنيات الغامرة المنتجاتُ والخدمات المصممة للاستخدام الشخصي من قبل عامة الناس، في مقابل التطبيقات الطبية أو الصناعية. وتهدف هذه التقنيات إلى إثراء التجارب اليومية وتعزيز الإنتاجية والترفيه والتطور الشخصي. ومن أبرز مجالات تطبيقها:

الترفيه والألعاب: يولّد هذا التقارب في مجال الألعاب تجارب ترفيهية غامرة وتفاعلية على نحو غير مسبوق. فثمة نظام لواجهات الدماغ والحاسوب مخصص للواقع المعزز يبرهن على إمكانية الدمج السلس بين المدخلات العصبية وبيئات الواقع المعزز. كما أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تكييف بيئات اللعب آنياً وفقاً للاستجابات العصبية والفسيولوجية للاعب قد تتيح تجارب مفصّلة على مقاس كل فرد.

الإنتاجية والعمل: يَعِد دمج الواجهات التي تُدار بواجهات الدماغ والحاسوب مع المساعدين القائمين على الذكاء الاصطناعي في بيئات التقنيات الغامرة بإحداث ثورة في العمل عن بُعد وفي الفضاءات الافتراضية التعاونية. وقد ينطوي إنترنت الأشياء على إمكانية الربط بين الواقعين المادي والرقمي في "الميتافيرس"، بما يتيح تحكماً سلساً في بيئات العمل. ومن شأن هذا التقارب أن يعزز الإنتاجية والتعاون، إذ يتيح تفاعلات أكثر بداهة وكفاءة مع الأدوات الرقمية والزملاء عن بُعد. فالقدرة مثلاً على التعامل مع التمثيلات المرئية للبيانات بالتفكير وحده، أو على الوصول إلى المعلومات وتبادلها فوراً عبر الواجهات العصبية، قد تغير طبيعة العمل تغييراً جذرياً.

التعليم واكتساب المهارات: ستتيح أنظمة التعلم التكيفي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حين تقترن ببيئات التقنيات الغامرة ومدخلات واجهات الدماغ والحاسوب، تجارب تعليمية عالية التخصيص والكفاءة. إذ قد تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من تحليل الحالات الإدراكية للمتعلم من خلال مدخلات واجهات الدماغ والحاسوب، فتكيّف وتيرة التعليم وأسلوبه ومحتواه آنياً داخل بيئات التقنيات الغامرة.

التفاعل الاجتماعي: يمكن للمنصات الاجتماعية التي يتوسط فيها الذكاء الاصطناعي داخل بيئات التقنيات الغامرة، معززةً بمدخلات واجهات الدماغ والحاسوب، أن تتيح تواصلاً رقمياً أكثر دقة وتعاطفاً.

التطور الشخصي والعافية: يتيح هذا التقارب مقاربات جديدة للصحة النفسية وتعزيز الإدراك. فعلى سبيل المثال، برهن نظام للتعديل الحيوي الضوئي عبر الجمجمة بنظام الحلقة المغلقة يعتمد على الاختبارات الإدراكية على الكيفية التي يمكن بها توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين التعديل العصبي غير الجراحي آنياً. وتوفر هذه التقنيات إمكانية تقديم تدخلات مخصصة في مجالي الصحة النفسية وتعزيز الإدراك، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل أنماط النشاط العصبي والبيانات السلوكية والعوامل البيئية لتقديم تدخلات مصممة لكل فرد عبر واجهات الدماغ والحاسوب.

الفرص والتحديات على صعيد السياسات

ينطوي التقارب بين التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي على وعود بتعزيز القدرات البشرية، شريطة أن يعالج صانعو السياسات الاعتبارات الأخلاقية من خلال استراتيجيات حوكمة ملائمة. فالتقنيات الغامرة تعتمد على ممكّنات تكنولوجية، كنماذج تعلم الآلة والبيانات والقدرة الحاسوبية وغيرها، وهي تتيح، إن طُوّرت واستُخدمت على نحو مسؤول، إمكانات تقدم كبيرة. وفي الوقت ذاته، يطرح دمج التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي أسئلة أخلاقية جديدة ويفاقم أسئلة قائمة. وأشد هذه المسائل إلحاحاً أن مجالات البحث الجديدة هذه وما ينتج عنها من منتجات تكنولوجية تشكل مخاطر على الخصوصية الفردية والسلامة الذهنية؛ ومن ثم يتعين تحديث إجراءات الموافقة المستنيرة على النحو الملائم، كما ينبغي أن تمتد أطر الحماية الملتبسة صراحةً لتشمل البيانات العصبية، تفادياً للوصول غير المصرح به إلى نوع جديد من البيانات قد يكشف عن الأفكار والمشاعر الشخصية. فمثل هذا الوصول قد يفضي إلى التلاعب والسيطرة خدمةً لأغراض تسويقية أو سياسية، مما يحرم الأفراد من استقلاليتهم وحرية تفكيرهم، أو قد يفتح الباب أمام التنمر الإلكتروني أو التحرش. وبالتوازي مع ذلك، قد لا يكون الابتكار في مجال التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع على نحو منصف، شأنه شأن كثير من التطورات التكنولوجية المتقدمة. فارتفاع تكلفة المنتجات ومحدودية توافرها قد يجعلان الوصول إلى الابتكار متفاوتاً إلى حد بعيد، تبعاً لمدى تغطية الأنظمة الصحية للتطبيقات الجديدة. كما أن المنتجات الرامية إلى تعزيز القدرات الإدراكية في الأسواق الاستهلاكية قد تزيد المخاوف المتعلقة بالإنصاف حدة.

ويعيد احتمال تعزيز الإدراك طرح مسألة تعريف الإنسانية، أي غايتها وحدودها، وهي مسألة لا يمكن تناولها إلا عبر الحوار والتداول من منظورات واسعة ومتنوعة. فالهوية والشخصية الإنسانية والمجتمع والثقافة مفاهيم إنسانية فريدة قد تتباين تعريفاتها من تقليد إلى آخر، ولذا فهي جديرة بنظر متأنٍّ وتعددي قبل الاستقرار على مسار تكنولوجي بعينه.

وبوجه عام، ينبغي لصانعي السياسات النظر في تعزيز آليات رقابة تنظيمية مرنة، مع إيلاء عناية خاصة لاحتمال الاستخدام المزدوج، وتوسيع نطاق حماية البيانات، ووضع معايير عابرة للقطاعات والدول، واعتماد استراتيجيات تكفل وصولاً واسعاً ومنصفاً، وتنظيم فرص منتظمة لإشراك الجمهور. كما يُبرز التقارب بين التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي احتياجات خاصة على صعيد السياسات، من بينها:

إعادة التفكير في المسؤولية: تثير المنتجات القائمة على التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي تساؤلات حول الإرادة الفردية والمسؤولية، ولا سيما حين تشارك أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ القرار عبر الواجهات العصبية. ويتعين على صانعي السياسات معالجة كيفية إسناد المسؤولية في مثل هذه الحالات.

اعتماد استراتيجيات الحوكمة الاستباقية: يستلزم التطور السريع لهذا التقارب مقاربات تنظيمية مرنة وقابلة للتكيف. ولمواكبة التقدم التكنولوجي، يمكن للهيئات التنظيمية استكشاف نماذج من قبيل "البيئات التنظيمية التجريبية"، وهي بيئات خاضعة للضبط يمكن للشركات فيها اختبار منتجاتها في ظل شروط تنظيمية مخففة وإشراف وثيق من الجهات التنظيمية. كما تثبت عمليات المراجعة التكرارية القادرة على استيعاب النتائج العلمية والتطورات التكنولوجية الجديدة بسرعة فاعليتها في هذا الصدد.

تكييف فئات التمويل والتأمين والتنظيم: تجمع المنتجات القائمة على التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي، كالغرسات العصبية المعززة بالذكاء الاصطناعي، بين مكونات مادية وبرمجية ومكونات ذكاء اصطناعي. وكثيراً ما تمتد هذه التقنيات الهجينة عبر فئات تنظيمية متعددة، مما يصعّب تحديد الرقابة الملائمة لها. ويمكن لصانعي السياسات النظر في ما يلي:

أولاً، إرساء هيكل تنظيمي جديد للتمويل يستثمر البرامج القائمة ويجمع بينها، وهو ما قد يكشف عن أوجه تآزر في التمويل أو الأهداف تُحسّن توزيع الموارد.

ثانياً، حث شركات التأمين على دعم الشركات التكنولوجية في مسائل استرداد التكاليف وإتاحة المنتجات للمرضى. فبفضل علاقة متينة مع جهات التأمين، ستستقطب هذه الشركات مزيداً من فرص الاستثمار، إذ يستقر مسار تطوير المنتجات وطرحها. أما على صعيد المرضى، فإن خطة تأمينية أشمل ستكفل وصولاً أوسع.

ثالثاً، إعادة النظر في الثنائية بين المنتجات الطبية والاستهلاكية، وتفضيل تصنيف قائم على المخاطر أو مقاربة لا تتوقف على الغرض من الاستخدام، على سبيل المثال.

منصات البيانات العابرة للحدود: لما كانت التقنيات العصبية المعززة بالذكاء الاصطناعي تولّد كميات هائلة من البيانات، فإن على صانعي السياسات التنسيق على المستوى الدولي لإنشاء منصات لتبادل البيانات ووضع أطر لحوكمتها. وستتطلب هذه العملية مراعاة المنظورات الثقافية المتنوعة إزاء حماية البيانات وممارسات البحث واستخدام التكنولوجيا.

ومع استمرار تقدم التقارب بين التقنيات العصبية والذكاء الاصطناعي، تغدو معالجة هذه التحديات على صعيد السياسات أمراً حاسماً لضمان ابتكار يصون القيم الجوهرية ويعززها. وفي هذا السياق، ترشد توصية مجلس منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الابتكار المسؤول في التقنيات العصبية، وهي أول معيار دولي في هذا المجال، الحكوماتِ والمبتكرين إلى استباق التحديات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية التي تطرحها التقنيات العصبية الجديدة ومعالجتها، مع تشجيع الابتكار في هذا الميدان.

التقارب في تقنيات الكمّ

نشأ علم الكمّ في مطلع القرن العشرين ومنتصفه حين سعى الفيزيائيون إلى فهم ظواهر عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن تفسيرها. وترتبط الاكتشافات الأولى، التي كثيراً ما توصف بالثورة الكمية الأولى، بأعلام علميين بارزين من أمثال نيلز بور وألبرت أينشتاين وإرفين شرودنغر، وغيرهم كثيرون. وقد رسمت هذه الاكتشافات صورة لعالم كمّي يتناقض تناقضاً حاداً مع الفيزياء الكلاسيكية والتجربة اليومية، إذ كشفت عن واقع تتسم فيه الأمور، من بين سمات أخرى، بأن فعل القياس يؤثر في النتائج؛ وبأن الجسيمات الكمية يمكن أن تكون مترابطة أو متشابكة بحيث تؤثر حالة أحدها فوراً في حالة الآخر مهما بعدت المسافة بينهما؛ وبأن الأنظمة الكمية يمكن أن توجد في حالات متعددة في آن واحد إلى أن تُقاس، وهو ما يُعرف بـ"التراكب"؛ وبأن الجسيمات تعبر الأجسام دون عائق، وهو ما يُعرف بـ"النفق الكمّي". كما أفضت الثورة الكمية الأولى إلى ظهور جيل أول من التقنيات القائمة على الكمّ، يحتل كثير منها مكانة محورية في العلم والمجتمع المعاصرين، بدءاً بالترانزستورات وأشباه الموصلات ووصولاً إلى أجهزة الليزر والصمامات الثنائية الباعثة للضوء وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي.

ويشير مصطلح "الثورة الكمية الثانية" إلى المرحلة الراهنة من التقدم التكنولوجي التي تبني على تلك الاكتشافات الأولى لتسخير الظواهر الكمية، كالتراكب والتشابك والنفق الكمّي، في ابتكار تقنيات جديدة أكثر قوة.

ثلاث تقنيات رئيسية للثورة الكمية الثانية

تشمل التقنيات الرئيسية للثورة الكمية الثانية الحوسبة الكمية وأجهزة الاستشعار الكمية وأجهزة الاتصالات الكمية.

الحوسبة الكمية: تحمل الحوسبة الكمية وعداً بالارتقاء بالحوسبة عالية الأداء على المديين المتوسط والطويل، ودفع حدود ما يُعدّ حالياً "قابلاً للحوسبة". فالترانزستور التقليدي يتنقل بين حالتي التشغيل والإيقاف، ممثلاً الواحد والصفر. أما الحاسوب الكمّي فيستخدم البتات الكمية (الكيوبتات)، التي يمكن أن تكون في الحالة 0 أو الحالة 1 أو في أي توليفة احتمالية من الحالتين معاً (كأن تكون 0 باحتمال 20% و1 باحتمال 80%). كما يمكن للكيوبتات أن تتفاعل مع كيوبتات أخرى عبر ما يُعرف بالتشابك الكمّي، مما يتيح المعالجة المتوازية. ويمكن للخوارزميات المصممة للعمل على الحواسيب الكمية، من حيث المبدأ، أن تتفوق في حل مسائل بعينها، كتحليل الأعداد الكبيرة إلى عواملها (خوارزمية شور)، والبحث في قواعد البيانات (خوارزمية غروفر)، ومحاكاة الأنظمة التي تكتسي فيها التأثيرات الكمية أهمية.

الاستشعار الكمّي: ينطوي الاستشعار الكمّي على إمكانية الارتقاء بقدرات القياس ارتقاءً كبيراً، بما يتيح حساسية ودقة تضاهيان أدق الاضطرابات الموجودة في الطبيعة. ومع تحسن أداء هذه المستشعرات، قد يصبح من الممكن قياس ظواهر كالزمن والجاذبية والمغناطيسية ودرجة الحرارة وتحليل الطيف الكهرومغناطيسي على نطاقات وبمستويات دقة يتعذر بلوغها بالأساليب الكلاسيكية. وتتراوح التطبيقات بين تحسين التصوير الطبي (إذ تُزامن الساعات الذرية من الجيل التالي عمليات التصوير)، وتيسير رسم خرائط قاع المحيطات والكشف عن معالم باطن الأرض على اليابسة (بفضل مقاييس الجاذبية)، على نحو ما يتناوله القسم التالي بشأن رصد الأرض من الأقمار الصناعية، ووصولاً إلى وسائل ملاحة جديدة (باستخدام قياسات فائقة الدقة للمجال المغناطيسي للأرض).

الاتصالات الكمية: الاتصالات الكمية تقنية ناشئة تستثمر خصائص الأنظمة الكمية لإتاحة نقل المعلومات ومعالجتها عبر الشبكات الكمية. وأشهر تطبيقاتها توزيع المفاتيح الكمية، الذي يستخدم الحالات الكمية (وهي عادةً فوتونات) لتمكين طرفين من توليد مفتاح عشوائي سري مشترك. ويستمد هذا النظام أمانه من القوانين الفيزيائية، إذ إن قياس الحالة الكمية يغيّرها تغييراً لا رجعة فيه، ومن ثم لا يمكن اعتراض المفاتيح المؤمّنة كمّياً دون أن يُكشف ذلك. وهذا ما يميزها من التشفير الكلاسيكي الذي يمكن كسره متى توافرت قدرة حاسوبية كافية.

وما تزال هذه التقنيات الثلاث في طور النشوء، وتعد الحوسبة الكمية أقلها تقدماً في حين يعد الاستشعار الكمّي أكثرها تقدماً. ولا تزال هناك تحديات تقنية وبحثية كبيرة تنتظر الحل. غير أن التوصل إلى أنظمة قابلة للتطبيق تقنياً وتجارياً قد يُحدث تحولات جذرية في قطاعات عديدة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وتصف الأقسام التالية ثلاثة مجالات علمية وتكنولوجية تقاربت، أو هي في طور التقارب، مع تقنيات الكمّ، وهي الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا والهندسة.

تقارب تقنيات الكمّ مع الذكاء الاصطناعي

يُستخدم الذكاء الاصطناعي في كل ميادين العلم وفي جميع مراحل العملية العلمية. ويستفيد علم الكمّ من ذلك بقدر ما يستفيد أي فرع آخر من فروع البحث، بدءاً بالمراجعة الآلية للأدبيات العلمية ووصولاً إلى تصميم التجارب بمساعدة الآلة.

كما يسهم الذكاء الاصطناعي في علوم الكمّ وتقنياته بطرق محددة متنوعة. فعلى سبيل المثال، تُوظَّف تقنيات تعلم الآلة لفك ترميز الأخطاء في الكيوبتات وتصحيحها. ويمكن للتعلم المعزز أن يساعد على تصميم تحكم أمثل في عمليات الكيوبتات. وفضلاً عن ذلك، ونظراً لأن كل جهاز كمّي يختلف قليلاً عن غيره، يستطيع التعلم المعزز تحليل الجهاز وأنماطه للمساعدة على مواءمة الخوارزميات معه تحديداً. كما يُرجَّح أن يدعم الذكاء الاصطناعي الاستشعار الكمّي من خلال تمييز الضجيج من إشارات المستشعرات الضعيفة، والمساعدة على فهم بيانات المستشعرات.

وقد حظيت أيضاً باهتمام كبير إمكانيةُ أن تعزز الحواسيب الكمية أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإن كانت هذه الإمكانية حتى الآن نظرية في معظمها. فقد اختُبرت خوارزميات هجينة تجمع بين الكمّ والذكاء الاصطناعي على مسائل صغيرة، وتستكشف شركات الشبكات العصبية الكمية لأداء مهام مثل معالجة اللغة الطبيعية. ويتركز أحد المواضيع البحثية الرئيسية على استخدام الحواسيب الكمية للحد من تعقيد استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي وتكلفته. وقد يتحقق ذلك بأن تصف الحواسيب الكمية السمات المعقدة لنظام ما موضع الاهتمام، كتفاعل كيميائي، على نحو أبسط مما تتيحه الأنظمة الكلاسيكية (أي بعدد أقل من المعاملات)، قبل تطبيق الذكاء الاصطناعي.

وتشير بعض الأعمال إلى تراجع حديث في التوقعات لدى الباحثين بشأن الذكاء الاصطناعي الكمّي، إذ يرى أصحابها أن الحواسيب الكمية قد لا تسهم كثيراً في تقدم الذكاء الاصطناعي لأنها تواجه صعوبة في معالجة البيانات الضخمة الواردة من الشبكات العصبية. فحتى الآن، لم يكن ممكناً الحفاظ على الترابط بين الكيوبتات إلا لأجزاء ضئيلة من الثانية، مما يعني أن الحسابات الممكنة قصيرة جداً. ومن ثم يُتوقع أن تواجه الحواسيب الكمية مشكلات مستمرة في تنفيذ خوارزميات الذكاء الاصطناعي على مجموعات البيانات الكبيرة بسبب قِصر أزمنة الترابط هذه، كما أن محاولة زيادة معدل إدخال البيانات وإخراجها ستؤدي إلى مزيد من الأخطاء الحسابية. ومع ذلك، يبدي هؤلاء الباحثون وغيرهم تفاؤلاً بأن الحواسيب الكمية ستكون بالغة النفع في التطبيقات التي تتطلب قدراً محدوداً من بيانات الإدخال والإخراج وقدرة معالجة كبيرة.

ويواجه التقدم في تسخير التأثيرات الكمية لخدمة الذكاء الاصطناعي تحديات عدة. فثمة حاجة إلى خوارزميات جديدة؛ إذ تُخرج الحواسيب الكمية نتائج احتمالية، بحيث قد تختلف الإجابة عن المسألة ذاتها في كل مرة يجري فيها الجهاز الحساب، وهي نتائج لا تتوافق مباشرة مع مسارات البيانات الكلاسيكية، كما تُنتج المستشعرات الكمية أنواعاً جديدة من البيانات تتطلب تقنيات جديدة لمعالجتها بالذكاء الاصطناعي. يضاف إلى ذلك ندرة الخبرات متعددة التخصصات، فكثيراً ما يكون علماء الحاسوب قليلي الإلمام بالتطورات النظرية في الحوسبة الكمية أو يجدون صعوبة في مواكبتها. ويتطلب الدمج الفعال لتقنيات الكمّ والذكاء الاصطناعي تعاوناً وثيقاً بين فيزيائيي الكمّ وباحثي الذكاء الاصطناعي.

تقارب تقنيات الكمّ مع البيولوجيا

شهدت السنوات الأخيرة نمواً سريعاً في مجال علمي يُعرف بـ"البيولوجيا الكمية"، وهو مجال يدرس التقاء مبادئ فيزياء الكمّ بالأنظمة البيولوجية، مستكشفاً كيف قد تعمل آليات الحياة على المستوى الكمّي، وكيف اهتدى الانتقاء الطبيعي إلى حلول قائمة على الكمّ تلائم مختلف الموائل البيئية.

وتعود جذور البيولوجيا الكمية إلى محاضرة ألقاها نيلز بور عام 1932 بعنوان "الضوء والحياة"، تناول فيها، من بين أمور أخرى، حساسية خلايا الشبكية على المستوى الذري. وفي وقت أقرب، توصل العلم إلى أدلة على أن آليات ميكانيكا الكمّ ترجح أن تكون أساس عمليات ووظائف من قبيل التمثيل الضوئي، والملاحة لدى الطيور، وحاسة الشم.

وإلى جانب إسهامها في تفسير العالم الطبيعي، تقدم البيولوجيا الكمية معارف ذات فائدة تكنولوجية. فالسرعة التي تحول بها النباتات ضوء الشمس إلى كربوهيدرات، وهي جزء من مليون مليار جزء من الثانية، تقلل إلى أدنى حد فقدان الطاقة على شكل حرارة. وقد ظلت الكيفية التي تحقق بها النباتات ذلك لغزاً حتى عام 2007، حين أثبت علماء الفيزياء الحيوية أن النباتات تستخدم شكلاً من أشكال الحوسبة الكمية. وخلص العلماء إلى أن الآليات التي تعتمدها النباتات لبلوغ كفاءة شبه تامة في حصاد الطاقة يمكن محاكاتها في أنظمة اصطناعية لتوليد الطاقة والتقاطها. وبالفعل، وظّف الكيميائيون التجريبيون هذه المعرفة لبناء مصفوفات لحصاد الضوء تحاكي النباتات. ومن المجالات الأخرى التي قد تقدم فيها البيولوجيا الكمية رؤى ذات فائدة تكنولوجية مجال الاستشعار الحيوي الكمّي.

الاستشعار الكمّي باستخدام المواد البيولوجية

يستكشف العلماء مستشعرات كمية مصنوعة من مواد بيولوجية. فقد هندس باحثون مؤخراً بروتيناً فلورياً مستخلصاً من قنديل بحر مضيء، ويمكن إنتاج هذا البروتين المتوهج داخل الخلايا الحية، وهو قادر على رصد تغيرات طفيفة في محيطه بحساسية تفوق كثيراً حساسية المستشعرات المعتادة. ومن تطبيقاته المحتملة تتبع الإشارات الكيميائية الحيوية أو المؤشرات المبكرة للأمراض من داخل الخلية.

وفي تجربة مخبرية أخرى، تبين أن بروتيناً طبيعياً موجوداً في عيون طيور أبي الحناء يعمل مستقبِلاً مغناطيسياً حساساً لمجالات مغناطيسية بقوة المجال المغناطيسي للأرض، مما يوحي بأن هذه الطيور قد تستعين بما هو في جوهره مستشعر كمّي بيولوجي في الملاحة. والواقع أن أبحاثاً حديثة تُظهر أن الاستشعار المغناطيسي البيولوجي يعمل قريباً من الحد الأقصى لما هو ممكن فيزيائياً من حيث حجم المستشعر وزمن القياس ويقينه. ورغم عدم وجود أجهزة كمية تجارية تحاكي الطبيعة حتى الآن، فإن هذه الاكتشافات توجّه الأبحاث المتعلقة بتصميم مقاييس مغناطيسية كمية مصنّعة مخبرياً، قد تتيح بوصلات فائقة الحساسية أو تصويراً طبياً قائماً على البيولوجيا.

الأنظمة الكمية القائمة على البروتينات

رُصدت الظواهر الكمية في البروتينات منذ زمن طويل، كما في التفاعلات الإنزيمية التي تنطوي على النفق الكمّي، والبروتينات الماصة للضوء التي تُظهر ترابطاً كمّياً. غير أن استخدام البروتينات أجهزةً كمية تطور حديث العهد؛ ففي العقد الماضي بدأ الباحثون في استكشاف أنظمة كمية قائمة على البروتينات تؤدي فيها البروتينات ذاتها دور حوامل المعلومات الكمية. ولا تزال الأبحاث المتعلقة بالحوسبة القائمة على البروتينات استكشافية، والتطبيقات العملية بعيدة المنال. بيد أن بعض التطورات الرئيسية تبرهن على إمكانات هذا المفهوم، إذ أظهر باحثون في جامعة بكين مؤخراً أن الحمض النووي يمكن أن يؤدي دور عناصر التخزين والحوسبة في الأجهزة الكمية.

التقارب بين بحوث الكمّ والهندسة

بعيداً عن تقنيات الكمّ بمعناها الدقيق، يتوقف التقدم في الثورة الكمية على التقدم في عدد من المجالات التكنولوجية الممكّنة، ولكثير منها استخدامات خارج نطاق الكمّ. ويعتمد تقدم هذه المجالات إلى حد كبير على براعة المهندسين الكيميائيين والكهربائيين والميكانيكيين. ومن الأمثلة الأقل شهرة على ذلك الأنابيب المفرغة والكابلات.

مكونات التفريغ: تكتسي تقنيات التفريغ أهمية محورية في بعض أشكال الحوسبة الكمية للحد من اضطراب الكيوبتات. وتشير أعمال نظرية حديثة إلى أن الأنابيب المفرغة، إذا صُممت ورُتبت على النحو الصحيح، قد تتمكن أيضاً من نقل الفوتونات الحاملة للبيانات الكمية لآلاف الكيلومترات دون توهين.

الكابلات: تؤدي الكابلات دوراً رئيسياً، ولا سيما مع الكيوبتات ذات الحالة الصلبة. إذ يتعين على هذه الكابلات نقل المعلومات الكمية الدقيقة بين الأجزاء المختلفة للحاسوب الكمّي أو بين عُقد الشبكة الكمية، مع حماية تلك المعلومات في الوقت ذاته من الاضطرابات الناجمة عن مصادر خارجية كالحرارة والإشعاع الكهرومغناطيسي والاهتزازات والبرودة الشديدة. وتعد الكابلات فائقة التوصيل باهظة الثمن، إذ يبلغ سعر المتر منها نحو 3000 يورو، ويوفرها مورّد وحيد من اليابان.

مختبر أرغون الوطني: مركز كيو نكست ومعهد أرغون للكمّ

يعد مختبر أرغون الوطني، الواقع قرب شيكاغو بولاية إلينوي في الولايات المتحدة، مركزاً بحثياً رائداً متعدد التخصصات في العلوم والهندسة، تأسس عام 1946. ويجمع معهد أرغون للكمّ خبرات في الحوسبة الكمية والاستشعار والفوتونيات والاتصالات وعلوم المواد والحوسبة عالية الأداء. ويحظى المختبر بمنظومة متكاملة متعددة التخصصات تضم منشآت وطنية مثل مصدر الفوتونات المتقدم (Advanced Photon Source) ومركز المواد النانوية (Center for Nanoscale Materials).

وفي يونيو 2025، احتفى المختبر بإنجازات كمية متعددة في مجالات الحوسبة والاتصالات والاستشعار وتحسين المواد، شملت إنتاج مواد الكيوبتات وتوصيفها، وتسخير الحوسبة الفائقة للنهوض بالحوسبة الكمية، وبناء شبكات كمية على مسافات متفاوتة، وتطوير مستشعرات لخدمة العلم، وتعزيز سلسلة توريد المواد اللازمة للأجهزة والأنظمة الكمية، ودعم المنظومة الكمية من خلال الشراكات.

كما يقود مختبر أرغون مركز كيو نكست (Q NEXT) التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، الذي أُنشئ عام 2020. ويجمع هذا المركز نخبة من الخبراء من المختبرات الوطنية والجامعات وشركات التكنولوجيا لحل التحديات المتقدمة في علوم المعلومات الكمية، وتسهم شراكاته مع القطاع الصناعي في تسريع الانتقال من المختبر إلى السوق. والمختبر أيضاً شريك مؤسس في برنامج دوالِتي (Duality)، وهو أول برنامج في الولايات المتحدة مخصص لتسريع نمو الشركات الناشئة العاملة في علوم الكمّ وتقنياته.

ويفسر نجاحَ معهد أرغون عددٌ من العوامل، أولها التنسيق والتمويل على المستوى الوطني. فقد دعمت وزارة الطاقة خمسة مراكز وطنية لبحوث علوم المعلومات الكمية في أنحاء الولايات المتحدة، من بينها مركز كيو نكست، تدعم البحث الأساسي والتطبيق العملي على نحو متكامل. وقد أعلن مكتب العلوم التابع للوزارة مؤخراً عن توفير 625 مليون دولار أمريكي لدعم هذه المراكز. ومن أسباب نجاح المعهد أيضاً إتاحة الوصول إلى منشآت مستخدمين ذات مستوى عالمي، كمصادر الفوتونات ومراكز المواد النانوية ومسابك الكمّ متعددة الأغراض وبيئات الحوسبة عالية الأداء وغيرها، وكلها تمكّن من إجراء تجارب كمية متقدمة. ويتميز المختبر كذلك بمسارات محكمة البنية تربط بين الصناعة والأوساط الأكاديمية والمختبرات، إذ يقود منظومات تعاونية تشمل الجامعات والمختبرات والقطاع الخاص، فيرعى الشركات المنبثقة، ويدرب الباحثين، ويساعد على بلوغ النماذج الأولية مرحلة الجاهزية التجارية.

جلب برودة الفضاء السحيق إلى الحوسبة

تعد تقنيات التبريد الفائق (علم التبريد العميق) من أهم التقنيات في عالم الكمّ، وهي فرع من الفيزياء يدرس سلوك المواد في درجات الحرارة المنخفضة للغاية، التي تقل عادةً عن 150 درجة مئوية تحت الصفر (238 درجة فهرنهايت تحت الصفر). ويكتسي التبريد العميق أهمية حاسمة للتقدم في صناعات وميادين علمية متعددة، منها استكشاف الفضاء والطب وتقنيات الطاقة. فعلى سبيل المثال، يستخدم تلسكوب جيمس ويب الفضائي التبريد العميق لرصد الإشارات تحت الحمراء الضعيفة القادمة من الفضاء. وفي الطب، يساعد التبريد العميق على حفظ الخلايا والأنسجة والأجنة والأعضاء. كما تعتمد خلايا الوقود الهيدروجيني وأنظمة تخزينه على الهيدروجين المبرّد تبريداً عميقاً.

ويستمد التبريد العميق أسسه من تخصصات علمية عدة، ولا سيما الفيزياء وعلوم المواد. كما أن التخصصات الهندسية، وبخاصة الهندسة الميكانيكية والكهربائية والكيميائية، لا غنى عنها في تصميم أنظمة تبريد عميق عملية. ويعد التبريد العميق أساسياً لتشغيل الحوسبة الكمية فائقة التوصيل، وهي بنية تعتمدها شركات مثل آي بي إم وغوغل. ففي درجات الحرارة المنخفضة للغاية، تتدفق الإلكترونات في الدوائر المعدنية دون أي مقاومة، مما يتيح الحالات الكمية الدقيقة اللازمة للحوسبة. كما تساعد البرودة الشديدة على عزل النظام الكمّي عن محيطه، فتطيل المدة التي تحافظ فيها الكيوبتات على حالاتها الكمية، بما يتيح تنفيذ خوارزميات كمية أكثر تعقيداً.

ويطرح بلوغ درجات الحرارة المنخفضة للغاية هذه تحديات هندسية كبيرة. ومن التحديات الإضافية دمج بيئات التبريد العميق مع أنظمة التحكم الإلكترونية، وهو ما يستلزم مواد وتصاميم قادرة على العمل بموثوقية في ظل هذه الظروف القاسية.

ورغم أن التبريد العميق مجال علمي وتكنولوجي ناضج، فإن مجالات عدة لا تزال بحاجة إلى التقدم، والبحث فيها نشط. فثمة حاجة مثلاً إلى أنظمة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، إذ إن الأساليب الحالية لبلوغ درجات الحرارة المنخفضة للغاية تستهلك طاقة كبيرة. كما أن تحقيق اختراقات في تصغير أنظمة التبريد سيجعل تقنية التبريد العميق أكثر عملية لتطبيقات الحوسبة الكمية، مع تعزيز كفاءتها وموثوقيتها.

الفرص والتحديات على صعيد السياسات

أبرز القسم السابق العلاقة الوثيقة بين البحث والهندسة والتجريب. ومن المرجح أن تكون المؤسسات القادرة على تعزيز هذه التفاعلات بالغة الفاعلية في دفع التقدم في علوم الكمّ وتقنياته. والواقع أن اختراقاً واحداً على الأقل أُعلن عنه مؤخراً في القطاع الخاص في مجال تطوير الرقائق الكمية قد عُزي جزئياً إلى أن شركة التكنولوجيا الكبرى المعنية نقلت عملية التصنيع إلى داخلها، مما يسّر التفاعلات اللازمة.

وقد سعت مؤسسات بحثية وشركات كبرى عديدة إلى تيسير التفاعل التكراري الوثيق بين المنظّرين والباحثين التطبيقيين ومهندسي البحث. ومن أمثلة ذلك مبادرة برينستون للكمّ، وهي برنامج متعدد التخصصات في جامعة برينستون يوصف بأنه "يوفر في برينستون بيئة بحثية متكاملة يعمل فيها التجريبيون والمهندسون والمنظّرون معاً عن كثب". ويضيف موقع الجامعة أن "هذا التعاون متعدد التخصصات يسرّع تطوير الجيل التالي من تقنيات الحوسبة الكمية والاستشعار الكمّي من خلال الربط بين النظرية وهندسة المواد وقياسات الأجهزة في حلقة واحدة".

وفي القطاع الخاص، تأسست شركة كوانتينيوم (Quantinuum)، إحدى أكبر شركات الحوسبة الكمية في العالم، في أواخر عام 2021 من اندماج شركة كامبريدج كوانتم المتخصصة في البرمجيات وأنظمة التشغيل الكمية، وشركة هانيويل كوانتم سوليوشنز المطورة للعتاد الكمّي. وقد جمع هذا الاندماج أكثر من 370 عالماً ومهندساً في مؤسسة واحدة. وفي مثال على نوع فضاءات التقارب المشار إليها في مستهل هذا الفصل، أكد الإعلان عن تأسيس كوانتينيوم قيمة الجمع بين مهندسي العتاد وخبراء البرمجيات والعلماء في فريق موحد.

ويمكن للسياسات أن تسهم في زيادة فرص هذا النوع من التبادل. فعلى سبيل المثال، نظّمت كل من اليابان والمملكة المتحدة جانباً من استراتيجيتيهما الوطنيتين للكمّ حول تمويل مراكز للابتكار الكمّي تهدف تحديداً إلى تيسير التعاون بين الأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص. وصحيح أن ذلك لا يعادل تماماً جمع كل الكفاءات ذات الصلة تحت سقف واحد، لكن رعاية نوى مؤسسية تحتضن خبرات من تخصصات متنوعة خطوة في الاتجاه الصحيح.

وكما أشير إليه في مواضع مختلفة من هذا الفصل، فإن السياسات الداعمة للتعليم متعدد التخصصات أمر لا غنى عنه. إذ يتزايد الطلب على مهنيين يتمتعون بقدر من الكفاءة في علوم الكمّ وتقنياته دون أن يكونوا بالضرورة متخصصين فيها، وكذلك على خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ممن يمتلكون مهارات تكميلية تلائم صناعة الكمّ. وقد أبرزت الطبيعة متعددة التخصصات لتقنيات الكمّ، التي تشمل مجالات كالهندسة الميكانيكية والهندسة البصرية وهندسة النظم وتطوير التطبيقات، حاجة المؤسسات الأكاديمية إلى تقديم برامج ماجستير تتواءم مع متطلبات الصناعة. وفضلاً عن ذلك، ثمة مجال أمام الجامعات لتطوير شهادات دراسات عليا أقصر مدة أو برامج للتعليم المستمر تتضمن مناهج في علوم الكمّ، يمكن أن تسهم في تلبية الطلب المتنامي على رفع مهارات المتعلمين البالغين وتنويعها.

التقارب في رصد الأرض من الفضاء

يُقصد برصد الأرض من الفضاء جمعُ المعلومات عن سطح الأرض وغلافها الجوي ومحيطاتها بواسطة أقمار صناعية مزودة بأجهزة استشعار ترصد الطاقة المنعكسة أو المنبعثة عبر أجزاء مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي. وتوفر منتجات رصد الأرض معلومات استخباراتية تدعم صنع القرار في قطاعات عديدة، فضلاً عن السياسات الاقتصادية والأمنية والبيئية. وتُجمع هذه البيانات عبر أقمار صناعية حكومية وتجارية على حد سواء، إذ كثيراً ما تتيح البرامج الحكومية الأمريكية والأوروبية بيانات مفتوحة ذات تغطية وطنية وعالمية، في حين يركز المزودون التجاريون، الذين يعملون عن كثب مع الجهات الحكومية، على صور أكثر تخصصاً تتميز بدقة أعلى أو بفترات زيارة متكررة أقصر.

ويدفع تنامي الحاجة إلى تقديم رؤى آنية ودقيقة وقابلة للتطبيق لصنع القرار في مجالات السياسات والأمن والاقتصاد نحو تقارب تقنيات رصد الأرض المختلفة. ويتجلى هذا التقارب في تكامل أنظمة وتخصصات متعددة؛ فلم تعد أنظمة رصد الأرض الحديثة تعتمد على التقدم في هندسة الأقمار الصناعية وحده، بل باتت تجمع على نحو متزايد بين التطورات في البصريات والليزر والحوسبة السحابية والحوسبة الطرفية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الكمّ والروبوتات وشبكات الاستشعار الميدانية. ويتيح هذا التكامل جمع البيانات ومعالجتها ونشرها في وقت شبه فوري، كما يدعم تطبيقات من قبيل رصد الطقس والاستجابة للكوارث والاستخبارات الاستراتيجية. ومع تطور هذه المجالات جنباً إلى جنب، يصبح رصد الأرض جزءاً من منظومة تكنولوجية أوسع ومترابطة، يُسهم فيها الابتكار في مجال ما، كالتحليلات القائمة على الذكاء الاصطناعي، في تسريع القدرات في المجالات الأخرى بصورة مباشرة.

مراكز الابتكار متعددة التخصصات ومنصات البيانات بوصفها فضاءات للتقارب

أضحت فضاءات الابتكار متعددة التخصصات ومنصات البيانات المتقدمة اليوم محوراً أساسياً في التقارب التكنولوجي الذي يقود رصد الأرض الحديث. فمراكز الابتكار في مجتمع الفضاء، مثل مختبر فاي (Φ lab) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، ومختبر الدفع النفاث التابع للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء في الولايات المتحدة (ناسا)، تعزز التعاون بين المتخصصين في رصد الأرض وباحثي الذكاء الاصطناعي وخبراء البصريات والروبوتات والكمّ من القطاع الصناعي، مما يُفضي إلى أنظمة وتطبيقات فضائية جديدة ما كان لها أن تظهر لو عمل كل طرف بمعزل عن الآخرين.

ويتعزز هذا التقارب بفضل منصات تعاونية تُعنى بتحليل البيانات وتبادلها، مثل مبادرة "وجهة الأرض" (Destination Earth) التابعة للاتحاد الأوروبي، ومرصد نظام الأرض التابع لناسا، وبرنامج نشر البيانات المفتوحة التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة، ومنصة "الأرض الرقمية" (Digital Earth) في أستراليا، ومنصة satellittdata.no في النرويج، وبوابة بيانات الأقمار الصناعية في هولندا، ومنظومة فضاء بيانات كوبرنيكوس في أوروبا. وتعمل هذه المبادرات بوصفها واجهات تشغيلية، وتعتمد على نحو متزايد على المنصات السحابية والتوائم الرقمية لدمج صور الأقمار الصناعية مع البيانات المفتوحة الواردة من أجهزة الاستشعار الميدانية وشبكات إنترنت الأشياء ونماذج الأرصاد الجوية. وبدعم من الحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي، تستطيع هذه المنصات تحويل مجموعات بيانات ضخمة ومعقدة إلى رؤى آنية قابلة للتطبيق، يستخدمها أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص ويطورونها بدورهم، كما هو الحال في خرائط غوغل.

ولا تقتصر أهمية فضاءات الابتكار متعددة التخصصات ومنصات البيانات العامة المتقدمة هذه على كونها ممكّنات تقنية، بل باتت كذلك أصولاً استراتيجية للتقارب، إذ تدعم تبادل البيانات وتُسرّع في الوقت نفسه الابتكار الرقمي في القطاعات التي تعتمد على معلومات موثوقة عن الأرض.

التقارب مع الأنظمة البصرية وتقنيات الليزر

تنبثق الأنظمة البصرية المستخدمة في رصد الأرض من الفضاء في معظمها من التطورات في مجالات مثل علم الفلك والدفاع والتصنيع الدقيق، بما في ذلك المجالات الطبية. فقد جرى تكييف تقنيات طُوّرت في الأصل للتلسكوبات وتصوير الفضاء السحيق والاستطلاع العسكري لإنتاج أجهزة أقمار صناعية خفيفة الوزن وعالية الدقة ومتعددة الأطياف. وعلى المنوال نفسه، تستفيد أنظمة الليزر، ومنها أنظمة الكشف الضوئي وتحديد المدى (الليدار) ومقاييس الارتفاع الليزرية، من التقدم المحرز في الفوتونيات والبصريات الكمية ومصادر الليزر عالية الثبات المستمدة من البحث العلمي والتطبيقات الصناعية.

بيد أن هذا التقارب يطرح جملة من التحديات؛ إذ تتطلب الأجهزة البصرية والليزرية دقة وثباتاً بالغين كي تعمل في ظروف الفضاء القاسية، مما يستلزم تحكماً حرارياً متقدماً وتخفيفاً للاهتزازات ومكونات مقاومة للإشعاع. كما يثير دمج البصريات المتطورة في منصات الأقمار الصناعية مشكلات تتعلق بقيود الحجم والوزن والطاقة، وهو ما قد يحدّ من إمكانية تركيب أكثر أجهزة الاستشعار تقدماً على الأقمار الصناعية الصغيرة. علاوة على ذلك، تفوق وتيرة الابتكار السريعة في التقنيات البصرية والليزرية دوراتِ تطوير الأقمار الصناعية التقليدية، مما يُصعّب الاستفادة المستمرة من أحدث التطورات دون إعادة تصميم بنى المهام. ورغم هذه التحديات، يواصل تقارب رصد الأرض مع البصريات والليزر إحداث تحسينات جذرية في الدقة المكانية والإحكام ونطاق المتغيرات البيئية القابلة للقياس.

التقارب مع الذكاء الاصطناعي

تتقارب تقنيات رصد الأرض من الفضاء كذلك مع التطورات في الذكاء الاصطناعي. وقد تطور نطاق هذا التقارب وأثره تطوراً ملحوظاً بمرور الوقت، فانتقل من التطبيقات التجريبية إلى الاستخدام التشغيلي السائد، ومن المساهمة في هندسة الأقمار الصناعية وتصنيعها (بما في ذلك الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار البالغة الصغر) إلى تحسين معالجة البيانات.

ففي أواخر التسعينيات وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، رافقت ثورةَ الأقمار الصناعية الصغيرة نشأةُ الذكاء الاصطناعي في مجال رصد الأرض، وذلك من خلال عمليات جديدة لتصنيع الأنظمة الفرعية الفضائية، وتقنيات تعلم الآلة كالشبكات العصبية وآلات المتجهات الداعمة، بهدف تحسين تصنيف الغطاء الأرضي واكتشاف السحب في تطبيقات رصد الأرض.

وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أتاحت الطفرة في البيانات عالية التواتر الواردة من أقمار صناعية مثل برنامج سنتينل الأوروبي وبرنامج لاندسات الأمريكي، مقرونةً بالحوسبة السحابية، تطبيقاتٍ تشغيلية للذكاء الاصطناعي في الرصد البيئي واسع النطاق واكتشاف التغيرات. ومن الأمثلة على ذلك مبادرة الرصد الزراعي العالمي التابعة للفريق المعني برصد الأرض، التي جمعت بين بيانات رصد الأرض ومعلومات الطقس ونماذج مدربة بالذكاء الاصطناعي للتنبؤ بأماكن زراعة المحاصيل وأوقاتها وأنواعها في أنحاء العالم، دعماً لشفافية الأسواق والإنذار المبكر بنقص الإنتاج.

ومنذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أسهم الجمع بين أجهزة استشعار الأقمار الصناعية القائمة على بصريات جديدة والتعلم العميق والذكاء الاصطناعي المدمج على متن الأقمار في إطلاق حقبة جديدة من رصد الأرض الذاتي التشغيل، تتيح للأقمار الصناعية معالجة الأرصاد مسبقاً وترتيب أولوياتها والتفاعل معها آنياً وهي في مدارها، بما يدعم الاستجابة للكوارث ودمج البيانات متعددة المجالات. فعلى سبيل المثال، يستخدم القمر الصناعي "فاي سات 1" (Φsat 1) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية الذكاءَ الاصطناعي ضمن معالجته على متن القمر لاستبعاد الصور الغائمة، مما يقلل الحاجة إلى إرسال البيانات إلى المحطات الأرضية.

وقد يمثل ظهور النماذج التأسيسية القائمة على بيانات رصد الأرض نقطة تحول نحو توسيع استخدام بيانات صور الأقمار الصناعية، إذ إنها تخفض عوائق الوصول، كالحاجة إلى خبرة تقنية متقدمة وإلى مجموعات بيانات التدريب، وتعزز في الوقت ذاته القدرات التحليلية. وقد أنشأت شراكة بقيادة ناسا وشركة آي بي إم، بين عامي 2023 و2024، نماذج "بريثفي" (Prithvi) لرصد الأرض وللطقس والمناخ. ودُرّب نموذج Prithvi EO 2.0 الذي طورته ناسا وآي بي إم تدريباً مسبقاً على نحو 4.2 ملايين نقطة بيانات مستمدة من مجموعة بيانات لاندسات وسنتينل 2 العالمية المنسّقة، ويقترح تطبيقات لتقدير تدفقات الكربون، واكتشاف الانهيارات الأرضية، وتقدير شدة الاحتراق، وتحديد أنماط المحاصيل، ورسم خرائط الفيضانات، وغيرها. ومن وظائفه المهمة خاصية "تعويض الفجوات السحابية متعدد الأزمنة"، التي تملأ الفجوات في صور الأقمار الصناعية الناجمة عن الغطاء السحابي، وهي مشكلة متكررة في عمليات الرصد بالأقمار الصناعية.

التقارب مع تقنيات الكمّ

كما تبيّن في الأقسام السابقة، يُعدّ تحسين الاستشعار عن بُعد أحد التطبيقات الرئيسية لتقنيات الكمّ. وترتبط التطورات المستقبلية في رصد الأرض من الفضاء على نحو متزايد بالتقارب مع تقنيات الكمّ، التي تَعِد بإنجازات كبرى في مجالات الاستشعار والاتصالات والملاحة.

فمقاييس الجاذبية ومقاييس المغناطيسية الكمية قد تُمكّن الأقمار الصناعية من رصد التغيرات الدقيقة في مجالَي الجاذبية والمغناطيسية للأرض، مما يتيح رصداً أدق للمياه الجوفية وفقدان الكتل الجليدية والبنى تحت السطحية. ومن التقنيات قيد الدراسة لهذه الأنواع المختلفة من قياسات مجال الجاذبية قياسُ التداخل بالذرات الباردة، الذي اختُبر في مختبر الذرات الباردة الممول من ناسا على متن محطة الفضاء الدولية. كما يموّل برنامج أفق أوروبا للبحث تطوير التقنيات في هذا المجال. وتوفر الساعات وأنظمة الاتصالات الكمية كذلك توقيتاً فائق الدقة ونقلاً آمناً للبيانات، مما يعزز موثوقية شبكات رصد الأرض وتكاملها مع أنظمة تحديد المواقع العالمية. وقد أنشأت ناسا في عام 2012 مختبر الذكاء الاصطناعي الكمي للنهوض بتطوير عتاد الحوسبة الكمية، ولاستكشاف المجالات والكيفيات التي يمكن أن يكون فيها تطبيق الحوسبة الكمية مفيداً.

غير أن هذا التقارب يواجه تحديات كبيرة؛ فأجهزة الاستشعار الكمية شديدة الحساسية للاضطرابات البيئية كتقلبات درجات الحرارة والإشعاع، مما يجعل تأهيلها للعمل في الفضاء أمراً معقداً، كما أن تصغيرها لتركيبها على الأقمار الصناعية لا يزال قيد التطوير، فضلاً عن أن دمج هذه الأجهزة المتطورة في مهام رصد الأرض التشغيلية يستلزم إعادة النظر في بنى الأقمار الصناعية ومسارات معالجة البيانات. ورغم هذه العقبات، ينطوي اندماج تقنيات الكمّ مع رصد الأرض على إمكانات لإحداث تحول في قدرات الرصد العالمي في مجالات علوم الأرض والمحيطات والأمن وإدارة الموارد.

الفرص والتحديات على صعيد السياسات

يرتبط استخدام صور الأقمار الصناعية بمكاسب في الإنتاجية وتحسّن في جودة المنتجات في القطاعين العام والخاص. ويُمكّن التقارب مع تقنيات البصريات والليزر والذكاء الاصطناعي والكمّ وغيرها، عبر مراكز الابتكار متعددة التخصصات ومنصات البيانات بوصفها فضاءات للتقارب، حكوماتِ الدول الأعضاء في المنظمة من نشر صور الأقمار الصناعية العامة بما يحفز الابتكار ويحقق منافع اقتصادية.

بيد أن تقارب هذه التقنيات، الذي يضاعف قيمة رصد الأرض من الفضاء ونطاق انتشاره العالمي، ينطوي على تبعات مهمة على صعيد السياسات تستدعي عناية متأنية من صانعي السياسات:

تفاقم التحديات الأمنية: تؤدي زيادة إتاحة البيانات عالية الدقة إلى تفاقم التحديات الأمنية المرتبطة بالاستغلال الخبيث للمعلومات المتعلقة بتحركات القوات العسكرية والبنى التحتية المادية وحرائق الغابات وغيرها. ولا يطبق سوى عدد قليل من الدول الأعضاء في المنظمة لوائح صريحة خاصة ببيانات رصد الأرض، وهي كندا وفرنسا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة. وتنظم هذه الأطر شروط الإبلاغ عن بيانات القطاع الخاص و/أو نشرها لأغراض الأمن الوطني، وتتناول عادةً خصائص تقنية مثل الدقة الزمنية والمكانية والطيفية ونطاقات الترددات وغيرها. ففي اليابان مثلاً، ثمة عتبات للترخيص مرتبطة بـ"دقة تمييز الهدف"، كالمركبات والسفن، إذ ينبغي ألا تتجاوز هذه الدقة مترين في أجهزة الاستشعار البصرية. وفي عام 2020، اعتمدت الولايات المتحدة نهجاً جديداً متدرجاً لترخيص أنظمة رصد الأرض الخاصة، يربط درجة الصرامة بوجود منافسة أجنبية وبقدراتها التكنولوجية.

الاستخدام الأخلاقي لصور الأقمار الصناعية: ثمة أيضاً تفكير متزايد في الاستخدام الأخلاقي لبيانات رصد الأرض فيما يتعلق بجمع البيانات وتبادلها وملكيتها. ولا تكمن المسألة الرئيسية بالضرورة في خصوصية البيانات الفردية (إذ إن التقنيات الأخرى أقل تكلفة عموماً)، بل في التحديات المرتبطة بالظواهر المادية الأوسع نطاقاً. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي التفاوت في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالخصائص البيئية المادية، كمستويات المياه، إلى خلق مزايا اقتصادية غير عادلة في صفقات الأراضي.

الذكاء الاصطناعي والثقة: ثبت حتى الآن صعوبة توسيع استخدام بيانات رصد الأرض خارج نطاق الجهات الحكومية لأسباب متعددة، منها على سبيل المثال ارتفاع تكاليف الاستثمار، والحاجة إلى معالجة بيانات رصد الأرض ومعايرتها مقارنةً بمجموعات بيانات أخرى، وغياب مجموعات البيانات المرجعية أو تدني جودتها (كالمسوح الاقتصادية في البلدان منخفضة الدخل) اللازمة للتحقق من صحة النماذج القائمة على الأقمار الصناعية. ونتيجة لذلك، لا يثق المستخدمون المحتملون بهذه التقنية لافتقارهم إلى الوسائل أو الدراية أو البيانات المرجعية اللازمة لاختبار التنبؤات على النحو الصحيح. وقد يؤدي إدخال نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تعميق انعدام الثقة في هذه التقنيات، لا سيما أنه يبدو أن ثمة استخداماً واسعاً في مجال رصد الأرض لأساليب ذكاء اصطناعي تتطلب عمليات بحث تكرارية عشوائية ولا يمكن إعادة إنتاج نتائجها بالكامل. ومن ثم، تكتسب الجهود الرامية إلى استخدام نماذج قابلة للتفسير أهمية خاصة، كتلك التي يعتمدها مركز البحوث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي في تطوير طبقة المستوطنات البشرية العالمية.

الخلاصة

ستتطلب التحولات المجتمعية تسخير ديناميكية التقارب التكنولوجي، وهو اتجاه يبرز بقوة خاصة في سياق الذكاء الاصطناعي والرقمنة، والبيولوجيا التركيبية، وتقنيات الكمّ، ورصد الأرض من الفضاء. وقد قدّم هذا الفصل تعريفاً للتقارب ونموذجاً مفاهيمياً له، فهو قد يصف التقاء التقنيات، كما قد يكون عملية في حد ذاته. ويمكن تعزيز التقارب من خلال إنشاء "فضاءات للتقارب"، أي بنى تحتية ومنصات مادية ورقمية وتكنولوجية تشجع على تكامل الأدوات والمجالات والكفاءات العاملة. وإذا ما صُممت هذه الفضاءات على النحو الصحيح، فبإمكانها أن تُسهم في تعظيم القيمة الملموسة وغير الملموسة، وتحفيز التعاون، وتعزيز التكامل التكنولوجي، بما يخدم على سبيل المثال تعزيز الاستدامة. ويأتي إنشاء تطبيقات التقارب ثمرةً لجهود تكامل متنوعة عابرة للتخصصات والقطاعات على امتداد عملية التطوير، مما يُفضي إلى تطبيقات وصناعات ومجالات جديدة للبحث والتطوير.

ويتطلب تجميع الأصول متعددة التخصصات أحياناً قوى وحوافز تحافظ على تماسكها، سواء أكانت مالية أم مؤسسية أم مرتبطة بالحوكمة. وقد ركز هذا الفصل على السبل التي يمكن بها للتحديات التقنية المشتركة أن تُسهم أيضاً في إنشاء فضاءات للتقارب، لا سيما في أربعة مجالات هي: الجينوم والدماغ والذرة والفضاء. ويُنظر إلى كل واحد من هذه الميادين، وما يرتبط به من تحديات تتعلق بفهمه والتعامل معه وتصميمه، على أنه يتطلب أصولاً متعددة التخصصات لكشفه أمام الرؤية والتدخل والاستغلال. وتُسهم هذه المجالات الأربعة في رسم معالم فضاءات التقارب ومناطق التبادل التي يمكن فيها للأطراف التعاقد على الوصول إلى الموارد والاكتشافات الراهنة والاختراعات اللاحقة. وفي نهاية المطاف، يمكن لمخرجات من قبيل المعارف والمقاربات والشراكات الجديدة أن تعود فتغذي هذه المنصات، معززةً قيمتها.

وتُظهر هذه المجالات التكنولوجية الأربعة الرئيسية أوجهاً وتحديات وفرصاً مختلفة للتقارب:

ففي مجال البيولوجيا التركيبية، يمكن لتصميم البروتينات المدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يُنتج جزيئات ذات خصائص جديدة، وأن يقلص وقت البحث وتكاليفه، مع إمكانية إتاحة علاجات مخصصة، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات جديدة. فعلى سبيل المثال، جعلت الكفاءة ذاتها التي يمكن بلوغها عبر التقارب احتمالَ إساءة الاستخدام لأغراض خبيثة أكثر إثارة للقلق، ومن ذلك احتمال هندسة الفيروسات.

وفي مجال التقنيات العصبية، يتيح التقارب مع التقنيات الغامرة والذكاء الاصطناعي فرصاً في مجالات منها علاج الأمراض النفسية وتعزيز الرفاه، غير أن القدرات الجديدة على التنقيب في مجموعات البيانات الضخمة تثير تساؤلات جوهرية تتعلق بالسلامة والثقة المجتمعية والخصوصية والإنصاف والتمييز.

وفي مجال تقنيات الكمّ، تتوسع الأبحاث بشأن أوجه التآزر التي قد تكون قيّمة بين علوم الكمّ وتقنياته والذكاء الاصطناعي، بل وعلم الأحياء، إلى جانب مجالات أخرى. وتُسهم الابتكارات الهندسية ذات الصلة بقطاعات عديدة، كمكونات التفريغ والكابلات، في دفع التقدم في تقنيات الكمّ، بيد أن الأثر الملموس لهذه التفاعلات، من حيث التقنيات الجاهزة للسوق، لم يظهر بعد.

وفي مجال رصد الأرض من الفضاء، أدى تقارب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية مع تقنيات تصوير الأقمار الصناعية إلى ظهور تطبيقات جديدة متعددة، تتراوح بين رصد الأمن الغذائي والإنذار بانبعاثات الميثان. لكنه يُفرز أيضاً تحديات ينبغي التصدي لها، مثل احتمال الاستخدام الخبيث والمخاطر على الأمن الوطني، ومسائل الثقة، والتفاوت في الوصول إلى المعلومات.

وتُبيّن دراسات الحالة بوضوح أن الذكاء الاصطناعي يُعدّ اليوم محركاً حاسماً للتقارب، وإن لم يكن المحرك الوحيد، سواء على صعيد المنتجات (أي العامل الإضافي الذي يضيفه الذكاء الاصطناعي إلى التقنيات القائمة والناشئة) أو على صعيد العمليات (أي انخراطه في عملية التطوير التكنولوجي ذاتها). فقد ترافقت رقمنة العلوم والتكنولوجيا والابتكار والمجتمع مع تنامي تأثير الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات. ويَعِد الذكاء الاصطناعي بالاستفادة من بيئات الابتكار الغنية بالبيانات عبر قدرات جديدة وقوية على التعلم والتحسين وتوليد محتوى وعمليات جديدة. ويربط كثير من المعلقين ربطاً مباشراً بين صعود الذكاء الاصطناعي في العلوم والتكنولوجيا والابتكار وعمليات التقارب، مشيرين إلى أن الذكاء الاصطناعي جمع بين مجالات تكنولوجية لم تكن مترابطة من قبل، على نحو يعزز تقارباً أسرع وأعمق. ويمكن ملاحظة هذه العملية في العمليات الصناعية بقدر ما تُلاحظ في العلوم، وإن كان انتشار الذكاء الاصطناعي في الصناعة متفاوتاً ومتركزاً. فضلاً عن ذلك، يُرجَّح أن يتسارع التقارب بين الذكاء الاصطناعي ومجالات التكنولوجيا الأخرى مع تطوير ذكاء اصطناعي قادر على العمل بمجموعات بيانات أصغر، مما يفتح المجال أمام مزيد من التطبيقات المتخصصة المحتملة. ورغم أن فهم الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً لتقارب التقنيات على نحو أفضل لا يزال يمثل حدوداً بحثية مفتوحة، فإن المنطق والتجارب الأولى يدعمان هذا الاستنتاج.

وفي الوقت ذاته، يُفرز تقارب التقنيات أبعاداً فريدة على صعيد السياسات وتحديات في مجال الحوكمة لا بد من معالجتها إن أُريد للتقنيات أن تبلغ كامل إمكاناتها. ففي تقارب البيولوجيا التركيبية والذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، تختلف المتطلبات باختلاف الأنظمة التنظيمية. فالبيولوجيا التركيبية تخضع لتنظيم مشدد نسبياً بحكم إرثها وتاريخها الطويل، في حين يخضع الذكاء الاصطناعي لتنظيم أقل بكثير من حيث الأحكام القانونية الملزمة، إذ تؤدي مدونات الممارسة والتنظيم الذاتي دوراً أكبر بكثير في نهج حوكمته في كثير من الدول الأعضاء في المنظمة. ونتيجة لذلك، قد تواجه ريادة الأعمال في فضاء الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا لوائح أكثر صرامة، نظراً إلى خضوع منتجات الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا التركيبية لأنظمة تنظيمية متعددة. والواقع أن الطبيعة الهجينة للتقنيات المتقاربة تثير تساؤلات أخلاقية وتحديات سياساتية محددة، بقدر ما قد يصعب إدراجها ضمن الفئات الأخلاقية والقانونية التقليدية، كالتمييز بين الاستخدام الطبي والاستخدام الاستهلاكي، أو بين العلاج والتعزيز. وفي مثل هذه الحالات، ثمة حاجة إلى تكييف الحوكمة بما ييسّر الاستخدام البحثي والتطبيقات السريرية والانتشار في الأسواق، مع الحد في الوقت نفسه من المخاطر الجديدة المرتبطة بها على الخصوصية والسلامة والاستقلالية.

وفي حين تُشدد كثير من مقاربات الحوكمة على ضرورة الحد من المخاطر والأضرار المقصودة وغير المقصودة، وعلى السلامة وحماية المستهلك، فمن المهم أيضاً مراعاة المنافع المحتملة في تحليل المخاطر وتقييم التقنيات. ففي زمن الأزمات المتعددة والمتشابكة، يُستحسن توجيه التقنيات نحو المجالات ذات الأثر الإيجابي الأكبر. فكيف يمكن ترسيخ ذلك على أفضل وجه في أطر الحوكمة المرنة والاستباقية؟ يمكن العثور على إحدى المقاربات في إطار المنظمة للحوكمة الاستباقية للتقنيات الناشئة، وذلك من خلال التأثير في تحديد الأولويات، والمساعدة على رسم "خطوط حمراء"، والتأثير في ممارسات النشر، غير أن ذلك يتطلب تحديد مجموعة من القيم المنطلقية التي يُتداول بشأنها في منتديات شاملة متعددة أصحاب المصلحة.

ما الذي يمكن للحكومات فعله؟

في مواجهة هذه الاتجاهات والآفاق المستقبلية المتعلقة بالظاهرة العامة لتقارب التقنيات، يمكن للحكومات اتخاذ عدد من الخطوات للمساعدة على تعظيم الآثار الإيجابية للتقارب مع الحد من مخاطره المحتملة، ومنها:

الاستثمار في أشكال أعمق من البحث متعدد التخصصات: دعم المقاربات التي تُوَلِّف بين معارف وأساليب ومقاربات تكنولوجية وثقافات أكاديمية متنوعة مستمدة، ضمن جملة أمور، من علوم الحياة والإيكولوجيا والفيزياء والعلوم الإنسانية والعلوم الحاسوبية والرياضيات والتخصصات الهندسية وأبحاث تقييم التقنيات.

بناء فضاءات للتقارب عبر منصات تكنولوجية وتعاونية: الاستفادة من نماذج التمويل وقواعد الوصول وهياكل نقل التكنولوجيا المختلفة لتشكيل المنصات التكنولوجية والتعاونية المواتية للتقنيات المتقاربة، والاستثمار في قواعد البيانات المشتركة وغيرها من البنى التحتية القادرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وسائر التقنيات الممكّنة. ولا يوجد نهج واحد يناسب الجميع، غير أن السياسات المؤسسية قادرة على تشكيل فضاء التقارب على نحو يُعظّم الابتكار.

تطبيق الحوكمة الاستباقية: استخدام إطار المنظمة للحوكمة الاستباقية للتقنيات الناشئة، الذي أُطلق خلال الاجتماع الوزاري للمنظمة بشأن سياسات العلوم والتكنولوجيا عام 2024. ومن أدواته:

الذكاء الاستراتيجي: ينبغي لسياسات التقنيات المتقاربة أن تعزز أشكالاً مشتركة من الذكاء الاستراتيجي، تشمل التحليل الشامل للاتجاهات المحتملة للتكنولوجيا ورهاناتها الاقتصادية وتبعاتها المجتمعية. وإدراكاً للطبيعة غير القابلة للتنبؤ التي تتسم بها التقنيات المتقاربة، ينبغي توظيف أدوات متينة كاستطلاع الآفاق والاستشراف وتقييم التقنيات، من أجل استباق التحديات المستقبلية، وتوجيه استراتيجيات الحوكمة، والمساعدة على صياغة الاستراتيجيات (انظر الفصل السابع).

التنظيم المرن: للاستفادة من الإمكانات الهائلة للتقارب، ينبغي لصانعي السياسات تطوير أنظمة تكيفية قادرة على مواكبة التغير التكنولوجي السريع. وينبغي لهذه الأنظمة التكيفية أن تُدمج التجريب في السياسات بما يتيح استخداماً أوسع، على سبيل المثال، لمختبرات ابتكار السياسات والبيئات التنظيمية التجريبية (انظر الفصل السابع).

دراسة ذات صلة