الفصل الأول: تعبئة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل التغيير التحويلي
تؤدي العلوم والتكنولوجيا والابتكار دوراً بارزاً في تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية والمرونة والأمن والاستدامة. ولكي تُحقق منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار إمكاناتها الكاملة، لا بد من إصلاحها بما يُمكّنها من توليد المعارف والتقنيات والابتكارات ذات الصلة ونشرها بوتيرة ونطاق غير مسبوقين. ويقترح هذا الفصل خمسة إجراءات رئيسية يمكن لصانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار اتخاذها، وهي: تعزيز أجندة سياساتية تُسهم في تغيير تحويلي واسع النطاق، وتحقيق التوازن بين الدعم المباشر وغير المباشر للبحث والتطوير، وتوطيد التنسيق بين سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار والمجالات الأخرى خارجها، وتعبئة التمويل العام من أجل استقطاب التمويل الخاص، وتعزيز التغيير التحويلي الذي يتجاوز النتائج المعتادة القائمة على "استمرار الوضع الراهن". ويؤكد الفصل ضرورة أن تُجرّب الحكومات آليات وأدوات سياساتية مبتكرة وتعتمدها، وأن تُحسن فهم ديناميات الابتكار وتوظيفها لتسريع التغيير التحويلي.
الرسائل الرئيسية
تفرض التحديات العالمية ضغوطاً متزايدة على الحكومات والشركات والمجتمع عموماً لإعادة التفكير في السبل الكفيلة بتحسين أداء اقتصاداتنا ومجتمعاتنا. وتتنامى الحاجة إلى تغيير تحويلي يعزز القدرة التنافسية الاقتصادية والمرونة والأمن، ويدفع التحولات نحو الاستدامة.
يُنتظر من منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تضطلع بدور بارز في المضي قدماً بالتغيير التحويلي، وهو ما يستلزم إصلاحها حتى تتمكن من توليد المعارف والتقنيات والابتكارات ذات الصلة ونشرها بوتيرة ونطاق غير مسبوقين، في ظل ظروف يسودها عدم اليقين والتعقيد. والواقع أن كثيراً من هذه الإصلاحات معروف جيداً في أوساط المعنيين بسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بيد أن تنفيذها ينطوي على تحديات جسيمة.
ينبغي للحكومات أن تنظر في طائفة من الإجراءات السياساتية عند إصلاح مزيج سياساتها في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بما يعزز إسهامها في أجندات التغيير التحويلي. فأولاً، ينبغي أن تعمد أجندات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار عن قصد إلى الاستفادة من أوجه التآزر والحد من المفاضلات بين مجموعة من الأولويات السياساتية التي تُسهم في تغيير تحويلي واسع النطاق. فعلى سبيل المثال، يمكن للدعم السياساتي الموجّه إلى تعزيز القدرة التنافسية الوطنية أن يُسهم أيضاً في المرونة والأمن، فضلاً عن التحولات نحو الاستدامة، إذا ما صُمّم على النحو الملائم.
ثانياً، ينبغي لصانعي السياسات تحقيق توازن مناسب بين تدابير الدعم المباشرة وغير المباشرة للبحث والتطوير، واستثمار أوجه التآزر بينها من أجل تعزيز التغيير التحويلي. ففي حين يمكن للتدابير المباشرة أن تدعم أنشطة بحث وتطوير أكثر طموحاً وتُفضي إلى اختراقات تكنولوجية، تُشجع التدابير غير الموجَّهة أنشطة البحث والتطوير القريبة من السوق التي يمكن أن تساعد في تسريع التغيير التحويلي.
ثالثاً، ينبغي للحكومات توطيد التنسيق بين مجالات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار والمجالات السياساتية الأخرى في سعيها إلى التغيير التحويلي. إذ إن تجزؤ هياكل الدولة قد يُعيق قدرة الحكومات على تنفيذ الأولويات والتدخلات الشاملة لعدة قطاعات اللازمة لتعزيز هذا التغيير. ومن ثم ينبغي للحكومات أن تواصل تجريب أدوات سياساتية مستحدثة، كالتمويل القائم على التحديات وسياسات الابتكار الموجهة نحو المهام، للجمع بين جهات فاعلة متعددة بهدف المشاركة في الإبداع والتعاون عبر سلاسل الابتكار على مسارات تحويلية.
رابعاً، ينبغي للحكومات تعبئة التمويل العام من أجل استقطاب التمويل الخاص لصالح التغيير التحويلي. فثمة إخفاقات عديدة في أسواق رأس المال تُثبط توجيه الاستثمارات الخاصة نحو التقنيات التي تعزز التغيير التحويلي. وعليه، ينبغي للحكومات أن تواصل تجريب أدوات مثل التمويل المختلط لتوظيف الموارد المالية العامة في حشد رأس المال الخاص أو اجتذابه.
وأخيراً، ينبغي للحكومات أن تسعى إلى تعزيز التغيير التحويلي بدلاً من الاكتفاء بنتائج "استمرار الوضع الراهن". ولكي تتمكن من توجيه تغييرات جوهرية وجذرية وربما سريعة، يتعين عليها أن تستوعب طبيعة التغيير التحويلي وتتبناها، وأن تدرك أوجه اختلافه عن التغيير التدريجي وصلته به. كما ينبغي لصانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار تحديد "نقاط الارتكاز" للتدخلات القادرة على إطلاق التغييرات الشاملة للمنظومات وتسريعها، وهي التغييرات اللازمة لإحداث التحولات.
تتناول هذه الإجراءات السياساتية الخمسة قضايا شغلت صانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بشكل أو بآخر على مدى عقود عدة، وهي بهذا المعنى ليست حكراً على السعي إلى التغيير التحويلي. غير أن الحاجة الملحّة إلى هذا التغيير تعني أن إصلاحات من هذا القبيل ينبغي تنفيذها على وجه السرعة إن أُريد للعلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تحافظ على أهميتها وأن تُسهم في التقدم الاقتصادي والمجتمعي مستقبلاً.
مقدمة
تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتسارع أزمة المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، واتساع رقعة عدم المساواة، والتغير التكنولوجي المتسارع: هذه التحديات وغيرها تفرض ضغوطاً متزايدة على الحكومات والشركات والمجتمع عموماً لإعادة التفكير في كيفية تحسين أداء اقتصاداتنا ومجتمعاتنا بما يخدم الصالح العام. ويتزايد الإقرار بالحاجة إلى تغيير تحويلي يُنتظر أن تؤدي فيه العلوم والتكنولوجيا والابتكار دوراً بارزاً. غير أن الوفاء بهذا الوعد يقتضي إصلاح منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار حتى تتمكن من توليد المعارف والتقنيات والابتكارات ذات الصلة ونشرها بوتيرة ونطاق غير مسبوقين. ولا بد أن يجري ذلك بالتوازي مع إصلاحات في منظومات أخرى، منها الطاقة والصحة والزراعة والإنتاج الصناعي، حيث سيتوقف النجاح كذلك على طائفة من الشروط الإطارية، من بينها التمويل والمهارات والتنظيمات.
إن كثيراً من الإصلاحات اللازمة معروف جيداً في أوساط المعنيين بسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، إلا أن تنفيذها يطرح تحديات جسيمة. واستجابةً لذلك، وضعت لجنة السياسات العلمية والتكنولوجية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "أجندة السياسات التحويلية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار" بهدف تقديم توجيهات رفيعة المستوى لصانعي السياسات بشأن إصلاحاتهم في هذا المجال. وفي حين يمكن تطبيق إطار هذه الأجندة التحويلية على أي أهداف تحويلية، فإنها تُبرز ثلاثة أهداف تجسّد كثيراً من الشواغل المعاصرة لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار:
تعزيز قدرة تنافسية اقتصادية عادلة وشاملة. إذ تُولي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في كثير من الدول الأعضاء في المنظمة اهتماماً متجدداً بنمو الإنتاجية والقدرة التنافسية الدولية. وفي الوقت ذاته، يُخلّف التفاوت في الدخل أثراً كبيراً وذا دلالة إحصائية على النمو، ويُعدّ اعتباراً استراتيجياً رئيسياً للتنمية الاقتصادية والنتائج المجتمعية.
تعزيز المرونة والأمن في مواجهة المخاطر وحالات عدم اليقين الناجمة عن تزايد ظهور التهديدات النظامية. فالصدمات المفاجئة، كجائحة كوفيد 19، تُبرهن على أهمية المرونة في استباق التغيرات المُخلّة واستيعابها والتعافي منها والتكيف معها. أما على صعيد الأمن، فقد دفع تصاعد التنافس الاستراتيجي بين الدول على التقنيات الحرجة والموارد التي تقوم عليها القدرة التنافسية الاقتصادية والأمن الوطني الحكوماتِ إلى السعي على نحو متزايد نحو قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.
المضي قدماً بالتحولات نحو الاستدامة التي تُخفف من آثار إرث التنمية غير المستدامة، المتمثل في تغير المناخ والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي، وتتكيف معها. ويستدعي تعزيز الاستدامة تسريع التحولات في صناعات وتقنيات بعينها، وفي أنماط الإنتاج والاستهلاك الراسخة.
لقد شكّلت التحولات نحو الاستدامة سمة بارزة في معظم الاستراتيجيات الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار خلال العقد الماضي، وإن كانت ثمة مؤشرات على أن هذا الوضع قد يكون آخذاً في التغير الآن. فقد أدى السياق الجيوسياسي المتطور إلى تزايد الاهتمام بالأمن الوطني من خلال الاستقلالية الاستراتيجية والسيادة التكنولوجية، وهو ما يتناوله الفصل الثاني، في حين تعود القدرة التنافسية الاقتصادية لتبرز مجدداً بوصفها الشاغل الأول لسياسات البحث والابتكار. ونظراً إلى أن معظم الدول الأعضاء في المنظمة تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف في آن واحد، يبحث هذا الفصل فيما إذا كانت تنطوي على مفاضلات فيما بينها، أم أنها قابلة للتكامل والتآزر. ويطرح الفصل أن بإمكان سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار دعم التغيير التحويلي اللازم لتحقيق طائفة من الأهداف، وذلك من خلال الاستفادة المقصودة من أوجه التآزر بينها والحد من المفاضلات.
ويُركز جزء كبير من الفصل على تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهو شاغل محوري لصانعي السياسات. فالتغيير التحويلي يستدعي قدراً أكبر من التوجيه في منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بما في ذلك في كيفية تخصيصها للموارد. ولذلك يستعرض الفصل البيانات المتعلقة بتمويل البحث والتطوير والأولويات البحثية للحكومات، كما ينظر في الأدوات السياساتية التي تستخدمها الحكومات لتوجيه الإنفاق على البحث والتطوير نحو الأولويات المختارة. وتُشكّل هذه التدابير جزءاً من حافظة سياساتية أوسع تتضمن أيضاً دعماً غير موجَّه، كالحوافز الضريبية للبحث والتطوير المقدمة إلى الشركات. وتواجه الحكومات تحديات في تحقيق التوازن داخل هذه الحافظة وتعزيز التآزر بين التدابير المختلفة، ولا سيما في ظل ظروف عدم اليقين والتعقيد التي تتطلب المرونة والتنوع. ويعرض الفصل مخططاً بسيطاً لرسم خرائط حافظات السياسات على امتداد سلسلة الابتكار ووفقاً لدرجة توجيهها، كما يُسلّط الضوء على أمثلة لابتكارات سياساتية مختارة اعتمدتها حكومات عدة لتعزيز بحث وتطوير أكثر استجابة، ومزيد من البحوث والابتكارات الرائدة، ودعم سياساتي أكثر تكاملاً على امتداد سلسلة الابتكار.
ويتناول الفصل كذلك التدابير الرامية إلى تحسين التنسيق بين سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار والمجالات السياساتية الأخرى من أجل تعزيز التغيير التحويلي. ذلك أن تجزؤ هياكل الدولة قد يُعيق قدرة الحكومات على تنفيذ ما يلزم من أولويات وتدخلات شاملة لعدة قطاعات. ويكتسي التنسيق على مستوى الحكومة بأكملها أهمية خاصة، لأن الظروف السوقية والهيكلية، كالتنظيمات والمعايير، ينبغي مواءمتها لتيسير انتشار التقنيات والتخلص التدريجي منها، في حين أن الحجم الكبير للاستثمارات اللازمة لتيسير التحولات سيتطلب التزاماً من مختلف أجهزة الحكومة بالمشاركة في الاستثمار في حافظات متسقة من الأنشطة والمشاركة في إدارتها. ويُبيّن الفصل كيف تُجرّب الحكومات أدوات سياساتية مستحدثة، كالتمويل القائم على التحديات وسياسات الابتكار الموجهة نحو المهام، للجمع بين جهات فاعلة متعددة، بما فيها جهات من مجالات سياساتية مختلفة، بهدف المشاركة في الإبداع والتعاون عبر سلاسل الابتكار على مسارات تحويلية.
ولمّا كانت الشركات تستأثر بنحو ثلثي الإنفاق على البحث والتطوير في دول المنظمة، وكان القطاع الخاص المصدر الرئيسي لتمويل البحث والتطوير، فإن لها دوراً مهماً في تعزيز التغيير التحويلي من خلال العلوم والتكنولوجيا والابتكار. بيد أن إخفاقات عديدة في أسواق رأس المال تُثبط توجيه الاستثمارات الخاصة نحو التقنيات التي تعزز هذا التغيير. ويمكن للحكومات أن تستخدم أدوات للحد من المخاطر تساعد الشركات على عبور "وديان الموت" في مراحل مختلفة من سلسلة الابتكار، ومن بينها "التمويل المختلط" الذي يهدف إلى توظيف الموارد المالية العامة لحشد رأس المال الخاص أو اجتذابه. ويرى الفصل أن على الحكومات مواصلة تجريب مثل هذه الأدوات، لما تنطوي عليه من إمكانات لتوجيه تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار والمساعدة في توسيع نطاق الاستثمارات الخاصة في البحث والتطوير والابتكار من أجل تعزيز التغيير التحويلي.
وجميع هذه القضايا واسعة وقديمة العهد، وقد شغلت صانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بشكل أو بآخر على مدى عقود عدة، وهي بهذا المعنى ليست حكراً على السعي إلى التغيير التحويلي. ولكن لمّا كان التغيير التحويلي يعني تحولاً نوعياً جذرياً ودائماً في المنظومات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، فإن الحاجة تدعو إلى مقاربات سياساتية جديدة لتوجيه تغييرات جوهرية وجذرية وربما سريعة. وكنقطة انطلاق، لا غنى عن فهم طبيعة التغيير التحويلي، وأوجه اختلافه عن التغيير التدريجي وصلته به. ويقترح هذا الفصل أن ترسم الحكومات خرائط لدورات التغذية الراجعة المتعددة في منظومة الابتكار وأن تستهدفها في تدخلاتها السياساتية بغية تسريع التغيير التحويلي.
ويتمحور الفصل حول خمسة "إجراءات" سياساتية مقترحة تغطي هذه القضايا:
الإجراء الأول: تعزيز أجندة سياساتية تُسهم في تغيير تحويلي واسع النطاق.
الإجراء الثاني: توجيه تمويل البحث والتطوير نحو التحولات بالاقتران مع تدابير غير موجَّهة.
الإجراء الثالث: توطيد التنسيق مع المجالات السياساتية الأخرى خارج نطاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار بشأن التغيير التحويلي.
الإجراء الرابع: تعبئة التمويل العام من أجل استقطاب التمويل الخاص لصالح التغيير التحويلي.
الإجراء الخامس: تعزيز التغيير التحويلي بدلاً من نتائج "استمرار الوضع الراهن".
ويُقدّم هذا الفصل لمحة موجزة عن كل إجراء، ويعرض أمثلة مختارة من سياسات الدول، ولا سيما حين تنطوي على مقاربات مبتكرة تحمل دروساً لصانعي السياسات الآخرين.
الإجراء الأول: تعزيز أجندة سياساتية تُسهم في تغيير تحويلي واسع النطاق
يستدعي التغيير التحويلي مستويات طموحة من الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا والابتكار على مدى فترة طويلة
يُعدّ الاستثمار في البحث والتطوير محركاً رئيسياً للنمو وشاغلاً محورياً في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ويستدعي التغيير التحويلي مستويات طموحة من الاستثمار على مدى فترة طويلة، تشمل جميع أجزاء سلسلة الابتكار، بدءاً من البحوث الأساسية الاستكشافية وصولاً إلى نشر التقنيات المُختبَرة وتعميمها. وتتوزع هذه الاستثمارات على طائفة متنوعة من الجهات الفاعلة داخل منظومات البحث والابتكار العامة وكذلك في الصناعة الخاصة. ومن ثم فهي تشمل التمويل العام للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المقدم من وزارات البحث والابتكار ووكالاتهما، فضلاً عن الوزارات والوكالات القطاعية في مجالات كالطاقة والنقل والزراعة والصحة، كما تشمل التمويل الخاص لهذه الأنشطة.
تباطؤ نمو الإنفاق على البحث والتطوير مؤخراً في دول المنظمة
على الرغم من الارتفاع الملحوظ في الإنفاق على البحث والتطوير خلال العقدين الماضيين، ثمة مخاوف من أن تؤدي أعباء الديون والضغوط التضخمية إلى تباطؤ هذا النمو أو حتى إلى تراجعه بالقيمة المطلقة. كما تُنبئ مؤشرات عدم اليقين السياساتي والنشاط الاقتصادي في الآونة الأخيرة باحتمال ارتفاع معدلات التضخم وتراجع زخم النمو العالمي. وتُعدّ سنة 2023 أحدث سنة تتوفر عنها بيانات المنظمة القابلة للمقارنة دولياً بشأن الإنفاق على البحث والتطوير، وتُظهر هذه البيانات زيادة بنسبة 2.4% بالقيمة الحقيقية المعدّلة وفق التضخم مقارنة بالعام السابق في دول المنظمة، بعد أن كانت 3.6% في عام 2022. وقد جاء هذا النمو مرة أخرى مدفوعاً بقطاع الأعمال، الذي شهد زيادة بنسبة 2.7% بين عامي 2022 و2023، مقابل 2.5% للبحث والتطوير المُنفَّذ في المؤسسات الحكومية و1.7% في قطاع التعليم العالي. وبناءً على ذلك، استأثر قطاع الأعمال بنسبة 73.6% من إجمالي الإنفاق المحلي على البحث والتطوير في دول المنظمة عام 2023، بعد أن كانت حصته 66% عام 2010. ومن بين الدول الأكثر إنفاقاً، ارتفعت حصة البحث والتطوير الذي ينفذه قطاع الأعمال في جمهورية الصين الشعبية (المشار إليها فيما يلي بـ"الصين") من 60% عام 2000 إلى 77.7% عام 2023، وهي نسبة تقارب نظيرتها في الولايات المتحدة (78.4%) وتفوق نظيرتها في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين (66.0%).
وفي نطاق المنظمة، واصلت إسرائيل (6.3%) وكوريا (5%) تسجيل أعلى مستويات كثافة البحث والتطوير بوصفها نسبة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023. وقد ارتفعت كثافة البحث والتطوير في دول المنظمة من 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2013 إلى 2.7% عام 2023. وتوزّع نمو الإنفاق على البحث والتطوير المعدّل وفق التضخم في دول المنظمة على دول عدة، ولكن مع فروق ملحوظة فيما بينها؛ إذ بلغ 1.7% في الولايات المتحدة و1.6% في الاتحاد الأوروبي عام 2023. وقد أبطأت كبرى اقتصادات الاتحاد الأوروبي النمو الإجمالي للمنطقة، فارتفع الإنفاق على البحث والتطوير في ألمانيا بنسبة 0.8%، في حين تراجع في فرنسا بنسبة 0.5%. وعلى النقيض من ذلك، ارتفع الإنفاق على البحث والتطوير في بولندا وإسبانيا بما يزيد على 8%. وتجاوز نمو البحث والتطوير في اليابان (2.7%) وكوريا (3.7%) متوسط دول المنظمة. أما في الصين، فقد بلغ نمو الإنفاق على البحث والتطوير 8.7% عام 2023، متجاوزاً بذلك نظيره في دول المنظمة.
ما الأهداف السياساتية التي تُعطيها الحكومات الأولوية في إنفاقها على البحث والتطوير؟
لمّا كانت الأفكار والمشاريع المرشحة للتمويل تفوق دائماً الموارد المتاحة، فقد عُرف منذ أمد بعيد أن تحديد الأولويات البحثية واختيار الجهات المنفذة للبحث والتطوير من الشواغل السياساتية الرئيسية. علاوة على ذلك، تستهدف نسب كبيرة من البحث والتطوير الممول حكومياً أهدافاً اقتصادية ومجتمعية محددة تخضع لعمليات تحديد الأولويات. ويمكن تصنيف بيانات مخصصات الموازنات الحكومية للبحث والتطوير على نحو مفيد للوقوف على المجالات التي يمولها القطاع العام. وتُبيّن بيانات دول المنظمة أن الدعم سجّل أقوى نمو له خلال العقود القليلة الماضية في مجالَي الأهداف الصحية، بما يعكس تغير التوقعات المجتمعية بشأن الحياة الصحية والشيخوخة، والنهوض العام بالمعرفة، بما يعكس تراجعاً نسبياً من جانب الحكومات عن تحديد الأهداف البحثية. غير أن استثمارات البحث والتطوير التي تستهدف أغراضاً صحية تراجعت بصورة مطردة بين عامي 2020 و2024؛ فبعد أن بلغت 97.4 مليار دولار أمريكي بتعادل القوة الشرائية الثابت عام 2020، في ذروة جائحة كوفيد 19، انخفضت إلى 86.3 مليار دولار أمريكي عام 2024، أي بتراجع نسبته 11.5%. وفي المقابل، ارتفع دعم البحث والتطوير في مجال الطاقة (31.9 مليار دولار أمريكي بتعادل القوة الشرائية الثابت عام 2024) وفي مجال الدفاع (111.17 مليار دولار أمريكي بتعادل القوة الشرائية الثابت عام 2024) ارتفاعاً حاداً خلال الفترة ذاتها بين عامي 2020 و2024، بنسبة 51% و17% على التوالي، بما يعكس الأهداف السياساتية الرامية إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة وتعزيز الأمن الوطني. وثمة تباين بين الدول الأعضاء في المنظمة في الوزن النسبي لهذه المجالات ضمن حافظات موازناتها للبحث والتطوير، وهو تباين يعكس جزئياً اختلاف الترتيبات المؤسسية وآليات تمويل البحث والتطوير بين الدول، فضلاً عن تخصصها القطاعي.
ويمكن أيضاً استخلاص رؤى بشأن توجّه التمويل العام للبحث والتطوير من خلال تحليل البيانات الإدارية لهيئات تمويل البحث والابتكار. وبالتركيز على الأهداف المجتمعية، يُظهر تحليل لبيانات تمويل مشاريع البحث والتطوير في قاعدة بيانات "فاندستات" التابعة للمنظمة (إصدار 2024، مايو 2025) أن التمويل العام للبحث والتطوير نما في جميع الأهداف الرئيسية بين عامي 2015 و2023. ومن بين فئات الأهداف المجتمعية المستخدمة في التحليل، استأثرت فئة "الرخاء" بأكبر حجم من تمويل البحث والتطوير عام 2023، تلتها فئتا "الصحة" و"الكوكب". أما من حيث النمو خلال الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2023، فقد تضاعف تمويل فئة "الطاقة" 2.3 مرة، و"الرخاء" 2.1 مرة، و"الكوكب" 1.8 مرة، و"السلام" 1.7 مرة، و"الصحة" 1.6 مرة، في حين سجلت فئة "التعليم" أدنى نمو بمقدار 1.2 مرة. وتُبرز هذه الأنماط أن قسماً كبيراً من البحث والتطوير الحكومي لا يزال منصبّاً على تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية، وأن دعم التحولات نحو الاستدامة، وإن ازداد في السنوات الأخيرة، يظل متواضعاً بالمقارنة.
التوترات وأوجه التآزر في السعي إلى تحقيق طائفة من الأولويات
على الرغم من وجود أوجه تآزر وترابط قوية بين أولويات القدرة التنافسية الاقتصادية والأمن والاستدامة، فإن الجهود المنعزلة الرامية إلى تحقيق أهداف بعينها قد تأتي على حساب أهداف أخرى. فبعض العلاقات بين هذه الأهداف السياساتية عام وشامل، في حين قد يقتصر بعضها الآخر على سياق جغرافي أو قطاع بعينه. ومن الممكن رصد طائفة من أوجه التآزر والتوترات بين الاستدامة والأولويات السياساتية الأخرى المتصلة بالقدرة التنافسية الاقتصادية والتنمية الشاملة والأمن الوطني والمرونة، وإن ظل أي حصر لها على الأرجح غير مكتمل.
ويتناول هذا الفصل بالتحليل بعض الروابط بين التحولات نحو الاستدامة من جهة، والقدرة التنافسية الاقتصادية والشمول من جهة أخرى، في حين يناقش الفصل الثاني الروابط مع الأمن. ويستعرض الفصل أولاً أوجه التآزر والمفاضلات، ثم يناقشها بالإشارة إلى تدخلات سياساتية محددة في مجموعة مختارة من الدول، لتقديم أمثلة على كيفية الاستفادة من أوجه التآزر، أو الحد من المفاضلات، أو على الحالات التي قد تتعارض فيها الأهداف. وفي هذا الصدد، ينظر التحليل في مجموعة مختارة من أحدث الإعلانات السياساتية والموازنات في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار في أربع دول، هي أستراليا وكندا وكوريا والمملكة المتحدة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي. وقد وقع الاختيار على هذه الدول أساساً لاتساع انتشارها الجغرافي على الصعيد العالمي.
ويُعدّ الابتكار كذلك ركيزة من ركائز مهمة النمو في موازنة عام 2024، إذ ينصبّ التركيز على رفع الإنتاجية وتحسين الحياة العامة. كما تمثل العلوم والتكنولوجيا والابتكار عاملاً تمكينياً رئيسياً لعدد من الركائز الأخرى، التي سيتعين على صانعي السياسات في كثير منها الموازنة بين أهداف سياسية متباينة. ويشمل ذلك الجهود الرامية إلى الحفاظ على تجارة حرة ومفتوحة مع تعزيز نمو مستدام وآمن ومرن، أو تحقيق تحول نحو الحياد الصفري يدفع عجلة النمو الاقتصادي ويرسّخ الريادة في مجال الطاقة النظيفة، مع حماية المستهلكين وصون أمن الطاقة في آن واحد.
أوجه التآزر والتوتر بين الاستدامة والقدرة التنافسية الاقتصادية؟
تشير الأدلة إلى أن العمل المناخي واستراتيجيات التنمية الاقتصادية يعزز كلٌّ منهما الآخر؛ إذ يمكن للأهداف والسياسات الطموحة الرامية إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة أن تفضي، خلال العقد المقبل، إلى مكسب صافٍ في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي غياب التدخل الحكومي، تميل أنشطة العلوم والتكنولوجيا والابتكار التي تقودها الصناعة إلى التركيز على تحسين ربحية الحلول القائمة وكفاءتها بدلاً من العمل على ظهور بدائل جديدة. بيد أن الأوضاع المالية العامة الصعبة قد تقتضي من الحكومات توجيه الدعم نحو المجالات ذات الأولوية، بغية تحقيق التوازن بين النمو في المدى القصير والتنمية المستدامة في المدى الطويل.
ويمكن لتوسيع نطاق الصناعات والتقنيات الأقل تدميراً أو الأقل كثافة في انبعاثات الكربون، كاستخدام الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال بوصفهما وقوداً انتقالياً، أن يوفر حلولاً مرحلية. غير أنها قد تؤدي أيضاً إلى إبطاء البدائل الأكثر استدامة أو استنزاف الموارد المخصصة لها. وتُقرّ أستراليا بهذا الواقع في استراتيجيتها لمستقبل الغاز، التي تتبنى نهجاً براغماتياً إزاء ضرورة توليد الكهرباء بالغاز لضمان أمن شبكة الكهرباء وموثوقيتها، في حين تعدّ تسويق بدائل الحياد الصفري وسيلةً لخفض الطلب.
فضلاً عن ذلك، سيكون تخضير بعض الصناعات أشد صعوبة من غيرها. وقد يصدق ذلك حين تكون الحلول منخفضة الكربون بعيدة عن الجدوى التجارية أو القدرة التنافسية، أو حين تتطلب البنية التحتية اللازمة للإنتاج أو النشر استثمارات أولية ضخمة، أو حين يكون من شأن الاضطراب الكبير في العمليات الصناعية أن يُلحق الضرر بالقدرة التنافسية الاقتصادية. وتقدم دول عديدة تمويلاً عاماً أو حوافز للتمويل الخاص لتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه وبناها التحتية، ومن ذلك الائتمان الضريبي الكندي المخصص لهذه التقنيات، ومركز دعم عروض احتجاز الكربون واستخدامه في كوريا، إلى جانب أشكال الدعم المقدمة للشركات لتطبيق تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه. كما تعتزم المملكة المتحدة حشد 8 مليارات جنيه إسترليني من الاستثمارات الخاصة في البنية التحتية لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه.
وتتخذ حكومات عدة كذلك خطوات لتبسيط الإجراءات البيروقراطية أو مواءمة اللوائح التنظيمية، دفعاً للتحولات نحو الاستدامة وإسهاماً في النمو الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، أطلقت كلٌّ من أستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي مبادرات للحدّ من التعقيدات الإدارية وتسريع إجراءات الموافقة على مشاريع النمو النظيف.
ويُفضي تحليل أوجه التآزر والمفاضلات بين أولويات السياسات، مقروناً بأمثلة السياسات المستقاة من الدول التي شملها التحليل، إلى طيف من الخيارات المتاحة لتصميم مقاربات متكاملة في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهي مقاربات لازمة لتحسين أوجه الترابط بين الأهداف المختلفة أو التعامل معها. ويمكن تنظيم هذه الخيارات تنظيماً تقريبياً وفق مراحل التحول المختلفة ونقاط التدخل المقابلة لها.
أوجه التآزر والتوتر بين الاستدامة والتنمية الشاملة؟
كثيراً ما تتعايش التنمية القائمة على التكنولوجيا مع الفقر المطلق والنسبي، بل قد تعمل على ترسيخه. ففي غياب تدابير ملائمة لإعادة التوزيع أو الإدماج، يمكن لمسارات الابتكار المعاصرة أن تُقصي شرائح واسعة من سكان العالم، سواء بوصفهم منتجين للتغيير أو مستفيدين منه. ويرتبط عدم المساواة بتباطؤ النمو وتقييد الابتكار، كما يمكن أن يُضعف التنمية المستدامة من خلال الحدّ من الطلب على حلول الحياد الصفري الأقل قدرة على المنافسة. ويشكّل ذلك محور تركيز رئيسياً لبعض المبادرات الواردة في وثائق استراتيجيات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
فعلى سبيل المثال، تبذل كندا جهوداً لتحسين البيانات المتعلقة بقطاع التكنولوجيا النظيفة الوطني، بهدف فهم احتياجات الفئات الممثَّلة تمثيلاً ناقصاً والاستجابة لها على نحو أفضل. وقد أدمجت المملكة المتحدة الاستدامة والتنمية الشاملة في برنامج مسرّع الابتكار، الذي يدعم تطوير تجمعات الابتكار للنهوض بتطوير تقنيات أكثر مراعاةً للبيئة، ويُسهم في معالجة التفاوتات الإقليمية في الدخل والإنتاجية. كما كشفت التقييمات الأخيرة لاستراتيجية الاقتصاد الحيوي في الاتحاد الأوروبي عن تفاوت في توزيع الأنشطة بين أقاليم الاتحاد، وهو ما حفّز الجهود الرامية إلى تحديث الاستراتيجية للاستفادة من إمكانات النمو التي يتيحها الاقتصاد الحيوي المتوسع، مع الحدّ من الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحسين النتائج الاقتصادية في المناطق الريفية.
ويُعدّ ترسيخ الإدماج والإنصاف بوصفهما اعتبارين أساسيين في مبادرات الاستدامة أمراً ضرورياً لتيسير تحولات عادلة. بيد أن إشراك أصحاب الشأن يغيب إلى حد كبير بوصفه موضوعاً يُتناول على المستوى الاستراتيجي في أمثلة الدول التي جرى فحصها، باستثناء وثائق الاستراتيجيات الكندية والأسترالية التي تشير إلى التشاور مع الشعوب الأصلية. فعلى سبيل المثال، خصصت كندا 800 مليون دولار كندي لدعم جهود صون البيئة التي تقودها الشعوب الأصلية. وتلتزم الحكومة الأسترالية بالاستفادة من خبرات مجتمعات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس في التخفيف من آثار تغير المناخ وفي التحول نحو الحياد الصفري.
علاوة على ذلك، قد يكون من الضروري اتخاذ إجراءات للموازنة بين أوجه التعارض المحتملة بين التنمية المستدامة والتنمية الشاملة. وتشير كثير من وثائق الاستراتيجيات إلى أشكال الدعم الوطنية المقدمة للمجتمعات والعاملين المتأثرين بالتحولات نحو الاستدامة، وهو ما يؤكد ضرورة الترابط والاتساق بين سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وسائر مجالات السياسات، على نحو ما سيُناقش أدناه. وبصورة أعم، قد تُسهم السياسات التي تركز على تراكم المهارات والتعلم مدى الحياة في زيادة الإنتاجية أيضاً. ويتناول الفصل الثالث هذه القضايا وغيرها من القضايا ذات الصلة بإسهاب.
الإجراء الثاني: توجيه تمويل البحث والتطوير نحو التحولات بالاقتران مع التدابير غير الموجَّهة
تستخدم الحكومات طائفة من أدوات التمويل لدعم البحث والتطوير والابتكار، ويمكن توظيف كثير منها لتعزيز الأنشطة على امتداد نطاق واسع من سلسلة الابتكار. ومع ذلك، تُفضَّل بعض أدوات التمويل على غيرها لتعزيز البحث والتطوير، ولا سيما البحث والتطوير الرائد، أو لتعزيز عرض التقنيات ونشرها وانتشارها. وكلا المسارين ضروري، إذ إن تعزيز التغيير التحويلي يتطلب مزيجاً من المعرفة والابتكار والتقنيات الجديدة والقائمة. ويكمن التحدي الذي يواجه الحكومات في تحقيق توازن ملائم، يتفاوت تبعاً لعوامل منها مثلاً درجة نضج التقنية، والقدرات المحلية للشركات والجامعات على تطوير ما يرتبط بها من علوم وتقنيات جديدة واعتمادها.
ويتعلق نقاش مهم آخر في مجال سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بتحقيق توازن ملائم بين الدعم الموجَّه والدعم غير الموجَّه لأنشطة البحث والتطوير والابتكار التي يضطلع بها القطاعان العام والخاص على حد سواء. فجانب كبير من الدعم الحكومي للبحث والتطوير غير موجَّه، ويخدم التنمية الاقتصادية العامة وتقدّم المعرفة. وفي القطاع العام، يتخذ الدعم غير الموجَّه عادةً شكل التمويل المؤسسي "الأساسي" للجامعات، بما في ذلك الأموال الجامعية العامة، ولمعاهد البحث العامة، إلى جانب منح البحث والتطوير "الاستجابية" التي يقترح فيها الباحثون مشاريعهم البحثية للتمويل وفق نهج "من القاعدة إلى القمة". ويختلف ذلك عن دعوات منح المشاريع ضمن برامج البحث والتطوير "المُدارة"، التي تحدد فيها جهات التمويل، بدرجات متفاوتة من الدقة، مجالات البحث التي ستموّلها. وتُصمَّم هذه الدعوات القائمة على نهج "من القمة إلى القاعدة" بالاشتراك مع المجتمع البحثي، وتدعم مزيجاً من أنشطة البحث والتطوير: يشمل عادةً البحث الأساسي في الجامعات وبعض معاهد البحث العامة، والبحث التطبيقي والتطوير التجريبي في معاهد البحث العامة المكرّسة لدعم الارتقاء التكنولوجي للشركات.
وثمة توتر طبيعي بين تعزيز البحث العلمي الموجَّه صراحةً نحو حل التحديات العملية، وتشجيع التطوير الواسع النطاق للقدرات العلمية التي قد تُسهم في نهاية المطاف في تحقيق تلك الأهداف. ومردّ ذلك إلى أن البحث الذي يُجرى لأغراض مختلفة في ظاهرها يمكن أن يُسهم في تحقيق الأهداف التحويلية بطرق غير متوقعة. فعلى سبيل المثال، يُبيّن تحليل براءات الاختراع المتعلقة بالتقنيات منخفضة الكربون وغيرها من تقنيات الإدارة البيئية أن التخصصات العلمية الأساسية كالكيمياء والفيزياء، إلى جانب علوم المواد والأحياء، تُعدّ من أكثر مصادر المعرفة العلمية استشهاداً من جانب المخترعين والفاحصين فيما يخص الاختراعات الجديدة. ويُبرز الطابع الواسع لهذه المؤثرات العلمية صعوبة تحديد مجال واحد مهيمن يقود الابتكار منخفض الكربون، وهو ما يشير إلى أنه ينبغي لصانعي السياسات تجنّب التصنيف المبسَّط للمجالات العلمية بحسب صلتها بمعالجة أهداف تحويلية بعينها. وكثيراً ما تنبثق الإنجازات الكبرى أيضاً من تراكم عقود من البحث المدفوع بالفضول المعرفي في مجالات متنوعة وتضافرها، وهو ما تجلّى مؤخراً في التطوير السريع للقاحات كوفيد 19، الذي أظهر كيف تُسهم الاستثمارات الطويلة الأجل في البحث والتطوير في تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود (انظر الفصل الرابع).
وتتكرر توترات مماثلة في النقاشات المتعلقة بالدعم العام للبحث والتطوير في القطاع الخاص. فالحكومات لا تتفاوت فحسب في مستوى الدعم الذي تقدمه للشركات لتشجيعها على إجراء البحث والتطوير والابتكار، بل تتفاوت أيضاً في حافظة أدوات السياسات التي تستخدمها. فمن بين أدوات التمويل الموجَّه، تقدم الحكومات المنح والقروض والائتمانات وضمانات الديون لدعم الشركات في أنشطة البحث والتطوير والابتكار، كما تلجأ إلى المشتريات العامة لتعزيز ابتكار الشركات وارتقائها التكنولوجي. أما الأدوات غير الموجَّهة، فتشمل الحوافز الضريبية للبحث والتطوير في قطاع الأعمال وقسائم الابتكار.
وقد شهد مزيج سياسات دعم البحث والتطوير في قطاع الأعمال تغيراً كبيراً خلال العقدين الماضيين، مع تحوّل شبه شامل من أدوات الدعم الموجَّه نحو اعتماد أكبر على الحوافز الضريبية غير المباشرة للبحث والتطوير. ففي عام 2022، منحت 32 دولة من أصل 38 دولة عضواً في المنظمة معاملة ضريبية تفضيلية لنفقات البحث والتطوير في قطاع الأعمال. ومثّلت الحوافز الضريبية للبحث والتطوير نحو 56% من إجمالي الدعم الحكومي للبحث والتطوير في قطاع الأعمال في عام 2022، مقارنةً بنسبة 35% في عام 2006.
وتتسم الحوافز الضريبية، بحيادها وتقليصها لهامش السلطة التقديرية في السياسات، بعدة مزايا مرغوبة في تمويل البحث والتطوير؛ إذ إنها أقل كلفة من حيث الإدارة، كما أنها، حين تُصمَّم بصورة محايدة وتُتاح عند الطلب، تكون أيسر امتثالاً لقواعد المساعدات الحكومية. غير أنه بعد عقدين من استخدامها على نطاق واسع، بات ثمة توافق عريض على أن الحوافز الضريبية أنسب، من حيث المبدأ، لتشجيع أنشطة البحث والتطوير القريبة من السوق وذات أقصر فترة استرداد. وفي المقابل، تُعدّ التدابير المباشرة، كالمنح، أنسب لدعم البحث والتطوير الطويل الأجل والعالي المخاطر، ولاستهداف مجالات بعينها إما أنها تولّد منافع عامة وإما أنها تنطوي على إمكانات مرتفعة بشكل خاص لانتقال الآثار الإيجابية. ويوفر كلا النوعين من التدابير دعماً مفيداً، لكن الإلحاح المتزايد لتعزيز التغيير التحويلي قد يشير إلى الحاجة في بعض الدول إلى نهج أكثر توازناً يمنح التدابير المباشرة الأكثر طموحاً مكانة أبرز.
ونظراً إلى أن البحث العلمي والابتكار التكنولوجي ينطويان بطبيعتهما على قدر من عدم اليقين، ينبغي لدعم السياسات أن "يوزّع الرهانات" على طيف متنوع من الحلول باتباع نهج الحافظة. ومن شأن ذلك أن يساعد على تجنّب الانغلاق التكنولوجي، وعلى تطوير القدرات الاستيعابية اللازمة للوصول إلى المعارف والتقنيات المطوَّرة في أماكن أخرى. كما ينبغي لنهج الحافظة أن يوازن دعم التمويل عبر مراحل سلسلة الابتكار، وأن يعزز التفاعل والتكامل بين هذه المراحل للمساعدة على مرافقة الأفكار من مرحلة التصور إلى مرحلة التطبيق، وتجاوز ما يُعرف بـ"وديان الموت". ولا يوجد حل واحد يناسب الجميع، إذ إن تكوين هذه الحافظات، وما يُعطى الأولوية فيها من مجالات بحثية وتقنيات وصناعات وأشكال أخرى من الابتكار، سيتوقف إلى حد كبير على السياق الراهن لكل دولة على حدة وعلى رؤاها المنشودة للمستقبل.
وفي غضون ذلك، تجرّب الحكومات آليات وترتيبات تمويلية جديدة لتعزيز البحث والتطوير الأكثر استجابة، ومزيد من البحث والابتكار الرائدين، ودعم أكثر تكاملاً على امتداد سلسلة الابتكار، وهو ما نتناوله بإيجاز فيما يلي.
آليات التمويل المبتكرة لتعزيز البحث والتطوير الاستجابي
تبرز ابتكارات متنوعة في مجال السياسات تهدف إلى جعل التمويل أكثر مرونة واستجابة للظروف المتغيرة. فقد أطلقت بعض الدول مبادرات تمويلية تراعي في قرارات المنح طائفة أوسع من الاعتبارات المجتمعية. فعلى سبيل المثال، تعمد وكالة الابتكار السويدية فينوفا، في إطار برنامج شراكات الابتكار الاستراتيجية، إلى ترتيب المقترحات وفق المعايير التقليدية، أي الجدوى التجارية ودرجة التميز العلمي، ثم تتولى شراكات غير حكومية، بالنسبة إلى المقترحات التي تجتاز هذا التقييم الأولي، اختيار المشاريع التي تموّلها والتي تتوافق على أفضل وجه مع "نظريات التغيير" التي تتبناها. وفي إطار الاستراتيجية الوطنية للبحث والابتكار من أجل التخصص الذكي في جمهورية التشيك للفترة من 2021 إلى 2027، تمنح الدعوات المعتادة لتقديم مقترحات البحث والتطوير والابتكار "علاوة" خلال عملية التقييم للمشاريع ذات الصلة بالمهام، مما يزيد من فرص حصولها على التمويل. وتأخذ الوكالة النمساوية لتعزيز البحث في الحسبان استدامة كل مشروع إلى جانب جوانبه الموضوعية والاقتصادية، ويشمل ذلك الانبعاثات والتلوث واستهلاك الموارد والطاقة والأثر الاجتماعي والاقتصادي، كالآثار على الحدّ من الفقر والصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين وظروف العمل ومكافحة الفساد. كما يُدرج صندوق الابتكار الاستراتيجي الكندي اعتبارات اجتماعية في قرارات التمويل، منها مدى التزام الجهة المستفيدة بمبادرة "تحدي 50 و30" لتنوع مجالس الإدارة، وممارسات التوظيف الشاملة، والممارسات البيئية، والتشاور مع الشعوب الأصلية، والاستثمار في المجتمعات المحلية.
وتجرّب الحكومات كذلك هياكل تنظيمية مرنة لضمان أن تكون وكالات التمويل أفضل تأهيلاً للاستجابة للفرص والتحديات الناشئة. فعلى سبيل المثال، تلجأ بعض الحكومات إلى تفويض الشبكات لاستقطاب الاستثمار من القطاع الخاص واتخاذ قرارات التمويل. وفي إطار هذا النموذج، تختار الحكومات على أساس تنافسي جمعيات أو شبكات أو اتحادات تُثبت ارتباطها بمنظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، لتضطلع بدور في عملية التمويل. ومع أن هذا النموذج ليس جديداً تماماً، فإن الحكومات، سعياً منها إلى توجيه هذه الجهات نحو الأهداف التحويلية بقدر أكبر، تنظّم مسابقات لاختيارها بناءً على رؤاها أو خرائط الطريق التي تضعها بصورة مشتركة من أجل التغيير التحويلي. ومن الأمثلة على ذلك الاتحادات العليا للمعرفة والابتكار في هولندا، التي تؤدي دوراً مستمراً في التوفيق بين الشركاء داخل قطاعاتها، للمساعدة على تكوين اتحادات تتقدم بطلبات للحصول على فرص تمويل تعالج جوانب من المهام الهولندية، والمساعدة على نشر نتائج هذه المشاريع داخل قطاعاتها. وتظل الحكومة في ظل هذه الترتيبات صاحبة القرار في التمويل. وفي المقابل، يعتمد برنامج إنوميشنز الدنماركي نموذجاً أكثر لامركزية؛ فبعد إصدار دعوة لتقديم مقترحات لوضع خرائط طريق تعالج أربعة مجالات للمهام، فوّضت الحكومة الاتحادات الفائزة صلاحية إصدار دعوات تقديم المقترحات ومراجعتها وتخصيص التمويل، مقتصرةً هي على التحقق من امتثال المشاريع المعتمدة لقواعد المساعدات الحكومية.
ومن التطورات الأخرى أن بعض جهات التمويل تجرّب الاختيار العشوائي والقرعة في اتخاذ قرارات التمويل، لاختبار ما إذا كان بمقدورها تحقيق نتائج أكثر شمولاً وطموحاً مقارنةً بأساليب التخصيص التقليدية. وللاختيار العشوائي صيغ متعددة، منها: العشوائية الجزئية، التي تُفحص فيها المقترحات أولاً ثم يُختار عشوائياً من بين تلك التي تستوفي مجموعة أولية من المعايير؛ والعشوائية المرجَّحة، التي تُرتَّب فيها المقترحات وتُمنح المقترحات الأعلى ترتيباً عدداً أكبر من "التذاكر" في السحب العشوائي؛ والتصنيف في فئات، الذي يشبه العشوائية المرجَّحة لكن بدرجة أقل من التفصيل في الترتيب. وتستخدم بعض جهات التمويل هذه الأساليب للمضي قدماً نحو الأهداف التحويلية. فعلى سبيل المثال، استخدمت الأكاديمية البريطانية العشوائية الجزئية في منحها البحثية الصغيرة، وتبيّن لها أن ذلك قد يفضي إلى مجموعة من الحاصلين على المنح أكثر تنوعاً من الناحيتين العرقية والمؤسسية. كما استخدم صندوق العلوم النمساوي العشوائية الجزئية من خلال منح تجريبية وفّرت تمويلاً أولياً لأفكار بحثية جديدة وجريئة وجذرية، تنطوي على إمكانات لإحداث تحول في المعرفة العلمية الراسخة في جميع التخصصات.
الابتكارات التنظيمية لتعزيز البحث والتطوير الرائد
تولي حكومات عدة اهتماماً خاصاً بالهياكل التنظيمية المثلى لتسريع البحث والابتكار الرائدين أو التحويليين. ومن الهواجس المتزايدة لدى المجتمع العلمي في السنوات الأخيرة أن عمليات تمويل البحث أصبحت مفرطة في التحفظ، ولا تشجع إلا التقدم التدريجي في العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فالإخفاق في تشجيع البحث في الأفكار الجريئة الخارجة عن المألوف ودعمه قد يهدد قدرة الدولة في المدى الطويل على المنافسة اقتصادياً وعلى تسخير العلم لحل التحديات الوطنية والعالمية (انظر الفصل الرابع). وفي الوقت ذاته، ثمة ادعاءات مثيرة للقلق بأن إنتاجية البحث آخذة في التراجع خلال العقود الأخيرة. وقد طُرحت تفسيرات متعددة لهذه الظاهرة، منها التغيرات في الحوافز العلمية التي باتت تكافئ العلم التدريجي، والحاجة المتزايدة إلى دعم البحث متعدد التخصصات مع ما يكتنف ذلك من تحديات لم تُعالَج بعد، وتراجع حصة البحث العام الذي يميل إلى أن يكون أكثر دعماً للبحث والتطوير الرائد.
وقد دفعت هذه الهواجس دولاً عدة إلى إنشاء هيئات عامة جديدة تُعنى بالبحث والابتكار الرائدين المركَّزين، مستلهمةً بوجه عام، وفي حالات كثيرة محاكيةً، نموذج وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في الولايات المتحدة، مع درجات متفاوتة من التكييف. ومن الأمثلة على ذلك الوكالة الاتحادية للابتكار الثوري في ألمانيا، وبرنامج البحث والتطوير "مونشوت" في اليابان، ووكالة البحوث والاختراعات المتقدمة في المملكة المتحدة، وبرنامج البحوث العالية المخاطر والعالية العائد في فرنسا، ووكالة مشاريع البحوث المتقدمة للصحة في الولايات المتحدة. وإلى جانب هذه المبادرات، ثمة مبادرات أخرى تستخدم دعوات تمويل قائمة أو مفتوحة لتحديد المشاريع الواعدة التي قد تقع خارج أولويات التمويل أو الولايات الحالية.
وقد بُرّرت الحاجة المزعومة إلى هذه المنظمات الجديدة لتمويل البحث بجملة من الأسباب، منها أن المشاريع المطلوبة أكبر مما تستطيع المختبرات الأكاديمية الاضطلاع به؛ وأن الحاجة إلى التنسيق تفوق ما يتحقق في الأقسام الأكاديمية أو عبر اتحادات البحث العامة؛ وأن الابتكارات المنشودة قد لا تكون مربحة بالقدر الكافي لكي تنشأ من خلال الشركات الناشئة الممولة برأس المال الجريء أو مشاريع البحث والتطوير الصناعية؛ وأن ثمة عدم توافق بين الأطر الزمنية المعتادة في الأوساط الأكاديمية ولدى ممولي البحث التقليديين من جهة، والطابع العاجل لبعض التحديات من جهة أخرى. ويتمتع مديرو البرامج في هذه المبادرات عادةً بحرية واسعة في تصميم المبادرات التقنية وإعادة توجيه الموارد بين حافظة مشاريعهم، من خلال ميزانية متكاملة كبيرة. كما يمكن أن تكون قرارات التمويل سريعة، إذ تستطيع منظمات مثل الوكالة الاتحادية للابتكار الثوري في ألمانيا اتخاذ بعض القرارات الأولية في غضون أسبوعين.
تكامل التمويل على امتداد سلسلة الابتكار
تنفذ بعض الدول مبادرات في مجال السياسات تدعم أنشطة البحث أو التطوير أو العرض، أو جميعها معاً، على امتداد سلسلة الابتكار بأكملها. وفي حالات عدة، وضعت الدول برامج تمويل ذات شقين لدعم البحث والتطوير ثم العرض اللاحق لتقنيات مستهدفة، كتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، ومن ذلك برنامج كليميت في النرويج وبرنامج التكنولوجيا الزراعية النظيفة في كندا.
كما تعمل بعض جهات التمويل المنفردة ذات الولايات الأوسع نطاقاً على دعم الحلول عبر منظومة الابتكار بأكملها وعلى امتداد سلسلة الابتكار بهدف تعزيز التغيير التحويلي. وبالنظر إلى ما تملكه هذه المؤسسات من طيف واسع من الأدوات، فإنها تحتل موقعاً فريداً يؤهلها للتصدي لتحديات أكثر منهجية. ففي المملكة المتحدة مثلاً، يتصدى صندوق التحديات التابع لهيئة البحث والابتكار البريطانية (UKRI Challenge Fund) للتحديات المجتمعية من خلال تمويل طائفة من الأنشطة، من بينها مشاريع العناقيد التعاونية، ومراكز البحث والتطوير، والمشاريع البحثية، ومشاريع العرض والإثبات، والبحوث السلوكية، وغيرها من المجالات. وفي حين تموّل كثير من هذه الهيئات أهدافاً تحويلية في إطار ولاياتها الأشمل في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، فإن بعض جهات التمويل قد أدمجت هذه الأهداف إدماجاً أعمق في بنيتها التنظيمية ذاتها. ومن ذلك أن وكالة المؤسسات الهولندية تمتلك مجموعة من الأدوات التي تدعم كل شيء، بدءاً من إثبات المفهوم والاستثمار في الشركات في مرحلة التأسيس، وصولاً إلى نمو الأعمال وإقامة الشراكات. وقد أعادت الوكالة هيكلة نفسها حول 3 مجالات مواضيعية و20 تحدياً مجتمعياً، ثم رسمت خريطة لبرامجها لتحديد صلة كل برنامج بأهدافها التحويلية، سعياً إلى دعم التوسع في تقنيات بعينها والتخلص التدريجي من تقنيات أخرى، فضلاً عن تحديد الثغرات القائمة في ما تقدمه من برامج. وتعتمد الوكالة على "نظرية التغيير" في توجيه قراراتها الاستثمارية، كما تستعين بدورة سنوية للتحديات المجتمعية لتحديث استراتيجيتها المؤسسية الشاملة.
الإجراء الثالث: تعزيز التنسيق مع مجالات السياسات الأخرى غير العلوم والتكنولوجيا والابتكار بشأن التغيير التحويلي
لا بد أن يأتي التمويل العام الداعم للاختراقات العلمية والتكنولوجية ولانتشارها من جهات حكومية متعددة، بما فيها الوزارات والهيئات القطاعية في مجالات كالطاقة والنقل والزراعة والصحة. ويتعين على الوزارات والسلطات المنوط بها رسمياً مسؤولية سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تسهم في تنسيق هذا الجهد وتوجيه الاستثمارات العامة والخاصة نحو المواضع الأشد حاجة إليها. بيد أن القضايا متعددة الأبعاد، كالتجديد الاقتصادي الشامل، والأمن والقدرة على الصمود، والتحولات نحو الاستدامة، لا يمكن أن تتحقق بفعل سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وحدها، بل لا يمكن حتى أن تكون هذه السياسات محركها الرئيسي. فكثيراً ما تولّت زمام المبادرة مجالات سياسات أخرى تمتلك صلاحيات تنظيمية ومالية. وتتطلب مثل هذه التحولات نهجاً أكثر منهجية ومرونة للتعامل مع قضايا تتخطى حدود مجالات السياسات وتستلزم التنسيق بين مستويات الحوكمة دون الوطنية والوطنية والدولية.
ويتسم مشهد السياسات في كثير من الدول بوجود عزلة هيكلية وانقطاعات بين مختلف مجالات السياسات، وبين النظراء على المستويين الوطني ودون الوطني، وبين الجهات الفاعلة المختلفة العاملة عند نقطة الالتقاء بين سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ومنظومة العلوم والتكنولوجيا والابتكار، كوكالات التمويل مثلاً. وعلى الرغم من أن هذا التجزؤ قد أتاح إدارة الجوانب المختلفة للأنظمة المعقدة، بل وتحسينها على النحو الأمثل، كلٌّ على حدة، فإنه قد يشكّل عائقاً أمام التحويل الفعّال لهذه الأنظمة بما يمكّنها من التصدي على نحو أفضل للتحديات المجتمعية المعقدة. وبوسع الحكومات أن توظف طائفة من تدابير التنسيق الحكومي الشامل والتنسيق الإقليمي للتخفيف من حدة التشتت وتنسيق تدخلاتها على نحو أفضل، ومن ذلك الرؤى وخرائط الطريق والمهام الوطنية المشتركة، والبرمجة المشتركة بين وكالات تمويل البحث والابتكار، والإشراف الاستراتيجي من قِبل لجان رفيعة المستوى مشتركة بين الإدارات. كما أجرت بعض الدول تغييرات هيكلية وتنظيمية، كدمج وكالات التمويل أو الوزارات والسلطات الإقليمية المعنية بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار التي تغطي أجزاء مختلفة من سلسلة الابتكار.
ما تدابير الاتساق والتنسيق الحكومي الشامل التي تتخذها الحكومات؟
حدّد تحليل لبيانات قاعدة بيانات بوصلة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STIP Compass) ما يقارب 400 مبادرة فريدة للاتساق والتنسيق الحكومي الشامل ذات صلة بالأهداف التحويلية. وقد استُعين بعناصر من تصنيف بيانات هذه القاعدة، كالمحاور السياساتية المتعلقة بالتحولات الخضراء والأمن البحثي والإنصاف والشمول، لتحديد السياسات المتوائمة مع الأهداف التحويلية. ويستهدف كثير من المبادرات التي شملها التحليل تحسين العمليات الحكومية من خلال الحد من البيروقراطية، وتوحيد التمويل والأنشطة، وتيسير التطوير المشترك أو التمويل المشترك للأولويات ومحافظ السياسات المشتركة، ومواءمة ثقافة صنع السياسات أو إجراءاتها في مجالات معينة كالمشتريات والتجريب، وجعل الأنشطة أكثر استجابة ومرونة، من خلال منصات إرشاد البرامج وطلبات التمويل عبر نافذة واحدة على سبيل المثال.
ويتضمن نحو 35% من المبادرات الحكومية الشاملة التي جرى تحليلها هيئات تنسيق أفقية بين مجالات السياسات الوطنية. ومن بين هذه المبادرات، تأتي في مقدمة مجالات السياسات الأكثر انخراطاً الشؤون الاقتصادية (37%)، والتعليم (31%)، والبيئة (28%)، والثقافة (27%)، والطاقة (27%)، والمالية (25%)، والزراعة (23%). وفي حين يُصدر نحو نصفها توصيات محددة إلى الوزارات لتنفيذها، فإن نسبة أصغر منها تشمل إعداد دراسات مشتركة (18%) أو مواءمة مخصصات الميزانية (7%).
ويتضمن نحو 40% من المبادرات الحكومية الشاملة التي جرى تحليلها استراتيجيات وطنية، يستهدف كثير منها أهدافاً أو تحديات أو محاور تتقاطع مع عدة قطاعات أو ذات أهمية عامة. إذ يتعلق نحو 50% منها بتغير المناخ أو الاستدامة البيئية، في حين يستهدف ما يزيد على 25% منها قضايا الأمن الاجتماعي والاقتصادي، كأمن الطاقة والغذاء، وتحديات مجتمعية أخرى كالصحة وشيخوخة السكان. وتتعلق نسبة أصغر (15%) بالشمول، كقضايا عدم المساواة وانعدام الأمن الوظيفي. وتُعد الطاقة القطاع الأكثر حضوراً، إذ ترد في نحو ثلث الاستراتيجيات التي شملها التحليل. كما تحظى عدة قطاعات أخرى بتمثيل معقول، إذ يرد كل من قطاعات الصحة والرعاية الصحية، وصناعة السيارات والنقل البري، والزراعة، والغذاء، والبحار والمحيطات في ما بين 15% و20% من الاستراتيجيات، في حين يرد كل من التعليم، والاتصالات وتقنية المعلومات، والإدارة العامة، والصناعات الدوائية، والإلكترونيات في ما بين 10% و15% منها.
ويمكن لوجود آليات متابعة بعينها أو غيابها أن يدل على مستوى التنسيق الرسمي أو الاهتمام المتضافر بترجمة الاستراتيجيات إلى إجراءات سياساتية. فنحو نصف الاستراتيجيات التي شملها التحليل تُطرح بالتوازي مع آليات دورية للرصد أو التقييم. وفي الوقت ذاته، ترتبط نسبة أصغر منها بآليات أو أدوات موجهة تهدف إلى دعم تنفيذها: إذ إن 40% من الاستراتيجيات مقترنة بخطة عمل، و25% منها لها هيئة عامة مخصصة للتنسيق أو الرصد، و20% منها لها مخصصات مالية مخصصة، ونحو 10% منها مرتبطة بلائحة أو قانون جديد. علاوة على ذلك، تُستكمل بعض الاستراتيجيات بمبادرات تكميلية، كإنشاء هياكل أو هيئات حوكمة جديدة، أو هيئات للذكاء السياساتي أو التشاور، أو شبكات.
سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام
من بين الأنواع المختلفة لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ذات الطموحات التحويلية، تمثل سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام نهجاً سياساتياً معترفاً به دولياً، له مبادئه وسماته المميزة، ويدعم تبنّيه رصيد متنامٍ من المعارف العملية والمفاهيمية. وتنطوي هذه السياسات على حزم منسقة من التدابير السياساتية والتنظيمية المصممة لتعبئة العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل تحقيق أهداف محددة بدقة تتصل بتحدٍّ مجتمعي ما، خلال فترة زمنية محددة. ويمكن أن تمتد هذه السياسات عبر مراحل مختلفة من سلسلة الابتكار، من البحث إلى العرض والإثبات ثم النشر في السوق. كما يمكنها أن تمزج بين أدوات دفع العرض وأدوات جذب الطلب، وأن تتقاطع مع مجالات سياساتية وقطاعات وتخصصات متنوعة. وعلى الرغم من أنها تواجه كثيراً من التحديات التقليدية التي تعرفها منظومات الابتكار الوطنية، فإن سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام تميل إلى توفير تمويل أطول أمداً وأكثر ثباتاً مقارنة بخطط البحث والابتكار التقليدية، وهو ما يعكس انسجامها مع الطابع طويل الأمد للأهداف التحويلية الأوسع.
ونظراً إلى أن المهام كثيراً ما تكون متداخلة عبر مستويات حكومية مختلفة، فإن المواقع التي تُنسَّق منها وتُدار تؤدي دوراً حاسماً في تشكيل ديناميكيات حوكمتها. فمراكز الثقل المختلفة تتيح فرصاً مختلفة لحوكمة المهام وتطرح تحديات مختلفة أمامها. وقد خلصت دراسة نشرتها المنظمة مؤخراً، شملت نحو 100 مهمة تهدف إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة، إلى أن هذه المهام، رغم ما حققته من إنجازات وتقدم ملموس، تقصر عن الاستفادة من أوجه التكامل بين مختلف التدخلات السياساتية والتنظيمية من أجل التوسع في حلول واسعة النطاق وطموحة. إذ لا يزال معظمها مركّزاً تركيزاً ضيقاً على الابتكار التكنولوجي، وتقوده سلطات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ويعتمد على تمويل سياسات الابتكار.
ويمكن للميزانيات أن تفرض على التمويل شروطاً قوية قد تُلزم المجموعات المختلفة بالتعاون عبر الحواجز المؤسسية لتنفيذ بنود معينة من الميزانية. غير أنه في حين تحظى كثير من المهام بدعم هيكل تنسيق متكامل إلى حد ما، فإن معظمها يُموَّل من مصادر تمويل متعددة تقابل الأدوات أو الأنشطة المختلفة التي تدمجها في محفظتها، وتأتي من شركاء المهمة المختلفين ومن خارجهم. فقد تحظى مهمة ما بتمويل لأنشطتها الأساسية في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، كإعداد الأجندة و"تنسيق" المهمة، ثم تفتقر إلى التمويل اللازم لدعم أنشطة أخرى، بدءاً من البحث والابتكار وصولاً إلى المهارات والبنية التحتية اللازمة لإحداث الأثر المنشود. ولهذا الهيكل التمويلي المجزأ تبعات كبيرة على مستوى تكامل المهمة، لأنه يعيق التنسيق والتعاون. وكثيراً ما يرى مديرو المهام أن الميزانيات الحكومية جامدة ودورية، مما يصعّب على المهام تغيير مسارها. وثمة تشكيلات حوكمة ممكنة للمساعدة على جعل المهام أكثر قدرة على إحداث التحول.
جعل المهام أكثر قدرة على إحداث التحول
في حين أن التحديات التي تكتنف تصميم المهام، بل وتنفيذها بدرجة أكبر، عديدة وموثقة توثيقاً جيداً، فإن الخيارات المتاحة لجعلها أكثر قدرة على إحداث التحول أقل وضوحاً. واستناداً إلى أعمال المنظمة السابقة والجارية، يمكن تصوّر خمسة مسارات رئيسية:
أولاً، التوسيع والتعزيز التدريجي للمهام من خلال ضم جهات فاعلة جديدة تدريجياً، وبناء الثقة، والتعلم، واستقطاب التزامات أعلى من السلطات العامة خارج نطاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار، واستثمارات أكبر من الجهات الخاصة. وبالنظر إلى ما تتمتع به سلطات العلوم والتكنولوجيا والابتكار من مشروعية وموارد، وهي أمور تحدد إلى حد كبير قدرتها على الحشد والجمع، فقد لا تتمكن هذه المهام من التوسع والتعمق أكثر من ذلك بكثير.
ثانياً، نقل قيادة المهام من سلطات العلوم والتكنولوجيا والابتكار إلى السلطات القطاعية التي "تملك" التحديات. فولاية هذه السلطات أوثق صلة بأهداف المهمة، كالحياد الصفري والاقتصاد الدائري، وهي تمتلك أدوات التدخل والموارد والصلاحيات القانونية الأساسية لتحقيقها. وسيتعين على سلطات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تضمن بقاء الابتكار أولوية في الأجندات الاستراتيجية لهذه المهام التي تقودها القطاعات.
ثالثاً، تولّي هيئات مركز الحكومة ملكية المهام، كمكتب رئيس الوزراء أو لجنة "تحول" ذات نفوذ قادرة على فرض نهج حكومي شامل لتحقيق المهمة. وفي الواقع العملي، اصطدم هذا المسار بنزعة النُّهُج إلى البقاء مدفوعة بالابتكار، وبضعف التزام الوزارات المشاركة. وسيكون من الضروري وضع مزيج مدروس بعناية من الحوافز والروادع لمنع الإدارات من الاستفادة من ميزانيات المهام دون تبنّي أهدافها تبنّياً كاملاً.
رابعاً، قد تكون المهام الإقليمية أو المحلية الأصغر نطاقاً أقدر على تحديد أجندات جماعية ودمج التدخلات المختلفة، مع الاستفادة من مزايا الابتكار القائم على المكان ومن أشكال القرب المختلفة، كالقرب الجغرافي والثقافي. غير أن هذه "المهام الصغرى" ستظل بحاجة إلى الارتباط بأجندات تحويلية أكبر، وطنية أو عالمية، لكي تسهم إسهاماً ذا معنى في مواجهة التحديات الكبرى.
خامساً، يمكن إنشاء وكالات مخصصة للمهام من أجل "تنسيق عمليات المهام من القاعدة"، على أن ترفع تقاريرها إلى الوزارات المشاركة. ومتى عُهد إليها بمهمة واحدة أو أكثر، ينبغي أن تتمتع هذه الوكالات باستقلالية كبيرة تحمي أنشطتها من التدخلات السياسية قصيرة الأمد. كما ستحتاج إلى محفظة كبيرة من الأدوات أو إلى إمكانية التعاون مع وكالات أخرى.
وما يجمع بين هذه المسارات كلها هو تكييف هياكل القيادة وتعزيز التنسيق والتعاون بما يتجاوز سلطات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، من أجل إطلاق الإمكانات التحويلية للمهام. وسيتوقف الاختيار بين هذه المسارات على مسار كل مهمة، وكذلك على الخصوصيات المؤسسية الوطنية أو الإقليمية التي تقوم عليها.
وللمساعدة على التخفيف من بعض هذه التحديات، تُصدر جهات تمويل منفصلة دعوات مشتركة، مما يتيح لها التنسيق مع مجموعة أوسع من أدوات التمويل لدعم مزيد من الأنشطة عبر سلسلة الابتكار أو منظومة الابتكار. وفي هذا النموذج، تظل أوعية التمويل منفصلة بحسب كل جهة. ففي النرويج مثلاً، يموّل برنامج PILOT E ابتكار الأعمال من مرحلة الفكرة حتى السوق، من خلال نهج تعاوني بين خمس وكالات تمويل تتخذ قراراً تمويلياً منسقاً استناداً إلى البرامج المتاحة لديها وإلى مستوى الجاهزية التكنولوجية للمقترح. وتوفر مجموعة التوجيه "تأثير 2030" (Impact 2030 Steering Group) في أيرلندا مرونة مماثلة، إذ تطلق دعوات مشتركة عبر أكبر خمس إدارات تمويل في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ثم تحدد الجهات الممولة الأدوات الأنسب لدعم المقترحات المختلفة.
وتلجأ بعض الحكومات إلى أوعية تمويل مركزية لدعم أنشطة من مختلف أجهزة الحكومة على نحو يتخطى الهياكل والسلطات الوزارية التقليدية. إذ تمتلك استراتيجيات التسريع من أجل الابتكار في فرنسا ميزانية مركزية تديرها مباشرة وكالة مخصصة تابعة لمكتب رئيس الوزراء. وتموّل هذه الاستراتيجيات محفظة واسعة من الأنشطة التي تتولاها وكالات حكومية مختلفة، دون تأثير من الوزارات الوصية عليها، وتشمل طائفة من الأنشطة منها البحث والتطوير، ونقل التكنولوجيا، والعرض التكنولوجي، والاستثمار في البنية التحتية، وتكوين المهارات. وتتبع تشيلي نهجاً مماثلاً من خلال برنامج التنمية الإنتاجية المستدامة، الذي يجمع هو الآخر بين تدابير الاستثمار وتدابير العلوم والتكنولوجيا والابتكار في برنامج واحد، ويقرر الوزراء كل عام المحور الذي سيُركَّز عليه.
وتُعد القدرة على إنهاء تمويل برنامج أو مشروع ما جانباً مهماً من جوانب المرونة، غير أنه كثيراً ما يصعب تحقيقها عملياً في ظل هياكل الحوكمة المعتادة. وقد أدمجت كثير من سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام إما عمليات مراجعة رسمية ضمن دورة حياة المشروع، وإما نُهُجاً تمويلية قائمة على مراحل متدرجة، تُقلَّص فيها أعداد المشاريع وتُزاد مبالغ التمويل على مدى فترة محددة، ومن أمثلة ذلك برنامج "الخيميائي" (Alchemist) في كوريا، الذي يموّل ستة مشاريع في السنة الأولى، وثلاثة في السنة الثانية، ومشروعاً واحداً فقط على مدى خمس سنوات.
وكثيراً ما تمنح المهام أدواراً رئيسية في إعداد الأجندة الاستراتيجية وفي التنفيذ للجهات الراسخة في القطاع أو القطاعات التي تقع فيها المهمة. إذ تمتلك هذه الجهات موارد وقدرات، فضلاً عن بنى تحتية وشبكات، تجعل مشاركتها "أمراً لا مفر منه" في أي مبادرة للتغيير. بيد أن لها أيضاً مصالح راسخة في النظام القائم حالياً، وقد تميل إلى الحفاظ عليه من خلال الدعوة إلى تحسينات تدريجية بدلاً من التغيير التحويلي عبر حلول بديلة أكثر استكشافية. ومن ثم فإن تحقيق التوازن في مشاركة الجهات الراسخة في الحوكمة يمثل تحدياً رئيسياً لكثير من المهام، ولا سيما المهام القائمة على المنظومات، التي تعتمد على تفويض قدر كبير من وظائف الحوكمة المتعددة إلى الجهات الفاعلة في المنظومة، وأبرزها إعداد الأجندة الاستراتيجية وحشد أصحاب المصلحة وتنسيقهم. وينبغي لصانعي السياسات أن يحذروا من أن ينحصر نطاق تواصلهم في الجهات الراسخة داخل منظومات السياسات القائمة، التي تعرف هذه المنظومات أصلاً وتدرك كيفية التعامل معها. ويستدعي ذلك أن تؤدي الدولة دوراً مهماً بوصفها "وسيطاً" يضمن اتباع نهج متوازن وشامل في إعداد الأجندة الاستراتيجية للمهمة وتنفيذها، تجنباً للاستحواذ على المهمة.
الإجراء الرابع: تعبئة التمويل العام لاستقطاب التمويل الخاص من أجل التغيير التحويلي
شهدت السنوات الأخيرة تنامياً في اهتمام صانعي السياسات والجهات الممولة بتعزيز آليات التمويل المبتكرة القادرة على استقطاب مصادر جديدة للتمويل الخاص لمواجهة تحديات المناخ والطاقة النظيفة والتنوع البيولوجي وغيرها من تحديات الاستدامة. ووفقاً لتقرير تمويل التنمية المستدامة لعام 2024 الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، يتطلب تمويل أهداف التنمية المستدامة تريليونات الدولارات سنوياً. غير أن الحصول على التمويل لا يزال عقبة حاسمة، إذ يحدّ العجز في التمويل من قدرة كثير من الدول على طرح التزامات مناخية طموحة والوفاء بها. وتتجلى فجوة التمويل الخاص بأوضح صورها في قطاع الطاقة، حيث سيتعين، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة، أن يأتي 85% من الاستثمارات المطلوبة في الطاقة غير القائمة على الوقود الأحفوري من مصادر خاصة.
وتحول عدة إخفاقات في أسواق رأس المال دون توجيه الاستثمار الخاص نحو التقنيات التي تعزز التغيير التحويلي. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما توجد بدائل راسخة منذ أمد بعيد للتقنيات منخفضة الكربون، في حين يُعرف عن حلول التكنولوجيا العميقة أنها أكثر كثافة في متطلباتها، وأن آجال تطويرها لا تتوافق مع متطلبات الاستثمار في القطاع الخاص. أما بالنسبة إلى الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، فلا يزال تمويل تنفيذ خططها المناخية الحالية تحدياً بالغ الصعوبة في ظل ارتفاع الديون العامة وقصور الدعم الدولي لتمويل المناخ. وسيتطلب تحقيق أهداف التنمية المستدامة تعاوناً بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات النامية التي تقع فيها معظم آثار التحديات العالمية كتغير المناخ والصحة العالمية. ففي مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين على سبيل المثال، اتفقت الدول المتقدمة على خطة التزمت بموجبها بتقديم 300 مليار دولار أمريكي سنوياً بحلول عام 2035 لمساعدة الدول الأفقر على مكافحة تغير المناخ. ويقل هذا المبلغ عن مبلغ 1.3 تريليون دولار أمريكي سنوياً الذي ترى كثير من الدول النامية أنه ضروري للتصدي لتحديات المناخ على نحو ملائم.
ويتطلب توجيه تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار نحو أهداف التنمية المستدامة مزيداً من الشراكات الجديدة مع بنوك التنمية متعددة الأطراف، والجمعيات الخيرية والمؤسسات الخاصة، والمساعدة الإنمائية الرسمية، وكذلك مع المستثمرين من القطاع الخاص وصناديق التقاعد والجهات المالية العاملة على المستوى المحلي. بيد أن توجيه تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار نحو أهداف التنمية المستدامة على نطاق واسع يستلزم تحولاً في الاستثمار والتمويل الخاصين. ويمكن للحكومات أن تؤدي أدواراً بالغة الأهمية في تعزيز الاستثمار الخاص في التحولات نحو الاستدامة من خلال طائفة من الأدوات الاقتصادية والتنظيمية، تستند إلى مجموعة من أهداف السياسات العامة، كسياسات المناخ، والسياسات الصناعية، وسياسات أمن الطاقة، وتحسين القدرة الاقتصادية على الصمود، والحد من الاعتماد على سلاسل القيمة العالمية. ويستهدف كثير من هذه الأدوات الابتكار والتكنولوجيا، وإن لم تدعم بصورة مباشرة تكاليف استثمارات الشركات في البحث والتطوير، وذلك من خلال تأثيرها في المنظومة المالية الأوسع للابتكار.
نحو التمويل المختلط؟
تقوم تعبئة رأس المال الخاص في المقام الأول على إدارة المخاطر. فحين يُستخدم رأس المال العام لتعبئة رأس المال الخاص أو التجاري، فإن ذلك يعني عادة توفير وضع استثماري تحقق فيه المخاطر والعوائد توازناً مقبولاً لدى هؤلاء المستثمرين. ويتوقف ذلك أيضاً على المشروع نفسه، وعلى مدى ما يوفره الحل المالي المطروح من توازن مقبول بين المخاطر والعوائد في كل حالة. ومن بين النُّهُج المبتكرة لاستقطاب التمويل الخاص "التمويل المختلط"، الذي استُخدم أساساً في تمويل التنمية. وبتركيزه على توظيف الموارد المالية العامة بهدف رفع رأس المال الخاص أو جذبه، أسهم التمويل المختلط بموارد كبيرة في الاستثمارات في الدول النامية. وهو نهج للجمع بين الأدوات المالية على نحو يتيح للمشاركين في هذا المزج احترام ولاياتهم وتفضيلاتهم الخاصة بالمخاطر والعوائد ضمن هيكل تعاقدي متفق عليه.
وتكتسب نُهُج كالتمويل المختلط، التي ظهرت في البداية أداةً مبتكرة في أوساط التنمية لاستقطاب التمويل الخاص لمشاريع الاستدامة في الدول النامية، زخماً متزايداً في مجال سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بوصفها وسيلة للجمع بين التمويل العام والخاص على امتداد سلسلة الابتكار.
وقد أظهرت البحوث المتعلقة بالتمويل المختلط أن اختلاف السياقات أو أغراض الاستثمار يفضي عادة إلى تركيبات مختلفة من الأدوات، كالمنح والديون والضمانات والصناديق أو التسهيلات وغيرها، تُهيكَل وفقاً للوضع الاستثماري من أجل تحقيق أفضل توافق ممكن بين الشركاء والأدوات. ويمكن تصنيف الأدوات الرئيسية في أربع مجموعات:
أولاً، المنح والمساعدة التقنية، وتأتي إما من التمويل العام وإما من رأس المال الخيري دون أي توقع لعوائد إيجابية. والجهات التي تعتمد على هذه الأدوات هي عادة التي تبادر بالمعاملات، وتؤدي المنح المدرجة في هذا المزيج الدور التحفيزي.
ثانياً، تمويل النتائج وسندات الأثر والتمويل المرتبط بالأثر، وتتميز عن سواها بأنها تربط الأثر بالمكافآت المالية.
ثالثاً، أدوات الدين وحقوق الملكية المختلفة، كالديون بأسعار السوق أو الديون الميسرة أو الديون الثانوية، وهي تتحمل عادة مخاطر أعلى توقعاً لعوائد أعلى من تمويل الدين. ومن ثم يمكن استخدام الدين في المراحل اللاحقة من تطوير المشروع.
رابعاً، أدوات الخسارة الأولى والضمانات، وهي لا تسعى عادة إلى تحقيق عوائد، بل تُوظَّف للحد من المخاطر وجذب رأس مال إضافي. وتُستخدم عادة في المراحل اللاحقة من التطوير حين تبرز الحاجة إلى التوسع ويتوافر سجل أداء مثبت.
وكثيراً ما تتعايش هذه المجموعات من الأدوات ضمن مبادرات سياساتية شاملة واحدة.
وفي الوقت ذاته، لا ينبغي المبالغة في تقدير قدرة التمويل العام على استقطاب التمويل الخاص من أجل التحولات نحو الاستدامة. فكثير من اللوائح والحوافز المتجذرة في أسواق رأس المال والأسواق المالية العالمية لا يزال يوجّه التمويل الخاص نحو مشاريع مربحة قد لا تعزز الاستدامة دائماً. ويواجه تمويل أنشطة العلوم والتكنولوجيا والابتكار التي تستهدف أهداف التنمية المستدامة عقبات مألوفة، كإخفاقات السوق في التمويل الخاص للبحث والتطوير والابتكار، فضلاً عن المخاطر الاقتصادية والتكنولوجية. ومن التحديات الخاصة التي تواجه تمويل أهداف التنمية المستدامة أن عدداً منها ينطوي على تعبئة العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل صون "موارد الملكية المشتركة" وإنتاجها، كالتنوع البيولوجي والصحة العالمية والمحيطات المستدامة. فالشركات الخاصة لديها حوافز أقل لتوفير مثل هذه المنافع العامة، بل لديها حافز لتعظيم استخدام المنافع المشتركة واستغلالها.
وتوفر نماذج التمويل الجديدة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار التي تشارك فيها جهات عامة وخاصة آلية لزيادة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار دعماً لتوفير المنافع العامة العالمية. وتشمل هذه النماذج التمويل المختلط الذي تشارك فيه بنوك التنمية الدولية متعددة الأطراف، والمؤسسات الخيرية، والمستثمرون المؤسسيون كصناديق التقاعد. ويمكن لسندات الاستدامة التي تصدرها الحكومات والشركات أن تسهم في توسيع نطاق التمويل الخاص إذا أمكن التعامل بفعالية مع قضايا الشفافية والرصد والمساءلة. كما يمكن الاستعانة بآلية مبادلة الديون بالاستثمار في العلوم والتكنولوجيا والابتكار، التي تعمل على غرار مبادلة الديون بالعمل المناخي، لتشجيع الدول النامية على الاستثمار في بناء القدرات في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
الإجراء الخامس: تعزيز التغيير التحويلي بدلاً من نتائج "العمل المعتاد"
في سياق تعزيز التغيير التحويلي، ينبغي أن تُوجَّه تدابير سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار نحو إجراءات محددة تساعد على تحقيق التحولات بدلاً من نتائج "العمل المعتاد". فكثير من الإصلاحات اللازمة مألوف لدى مجتمع سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وكثيراً ما يتزامن تعزيز التغيير التحويلي مع إنجاز إصلاحات تعالج تحديات قائمة منذ أمد بعيد في منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. غير أن العوائق لا تزال قائمة، ومن ذلك مثلاً ردم الهوة بين الاستراتيجيات الطموحة وبين وضع تدخلات سياساتية ملموسة وتنفيذها، وكذلك التوسع في الابتكارات السياساتية المقابلة لها وإضفاء الطابع المؤسسي عليها.
التغيير مقابل الاستقرار
تتمثل نقطة الانطلاق في التساؤل عن الفروق الملموسة بين التغيير التدريجي (التكيّف) والتغيير التحويلي، وعن كيفية ارتباط هاتين العمليتين ببعضهما، أو ما إذا كانتا مرتبطتين أصلاً. فالتغيير التحويلي يشير إلى "تغيير نوعي جذري ودائم في الموضوع الخاضع للتحويل، بحيث يكتسب الموضوع بعد تحويله خصائص مختلفة اختلافاً كبيراً ويتصرف أو يعمل بطريقة مختلفة"، وإلى "تغيير كبير في بنية الاقتصاد ينجم عن جهود سياساتية مقصودة تهدف إلى دعم أهداف بيئية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها من الأهداف طويلة الأمد، أو يأتي استجابة لتغير المناخ وغيره من الاتجاهات طويلة الأمد ذات الصلة". وفي المقابل، يتركز التغيير التدريجي في الغالب على الحفاظ على السلامة والاستقرار، إذ تُجرى تعديلات صغيرة النطاق ومحلية وقصيرة الأمد للتعامل مع التغيير أو التحديات. وتتيح هذه التغييرات تطوراً يسمح بالحفاظ على البنى والوظائف الأساسية للنظام.
فهل ترتبط العمليتان؟ ثمة افتراض بأن تراكم كثير من التدخلات التدريجية يمكن أن يدفع النظام نحو عتبة أو نقطة تحوّل، إذا ما جرى تجاوزها، أطلقت عملية ذاتية الاستمرار من التغيير العميق والسريع. ويمكن عزو هذه العملية غير الخطية إلى ديناميكيات تغذية راجعة متنوعة شائعة في عمليات الابتكار. ويكون التحول الناتج عموماً أسرع أو أشد أو أوسع نطاقاً مما هو متوقع، وقد يفضي إلى "تتاليات تحوّل" تؤثر في أنظمة أخرى. ويمضي هذا التحول عبر مزيج من المسارات المعقدة والديناميكية وغير الخطية، متبعاً في الغالب ديناميكيات منحنى على شكل حرف S، تتسارع فيه وتيرة التغيير ثم تتباطأ تبعاً للمرحلة. وقد تكون النتيجة إعادة تشكيل الأجزاء المكوِّنة للنظام، بما في ذلك أنماط التفاعل في ما بينها والنتائج المترتبة عليها.
ديناميكيات تغذية راجعة مختارة شائعة في عمليات الابتكار
وفورات الحجم: تنخفض التكاليف على جانب العرض كلما ازداد الإنتاج وارتفعت كفاءته وتوزعت التكاليف الثابتة على أحجام أكبر. وقد يفضي ذلك إلى حلقة حميدة، إذ يشجع انخفاض التكاليف على التبني، مما يؤدي إلى توسيع نطاق الإنتاج وتحقيق مزيد من الانخفاض في التكاليف.
التعلم بالممارسة: مع تراكم الخبرة، يتحسن الأداء وتنخفض التكاليف، وكثيراً ما يحدث ذلك بالتوازي مع وفورات الحجم. وقد يفضي ذلك إلى حلقة حميدة، إذ يتيح اتساع نطاق التبني مزيداً من فرص التعلم، فتتحسن الجودة وتتعزز القدرة التنافسية، ويتحفز مزيد من التبني.
آثار الشبكة والتنسيق: مع اتساع نطاق التبني، قد تزداد المنفعة المتحققة من أنواع معينة من الابتكار. فهذا النوع من ديناميكيات التغذية الراجعة يُلاحظ عادةً في التقنيات المنصّية، كسلاسل الكتل والذكاء الاصطناعي، وفي الأنظمة القابلة للتشغيل البيني، كشبكات شحن المركبات الكهربائية وأجهزة إنترنت الأشياء، وفي مجتمعات المعرفة، كالبرمجيات مفتوحة المصدر. وحين يبلغ التبني كتلة حرجة، قد ينشأ ما يُعرف بأثر الانجراف الجماعي، فيميل السوق لصالح التقنية الناشئة. كما قد تنشأ آثار شبكية غير مباشرة مع تحسن جودة السلع المكمّلة أو ازدياد وفرتها (انظر بناء المنظومة).
التوقعات التكيفية: تتعزز التغذية الراجعة التكنولوجية عبر ديناميكيات سياسية ومؤسسية وثقافية. فازدياد الإقبال يقلل من حالة عدم اليقين ويعزز ثقة المستخدمين والمستثمرين وسائر الجهات الفاعلة. وتحفّز المشروعية والمصداقية نشوء توقعات وأعراف ومؤسسات جديدة، كالاتحادات الصناعية وهيئات وضع المعايير والمناهج التعليمية ومجتمعات المستخدمين، وهي جميعها تتيح مزيداً من التبني والاستثمار، وقد تدفع إلى سحب الاستثمارات من الوضع القائم أو التخلي عنه (انظر زعزعة الاستقرار والإلغاء التدريجي).
بناء المنظومة: يمكن للابتكارات المكمّلة، كالمنتجات والبنى التحتية ونماذج الأعمال وغيرها، أن تسهم في معالجة التحديات التقنية وتعزيز منفعة التقنية الأساسية. بيد أن التقنيات الراسخة كثيراً ما تكون لها هي الأخرى مكمّلات متجذرة بعمق، قد تتحول إلى أعباء أو أصول عالقة مع تقدم التحولات.
زعزعة الاستقرار والإلغاء التدريجي: ما إن تُبلغ نقطة التحول حتى يصبح بمقدور ديناميكيات التغذية الراجعة المعززة تسريع الإلغاء التدريجي للأنظمة الراسخة، من خلال تراجع المبيعات ووفورات الحجم، وتآكل المزايا الشبكية، وارتفاع التكاليف، وتراجع القدرة التنافسية. وحين تتوقع الشركات القائمة تراجع ربحيتها أو تشديد التنظيم، فقد تلجأ إلى سحب استثماراتها أو إلى الابتكار، مما يسهم بدوره في استمرار هذه الحلقة.
وعلى المنوال نفسه، تشير أجندة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التحويلية إلى أن سلسلة متدرجة من التغييرات التراكمية في مزيج سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار قد تتضافر لتشكّل تدخلاً أعمق يُخلخل الوضع القائم ويُحدث تغييراً على مستوى المنظومة بأسرها. ومن ثم، قد يتزامن تعزيز التغيير التحويلي مع إنجاز إصلاحات متعددة تعالج تحديات مزمنة موزعة عبر منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ونظراً إلى طابعه غير الخطي، يتسم التغيير التحويلي بالفوضوية ولا يتلاءم مع مفاهيم التدخل السياساتي القائمة على "الأمر والسيطرة". وبدلاً من ذلك، ينبغي لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تحدد "نقاط الارتكاز" للتدخلات التي تراعي ديناميكيات التغذية الراجعة الإيجابية والسلبية، وتوزيع السلطة داخل المنظومات، وضرورة ترتيب التغيير في تسلسل مدروس يفتح المسارات الممكنة. ويستدعي ذلك إعادة تقييم الأطر والأدوات والآليات المستخدمة حالياً في وضع سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتطبيقها، وإعادة معايرتها، بما يتيح تبني عمليات أكثر تأملاً ومنهجيةً واستجابةً.
توجيه التغيير التحويلي عبر حزم منهجية من سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار
مهمة الغذاء المدرسي في السويد
مهمة الغذاء المدرسي في السويد مشروع تجريبي تقوده وكالة فينوفا (Vinnova)، ويهدف إلى تحويل منظومة الغذاء المدرسي في البلاد والإسهام في إحداث تغيير منهجي عبر منظومة الغذاء الأوسع. وقد وظّف البرنامج مقاربات متنوعة لصنع السياسات التحويلية، إذ جرى إعداد خرائط للمنظومة بالاشتراك مع أصحاب المصلحة لتحديد نقاط الارتكاز القادرة على إطلاق آثار تشمل المنظومة بأكملها. كما استُخدم التفكير التصميمي والنمذجة الأولية لتطوير أنشطة تجريبية بالشراكة مع الطلاب والبلديات ومنتجي الأغذية وغيرهم. فضلاً عن ذلك، تتيح آليات الحوكمة في هذه المبادرة التنسيق بين قطاعات سياساتية متعددة.
ويستهدف البرنامج ديناميكيات التغذية الراجعة بطرق شتى. فالمهمة تتسم بثقافة راسخة في النمذجة الأولية والتكرار، إذ شارك أكثر من 1500 طالب و140 شريكاً في اختبار حلول مفتوحة المصدر وتقييمها. وقد تطور البرنامج عبر مراحل متعددة جرى خلالها تعديل الأنشطة والأهداف (التعلم بالممارسة). كما يُظهر البرنامج درجة عالية من التنسيق على مستوى المنظومة والملكية المشتركة لأصحاب المصلحة، إذ صُممت خرائط طريق ومنصات لجمع الجهات الفاعلة متجاوزةً الحواجز المؤسسية وتعزيز المشروعية (آثار الشبكة). وقد أسهمت الرؤية المشتركة للمهمة وخططها ومبادراتها المصممة تشاركياً في تشكيل التوقعات المجتمعية (التوقعات التكيفية). وأخيراً، يمتد تركيز المهمة إلى ما هو أبعد من الغذاء، ليشمل تطوير الأنظمة المكمّلة اللازمة لتيسير تحول أوسع نطاقاً، ومن ذلك البنية التحتية، كقاعات الطعام المعاد تصميمها، وأنظمة البيانات، وأدوات المشتريات، وإصلاح المناهج الدراسية (بناء المنظومة).
الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين في ألمانيا
تركز الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين في ألمانيا، التي أُطلقت في يونيو 2020 وحُدّثت في يوليو 2023، على تطوير تقنيات الهيدروجين وتوسيع نطاقها، وتوسيع البنية التحتية، وإقامة الشراكات اللازمة لتأمين إمدادات الهيدروجين النظيف. ويستحدث التحديث تدابير جديدة لتسريع الإنتاج والاستيراد والاستخدام، وتيسير الحلول المتكاملة ونشرها على نطاق قطاعي أوسع، ودعم تطوير منظومات الهيدروجين وتكاملها على المستويين الوطني والدولي.
وتستهدف الاستراتيجية ديناميكيات التغذية الراجعة بطرق شتى. فمشاريع الإنتاج واسعة النطاق، ومنها المبادرات الدولية الرائدة، تساعد على توزيع التكاليف الثابتة، في حين تضمن آليات جانب الطلب، كالعقود المشروطة ومزادات المشتريات، تحقق الإقبال (وفورات الحجم). وتوفر عدة بيئات تنظيمية تجريبية ومختبرات حية ميادين اختبار واقعية لتحديد التحديات التقنية واللوجستية والقانونية والمتعلقة بنماذج الأعمال، مما ييسر التعلم والتكيف التنظيمي (التعلم بالممارسة). ويربط الاتصال بالعمود الفقري الأوروبي للهيدروجين، إلى جانب إنشاء 1800 كيلومتر من البنية التحتية المحلية، بين مراكز الإنتاج المحلية والإقليمية ومراكز التخزين ومحطات الاستيراد. كما تيسر مبادرة الممر الجنوبي للهيدروجين بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا تطوير بنية تحتية استراتيجية على امتداد ممرات النقل والممرات الصناعية (آثار الشبكة).
علاوة على ذلك، يسهم قانون تسريع الهيدروجين (مايو 2024) في تعزيز ثقة المستثمرين وتبسيط إجراءات الموافقة، وقد أقره مجلس الوزراء الاتحادي مع تخصيص ما يزيد على 3 مليارات يورو لتمويل المشتريات بين عامي 2027 و2036 (التوقعات التكيفية). وإلى جانب تطوير تقنيات أجهزة التحليل الكهربائي والبنية التحتية للهيدروجين، يستهدف الدعم كذلك تطوير بنية تحتية للتزود بالهيدروجين للحافلات والشاحنات والقطارات، ومشاريع تجريبية لتقنيات خلايا الوقود (بناء المنظومة). وأخيراً، يهدف إنشاء الشبكة الأساسية للهيدروجين إلى إدماج خطوط أنابيب الغاز الطبيعي بعد إعادة توظيفها، إذ إن 60% من الشبكة متاحة بالفعل من خطوط أنابيب غاز طبيعي أُعيد توظيفها (الإلغاء التدريجي).
الاستنتاجات
اقترح هذا الفصل خمسة "إجراءات" سياساتية ينبغي للحكومات أن تأخذها في الحسبان عند إصلاح مزيج سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار لديها، بما يعزز إسهامه في أجندات التغيير التحويلي، مع التركيز في معظم الأحيان على ترتيبات التمويل الخاصة بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار. ففي الإجراء الأول، المتمثل في تعزيز أجندة سياساتية تسهم في تغيير تحويلي واسع، سلّط الفصل الضوء على عدة خيارات في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار قادرة على استثمار أوجه التآزر بين الأولويات المختلفة. وبذلك يمكن لدعم التنافسية الوطنية، إذا صُمم على النحو الملائم، أن يسهم أيضاً في تعزيز المرونة والأمن، فضلاً عن التحولات نحو الاستدامة.
أما الإجراء السياساتي الثاني، المتمثل في تحقيق التوازن بين التمويل المباشر وغير المباشر للبحث والتطوير من أجل التغيير التحويلي، فقد قدّم فيه الفصل مخططاً بسيطاً يمكن للحكومات استخدامه لرسم خريطة تدخلاتها السياساتية على محورين: أولاً، سلسلة الابتكار، أي من البحث والتطوير (الرائد) إلى العرض التجريبي فالتطبيق فالانتشار؛ وثانياً، مدى توجيه هذه التدخلات "من أعلى إلى أسفل" من قِبل الحكومة وهيئات تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ولجميع الأدوات أدوار مهمة في تعزيز التغيير التحويلي، ويتمثل أحد التحديات الرئيسية أمام صانعي السياسات في تحقيق توازن ملائم بينها. وليست ثمة حافظة واحدة تصلح للجميع، إذ يتوقف التوازن الملائم على أصول كل بلد وأولوياته.
ويهدف الإجراء السياساتي الثالث في الفصل، المتمثل في تعزيز التنسيق بين مجالات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وسائر مجالات السياسات، إلى تجاوز الحواجز بين السياسات من أجل دفع التغيير التحويلي قدماً. ومن المقاربات الشائعة في هذا الصدد سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام، التي تظل مع ذلك مقيدة بتركيز ضيق على الابتكار التكنولوجي وباعتمادها على قيادة جهات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتمويلها. وقد أبرز الفصل كيف بدأت الحكومات بتجريب حلول حوكمة متنوعة لتجاوز هذه القيود، ومنها إسناد ملكية المهام إلى هيئات مركز الحكومة وإلى وكالات متخصصة بالمهام.
وتجاوزاً للتعاون داخل القطاع العام، عرض الفصل في الإجراء السياساتي الرابع كيف يمكن للحكومات تعبئة التمويل العام من أجل استقطاب التمويل الخاص لصالح التغيير التحويلي. ومن هذه المقاربات ما يُعرف بـ"التمويل المختلط"، الذي يجمع طيفاً من التدابير المالية، منها المنح ومختلف أدوات الدين وحقوق الملكية، بما يستوعب تفضيلات المخاطرة والعائد لدى الجهات الفاعلة المختلفة ضمن إطار تعاقدي متفق عليه. بيد أن لهذه المقاربات حدودها، لا سيما حين يكون الهدف توظيف العلوم والتكنولوجيا والابتكار للحفاظ على موارد الملكية المشتركة أو إنتاجها. وينبغي للحكومات أن تواصل تجريب أدوات مثل سندات الاستدامة ومبادلات الديون مقابل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، التي تنطوي على إمكانية توجيه تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار والمساعدة في توسيع نطاق الاستثمارات الخاصة في البحث والتطوير والابتكار من أجل تعزيز التغيير التحويلي.
وأخيراً، دعا الفصل في الإجراء السياساتي الخامس إلى تقدير أعمق لطبيعة التغيير التحويلي، وأوجه اختلافه عن التغيير التراكمي وارتباطه به. ويُعد ذلك اعتباراً مهماً إذا ما أُريد تحقيق نتائج تتجاوز "المعتاد". فالتغيير التحويلي غير خطي، وتطبعه ديناميكيات تغذية راجعة متنوعة قادرة على تسريع وتيرة التغيير وإعادة تشكيل منظومات بأكملها. وقد بيّن الفصل أنه ينبغي لصانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار تحديد "نقاط الارتكاز" للتدخلات القادرة على إطلاق التغييرات الشاملة للمنظومة اللازمة لإحداث التحولات وتسريعها.
ومن الواضح أن هذه الإجراءات السياساتية الخمسة متداخلة، وينبغي النظر إليها نظرة منهجية متكاملة عند صياغة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتنفيذها. فالإجراء السياساتي الخامس، المتمثل في تقدير الديناميكيات غير الخطية للتغيير التحويلي، يشكّل الأساس الذي تقوم عليه الإجراءات السياساتية الأخرى المقترحة في الفصل، وينبغي أن يكون اعتباراً جوهرياً عند موازنة مزيج سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. كما أن التنسيق على مستوى الحكومة بشأن الأجندات ذات الأولوية أمر لا غنى عنه، نظراً إلى أن دعم البحث والابتكار وانتشارهما موزع على نطاق واسع بين وزارات ووكالات متعددة. ويجب أن يمتد هذا التنسيق أيضاً إلى القطاع الخاص، بالنظر إلى دوره المهيمن في البحث والتطوير والابتكار وتسويق مخرجاتها. وأخيراً، في ظل ما تواجهه المجتمعات والاقتصادات من تحديات متعددة، وما يقابلها من فرص، يتعين على الحكومات أن توازن دعمها في مجال سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بين طائفة من الأولويات، تشمل التنافسية الاقتصادية، والمرونة والأمن، والتحولات نحو الاستدامة. وليس ذلك بالأمر اليسير، غير أن الفصل أبرز عدة خيارات سياساتية لاستثمار أوجه التآزر بين هذه الأولويات عن قصد والتخفيف من المفاضلات بينها.
