الفصل السابع: أدوات المرونة: الذكاء الاستراتيجي القابل للتطبيق والتجريب في السياسات
تتزايد المطالب الملقاة على عاتق سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بفعل التطورات التكنولوجية المتسارعة، وتنامي حالة عدم اليقين على الصعيد العالمي، واحتدام المنافسة، فضلاً عن الحاجة إلى التصدي للتحديات العالمية والمجتمعية. ولمواجهة هذه التحديات، لا بد أن تتسم السياسات بالمرونة، أي أن تكون استباقية وفي حينها وسريعة الاستجابة. ويُمكّن الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات صانعي القرار من التسلح بالأدوات اللازمة لتحقيق هذه المرونة؛ إذ يستطيع الذكاء الاستراتيجي أن يقدم رؤى في الوقت المناسب من خلال إنتاج أدلة استباقية وآنية، في حين يتيح التجريب في السياسات اختبار الأفكار الجديدة وتقييم آثار السياسات تقييماً نقدياً. ويدعم هذان النهجان معاً صنع السياسات القائم على الأدلة.
الرسائل الرئيسية
في أوقات الاضطراب، أو في الحالات التي تشتد فيها الحاجة الاستراتيجية، يتعين أن يجري صنع سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بسرعة في ظل أوضاع يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين. وقد كشفت جائحة كوفيد 19 عن تحديات في الاستجابة السريعة لابتكار حلول علمية وتكنولوجية. كما قد تتشابك هذه الحلول مع عمليات إعادة تشكيل الأطر التنظيمية، ولا سيما في مجال التقنيات الجديدة والناشئة، حيث قد تؤدي وتيرة التغيير التنظيمي إلى إبطاء ظهور الحلول التكنولوجية المستحدثة وتطويرها ونشرها. وفي مثل هذه الحالات، تبرز الحاجة إلى سياسات مرنة تكون مستنيرة بالذكاء الاستراتيجي الملائم، وقادرة على التكيف من خلال دمج التعلم بالممارسة، ومبتكرة من خلال تجريب مقاربات جديدة في السياسات.
تعني المرونة في صنع سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار استشراف الاتجاهات والتحديات والظروف الجديدة والتكيف معها سريعاً، عبر تركيز الجهود حيث تشتد الحاجة إليها. فالسياسات المرنة استباقية وتأتي في حينها وسريعة الاستجابة، بما يتيح لهيئات صنع القرار تنفيذ السياسات بسرعة، والتكيف مع المواقف غير المتوقعة، ووقف السياسات غير الفعالة، وإعادة صياغة الاستراتيجيات عند الضرورة.
يشكّل الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات أولويتين محوريتين يعزز كل منهما الآخر في سبيل تدعيم مرونة السياسات. وعلى الرغم من الإمكانات المعترف بها لهما، ثمة عقبات عدة تحول دون تنفيذ سياسات مرنة وتكيفية وسريعة الاستجابة في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، من بينها الجمود المؤسسي والنفور من المخاطرة داخل الإدارات العامة، وقصور القدرات والمهارات اللازمة للتنفيذ، والصعوبات المرتبطة بتوسيع نطاق المبادرات الناجحة.
يتطلب تشجيع صانعي السياسات على الاستعانة بالذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات إضفاء الطابع المؤسسي على التجريب من خلال إدماجه في البرامج والأطر الوطنية، وزيادة المرونة والقدرة على التكيف داخل الهياكل البيروقراطية عبر تحسين آليات التنسيق وتبسيط الإجراءات، والاستثمار في برامج تدريبية لموظفي القطاع العام تمكّنهم من تبني المقاربات التجريبية.
إن ما يحدث بعد التجريب هو ما يحدد في نهاية المطاف أثره على السياسات. ومن ثم، فمن الأهمية بمكان ضمان وجود مسار واضح لتوسيع نطاق التدخلات التي يثبت نجاحها أو التخلص التدريجي من تلك التي تخفق. وتستند هذه القرارات بدورها إلى عمليات تقييم صارمة تمثل الأساس الذي يُستقى منه التعلم بشأن أداء أي مبادرة من مبادرات السياسات.
ومن العوامل الحاسمة أيضاً ضمان أن تظل الهياكل المعتمدة للتجريب في السياسات قابلة للتراجع عنها والتكيف، بما يسهل توسيع نطاق المبادرات أو إيقافها دون اضطرابات كبيرة. ومن العناصر الأساسية الأخرى ألا تعرقل المصالح الراسخة الاستجابة لنتائج التقييمات.
مقدمة
تتزايد المطالب الملقاة على سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار بفعل تنامي حالة عدم اليقين على الصعيد العالمي، واحتدام المنافسة، والحاجة الملحة إلى التصدي للتحديات المجتمعية. وقد أثبتت مقاربات السياسات التقليدية قصورها عن التعامل مع تحديات التحول الأوسع نطاقاً بكثير. ولكي تظل السياسات فعالة، يجب أن تكون مرنة، أي تكيفية واستشرافية وقادرة على الاستجابة للتحديات المعقدة والمتطورة.
ويشكّل الذكاء الاستراتيجي، في القطاعين العام والخاص، والتجريب في السياسات أولويتين محوريتين يعزز كل منهما الآخر لتدعيم المرونة. فالذكاء الاستراتيجي، بوصفه معرفة قابلة للاستخدام تساعد صانعي السياسات على فهم آثار العلوم والتكنولوجيا والابتكار واستشراف التطورات المستقبلية، يُمكّن الحكومات من جني منافع التقنيات الناشئة مع الحد من مخاطرها. كما يؤدي دور أداة استشرافية تساعد صانعي السياسات على الاستعداد للتحديات الجديدة والاستجابة لها.
أما التجريب في السياسات بأشكاله المختلفة، فيمثل مكوناً آخر من مكونات المرونة في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ويُقصد به التنفيذ المتعمد لتدخلات سياساتية محدودة النطاق أو مؤقتة أو كلتيهما، تُصمَّم لاختبار نتائج المقاربات الجديدة. ويركز هذا الفصل على إنشاء بيئات محدودة النطاق للتجريب في السياسات في صورة مختبرات ابتكار السياسات والبيئات التنظيمية التجريبية، وعلى استخدام أساليب التقييم في التجريب، كما تجسدها التجارب العشوائية المضبوطة. أما الأبعاد الأخرى للتجريب في السياسات، ولا سيما ما يتصل منها بإشراك أصحاب المصلحة، فقد استُبعدت نظراً لضيق المجال وتعقيد تناول هذه الموضوعات ضمن التحليل.
ويبحث هذا الفصل في كيفية إسهام الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات في تعزيز صنع القرار المرن والمستنير في عالم سريع التغير. ويتضمن أمثلة من الدول، ويسلط الضوء على التحديات الرئيسية والدروس المستفادة بشأن سبل تذليل هذه التحديات وإدخال المرونة.
ويأتي هذا الفصل على النحو التالي: يبدأ بشرح أسباب الحاجة الراهنة إلى المرونة، ويعرض مفهومي الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات، ثم يحدد المتطلبات الرئيسية لتطبيقهما. وينتقل بعد ذلك إلى مناقشة الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات على أرض الواقع، مقدماً أمثلة محددة من الدول. ثم يتناول التحديات الرئيسية التي تحد من اعتماد المرونة على نطاق أوسع، والاستجابات السياساتية لها. ويختتم القسم الأخير الفصل بالاستنتاجات ويرسم جدول الأعمال المقبل.
لماذا نحتاج إلى صنع السياسات المرن
ما المقصود بمرونة السياسات؟
تنطوي المرونة على صنع سياسات استباقية وفي حينها وسريعة الاستجابة، قادرة على استشراف الظروف والاتجاهات والتحديات الجديدة والتكيف معها بسرعة، عبر تركيز الجهود حيث تشتد الحاجة إليها. وهي تضمن أن تظل هيئات صنع القرار مرنة، قادرة على التكيف مع المواقف غير المتوقعة، ووقف السياسات غير الفعالة، وإعادة صياغة الاستراتيجيات حسب الحاجة. ولا غنى عن وضوح المسؤوليات ووجود آليات للتغذية الراجعة لدعم هذه العملية.
وتمثل المرونة تحولاً من صنع السياسات القائم على الإجراءات الروتينية التقليدية "المجرَّبة والمختبَرة" على امتداد دورة السياسات إلى دورات أكثر قدرة على التكيف. فخلافاً لدورات السياسات التقليدية التي تركز على التعلم التدريجي من السياسات على مدى أطر زمنية طويلة في مؤسسات ثابتة نسبياً أو بطيئة التطور، تعطي العمليات المرنة الأولوية للتعلم الآني من السياسات، بما يتيح اتخاذ قرارات أسرع وأكثر استجابة. وتؤتي السياسات المرنة أفضل ثمارها حين تكون مؤسسات صنع السياسات ذاتها قادرة على التعلم من التجريب في السياسات وعلى التكيف والتحول إلى مؤسسات مرنة، على النقيض من المؤسسات الثابتة نوعاً ما والسائدة في صنع السياسات التقليدي. ولكل من النهجين مواطن قوته؛ فدورات السياسات التقليدية تتبع إجراءات روتينية مجرَّبة ومختبَرة، وتتسم بقدر من القابلية للتنبؤ، ويمكنها الاستناد إلى التعلم التراكمي، وهو ما يفيد على نحو خاص في المواقف التي يسهل التنبؤ بها. كما تتيح دورات السياسات التقليدية لأصحاب المصلحة الآخرين تكييف خططهم، وهو أمر مفيد بوجه خاص لوضع الاستراتيجيات طويلة الأجل. أما دورات السياسات المرنة فتلائم أوقات الاضطراب وضعف القدرة على التنبؤ، إذ تتيح التعلم أثناء الممارسة، وتفيد بوجه خاص في أوقات الأزمات أو حين تلوح فرص جديدة يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين.
وفي عمليات السياسات المرنة، تكون دورة السياسات تكرارية إلى حد بعيد بفعل عوامل مثل عدم اليقين وتطور التقنيات. وتعترف المرحلة الأولى بصعوبة تحديد أهداف السياسات في هذه البيئة الدينامية. ثم تتطور مقاربات السياسات جنباً إلى جنب مع الأهداف العامة عبر تصميم تكراري، يفضي إلى استراتيجيات محتملة قابلة للاختبار. وتنظر هذه المرحلة أيضاً في مسارات بديلة للسياسات يمكن الاستفادة منها مستقبلاً، مع بناء الشرعية الداخلية والخارجية من خلال إشراك أصحاب المصلحة. أما التنفيذ فينطوي على تكييف السياسات واختبارها عبر أدوات مثل البيئات التنظيمية التجريبية، مع رصد مستمر يدمج "التعلم بالممارسة" من أجل التكيف الآني.
ما الذي يحرك الطلب على المرونة في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار؟
تعترف الدول الأعضاء في المنظمة على نطاق واسع بالحاجة إلى سياسات مرنة في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وذلك للأسباب التالية:
وتيرة التغير التكنولوجي التحويلي: تتقدم تقنيات كثيرة بوتيرة غير مسبوقة. فعلى سبيل المثال، اجتذبت أدوات الذكاء الاصطناعي مثل "تشات جي بي تي" ملايين المستخدمين في غضون أسابيع من إطلاقها، مما يبرهن على السرعة التي يمكن أن تغير بها الابتكارات طرائق عمل الناس وتواصلهم ووصولهم إلى المعلومات. وتعمل هذه التقنيات على تحويل الصناعات من خلال أتمتة المهام، وتحسين خدمة العملاء، والارتقاء بعمليات صنع القرار. ومن المرجح أن يؤدي تقارب البيولوجيا التركيبية مع الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى تسريع الابتكارات التحويلية في طائفة من القطاعات، كما يبين الفصل الخامس. وتتطلب هذه التقنيات سياسات قادرة على مواكبة التغيرات لدعم مزيد من ابتكارات الأعمال، وضمان أن تحمي الأنظمة التكيفية المستهلكين من مخاطر مثل المعلومات المضللة وانتهاكات الخصوصية والممارسات السوقية غير العادلة.
الحاجة إلى الجاهزية للعمل في سياق يكتنفه عدم اليقين: يتسم المستقبل بعدم اليقين ومواطن الضعف، لكنه يحمل كذلك فرصاً ناشئة، مما يستلزم سياسات قادرة على التكيف مع الظروف السريعة التغير. وقد كشفت الأزمات العالمية، مثل جائحة كوفيد 19، عن ثغرات في القدرة على الصمود، مبينةً كيف يمكن أن تنهار المنظومات القائمة أمام الصدمات غير المتوقعة. وتؤكد هذه الأحداث أهمية السياسات القادرة على الاستجابة السريعة لحماية الصحة العامة وضمان الاستقرار الاقتصادي مع إدارة أزمات أخرى في الوقت ذاته. وبالمثل، تبرز التوترات الجيوسياسية الحاجة إلى سياسات قادرة على معالجة التبعات الأوسع للنزاعات، مثل اضطراب سلاسل الإمداد وتدفقات الهجرة. ودون استجابات سياساتية مرنة، تتعرض المجتمعات لخطر مزيد من عدم الاستقرار والاضطراب الاقتصادي والتحديات الاجتماعية طويلة الأمد. كما أن مرونة السياسات ضرورية لاغتنام الفرص الجديدة لتحقيق تنمية أكثر استدامة وشمولاً.
الحاجة إلى تعزيز القدرة التنافسية الوطنية في المجالات الاستراتيجية الرئيسية: في حقبة تشهد احتداماً في المنافسة الدولية القائمة على التكنولوجيا، اكتسب مفهوما "السيادة التكنولوجية" و"الاستقلالية الاستراتيجية"، اللذان يشيران إلى قدرة الكيان السياسي على التصرف استراتيجياً وباستقلالية في هذه الحقبة، حضوراً متزايداً في صنع السياسات الوطنية، كما يبين الفصل الثاني. وقد تواجه مقاربات السياسات التقليدية صعوبة في مواكبة التغير التكنولوجي وما يجلبه من فرص وتحديات للأسواق والمجتمع. أما صنع السياسات المرن فيمكّن الحكومات من أن تكون أكثر استجابة وأن توجه الدعم حيث تشتد الحاجة إليه.
الحاجة إلى التصدي للتحديات العالمية والمجتمعية: تتطلب معالجة التحديات العالمية، كتلك المتصلة بالأمن الغذائي والظواهر المناخية المتطرفة والفقر واستنزاف الموارد، قدراً كبيراً من الابتكار. وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن معظم التخفيضات في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون حتى عام 2030 ستأتي من تقنيات متاحة بالفعل، غير أن 35% من هذه التخفيضات بحلول عام 2050 تتطلب تقنيات لم تُطوَّر بعد. ولتحقيق هذه الأهداف، لا بد من بذل جهود ابتكارية كبرى خلال هذا العقد لإيصال هذه التقنيات إلى السوق. ولدفع هذا التغيير، يجب أن تكون السياسات مرنة وتجريبية، بما يتيح استخدام الموارد العامة على نحو أكثر فعالية في دعم التقنيات الخضراء، مثل الطاقة المتجددة واحتجاز الكربون والبنية التحتية للمركبات الكهربائية. ويمكن للسياسات المرنة أن تزيل العقبات التي تعترض توسيع نطاق هذه التقنيات، فتساعدها على تحقيق انتشار أوسع بوتيرة أسرع.
متطلبات السياسات المرنة: ستة إجراءات داعمة
تستلزم الحاجة إلى السياسات المرنة اتخاذ إجراءات يمكن تلبيتها عبر أدوات ومقاربات تدعم عمليات السياسات المرنة وتزودها بالمعلومات. ويمكن تعزيز المرونة بطرق مختلفة، وثمة ستة "إجراءات داعمة" تحيط بدورة السياسات المرنة وتفيد بوجه خاص في تحفيز هذه السياسات وإثرائها بالمعلومات، وهي:
أولاً، إجراء تقييم أولي: في الحالات التي تتسم بدرجة عالية من التعقيد أو عدم اليقين أو الإلحاح، لا يتضح دائماً ما إذا كان التدخل السياساتي ضرورياً أو كيف ينبغي توجيهه، ومن ثم يلزم إجراء تشخيص أولي للوضع. فعلى سبيل المثال، يرى إطار المنظمة للحوكمة الاستباقية للتقنيات الناشئة أن عملية تشخيص أولي ملائمة يمكن، بموارد محدودة، أن تساعد على تحديد نطاق القضية السياساتية المحتملة وتركيز التدخلات اللاحقة. ويتيح ذلك فرصة لاستيعاب الوضع والتعلم واتخاذ إجراءات موجهة، بما في ذلك قرار عدم اتخاذ أي إجراء سياساتي.
ثانياً، استشراف خيارات متعددة: يمكن للسياسات السريعة والمرنة أن تستفيد من تحديد مسارات متعددة للسياسات يمكن اتباعها. وتساعد أدوات مثل الاستشراف التكيفي على تحديد أنماط عمل محتملة متعددة، مع تقديم بعض الرؤى حول آثارها المحتملة. وفي حين سيقع الاختيار في نهاية المطاف على مسار بعينه، يمكن استخدام الخيارات البديلة المحتملة معياراً للمقارنة خلال دورة السياسات المرنة.
ثالثاً، الاستفادة من الذكاء الجمعي: لدعم تصميم متين للسياسات وتيسير اكتساب التدبير السياساتي المستحدث شرعيته لدى من سيتأثرون به، من المفيد التواصل مع طيف واسع من أصحاب المصلحة واستقاء المعارف منهم. فإدماج الذكاء الجمعي في صنع سياسات البحث والابتكار يضمن أن تكون السياسات متينة ومنسجمة مع الاحتياجات المجتمعية والبيئية. كما أن إشراك مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة، ومنهم الباحثون وقادة الصناعة والجمهور، يوفر وجهات نظر متنوعة ويعزز تصميم التدبير السياساتي الجديد وشرعيته. ومن الأدوات التي يمكن أن تساعد في هذا الإجراء الداعم، لا على سبيل الحصر، تقييم التقنيات التشاركي والحوارات متعددة أصحاب المصلحة.
رابعاً، تجريب ابتكارات السياسات: تتسم السياسات المرنة بالحاجة إلى تطوير السياسات وتطبيقها في سياقات سريعة التغير، وهو ما يستلزم في الغالب مقاربات سياساتية جديدة. ويمكن تحفيز ذلك بدعم اختبار المقاربات الجديدة وتقييمها خلال دورة السياسات، ويمكن للتجريب في السياسات بأشكاله العديدة أن يقدم الدعم في هذا الصدد.
خامساً، التقييم من أجل التوجيه الآني: في حين يفيد التقييم اللاحق في السياقات المستقرة والقابلة للتنبؤ، حيث يمكن أن يستغرق التعلم من السياسات وقتاً، فإن هذا التعلم قد يأتي متأخراً حين تكون الظروف متغيرة. ومن ثم تبرز الحاجة إلى التحول من التقييم بوصفه أداة لتقدير نجاح السياسة بعد تنفيذها إلى التقييم بوصفه وسيلة للتعلم الآني. وهنا تمثل أدوات التقييم التكويني ومقارباته، التي تركز على التعلم وتكييف السياسات أثناء تنفيذها، إجراءً داعماً رئيسياً.
سادساً، الرصد المستمر للقضايا الخارجية: ينطوي ذلك على مواكبة السياق المتغير خارج المؤسسة، سواء تمثل في مؤشرات على تطور محركات السياسات أو في إشارات ضعيفة لتقنيات سريعة الظهور قد تغدو مصدر قلق. ويفيد هذا الرصد للسياق في إطلاق دورات جديدة من السياسات المرنة، أو في وضع دورات السياسات الجارية ضمن السياق المتغير والمتطور، أو كليهما.
وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات الداعمة أكثر ملاءمة لمراحل معينة من دورة السياسات دون غيرها، فإنها لا تقتصر على مرحلة بعينها. وتؤدي الإجراءات الداعمة الستة دور متطلبات للأدلة التي يمكن توفيرها عبر أدوات الذكاء الاستراتيجي ومقارباته المختلفة وأشكال متنوعة من التجريب في السياسات، وسنتناولها بالتفصيل في موضع لاحق من هذا الفصل.
الذكاء الاستراتيجي من أجل سياسات مرنة وتكيفية
سيؤدي الذكاء الاستراتيجي دوراً محورياً في بناء السياسات الخاصة بالعلوم والتقنيات الجديدة التي تتضح أهميتها بينما تظل آثارها ومساراتها الدقيقة غير مؤكدة. فعلى سبيل المثال، تعِد تقنيات الكمّ الناشئة، مثل الحواسيب والمستشعرات والاتصالات الكمية، بتحويل صناعات عديدة، ودعم التقدم في الحوسبة التقليدية، والمساعدة في التصدي للتحديات المجتمعية المعقدة من خلال تسخير ميكانيكا الكم.
ويشير الذكاء الاستراتيجي إلى المعارف والأدلة المتعلقة بالتطورات الحالية والمستقبلية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الجديدة وآثارها المحتملة على الاقتصاد والمجتمع. ويمكن لطائفة واسعة من الأساليب أن توفر الذكاء الاستراتيجي، مثل المقارنة المعيارية الإحصائية، والتنبؤ والنمذجة، والاستشراف، وتقييم التقنيات، ورسم خرائط المنظومات والمسارات، ورصد التقنيات وتقييمها. ومن الجهات التي توفر الذكاء الاستراتيجي الوكالاتُ التي تضطلع باستشراف التقنيات وتقييمها، والأكاديميات الوطنية للعلوم والتكنولوجيا، ومكاتب الإحصاء ووكالاته، واللجان الوطنية المخصصة، والهيئات التنظيمية، وهيئات وضع المعايير.
وفي سياق العلوم والتكنولوجيا والابتكار، يتعلق الذكاء الاستراتيجي بالمعرفة القابلة للاستخدام التي تساعد صانعي السياسات على فهم آثار العلوم والتكنولوجيا والابتكار واستشراف التطورات المستقبلية. ولا سيما في المجالات التكنولوجية السريعة الظهور والتطور، حيث لا يتوافر سوى قدر ضئيل من البيانات المنهجية التي تتيح تحليل الاتجاهات أو تقديم أدلة مباشرة، تُحشد أدوات الذكاء الاستراتيجي ومقارباته لسد هذه الفجوة.
وللاستشراف الاستراتيجي وتقييم التقنيات تاريخ طويل، غير أنهما يواجهان اليوم تحدي التطور بما يلائم الاحتياجات الراهنة لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، عبر مقاربات جديدة تلبي هذه المطالب المستجدة، التي يتصل كثير منها بالحاجة إلى السرعة والمرونة.
رصد الإشارات المبكرة للتغير التكنولوجي والاجتماعي والاقتصادي: المسح المستمر للآفاق
يعمل مسح الآفاق بوصفه أسلوباً استكشافياً منهجياً مصمماً لرصد المؤشرات المبكرة على تطورات تكنولوجية واجتماعية واقتصادية قد تكون ذات أهمية بالغة. ويحدد مسح الآفاق "الإشارات الضعيفة"، وهي اتجاهات في مراحلها الأولى أو قضايا ناشئة قد تتطور إلى تغيرات تحويلية ومُخِلّة. وتخضع هذه الإشارات لتحليل منظم لتقدير مدى أهميتها ومسارها وآثارها المحتملة على السياسات وصنع القرار. وتمكّن هذه العملية صانعي السياسات من استشراف التحديات والفرص الناشئة، ولا سيما في المجالات السريعة التطور مثل البيولوجيا التركيبية والمواد الفوقية وعلوم الكم وتقنياته.
ويزود المسح المستمر أو المنتظم للآفاق صانعي القرار برؤى حول محركات التغيير، داعماً صياغة سياسات استباقية تنسجم مع المشهدين التكنولوجي والمجتمعي المتطورين. وتعتمد هذه العملية أساساً على البحث المكتبي، مستندةً إلى الأدبيات والتقارير ومجموعات البيانات المتاحة. ولتعزيز متانة النتائج، يُستكمل مسح الآفاق بمشاورات الخبراء وورش العمل التشاركية وتمارين الاستشراف المنظمة، بهدف تنقيح الإشارات المحددة وترتيب أولوياتها ووضعها في سياقها. وعليه، تتوقف فعالية مسح الآفاق على تنوع الخبراء الذين تجري استشارتهم، واتساع مصادر البيانات وموثوقيتها، والصرامة المنهجية المتبعة في تجميع الرؤى.
وخلافاً لتحليل الاتجاهات التقليدي الذي يستند إلى بيانات الماضي، بما في ذلك الماضي القريب، ويستقرئ الاتجاهات انطلاقاً مما هو معلوم، يستكشف مسح الآفاق مجالات قد تكون ذات أهمية لكنها لم تتبلور بالكامل بعد، أي أنه يستكشف المجهول. ومن ثم فإن مسح الآفاق يتعامل بطبيعته مع مستويات عالية من عدم اليقين؛ إذ قد لا تتحقق كثير من الإشارات الضعيفة، أو قد تتطور في اتجاهات غير متوقعة، أو تتحدى الافتراضات السائدة في مجال تكنولوجي أو سياساتي بعينه. وبذلك يؤدي مسح الآفاق دور أداة ذكاء تكيفية تزود صانعي السياسات بقدرات الإنذار المبكر للتعامل مع التعقيد وعدم اليقين في مشهد الابتكار. وقد أدخلت التطورات في التحليلات الآلية للبيانات أساليب جديدة في مسح الآفاق، منها كشط بيانات الويب والنماذج اللغوية الكبيرة والتنقيب في البيانات القائم على تعلم الآلة، بهدف رصد الاتجاهات الناشئة في مرحلة أبكر. وتعزز هذه المقاربات الحاسوبية القدرة على التقاط الإشارات الضعيفة آنياً، مكمّلةً عمليات المسح التقليدية القائمة على الخبراء. ويمثل هذا التحول نحو الأتمتة في جمع مصادر البيانات المتباينة وتحليلها منعطفاً جديداً في الذكاء الاستراتيجي، إذ بات بالإمكان حشد بيانات أكثر تعقيداً وتنوعاً في وقت شبه آني، مما يفتح الباب أمام مسح للآفاق أكثر تعقيداً ومرونة وملاءمة من حيث التوقيت.
أمثلة على مسح الآفاق من أجل سياسات مرنة
في ألمانيا، طورت الوزارة الاتحادية للبحث والتكنولوجيا والفضاء أداتين تحليليتين قائمتين على البيانات للاستخدام الداخلي في الحكومة الاتحادية، وذلك في إطار عمليتها الاستشرافية. وتقدم "لوحة متابعة رصد التقنيات" نظرة عامة على المشهد التنافسي الدولي، إذ تعرض مؤشرات الابتكار الرئيسية، من منشورات وبراءات اختراع وشركات ناشئة وتمويل من رأس المال الجريء، لستة عشر مجالاً تكنولوجياً وأكثر من 90 تقنية منفردة. أما الأداة الثانية، "رادار التقنيات الناشئة"، التي لا تزال قيد التطوير، فتعتمد نهجاً تجريبياً لتحديد التقنيات الناشئة وتقييمها باستخدام عدة أساليب من أساليب الذكاء الاصطناعي.
ومن الأمثلة التوضيحية الأخرى ما يقوم به مكتب العلوم الحكومي في المملكة المتحدة من مسح مستمر للآفاق التكنولوجية على أساس أسبوعي، بهدف التحديد المنهجي للاتجاهات الناشئة والإشارات الضعيفة في مشهد العلوم والتكنولوجيا. وتبدأ هذه العملية بجمع المدخلات، أساساً عبر البحث المكتبي الذي يستند إلى مصادر متنوعة، مثل المنشورات العلمية عالية التأثير، ومنها المجلات العلمية العامة من قبيل "ساينس" و"نيتشر"، وتقارير القطاع الثالث، والأوراق البيضاء، وقنوات مختارة من وسائل التواصل الاجتماعي. وحيثما أمكن، تُضاف رؤى إضافية من خلال المشاركة في المؤتمرات المتخصصة ومشاورات الخبراء والفعاليات الصناعية، لضمان تقييم شامل ودينامي للتطورات التكنولوجية. وفي كل أسبوع، تُجمَّع المعلومات المستقاة لتحديد الأنماط والموضوعات الناشئة والتطورات المستحدثة، ثم تجري عملية انتقاء لتحديد الإشارات الأكثر قابلية لإحداث أثر والأوثق صلة بالسياسات. وتُراجَع هذه العناصر المنتقاة لاحقاً ضمن مجموعة تحليلية أوسع، حيث يمكن رفع النتائج الرئيسية لإدراجها في موجز للإنذار المبكر يزود كبار صانعي السياسات وأصحاب المصلحة بالمعلومات. وفي هذا الإطار، تُعَد ما يسمى "التقييمات السريعة للتقنيات" لتقديم المعلومات الأساسية عن التقنية الناشئة موضع الاهتمام المنبثقة من نشاط مسح الآفاق.
ولا تقتصر أهمية هذا المثال على المسح المستمر والمنتظم؛ إذ يعمل مكتب العلوم الحكومي في المملكة المتحدة على إعداد قائمة منظمة للإشارات الضعيفة، ويتمثل الهدف مستقبلاً في ترتيب أولويات هذه القائمة بحسب احتمال أن تشكّل الإشارة "مفاجأة" أو أن تكون مُخِلّة في سياق الحكومة البريطانية. فالتحديد المبكر للتقنيات الناشئة التي قد "تفاجئ" أمر لا غنى عنه لإتاحة تقييمات وصنع سياسات أكثر استباقية. ويعمل المكتب حالياً على تطوير مقاييس تستند إلى فهم مسار تطور التقنيات، لتحديد مدى احتمال أن تفضي إشارة ضعيفة ما إلى اضطراب. وستُراجَع هذه المقاييس بانتظام لضمان أن يظل ترتيب أولويات الإشارات مستجيباً للتحولات الدينامية في المشهد التكنولوجي.
وفي اليابان، دأب المعهد الوطني لسياسات العلوم والتكنولوجيا (NISTEP) على إجراء مسح منتظم للآفاق يغذي عمليات استشرافية أوسع تسترشد بها السياسات، بدءاً من المسح الاستشرافي الحادي عشر للعلوم والتكنولوجيا الذي أجراه المعهد. وقد أدرج هذا المسح مسح الآفاق بوصفه المرحلة الأولى من دراسة استشرافية لتحديد الاتجاهات الناشئة، والتطورات المستقبلية المحتملة، والبوادر المبكرة للتغير في العلاقة بين المجتمع والعلوم والتكنولوجيا. ولرصد البيانات المجتمعية، استخلص النشاط الاتجاهات من المواد المتاحة، بما فيها البيانات الصحفية ووثائق السياسات، وأدمج رؤى مستقاة من ورش عمل إقليمية استكشفت المستقبلات المنشودة في مختلف مناطق اليابان، واستُكمل ذلك بجمع آراء الخبراء من خلال ورش عمل دولية. ولرصد الرؤى العلمية والتكنولوجية، استُخلصت البيانات من مواد مثل محاضر جلسات البرلمان الياباني (الدايت الوطني)، وتقارير السياسات، والتنقيب النصي في قواعد البيانات، كقاعدة بيانات المنح المقدمة لدعم البحث العلمي. واستُكمل ذلك أيضاً بجمع آراء خبراء العلوم والتكنولوجيا ومسح البيانات الصحفية المتعلقة بالبحث والتطوير. وقد استُند إلى مخرجات هذه الأنشطة في صياغة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ومنها الخطة الأساسية السادسة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار. ومن الأمثلة الأحدث على مسح الآفاق استبيانات إلكترونية حول الإشارات الناشئة والضعيفة تُجرى مع شبكة خبراء العلوم والتكنولوجيا التابعة للمعهد، التي تضم نحو 1700 خبير.
استيعاب السياق: تحليل الوضع
تُعَد مقاربات السياسات المرنة جديرة بالاعتماد حين تتغير الظروف بسرعة، أو يسود قدر كبير من عدم اليقين، أو حين يجعل حدث ما أو فرصة ما التدخل السياساتي أمراً ملحاً. ومن ثم فإن تحليل الوضع خطوة أساسية عند النظر في اعتماد سياسات مرنة؛ فإذا كانت الظروف توحي بأن السياسات المرنة هي الحل، فمن المرجح جداً أن يكون "الوضع" متقلباً ويتطلب تشخيصاً أولياً.
وبالنسبة إلى التقنيات المثيرة للجدل أو التي قد تقلب الموازين، يمكن أن يتخذ تحليل الوضع شكل تحديد القضايا الرئيسية المطروحة أو أصحاب المصلحة الذين قد يتأثرون بابتكار تكنولوجي جديد، أو كليهما. وبالنسبة إلى السياسات المرنة الساعية إلى تسخير تقنية جديدة أو ناشئة، قد يكون من المفيد رسم خريطة للجهات الفاعلة الرئيسية في منظومة الابتكار، لتوجيه جهود جمع المعلومات اللاحقة والمساعدة على تحديد مداخل للسياسات. أما السياسات المرنة التي تستهدف إحداث تغيير تحويلي على مستوى القطاع أو المنظومة، فإن رسم خريطة للجهات الفاعلة والبنى التحتية الرئيسية في منظومة بعينها سيساعد على وضع خط أساس لحافظة من التدخلات السياساتية. وفيما يلي بعض الأمثلة.
أمثلة على تحليل الوضع الذي يمكن الاستعانة به في السياسات المرنة
في عام 2021، نفذت وحدة تقييم الخيارات العلمية والتكنولوجية التابعة للبرلمان الأوروبي تمريناً إلكترونياً لإشراك أصحاب المصلحة، استجلى المخاوف المجتمعية المحيطة بقضية بالغة الراهنية ومثيرة للجدل، هي تحرير الجينوم في المحاصيل الزراعية، وذلك لدعم عملية صنع القرار لدى أعضاء البرلمان الأوروبي الذين كانوا يدرسون ما إذا كان من الضروري إجراء تغيير تنظيمي في هذا المجال التكنولوجي السريع الظهور والمثير للجدل تاريخياً. وقد هدف تحليل الوضع في مستهل العملية إلى تحديد الآمال والمخاوف الرئيسية، إلى جانب أصحاب المصلحة الرئيسيين المعنيين، أو الذين قد يصبحون معنيين، بتطوير التقنيات الجينومية الجديدة المطبقة على المحاصيل ونشرها. وتستخدم الوحدة نهج "ستيبد" (STEEPED) لدعم هذا النشاط، وهو طريقة منهجية لإجراء استعراض أولي للآراء القائمة والناشئة، من آمال ومخاوف، بشأن الموضوع قيد الاستكشاف. ويمثل هذا الاختصار استكشافاً عبر سبعة منظورات: المجتمعي، والتكنولوجي، والاقتصادي، والبيئي، والسياسي والقانوني، والأخلاقي، والديموغرافي. واستُخدم هذا النهج أيضاً لتحديد ممثلين عن مختلف فئات أصحاب المصلحة المعنيين، أو الذين قد يصبحون معنيين، بالتقنيات الجينومية الجديدة للمحاصيل، ولضمان طيف واسع من الآراء. وبهذه الطريقة، جمع تحليل الوضع بين تحديد الآمال والمخاوف المحيطة بمجال تكنولوجي ما وتحديد فئات أصحاب المصلحة المعنيين المحتملين.
ويمكن أن يجري تحليل الوضع أيضاً على مستوى فهم القدرة الابتكارية لإقليم أو دولة أو قطاع. فإدراكاً للأهمية الاستراتيجية لدعم الابتكار في المواد المتقدمة بالنسبة لقطاع التصنيع، أنشأت مقاطعة كيبيك في كندا مؤسسة "بريما كيبيك" (PRIMA Québec) لتحديد القدرة التنافسية للمقاطعة وتعزيزها. وأجرت المؤسسة مسحاً أولياً للجهات الفاعلة الرئيسية في المنظومة الصناعية للمواد المتقدمة، كشف عن كتلة حرجة بلغت نحو 340 شركة في عام 2018 و570 شركة في عام 2024، تسخّر البحث والتطوير في المواد المتقدمة لابتكار منتجات وخدمات. وقد شكّل رسم خريطة المنظومة الصناعية، الذي أُريد له أن يكون دراسة خط أساس تعقبها تكرارات لاحقة، أداة أساسية لتحديد مكانة القطاع في السوق وتحسينها، وتيسير تنفيذ السياسات العامة الرامية إلى دعم المواد المتقدمة في المقاطعة على نحو أفضل. وقد أتاح تكرار تحليل الوضع هذا عبر أنشطة رسم خرائط منتظمة لمؤسسة "بريما كيبيك" توجيه سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار على نحو أدق لدعم المنظومة المتنامية والاستفادة من هذا المجال الاستراتيجي السريع التطور من مجالات التقنيات الحرجة.
ومن المقاربات المهمة لتحليل الوضع رسم خرائط المنظومات مع ما يرتبط بها من مؤشرات وإحصاءات. فالتغيرات في الخصائص الأساسية لمنظومة ما وفي طريقة سلوكها تنطوي على آثار مهمة بالنسبة للتحليل وتقدير النتائج المستقبلية أو التنبؤ بها. ولن يفلح الاستقراء البسيط من التجارب السابقة في استشراف الكيفية التي قد تتصرف بها منظومة ما بعد تحولها أو بمجرد انطلاق عملية التغيير. ولا تفي المقاييس الحالية بكثير من هذه الجوانب على نحو جيد، ويمكن لقاعدة المعارف والأدلة الراهنة من المؤشرات والإحصاءات التي تدعم قرارات السياسات أن تتطور أكثر لتواكب تعقيد التغيير التحويلي الذي تتيحه العلوم والتكنولوجيا والابتكار وما يكتنفه من عدم يقين.
فهم آثار التقنيات الناشئة: تقييم التقنيات الاستشرافي
يؤدي تقييم التقنيات دوراً رئيسياً في توفير الذكاء الاستراتيجي بشأن التقنيات الجديدة والناشئة. فبوصفه عملية تفاعلية قائمة على الأدلة، يدرس تقييم التقنيات بصورة منهجية الأبعاد المجتمعية والاقتصادية والبيئية والقانونية للابتكار التكنولوجي. ويسهم في إثراء النقاش العام، وتشكيل أجندات البحث والتطوير، ودعم صياغة السياسات التي تُمكّن التقدم التكنولوجي وتنظمه.
أمثلة على تقييم التقنيات الاستشرافي
فيما يخص تقييم التقنيات لصالح السلطة التشريعية في الولايات المتحدة، تجسد مجموعة العلوم وتقييم التقنيات والتحليلات التابعة لمكتب المساءلة الحكومية نموذجاً لتقييم التقنيات القائم على الخبراء؛ إذ تقدم للكونغرس تحليلات عالية الجودة تحدد التحديات التقنية وتعرض خيارات السياسات وما يرتبط بها من مخاطر وفرص واعتبارات تنفيذية. كما تقدم التقييمات السريعة للتقنيات تقييمات موجزة وفي حينها لتقنيات بعينها دعماً لصنع السياسات المرن.
أما على صعيد السلطة التنفيذية، فثمة مثال آخر من الولايات المتحدة هو اللجنة الاستشارية للتقنيات والبحوث المستحدثة والاستثنائية التابعة للمعاهد الوطنية للصحة، التي أُنشئت لتقديم توصياتها مباشرة إلى مدير المعاهد، وتيسّر الحوار العام حول الآثار الأخلاقية والقانونية والاجتماعية للتقنيات الحيوية المستحدثة. ومن الأنشطة السابقة للجنة، على سبيل المثال، تشكيل فريق عمل معني بتقنيات الدفع الجيني في البحوث الطبية الحيوية، نظر في مدى كفاية التوجيهات القائمة للسلامة الحيوية بالنسبة للبحوث المختبرية المحصورة التي تستخدم تقنية الدفع الجيني، وفي الشروط التي يمكن للمعاهد، إن وُجدت، أن تنظر بموجبها في دعم الإطلاق الميداني للكائنات المعدلة بتقنية الدفع الجيني.
وتعكف المنظمة على تطوير نهج تجريبي يُعرف بتقييم التقنيات الاستشرافي. ففي حين تتناول معظم تقييمات التقنيات مجالاً تكنولوجياً قائماً وتستكشف آثاره المجتمعية والاقتصادية والبيئية المحتملة، يتطلع التقييم الاستشرافي أيضاً إلى التطورات المستقبلية في المجال التكنولوجي ذاته. وبذلك يمكنه أن يسبق التطورات التكنولوجية ويدعم السياسات المرنة، بما فيها الحوكمة الاستباقية للتقنيات الناشئة. ويجري حالياً تنفيذ نشاطين من أنشطة التقييم الاستشرافي: يتطلع الأول إلى التقارب المستقبلي بين البيولوجيا التركيبية والذكاء الاصطناعي والروبوتات، لاستكشاف طائفة من قضايا السياسات مثل المهارات والقوى العاملة، والأمن البحثي، وتصادم ثقافات الحوكمة، وغيرها. وانطلاقاً من ذلك وبالاستشراف العكسي، يمكن للمعلومات الاستشرافية أن تساعد في إجراء تشخيص أولي لتحديد الإجراءات السياساتية التي ينبغي معالجتها على المدى القريب وتلك التي لا تتطلب تدخلاً فورياً. ويركز النشاط الثاني على الإدماج المستقبلي لتقنيات الكم في قطاعات متنوعة، كقطاعي الصحة والفضاء. ويقيّم هذا النشاط عوامل منظومة الابتكار التي يمكن أن تحفز نقل تقنيات الكم إلى مختلف القطاعات وترعاه، كما يستشرف الآثار المحتملة لإدماج تقنيات الكم في طائفة متنوعة من القطاعات.
ومن الوظائف الجوهرية لتقييم التقنيات تعميق فهم الوضع الراهن للتقنيات الناشئة وآثارها المحتملة، وهو أمر بالغ الأهمية في سياق التطورات التكنولوجية المعقدة وغير المؤكدة، مثل البيولوجيا التركيبية والتقنيات العصبية وعلوم الكم وتقنياته. ويسهم تقييم التقنيات في ذلك من خلال تنظيم المعلومات المجزأة أو الملتبسة وتحويلها إلى رؤى قابلة للتطبيق تسترشد بها قرارات السياسات.
وتوفّر جهود تقييم التقنيات المؤسسية تحليلات موجّهة إلى الهيئات التشريعية والتنفيذية.
استكشاف المستقبل عبر سيناريوهات بديلة: الاستشراف التكيّفي
يشمل الاستشراف الاستراتيجي طيفاً من المنهجيات التي صُمّمت لتمكين صانعي السياسات من استكشاف التطورات المستقبلية المعقولة على نحو منهجي، ولا سيما في ظل ظروف يسودها عدم اليقين والتعقيد. فبدلاً من السعي إلى التنبؤ بمسار مستقبلي واحد أو بالمسار الأرجح، ترسم عمليات الاستشراف خريطة لطائفة من المستقبلات البديلة، وتحدد الفرص والمخاطر وأوجه الترابط التي قد تؤثر في فعالية السياسات عبر سياقات متنوعة. ويسهم هذا النهج في توسيع نطاق التداول بشأن السياسات، إذ يتحدى الافتراضات السائدة ويكشف عن الروابط الكامنة بين مجالات السياسات المختلفة.
وفي سياق السياسات التكنولوجية، يؤدي الاستشراف الاستراتيجي دوراً محورياً في تقدير الكيفية التي قد تتفاعل بها التقنيات الناشئة مع البيئات المجتمعية والاقتصادية والمؤسسية المتطورة. ويتحقق ذلك عادةً من خلال بناء سيناريوهات تستكشف كيف يمكن للعوامل الخارجية، التي كثيراً ما تقع خارج سيطرة المنظمات منفردة، أن تؤثر في الظروف التي تُطرح فيها التقنيات. وتؤدي تمارين السيناريوهات هذه وظيفة تحليلية وتأملية في آن معاً، فهي تُثري الخيارات الاستراتيجية ضمن الصلاحيات الحالية للسياسات، كما تدفع في الوقت ذاته إلى إعادة النظر في الافتراضات المنظومية الأوسع التي تقوم عليها تلك الخيارات.
ومن الأهمية بمكان أن الاستشراف الاستراتيجي يدعم التفكير الشامل وطويل الأمد، ويعزز قدرة منظومات السياسات على التصرف بمرونة واتساق. فمن خلال تشجيع التأمل المشترك بين أصحاب المصلحة، تساعد عمليات الاستشراف على مواءمة حوكمة التقنيات مع القيم المجتمعية، وتعزيز التنسيق بين الإدارات، والإسهام في وضع استراتيجيات سياسات متينة وقادرة على الصمود. وفي نهاية المطاف، لا تكمن قيمة الاستشراف الاستراتيجي في استشفاف المستقبل، بل في تمكين الاستعداد لطائفة من المستقبلات المعقولة، وهو بذلك يعزز القدرة التكيفية للسياسات التكنولوجية في عالم سريع التغير.
وبوصفه أداة مصممة خصيصاً لصنع السياسات المرن، يمثّل الاستشراف التكيّفي تطوراً استراتيجياً لممارسات السياسات الاستشرافية، إذ يمزج بين عناصر الاستشراف والتخطيط التكيفي ونظرية الابتكار المعاصرة. ويسعى إلى إثراء القرارات السياسية في ظروف لا يكون فيها التنبؤ الدقيق ممكناً ولا كافياً. والاستشراف التكيفي في جوهره منهج وعقلية معاً، يدعمان الذكاء الاستراتيجي اللازم للتعامل مع التغيرات المُخِلّة. ويرتكز على ثلاث دعائم: أولاً، ممارسات الاستشراف التشاركي؛ وثانياً، التخطيط الاستراتيجي التكيفي الذي يدمج التفكير القائم على الخيارات الحقيقية؛ وثالثاً، فهم تطوري للابتكار بوصفه عملية معقدة قائمة على التطور المشترك. ويُقرّ هذا النهج بمعضلة كولينغريدج، ومفادها أنه في المراحل المبكرة من الابتكار تكون المعلومات المتاحة أقل من أن تسمح بتوجيه التطورات بفعالية، في حين يصعب لاحقاً التأثير في المسارات بعد أن تترسخ. وبدلاً من تحديد نقاط نهاية ثابتة، ييسّر الاستشراف التكيفي استيعاب المعاني وبناء الخيارات في ظل سياقات متبدلة، ومن ثم فهو يعزز المرونة والتعلم الاستباقي والصياغة التكرارية للسياسات.
وتنطوي عملية الاستشراف التكيفي عادةً على عناصر من تحليل المستقبلات، كتطوير السيناريوهات لاستكشاف مستقبلات متباينة، فضلاً عن إشراك الخبراء وأصحاب المصلحة لضمان الملاءمة والمشروعية، وحلقات تعلّم آنية تتيح التغذية الراجعة للسياسات وإعادة معايرتها، ودمج خيارات استراتيجية للحفاظ على المرونة في مواجهة عدم اليقين.
أمثلة على الاستشراف التكيفي
من أمثلة الاستشراف التكيفي الاستشرافُ التقني الاقتصادي الذي أجرته المفوضية الأوروبية بشأن صناعات المحتوى الإبداعي، وهو مشروع "المنظورات الأوروبية بشأن مجتمع المعلومات". فقد اعتمد هذا المشروع نهجاً تكيفياً لمراعاة التحولات الرقمية المتسارعة في الصناعات الإبداعية. ومن خلال إدماج تقنيات السيناريوهات ضمن عملية مرنة مقسّمة إلى مراحل تفصل بينها نقاط مراجعة، أنتج المشروع رؤى دقيقة وذات صلة بالسياسات، مع الاحتفاظ بالقدرة على تعديل الأساليب ومجالات التركيز استناداً إلى المعارف المستجدة.
ومن الأمثلة الأخرى على الاستشراف التكيفي مبادرة "الاستشراف عند الطلب" التي دعمت الخطة الاستراتيجية الثانية للمفوضية الأوروبية لبرنامج "أفق أوروبا" للفترة الممتدة بين عامي 2025 و2027، من خلال عملية واسعة شارك فيها فاعلون متعددون. وقد جمعت المبادرة بين بناء سيناريوهات السياق وورش عمل الخبراء والمشاورات العامة لاستكشاف مجالات مُخِلّة، مثل الهندسة المناخية والذكاء الاصطناعي والحوكمة العالمية ومستقبل الصحة. ولم تقتصر نتائجها على إثراء تحديد الأولويات، بل حددت أيضاً استراتيجيات للحوكمة والقدرة على الصمود، مما يؤكد دور الاستشراف في البرمجة التكيفية.
ومن خلال هيكلة عدم اليقين بدلاً من السعي إلى إزالته، يعزز الاستشراف التكيفي المرونة الاستراتيجية، إذ يمكّن صانعي القرار من استباق طائفة من المستقبلات المعقولة والاستعداد لها. ويمكن للاستشراف التكيفي أن يسهم في صياغة هدف السياسة وأن يقدم مدخلات للتصميم التكراري للسياسة المرنة، وهو أمر أساسي في دورة السياسات المرنة.
دمج رؤى أصحاب المصلحة المتعددين في عمليات السياسات: الأساليب التشاركية
غدا إشراك أصحاب المصلحة المتنوعين في وضع سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ممارسة تحظى باعتراف متزايد، لما تتيحه من أطر سياسات أكثر شمولاً واستباقية واستجابة للمجتمع. فأصحاب المصلحة، ومنهم العلماء والمهندسون والمجتمعات المتأثرة والمستثمرون والشركات والمواطنون، يقدمون منظورات فريدة تسهم بمعارف أساسية كثيراً ما تكون غائبة، وتوسّع إطار وضع السياسات وتنفيذها بمعارف مرتبطة بالسياق. وتعزز هذه العملية التداولية العلاقة بين العلم والمجتمع، وترفع مستوى ثقة الجمهور، وتيسّر تواصلاً أكثر فعالية بشأن أهداف السياسة الناشئة. بيد أن جهود الإشراك التي تكون نتائجها محسومة سلفاً قد تقوّض هذه الأهداف، فتُضعف الثقة والمشروعية. وثمة طائفة من الأساليب التشاركية التي تكفل دمج رؤى أصحاب المصلحة المتعددين في نقاشات السياسات والحوكمة. وتُعدّ مؤتمرات التوافق ومجالس المواطنين وهيئات المحلفين من المواطنين نماذج على آليات التقييم التشاركي للتقنيات، إذ تُشرك فاعلين مجتمعيين متنوعين إشراكاً مباشراً في تقييم سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتشكيل وضعها وتنفيذها.
أمثلة على الأساليب التشاركية لصنع السياسات المرن
في الفترة الممتدة بين نوفمبر 2021 ومارس 2022، اجتمع نحو 50 مواطناً من خلفيات مختلفة في إطار مجلس المواطنين للبحث العلمي التابع للوزارة الاتحادية الألمانية للتعليم والبحث العلمي (التي أصبحت منذ مايو 2025 الوزارة الاتحادية للبحث العلمي والتكنولوجيا والفضاء). وقد طرح المواطنون أفكارهم، وتلقّوا مشورة الخبراء، وانخرطوا في نقاشات مكثفة حول سبل تعزيز المشاركة في البحث العلمي وسياساته. وأُدرج تقرير مجلس المواطنين للبحث العلمي، بما تضمنه من 25 توصية عملية و5 مبادئ توجيهية شاملة، في عملية إعداد الكتاب الأبيض الخاصة بوضع استراتيجية الوزارة للمشاركة في البحث العلمي التي أُطلقت عام 2023. وبذلك تتخذ ألمانيا تدابير ملموسة لضمان دمج رؤى أصحاب المصلحة المتعددين في نقاشات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
ومن الحالات الأخرى الإعداد التشاركي للاستراتيجية البرازيلية للذكاء الاصطناعي، الذي هدف إلى جمع التوصيات والتعليقات من الجمهور الواسع لبناء رؤية جماعية تجيب عن سؤال: "أي ذكاء اصطناعي نريده للبرازيل؟"، وإلى ضمان أن تستجيب الاستراتيجية في صيغتها النهائية لاحتياجات المجتمع وشواغله. وقد جرى حشد الذكاء الجماعي لدعم تصميم الاستراتيجية عبر استشارة أصحاب المصلحة في مسوّدات متتابعة. ولم يُتح ذلك تكييف السياسة فحسب، بل عنى أيضاً أن طائفة من أصحاب المصلحة كانوا على دراية بالاستراتيجية حين اكتمل إعدادها، بل كانوا شركاء في ملكيتها على نحو ما، مما عزز مشروعية السياسة.
ومن الأمثلة الأخرى مشروع "التشاور مع المواطنين والفاعلين المتعددين بشأن أفق 2020"، الذي نُفّذ بين عامي 2015 و2018 ضمن إطار برنامج "أفق 2020" التابع للاتحاد الأوروبي، وركّز على دمج المشاركة العامة في تحديد أجندة البحث والابتكار. وقد نسّق المشروعَ المجلسُ الدنماركي للتكنولوجيا، وشارك فيه تحالف من 29 شريكاً يمتد عبر 30 دولة أوروبية. واستندت منهجية المشروع إلى أطر نظرية متعددة، منها البحث والابتكار المسؤولان، والتقييم التشاركي للتقنيات، والاستشراف. وتمثّل هدفه الرئيسي في تعزيز ملاءمة الأجندة الأوروبية للبحث والابتكار وقدرتها على الاستجابة، من خلال إشراك أكثر من 1000 مواطن في 30 دولة للتعبير عن تصوراتهم لمستقبلات مستدامة مرغوبة. ومن أبرز نتائجه صياغة 23 موضوعاً بحثياً قُدّمت بوصفها مقترحات لبرامج عمل "أفق 2020". وللتحقق من هذه المقترحات وإثرائها، أُجريت مشاورة إلكترونية واسعة شارك فيها أكثر من 3400 مشارك، مثّلوا طيفاً عريضاً من المنظورات المجتمعية.
وعلى نطاق أصغر، عقدت المعاهد الكندية للبحوث الصحية هيئات من المواطنين لتحديد الأولويات في مجالات مثل الطب الدقيق وتبادل البيانات الصحية. وفي عام 2021، ركّزت إحدى هذه الهيئات على تفكيك القضايا والفرص المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي، وقد أسهمت نتائجها في صياغة المبادئ التوجيهية الاتحادية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي. ومع أن هذه المبادرة كانت ظرفية لا تكرارية، فإنها تكشف أن المقاربات التشاركية في السياسات، كهيئات المواطنين، يمكن تطبيقها على سياسات التقنيات الناشئة، بحيث تستنير بآمال المجتمع وشواغله فتكون بذلك مستجيبة له، وتشمل طائفة واسعة من أصحاب المصلحة لبناء المشروعية والثقة في سياسة تتعلق بمجال قد يكون مثاراً للجدل.
وتكتسب هذه الأساليب قيمة خاصة في حالة التقنيات المثيرة للجدل والمعقدة أخلاقياً، إذ تيسّر الحوار متعدد المنظورات، وتحفّز النقاش العام والسياسي، وتسهم في حوكمة للتقنيات أكثر انسجاماً مع المجتمع. علاوة على ذلك، يؤدي التقييم التشاركي للتقنيات دوراً جامعاً، فيعزز التفاهم المتبادل بين فئات أصحاب المصلحة، ويرفع ثقة الجمهور في القرارات السياسية من خلال المشاركة الشاملة.
التغذية الراجعة والتعلم المستمران: التقييم التكويني (الآني)
برز التقييم التكويني الآني بوصفه نهجاً متميزاً يختلف عن منهجيات التقييم التقليدية الموجهة نحو النتائج، إذ يعطي الأولوية للتعلم والقدرة على التكيف في سياق سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فخلافاً لأطر التقييم التقليدية الموجهة نحو النتائج، التي تركز أساساً على المساءلة وقياس الأداء والالتزام بالأهداف المحددة سلفاً، ييسّر الرصد والتقييم التأمليان التفكير النقدي في الافتراضات القائمة استناداً إلى ما يُكتسب من تعلّم أثناء تنفيذ السياسة، وفي المواقف المؤسسية المتغيرة، إذ قد تتبدل المهمة العامة للجهة المعنية بالسياسة، وفي العوامل السياقية الخارجية المتطورة. ومن خلال ترسيخ عملية مستمرة من التغذية الراجعة والحوار والمساءلة النقدية، يمكّن الرصد والتقييم التأمليان صانعي السياسات والممارسين من تحديد الأعراف ونماذج الحوكمة والترتيبات المؤسسية الراسخة التي قد تعوق السياسات المرنة في مجالات السياسات المعقدة التي يكتنفها عدم اليقين، كالتقنيات الناشئة بسرعة أو سياسات الابتكار التحويلي، ومساءلتها، وربما إعادة تشكيلها.
ويُقرّ هذا النهج التأملي بالطبيعة الديناميكية وغير اليقينية لمنظومات الابتكار، مدركاً أن الأهداف المحددة في البداية قد تحتاج إلى تكييف استجابة للتحديات والفرص المستجدة. ومن ثم فهو يؤدي دور آلية للتعلم المؤسسي داخل الجهة المسؤولة عن صياغة السياسة، بما يضمن ألا يكون التقييم مجرد ممارسة استرجاعية للتحقق من الامتثال وتقدير الأثر، بل أداة استباقية لتشكيل عمليات سياسات تكيفية ومرنة.
مثال على التقييم التكويني لسياسة بحثية مرنة موجهة نحو المهام
في عام 2019، أطلقت الحكومة الفرنسية برنامج "الزراعة والحماية بطريقة مختلفة" (Cultiver et Protéger Autrement)، وهو برنامج بحثي ذو أولوية يهدف إلى تسريع التحول نحو زراعة خالية من المبيدات. وتجسّد هذه المبادرة، التي أطلقتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والأمانة العامة للاستثمار، برنامجاً بحثياً موجهاً نحو المهام. وإدراكاً للمهل الطويلة التي يستغرقها البحث العلمي كي يؤثر في الممارسة، والتي تتراوح عادةً بين 10 سنوات و20 سنة، يوجّه البرنامج البحث الأساسي توجيهاً استراتيجياً نحو تمكين نظم زراعية خالية من المبيدات في الأفق الزمني الممتد بين عامي 2030 و2040.
ودعم برنامج التمويل عشرة مشاريع بحثية عابرة للتخصصات والقطاعات وتضم فاعلين متعددين، مُوّل كل منها بنحو 2 مليون يورو، بهدف إنتاج ابتكارات جذرية قد تكون اختراقية. وتعمل هذه المشاريع ضمن بيئات تجريبية مضبوطة للحد من المخاطر وإثراء التطبيق على نطاق أوسع. بيد أن الطبيعة المزدوجة لهذه البحوث، إذ هي مفتوحة النهايات وموجهة نحو المهام في آن معاً، تقتضي التعامل مع مستويات عالية من عدم اليقين بشأن النتائج البحثية وأثرها العملي.
ولإدارة هذا التعقيد، أدمج البرنامج هيكل حوكمة يتمحور حول الذكاء الاستراتيجي، صُمّم لدعم توجيه المشاريع البحثية العشرة الموجهة نحو المهام وبرمجتها وتنفيذها. ويتيح هذا الهيكل توجيهاً تكيفياً من خلال التعلم والتنسيق الآنيين. وتحديداً، استرشدت هذه العملية بأربع وظائف أساسية: أولاً، رصد أنشطة المشاريع والتعلم منها؛ وثانياً، استباق التطورات السياقية؛ وثالثاً، تقييم أداء التجارب الجارية؛ ورابعاً، تعزيز أوجه التآزر داخل حافظة المشاريع ومع البرامج الخارجية في مناطق أخرى من فرنسا وفي أوروبا.
وتمثلت إحدى الآليات المحورية للتوجيه الاستراتيجي في استخدام مسارات الأثر، أي التصورات التي تبيّن كيف ترتبط الأنشطة البحثية للمشروع بالهدف الأشمل للمهمة. وكُلّف كل مشروع من المشاريع العشرة، وكذلك برنامج التمويل ككل، ببناء هذه المسارات وتحسينها بصورة تكرارية. ففي البداية، شكّلت مسارات الأثر المسبقة الأساس لتمارين الاستشراف العكسي الرامية إلى مواءمة تصميم البحوث مع التحول المنشود، مما أتاح صياغة أدق لهدف المهمة. ثم حوّل الرصد الآني هذه المسارات إلى "معايير مرجعية متطورة" لتقييم التقدم، بما يسهّل إجراء التعديلات في الوقت المناسب.
وطُوّرت مسارات الأثر هذه على نحو مشترك عبر ورش عمل تشاركية ضمّت أصحاب مصلحة متنوعين، مما كفل حشد الذكاء الموزّع ودمج منظورات متعددة. والأهم من ذلك أن البنية المتداخلة، التي تضم مسارات الأثر العشرة الخاصة بالمشاريع والمسارات على مستوى برنامج التمويل والهدف العام للسياسة، مكّنت مدير البرنامج من رصد التقدم، وتحديد أوجه التآزر واستثمارها، والتنسيق مع المبادرات المكمّلة، والتواصل مع أصحاب المصلحة الرئيسيين لتعظيم الأثر الجماعي.
ويؤدي التقييم التكويني دوراً حاسماً في التجريب في مجال الحوكمة، إذ يدعم التكييف الآني لأدوات السياسات واستراتيجيات التدخل. فمن خلال "الرصد التأملي"، يستطيع صانعو السياسات تقييم فعالية مختلف توليفات أدوات الحوكمة وإجراء التعديلات اللازمة في وقت شبه آني، بما يضمن استجابة أكبر للتطورات التكنولوجية وديناميكيات السوق. وتكتسب هذه القدرة قيمة خاصة في سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام، حيث تُعدّ مرونة السياسات والتعلم التكراري أمرين أساسيين لتحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد.
التجريب في السياسات على أرض الواقع
ينطوي التجريب في السياسات على التنفيذ المتعمد لتدخلات سياسية صغيرة النطاق أو مؤقتة أو كلتيهما معاً، تُصمَّم لاختبار نتائج المقاربات الجديدة. والغاية من ذلك تقدير ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق هذه التدخلات إن نجحت، أو إنهاؤها تدريجياً إن لم تحقق النتائج المرجوة. ويُعدّ التجريب أساسياً لوضع سياسات مرنة في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، لأنه يمكّن صانعي السياسات من اختبار المقاربات وتحسينها بصورة آنية، والاستجابة للتحديات غير المتوقعة، والتكيف مع الظروف المتغيرة، واتخاذ قرارات قائمة على البيانات تنسجم مع احتياجات المجتمع والاقتصاد.
ويتناول هذا القسم النوعين التاليين من التجريب في السياسات، مع التركيز على أمثلة محددة منهما بغية الإحاطة بنطاق أوسع:
بيئات التجريب في السياسات، حيث يمكن اختبار الأفكار والحلول التكنولوجية الجديدة على نطاق صغير، ليُبنى على ذلك لاحقاً قرار توسيع نطاقها أو إنهائها تدريجياً. ومن أمثلتها مختبرات ابتكار السياسات والبيئات التنظيمية التجريبية.
أساليب التجريب في السياسات، التي تهدف إلى رصد آثار مختلف المقاربات والبرامج السياسية وتقييمها. ومن أمثلتها التجارب العشوائية المضبوطة والتجارب الميدانية.
ولا يقتصر التجريب في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار على هذين النوعين، إذ يمكن أن يتخذ أيضاً شكل التجريب في نماذج الحوكمة، كالمبادرات الرامية إلى تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية، أو إشراك المواطنين والشركات بفعالية في عمليات صنع السياسات.
البيئات التجريبية: مختبرات ابتكار السياسات والبيئات التنظيمية التجريبية
مختبرات ابتكار السياسات هي منظمات أو مبادرات تطبّق أساليب تجريبية علمية شبيهة بأساليب المختبرات لتوليد حلول سياسية مبتكرة قائمة على الأدلة واختبارها على نطاق صغير قبل تعميم تنفيذها. وتدعم هذه المختبرات صنع السياسات المرن عبر تزويد القطاع العام بخبرة عملية في التجريب، والترويج النشط لاستخدام المقاربات المبتكرة. وكثيراً ما تعمل بوصفها مراكز تعاونية تجمع أصحاب مصلحة متنوعين، من مواطنين وشركات وخبراء وصانعي سياسات، لتحليل التحديات السياسية ووضع حلول تتمحور حول المستخدم.
ويمكن أن تكون هذه المختبرات مدمجة في الجهاز الحكومي أو أن تعمل كيانات خارجية. وفي الحالتين، تؤدي دور المحفّز على التغيير، إذ تتحدى العمليات التقليدية وتحفّز أساليب عمل جديدة في منظومة السياسات بأسرها، وتوفر فضاءً لحشد المعارف وابتكار السياسات. ويمكن التمييز بين أربعة أنواع من مختبرات ابتكار السياسات:
المختبرات القائمة على التصميم: تُعنى بتطبيق "التفكير التصميمي" على السياسات، وتركز على الأساليب "المتمحورة حول المستخدم"، كتقنيات التصوير البصري والتعاون مع المواطنين وسائر أصحاب المصلحة لتوضيح تعريف المشكلات والمشاركة في ابتكار الحلول.
مختبرات الحكومة المفتوحة والبيانات: تعتمد مقاربات مبتكرة في تحليل البيانات، كتطبيق أدوات رقمية وشبكية جديدة لإتاحة البيانات العامة واستنطاقها، مستفيدة بذلك من خبرات مشاركين متنوعين في إجراء التحليلات وتطبيقها.
المختبرات القائمة على الأدلة: تركز على تطبيق أساليب تقييم صارمة، وفي مقدمتها التجارب العشوائية المضبوطة.
المختبرات المختلطة: توظّف أياً من هذه المقاربات الثلاث.
أما البيئات التنظيمية التجريبية فهي بيئات مضبوطة يمكن للشركات فيها اختبار منتجات أو خدمات أو نماذج أعمال جديدة في ظل تخفيف القيود التنظيمية وتحت إشراف السلطات العامة. وتتمثل خصائصها الرئيسية في كونها مؤقتة، وتعتمد نهج التجربة والخطأ، وتنطوي على التعاون والتكرار بين أصحاب المصلحة. وقد نشأت في قطاع الخدمات المالية، غير أن استخدامها اتسع بسرعة ليشمل مجالات جديدة، ولا سيما الصناعات الخاضعة لتنظيم مشدد كالنقل والطاقة والصحة. وفي سياق سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، من الأمثلة البارزة البيئات التنظيمية التجريبية للذكاء الاصطناعي التي تمكّن الشركات من اختبار أدوات تعلّم الآلة تحت إشراف تنظيمي، والبيئات التجريبية للتنقل الحضري التي تدعم اختبار حلول النقل الذاتي القيادة أو منخفض الانبعاثات.
وتتيح البيئات التنظيمية التجريبية لصانعي السياسات إدماج المرونة في تصميم السياسات، من خلال جمع بيانات من الواقع الفعلي، والتعرف مبكراً على المخاطر المحتملة للتقنيات الناشئة، وتعديل اللوائح للوقاية منها. فضلاً عن ذلك، فإنها بتشجيعها الإشراك المستمر لأصحاب المصلحة تتيح تعاوناً أوثق بين الجهات التنظيمية والشركات، وتيسّر الاستجابة الأسرع لتغيرات السوق. وتعود شعبيتها إلى إدراك أن التقنيات اللازمة لبناء نظم اجتماعية واقتصادية أكثر استدامة واحتضان المستقبل الرقمي قد تعرقلها الأطر التنظيمية القائمة.
أساليب التقييم: التجارب العشوائية المضبوطة
التجارب العشوائية المضبوطة نوع من أساليب تقييم الأثر، يُوزَّع فيه المشاركون، سواء أكانوا أفراداً أم أسراً أم شركات أم غير ذلك، توزيعاً عشوائياً على مجموعتين أو أكثر.
وتضم هذه التجارب عادةً مجموعة معالجة واحدة أو أكثر تتلقى كلٌّ منها نسخة مختلفة من التدخل، إلى جانب مجموعة ضابطة قد لا تتلقى أي تدخل، أو تخضع للسياسة أو الممارسة المعيارية المعمول بها حالياً، والتي يُقاس التدخل الجديد بالمقارنة معها. ثم يقارن الباحثون النتائج بين هذه المجموعات. ولما كان التوزيع عشوائياً، فإن مجموعتي المعالجة والضبط ينبغي أن تكونا متشابهتين من جميع الوجوه باستثناء التدخل الذي تتلقاه كل منهما، وهو ما يتيح للباحثين أن يعزوا أي فروق في النتائج إلى التدخل نفسه، لا إلى عوامل مُربِكة أو إلى تحيز الاختيار.
وتكفل التجارب العشوائية المضبوطة رصداً وتقييماً متينين، إذ تمكّن الباحثين وصانعي السياسات من تصميم دراسات تجيب عن أسئلة محددة تتعلق بفعالية برنامج ما وبالنظرية الاقتصادية التي يقوم عليها. ولا يقتصر دورها على تحديد ما إذا كانت سياسة أو برنامج ما يحقق الغاية منه، بل يمكنها كذلك أن تكشف عن المكونات التي تقف وراء النجاح، وعن النسخة الأكثر فعالية من التدخل، وعمّا إذا كان من الممكن تكرار النتائج في سياقات مختلفة، وعن الكيفية التي يتحقق بها الأثر أو يتعذر تحققه. وفي ظل المشهد الراهن السريع التطور، حيث تُضخ استثمارات كبيرة في التحولات الخضراء والرقمية، يمكن لهذه التجارب أن تسهم في اختبار مقاربات جديدة وضمان تخصيص الموارد العامة بكفاءة.
وقد استُخدمت التجارب العشوائية المضبوطة طويلاً في البحوث السريرية، غير أنها باتت في الآونة الأخيرة أوسع تطبيقاً في مجال السياسات العامة. ومن اللافت أن عدد هذه التجارب في مجالات الابتكار وريادة الأعمال ونمو الأعمال التجارية آخذ في الازدياد خلال السنوات الأخيرة؛ فقد ضمّت قاعدة بيانات التجارب التابعة لمختبر نمو الابتكار (IGL Trials Database)، التي تسعى إلى حصر جميع التجارب العشوائية المضبوطة المُجراة في هذا الميدان، 226 تجربة من هذا النوع حتى عام 2022. بيد أن تطبيق هذه الأساليب في مجال سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار يواجه، على الرغم مما تنطوي عليه من إمكانات، جملة من القيود.
التحديات والاستجابات السياساتية لدعم مرونة أوسع في السياسات
على الرغم من الفوائد التي يتيحها الذكاء السياساتي والتجريب في السياسات، فإن استخدامهما يواجه عدداً من التحديات التي تفسر جزئياً عدم انتشارهما على نطاق أوسع. ويتناول هذا القسم تلك التحديات بالنقاش.
تحديات وفرص ترسيخ الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات
مع أن التجريب في السياسات ومختلف أدوات الذكاء الاستراتيجي قد تحقق عوائد مهمة قياساً بالموارد المنفقة على هذه الأنشطة، فإن نجاح تطبيقها يقتضي التصدي لعدد من التحديات، من بينها ما يلي:
بناء قدرات القطاع العام ومهاراته: قد يمثّل التجريب في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار تحدياً للقطاع العام، وقد يحتاج المسؤولون إلى تدريب جديد وقدرات جديدة كي يضطلعوا بدور الحاضنة والمسرّعة للمقاربات التجريبية الجديدة في صنع السياسات. فالقدرة على تصميم الخدمات العامة وتقديمها بطرق جديدة، مقرونةً بتركيز يتمحور حول المستخدم ويُعنى بكيفية استفادة قطاع الصناعة والمستهلكين منها، تُعدّ من المهارات المهمة للابتكار والتجريب في تطوير سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ويسهم في ذلك استقطاب موظفين ذوي مهارات وخلفيات متنوعة إلى القطاع العام، بمن فيهم أصحاب الخلفيات العلمية والريادية. أما فيما يخص الذكاء الاستراتيجي، فيتمثل أحد التحديات الرئيسية في إدماج نتائج أنشطته في عملية صنع القرار المتعلق بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهو ما قد يتطلب قدرات وهياكل مؤسسية ملائمة للغرض، فضلاً عن المهارات اللازمة لتفسير تلك النتائج. وسيُتناول هذا الأمر بمزيد من التفصيل أدناه.
تجاوز ديناميكيات القوة والعوائق الهيكلية التي تحدّ من إدماج الأدلة في صنع السياسات: لا قيمة عملية للذكاء ما لم يكن قابلاً للتنفيذ والاستخدام. وبالمثل، لا بد من الاعتراف بشرعية الدروس المستفادة من التجريب في السياسات وإدماجها في عمليات صنع السياسات كي تسهم في توجيهها، وهذا يمثل تحدياً كبيراً. فعلى سبيل المثال، وكما أظهرت أعمال سابقة للمنظمة، كثيراً ما يتولى إنتاج الذكاء الاستراتيجي "وسيط نزيه" محايد يعمل بمنأى عن عملية صنع القرار، ومن ثم يكون مستقلاً وجديراً بالثقة. وعلى المنوال نفسه، كثيراً ما يضطلع المنخرطون في التجريب في السياسات بأدوار استشارية أو تحليلية، لكنهم يظلون على هامش الفضاء الجوهري لصنع القرار. غير أن تحقيق دورات سياساتية مرنة وأكبر قدر من الأثر يستلزم أن يُنتَج هذا الذكاء في صلب عملية صنع السياسات وبمشاركة صانعي القرار. ويتطلب سد هذه الفجوة إدماجاً متعمداً لوظائف الذكاء الاستراتيجي والتجريب في المراكز السياسية والاستراتيجية لصنع القرار. ومن السبل إلى ذلك بناء أفضل الممارسات في إنتاج الذكاء المرن على مقربة من المؤسسات المعنية بصنع السياسات أو على يدها. وقد تشكّل المصالح الراسخة والشبكات القائمة للجهات الفاعلة المهيمنة عائقاً إضافياً أمام الأخذ بالأدلة، إذ قد تُتجاهل حتى التوصيات المدعومة بأدلة متينة إذا كانت تهدد الأنظمة القائمة. ومن شأن هذه الديناميكيات أن تحدّ بدرجة كبيرة من قدرة الذكاء الاستراتيجي والتجريب على التأثير في عمليات صنع القرار.
تعزيز شرعية الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات: يتطلب تعميم التجريب في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تهيئ الحكومات بيئة لا يُقبَل فيها اختبار المقاربات الجديدة فحسب، بل يُشجَّع عليه تشجيعاً فعلياً. ويضمن توفير ولايات واضحة وتمويل كافٍ ودعم مؤسسي أن تمتلك الجهات الفاعلة الوسائل والصلاحيات اللازمة للمضي قدماً في التجريب، أي التأكد من أن صانعي السياسات والمؤسسات يحظون بالدعم والموارد اللازمة للتجريب. وتؤدي الشرعية السياسية دوراً محورياً في بناء الثقة بين أصحاب المصلحة، إذ تبيّن أن التجريب يجري عن قصد وبشفافية، وأن الذكاء الاستراتيجي يوفر عملية قائمة على الأدلة تهدف إلى تحسين السياسات. ويسهم التواصل الواضح والاستباقي بشأن أهداف هذه الجهود وعملياتها ونتائجها في ترسيخ تلك الشرعية. كما أن وضع أطر تقييم صارمة وقابلة للتكيف في آن واحد، والتعلم علناً من النجاحات والإخفاقات على حد سواء، يعززان المساءلة وثقة الجمهور في المقاربات المبتكرة.
ترسيخ المرونة مع ضمان رصد وتقييم متينين: يساعد إدماج التعلم التكراري والتقييم المنتظم في تنفيذ سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار على تحديد ما إذا كانت المبادرات تحقق أهدافها بفعالية، مما يتيح التعرف في الوقت المناسب على ما ينجح وما لا ينجح، وعلى التوقيت المناسب لتوسيع نطاق المبادرات أو إيقافها. ودعماً لذلك، ينبغي أن تظل الهياكل التجريبية قابلة للتراجع عنها، بحيث يمكن إيقافها دون اضطراب كبير إذا ثبت عدم نجاحها، وقابلة للتكيف مع الدروس المستفادة خلال التنفيذ. غير أن مصالح راسخة قد تتشكل بمرور الوقت حول مبادرات بعينها، مما يجعل إجراء التغييرات أكثر صعوبة. ويمكن للتجريب، حين يكون جزءاً من حافظة أوسع من إجراءات الدعم، أن يعزز المرونة.
القيود المفروضة على المخاطرة اللازمة للتجريب في السياسات العامة
ثمة عوامل عدة تقيّد المخاطرة التي يقتضيها التجريب في السياسات العامة، من بينها القيود المفروضة على استخدام التمويل العام في المقاربات التجريبية للسياسات. فقد توجد على سبيل المثال قيود على صرف التمويل العام بصورة عشوائية، كما تتطلب التجارب العشوائية المضبوطة، أو معايير جامدة وإجراءات مطوّلة للتقدم إلى أدوات تمويل جديدة، على نحو ما تستلزمه المقاربات الأكثر مرونة في صنع السياسات، كتنفيذ مشروعات تجريبية على نطاق صغير ثم البت على أساسها في توسيع تلك المبادرات أو تقليصها.
ويُعدّ إنفاق أموال دافعي الضرائب على مبادرات غير مضمونة النتائج مصدر قلق مشروع. كما أن المساءلة والضوابط على الإنفاق لا تقل أهمية عن آليات الرقابة الأخرى الرامية إلى منع إساءة استخدام الموارد العامة.
وفي الوقت ذاته، من المهم تجنب "الكفاءة الزائفة"، أي النظام الذي يبدو فعالاً من حيث التكلفة في المدى القصير، لكنه يخنق الابتكار في نهاية المطاف برفضه "الهدر المفيد" الملازم للاختبار والتعلم. فكثيراً ما تكون الفوائد المحتملة للتجريب مجردة وغير مؤكدة وموزعة على أصحاب مصلحة متعددين، في حين تكون مخاطر التجريب الفاشل في الغالب محددة وقابلة للقياس ومرتبطة مباشرة بقرارات فردية. ويولّد ذلك تحيزاً تبرز فيه الإخفاقات أكثر من النجاحات، فيصبح الموظفون العموميون أكثر نفوراً من المخاطرة وأقل ميلاً إلى تبني مقاربات مبتكرة.
ويتطلب تمكين التجريب في السياسات معالجة هذه القيود، بسبل منها ضمان الشفافية والمساءلة وتحقيق العوائد في هذه المبادرات السياساتية التجريبية، واعتماد تقييمات على مستوى الحافظة لحزم السياسات، وبذل الجهود لتخفيف العقبات البيروقراطية، وإجراء تعديلات تنظيمية. ومن الأهمية بمكان أن تسهم الشفافية بشأن التجارب السياساتية، بما في ذلك إخضاعها لتقييمات صارمة، في الحد من مخاطر سوء إنفاق الموارد العامة. وهنا تحديداً يمكن للتجريب في التقييم والرصد ذاتهما أن يقدّم العون.
ويزداد الأمر تعقيداً عند التعامل مع مبادرات سياساتية جديدة قد تنجح وقد لا تنجح، كأدوات السياسات الموجهة إلى الابتكارات الجذرية التي تنطوي على مخاطر فشل أعلى. والأمر الجوهري هنا هو إيجاد سبل لتقييم النجاح الإجمالي لحافظة السياسات، بدلاً من انتظار نجاح كل مبادرة على حدة.
وينبغي أن تظل الإجراءات البيروقراطية والتنظيمية هدفاً مستمراً للتقييم؛ فعلى الرغم من دورها الحيوي في صون مبادئ أساسية كالمساءلة والامتثال والشفافية والاستقرار والحد من المخاطر، فإنها قد تعيق المرونة اللازمة لتطبيق مقاربات سياساتية مرنة. ويشمل ذلك القوانين واللوائح التي تقيّد التجريب في السياسات أو تحظره، فضلاً عن دورات الموافقة المطوّلة وآليات الميزنة الجامدة.
وأخيراً، قد يفضي التجريب أيضاً إلى توفير الأموال؛ إذ إن تقييم السياسات تقييماً صارماً بأساليب تجريبية، كالتجارب العشوائية المضبوطة، يوفر أدلة على ما ينجح وما لا ينجح، مما يساعد الحكومات على إنفاق الأموال العامة المحدودة بمزيد من الفعالية. ويدعم رفع مستوى الوعي بفوائد هذه الأساليب، بوصفها جزءاً من عمليات الرصد والتقييم، الإنفاقَ العام المسؤول. وقد تكون التكاليف المرتفعة لإعداد تقييمات جديدة أكثر صرامة مبررة تماماً، فضلاً عن أنها تتراجع بمرور الوقت مع تراكم الخبرة في إجرائها وتطبيقها.
هياكل الحوافز والقدرات
يُعدّ بناء القدرات لدعم مسؤولي القطاع العام في تطبيق مقاربات سياساتية مبتكرة عاملاً رئيسياً آخر يعيق إحراز مزيد من التقدم. ويشمل ذلك ضمان تمثيل طيف من الخلفيات التخصصية وأشكال الخبرة داخل الإدارات العامة، بما في ذلك الخبرات الآتية من قطاع الصناعة ومن مجالات علمية متنوعة، تمتد من العلوم الاجتماعية والخلفيات القانونية إلى الهندسة والعلوم الطبيعية. وعلاوة على ذلك، يمكن لتقديم تدريب متخصص على أساليب التجريب في السياسات وتقييمها للإداريين العموميين وموظفي الخدمة المدنية أن يساعد في توضيح آليات عمل هذه الأساليب وتبديد المفاهيم الخاطئة حول استخدامها. ومن المهارات الأساسية الأخرى للابتكار في القطاع العام الإلمام بالبيانات من أجل صنع قرار مستنير بالأدلة، وفن السرد القصصي لإيصال الأفكار بفعالية.
كما يمكن لاعتماد مقاربات تتمحور حول المستخدم بقدر أكبر أن يحسّن استجابة السياسات للاحتياجات المتغيرة لمستخدمي هذه الخدمات. ويقتضي ذلك التقييم المنهجي لمدى تلبية المشروعات أو السياسات أو الخدمات المقترحة لاحتياجات المستخدمين، بوصفه جزءاً من عملية إقرار السياسات. ولا بد من تخصيص موارد ووقت كافيين لفهم هذه الاحتياجات وتحليلها، وكذلك لإجراء بحوث واختبارات منتظمة لضمان استمرار ملاءمة السياسات. ويكتسي ذلك أهمية خاصة في التجريب في السياسات، حيث يكون الاختبار التكراري وحلقات التغذية الراجعة حاسمين في صقل المبادرات وتحسينها. فمن دون مشاركة حقيقية، تتعرض السياسات التجريبية لخطر الانفصال عن الاحتياجات الواقعية، وقد تخفق في كسب ثقة الجمهور وإقباله عليها. ولبناء الثقة وضمان مشاركة ذات أثر، يُستحسن أن يعطي صانعو السياسات الأولوية لعدد قليل من عمليات المشاركة المحكمة التصميم ذات الأثر السياساتي الأكبر، بدلاً من توزيع الجهود على عمليات عديدة ضعيفة الأثر تُنظَّم بوصفها إجراءات شكلية لاستيفاء المتطلبات. ذلك أن المشاركة السيئة التنفيذ قد تخيّب آمال المشاركين وتقوّض الثقة في الحكومة.
وبعيداً عن القدرات، ثمة ضرورة ملحّة لإيجاد ثقافة داعمة للابتكار، تُقدَّم فيها حوافز للانخراط في المقاربات السياساتية التجريبية، في ظل نظام ميّال إلى التجريب يشجع الموظفين العموميين على تبني مقاربات سياساتية مرنة واستخدام أدوات رقمية جديدة لجمع البيانات وتحليلها. ويتطلب ذلك دراسة حوافز المسؤولين العموميين فيما يتعلق بالتجريب في السياسات، وهي حوافز تتوقف إلى حد بعيد على ديناميكيات تقييم الأداء والترقي الوظيفي السائدة، وعلى التراتبيات الداخلية وما تتيحه من فرص للمبادرات النابعة من القاعدة. ويمكن للمناصرين داخل القطاع العام، سواء أكانوا من كبار القادة أم من المحللين أم من مديري البرامج، أن يؤدوا دوراً فاعلاً في تشكيل هذه الثقافة عبر إيجاد مساحات محمية للتعلم، حتى في الأنظمة التي تفتقر إلى حوافز رسمية كافية.
ويكتسي التأييد من أعلى المستويات للتجريب في السياسات أهمية قصوى كذلك في بناء ثقافة التجريب وإضفاء الطابع المؤسسي عليها. فـ"توجيه التجريب لنواب الرؤساء" في كندا يمنح الإدارات الحكومية تفويضاً بتخصيص جزء من أموال البرامج للتجريب، ووضع إجراءات واضحة لتقييم الدروس المستخلصة من التجارب وإدماجها في البرامج الجديدة. كما أنشأت فنلندا مبادرة "فنلندا التجريبية" (Experimental Finland) التي تشجع الوزارات القطاعية وتدعمها في إجراء تجارب سياساتية عبر تأييد صريح من أعلى المستويات.
ويمكن كذلك إنشاء آليات حوكمة عابرة للقطاعات للتعلم المشترك بشأن التجريب في السياسات، من قبيل استخدام قواعد بيانات مركزية لتتبع التجارب وتبادل نتائجها والحد من ازدواجية الجهود. ويساعد تحسين التنسيق في تقليص خطر "المشرعة"، أي الإفراط في التركيز على المشروعات التجريبية الصغيرة النطاق، مما يفضي إلى تشتت الجهود ويجعل توسيع نطاق المبادرات الناجحة أكثر صعوبة بسبب محدودية الموارد والقدرات.
نهج كندا في دعم التجريب في السياسات
منذ عام 2015، تبنّت كندا نهجاً جديداً في الحوكمة يعزز الابتكار في القطاع العام، مع تركيز قوي على تشجيع الإدارات الاتحادية على تجريب أساليب جديدة لتحسين صنع السياسات. ودعماً لذلك، أطلقت الحكومة عدة برامج لتذليل العقبات التي تعترض التجريب في السياسات وتوسيع نطاق استخدامه، ونستعرض فيما يلي بعضاً من هذه المبادرات.
إضفاء الطابع المؤسسي على التجريب في السياسات
تسعى مبادرة "أثر كندا" (Impact Canada)، التي أُطلقت عام 2017، إلى تعزيز تبني المقاربات المبتكرة من خلال دعم الإدارات الحكومية في تصميم المشروعات وتقييمها باستخدام الجوائز والمسابقات والتمويل الصغير وغيرها من المقاربات القائمة على النتائج.
ومن أبرز إنجازات هذه المبادرة تحسين وصول صانعي السياسات وسائر أصحاب المصلحة إلى المعلومات عبر مواد واضحة وميسّرة حول التجريب في السياسات. وفي إطار هذا الجهد، أعدّت الحكومة الكندية دليل "قياس الأثر بالتصميم: دليل لأساليب قياس الأثر" (Measuring Impact by Design: A Guide to Methods for Impact Measurement)، الذي يسعى إلى تعزيز استخدام المقاربات التجريبية وشبه التجريبية في أرجاء البلاد. ويبيّن الدليل أن معظم البرامج قادرة، مع التخطيط السليم، على إدماج أساليب التقييم التجريبي للأثر دون أن تتعطل عملياتها المعتادة، أو مع حد أدنى من التعطل.
ويُعدّ "توجيه التجريب لنواب الرؤساء" (Experimentation Direction for Deputy Heads) إطاراً مهماً آخر استُحدث في إطار مبادرة "أثر كندا". وتعزز هذه الوثيقة التزام الحكومة بتخصيص نسبة ثابتة من أموال البرامج لاختبار مقاربات جديدة، وتقدم إرشادات لنواب الرؤساء بشأن تنفيذ هذا الالتزام.
ولمعالجة هذه التحديات، أطلقت كندا عام 2018 مبادرة "التجريب ينجح" (Experimentation Works) لتدريب الموظفين العموميين على الأساليب التجريبية. واعتمدت المبادرة نهجاً عملياً قائماً على "التعلم بالممارسة"، فقدّمت وحدات تعليمية ميسّرة وأدوات داعمة، ونموذجاً "للتجريب العلني" شجّع على الشفافية والتعاون. ومن السمات الرئيسية للمبادرة الدعم المقدَّم لخمس تجارب صغيرة النطاق تقودها الإدارات، صمّمها الموظفون العموميون ونفّذوها بأنفسهم. ومن خلال مرافقة هذه التجارب من بدايتها إلى نهايتها، عززت المبادرة الفهم العملي للتجريب، وأبرزت قيمته، وأنتجت أمثلة ملموسة على التجارب الاتحادية.
إضفاء الطابع المؤسسي على التجريب والذكاء الاستراتيجي
يمكن لإضفاء الطابع المؤسسي على التجريب وعلى إنتاج الذكاء الاستراتيجي واستخدامه أن يدعم تبنيهما على نطاق أوسع، وذلك بإدماجهما في البرامج والأطر الوطنية. ويقتضي ذلك أن تهيئ الحكومات بيئة لا يُقبَل فيها اختبار المقاربات الجديدة فحسب، بل يُشجَّع عليه تشجيعاً فعلياً، وهو ما يشمل ما يلي:
تيسير الوصول إلى المعلومات: تزويد صانعي السياسات بمواد واضحة وميسّرة حول مقاربات التجريب في السياسات والذكاء الاستراتيجي. ويمكن لهذه الموارد أن تشرح الأنواع المختلفة للتجريب، كالبيئات التنظيمية التجريبية والتجارب العشوائية المضبوطة، وأساليب الذكاء الاستراتيجي، والأدوار المتمايزة لكل منها وكيفية إسهامها. ويشمل ذلك وضع مبادئ توجيهية وأطر توضح أثرها، وضمان إدماجها في الاستراتيجيات الوطنية.
رسم خارطة طريق محكمة التحديد: تحديد أهداف واضحة، وتعيين المجالات الرئيسية للتجريب، وإنشاء آليات لتوسيع نطاق المبادرات الناجحة. ويشمل ذلك تحديد معايير النجاح، ووضع مقاييس مرجعية للتقدم، وضمان التقييم المستمر.
تأمين الدعم السياسي والمالي على المدى الطويل: إدماج التجريب في السياسات والذكاء الاستراتيجي في الميزانيات الوطنية والأطر التشريعية. ويقتضي ذلك إنشاء مسارات تمويل مخصصة، ومعالجة العقبات الإدارية، وتعزيز التعاون بين القطاعات، وضمان التزام سياسي رفيع المستوى يكفل استمرار التجريب بما يتجاوز الدورات السياسية.
التعلم من المقاربات المركّبة
في بعض الحالات، تُستخدم مقاربات الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات مجتمعةً. فعلى سبيل المثال، أُنشئ في المملكة المتحدة في يوليو 2024 مكتب الابتكار التنظيمي (Regulatory Innovation Office) بوصفه وحدة حوكمة داعمة للابتكار، تهدف إلى تيسير النشر السريع للابتكارات على أساس من الابتكار المسؤول. ويقوم المكتب على ثلاث ركائز رئيسية: أولاً، ركيزة معرفية تحشد الذكاء الاستراتيجي لتحسين فهم الطبيعة المتطورة للمجالات التكنولوجية والمقاييس الملائمة لدعم صنع القرار الاستراتيجي بمرور الوقت؛ وثانياً، ركيزة استراتيجية تحدد الأولويات، ولا سيما الأولويات الصناعية، عبر تطوير نظام مرن وسريع الاستجابة قادر على بلورة الحوكمة اللازمة لهذه التقنيات الجديدة وتطبيقها؛ وثالثاً، ركيزة للقدرات تتيح الإصلاح المؤسسي وتبني المهارات التنظيمية اللازمة لرصد التغيرات الاقتصادية والمجتمعية الكبيرة التي قد تحملها التقنيات الناشئة والاستجابة لها. ويكشف هذا المثال وغيره عن القيمة المضافة للجمع بين هذه المقاربات المختلفة في برنامج أنشطة متسق لدعم سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
الاستنتاجات
توفر دورات السياسات التدريجية الاستقرار للجمهور، وتمنح أصحاب المصلحة في قطاع الصناعة توجهاً استراتيجياً يتواءمون معه، كما تهيئ المناخ للاستثمار الصبور الطويل الأجل. غير أن هذا الفصل بيّن أن ثمة ظروفاً يبدو فيها صنع السياسات المرن واعداً، وذلك في أوقات الإلحاح، سواء أكانت مخططاً لها، كدفع الابتكار التكنولوجي قدماً لتحسين القدرة التنافسية أو حل التحديات المجتمعية، أم غير مخطط لها، كالاستجابة للأزمات من قبيل الجوائح أو تداعيات الحروب وسائر النزاعات.
ويتطلب بناء القدرة على صنع سياسات مستنيرة ومرنة كلاً من التجريب والذكاء الاستراتيجي. فاستشراف السياسات واختبارها وتعديلها في ظروف العالم الواقعي يساعد على تحديد ما ينجح وما لا ينجح ومواطن الحاجة إلى التحسين. كما أن تكامل أدوات الذكاء الاستراتيجي المختلفة في رفد إجراءات دعم المرونة يمكن أن يسهم في إرساء ثقافة قوامها الاستباق والتعلم أثناء العمل، مع زيادة المرونة والقدرة على التكيف داخل الهياكل البيروقراطية، عبر آليات تنسيق أفضل وإجراءات مبسّطة. ومن شأن هذه المرونة والقدرة على التكيف أن تخفّضا تكلفة إطلاق التجارب وتعقيدها.
وثمة إجراءات متعددة يمكنها أن ترسّخ ثقافة مرنة وتكيفية لدى صانعي السياسات وأن تسرّع وتيرتها، من بينها إضفاء الطابع المؤسسي على التجريب في السياسات بإدماجه في البرامج والأطر الوطنية، للمساعدة على تجاوز الخوف من الفشل أو من العواقب السياسية الذي كثيراً ما يجعل الإدارات العامة مترددة في الابتكار. فضلاً عن ذلك، تسهم برامج التدريب في بناء قدرات القطاع العام على توظيف الذكاء الاستراتيجي واستخدام التجريب في السياسات.
ويستلزم تجاوز هذه التحديات إعادة نظر جوهرية في منظومات الحوافز. ففي حالة التجريب في السياسات مثلاً، ليس الانتقال من التجارب الصغيرة الناجحة إلى إنهاء المبادرات الفاشلة تدريجياً أو توسيع نطاق الناجحة منها أمراً مسلّماً به؛ إذ كثيراً ما يُثبَّط الاعتراف بالفشل بسبب اختلال الحوافز، في حين قد يعيق توسيعَ نطاق النجاح محدوديةُ الموارد المالية والتعقيدات القانونية أو التنظيمية التي تبرز عند الانتقال إلى التطبيق على نطاق أوسع.
أما فيما يخص الذكاء الاستراتيجي، فلا بد أن يراعي تطبيق أدواته غياب الأدلة القاطعة، لا سيما في سياق ما يكتنف مجال التقنيات السريعة الظهور والتطور من عدم يقين وتعقيد شديدين. ويُعدّ فهم هذه القيود والتركيز على التعلم أمرين مهمين لاستخدام هذه الأدوات على نحو أمتن بما يعود بالنفع على مرونة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
لقد عرض هذا الفصل تجارب في الذكاء الاستراتيجي المرن والتجريب في السياسات. وتشكّل الرؤى المعروضة مجتمعةً صورة مثالية لعملية صنع سياسات مرنة يقودها الذكاء. بيد أنه لا ينبغي إغفال واقع العمل اليومي للعاملين في الإدارات العامة وممارساتهم والقيود المؤسسية التي يعملون في ظلها. فعلى الرغم من وجود مقاربات واعدة لإنتاج الذكاء الاستراتيجي والتجريب في السياسات، لا تزال طائفة واسعة من التحديات قائمة. ويظل المجال مفتوحاً لاستكشاف هذه التحديات بمزيد من العمق، واستخلاص رؤى إضافية من التجريب في السياسات ومن استخدام الذكاء الاستراتيجي.
