القائمة الرئيسية

آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025: قيادة التغيير في مشهد متحول (7/3)

آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025: قيادة التغيير في مشهد متحول (7/3)
ملخص الدراسة

يركز هذا الفصل على أهمية توسيع نطاق المشاركة في الابتكار والاستفادة منه لضمان تعميم منافع استثمارات العلوم والتكنولوجيا والابتكار عبر جميع الفئات الاجتماعية والمناطق والقطاعات. فرغم أن الابتكار متركز بطبيعته في الشركات والمناطق الرائدة، إلا أن تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المستدام يتطلب جهودًا مقصودة لنشر هذه الابتكارات وتعميمها، وتوسيع دائرة المشاركين في تطويرها وتوجيهها. ويؤكد الفصل أن هذا الأمر، رغم كونه تحديًا تاريخيًا، يكتسب إلحاحًا جديدًا في سياق التحولات التكنولوجية المتسارعة والمنافسة الجيوسياسية، مما يستدعي الموازنة بين السعي إلى التميز التكنولوجي والشمول، وتنسيق السياسات ليس فقط في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بل أيضًا في التعليم وسوق العمل والسياسات الاجتماعية والإقليمية، لمعالجة العوائق الهيكلية وضمان توزيع عادل للفرص والمنافع.

الفصل الثالث: توسيع نطاق الاستفادة من الاستثمارات في العلوم والتكنولوجيا والابتكار

يتناول هذا الفصل أهمية توسيع نطاق المشاركة في الابتكار والاستفادة منه بين مختلف الفئات الاجتماعية والمناطق والقطاعات الصناعية. ويبحث في الكيفية التي تتفاعل بها التحديات الخاصة التي يواجهها صانعو سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في عام 2025، وهي تسريع تطوير التقنيات الرائدة وبناء القدرة على الصمود وتعزيز الاستدامة، مع القنوات التي تتوزع عبرها منافع الابتكار. ويختتم الفصل بتحديد أبرز الدلالات المترتبة على ذلك بالنسبة إلى صانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.

الرسائل الرئيسية

تحديات قديمة في سياقات متغيرة. إن كثيراً من تحديات المشاركة والشمول التي تواجه سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في عام 2025، كضعف تمثيل بعض الفئات وتركّز الفرص وأهمية انتشار التقنيات، إنما هي صدى لأنماط رُصدت على امتداد تاريخ التغير التكنولوجي. وإذا كانت ضرورة توسيع المشاركة ليست أمراً مستجداً، فإن السياق الراهن الذي يتسم بتحولات تكنولوجية متسارعة ومنافسة جيوسياسية وتحديات مجتمعية ملحّة يجعل من الأشد إلحاحاً على صانعي السياسات أن يعالجوا العوائق التي ظلت قائمة عبر التحولات الكبرى السابقة.

الابتكار متركز بطبيعته، غير أن تعميم منافعه يستلزم جهوداً مقصودة لنشره. إذ تتجمع أنشطة الابتكار على نحو طبيعي لدى الشركات والقطاعات والمناطق الرائدة بفضل وفورات الحجم وانتقال المعرفة. بيد أن تحويل هذه الابتكارات المتركزة إلى مكاسب في الإنتاجية تعم الاقتصاد بأسره وإلى منافع مجتمعية يتطلب سياسات واستثمارات مخصصة لآليات النشر.

توسيع المشاركة رافعة أساسية لتعظيم منافع الابتكار. فإلى جانب نشر التقنيات القائمة، يمكن لتوسيع دائرة من يشاركون في ابتكار التقنيات ورسم توجهاتها أن يرفع جودة التطور التكنولوجي ويعزز صلته بحاجات المجتمع، مع ضمان وصول منافعه إلى فئات سكانية أكثر تنوعاً.

التركز الإقليمي والصناعي يحدد فرص الشمول. تتركز أنشطة الابتكار بشدة لدى الشركات والقطاعات والمناطق الرائدة، مما يُفضي إلى تفاوت في فرص المشاركة والاستفادة. فالعاملون في البيئات عالية الابتكار يحظون بفرص أكبر للوصول إلى وظائف عالية القيمة وللترقي المهني، في حين تضيق الآفاق أمام نظرائهم في المناطق المتأخرة.

قد تواجه سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار مفاضلات بين التميز والشمول. فالسياسات التي تعزز المشاركة مباشرة، وتلك التي تدعم مراكز التميز تحقيقاً لسرعة الإنجاز، تؤدي كلتاهما أدواراً مهمة في هذه السياسات. والمهم في مزيج سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار هو دعم التقدم على الحدود التكنولوجية مع تيسير الوصول الواسع إلى المنافع والمشاركة.

التنسيق بين مجالات السياسات أمر لا غنى عنه. يدل استمرار فجوات المشاركة رغم التدخلات الموجهة في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار على أن تحقيق الشمول يتطلب عملاً منسقاً يشمل سياسات التعليم وسوق العمل والسياسات الاجتماعية وسياسات التنمية الإقليمية. فسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وحدها عاجزة عن معالجة العوائق الهيكلية المتجذرة، ولا بد من تنسيقها مع مجالات السياسات الأخرى.

مقدمة

يُسهم الابتكار التكنولوجي وانتشاره إسهاماً كبيراً في تحسين حياة الناس داخل الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وخارجها. فسواء تحقق ذلك من خلال رفع إنتاجية العمل، أو تحسين جودة الخدمات الطبية والتعليمية وإتاحتها، أو ضمان الحصول المستقر والميسور على الطاقة، يمكن للابتكار التكنولوجي وانتشاره أن يكونا قوتين فاعلتين في دفع التقدم الاقتصادي والمجتمعي والبيئي. ومع تزايد توجيه صانعي السياسات لاستثمارات العلوم والتكنولوجيا والابتكار نحو أهداف استراتيجية كالقدرة التنافسية والقدرة على الصمود والاستدامة، يبحث هذا الفصل في أسباب ضمان التوزيع الواسع لمنافع هذه الاستثمارات وسبله، بعدما غدا ذلك شرطاً أساسياً لنجاح السياسات.

لقد ظل توسيع المشاركة في الابتكار وتعميم منافعه موضوعاً متكرراً في النقاشات الدولية حول سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بما في ذلك في إصداري عامي 2018 و2021 من تقرير آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار الصادر عن المنظمة. وتؤكد هذه النقاشات أن اتساع المشاركة في الابتكار التكنولوجي وانتشاره لا يحسّن النتائج الاقتصادية فحسب، بل يمكن أن يرفع أيضاً جودة الابتكار ذاته ويعزز صلته بحاجات المجتمع. وفي حين تظل هذه الرؤى صالحة لعام 2025 وما بعده، يواجه صانعو السياسات تحديات جديدة ناشئة عن الاتجاهات المستجدة في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار.

يتمثل التحدي الأول في تزايد التركيز، في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد 19، على سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الموجهة التي تعالج ضرورات استراتيجية من قبيل الصمود التكنولوجي والقدرة التنافسية. ومع أن هذا التركيز الاستراتيجي ضروري للقدرة التنافسية الوطنية، فإن الخطر يكمن في أن إلحاح هذه الاستثمارات وحجمها قد يعززان، من غير قصد، أنماط التركز القائمة. فحين تُضخ موارد عامة محدودة بسرعة لتحقيق اختراقات تكنولوجية، فإنها كثيراً ما تتجه إلى مراكز التميز الراسخة، كالمؤسسات البحثية الرائدة والشركات الكبرى ومراكز الابتكار، القادرة على تحقيق نتائج سريعة، مما قد يوسّع الفجوة مع المناطق والجهات الفاعلة الأخرى ما لم تصاحبه استثمارات موازية في النشر وبناء القدرات.

أما الاعتبار الثاني فهو أن الغالبية العظمى من العمالة في الدول الأعضاء في المنظمة تتركز في قطاعات منخفضة أو متوسطة الكثافة الابتكارية، ومنها قطاعا الرعاية الصحية والتعليم، حيث يمكن لانتشار التقنيات أن يحسّن الإنتاجية والنتائج الاجتماعية تحسيناً كبيراً. ومن ثم، من المهم ضمان ألا تعرقل الجهود الرامية إلى دفع الحدود التكنولوجية قدماً جهودَ تسريع انتشار الابتكار التكنولوجي حيث يمكن أن تكون مكاسب الإنتاجية ذات أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة.

والاعتبار الثالث أن الصناعات التحويلية كثيفة الابتكار تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في تبنّي التقنيات الرقمية والتقنيات منخفضة الكربون في آن واحد، مما يضع الشركات والعاملين في هذه الصناعات أمام تحدٍ زمني في سبيل الإسهام في الابتكار التكنولوجي والاستفادة منه.

والاعتبار الرابع أن ديناميكيات تركز الأسواق في بعض القطاعات كثيفة الابتكار قد تؤثر في توزيع فرص الابتكار ومنافعه. ويتطلب فهم هذه الديناميكيات وما يترتب عليها في تصميم سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار اهتماماً من صانعي السياسات، وربما تنسيقاً مع مجالات السياسات الأخرى.

وتشير هذه الديناميكيات إلى عدة مجالات يمكن لصانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن يتحركوا فيها:

تعزيز سياسات النشر لتوسيع المشاركة في الابتكار التكنولوجي والاستفادة منه، مع مراجعة أفضل الممارسات المستمدة من مبادرات النشر التكنولوجية والإقليمية والقطاعية بما يلائم السياق المعاصر.

إدماج تأملات استراتيجية في عملية تصميم السياسات حول الكيفية التي قد يؤثر بها تحديد الأولويات الاستراتيجية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار في المشاركة في العلوم والتكنولوجيا والابتكار الممولة من المال العام والاستفادة منها، وحول السبل التي يمكن بها لصانعي السياسات في هذا المجال وفي مجالات السياسات الأخرى معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية لذلك.

تحسين فهم العلاقة بين المنافسة من جهة والابتكار التكنولوجي وانتشاره من جهة أخرى، داخل الاقتصادات وفيما بينها.

يبدأ هذا الفصل بلمحة موجزة عن الآثار المتفاوتة، والمتأخرة أحياناً، للابتكار التكنولوجي وانتشاره عبر التاريخ. ثم ينتقل إلى مناقشة إطار مبسّط يوضح كيف تؤثر المشاركة في الابتكار في اتجاه التقدم التكنولوجي وفي توزيع نتائجه. ويتناول الفصل بعد ذلك كيفية تفاعل المشاركة في الابتكار التكنولوجي وانتشاره مع الضرورات التي يواجهها صانعو سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار اليوم، كالقدرة التنافسية والقدرة على الصمود. ثم يعرض بعض القنوات الرئيسية التي يمكن من خلالها لهذا الإطار أن يسترشد به في رسم سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في عام 2025 والسنوات المقبلة. ويختتم الفصل ببعض الاعتبارات الشاملة لصانعي السياسات وهم ينظرون في أهمية توسيع المشاركة في الابتكار التكنولوجي والاستفادة منه عند تصميم سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتنفيذها في السنوات المقبلة.

لماذا ينبغي لصانعي السياسات الاهتمام بتوسيع المشاركة في العلوم والتكنولوجيا والابتكار؟

تتشارك التغيرات التحويلية الجارية حالياً، بما فيها التحولان الرقمي والأخضر، خصائص جوهرية مع التغيرات التكنولوجية التحويلية عبر التاريخ، ولا سيما في كونها تُفرز منافع متركزة خلال مراحل التطوير وأنماط انتشار متفاوتة قد تحدّ من قدرة جميع فئات السكان على الاستفادة. ويكشف التحليل التاريخي للتحولات التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها الثورة الصناعية الأولى (بين عامي 1760 و1840)، عن أنماط متكررة تتركز فيها منافع الابتكارات الرائدة في البداية لدى من يملكون رأس المال والبنية التحتية التكنولوجية، في حين لا تتحقق المكاسب المجتمعية الأوسع إلا عبر آليات نشر مقصودة، وكثيراً ما يستلزم ذلك تدخلاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً. وتُعدّ مكننة صناعة النسيج البريطانية مثالاً على ذلك، إذ تبيّن كيف يمكن للتقدم التكنولوجي أن يدفع نمو الإنتاجية وأن يُقصي في الوقت نفسه فئات كاملة من العمال المهرة؛ فقد انخفضت الأجور الحقيقية لنسّاجي الأنوال اليدوية إلى أقل من النصف بين عامي 1806 و1820 مع حلول الأنوال الآلية محل الحرفية التقليدية، وهو ما يجسّد بوضوح العواقب التوزيعية الحادة للتغير التكنولوجي على المدى القصير.

وما يميز التحولين الرقمي والأخضر المعاصرين عن الثورات التكنولوجية السابقة ليس سرعتهما ونطاقهما فحسب، بل أيضاً الإدراك بأن المنافع الواسعة والمشتركة للابتكار ليست تلقائية ولا مضمونة. فخلافاً للحقب السابقة التي كثيراً ما عُدّت فيها العواقب التوزيعية نتاجاً جانبياً حتمياً للتقدم، تجري تحولات اليوم ضمن أطر سياساتية تقرّ صراحة بالحاجة إلى نُهج تشاركية في تطوير التقنيات ونشرها. وتشير الشواهد المستقاة من التحولات التاريخية إلى أن التقدم التكنولوجي قد يُفضي، في غياب تدخل مقصود، إلى أوجه عدم مساواة مستمرة حتى بعد عقود من النمو الاقتصادي. فقد كان التحسن في مستويات معيشة العمال الذين فقدوا أعمالهم إبان الثورة الصناعية ضئيلاً، ولم يتحقق إلا بعمل اجتماعي وسياسي متواصل. ويؤكد هذا المنظور التاريخي لماذا يتعين على النقاشات الحالية حول التقنيات الرائدة، كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأنظمة الطاقة النظيفة، أن تعالج في آن واحد تركّز قدرات التطوير وآليات ضمان الوصول الواسع إلى منافع التقدم التكنولوجي.

ويستند الإطار الذي يعرضه هذا الفصل إلى هذه الرؤى التاريخية للتمييز بين ديناميكيات التطوير، التي تحدد من يشارك في عمليات الابتكار وأين تتركز قدراته، وديناميكيات الانتشار، التي ترسم كيفية انتقال الابتكارات بين مختلف الفئات السكانية والمناطق والقطاعات الاقتصادية بمرور الوقت. ويكتسب فهم هذا التمييز أهمية حاسمة لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار المعاصرة، إذ تشير الشواهد إلى أن معالجة تحديات الشمول تتطلب نُهجاً مختلفة في مرحلة التطوير، حيث ينصبّ التركيز على توسيع المشاركة في البحث والابتكار على الحدود التكنولوجية، عنها في مرحلة الانتشار، حيث يتحول الاهتمام إلى ضمان التبنّي الواسع وتقاسم المنافع بين المجتمعات والمناطق المتنوعة.

كيف يؤثر الابتكار التكنولوجي في المجتمع، وكيف تؤثر المشاركة الأوسع في الابتكار في اتجاهه؟

ثمة بُعدان رئيسيان لفهم تفاعل الابتكار التكنولوجي مع النتائج الاجتماعية والاقتصادية. يتعلق الأول بكيفية تأثير تطوير التقنيات الجديدة وانتشارها في نتائج الفئات المختلفة، وبالمهارات والقدرات التي قد تحتاج إليها هذه الفئات للاستفادة من تلك التقنيات. ويتعلق الثاني بكيفية تأثير المشاركة في تطوير الابتكار التكنولوجي في اتجاه هذا الابتكار وجودته. ويتفاعل هذان البُعدان بطرق تؤثر في مدى شمول المكاسب المتحققة من الابتكار، كتحسّن النتائج الصحية واتساع فرص الوصول إلى التعليم وارتفاع الإنتاجية، وفي مدى اتساق الابتكار مع الحاجات الاجتماعية.

وتتمثل هذه النتائج في الكيفية التي تستفيد بها الفئات المختلفة في المجتمع من التقنيات والابتكارات الجديدة على النحو الآتي:

الآثار المباشرة (البُعد أ): قد تستفيد الفئات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة من التقنيات والابتكارات الجديدة بدرجات متفاوتة. وتحدد عدة شروط إمكانية الوصول إلى منافع الابتكار، منها السعر، والتوافر الجغرافي، والبنية التحتية اللازمة، وقدرات المستخدمين كالمهارات الرقمية أو التقنية، فضلاً عن الغاية من الابتكار ذاته، التي قد تكون تلبية حاجات فئات سكانية بعينها. وتمثل الابتكارات الاجتماعية فئة فرعية محددة من الابتكارات تهدف إلى معالجة الحاجات الاجتماعية غير الملبّاة، ولا سيما تلك التي تمس الفئات المهمشة أو المحرومة من الخدمات.

الآثار غير المباشرة (البُعد ب): تتحقق آثار اقتصادية واجتماعية أوسع بصورة غير مباشرة من خلال التأثير في عوائد العمل ورأس المال اللذين يطالهما الابتكار والتكنولوجيا. فالتغيرات في عمليات الإنتاج التي يحركها الابتكار، كالأتمتة والتوسع في تطبيق الذكاء الاصطناعي في الإنتاج، يمكن أن تغيّر الطلب على المهارات أو القدرات وأن تؤثر في الطلب على أنواع مختلفة من الأصول كرأس المال والأراضي وغيرها. علاوة على ذلك، يمكن للتقدم التكنولوجي أن يغيّر العوائد النسبية للعمل ورأس المال.

أما المشاركة فتشير إلى الفرص المتاحة لمختلف فئات المجتمع للتأثير في التقدم التكنولوجي على النحو الآتي:

المشاركة المباشرة (البُعد ج): يمكن للأفراد الانخراط مباشرة في تصميم التكنولوجيا والابتكار وتطويرهما بوصفهم جزءاً من القوى العاملة في البحث والابتكار. ويتطلب هذا الانخراط امتلاك مهارات وقدرات متخصصة تختلف باختلاف طبيعة الأنشطة المنفذة. وبعيداً عن الأدوار المهنية في البحث والابتكار، يمكن للمواطنين عموماً المشاركة بطرق شتى، تتراوح بين أشكال انخراط محدودة، كتقديم ملاحظات المستخدمين التي تؤثر في تطوير المنتجات، وأشكال أعمق، كالإسهام في مشاريع البرمجيات مفتوحة المصدر ومشاريع علم المواطن.

المشاركة غير المباشرة (البُعد د): قد يشارك الأفراد أيضاً بصورة غير مباشرة في توجيه تطوير الابتكار والتكنولوجيا من خلال المشاركة في عمليات صنع القرار في القطاع الصناعي أو في مجال السياسات، كاتخاذ قرارات استثمارية رئيسية أو التأثير في الخيارات المؤسسية المتعلقة بالتبنّي؛ ومن خلال المشاركة في المشاورات العامة أو في التقييم التشاركي للتقنيات أو في ممارسات التحديد التشاركي لأولويات البحث التي تؤثر في توجهات الخيارات العامة أو الخاصة بشأن الابتكار والتكنولوجيا؛ وكذلك، على نحو أقل فاعلية، من خلال التأثير في الطلب.

ومن ثم، يمكن استكشاف العلاقة بين الابتكار والشمول من خلال هذه الأبعاد الأربعة.

ما الدلالات بالنسبة إلى سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار اليوم؟

انطلاقاً من السياق التاريخي والإطار المعروضين في القسم السابق، يتناول هذا القسم كيفية تفاعل ديناميكيات المشاركة مع ضرورات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في الوقت الراهن. ومن أبرز الأولويات التي يواجهها صانعو السياسات في عام 2025: تسريع تطوير التقنيات الاستراتيجية، وإدارة التحولين الأخضر والرقمي مع الحفاظ على القدرة التنافسية، وإتاحة انتشار واسع للتقنيات لتلبية متطلبات الإنتاجية، وبناء توافق حول توجهات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، والعمل بمرونة في ظل القيود المالية. وتُعرض، حيثما أمكن، شواهد من مجالات المشاركة على أساس النوع الاجتماعي والمشاركة الإقليمية والصناعية لتوضيح هذه الديناميكيات.

الموازنة بين التميز والشمول في عصر المنافسة الاستراتيجية

يتناول هذا القسم الفرعي كيفية تجلّي التمييز الذي يقيمه الإطار بين النتائج والمشاركة، عبر القنوات المباشرة وغير المباشرة على السواء، عند الحدود المتقدمة لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فالاستثمارات الموجهة نحو الحدود التكنولوجية وسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ذات الطابع التوجيهي يُراد منها تحقيق مكاسب اقتصادية وتكنولوجية كبيرة، غير أنها تنطوي على خطر تركيز المنافع المباشرة (البُعد أ: من يجني عوائد المنتجات الجديدة في هذا المجال) والآثار الهيكلية غير المباشرة (البُعد ب: من يستفيد من تغير الطلب على المهارات ورأس المال) لدى الجهات الفاعلة الراسخة.

ومن ثم، تواجه استثمارات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الموجهة نحو الحدود التكنولوجية تحدياً في تخصيص الموارد؛ فتوجيه الميزانيات المحدودة نحو مراكز التميز الراسخة، وهو أمر قد يكون منطقياً تماماً لتحقيق اختراقات سريعة، قد يؤدي من غير قصد إلى تركيز عوائد الابتكار ومنافعه الهيكلية لدى جهات تمتلك القدرات أصلاً. وينشأ عن ذلك توتر بين الضرورة العاجلة لتطوير التقنيات الاستراتيجية والهدف الأشمل المتمثل في ضمان الوصول الواسع إلى منافع الابتكار، ولا سيما حين تكون آليات النشر القائمة مثقلة أصلاً.

لقد أحدثت الوتيرة المتسارعة للتحولين الرقمي والأخضر، مقترنة بتصاعد المنافسة الجيوسياسية حول التقنيات الرائدة، تحولاً جذرياً في المشهد السياساتي لمنظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فقد أطلقت الاقتصادات الكبرى استثمارات موجهة ضخمة، كقانون الرقائق الأوروبي الذي أصدره الاتحاد الأوروبي، بهدف بناء القدرات في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات وتقنيات الطاقة النظيفة. وتعكس هذه السياسات حقبة جديدة باتت فيها سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ذات طابع توجيهي متزايد، تسعى إلى تحقيق أهداف محددة موجهة نحو المهام، وتتعامل في الوقت نفسه مع مفاضلات معقدة بين الريادة التكنولوجية والمشاركة الشاملة.

وتُظهر مؤشرات متنوعة أن الابتكار التكنولوجي متركز بالفعل بدرجة عالية على مستوى الشركات والقطاعات والمناطق. فعلى مستوى الشركات، تُبيّن البيانات المتعلقة بكبار المستثمرين في البحث والتطوير أن أكبر 100 شركة من حيث الاستثمار في البحث والتطوير استأثرت بما يقارب 50% من البحث والتطوير على الصعيد العالمي في عام 2023، وهي نسبة لافتة. كما يوجد تركز كبير داخل هذه المجموعة ذاتها؛ إذ استثمرت أكبر 10 شركات في المتوسط أكثر من ضعف ما استثمرته أكبر 50 شركة (بما فيها الشركات العشر الأولى)، في حين استثمرت أكبر 50 شركة في المتوسط ما يزيد على 50% مقارنة بأكبر 100 شركة. ويستأثر كبار المستثمرين في البحث والتطوير أيضاً بحصة مهمة من البحث والتطوير على المستوى الوطني.

ويتركز الابتكار جغرافياً كذلك في عدد محدود من المناطق الرائدة في الابتكار داخل الدول الأعضاء في المنظمة، وهي مناطق تُنتج مجتمعة الجزء الأكبر من البحث والتطوير والإنتاج العلمي على المستوى الوطني. ومع أن هذا التركز قد يشجع على تحقيق وفورات الحجم وانتقال المعرفة، فإن استمرار الريادة في الابتكار لدى الجهات نفسها، وتراجع معدلات دخول الشركات الجديدة وإعادة توزيع الوظائف، يشيران إلى تزايد العوائق أمام الداخلين الجدد. بيد أن نمط التركز هذا قد يكون آخذاً في التغير في مجالات التقنيات الرائدة؛ ففي ميادين كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، تقود شركات أصغر حجماً مثل OpenAI وAnthropic والشركات الناشئة المتخصصة في التقنيات الكمية اختراقات كبيرة إلى جانب عمالقة التكنولوجيا الراسخين، مما يوحي بأن الاضطراب التكنولوجي لا يزال قادراً على خلق فرص للداخلين الجدد لتحدي مزايا الشركات القائمة.

وفي سياق الدعم العام لتطوير التقنيات الرائدة، يتمثل السؤال المطروح على صانعي السياسات في مدى إسهام السعي إلى التميز البحثي ودعم التجمعات القائمة ذات القدرات القوية في تعزيز ديناميكيات التركز هذه، وفي ما يترتب على هذا التركز من آثار. فحين تخصص الحكومات موارد محدودة للشركات والمؤسسات البحثية والمناطق الرائدة التي تمتلك قدرات راسخة أصلاً، فإنها قد تحقق اختراقات تكنولوجية بكفاءة أكبر، لكنها تخاطر بتوسيع الفجوات مع الجهات المتأخرة (البُعدان ب وج). فعلى سبيل المثال، في حين قد يعود التقدم في الذكاء الاصطناعي والأتمتة بالنفع على من يمتلكون مهارات وأصولاً رأسمالية مكمّلة، فإنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى خفض عوائد العمل الروتيني وتركيز المنافع في المناطق المتقدمة تكنولوجياً. ويكمن التحدي أمام صانعي السياسات في تحديد متى يكون هذا التركز كلفة ضرورية قصيرة الأجل في سبيل القدرة التنافسية طويلة الأجل، ومتى يُنشئ عوائق هيكلية تقوّض في نهاية المطاف قدرة منظومة الابتكار على الصمود.

ويمكن أن يكون تركيز الموارد في تطوير التقنيات الرائدة استراتيجية بالغة الفاعلية، ولا سيما حين تمتلك الشركات والصناعات والمؤسسات البحثية الرائدة، التي كثيراً ما تتجمع في مناطق بعينها، نقاط قوة يمكن للسياسات أن تبني عليها. ففي بيئة تنافسية عالمية، قد يتيح البناء على هذه القدرات القائمة أفضل فرص النجاح، في حين أن توزيع الموارد على نطاق مفرط في الاتساع قد يُضعف أثرها، فتأتي النتائج حسنة النية لكنها قاصرة الفاعلية في نهاية المطاف. يُضاف إلى ذلك أن انتشار التقنيات قد يحدث بمرور الوقت بفعل قوى السوق والتعاون وتنقل الكفاءات. كما يتوقف الأمر على ما إذا كانت آثار التركز مؤقتة أم طويلة الأمد، أي ما إذا كانت التطورات على الحدود التكنولوجية ستُفضي في النهاية إلى نتائج أفضل تنتشر على نطاق أوسع في المجتمع بمرور الوقت.

غير أن الجانب السلبي قد يتمثل في اتساع الفجوة مع المتأخرين أصلاً، مما يعوق أيضاً الانتشار الأوسع للتقنيات الرائدة، وهو ما قد يقلص بدوره فرص مواصلة تطويرها، نظراً إلى الدور المهم الذي يؤديه الطلب وتجارب المستخدمين في رسم مسارات الابتكار. فتخصيص الموارد العامة المحدودة لشركات ومؤسسات تمتلك قدرات راسخة أصلاً قد يزيد من تضييق الفرص أمام غيرها للمشاركة في تطوير التقنيات الرائدة والاستفادة من انتشارها.

وقد ناقشت أعمال المنظمة الحديثة على نطاق واسع التوتر القائم بين التركز، الذي قد يعزز التميز والتطور التكنولوجي السريع، والشمول. فقد بيّن إطار السياسة الصناعية الذي وضعته المنظمة أن الاستراتيجيات الصناعية الفعالة يجب أن توازن بين نمو الإنتاجية ومعالجة التحديات المجتمعية، بما فيها الشمول، من خلال نُهج منسقة تراعي أوجه التكامل بين أدوات السياسات المختلفة. كما يُظهر تحليل حديث للمنظمة أن السياسات الصناعية باتت تستهدف الغايات المجتمعية على نحو متزايد، إذ تشكل أهداف التحول الأخضر 18.6% من الاستراتيجيات الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، يليها الشمول الاجتماعي والإقليمي بنسبة 9.9%.

ولا يعني الأثر السلبي المحتمل وغير المقصود لهذه السياسات، وكذلك لسياسات التقنيات الرائدة المشار إليها آنفاً، على اتساع المشاركة أنه ينبغي التخلي عنها، إذ إنها تعالج أولويات سياساتية مهمة أخرى كالقدرة التنافسية الاقتصادية والقدرة على الصمود والأمن الوطني. فالاستراتيجيات الداعمة لتطوير التقنيات الرائدة ليست سوى مثال على المبررات العديدة لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ومن منظور شومبيتري، ينطوي التغير التكنولوجي بطبيعته على الهدم والتجديد، كما تمتلك الدول الأعضاء في المنظمة أطراً راسخة للسياسات الاجتماعية يمكن أن تساعد في التخفيف من الآثار الاجتماعية والإقليمية لهذه التحولات. والنقطة الجوهرية هي إدراك أن خيارات السياسة التكنولوجية ليست محايدة، وأن لها أثراً في توزيع الثروة والدخل والفرص بين الشركات والصناعات والأماكن، وفي نهاية المطاف بين الأفراد، يمتد بعيداً في المستقبل. أما الاستنتاج الجوهري الآخر فهو أن لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار دوراً في استكمال الجهود الأخرى الرامية إلى تشكيل طبيعة التحولات.

من التطوير إلى الانتشار والتبنّي: الحاجة إلى التمايز في السياسات

تكشف العلاقة بين إنتاج المعرفة (البُعدان ج ود: من يشارك في تطوير العلوم والتكنولوجيا والابتكار وحوكمتها ويؤثر فيهما) والتبنّي الواسع للتقنيات وتقاسم منافعها (البُعدان أ وب: من يكسب بصورة مباشرة وغير مباشرة من منتجات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ومن تغير العوائد الاقتصادية) عن تحديات سياساتية متمايزة لكنها مترابطة. فالمنظومات الفعالة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار لا تتطلب التميز على الحدود التكنولوجية فحسب، بل تتطلب أيضاً آليات انتشار متينة وشاملة تضمن أن تمتلك الجهات الفاعلة المتنوعة القدرة والفرصة للمشاركة في الابتكار والتمتع بمنافعه.

وتواجه سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الموجهة نحو الحدود التكنولوجية اليوم تكليفاً مزدوجاً: مواصلة دفع الحدود التكنولوجية قدماً، والنظر في كيفية إدماج سياسات الانتشار والتبنّي ضمنها. وتوضح الشواهد الحديثة للمنظمة بشأن تبنّي الذكاء الاصطناعي أهمية ذلك؛ إذ لا يزال معدل التبنّي في الشركات الكبيرة والمناطق المتقدمة ضعف نظيره في الشركات الأصغر والمناطق الطرفية، بسبب التكاليف الثابتة المرتبطة بالحجم، ومتطلبات البيانات، والقدرة الاستيعابية الأعلى.

ويُعد التبنّي الفعال للابتكار أمراً أساسياً لضمان وصول منافع التقنيات الجديدة إلى شرائح واسعة من المجتمع والاقتصاد، غير أن التفاوت الشديد في النشاط الابتكاري مكانياً وقطاعياً يعوقه. فالعاملون في الشركات والقطاعات والمناطق الرائدة يحققون باستمرار أجوراً وإيرادات أعلى، في حين لا يجني العاملون في البيئات المتأخرة سوى مكاسب أقل. فعلى سبيل المثال، تتركز براءات الاختراع تركزاً شديداً في المناطق الحضرية الكبرى، إذ يصدر 90% من طلبات البراءات عن مخترعين في المناطق الحضرية، وتسجل المناطق الحضرية الكبرى معدلات تسجيل براءات أعلى بكثير من المناطق المتوسطة أو الأصغر حجماً.

ويعكس ذلك المزايا الهيكلية للتجاور المكاني من جهة، والمساوئ المتراكمة التي تعانيها المناطق الأقل ترابطاً أو الأقل ابتكاراً من جهة أخرى. علاوة على ذلك، فإن تزايد ترسخ مواقع الشركات الرائدة في الأسواق، كما يتجلى في تراجع معدلات دخول الشركات الجديدة والتنقل الوظيفي، يحدّ من انتشار التقنيات الجديدة إلى الأماكن والشركات المتأخرة. وتتطلب معالجة هذه التحديات تدخلات سياساتية موجهة، كتحسين البنية التحتية والترابط، والنهوض بتنمية المهارات في المناطق ضعيفة الأداء، ودعم تبنّي التقنيات في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وذلك لتيسير انتشار أوسع وأكثر إنصافاً ومشاركة أشمل في منظومة الابتكار بأسرها.

ويطرح السعي إلى المواءمة بين القدرة التنافسية الاقتصادية والاستدامة تحديات خاصة به في مجال الانتشار. فتطور متطلبات العمل والمهارات في القطاعات الناشئة، كالتحول إلى إنتاج المركبات الكهربائية، يستلزم كفاءات جديدة لا يمتلكها دائماً العاملون في الصناعات الآفلة. وإذا تأخرت تنمية المهارات وإعادة التدريب عن مواكبة التغير التكنولوجي، فقد ينتهي الأمر بأن يقتصر نفع هذا التحول على شريحة ضيقة من العمال في مناطق أو شركات بعينها. ومن ثم، يجب على سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تربط دعم الابتكار بالتنمية الاستراتيجية للقوى العاملة، وأن تضمن وصول المعرفة والبنية التحتية وفرص السوق إلى المشاركين من خارج دائرة رواد الابتكار التقليديين، بمن فيهم العاملون في القطاعات والأماكن الأقل حظاً.

ويتعين على تصميم السياسات أن يميّز بين عقبتين منفصلتين: فانتشار المعرفة يحدد من يستطيع الانضمام إلى عملية الابتكار والاختراع، في حين يحدد تبنّي التقنيات من يستطيع تحويل الأفكار الجديدة إلى قيمة اجتماعية واقتصادية. ولأن العوائق تختلف في الحالتين، إذ تتمثل في المهارات وشبكات البحث في الأولى، وفي جاهزية البيانات والتمويل والخبرة الإدارية في الثانية، فإن كل مرحلة تحتاج إلى مجموعة أدوات خاصة بها. ويجب أن يعمل بناء القدرات في آن واحد على توسيع المشاركة في إنتاج التكنولوجيا وعلى تمكين المناطق والقطاعات والمجتمعات المتنوعة من تبنّي الابتكارات على نطاق واسع.

وتُعد سياسات الانتشار، سواء أكانت مدمجة في برامج الحدود التكنولوجية أم منفذة بالتوازي معها، الرافعة الرئيسية لتعميم منافع العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتوسيع المشاركة فيها. بيد أنها لا تؤتي ثمارها إلا حين تمتلك الجهات الفاعلة قدرة استيعابية كافية، أي القدرة على رصد المعرفة الخارجية واستيعابها وتطبيقها. ومن ثم، فإن الاستثمار في هذه القدرات أمر أساسي لتقاسم مكاسب الابتكار على نحو أكثر إنصافاً، بما في ذلك عبر الحدود. أما بالنسبة إلى الاقتصادات النامية، فإن بناء هذه القدرات شرط مسبق للانخراط الفعلي في المنظومات العالمية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار.

ويطرح تحويل ذلك إلى واقع عملي تحدياً على صعيد الحوكمة؛ إذ يجب توزيع مسؤوليات التمويل وصنع القرار بحكمة بين السلطات الوطنية ودون الوطنية، بما يكفل اتساق الأهداف الاستراتيجية الوطنية مع نقاط القوة والفرص الإقليمية. ويحتاج صانعو السياسات على المستوى الإقليمي بوجه خاص إلى أدوات تشخيصية تتيح لهم تحديد المجالات الاستراتيجية للتقنيات الرائدة التي يمكن لمنظوماتهم أن تشارك فيها مشاركة ذات مصداقية.

وتكشف بيانات مسح أُجري في دول مجموعة السبع والبرازيل أن احتكاكات الانتشار، المتمثلة في النقص الحاد في المهارات وضعف النضج في مجال البيانات وعدم اليقين بشأن العوائد، باتت تفوق في أهميتها مجرد الفجوات في الوعي. وتمنح الشركات أعلى تقييم لثلاث استجابات سياساتية:

أولاً، تحديث أطر المؤهلات مقروناً بتدريب عملي متخصص في كل قطاع.

ثانياً، توفير بيانات عامة أعلى جودة وأيسر وصولاً.

ثالثاً، تبسيط التعاون مع الجامعات ومع الوكالات المتخصصة في نشر التقنيات.

ورغم أن الوكالات المتخصصة في نشر التقنيات تحظى بتقدير جيد، فإنها لا تخدم حالياً سوى أقلية من الشركات، مما يؤكد الحاجة إلى خدمات إرشاد وتوجيه قابلة للتوسع، وإلى مبادئ توجيهية لاختيار الموردين موجهة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وإلى أطر واضحة للمساءلة بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي. كما أن إجراء مسوح دولية قابلة للمقارنة وتقييمات صارمة لهذه الوكالات أمر بالغ الأهمية لتحديد ما ينجح من ممارسات وتبادله.

توسيع المشاركة في البحث والابتكار والاستفادة منهما

إذا أراد صانعو السياسات أن تكون منافع تطوير التقنيات ونشرها واسعة ومشتركة حقاً، فإن على سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تسرّع بقوة جهودها لمعالجة اختلالات المشاركة. ومع أن هذا القسم الفرعي يركز على النوع الاجتماعي بوصفه منظوراً بارزاً، فإن التحديات الهيكلية والمنظومية الموصوفة هنا تنطبق، وغالباً على نحو أكثر تعقيداً، على فئات أخرى تواجه عوائق، كالمنحدرين من خلفيات منخفضة الدخل، والأقليات، والمناطق التي شهدت تراجعاً كبيراً في نشاطها الصناعي.

شهد العقد الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في مشاركة المرأة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وإن ظلت الفجوات قائمة. فعلى الصعيد العالمي، ارتفعت نسبة الحاصلات على تعليم عالٍ في الفئة العمرية بين 25 و34 عاماً من 23% إلى 27.5% بين عامي 2013 و2021، وفي الدول الأعضاء في المنظمة من 45.6% إلى 53.7%، متجاوزةً بذلك نسبة الرجال في الحالتين. بيد أن هذا التقدم يحجب تفاوتات مستمرة في مجالات رئيسية؛ ففي عام 2021، لم تتجاوز نسبة النساء بين خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات الثلث (32.5%)، بزيادة طفيفة فحسب عن نسبة 31% المسجلة في عام 2013. ويتباين التمثيل تبايناً حاداً بحسب التخصص، إذ تشكل النساء أغلبية بسيطة في العلوم الطبيعية والرياضيات والإحصاء (53.6% من الخريجين)، في حين لا تتعدى نسبتهن 27.8% في الهندسة و22.7% في تقنية المعلومات.

وتمتد هذه الفجوات التعليمية لتطال المسارات المهنية في مجالي البحث والابتكار. فعلى الرغم من زيادة متواضعة من 34.7% إلى 35.6% بين عامي 2013 و2021، لا تزال النساء يمثلن في المتوسط ما يزيد قليلاً على ثلث العاملين في البحث والتطوير في الدول الأعضاء في المنظمة. وتتفاوت النسب الوطنية تفاوتاً كبيراً، إذ تقترب بعض الدول من التكافؤ بين الجنسين (آيسلندا ولاتفيا وليتوانيا)، في حين لا تزال دول أخرى تسجل نسباً منخفضة نسبياً رغم التقدم المحرز في السنوات الأخيرة (التشيك وكوريا واليابان بنحو 22%). أما في مجال براءات الاختراع، فقد تراجعت نسبة المخترعات من 13.4% في عام 2013 إلى 11.3% في عام 2019، ولا تزال دون 7% في بعض الاقتصادات كثيفة الابتكار مثل النمسا وألمانيا ونيوزيلندا.

وقد ظل تعزيز مشاركة المرأة في العلوم والتكنولوجيا والابتكار محوراً لاهتمام السياسات منذ أمد بعيد، إذ نفّذ صانعو السياسات برامج تمويل موجهة، كالمنح الدراسية ومنح البحث العلمي، لتمكين النساء من الانخراط في التدريب والأنشطة المتصلة بهذه المجالات.

توسيع المشاركة في حوكمة العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتوجيهها

يسلط هذا القسم الفرعي الضوء على الربع (د) من الإطار، أي التنوع في صنع القرار والقيادة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، مبيناً أن الحوكمة التشاركية تزداد أهمية مع تسارع التحولات التكنولوجية. فمع ما يُحدثه التغير التكنولوجي من إعادة تشكيل عميقة للمجتمع، تغدو قدرة طيف واسع من الفئات، لا الخبراء التقنيين وحدهم، على التأثير في اتجاه الابتكار وأولوياته ومعاييره عنصراً محورياً لشرعية سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وإنصافها وانسجامها مع تطلعات المجتمع. ومن ثم فإن ضمان مشاركة فعالة وديمقراطية في حوكمة هذه المجالات يرتقي بأشكال المشاركة غير المباشرة إلى مصاف أولويات السياسات، ويضع العلاقة بين من يشكّل الابتكار ومن يجني ثماره في نهاية المطاف تحت مجهر أدق عبر الأرباع الأربعة جميعها.

ويستلزم حجم التطورات التكنولوجية التحويلية وتبعاتها المجتمعية اعتماد مقاربات تشاركية في تصميم سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فكما حدث في الثورات التكنولوجية السابقة، ستعيد التقنيات الرائدة اليوم تشكيل العمل والحوكمة والعلاقات الاجتماعية تشكيلاً جذرياً، وعلى نحو يعجز الخبراء التقنيون وحدهم عن استشرافه أو تقييمه تقييماً كاملاً؛ كما أن اتجاه تطوير التقنيات ونشرها بات يتشكل بفعل السياسات على نحو أنشط بكثير مما كان عليه في الماضي.

ويؤكد إطار المنظمة للحوكمة الاستباقية للتقنيات الناشئة الصادر عام 2024 أهمية إشراك المجتمع في وقت مبكر بغية الكشف عن المخاوف، وإثراء خيارات التصميم، وتوجيه الابتكار نحو نتائج أكثر إنصافاً. ويتطلب ذلك الاستثمار في بناء القدرات وعمليات التشاور والترتيبات المؤسسية التي تمكّن الفئات المتنوعة من الإسهام إسهاماً فعلياً في رسم الاتجاهات التكنولوجية.

وعند التفكير في المشاركة في حوكمة العلوم والتكنولوجيا والابتكار ووضع أجندتها مستقبلاً، تجدر الإشارة إلى أن صانعي السياسات يعملون في سياق لا تزال فيه فجوات المشاركة الموروثة دون حل. فالنساء، على سبيل المثال، لا يزلن ممثلات تمثيلاً ناقصاً في أدوار ريادة الأعمال والقيادة في هذه المجالات. وقد خلص تحليل لقاعدة بيانات للشركات الناشئة المدرجة في منصة كرانشبيس (Crunchbase)، تغطي الشركات المؤسسة بين عامي 2000 و2017 في الدول الأعضاء في المنظمة ودول مجموعة بريكس، إلى أن فرق التأسيس المؤلفة من نساء فقط شكلت أقل من 6% من مجمل الشركات الناشئة، في حين شكلت الشركات التي تضم مؤسِّسة واحدة على الأقل نحو 15%. كما تشير الأدلة المتعلقة بالشركات الناشئة الأوروبية الممولة برأس المال الجريء، المستندة إلى بيانات من مصادر خاصة (بيتشبوك والتعاونية الأوروبية للبيانات) تغطي 39000 مستثمر و85000 رائد أعمال نشطوا في أوروبا بين عامي 2011 و2021 (أي ما يمثل 80% من إجمالي شركات رأس المال الجريء و52% من الشركات الناشئة)، إلى أن النساء لم يشكلن خلال تلك الفترة سوى 10% من المؤسسين والرؤساء التنفيذيين في هذه الشركات، في حين لم تستحوذ الشركات الناشئة التي تقودها نساء حصراً إلا على 2% من إجمالي تمويل رأس المال الجريء. أما على صعيد المستثمرين، فلم تتجاوز نسبة النساء بين كبار مستثمري رأس المال الجريء واحدة من كل سبعة تقريباً، وكانت 90% منهن يعملن ضمن فرق يغلب عليها الذكور.

ويمتد هذا الخلل في المشاركة ليشمل المناصب العليا في القطاعات التي تشكّل مستقبل العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ففي عام 2020، كانت أقل من 5% من أكبر 150 شركة في وادي السيليكون تقودها رئيسات تنفيذيات، ولم تشغل النساء سوى ما بين 26% و34% من المناصب العليا في شركات غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون ومايكروسوفت. وفي قطاع الصناعات الدوائية، لا تشغل النساء سوى 17% من مقاعد مجالس الإدارة، أما في الشركات الناشئة العاملة في مجال التكنولوجيا العميقة، فإن أقل من ربع فرق التأسيس تضم امرأة، فيما تبلغ النسبة الإجمالية للمؤسِّسات 14%. وتُظهر الأوساط الأكاديمية والإدارة العامة أنماطاً مماثلة، إذ ترأس النساء 23.6% من مؤسسات التعليم العالي ويشغلن 31.1% من عضوية مجالس إدارتها في الاتحاد الأوروبي.

وعلى المنوال نفسه، تعاني النساء من نقص التمثيل في هيئات صنع القرار العام. ففي أغسطس 2023، شكّلن 33% من أعضاء البرلمانات الوطنية في الاتحاد الأوروبي، ولم يتجاوز عدد البرلمانات الوطنية التي تزيد فيها نسبة العضوات على 40% ستة برلمانات، في حين قلّت النسبة عن 25% في سبعة منها. أما في المناصب الإدارية العليا في الإدارات الحكومية الوطنية، فتميل الفوارق بين الجنسين إلى أن تكون أقل حدة وآخذة في التراجع بمرور الوقت، وإن ظلت هناك اختلافات كبيرة بين الدول. وعند النظر في مؤسسات تمويل البحث العلمي في الاتحاد الأوروبي، يتبين أن تشكيلة رؤسائها وأعضاء أعلى هيئاتها لصنع القرار يغلب عليها الذكور، مع بعض الاستثناءات اللافتة.

تركّز الابتكار على المستويين الصناعي والإقليمي: بُعد سياسة المنافسة

يناقش هذا القسم الفرعي كيف يؤثر تركّز أنشطة الابتكار بين الشركات والقطاعات والأقاليم في توزيع النتائج (الربعان أ وب) وفي فرص المشاركة (الربعان ج ود) داخل منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فالتركّز المرتفع والمتزايد في الاستثمار في البحث والتطوير وفي القدرة الابتكارية قد يفضي إلى مكاسب كبيرة على صعيد التقدم التكنولوجي، غير أنه ينطوي أيضاً على خطر ترسيخ التفاوتات في تحديد من يستفيد (الربعان أ وب) ومن يتمكن من المشاركة الفعلية في عملية الابتكار وصنع القرار (الربعان ج ود). ويوضح الإطار أن ديناميكيات السوق هذه ليست محايدة، بل قد تكرّس أنماط الإقصاء ما لم تُعالَج معالجة فاعلة. وإدراكاً لهذه المخاطر، تُبرز أعمال المنظمة الحديثة الدور الحاسم والتكميلي لسياسة المنافسة في الحفاظ على أسواق قابلة للتنافس، وصون فرص الوصول للداخلين الجدد، وضمان أن تُتقاسم النتائج والفرص التي يتيحها الابتكار على نطاق واسع، بدلاً من أن يستأثر بها عدد محدود من الجهات أو الأقاليم الرائدة.

وفي حين يمكن للتركّز أن يدفع عجلة التقدم التكنولوجي من خلال وفورات الحجم والنطاق في البحث والتطوير، وهو أمر بالغ الأهمية للتقنيات الرائدة كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات المتقدمة التي تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، فإنه يُنشئ كذلك عوائق كبيرة أمام مشاركة الشركات الأصغر والأقاليم الناشئة والداخلين الجدد.

وتُبيّن أعمال المنظمة الموسّعة بشأن سياسة المنافسة في الأسواق الرقمية أن آثار التركّز هذه ليست عرضية فحسب، بل تعكس ديناميكيات كامنة لقوة السوق قد تصبح ذاتية التعزيز، إذ تستثمر المنصات الرائدة مواقعها في استقطاب المواهب والاستحواذ على المنافسين الناشئين والتقنيات التكميلية. وتتطلب معالجة تحديات الشمول هذه معالجة فعالة تدخلاً منسقاً من جانب صانعي سياسات المنافسة، الذين يمتلكون الأدوات التحليلية وآليات الإنفاذ اللازمة لتقييم قابلية الأسواق للتنافس، ومنع عمليات الاندماج المخلّة بالمنافسة، وضمان بقاء منظومات الابتكار متاحة لمشاركين متنوعين. ويؤكد إطار المنظمة للمنافسة والابتكار أن لسياسة المنافسة دوراً رئيسياً في تيسير انتشار الابتكار وإتاحة انتقال الابتكارات عبر الأسواق، بما يكمّل جهود سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الرامية إلى توسيع المشاركة، مع الحفاظ على ديناميكيات المنافسة الضرورية لاستمرار التقدم التكنولوجي.

كما تؤدي المنافسة الدولية دوراً حاسماً في تشكيل الفرص المتاحة في مجال التقنيات منخفضة الكربون والتقنيات الخضراء، والقيود التي تكتنفها. فعلى سبيل المثال، في حين أحدثت الهيمنة الاستراتيجية لجمهورية الصين الشعبية على تصنيع التقنيات الخضراء تحولاً عميقاً في المشهد التنافسي العالمي، فإنها أفضت كذلك إلى نشر سريع لتقنيات تُعد حرجة لإزالة الكربون من الاقتصاد. وقد أدى تركّز الإنتاج في الصين إلى تآكل القدرة التصنيعية الأوروبية، بل ربما حدّ أيضاً من مسارات تكنولوجية محتملة كان من الممكن أن تتفوق فيها الشركات الأوروبية، كتقنيات الأغشية الرقيقة المتقدمة، والخلايا الترادفية من البيروفسكايت والسيليكون، وغيرها من المقاربات البديلة في مجال الطاقة الكهروضوئية. ومن ثم فإن البعد الدولي للمنافسة التكنولوجية قد يترك أثراً عميقاً في قدرة منظومات الابتكار والمنظومات الصناعية المحلية على الإفادة من الفرص التي قد تنشأ في خضم التحولات.

العمل المنسّق في مجال السياسات

يجمع هذا القسم الفرعي شتات الإطار بأرباعه الأربعة، مؤكداً أن تحقيق المشاركة الواسعة في الابتكار والانتفاع الواسع بثماره يستلزم اتساقاً في السياسات يتجاوز نطاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار ذاته. فعلى الرغم من قدرة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار على التأثير المباشر في تحديد من يشارك في تطوير التقنيات الجديدة واستخدامها (الربعان ج ود)، ومن يجني فوائدها (الربعان أ وب)، فإن العوائق المستمرة أمام الشمول كثيراً ما تكون متجذرة خارج الولاية التقليدية لهذه السياسات.

وتُثبت الأدلة إذن أن سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وحدها لا تستطيع معالجة جميع الأبعاد المتعلقة بالمشاركة في هذه المجالات والانتفاع بنتائجها. ولذا يتعين على حوكمة العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تنسّق مع السياسات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية للتصدي للعوائق الهيكلية التي تحدّ من المشاركة والانتفاع. وليس هذا بالأمر الجديد بطبيعة الحال، غير أن سرعة الابتكار التكنولوجي الرائد وتبعاته تزيد من أهمية التحرك.

الاستنتاجات

على الرغم مما قد يجلبه الابتكار التكنولوجي من فوائد جمّة للدول الأعضاء في المنظمة ومواطنيها، فإن السعي إلى الريادة التكنولوجية والانتشار غير المتكافئ للابتكار التكنولوجي قد يرسّخان الفجوات القائمة أو يعمّقانها فيما يتعلق بمن يشارك في منظومة العلوم والتكنولوجيا والابتكار ومن ينتفع بها. ويقدّم الإطار الذي جرى عرضه، والذي يربط المشاركة المباشرة وغير المباشرة بالنتائج المباشرة وغير المباشرة، مقاربةً يمكن لصانعي السياسات الاستعانة بها في تقييم الآثار المتعددة الأوجه للتقدم التكنولوجي ومعالجتها. وتتبلور من ذلك ثلاث خلاصات رئيسية لصانعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في عام 2025.

أولاً، تعمل سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار عبر أبعاد متعددة للمشاركة والشمول في آن واحد. إذ يُبيّن الإطار التوضيحي أن السياسات المصممة للنهوض بربع واحد، كالمبادرات القائمة على التميز التي تستهدف التطوير في الحدود القصوى للمعرفة، قد تُخلّف عواقب غير مقصودة في الأرباع الأخرى. فعلى سبيل المثال، وإن كانت هذه السياسات قد تسرّع وتيرة الابتكار، فإنها قد تؤدي أيضاً إلى تركيز المنافع في أقاليم وجهات تتمتع أصلاً بمزايا. ومن ثم تتطلب سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الفعالة مراعاة صريحة للآثار العابرة للأرباع، واعتماد تدابير تكميلية لمعالجة الآثار الإقصائية المحتملة.

ثانياً، تستلزم مواجهة التحديات العالمية التميز والشمول معاً. فالحجم والسرعة المطلوبان للتحولين الرقمي والأخضر لا يمكن بلوغهما عبر تركيز الابتكار وحده. وتُبيّن الأدلة المستقاة من دراسة الحالة المتعلقة بمشاركة المرأة أن نقص التمثيل على امتداد مسار الابتكار، من التعليم وصولاً إلى القيادة، يمثل قيداً جوهرياً على القدرة الابتكارية. أما المشاركة الأوسع فتفتح الباب أمام وجهات نظر متنوعة، وتسرّع انتشار الابتكار، وتولّد الشرعية المجتمعية التي لا غنى عنها لنجاح التحولات.

ثالثاً، يتطلب نجاح سياسات الشمول تنسيقاً يتجاوز نطاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فاستمرار فجوات المشاركة، رغم عقود من التدخلات الموجهة، يؤكد أن سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وحدها غير كافية. وتستدعي العوائق الهيكلية عملاً منسقاً عبر سياسات التعليم وسوق العمل والسياسات الاجتماعية وسياسات التنمية الإقليمية. ويُبرز تركيز الإطار على المسارين المباشر وغير المباشر الحاجة إلى هذه المقاربة القائمة على تعدد السياسات.

دراسة ذات صلة