الفصل الثاني: إعادة تشكيل التعاون العلمي في ظل بيئة جيوسياسية متغيرة
تُعيد التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والمنافسة المحتدمة على التقنيات الحرجة الناشئة تشكيلَ التعاون الدولي في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وتعكس السياسات والاستراتيجيات الوطنية الحديثة في هذا المجال ذلك التحول من خلال اهتمامها المتزايد بالشواغل الأمنية. ويركّز هذا الفصل على منظومات البحث العام، فيصف كيف تسعى الحكومات إلى تعزيز قدراتها البحثية والتكنولوجية الوطنية في إطار سعيها إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية بما يعزز أمنها الاقتصادي وأمنها الوطني معاً. ويشمل ذلك تنامي التركيز في السياسات على العلوم والتكنولوجيا والابتكار ذات الاستخدام المزدوج، فضلاً عن تدابير الأمن البحثي الرامية إلى الحماية من تسرب المعارف غير المصرح به ومن الإكراه الخارجي. كما باتت الحكومات أكثر تبصراً من الناحية الاستراتيجية في إدارة روابطها الدولية في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بما في ذلك تدابير الدبلوماسية العلمية، بهدف إبراز مصالحها الوطنية والدفع بها. ويسلّط الفصل الضوء على مختلف المخاطر والفرص التي تنطوي عليها هذه السياسات، ويقترح أن تنتهج الحكومات سياسات متوازنة لإضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، تكون متناسبة ودقيقة في استهدافها، وقائمة على شراكات راسخة مع العلماء ومؤسسات الأعمال، وكذلك على التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية.
الرسائل الرئيسية
يسهم تصاعد التوترات الجيوسياسية، المصحوب بتنامي المنافسة الاستراتيجية على التقنيات الحرجة الناشئة، في تزايد إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ويشمل ذلك منظومة البحث العام، التي تمثل المحور الرئيسي لهذا الفصل.
تنتهج الحكومات مزيجاً من السياسات التي تسهم في هذا الإضفاء المتزايد للطابع الأمني. فهي أولاً تطبّق على نحو متزايد سياسات تعزيز توجّه تمويل البحث والتطوير نحو تدعيم الأمن الوطني والأمن الاقتصادي، وتشمل من بين أمور أخرى مبادرات الاستخدام المزدوج الرامية إلى إقامة روابط ذات منفعة متبادلة بين البحوث المدنية والبحوث الدفاعية.
وثانياً، تلجأ الحكومات إلى سياسات الحماية التي تفرض قيوداً على تبادل نتائج البحوث ذات الإمكانات المزدوجة الاستخدام، فضلاً عن تدابير حديثة لتعزيز الأمن البحثي على نطاق أوسع، تفادياً لتعريض البحوث الحساسة لمخاطر تؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض السلامة والثقة.
وأخيراً، تطبّق الحكومات سياسات الإسقاط الخارجي التي تمنح العلاقات الدولية في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار توجهاً استراتيجياً، بما في ذلك مبادرات الدبلوماسية العلمية التي تدعم التعاون البحثي مع البلدان المتقاربة في التوجهات ومع المنافسين الاستراتيجيين على حد سواء.
وتنطوي هذه السياسات على قدر من إعادة تشكيل العلاقات البحثية الدولية. فعلى سبيل المثال، قد تقتضي السياسات الرامية إلى تعزيز الأمن الاقتصادي والأمن الوطني تجميع الموارد البحثية مع البلدان المتقاربة في التوجهات، في حين قد تؤدي تدابير الأمن البحثي إلى استبعاد التعاون مع البلدان التي لا تُعدّ شركاء آمنين للتعاون الدولي، أو إلى تثبيط هذا التعاون.
وقد تُخلّف سياسات إضفاء الطابع الأمني التي تقيّد التعاون البحثي الدولي وتنقّل الباحثين آثاراً سلبية على جودة البحث والأداء الابتكاري والقدرة التنافسية الاقتصادية إذا طُبّقت بإفراط. كما يُخشى أن تؤدي هذه السياسات إلى تفتيت الروابط الدولية في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار إلى حدٍّ يقوّض التعاون في مواجهة التحديات العالمية.
وتشترك في تدابير إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار جهات حكومية مختلفة، غير أنها وثيقة الترابط فيما بينها، ومن ثم ينبغي أن تكون ذات توجه استراتيجي وأن يجري تنسيقها. ولتحسين هذا التنسيق والحيلولة دون الإفراط في إضفاء الطابع الأمني، ينبغي لصانعي السياسات اعتماد مبادئ حاكمة لتصميم وتنفيذ مزيج متوازن من سياسات إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، يكون متناسباً مع المخاطر والفرص القائمة، ويُصاغ ويُنفَّذ بالشراكة مع العلماء ومؤسسات الأعمال وعبر مختلف الجهات الحكومية، ويتسم بالدقة والمرونة في استهدافه.
مقدمة
تجري الاكتشافات العلمية والابتكارات التكنولوجية ضمن منظومة عالمية مترابطة تستند إلى المعارف والمواهب والموارد والبنى التحتية المشتركة. وتجني البلدان منفردةً ثمار هذا الترابط الدولي الذي يسهم في تعزيز قدرتها التنافسية ورفاه مجتمعاتها. كما أن هذا الترابط ضروري لمواجهة التحديات وإدارة المخاطر على المستوى العالمي، كالتأهب للجوائح وصون البيئة والأمن الغذائي، وهي قضايا تتطلب تعاوناً متعدد الأطراف في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
ويعيد تصاعد التوترات الجيوسياسية، المصحوب بتنامي المنافسة الاستراتيجية على التقنيات الحرجة الناشئة، تشكيل أطر التعاون الدولي في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار التي نشأت على مدى العقود الثلاثة الماضية. إذ تُضعف هذه التوترات والمنافسة فرص تبادل المعارف عبر الحدود والمشاريع التعاونية في هذا المجال ونقل التكنولوجيا، في حين باتت المصالح الوطنية تُطرح على نحو اعتيادي باعتبارها مفاضلةً مع الأولويات العالمية. وتمتد آثار هذه التطورات لتشمل كل شيء، بدءاً من التعاون البحثي الدولي ووصولاً إلى التجارة الدولية والاستثمارات في المنتجات والمرافق عالية التقنية.
وقد طرحت نسخة عام 2023 من تقرير آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مفهوم "إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار" لمناقشة هذه الاتجاهات. ويسير هذا الفصل على النهج ذاته، مركّزاً بصورة رئيسية على الجوانب البحثية من منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وعلى آثار تزايد إضفاء الطابع الأمني على الروابط البحثية الدولية. ويتألف الفصل من ثلاثة أجزاء رئيسية؛ يعرض الجزء الأول منها إحصاءات مختارة عن الروابط العلمية الدولية، مقيسةً بالتعاون البحثي الدولي وتنقّل الباحثين والإسهامات العلمية لمختلف البلدان في مواجهة التحديات العالمية، بغية إبراز تطورها خلال السنوات الأخيرة.
ويتناول الجزء الثاني من الفصل تزايد إضفاء الطابع الأمني على سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، مع التركيز بوجه خاص على الجهود السياسية المكثفة المستجدة الرامية إلى تحقيق التمكّن من العلوم والتقنيات الناشئة وقدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية فيها دعماً لأهداف الأمن الاقتصادي والأمن الوطني، وعلى تزايد اللجوء إلى تدابير الأمن البحثي للحماية من تسرب المعارف غير المصرح به، وعلى البروز المتنامي للمصالح الوطنية في الدبلوماسية العلمية الدولية.
وترتبط هذه المجموعات الثلاث من تدابير إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار ارتباطاً وثيقاً، وتنطوي على إعادة تشكيل ناشئة للروابط البحثية الدولية. وبناءً على ذلك، يقترح الجزء الثالث من الفصل مجموعة من المبادئ الحاكمة التي يمكن لصانعي السياسات اعتمادها لتصميم وتنفيذ مزيج متوازن من سياسات إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، يكون متناسباً مع المخاطر والفرص القائمة، ويُصاغ ويُنفَّذ بالشراكة مع العلماء ومؤسسات الأعمال وعبر مختلف الجهات الحكومية، ويتسم بالدقة والمرونة في استهدافه.
الاتجاهات الحديثة في التعاون الدولي في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار
شهدت الروابط الدولية في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار نمواً قوياً منذ تسعينيات القرن الماضي، بما عاد بالنفع على البحث والابتكار والتنمية الاقتصادية. ومن بين هذه الروابط التعاون البحثي الدولي الذي يرتقي بجودة البحث، وهو ما يسهم بدوره في تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية من خلال توليد معارف جديدة وتطوير المهارات. كما يوسّع التعاون البحثي الدولي نطاق نشر نتائج البحوث، ويساعد على مواجهة التحديات العالمية، ويمكن أن يسهم في تعزيز التفاهم بين الثقافات.
وفي أوقات اشتداد التوترات الجيوسياسية، يغدو من المهم فهم انعكاساتها على الروابط البحثية الدولية. ويعرض هذا القسم إحصاءات مختارة عن التعاون البحثي الدولي وتنقّل الباحثين والإسهامات العلمية لمختلف البلدان في مواجهة التحديات العالمية، بغية إبراز تطور الروابط البحثية الدولية خلال السنوات الأخيرة.
تباطؤ نمو التعاون البحثي الدولي في الآونة الأخيرة
يقع البحث التعاوني في صميم المجتمع البحثي العالمي المترابط. وتقدّم بيانات التأليف المشترك للمنشورات العلمية التي يشارك فيها مؤلفون ينتمون إلى مؤسسات في بلدان مختلفة مؤشراً على التعاون العلمي الدولي. ففي حين لم تتجاوز نسبة الأوراق العلمية التي شارك في تأليفها باحثون من أكثر من بلد واحد 2% في عام 1970، بلغت هذه النسبة 27% من مجموع المنشورات في الدول الأعضاء في المنظمة في عام 2023، مرتفعةً من 22% في عام 2013. وتسجّل المملكة المتحدة أعلى كثافة تعاون بين الاقتصادات الخمسة عشر الأولى في النشر العلمي، تليها أستراليا ثم فرنسا. أما الاقتصادات الآسيوية الرائدة فتُظهر مستوى تعاون دولي أدنى من المتوسط. وقد شهدت أستراليا والبرازيل والهند والمملكة المتحدة أكبر زيادة نسبية في كثافة التعاون خلال الفترة بين عامي 2013 و2023.
بيد أن البيانات الأحدث تشير إلى أن الاتجاه نحو تزايد التعاون الدولي قد فقد زخمه، بل ربما بدأ يتراجع جزئياً. فقد ظل معدل التعاون الخارجي للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين ثابتاً تقريباً منذ عام 2018، في حين تراجعت كثافة التعاون الدولي لجمهورية الصين الشعبية (المشار إليها فيما يلي بـ"الصين") تراجعاً كبيراً بين عامي 2020 و2023، لتتجاوزها الهند في عام 2021. ويعني تنامي حجم المنظومة البحثية الصينية وتقدّمها أن فرص التعاون محلياً مع المجموعات البحثية الرائدة باتت أكثر من أي وقت مضى، مما قد يُضعف الحوافز على التعاون الدولي. غير أن هذا التراجع يُعزى في معظمه إلى انخفاض حاد في التعاون مع الولايات المتحدة، وهو انخفاض يشمل معظم المجالات البحثية ويبرز بشكل خاص في العلوم الطبيعية والهندسة. وتُظهر بيانات مماثلة عن تعاون الصين مع بلدان أخرى بعض التراجع في عدد قليل من المجالات مع اليابان والمملكة المتحدة، مقابل استمرار تعزز الروابط مع دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين. وعلى الرغم من هذا التراجع، ظلت كثافة التعاون البحثي بين الصين والولايات المتحدة في عام 2023 أعلى بكثير منها مع تلك البلدان الأخرى.
اعتماد المنظومات العلمية في الدول الأعضاء في المنظمة على إمداد مستمر من الباحثين المتنقلين دولياً
نما التنقل العلمي الدولي هو الآخر خلال العقود الأخيرة، وباتت القوى العاملة البحثية لدى عدد من كبرى الجهات المنفذة للبحوث في الدول الأعضاء في المنظمة تعتمد اعتماداً كبيراً على باحثي الدكتوراه وما بعد الدكتوراه المولودين في الخارج. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، كان نحو 45% من العاملين في مهن العلوم والهندسة على مستوى الدكتوراه في عام 2021 من المولودين في الخارج، وسُجّلت أعلى النسب بين علماء الحاسوب والرياضيات. كما أن أكثر من نصف العاملين المولودين في الخارج في الولايات المتحدة في عام 2021 ممن حصلوا على أعلى درجاتهم العلمية في أحد مجالات العلوم والهندسة كانوا من آسيا، وتصدّرت الهند (29%) والصين (13%) قائمة بلدان المنشأ.
ويضطلع الباحثون في بداية مسيرتهم المهنية بجانب كبير من البحوث التي تُجرى في مختبرات الدول الأعضاء في المنظمة. وعلى الرغم من صعوبة الحصول على إحصاءات قابلة للمقارنة دولياً، فإن كثيراً من هؤلاء الباحثين يتنقلون دولياً؛ إذ يسافرون إلى الخارج لتعزيز مؤهلاتهم والوصول إلى مرافق بحثية عالمية المستوى وتحسين آفاقهم المهنية. وتُظهر إحصاءات التعليم الصادرة عن المنظمة أن أستراليا والنمسا وبلجيكا ولكسمبورغ ونيوزيلندا وسويسرا والمملكة المتحدة تسجّل حصصاً مرتفعة بشكل لافت من خريجي الدكتوراه الدوليين، لا تقل عن 40% من إجمالي خريجيها، إذ تستقطب جامعاتها المواهب العالمية بفضل المنح الدراسية والفرص البحثية والشبكات الأكاديمية القوية. فضلاً عن ذلك، ارتفعت هذه النسب ارتفاعاً ملحوظاً بين عامي 2015 و2022، باستثناء لكسمبورغ والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث ظلت على حالها. وفي بعض البلدان، تعكس النسبة المرتفعة لطلاب الدكتوراه الدوليين أيضاً تراجع اهتمام الطلاب المحليين بمتابعة دراسة الدكتوراه. ففي فرنسا مثلاً، تشير التقارير إلى أن عوامل مثل طول فترة الدراسة وعدم وضوح الآفاق المهنية ووجود فرص أكثر جاذبية في القطاع الخاص قد جعلت دراسات الدكتوراه أقل جاذبية للمرشحين الوطنيين.
ويأتي جانب كبير من هؤلاء الخريجين المتنقلين من حملة الدكتوراه من الصين، ولا سيما في البلدان الناطقة بالإنجليزية (مع عدم توافر بيانات منسقة دولياً بشأن الولايات المتحدة)، وكذلك في اليابان وكوريا المجاورتين. ومن شأن القيود المفروضة على التنقل الدولي في إطار تدابير إضفاء الطابع الأمني المتزايدة أن تُضعف هذا المصدر المهم للباحثين، وأن تضطر البلدان إلى البحث عن مصادر أخرى لاستقطاب المواهب العالمية.
حاجة الدول الأعضاء في المنظمة إلى الاستفادة من المعارف الموزعة على نطاق واسع لمواجهة التحديات العالمية
يكتسي التعاون العلمي الدولي أهمية خاصة في البحوث ذات الصلة بأمن الطاقة والاستدامة البيئية. فمقارنةً بسائر مجالات العلوم، تتسم البحوث المتعلقة بالاستدامة والطاقة بطابع تعاوني أكبر، فضلاً عن أن هذا التعاون الدولي قد تزايد بمرور الوقت في جميع البلدان تقريباً. وفي الوقت ذاته، طرأت تغيرات كبيرة على إسهام أكبر الاقتصادات العالمية في الإنتاج البحثي المتعلق بالطاقة والبيئة؛ إذ شهدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تراجعاً كبيراً في حصتهما من المنشورات ذات الصلة، في حين ارتفعت حصة الصين بوتيرة سريعة، وشهدت الهند كذلك زيادة مطردة. ويعني ذلك تراجع الإسهام النسبي الإجمالي للدول الأعضاء في المنظمة في الإنتاج العلمي في هذا المجال، بما يتجاوز التحول العام الجاري في النشر العلمي. كما يبرز ذلك أهمية الانفتاح الدولي والتبادلات التي تتيح للدول الأعضاء في المنظمة الاستفادة من هذه المعارف الموزعة على نطاق أوسع.
تزايد إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار
برزت مفاهيم مثل "الاستقلالية الاستراتيجية" و"السيادة التكنولوجية" بوصفها أطراً متزايدة الحضور في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ولا يقتصر هذا التوجه على التكنولوجيا، بل يمتد ليشمل البحث العلمي أيضاً؛ فعلى سبيل المثال، دفعت المخاوف المتزايدة بشأن صون الأمن الوطني والأمن الاقتصادي وحماية حرية البحث كثيراً من الدول الأعضاء في المنظمة إلى وضع مبادئ توجيهية وقوائم مرجعية لرفع الوعي بالأمن البحثي والنزاهة البحثية وتقديم الإرشاد للمجتمع الأكاديمي بشأنهما. كما تتجه بلدان منفردة نحو مزيد من الانتقائية في تبادل المعارف دولياً، معززةً تعاونها مع البلدان التي تشاركها القيم والمصالح السياسية، ولا سيما في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ذات الانعكاسات على الأمن الوطني.
وقد ناقش تقرير آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار لعام 2023 الصادر عن المنظمة بإسهاب تزايد إضفاء الطابع الأمني على سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وطرح إطاراً ثلاثي الأبعاد يضم سياسات التعزيز والحماية والإسقاط الخارجي، لرصد استجابات الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على صعيد السياسات لتصاعد التوترات الجيوسياسية واشتداد المنافسة التكنولوجية. ويستمد هذا الإطار أصوله من أدبيات تحليل السياسات، وقد اعتمده مؤخراً صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي الذين استخدموه في هيكلة استراتيجية الأمن الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وكذلك الحكومة اليابانية التي استندت إليه في صياغة سياساتها للأمن الاقتصادي، وسيرد وصف هاتين السياستين بمزيد من التفصيل أدناه. وتكمن ميزة هذا الإطار في الصورة الشاملة التي يقدمها لمشهد إضفاء الطابع الأمني، والتي يمكن لصانعي السياسات الاستعانة بها في تصميم سياسات أكثر تكاملاً واتساقاً وتنفيذها عبر طيف واسع من المجالات.
ويستخدم هذا الفصل هذا الإطار الثلاثي لتناول تطورات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التي تنصبّ بصورة رئيسية على المنظومة البحثية:
أولاً، سياسات التعزيز، وتشمل التمويل الموجَّه للبحث والتطوير والسياسات الصناعية الأوسع نطاقاً الرامية إلى تعزيز الأمن الوطني والأمن الاقتصادي، وتغطي من بين أمور أخرى مبادرات الاستخدام المزدوج الهادفة إلى إقامة روابط ذات منفعة متبادلة بين البحوث المدنية والبحوث الدفاعية.
ثانياً، سياسات الحماية، وتشمل القيود المفروضة على تبادل نتائج البحوث ذات الإمكانات المزدوجة الاستخدام، والتدابير الحديثة لتعزيز الأمن البحثي على نطاق أوسع.
ثالثاً، سياسات الإسقاط الخارجي، وتشمل التعاون البحثي الدولي الاستراتيجي الذي يدفع قُدماً بسياسات الحماية والتعزيز، فضلاً عن مبادرات الدبلوماسية العلمية التي تدعم التعاون البحثي مع طيف أوسع من البلدان، بما فيها المنافسون الاستراتيجيون.
وتُناقش كلٌّ من هذه السياسات بمزيد من التفصيل فيما يلي.
تسخير منظومة البحث المدني لتعزيز الأمن الاقتصادي والأمن الوطني
لطالما شكّلت الريادة التكنولوجية ركيزةً للازدهار الاقتصادي والأمن في الدول الأعضاء في المنظمة، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، باتت الحكومات تولي الأولوية للتمكّن التكنولوجي والاستقلالية الاستراتيجية ضمن سياساتها الأشمل للأمن الوطني والأمن الاقتصادي. ومن ثم، يتعلق النوع الأول من تدخلات السياسات الرامية إلى إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار بتعزيز القدرات البحثية والتكنولوجية الحرجة، من خلال التمويل الموجَّه للبحث والتطوير الذي يلبي احتياجات الأمن الاقتصادي والأمن الوطني على سبيل المثال.
وفي هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً للاستراتيجيات الوطنية التي تستهدف تطوير عدد محدود من التقنيات الحرجة، تتطلع البلدان من خلالها في المقام الأول إلى جني منافعها الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، تَعِد علوم وتقنيات الكمّ بإعادة تشكيل الحوسبة والاتصالات وحل المشكلات بطرق جديدة جذرياً، وفي مختلف أنحاء العالم، تستثمر الحكومات ومعاهد البحث الرائدة وبعض أشهر شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات في بحوث الكمّ.
السياسات والاستراتيجيات الوطنية في مجال الكمّ
باتت تقنيات الكمّ موضع تنازع جيوسياسي، على نحو يحاكي الديناميات التي شهدتها تقنيات ناشئة أخرى مزدوجة الاستخدام كالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. فاستخداماتها المدنية والدفاعية تجعل منها تقنيات مزدوجة الاستخدام. وقد صاغ أكثر من 30 بلداً سياسات جوهرية لدعم تطوير تقنيات الكمّ، ومن بينها 14 دولة من الدول الأعضاء في المنظمة اعتمدت استراتيجيات شاملة والتزمت باستثمارات عامة كبيرة في البحث والتطوير في مجال الكمّ.
واضطلعت المؤسسات الدفاعية بدور محوري في وضع سياسات تقنيات الكمّ. ومن ثم، فإن "سباق الكمّ" ليس مجرد سعي إلى التفوق التكنولوجي، بل هو بُعد حاسم من أبعاد الأمن والقوة على الصعيد العالمي. وفي الوقت ذاته، جاءت الضرورات الاقتصادية لتكمّل الشواغل الأمنية في دفع عملية وضع استراتيجيات الكمّ، ولا سيما في ضوء القيود المادية التي تعتري الحوسبة التقليدية.
وأفضت المخاوف من الاعتماد على جهات خارجية في توفير المكونات الحرجة إلى تكليفات صريحة بتطوير سلاسل إمداد محلية وحماية الملكية الفكرية وتنمية الخبرات الذاتية. كما يستند الطموح إلى اغتنام الإمكانات التحويلية لتقنيات الكمّ إلى جهود استراتيجية لتعزيز منظومات ابتكار متنوعة، تمزج بين القيادة من القمة إلى القاعدة (كمبادرات التمويل وخرائط الطريق على المستوى الوطني) وبناء المنظومات من القاعدة إلى القمة (من خلال الحاضنات والتحالفات ومنصات الاختبار). وكثيراً ما تقترن الاستراتيجيات باستثمارات كبيرة في معاهد البحث والبنى التحتية والمراكز متعددة التخصصات.
تعزيز الأمن الاقتصادي والأمن الوطني هدفاً رئيسياً متزايد الأهمية لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار
تشرع الحكومات كذلك في انتهاج أشكال أكثر طموحاً من السياسة الصناعية الشاملة تؤدي فيها سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار دوراً بارزاً. وتستهدف هذه السياسات على نحو متزايد منظومات تتجاوز القطاعات الصناعية التقليدية وحقول المعرفة المعتادة. غير أن ما يميز المبادرات الأحدث بوضوح عن تلك التي ظهرت قبل سنوات قليلة فحسب هو منظورها القائم على إضفاء الطابع الأمني، وإدراجها الاستقلالية الاستراتيجية بوصفها اعتباراً رئيسياً. وفي حين حظيت جوانب مختلفة من الأمن، بما فيها أمن الطاقة والأمن الصحي والأمن الغذائي، باهتمام متزايد، فإن تعزيز الأمن الوطني بات يتشابك على نحو متزايد مع الأمن الاقتصادي بوصفهما هدفاً رئيسياً لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ويستعرض ما يلي التدابير الحديثة ذات الصلة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي، والتي تندرج إلى حد كبير في إطار استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبية لعام 2023.
استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبية
تهدف استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبية، الصادرة في عام 2023، إلى توفير إطار لتقييم المخاطر التي تهدد الأمن الاقتصادي وإدارتها على نحو متين على مستوى الاتحاد الأوروبي والمستوى الوطني ومستوى مؤسسات الأعمال، في وقت تتطور فيه هذه المخاطر بسرعة وتتداخل مع شواغل الأمن الوطني. وتسوق الاستراتيجية مثالاً بارزاً على هذه المخاطر يتمثل في السرعة التي تظهر بها التقنيات الحرجة الجديدة وتطمس الحدود بين التطبيقات المدنية والدفاعية.
وتستخدم استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبية إطار "العناصر الثلاثة" لاقتراح حزمة من السياسات تشمل: تدابير التعزيز التي تدعم القاعدة البحثية والصناعية في مجالات استراتيجية مثل أشباه الموصلات المتقدمة والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية وصناعات الحياد الصفري والطاقة النظيفة والمواد الخام الحرجة؛ وتدابير الحماية الرامية إلى منع تسرب التقنيات الناشئة الحساسة وغيرها من المواد مزدوجة الاستخدام إلى وجهات مثيرة للقلق تنتهج استراتيجيات الدمج المدني العسكري؛ وتدابير الإسقاط الخارجي (التي يُشار إليها بـ"الشراكة") مع البلدان التي تتقاسم معها الشواغل المشتركة بشأن الأمن الاقتصادي، ومن خلال الاستثمار في التنمية المستدامة والروابط الآمنة في جميع أنحاء العالم عبر مبادرة "البوابة العالمية" (Global Gateway) التابعة للاتحاد الأوروبي.
ويجري تقييم المخاطر المتعلقة بأمن التكنولوجيا وتسربها استناداً إلى قائمة بالتقنيات الاستراتيجية الحرجة للأمن الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، وفي انعكاس لازدواجية المنظور إلى الاستخدام المزدوج بوصفه مسألة تثير القلق من زاويتي الحماية والتعزيز معاً، عرضت ورقة بيضاء صدرت مؤخراً خيارات لتعزيز الدعم الموجه للبحث والتطوير في التقنيات مزدوجة الاستخدام. ويقر ذلك بأن التقنيات المستخدمة في سياق القدرات الأمنية والدفاعية باتت تنشأ على نحو متزايد في المجال المدني، حيث تكون استثمارات القطاع الخاص أعلى والتكاليف غير المباشرة أدنى ودورات البحث والتطوير أسرع.
وتناولاً لهذا الموضوع، يؤكد تقرير دراغي بشأن مستقبل القدرة التنافسية الأوروبية أن برامج الاستخدام المزدوج غير متطورة بالقدر الكافي في الاتحاد الأوروبي، على الرغم من قدرتها على تعزيز التعاون بين القطاعين المدني والدفاعي، ودفع الابتكار التقني العميق الذي يلبي الاحتياجات العسكرية أيضاً، والتخفيف من المخاطر عبر توظيف تقنيات مشتركة في استخدامات نهائية مختلفة. كما يسلّط تقرير نينيستو بشأن تعزيز التأهب والجاهزية المدنية والعسكرية في أوروبا، الصادر هو الآخر في عام 2024، الضوء على حاجة أوروبا إلى تسخير دورات الابتكار المدني الأسرع بكثير على نحو أفضل في مجال التقنيات ذات الإمكانات المزدوجة الاستخدام، حفاظاً على قدرتها التنافسية وتعزيزاً لقدراتها العسكرية. ويقارن التقريران كلاهما إنفاق الاتحاد الأوروبي على البحث والتطوير الدفاعي مقارنةً لا تصب في صالحه مع الاستثمارات المماثلة للولايات المتحدة.
وفي مارس 2025، نشرت المفوضية الأوروبية ورقة بيضاء جديدة بعنوان "الجاهزية الدفاعية الأوروبية 2030"، تعلن فيها أن التكنولوجيا ستكون السمة الرئيسية للمنافسة في البيئة الجيوسياسية الجديدة. وتقترح الورقة منظومات وسلاسل قيمة جديدة للتقنيات المتطورة، كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، تغذي التطبيقات المدنية والعسكرية على حد سواء. كما تبرز تلاشي الفارق بين البحث المدني والبحث الدفاعي، ولا سيما في مجال "التقنيات العميقة"، وتؤكد أن نتائج البحوث المدنية ذات الصلة ينبغي أن تؤدي دوراً حاسماً في تطوير قدرات عسكرية متطورة.
وفي يوليو 2025، نشرت المفوضية الأوروبية مقترحاتها الأولية لبرنامجها الإطاري العاشر متعدد السنوات للفترة من 2028 إلى 2034، الذي يتبنى للمرة الأولى "نموذج الاستخدام المزدوج منذ مرحلة التصميم" في معظم جوانبه. ومن أولوياته الحد من الاعتماديات الحرجة على التقنيات غير الأوروبية، والتركيز على التقنيات مزدوجة الاستخدام التي يمكن أن تفيد التطبيقات المدنية والدفاعية معاً. وتقترح المفوضية الأوروبية أن تُهيكل أجزاء كبيرة من البرنامج الإطاري العاشر متعدد السنوات حول "النوافذ" السياسية الأربع لصندوق القدرة التنافسية الأوروبي، ومن بينها نافذة مخصصة لـ"المرونة والأمن والصناعة الدفاعية والفضاء".
وليس هذا الموضوع جديداً على المفوضية الأوروبية، التي تعدّ الاستثمار في الابتكار وتحسين توظيف التكنولوجيا المدنية في المجال الدفاعي أمراً أساسياً لتعزيز السيادة التكنولوجية لأوروبا والحد من اعتمادياتها الاستراتيجية. فقد نشرت المفوضية في عام 2021 "خطة العمل بشأن أوجه التآزر بين الصناعات المدنية والدفاعية والفضائية"، التي تهدف إلى تعزيز التكامل بين البرامج والأدوات المدنية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، وتشجيع المشاريع المنبثقة عن البحث والتطوير الدفاعي والفضائي لصالح التطبيقات المدنية، وتيسير إدماج الابتكار ذي المنشأ المدني في مشاريع التعاون الدفاعي الأوروبي. وأتبعت ذلك في عام 2022 بـ"خريطة الطريق بشأن التقنيات الحرجة للأمن والدفاع". أما صندوق الدفاع الأوروبي، الذي أُنشئ في عام 2021 بميزانية قدرها 8 مليارات يورو على مدى 7 سنوات، فيعزز التعاون في البحث والتطوير بين جهات البحث العام (وهي في الغالب منظمات البحث والتكنولوجيا لا الجامعات) والشركات، ويدعم المشاريع التنافسية والتعاونية على امتداد دورة البحث والتطوير بأكملها، بما في ذلك التصميم وإعداد النماذج الأولية والاختبار.
كما تتضمن الورقة البيضاء الخاصة بالجاهزية الدفاعية سلسلة من الإجراءات الواجب اتخاذها فوراً، مثل تفعيل الدول الأعضاء لبند الاستثناء الوطني، واعتماد اللائحة المتعلقة بالأمن والعمل من أجل أوروبا، وإطلاق الحوار الاستراتيجي مع الصناعة الدفاعية، ووضع خريطة طريق تكنولوجية أوروبية للتسلح بشأن الاستثمار في القدرات التكنولوجية المتقدمة مزدوجة الاستخدام في عام 2025.
وقد نشرت المفوضية الأوروبية كذلك في يونيو 2025 تقريرين مستقلين لخبراء بشأن البحث والابتكار مزدوجي الاستخدام، بهدف الاسترشاد بهما في صنع القرار المتعلق بالجيل القادم من برامج التمويل الأوروبية. الأول موجز سياسات أعدّه فريق الخبراء المعني بالأثر الاقتصادي والمجتمعي للبحث والابتكار، يبرز الدور الاستراتيجي لتمويل البحث والابتكار مزدوجي الاستخدام في تعزيز الأمن والاستقلالية الاستراتيجية والقدرة التنافسية والاستدامة، ويوصي باعتماد نهج الاستخدام المزدوج منذ مرحلة التصميم في برامج التمويل الأوروبية المستقبلية. أما التقرير الثاني، الذي أعدّته مجموعة صغيرة من الخبراء من مجتمعَي البحث والابتكار المدني والدفاعي، فيقدّم أمثلة ملموسة ودراسات حالة حول كيفية تطبيق البحث والابتكار مزدوجي الاستخدام عملياً.
وفي مثال آخر، يسير تعزيز تقنيات حرجة بعينها في قانون تعزيز الأمن الاقتصادي الياباني الصادر عام 2022 في اتجاهات مماثلة.
سياسة الأمن الاقتصادي في اليابان
تُعدّ اليابان من الدول الرائدة في مجال سياسات الأمن الاقتصادي، إذ تسعى من خلالها إلى الحدّ من قابليتها للتعرض للإكراه الاقتصادي. وتتمثل سياستها الرئيسية في قانون تعزيز الأمن الاقتصادي الصادر عام 2022، الذي يهدف إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لليابان وتحقيق ما يُعرف بـ"عدم الاستغناء الاستراتيجي" عبر تقنيات يابانية الصنع متفوقة يعتمد عليها سائر العالم. ويحدد القانون أربع ركائز للعمل: أولاً، مرونة سلاسل الإمداد؛ وثانياً، تأمين البنية التحتية الأساسية؛ وثالثاً، تطوير التقنيات الحرجة المتقدمة؛ ورابعاً، عدم الإفصاح عن براءات الاختراع. وتضطلع الأمانة العامة للأمن القومي بدور الجهة المنسِّقة لهذه الجهود، كما أُنشئ مكتب لتعزيز الأمن الاقتصادي داخل مكتب مجلس الوزراء للمساعدة في توحيد سياسات الأمن الاقتصادي وضمان اتساقها عبر جميع الوزارات والهيئات الحكومية.
وإلى جانب هذه المبادرات الحكومية الشاملة، تبذل الوزارات منفردةً جهوداً خاصة بها لتعزيز الأمن الاقتصادي. ففي عام 2023 مثلاً، نشرت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة خطة عمل الأمن الاقتصادي، التي تتمحور حول ما يُسمّى "المبادئ الثلاثة"، وهي في اليابان، كما في الاتحاد الأوروبي، التعزيز والحماية والشراكة. كما أنشأت الوزارة مكتباً للتجارة والأمن الاقتصادي يتولى صياغة السياسات المتعلقة بالأمن الاقتصادي ضمن نطاق اختصاصها والدفع بها. وقد حُدِّثت خطة العمل عام 2024 ثم مرة أخرى في مايو 2025، وأبرزت النسخة الأحدث حاجة اليابان إلى التكيف مع الظروف المتغيرة في النظام الدولي منذ صدور النسخة السابقة. وتحدد نسخة عام 2025 أربع مجموعات من التدابير:
أولاً، مواصلة دمج المبادئ الثلاثة وتحديثها بهدف تعزيز القواعد الصناعية والتكنولوجية لليابان. ومن بين التدابير المُعلنة توسيع قائمة التقنيات الحرجة المشمولة بالدعم لتضم طائفة من المواد والتقنيات الجديدة ذات الأهمية البالغة للأمن الاقتصادي والقومي، واعتماد نهج جديد قائم على سلاسل القيمة الصناعية يعزز التدابير على كل مستوى من مستويات سلسلة القيمة بأكملها، بما في ذلك البحث والتطوير والمشتريات والإنتاج والمبيعات، فضلاً عن نهج أكثر استراتيجية لاستقطاب الكفاءات الأجنبية عالية المهارة والاحتفاظ بها، بما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية لليابان ومكانتها التي لا غنى عنها، ويحول دون التسرب غير المقصود للتكنولوجيا.
ثانياً، العمل على إعادة بناء نظام اقتصادي دولي قائم على القواعد بوصفه منفعة عامة عالمية. ويشمل ذلك الترويج لمخطط "شراكة الانطلاق الأسرع"، الذي يجمع بين تدابير تعزيز الصناعة وحمايتها بهدف المشاركة في بناء قواعد صناعية وتكنولوجية مع الدول ذات التوجهات المماثلة، مع تركيز أولي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى جانب الاضطلاع بدور أكثر استباقية في وضع القواعد الدولية الاستراتيجية والمعايير.
ثالثاً، تعزيز الحوار بين القطاعين العام والخاص. ويشمل ذلك إرساء آلية حوار متعددة المستويات بين القطاعين، ووضع مدونات سلوك وإرشادات تسترشد بها الشركات التي تسهم في الأمن الاقتصادي لليابان، ودعم الشركات في إنشاء أنظمة لأمن المعلومات.
رابعاً، تعزيز الاستخبارات الاقتصادية. فإضافة إلى ما هو قائم من تحليل السيناريوهات وتمارين المحاكاة وتحليل سلاسل الإمداد وتحليل التقنيات، ستستعين الوزارة بخبراء خارجيين ذوي خبرة رفيعة في مجالات تكنولوجية وصناعية محددة مثلاً، وستُنشئ منصة للحوار الاستراتيجي بين مراكز الفكر في القطاع الخاص والحكومة، كما ستُنشئ، بالتعاون مع الأمانة العامة للأمن القومي ومكتب مجلس الوزراء، مركزاً للأمن الاقتصادي يعزز قدرات الحكومة في مجال الاستخبارات الاقتصادية.
وتُبرز خطة العمل المحدَّثة لعام 2025 أربعة تحولات جذرية: أولها تآكل النظام الاقتصادي الدولي الليبرالي، وثانيها احتدام التنافس على الهيمنة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، ومحوره الذكاء الاصطناعي، وثالثها تنامي أهمية أمن الطاقة، ورابعها اشتداد التنافس بين القوى الكبرى والصاعدة على حد سواء في المجالات الاستراتيجية من الجيل التالي التي لا غنى عنها للأمن القومي، كالفضاء والمحيطات والأنظمة الجوية غير المأهولة.
ومن أبرز العناصر التي حددها القانون القدرات التكنولوجية لليابان، التي جرى تأطيرها بوصفها تدابير اقتصادية مرتبطة بضمان الأمن القومي. غير أن ما يمثل قطيعة حادة مع الماضي هو مبادرة جديدة للبحث والتطوير قائمة على هذا القانون تُعرف باسم "برنامج K" (برنامج تطوير التقنيات الأساسية للأمن الاقتصادي). وهي مبادرة مشتركة بين مكتب مجلس الوزراء ووزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا ووزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة، تركز على التقنيات التي تسهم في صون الأمن الاقتصادي الوطني في مجالات مثل المجال البحري والفضاء الجوي والفضاء السيبراني. وتبلغ ميزانية البرنامج حالياً ما يصل إلى 500 مليار ين ياباني (3 مليارات يورو) على مدى عشر سنوات.
تجدُّد الاهتمام بتعزيز البحوث مزدوجة الاستخدام مع تزايد تشابك أجندتي الأمن الاقتصادي والقومي
تكشف هذه الاستعراضات الموجزة لسياسات الأمن الاقتصادي الناشئة في أوروبا واليابان عن توقعات الحكومات بشأن العواقب بعيدة المدى للتقنيات الناشئة، كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، بما في ذلك عواقبها على الأمن القومي. كما تشير إلى تجدُّد اهتمام الحكومات بتعزيز البحث والابتكار مزدوجَي الاستخدام، اللذين يشملان القطاعين المدني والدفاعي معاً، بغية تعزيز الأمن الاقتصادي والقومي. وكما أوضح الفصل الأول، تسعى الحكومات إلى الاستثمار الفعّال لأوجه التآزر بين أهداف السياسات، ومنها الأمن والقدرة التنافسية الاقتصادية، لضمان أقصى عائد وكفاءة لاستثمارات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ومع النمو الكبير لميزانيات الدفاع في كثير من الدول الأعضاء في المنظمة، بما في ذلك ما يُخصَّص منها للبحث والتطوير، تحرص الحكومات على توظيف هذه النفقات الجديدة لأغراض مدنية أيضاً. ويبدو من المرجح كذلك أن يُصنَّف جزء من البحث والتطوير المدني على أنه يسهم جزئياً في الدفاع والأمن، في ظل سعي الدول إلى بلوغ أهداف طموحة للإنفاق الدفاعي خلال العقد المقبل. وتسهم كلتا الظاهرتين في بروز أجندات أكثر صراحة في ما يخص الاستخدام المزدوج.
ومع أن طموحات الاستخدام المزدوج يمكن تحقيقها عبر قنوات متعددة، فثمة محوران بارزان آخذان في التشكّل في السياسات. يتعلق المحور الأول بسبل تحسين استشراف الاحتياجات المدنية والدفاعية معاً عند إجراء البحوث ذات المستوى المنخفض من الجاهزية التكنولوجية المرتبطة بالتقنيات العامة الغرض، كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، حتى حين يكون مجال التطبيق غير معروف بعد. فكثير من التقنيات العامة الغرض مزدوجة الاستخدام بطبيعتها، ومن شأن نهج يجسّد "نموذج الاستخدام المزدوج منذ التصميم"، على النحو الذي نوقش في سياق البرنامج الإطاري المقبل للاتحاد الأوروبي، أن يرفع وعي الباحثين والإداريين والممولين بالاستخدامات النهائية المحتملة لأبحاثهم ويحفزهم على التفكير فيها. ويرمي هذا الوعي والتفكير المتزايدان إلى تعزيز الكشف المبكر عن إمكانات الاستخدام المزدوج للنتاج العلمي، بهدف تحسين فهم مخاطره وفرصه معاً. كما يرمي إلى تعزيز المواءمة المتزامنة مع المتطلبات المدنية والدفاعية، ومن ثم الحدّ من التعديلات اللازمة لمواءمة تقنية ما مع المعايير المدنية أو الدفاعية عند استهداف كل من السوقين.
أما المحور الثاني فيتعلق بتعزيز نقل التكنولوجيا بين التطبيقات المدنية والدفاعية عند المستويات الأعلى من الجاهزية التكنولوجية. فمع أن حكومات كثيرة دأبت منذ أمد بعيد على دعم الروابط في الاتجاهين بين منظومتي البحث والابتكار المدنية والدفاعية، فإن التطورات التكنولوجية السريعة والمُحدِثة للتغيير الجذري في القطاع المدني دفعت الحكومات إلى إيلاء اهتمام متزايد لإمكاناتها مزدوجة الاستخدام في القطاع الدفاعي. وتبعاً لذلك، باتت برامج تمويل البحوث الدفاعية تنفتح بصورة متزايدة على منظومة البحث المدني وتُكلّفها بإجراء البحوث.
وقد كانت الروابط بين البحوث المدنية والدفاعية تاريخياً أقوى في بعض الدول منها في غيرها. فالولايات المتحدة مثلاً تقيم علاقة راسخة بين البحوث المدنية والدفاعية بوصفها سمة جوهرية من سمات سياساتها في مجالي الأمن القومي والعلوم. إذ تُعدّ وزارة الدفاع مموّلاً مهماً للبحوث الأساسية في الجامعات وداعماً لبرامج الدكتوراه في طائفة واسعة من المجالات. وقد رعت مؤسسات مثل وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة أبحاثاً رائدة ويسّرت نشوء شبكات علمية جديدة، مستعينةً بكبار العلماء الجامعيين مديرين للبرامج وباحثين. وفي المقابل، حافظت ألمانيا واليابان تاريخياً على فصل صارم بين البحوث المدنية والدفاعية. ففي ألمانيا مثلاً، يستبعد "البند المدني" معظم الجامعات الحكومية من البحوث المتصلة بالدفاع. ويخضع هذا البند حالياً للمراجعة، إذ تناقش الوزارة الاتحادية للبحث والتكنولوجيا والفضاء مع جهات تمويل البحوث الأخرى مدى إمكانية توظيف حوافز التمويل لزيادة التعاون بين البحوث المدنية والدفاعية في المجالات الملائمة. وفي دول أخرى، كأستراليا وفرنسا والمملكة المتحدة، ومع أن بعض الجامعات ومعاهد البحوث العامة المدنية تتمتع بتاريخ طويل من العمل مع القطاع الدفاعي، فإن الروابط تظل أقل تطوراً وأقل منهجية مما هي عليه في الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من هذا التاريخ من الروابط، تظل منظومتا البحث المدني والدفاعي متمايزتين نسبياً ومستقلتين إحداهما عن الأخرى إلى حد ما، إذ لكل منهما على سبيل المثال وزاراتها المسؤولة وهيئاتها وبرامجها التمويلية، ومراكزها البحثية وبناها التحتية، وقواعدها ولوائحها الخاصة بما يجوز تبادله علناً من المعارف وما لا يجوز. ولا تزال منظومات البحث والابتكار الدفاعية مغلقة نسبياً مقارنة بنظيراتها المدنية، كما لا تزال منظَّمة على نحو وطني إلى حد كبير. غير أنه مع تزايد تشابك أجندتي الأمن الاقتصادي والقومي، ثمة تقارب متنامٍ في تصميم التمويل وغيره من تدخلات السياسات العامة الداعمة للبحوث وتطوير التكنولوجيا في المجالين المدني والدفاعي. وقد يؤذن ذلك ببروز منظومة بحث وابتكار أكثر تكاملاً تُسهم فيها المؤسسات البحثية والباحثون في القطاع المدني بقدر أكبر في البحوث الدفاعية والأمنية وتستفيد منها.
البحوث مزدوجة الاستخدام تثير تساؤلات عملية وأخرى أكثر جوهرية بالنسبة لمنظومات البحث المدني وسياساته
قد يخضع البحث والابتكار مزدوجا الاستخدام لتدابير واسعة ومعقدة للامتثال لضوابط التصدير، بما في ذلك لوائح ضوابط تصدير المواد مزدوجة الاستخدام، مما يفرض أعباء إدارية إضافية ويطيل دورات التطوير إطالة كبيرة ويرفع التكاليف. وقد يلزم أيضاً إنشاء بيئات تطوير آمنة تضم مناطق عالية الأمن ذات وصول مقيَّد، وهو ما يستتبع تغييرات في تنظيم الحرم الجامعي والفرق البحثية وإدارة البيانات وأنظمة تقنية المعلومات، من بين أمور أخرى. بيد أن البحوث الأساسية الأكاديمية ظلت تقليدياً مستثناة من كثير من هذه القيود. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تموّل وزارة الدفاع قدراً كبيراً من البحوث في الجامعات، وهي بحوث مزدوجة الاستخدام بطبيعتها لكنها غير مصنَّفة سرية في الوقت ذاته. وعادةً ما يجري التمييز بين الاستخدامات المدنية والدفاعية على مستوى التطبيق، حيث تُوضع الفواصل اللازمة لحماية السرية في الجانب الدفاعي. وقد يغدو هذا التمييز ضبابياً إذا أصبحت برامج تمويل البحث والتطوير المدنية اسمياً "مزدوجة الاستخدام منذ التصميم" واستهدفت بحوثاً ذات مستوى منخفض من الجاهزية التكنولوجية يتعين أن تراعي منذ البداية طائفة من الاستخدامات، بما فيها الاستخدامات الدفاعية.
وتمثل القيود المتعلقة بالكفاءات تحدياً مهماً آخر، نظراً إلى ندرة المهنيين الذين يجمعون بين الخبرة التقنية والتصاريح الأمنية المطلوبة في كثير من الدول الأعضاء في المنظمة. فالجامعات الرائدة دولية في تركيبة كوادرها، ويؤدي طلاب الدكتوراه وباحثو ما بعد الدكتوراه الأجانب أدواراً محورية في كثير من المنظومات. وقد يكون الحصول على التصاريح الأمنية عملية طويلة ومرهقة عند توظيف باحثين وطلاب دكتوراه أجانب، ومن المرجح أن تُستبعد جنسيات معينة في بعض السياقات. كما أن تصنيف المعارف بوصفها حساسة أو سرية سيقيّد نشرها على نحو مفتوح، مما قد يُثني الباحثين في بداية مسيرتهم المهنية الذين يعتمدون على النشر المفتوح في تقدمهم الوظيفي. وأخيراً، قد تحدّ الاعتبارات الأخلاقية كذلك من استعداد العلماء وقبولهم للانخراط في بحوث ذات تطبيقات عسكرية محتملة.
في الوقت ذاته، اشتدت المنافسة الدولية على كبار العلماء
على الرغم من احتمال فرض قيود مستقبلية على توظيف بعض الباحثين الأجانب في مجالات بعينها، يظل استقطاب الكفاءات الدولية، بمن فيها كبار العلماء، نهجاً مهماً تعتمده الدول لتعزيز القدرات البحثية والتقنية التي يقوم عليها أمنها الاقتصادي والقومي. فالدول التي لا تنخرط في التنافس العالمي على المهاجرين ذوي المهارات العالية تخاطر بالتخلف عن الركب. وقد دأبت الدول الأعضاء في المنظمة منذ فترة على تقديم أنواع مختلفة من الحوافز لاستقطاب كبار العلماء من الخارج، منها الزمالات والمنح والإعفاءات الضريبية والتأشيرات الخاصة وإمكانية نقل المعاشات التقاعدية. ومن بين هذه التدابير برامج الكفاءات التي تستهدف كبار العلماء في الخارج بحوافز مالية ودعم للدخول والاستقرار. وقد ازدادت شعبية هذه البرامج في السنوات الأخيرة، وكثيراً ما تستهدف مجالات محددة من العلوم والتكنولوجيا تسعى الدول إلى تعميق قدراتها فيها. وفي ما يلي أمثلة مختارة على المبادرات الحديثة.
أمثلة على برامج الكفاءات الحديثة لاستقطاب العلماء من الخارج
يتيح الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء طائفة متنوعة من فرص التمويل المفتوحة أمام الباحثين من خارج أوروبا. ففي مايو 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية عن حزمة بقيمة 500 مليون يورو للفترة الممتدة بين عامي 2025 و2027 لاستقطاب الباحثين المقيمين خارج الاتحاد الأوروبي والاحتفاظ بهم. وتشمل الحزمة مبادرة "اختر أوروبا من أجل العلم" (Choose Europe for Science) التي أُطلقت عام 2025 لاستقطاب أفضل الكفاءات البحثية على مستوى العالم والاحتفاظ بها. كما تشمل المنحة المتقدمة لمجلس البحوث الأوروبي، التي توفر دعماً إضافياً للباحثين القادمين من دول من خارج الاتحاد، إذ يمكنهم التقدم بطلب للحصول على مبلغ إضافي قدره مليونا يورو لتغطية تكاليف البدء المؤهلة.
وعلى مستوى الدول الأعضاء في الاتحاد، أنشأت الوكالة الحكومية الإسبانية للبحوث عام 2023 برنامج "أتراي" (ATRAE)، الذي يمنح منحاً لتوظيف كفاءات بحثية راسخة ومعترف بها دولياً، من بين أفضل 10% من الباحثين على مستوى العالم في مجالاتهم، ممن قضوا مؤخراً فترة طويلة من نشاطهم المهني في الخارج. وتبلغ قيمة دعوة عام 2025 أربعين مليون يورو، على ألا تتجاوز المنحة الفردية 1.2 مليون يورو. وتهدف هذه المنح إلى دفع التقدم نحو منظومة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار أكثر قدرة على المنافسة على الصعيدين الوطني والدولي.
وأطلقت الوزارة الاتحادية الألمانية للبحث والتكنولوجيا والفضاء عام 2025 "مبادرة العقول العالمية" (Global Minds Initiative) الموجهة إلى الباحثين الدوليين المتميزين. وتستند المبادرة إلى برامج مؤسسة ألكسندر فون هومبولت ومؤسسة البحوث الألمانية، وتهدف إلى إبراز ثقافة الترحيب في ألمانيا وتوفير ملاذ آمن للحرية العلمية. ويقوم التمويل على أساس التميز العلمي، وهو مفتوح لجميع الموضوعات.
وأطلقت فرنسا عام 2025 منصة "اختر فرنسا من أجل العلم" (Choose France for Science) في إطار التزامها باستقبال الباحثين الدوليين الراغبين في العمل في بيئة مواتية للحرية الأكاديمية. وتتيح المنصة، التي تديرها الوكالة الوطنية الفرنسية للبحوث، للجامعات والمدارس العليا والمؤسسات البحثية التقدم بطلب للحصول على تمويل حكومي مشترك يصل إلى 50% لاستضافة الباحثين.
وفي عام 2025 أيضاً، طرح مجلس البحوث السويدي دعوة لتقديم منح بقيمة مليوني كرونة سويدية لتمكين مؤسسات التعليم العالي وغيرها من المؤسسات البحثية في السويد من توظيف باحثين بارزين يعملون خارج أوروبا. وتُخصَّص المنحة لتغطية نفقات التوظيف والراتب خلال فترة محدودة من العمل في السويد.
أما "مركز العلوم في الدنمارك" (Science Hub Denmark) فهو مبادرة منسَّقة على المستوى الوطني تهدف إلى تعزيز الحضور العالمي للبحوث الدنماركية والفرص المهنية في العلوم الطبيعية والهندسة وعلوم الحياة. وتروّج المبادرة للدنمارك بوصفها وجهة جاذبة للباحثين الدوليين من الطراز الأول، مع تركيز قوي على التميز والأثر المجتمعي وجودة الحياة.
وخارج أوروبا، أطلقت كوريا عام 2025 "تصريح كي تك" (K Tech Pass) لاستقطاب الكفاءات العالمية في الصناعات المتقدمة، ومنها أشباه الموصلات والبطاريات الثانوية وشاشات العرض والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات والقطاع الدفاعي. ويقدم المخطط دعماً للدخول والاستقرار معاً للأجانب ذوي الخبرة في التقنيات المتقدمة الذين وقّعوا عقود عمل مع شركات كورية في الصناعات عالية التقنية.
ولدى الصين عشرات من برامج الكفاءات العاملة على المستويات الوطنية والإقليمية وعلى مستوى المدن، يركز معظمها على استقطاب الطلاب والمهنيين من الجاليات الصينية في الخارج للعودة إلى الصين. ولعل أشهرها وأحد أكبرها "برنامج الألف موهبة" الذي عمل بين عامي 2008 و2023، ويُقدَّر أنه استقطب ما بين 7000 و8000 مشارك. وقد خضعت النسخة الجزئية الدوام من البرنامج لتدقيق مكثف من قِبل عدد من الدول الأعضاء في المنظمة، إذ كان المشاركون فيها يتنقلون ذهاباً وإياباً، وكثيراً ما أنشؤوا في الصين مختبرات تحاكي مختبراتهم البحثية في دول المنظمة، مما أتاح نقل المعارف والتكنولوجيا بصورة منتظمة. وأسهم البرنامج في تنامي المخاوف المتعلقة بالأمن البحثي في الدول الأعضاء في المنظمة، ولا سيما ما يتصل منها بتضارب المصالح وتضارب الالتزامات لدى العلماء المشاركين. فعلى سبيل المثال، يحظر قانون الرقائق والعلوم الأمريكي الصادر عام 2022 على الباحثين المقيمين في الولايات المتحدة والحاصلين على تمويل اتحادي المشاركة في برامج استقطاب الكفاءات الأجنبية التي ترعاها الصين أو الاتحاد الروسي.
الحماية من خلال تدابير الأمن البحثي
ثمة قلق متزايد إزاء جهات معادية تستغل التعاون البحثي الدولي للحصول على البحوث والخبرات بغية تسريع تطوير قدراتها التكنولوجية في المجالات الحيوية للأمن القومي والاقتصادي. ويسود تخوّف من أن تترتب على هذه الأفعال، في غياب الاهتمام والإدارة الفعالة، تداعيات على الأمن القومي والقدرة التنافسية الاقتصادية ونزاهة التعاون البحثي. وتعدّ دول أعضاء كثيرة في المنظمة اليوم نقل المعلومات غير المصرَّح به والتدخل الأجنبي في البحوث العامة خطراً جسيماً على الأمن القومي والاقتصادي، كما بات الأمن البحثي، بما في ذلك منع التدخل غير المرغوب فيه من جانب دول أجنبية أو جهات من غير الدول في البحوث العلمية الأساسية والتطبيقية، أولوية قصوى في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
ومع أن لدى الدول أنظمة محكمة التنظيم لضوابط التصدير الخاصة بالبحوث المتعلقة بالتقنيات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمتفجرات، فإن ضبط النقل غير الملموس للبيانات والمعلومات والدراية الفنية الناتجة عن بحوث علمية تُجرى دون تطبيق عملي محدد في الذهن أمر أقل يسراً. وينطبق ذلك على البحوث الأساسية التي ظلت تقليدياً مستثناة من ضوابط التصدير. وفي الوقت ذاته، ثمة إقرار بأن المعارف الناتجة عن مجالات كثيرة من البحوث الأساسية يمكن اعتبارها مزدوجة الاستخدام على نحو محتمل، وكما سبقت الإشارة، يدرس صانعو السياسات حالياً سبل رفع وعي الباحثين ووكالات التمويل لمراعاة هذا المنظور في البحوث ذات المستوى المنخفض من الجاهزية التكنولوجية. وقد أفضى ذلك إلى تدقيق أشد في أشكال التعاون العلمي الدولي وممارسات النشر التي كانت متحررة في السابق، مع تزايد تصنيف مجالات علمية بأكملها، كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، بوصفها "حرجة" أو "حساسة" أو "ذات صلة بالأمن"، بهدف حمايتها من التجسس والنفوذ الأجنبي وضمان المزايا التنافسية.
وليست حماية البيانات والمعلومات والدراية الفنية بالأمر اليسير في عصر الإنترنت، كما أن تقييد الوصول قد يتعارض مع مبادئ النزاهة البحثية والعلم المفتوح. فالبحث العلمي يعمل ضمن منظومة بحثية عالمية تعتمد في أدائها الفعال على الاستقلالية والانفتاح والتبادل الحر. ومن شأن التطبيق الشامل لتدابير صارمة للأمن البحثي أن يشكّل خطراً مباشراً أو غير مباشر على جودة منظومة البحث الوطنية وإنتاجيتها ونزاهتها، ومن ثم على قيمتها المجتمعية والاقتصادية. ولذلك أصبح تطوير القدرة على تحديد المخاطر الأمنية الحقيقية وإدارتها، مع الحفاظ على نزاهة المنظومة البحثية العالمية، أولوية لدى حكومات كثيرة.
وقد تنشأ تهديدات الأمن البحثي عن الأنشطة العدائية لجهات التهديد، أو عن ضعف ممارسات إدارة المخاطر لدى المؤسسات المنفذة للبحوث أو لدى الباحثين أنفسهم. وفي عام 2022، أصدرت المنظمة ورقة سياسات بعنوان "النزاهة والأمن في منظومة البحث العالمية" تضمنت توصيات بشأن الكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها مختلف الجهات الفاعلة، ومنها الحكومات الوطنية ووكالات تمويل البحوث والمؤسسات البحثية والجامعات والجمعيات الأكاديمية والمنظمات الحكومية الدولية، مع الأمن البحثي، كما استعرضت الجهود الجارية بالفعل. ومن بين التوصيات دمج اعتبارات الأمن البحثي في الأطر الوطنية والمؤسسية للنزاهة البحثية، وتعزيز نهج متناسب ومنهجي لإدارة المخاطر في البحث العلمي، والعمل عبر القطاعات والمؤسسات لوضع سياسات أكثر تكاملاً وفعالية.
وتتناول الأقسام التالية هذه المحاور، غير أن تدابير الأمن البحثي واصلت توسعها على الصعيد العالمي منذ نشر هذا التقرير، مدفوعةً بارتفاع مستوى الوعي والطبيعة المتطورة للتهديدات الأمنية. فقد شهد عدد مبادرات السياسات التي تركز على الأمن البحثي، وعدد الدول التي تنفذها، ارتفاعاً حاداً. إذ لم تُسجَّل في قاعدة بيانات بوصلة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STIP Compass) سوى 27 مبادرة سياسات وطنية عام 2018، في حين تضاعف هذا العدد نحو عشر مرات بحلول عام 2025 ليتجاوز 250 مبادرة. كما اتسع الاهتمام بالأمن البحثي على مستوى العالم، إذ تضاعف عدد الدول التي لديها سياسات للأمن البحثي بأكثر من ثلاث مرات خلال الفترة ذاتها، من 12 دولة عام 2018 إلى 41 دولة عام 2025.
الربط بين الأمن البحثي والنزاهة البحثية
في الوقت الذي تتخذ فيه الحكومات تدابير لتحسين الأمن البحثي، فإنها تشدد كذلك على النزاهة البحثية، التي تشير تحديداً إلى جملة من القيم والأعراف والمبادئ التي تشكّل الممارسة العلمية السليمة (كحرية البحث العلمي والانفتاح والأمانة والأخلاقيات والنزاهة والمساءلة وغيرها)، وتنظّم التعاون البحثي الدولي (كالمعاملة بالمثل والإنصاف وعدم التمييز وغيرها). ولا تقتصر النزاهة البحثية على سلوك العلماء الأفراد، بل تمتد إلى المنظومات البحثية، مع تركيز خاص على التخفيف من تهديدات الأمن القومي والاقتصادي والتدخل الأجنبي. ومع اتساع نطاق التعاون الدولي وتغيّر التوزيع الجغرافي للإنتاج العلمي، بات من الضروري إدراج الحدّ من نقل المعلومات غير المصرَّح به والتدخل الأجنبي ضمن اعتبارات النزاهة البحثية. وتهدف زيادة الشفافية، والإفصاح عن حالات تضارب المصالح وتضارب الالتزامات المحتملة، وإدارة المخاطر، إلى تعزيز النزاهة البحثية والأمن البحثي معاً، وتُعدّ أموراً أساسية لتعزيز الثقة في العلم.
دعم السياسات يتركز بصورة متزايدة على تدابير تنفيذ الأمن البحثي
في حين ركزت كثير من مبادرات السياسات السابقة على رفع الوعي بالأمن البحثي بوصفه قضية قائمة وعلى تطوير الذكاء السياساتي، كتقييم المخاطر الخاصة بكل دولة، انصبّ التركيز في الآونة الأخيرة على وضع الاستراتيجيات والأجندات والخطط وتقديم الدعم لتنفيذها. كما تنامى منذ عام 2020 اللجوء إلى التنظيم والقانون غير الملزم والرقابة. ويدل هذا التحول على أن الدول تشدد جهودها في مجال الأمن البحثي، منتقلةً من مجرد رفع الوعي وجمع المعلومات إلى تخطيط وتنفيذ أكثر واقعية. وتستهدف هذه الجهود في المقام الأول المؤسسات المنفذة للبحوث ووكالات التمويل. ويعكس حجم المبادرات المركزة على التنفيذ مدى حاجة هذه الجهات إلى الدعم في العمل ضمن بيئة متغيرة، كما يعكس مدى إخلال هذه البيئة بالممارسات الراسخة. وتتمثل أكثر فئات دعم التنفيذ شيوعاً بين مبادرات السياسات الحديثة في إعداد الأدلة الإرشادية، وأدوات الخدمة الذاتية، والخدمات الاستشارية. كما تعمل الحكومات ووكالات التمويل والمؤسسات المنفذة للبحوث على إنشاء هياكل تنظيمية مخصصة لتعزيز الأمن البحثي.
الأنواع الناشئة من الدعم لتنفيذ الأمن البحثي
إعداد الأدلة الإرشادية
توفر وثائق الإرشاد الحديثة أطراً لتنفيذ الاستراتيجيات أو التوجيهات الصادرة حديثاً، أو تضيف تفاصيل إلى إرشادات صدرت سابقاً. ولا تقتصر غايتها على مساعدة المؤسسات في التعامل مع المشهد المتطور للأمن البحثي، بل تمتد إلى المساعدة في ترسيخ ثقافة المساءلة. فعلى سبيل المثال، أصدرت المديرية النرويجية للتعليم العالي والمهارات، بالتعاون مع مجلس البحوث النرويجي، "إرشادات وأدوات للتعاون المعرفي الدولي المسؤول". وفي الولايات المتحدة، نشر مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا التابع للبيت الأبيض "إرشادات برامج الأمن البحثي في المؤسسات المشمولة"، التي تحدد التوقعات من برامج الأمن البحثي في ما يتعلق بالأمن السيبراني، والإبلاغ الأمني عن السفر إلى الخارج، والتدريب على الأمن البحثي، والتدريب على ضوابط التصدير. وفي النمسا، تدعم وزارة الابتكار والتنقل والبنية التحتية الأمن البحثي في قطاع البحوث التطبيقية، ومن تدابيرها في هذا الصدد إرشادات تساعد المتقدمين بطلبات التمويل على التقييم الذاتي لمخاطر المشاريع المشتركة والشركاء المحتملين من خلال طرح الأسئلة الصحيحة، إلى جانب تقديم المشورة بشأن كيفية رصد مؤشرات الخطر وتوفير معلومات عامة عن الأمن البحثي.
أدوات الخدمة الذاتية
مع تزايد تعقيد لوائح الأمن البحثي وإرشاداته، تضمنت المبادرات الحديثة أدوات عملية تساعد الجامعات والمؤسسات البحثية على تطبيق هذه الإرشادات في عملها اليومي. فعلى سبيل المثال، أصدرت الهيئة الوطنية للأمن الوقائي والمركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة أداة للتقييم الذاتي لمستوى نضج الأمن البحثي تُعرف بـ"إطار تقييم البحث الموثوق" (Trusted Research Evaluation Framework). ويكمّل هذا الإطار إرشادات "البحث الموثوق" القائمة، ويهدف إلى مساعدة المؤسسات الأكاديمية، أياً كانت المرحلة التي بلغتها في مسيرة الأمن البحثي، على فهم ما تعنيه الممارسة "الجيدة" في سبعة مجالات من النشاط. ويحدد الإطار ما يشكّل قدرة تأسيسية ومتوسطة ومتقدمة عبر أبعاد تقييم متعددة.
الخدمات الاستشارية
أصبح إنشاء الهيئات الاستشارية حجر الزاوية في جهود الأمن البحثي الحديثة، بما يعكس حاجة المؤسسات البحثية إلى الخبرة في التعامل مع متطلبات الأمن البحثي وتقييم المخاطر في المشاريع وتقدير جدوى أشكال التعاون المحتملة. فعلى سبيل المثال، أنشأت الدنمارك عام 2023 مركز أمن الابتكار والمعرفة داخل جهاز الأمن والاستخبارات الدنماركي، لتقديم المشورة الاستباقية لمؤسساتها البحثية بشأن كيفية التعامل مع التهديدات الصادرة عن دول أجنبية. وقد أُنشئ المركز لمواجهة المخاطر المتزايدة للتجسس وسرقة الملكية الفكرية والتدخل الأجنبي في البحوث. أما نهج الشراكة الذي تتبعه المملكة المتحدة في مجال الأمن البحثي فيُشرك الجامعات من خلال فريق المشورة بشأن التعاون البحثي، ويهدف إلى دعم القطاع البحثي في اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن أشكال التعاون البحثي.
التدقيق في التعاون البحثي الدولي: النهج القائم على المشاريع في مقابل النهج القائم على القوائم
تفرض السلطات قيوداً متفاوتة الدرجات على التعاون مع مؤسسات بحثية أو دول معينة. وترتبط هذه القيود في بعض الحالات بمجالات بحثية محددة تعكس اعتبارات جيوسياسية واعتبارات تتعلق بالأمن الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، دخلت سياسة حكومة كندا بشأن البحوث في التقنيات الحساسة والانتماءات المثيرة للقلق حيز التنفيذ عام 2024، وتنص على عدم تمويل أي طلب منحة أو تمويل بحثي في مجالات بحوث التقنيات الحساسة المدرجة في القائمة إذا كان الباحثون المشاركون في الأنشطة موضوع الطلب يتلقون تمويلاً أو دعماً عينياً من مؤسسات بحثية مدرجة في القائمة ومرتبطة بجهات عسكرية أو جهات للدفاع الوطني أو أمن الدولة قد تشكّل خطراً على الأمن القومي الكندي.
وتعمد دول أخرى إلى اعتماد نُهج قائمة على المشاريع لتحديد أشكال التعاون البحثي الحساسة، بدلاً من الاعتماد على قيود محددة سلفاً بحسب المجال أو الانتماء. فقد نشرت الحكومة الاتحادية الألمانية عام 2023 استراتيجيتها بشأن الصين، التي ترسي إطاراً للتعاون الآمن مع الصين في ظل التنافس المنهجي بين البلدين. وفي أعقاب ذلك، نشرت مؤسسة البحوث الألمانية ومجلس العلوم والإنسانيات الألماني والهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي وجمعية ماكس بلانك توصيات لدعم العلماء والمعاهد البحثية والجامعات في التعامل مع هذا السياق الجديد. وتمتنع هذه الجهات عمداً عن رسم خطوط حمراء حول دول أو مؤسسات شريكة أو موضوعات بحثية بعينها، وتؤيد بدلاً من ذلك إجراء تقييمات لكل حالة على حدة.
وعلى المنوال ذاته، أوصت دراسة أجرتها مجموعة جيسون (JASON) عام 2024 بعنوان "صون المنظومة البحثية"، بتكليف من المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، بتحديد البحوث الحساسة والمخاطر التي تكتنف التعاون على مستوى المشروع أثناء تقييم مقترحات البحوث. وتقدم الدراسة بديلاً عن فرض قيود شاملة على جميع أشكال التعاون في المجالات المدرجة عالية الخطورة. وقد اعتُمد هذا النهج القائم على الإجراءات حديثاً في إطار "البحث الموثوق باستخدام الضمانات والشفافية" (TRUST) التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم. واستلهاماً من هذا المثال، أطلقت الوكالة اليابانية للعلوم والتكنولوجيا مؤخراً مخططاً تجريبياً يُعرف باسم (JST TRUST)، تطبّقه على دعواتها لتقديم المقترحات في مجالي علوم الكمّ وبحوث أشباه الموصلات. ويتضمن المخطط فحص الخبراء للمقترحات، وسؤال الباحثين الرئيسيين عن الكيفية التي يجرون بها العناية الواجبة في مشاريعهم. وبناءً على ذلك، يُنظر في تدابير للتخفيف من المخاطر تحددها الوكالة عند الاقتضاء. كما يساعد المخطط في متابعة نتائج البحوث ونشرها وتقديم الإرشاد بشأنها.
إعادة صياغة الدبلوماسية العلمية لخدمة الأهداف الوطنية والمتعددة الأطراف معاً
يقوم النوع الثالث من تدخلات السياسات الرامية إلى إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار على إسقاط المصالح الوطنية على اللوائح والأعراف والمعايير والتحالفات الدولية. وفي هذا الصدد، أصبحت الدبلوماسية العلمية، التي تُعرَّف بأنها توظيف العلم لأغراض السياسة الخارجية، أداة بارزة على نحو متزايد للسعي إلى تحقيق الأهداف المتعددة الأطراف والمصالح الوطنية على حد سواء. ومع أن بعض مؤيدي الدبلوماسية العلمية لا يزالون يسلطون الضوء أساساً على جوانبها المتصلة بالمنافع العامة العالمية، فمن المسلَّم به على نطاق واسع اليوم أن العلم يُستخدم بصورة متزايدة أداةً استراتيجية لصون المصالح الوطنية والقوة، ووسيلةً للضغط في التنافس بين الدول. وليست هذه الازدواجية بالأمر الجديد، غير أنه مع تصاعد بروز التنافس الاستراتيجي في البيئة الجيوسياسية الراهنة، تبدلت النظرة إلى الدبلوماسية العلمية، وغدت أكثر مأسسة بوصفها أداة من أدوات السياسة الخارجية.
وفي هذا السياق، يقرّ الإطار المنقَّح للدبلوماسية العلمية الصادر عام 2025 عن الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم والجمعية الملكية في المملكة المتحدة بالحقبة الجديدة من الاضطرابات، ويوصف بأنه "أكثر قتامة وواقعية وصرامة من سلفه" الصادر عام 2010. كما يتضمن الإطار الأوروبي للدبلوماسية العلمية، الذي نشرته المفوضية الأوروبية في العام ذاته، ملاحظات مماثلة، إذ يقرّ بأن "العلوم والتكنولوجيا قطعٌ على رقعة الشطرنج الجيوسياسية العالمية". ومن المتوقع أن يؤثر كلا التقريرين في سياسات الدبلوماسية العلمية.
أطر جديدة بارزة للدبلوماسية العلمية في عام 2025
الدبلوماسية العلمية في عصر الاضطراب (الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم والجمعية الملكية)
يُحدِّث هذا التقرير إطار الدبلوماسية العلمية الذي أصدرته الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم والجمعية الملكية البريطانية عام 2010. ويرى التقرير أن عالماً أكثر تشرذماً وخطورة، تتجاذبه التحديات العالمية والاضطرابات التكنولوجية، يستدعي مقاربة منقحة لطبيعة التفاعل بين العلم والدبلوماسية. ومن ثم يقترح إطاراً مبسطاً ذا بُعدين: تأثير العلم في الدبلوماسية، أي الطرق المختلفة التي يتفاعل بها العلم مع الأهداف الدبلوماسية، وتأثير الدبلوماسية في العلم، أي الطرق التي تتفاعل بها الدبلوماسية مع المنظومة العلمية وتنخرط فيها.
وقد أبرزت المشاورات التي استند إليها التقرير جملة من الرسائل الرئيسية. فعلى سبيل المثال، في حين تزداد آليات الاستشارة العلمية اندماجاً في المؤسسات الوطنية والمتعددة الأطراف، بما يعكس تنامي مركزية العلم في السياسة الخارجية، فإن المصالح العلمية والدبلوماسية قد لا تتطابق دائماً. إذ تتعارض المعاهدات التي تحكم المشاعات العالمية أحياناً مع المصالح الوطنية السيادية، مما يدفع إلى إعادة النظر في قيم علمية كان يُظن أنها كونية، وفي انعكاساتها على التعاون العلمي الدولي. كما لاحظ التقرير تعاظم أدوار الجهات الفاعلة من غير الدول، كالشركات الكبرى والمنظمات الخيرية، في المشهد المتغير للدبلوماسية العلمية.
إطار أوروبي للدبلوماسية العلمية (المفوضية الأوروبية)
مع تحوّل العلوم والتكنولوجيا على نحو متزايد إلى عملة جيوسياسية، خلص الاتحاد الأوروبي إلى أن الدبلوماسية العلمية يمكن أن تساعده على إبراز قوته الناعمة والسعي إلى تحقيق مصالحه الاقتصادية وقيمه الأساسية بفاعلية أكبر. وعليه، أطلق الاتحاد الأوروبي في عام 2025 تقرير "إطار أوروبي للدبلوماسية العلمية"، ومن المتوقع أن تعقبه استراتيجية للدبلوماسية العلمية في وقت لاحق من العام نفسه. ويُقرّ التقرير بحدوث تحولات جذرية في نموذج الدبلوماسية العلمية تحركها التغيرات الجيوسياسية والتكنولوجية، ويقترح مقاربة على مستوى أوروبا بأسرها تحافظ على فضاءات التبادل، وتعزز المسؤولية المشتركة عن التصدي للتحديات المشتركة وحماية المنافع العامة العالمية، وتدافع عن المصالح الاستراتيجية لأوروبا. ويُبرز الإطار بوجه خاص الحاجة إلى توظيف استراتيجي للدبلوماسية العلمية في السياق الجيوسياسي الراهن، بما يشمل تعزيز القدرة على الذكاء الاستراتيجي، كاستخدام الاستشراف مثلاً، وتقوية الدبلوماسية العلمية في البعثات والسفارات. ويقدم التقرير توصيات وإجراءات ملموسة بشأن سبل تحقيق الريادة الأوروبية في الدبلوماسية العلمية من خلال أدوات استراتيجية وتشغيلية وتمكينية.
وبمزيد من التفصيل، تركز الأدوات الاستراتيجية للدبلوماسية العلمية الأوروبية على تحديد أولويات واضحة وإبراز الدبلوماسية العلمية، وتحديد التوازن الملائم بين الانفتاح والتقييد في التعاون العلمي الدولي، وتوظيف الدبلوماسية العلمية في التصدي للتحديات العالمية والإدارة المستدامة للمنافع العامة والمشاعات العالمية، بما في ذلك عبر الشراكات مع دول الجنوب العالمي. أما الأدوات التشغيلية فتهدف إلى إنشاء الهياكل اللازمة لريادة الاتحاد الأوروبي في الدبلوماسية العلمية، ورعاية منظومات العلم من أجل السياسات والاستشراف بما يعزز السياسات الخارجية والأمنية، وتقوية دور العلوم والتكنولوجيا داخل التمثيل الدبلوماسي. وتسعى الأدوات التمكينية إلى إنشاء مجتمعات الدبلوماسية العلمية والربط بينها، وتدريب المهنيين الأوروبيين الحاليين والمستقبليين في هذا المجال وتمكينهم، وتوسيع آفاق الدبلوماسية العلمية من خلال البحث والمقاربات المبتكرة، بما يعزز القدرات والخبرات الإجمالية في هذا الميدان.
وقد تباحث الباحثون والممارسون في سبل تعريف الأشكال والصور المختلفة التي يمكن أن تتخذها الدبلوماسية العلمية وتصنيفها وتأطيرها. ولا يسعى هذا الفصل إلى وضع إطار إضافي، بل يحدد ثلاثة جوانب رئيسية ينبغي مراعاتها:
أولاً، الطبيعة التعاونية للدبلوماسية العلمية: الدبلوماسية العلمية من أجل المنافع العامة العالمية والتنمية.
ثانياً، الطبيعة التنافسية للدبلوماسية العلمية: الدبلوماسية العلمية سعياً وراء المصالح الوطنية.
ثالثاً، الطبيعة الهجينة للدبلوماسية العلمية: الجهات الفاعلة من غير الدول ودبلوماسية المسار الثاني.
وفيما يلي تفصيل لكل جانب من هذه الجوانب.
الدبلوماسية العلمية التعاونية من أجل المنافع العامة العالمية والتنمية
برز هذا الشكل من الدبلوماسية العلمية بقوة في تسعينيات القرن الماضي، وهو يجمع بين كوادر السياسة الخارجية والكوادر العلمية، التي كثيراً ما تلتقي في المحافل المتعددة الأطراف، للتصدي لتحديات عالمية من قبيل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وقضايا الأمن الصحي وغيرها. ومن أمثلته اتفاق باريس بشأن تغير المناخ. وفي بعض الميادين، نشأت مجتمعات للدبلوماسية العلمية بحسب طبيعة المجال العلمي أو المورد الطبيعي المعني، كدبلوماسية المياه والدبلوماسية الصحية والدبلوماسية السيبرانية وغيرها. وهذا النوع من الدبلوماسية العلمية هو الذي يرى البعض أنه الأكثر عرضة للخطر جراء تصاعد التوترات الجيوسياسية وسياسات الأمن القومي. ومن الأمثلة على ذلك الدبلوماسية العلمية المتعلقة بالمحيطات وأدوارها الأخيرة في مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات الذي عُقد في مدينة نيس الفرنسية.
من البيانات إلى الدبلوماسية: كيف تُشكّل علوم المحيطات السياسات والثقة
تؤدي المحيطات دوراً حيوياً في اقتصادات مئات الملايين من البشر وسبل عيشهم. فلو عومل الاقتصاد البحري معاملة الدولة الواحدة، لاحتل المرتبة الخامسة بين أكبر اقتصادات العالم في عام 2019، إذ أسهم بما يتراوح بين 3% و4% من إجمالي القيمة المضافة العالمية بين عامي 1995 و2020، ووفّر ما يصل إلى 133 مليون وظيفة بدوام كامل. بيد أن المحيطات تتعرض لضغوط عديدة لا تهدد صحتها فحسب، بل تهدد مستقبل الاقتصاد البحري أيضاً.
ويوفر العلم الخاضع لتحكيم الأقران معايير موضوعية تساعد على التوفيق بين الطموحات الاقتصادية والضرورات البيئية العالمية في حوكمة المحيطات وإدارتها. فبالاستناد إلى البيانات والتفاعل بين الأقران والأهداف المشتركة، يستطيع العلماء من دول مختلفة بناء التعاون والثقة حيث تتعثر الدبلوماسية التقليدية أحياناً، مما يفضي إلى نتائج ملموسة على صعيد السياسات وإلى صنع قرار مستنير. وقد تجلت أهمية الدبلوماسية العلمية للمحيطات بوضوح خلال مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات الذي عُقد مؤخراً في الفترة من 9 إلى 13 يونيو 2025، حيث أسهم إدماج أحدث النتائج العلمية بشأن حالة المحيطات في صياغة التزامات راسخة في أدلة مشتركة.
فعلى سبيل المثال، واستجابة للحاجة إلى مناطق بحرية محمية قائمة على العلم، بهدف صون 30% من المحيطات بحلول عام 2030، التزمت الدول بتنفيذ بعثات مشتركة لاستكشاف المحيطات وتعزيز الشفافية في المناطق الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية في أعالي البحار. واللافت أن أكثر من 20 دولة صادقت على "معاهدة أعالي البحار"، وهي من أبرز النتائج الدبلوماسية للمؤتمر. وحين يبدأ نفاذ هذا الاتفاق، الذي قد يكون في وقت مبكر من عام 2026، سيُرسي إطاراً قانونياً جديداً لحوكمة أعالي البحار، بما يسهم في صون التنوع البيولوجي البحري وتنميته المستدامة. وستوفر المؤشرات العلمية وعمليات الرصد المستدامة لبيانات المحيطات، التي تشمل أنماط الطقس والتنوع البيولوجي ودورات الكربون ومصائد الأسماك، قاعدة أدلة مشتركة لتوجيه السياسات وتمكين مفاوضات مستنيرة علمياً.
ومن الاعتبارات ذات الصلة مشاركة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في جهود التنسيق الدولية هذه. فعلى سبيل المثال، لما كان من المتوقع أن تستأثر هذه البلدان بجزء كبير من نمو انبعاثات الكربون العالمية حتى عام 2050، فسيكون من المهم أن يدعم المجتمع الدولي أشكال التعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، المتعددة الأطراف منها والقائمة على التكتلات، التي تشمل ممثلين عن الجنوب العالمي أو يقودها هؤلاء الممثلون. ويمكن للتعاون الدولي في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن يسهم في تعزيز القدرات الوطنية لهذه البلدان في هذا المجال، بما يمكّنها من الانخراط على نحو أفضل في التعاون العالمي وصنع القرار في ميدان العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ويسهم في تنميتها الاقتصادية الشاملة.
الدبلوماسية العلمية التنافسية سعياً وراء المصالح الوطنية
تصطدم النظرة إلى العلم بوصفه قوة تعاونية وموضوعية وموحِّدة خالصة، قادرة على تجاوز الانقسامات السياسية العميقة، بواقع أن العلم يمكن أن يكون أصلاً جيوسياسياً، مما يطمس الحدود بين طبيعته التي يُفترض أنها غير سياسية ودوره في موازين القوى. إذ تعمد الحكومات على نحو استراتيجي إلى تسخير الخبرة العلمية والتعاون الدولي لتعزيز نفوذ بلدانها الجيوسياسي وقدرتها التنافسية الاقتصادية وأهدافها الأمنية، وكثيراً ما ينطوي ذلك على موازنة مقصودة بين الانفتاح والتدابير التقييدية لحماية المصالح السيادية.
وفي هذا السياق، تعمل دول كثيرة على تعزيز القدرات العلمية لوزارات خارجيتها وبعثاتها. فبعض الدول يحظى بتمثيل واسع من مستشاري الدبلوماسية العلمية والتكنولوجية أو ملحقيها في البعثات الخارجية. فالمملكة المتحدة، على سبيل المثال، تمتلك شبكة راسخة تضم نحو 130 موظفاً في أكثر من 65 موقعاً حول العالم، تبني علاقات تعاون تهدف إلى الحفاظ على القاعدة العلمية للبلاد، ودعم الميزة التنافسية للشركات البريطانية المبتكرة، والتعامل مع الفرص والتهديدات المشتركة. ويعمل هؤلاء مع منظمات العلوم والابتكار المحلية لإبراز التميز والريادة البريطانيين في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار على الصعيد العالمي، وبناء أنشطة في هذا المجال ذات قيمة للمملكة المتحدة وتيسيرها، وتقديم الرؤى والمعلومات الاستخبارية. وفي حين يختلف التركيز الموضوعي من بلد إلى آخر، تشمل الأولويات الفرص والمخاطر الناجمة عن التقنيات الحرجة والتقنيات الناشئة، والتصدي لتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، والأمن الصحي. ولدى دول أخرى من مجموعة السبع والصين عمليات مماثلة، غير أن بعض الدول الأصغر تنشط بدورها في هذا المجال؛ فالمجر، مثلاً، تحتفظ بشبكة دولية من ملحقي العلوم والتكنولوجيا المتمركزين في 15 موقعاً رئيسياً في الدول الشريكة الكبرى في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار وفي مراكز التنافسية والابتكار.
الدبلوماسية العلمية الهجينة: الجهات الفاعلة من غير الدول ودبلوماسية المسار الثاني
تنطوي الدبلوماسية العلمية على مقاربة هجينة على نحو متزايد، تجمع بين دبلوماسية المسار الأول، أي الدبلوماسية الرسمية التي يقودها أساساً الدبلوماسيون وغيرهم من الجهات الحكومية، ودبلوماسية المسار الثاني، أي الدبلوماسية غير الرسمية التي يشارك فيها أطراف غير حكومية وتقوم على الحوار غير الرسمي، وتمزج بينهما. ففي حين تنطوي دبلوماسية المسار الأول على السعي المباشر لتحقيق مصالح الدولة عبر القنوات الرسمية، وتدعم التفاوض على المعاهدات الدولية والاتفاقات الرسمية، تُعد دبلوماسية المسار الثاني وسيلة تتيح للجهات الفاعلة من غير الدول، ولا سيما الأكاديميين والمنظمات العلمية، الإسهام بأفكار وعلاقات جديدة في العملية الدبلوماسية الرسمية، من خلال إشراك مفكرين بارزين من خارج الهياكل الحكومية. ومن خلال القوة الناعمة للعلم، يستطيع هؤلاء إقامة شبكات علمية شخصية تعزز الثقة حيث تكون الروابط الدبلوماسية الرسمية ضعيفة أو منعدمة. وفيما يلي بعض الأمثلة التي يكثر الاستشهاد بها.
أمثلة على الدبلوماسية العلمية في المسار الثاني
مع أن دبلوماسية المسار الثاني قد تحظى بإقرار رسمي من الحكومات، فإنها قد تنبع أيضاً من الاهتمامات المهنية للعلماء. وكثيراً ما يُستشهد في هذا الصدد بروابط متنوعة نشأت بين الغرب والاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة، ومنها مؤتمرات باغواش التي جمعت علماء من جانبي الستار الحديدي، وأدت دوراً مهماً من وراء الكواليس في توفير المعرفة وتمهيد الطريق لاتفاقات كبرى للحد من التسلح. ومن الأمثلة الأحدث الروابط التي نشأت بين علماء أمريكيين وكوبيين حول تبادل بيانات الطقس، والتي أفضت إلى إبرام اتفاق رسمي لتركيب معدات مشتركة للرصد بنظام تحديد المواقع العالمي في كوبا؛ وخبراء الصحة العامة الإيرانيين الذين عملوا مع نظرائهم الأمريكيين على استنساخ نظام الرعاية الصحية الأولية الإيراني في منطقة دلتا المسيسيبي؛ وفي الشرق الأوسط، التعاون بين معهد عربة للدراسات البيئية ومؤسسة دامور للتنمية المجتمعية، اللذين ينظمان منذ عام 2016 منتدى المسار الثاني للدبلوماسية البيئية، بهدف تمكين منظمات المجتمع المدني الرئيسية والأفراد الممثلين للجهات الحكومية وغير الحكومية من مناقشة استراتيجيات عابرة للحدود وتطويرها لتيسير إبرام اتفاقات بيئية رسمية وغير رسمية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن.
ومن بين الجهات الفاعلة من غير الدول، يؤدي القطاع الخاص دوراً متزايد الأهمية والتعقيد في الدبلوماسية العلمية، إذ يتمتع بنفوذ علمي واقتصادي وسياسي كبير قد يضاهي في بعض الحالات نفوذ دول بعينها. فكثير من الشركات الكبرى، ولا سيما شركات التكنولوجيا العالمية، من كبار ممولي البحث والتطوير، وكثيراً ما تضاهي نفقاتها السنوية برامج البحث العامة الوطنية أو تتجاوزها. ويشارك بعضها مباشرة في الجهود الدبلوماسية، فتنسج علاقات مع حكومات أجنبية وهيئات دولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتتواصل معها مباشرة بشأن موضوعات من قبيل التقنيات الناشئة، متجاوزة في أحيان كثيرة الدبلوماسيين الوطنيين لبلدانها الأصلية. كما أنها شركاء أساسيون في الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير البنى التحتية البحثية الكبرى، مثل مركز سيسامي (SESAME) ومختبر سيرن المفتوح (CERN Open Lab)، وقد أثبتت قدرتها المحورية خلال جائحة كوفيد 19 في تطوير اللقاحات وتوزيعها عالمياً. فضلاً عن ذلك، يحتل القطاع الخاص موقعاً مركزياً في وضع المعايير التقنية الدولية للتجارة العالمية وتبادل المعارف.
وقد أدت تطورات كهذه إلى نشوء دبلوماسية التكنولوجيا والابتكار، التي تقوم على الجمع بين الخبرات المستمدة من ثلاثة ميادين ظلت منفصلة تقليدياً، هي التكنولوجيا والأعمال والسياسة الخارجية، بغية تعزيز المصالح الوطنية. وقد أقامت بعض الدول في السنوات الأخيرة حضوراً دبلوماسياً بالقرب من مراكز الابتكار مثل وادي السيليكون. وكانت الدنمارك رائدة هذا التوجه في عام 2017 بافتتاح سفارتها التكنولوجية في بالو ألتو، وهي خطوة حذا حذوها لاحقاً مكتب الاتحاد الأوروبي في وادي السيليكون. ومن الأمثلة الأخرى أن سويسرا أنشأت شبكتها العالمية "سويسنكس" (Swissnex) لتعزيز صورتها بوصفها مركزاً عالمياً رائداً للابتكار. وللشبكة مكاتب في 6 مناطق مشهورة بالابتكار، يدعمها نحو 20 مستشاراً يعملون في السفارات السويسرية حول العالم. ومن أبرز سماتها إشراك أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص في منظومتي التعليم والبحث والابتكار السويسرية والمحلية، الذين يتحملون ما لا يقل عن ثلثي تكاليف أنشطة الشبكة.
مبادئ حوكمة إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار
ترتبط المحاور الثلاثة لسياسات إضفاء الطابع الأمني، أي تعزيز التقنيات الحرجة والأمن البحثي والدبلوماسية العلمية، ارتباطاً وثيقاً فيما بينها، وتطرح على صانعي السياسات تحديات عدة على صعيد الحوكمة. وتبرز في هذا الإطار ثلاثة جوانب من حوكمة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار على وجه الخصوص، هي: صياغة نطاق سياسات إضفاء الطابع الأمني وتركيزها، وحشد أصحاب المصلحة الرئيسيين للمشاركة في تصميمها وتنفيذها، وبناء قاعدة من المعارف والأدلة تسترشد بها الخيارات السياسية والاستراتيجية:
أولاً، نطاق تدابير إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتركيزها. ومن الاعتبارات الرئيسية هنا مدى تناسب هذه التدابير مع مستوى المخاطر والفرص المتوقعة. إذ يتعين على الحكومات تحقيق توازنات عدة على محاور مختلفة وعلى مستويات متعددة في سياساتها، ولا سيما فيما يتعلق بالانفتاح الدولي.
ثانياً، إن أنشطة البحث والابتكار التي تسعى هذه السياسات إلى التأثير فيها يضطلع بها باحثون يتمتعون بقدر من الاستقلالية وشركات خاصة. ومن ثم يتعين على الحكومات حشد هذه الفئات والتشارك معها لكي تنجح سياسات إضفاء الطابع الأمني. كما يتعين عليها التنسيق بين مختلف الأجهزة الحكومية نظراً إلى الطابع الشامل لهذه السياسات.
ثالثاً، ينبغي أن تكون تدابير سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ذات الصلة بالأمن دقيقة ومرنة حين تستهدف مجالات بحثية وتكنولوجية وصناعية بالتعزيز والحماية والإسقاط الخارجي. وهو ما يشير إلى الحاجة إلى قدرات على تقييم مخاطر السياسات وتحليل عدم اليقين، تستند إلى ذكاء استراتيجي قابل للاستخدام. كما ينبغي رصد سياسات إضفاء الطابع الأمني وتقييمها لإتاحة تصحيح المسار وتعزيز المساءلة.
وعليه، يشكل التناسب والشراكة والدقة مجموعة أخرى من "المبادئ الثلاثة" تُضاف إلى المبادئ الأمنية الثلاثة الأصلية، وهي التعزيز والحماية والإسقاط الخارجي. وتمثل هذه المجموعة مبادئ لحوكمة سياسات إضفاء الطابع الأمني بما يحد من المخاطر ويعزز التنسيق الاستراتيجي. ويتناول ما تبقى من هذا القسم كلاً منها بإيجاز.
التناسب: تحديد نطاق سياسات إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار بما يوازن بين القيم والأهداف والمصالح المختلفة
تُعنى سياسات إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار بطبيعتها بالموازنة بين قيم وأهداف ومصالح مختلفة على محاور متعددة ومستويات متباينة. وتصب تدابير إضفاء الطابع الأمني التي يعرضها هذا الفصل جميعها في اتجاه تعزيز المصالح الوطنية، ولا سيما القدرة التنافسية الاقتصادية والأمن القومي، في حين يواجه كل منها تحدي الحاجة إلى الإبقاء على قدر من الانفتاح الدولي والاستقلالية البحثية، وكلاهما يسهم في قيمة أنشطة البحث والابتكار. ويرتبط نجاح كل تدبير بنجاح التدابير الأخرى، ولا بد من أن تعمل معاً لضمان مقاربة متوازنة لإضفاء الطابع الأمني. ولذلك ينبغي النظر في صياغة هذه السياسات وتنفيذها مجتمعةً بوصفها جزءاً من استراتيجية أشمل ومتوازنة لإضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، مع مراعاة أن هذا الفصل قد تناول أساساً منظومة البحث العامة، وأن ثمة سياسات أخرى عديدة ذات صلة بهذا الموضوع تمتد على طول سلسلة الابتكار وينبغي أخذها في الحسبان أيضاً.
وينصبّ تركيز هذا القسم أساساً على الموازنة بين الأمن البحثي والانفتاح الدولي، غير أن ثمة معضلات مهمة أخرى ينبغي لصانعي السياسات النظر فيها. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تتضمن السباقات التكنولوجية ضمانات لإدارة المخاطر السلبية وردم الفجوات التكنولوجية العالمية. وفي هذا الصدد، يمكن أن تشكل المبادئ والمبادئ التوجيهية صيغة جذابة للجهات الفاعلة الدولية والعابرة للحدود الوطنية أو العالمية لتقديم التزامات أخلاقية وسياسية تتسم بقدر من المرونة وتتسع للاختلافات والظروف المتغيرة. وفي السياق ذاته، ينبغي وضع مبادئ توجيهية أخلاقية واضحة للبحوث والتقنيات ذات الإمكانات المزدوجة الاستخدام لضمان ألا تقوّض حقوق الإنسان أو رفاه المجتمع.
الموازنة بين الأمن البحثي والانفتاح وانعكاساتها على التعاون الدولي
تثير تدابير الأمن البحثي تساؤلات جوهرية بشأن التعاون البحثي الدولي، الذي يُعد جانباً مهماً من جوانب الانفتاح العلمي. إذ تسعى الدول إلى تحقيق التوازن الصحيح بين حماية أمنها القومي والاقتصادي من جهة، وصون الحرية الأكاديمية وتعزيز التعاون البحثي الدولي وضمان الانفتاح وعدم التمييز من جهة أخرى. فتطبيق ممارسات أمنية مفرطة الاتساع أو متطرفة قد يخنق الحرية الأكاديمية ويعوق الابتكار ويعطّل شراكات عالمية قيّمة. وفي المقابل، قد يؤدي قصور الإجراءات الأمنية إلى تعريض البحوث الحساسة أو علاقات التعاون الأكاديمي للمخاطر، مما يقوّض في نهاية المطاف السلامة والثقة.
وثمة إدراك واسع لدى صانعي السياسات بأنه لا ينبغي تصوير الأمن البحثي والعلم المفتوح بوصفهما متعارضين، بل يمكن أن يكونا متكاملين في واقع الأمر. فتدابير الأمن البحثي، على سبيل المثال، يمكن أن تتيح ممارسات البحث المفتوح من خلال حماية الحرية الأكاديمية من إساءة استغلالها من جانب جهات حكومية خبيثة، كما أنها كثيراً ما تنطوي على مزيد من الشفافية بشأن انتماءات الباحثين ومصادر تمويلهم. وبذلك تسهم في الممارسة العلمية الرشيدة، وإن كان من الممكن أيضاً تطبيقها بحماسة مفرطة. والمفتاح هو إيجاد حل وسط يحمي العمل القيّم دون المساس بمبادئ الحرية الأكاديمية ذاتها وبالمنافع الاجتماعية والاقتصادية للمشاركة في التعاون العلمي الدولي المفتوح. ويتمثل المبدأ الشامل الذي يوجه هذا التوازن المعقد في إبقاء الانخراط العلمي "منفتحاً قدر الإمكان وآمناً بالقدر اللازم". ومن المفاهيم ذات الصلة مفهوم "الفناء الصغير والسياج العالي"، الذي تُفرض بموجبه ضوابط صارمة ومحكمة لحماية مجالات ضيقة ومحددة من العلوم والتكنولوجيا تُعد حرجة للأمن القومي والاقتصادي. بيد أن تزايد التركيز على البحوث ذات الطابع المزدوج الاستخدام قد يغيّر حسابات الدول، وقد يفرض قيوداً إضافية على التعاون البحثي الدولي.
كما تنطوي تدابير إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار على خطر إفراز مشهد عالمي للبحث والابتكار أكثر تشرذماً وأقل قدرة على التصدي للتحديات العالمية. فالتدابير التي يتخذها بلد ما قد تستتبع بسهولة تدابير مضادة غير مرغوب فيها من بلدان أخرى، وقد يكون لها أثر مثبط على التعاون الدولي في مواجهة التحديات العالمية المشتركة. فمجالات البحث المتصلة بالصحة، كالتأهب للجوائح ومقاومة مضادات الميكروبات، تواجه معضلة الانفتاح في مقابل الأمن. فهي تتصدى لتحديات عالمية تعتمد على التعاون العلمي المفتوح وتبادل البيانات لتعزيز التأهب والتعافي والقدرة على الصمود. وفي الوقت ذاته، قد يؤدي تزايد الانفتاح في مثل هذه المجالات الصحية الحساسة إلى رفع خطر سوء الاستخدام أو سوء السلوك، مما يؤكد الحاجة إلى اليقظة. ومن ثم فإن الاعتراف بهذا التوتر وإدارته بمسؤولية أمر لا غنى عنه لصون نزاهة البحث وضمان استمرار التعاون الدولي في البحوث الصحية بثقة والحفاظ على أثره الإيجابي.
وقد أفضى التركيز الأوسع على الأمن البحثي، عن غير قصد، إلى أثر مثبط على التعاون البحثي الدولي وعلى الحراك الأكاديمي بوجه أعم. إذ باتت المؤسسات المنفذة للبحث أكثر حذراً في الدخول في علاقات تعاون بحثي دولي حُددت فيها مخاطر أمنية. ويُعزى ذلك جزئياً إلى عدم تماثل المعرفة، إذ كثيراً ما تشكو هذه المؤسسات من أنها لا تتلقى من الأجهزة الأمنية معلومات كافية تمكّنها من إصدار أحكام مستنيرة. كما تشكو من مواجهة طائفة من أوجه الغموض والإشارات المتناقضة أحياناً. وثمة كذلك مخاطر من أن يشعر الباحثون بضغوط تدفعهم إلى الرقابة الذاتية أو تجنب مجالات بحثية مهمة رغم ارتفاع مخاطرها، مما يضر بالبحث والابتكار. علاوة على ذلك، ثمة مخاطر من التحيز المسبق والانحياز الثقافي والتمييز غير المقصود ضد فئات سكانية بعينها، سواء في المقاربات القائمة على القوائم أو تلك القائمة على الإجراءات في تقييم المخاطر. وهذا مصدر قلق بالغ للمجتمع الأكاديمي، ومجال يتعين رصده بعناية مع اتساع نطاق السياسات التي تقيّد التعاون.
وفي حين تقع على عاتق المؤسسات المنفذة للبحث مسؤولية التصرف بمسؤولية في أنشطتها الدولية، فلا ينبغي ترك الباحثين الأفراد أو الجامعات منفردة في تقييم تضارب الأهداف العسير، إذ تقع على الحكومات ووكالات التمويل مسؤولية وضع مبادئ توجيهية وطنية. ومن الممكن تعريف التعاون الدولي بوصفه متوافقاً تماماً مع الأمن القومي، لا بوصفه أمراً خارجياً يهدده. ولتحقيق ذلك، لا بد من اعتماد مقاربة قائمة على "النية"، تقتضي فهماً عميقاً لدوافع الشركاء المتعاونين وشبكاتهم ونواياهم النهائية تجاه مخرجات البحث. وبالمثل، فإن التشديد على المعاملة بالمثل في علاقات التعاون أمر حيوي لضمان المنافع المتبادلة ومنع أشكال التبادل غير المتكافئة التي قد تفاقم المخاوف المتعلقة بإضفاء الطابع الأمني.
وفي الوقت نفسه، تحتاج المؤسسات المنفذة للبحث إلى تطوير قدراتها الأمنية الداخلية، بما يشمل وضع سياسات مؤسسية، وإرساء عمليات لإدارة المخاطر والعناية الواجبة، وتعيين مسؤولين متخصصين في الأمن البحثي. كما تحتاج إلى مواصلة رفع الوعي بالأمن البحثي في صفوف الباحثين والموظفين الإداريين. ويمثل بناء هذه القدرات تحدياً، إذ يتعين على المؤسسات القيام بذلك بتمويل محدود وفي سوق عمل تنافسية تندر فيها هذه المهارات المتخصصة. وكذلك تعاني الحكومات بدورها من قيود القدرات هذه، إذ تُثقل المتطلبات المتزايدة للأمن البحثي كاهل الوزارات والأجهزة الأمنية.
وتبرز حالياً مقاربة استراتيجية ذات مسارين، تركز على التعاون المكثف مع الدول "المتقاربة في التوجهات" في مجال التقنيات المتطورة، مع الحفاظ على تعاون أوسع مع دول متنوعة في مواجهة التحديات العالمية المشتركة. ويتعين على أطر السياسات أن تحدد بوضوح "خطوطاً حمراء" لعلاقات التعاون التي تنتهك صراحةً المعايير الراسخة، كالإغراق الأخلاقي الجسيم، أو الاستخدام العسكري المباشر من جانب مؤسسات عسكرية، أو النقل غير المشروع للتكنولوجيا، أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وفي الوقت ذاته، يتعين عليها أن تدير بفاعلية "المناطق الرمادية" التي تنشأ فيها تحديات بفعل اختلاف السياقات الوطنية والمؤسسية، وذلك لمنع التجاوزات غير اللائقة من خلال الالتزام بمبادئ النزاهة البحثية والأخلاقيات و"التدويل المسؤول". ولاتخاذ قرارات فعالة، لا بد من مراعاة طائفة واسعة من القضايا، كالانفتاح والتقدم العلمي والتحديات العالمية والأمن القومي والأمن الاقتصادي والأخلاقيات وحقوق الإنسان والديمقراطية. والجمع بين هذه الاعتبارات المتنوعة في مقاربة واحدة متماسكة أمر عسير، لكنه ضروري لتحقيق التناسب في تدابير إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
الشراكات: التعاون مع العلماء والشركات وعلى مستوى الحكومة ككل
يتعين على أي مزيج شامل من سياسات إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن يجد سبلاً لإشراك طيف واسع من أصحاب المصلحة، بمن فيهم الحكومات وقطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية، في النقاش، وأن يبني في الوقت ذاته آليات حوكمة متينة لا غنى عنها لإدماج طائفة من الأولويات والقيم. ويجري ذلك في سياق تتمتع فيه الشركات والمؤسسات العامة المنفذة للبحث باستقلالية كبيرة، مما يطرح تحديات على صعيد التنسيق والحشد، ولا سيما حين تتباين القيم والمصالح. كما تستدعي سياسات التعزيز والحماية والإسقاط الخارجي تنسيقاً على مستوى الحكومة ككل، غير أن ذلك ينطوي على صعوبة معروفة، إذ إن لكل وزارة ووكالة إجراءات تشغيلية ونماذج ذهنية وأطراً خاصة بها، فضلاً عن مصالح المجتمعات التي تخدمها.
التعاون مع الشركات
يُنفَّذ معظم البحث والتطوير في الاقتصادات كثيفة التكنولوجيا داخل الشركات، وهي الأكثر تأثراً بالقيود المفروضة على التجارة والاستثمار وبتدابير السياسة الصناعية الجديدة. ولذلك فإن إشراك الشركات في صياغة سياسات إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتنفيذها أمر بالغ الأهمية. ولعل ذلك يتجلى بأوضح صوره في سياسات التعزيز، حيث تقوم الموجة الجديدة من السياسات الصناعية، على سبيل المثال، إلى حد كبير على الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وعادةً ما ينطوي تحديد الأولويات وصياغة السياسات في هذه السياقات على إشراك الشركات، التي كثيراً ما تشارك في عمليات الاستشراف الاستراتيجي وتقييم التقنيات، وفي صياغة السياسات وتصميمها، وفي البحث والتطوير التعاوني مع المؤسسات البحثية في القطاع العام. كما تستفيد الشركات من الحوافز السياساتية الرامية إلى استقطاب المواهب الدولية، وعادةً ما تشارك في تصميمها.
وقد ركز هذا الفصل على سياسات الأمن البحثي التي تمس المؤسسات العامة المنفذة للبحث، غير أن الشركات تخضع هي الأخرى لقيود، كضوابط التصدير وفحص الاستثمارات في إطار تدابير الأمن الاقتصادي والقومي. كما أنها أهداف للهجمات السيبرانية والتجسس الصناعي، بل وقنوات لهما أيضاً. وتقدم بعض الحكومات مبادئ توجيهية بشأن التدابير المضادة لتسرب التكنولوجيا في سياق توسيع منشآت الإنتاج في الخارج. فكل من الاستراتيجية الأوروبية للأمن الاقتصادي وخطة العمل اليابانية للأمن الاقتصادي، على سبيل المثال، تتضمن أحكاماً بشأن المخاطر الأمنية الناجمة عن الاستثمارات الخارجية.
كما سلط هذا الفصل الضوء على تنامي حضور كبرى شركات التكنولوجيا الرائدة في الدبلوماسية التكنولوجية، إذ تسعى إلى التأثير في المعايير الدولية والأجندات السياسية. وتمارس هذه الشركات سيطرة كبيرة على التقنيات الحرجة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول المساءلة والإنصاف والحوكمة، ولا سيما أن تطوير هذه التقنيات يجري إلى حد كبير خارج رقابة الدولة، وأن مصالح الشركات قد تتباين مع المصالح الوطنية. وقد جرى تحديث أطر الدبلوماسية العلمية والتكنولوجية، التي تشمل الشركات وسلطات الدولة، لتعترف صراحةً بالجهات الفاعلة من غير الدول بوصفها مشاركين أصيلين، في تحول عن التركيز الحصري على الدولة.
التعاون مع العلماء والمؤسسات المنفذة للبحث
لكي تنجح الأجندات البحثية الموجهة نحو أهداف استراتيجية كالأمن الاقتصادي والقومي، لا بد لها من حشد العلماء والمؤسسات المنفذة للبحث. وتستخدم الحكومات تقليدياً لهذا الغرض برامج تمويل مُدارة وحوافز أخرى، لكن يتعين عليها أيضاً تحفيز تعزيز الروابط مع الجهات الفاعلة الأخرى في منظومة الابتكار، ولا سيما الشركات، من أجل تعزيز الابتكار والقدرة التنافسية الوطنية. وكما سبقت الإشارة، فإن تزايد تركيز السياسات على البحث والتطوير التكنولوجي المزدوج الاستخدام قد تكون له انعكاسات على البحث المدني، سواء من حيث بيئته المادية، كإقامة مناطق عالية التأمين ذات وصول مقيد، أو من حيث طرق إجراء البحث ونشره. وستكون هناك حاجة إلى تعليم ودعم موجَّهين لمساعدة الباحثين على فهم تعقيدات البحث المزدوج الاستخدام فهماً أفضل، بما في ذلك مخاطره وفرصه. غير أنه ستكون هناك حاجة أيضاً إلى إشراك العلماء والجامعات بصورة منتظمة في المشاركة في تصميم أي ترتيبات جديدة.
وهذا ما يحدث بالفعل في مجال الأمن البحثي. إذ تقع المسؤولية الأساسية عن تطبيق الأمن البحثي على عاتق المؤسسات المنفذة للبحث، ولا سيما الجامعات، نظراً إلى أن استقلاليتها مكفولة في دول كثيرة. وحين صدر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنتدى العلوم العالمي، كانت تدابير الأمن البحثي الحكومية تتعرض بانتظام لانتقادات المجتمع البحثي لافتقارها إلى الشفافية أو لانفصالها عن الواقع التشغيلي للمعاهد البحثية. أما المبادرات الأحدث فتُظهر تحسناً ملحوظاً في كيفية تعامل الحكومات مع المعاهد البحثية في تطوير هذه السياسات وتنفيذها. فعلى سبيل المثال، جاءت توصية دراسة مجموعة "جيسون" (JASON) لعام 2024 باعتماد مقاربة قائمة على الإجراءات، بدلاً من مقاربة قائمة على القوائم، لتحديد البحوث الحساسة، ثمرةً لنقاشات مع طائفة من الوكالات الحكومية ومديري الجامعات والخبراء في قضايا الأمن البحثي. وعلى مختلف المستويات الحكومية، يبدو أن الجامعات والمعاهد البحثية تشارك بانتظام بوصفها شركاء فاعلين في عملية صنع سياسات الأمن البحثي، إذ تسعى جميع المبادرات السياساتية الجديدة تقريباً إلى جمع آراء أصحاب المصلحة في المجال البحثي.
وفي الوقت ذاته، برزت طائفة من المبادرات التي يقودها الباحثون لتعزيز التفاعل بين المجتمعين العلمي والدبلوماسي، يعمل كثير منها عبر الحدود الوطنية. فعلى سبيل المثال، أنشأت الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم في عام 2008 مركز الدبلوماسية العلمية، الذي يهدف إلى تعزيز التفاعل والشراكات بين المجتمعين، وإلى تطوير الإطار الفكري والتدريب اللازمين لدعم ممارسة الدبلوماسية العلمية. وفي أوروبا، أُطلق تحالف الاتحاد الأوروبي للدبلوماسية العلمية في عام 2021 لتيسير التفاعل والحوار والتدريب وبناء القدرات المؤسسية وتنسيق السعي إلى المنح أو استخدام التمويل المشترك. وبالمثل، طورت مبادرة "ديبلوثينتيفيكا" (DiploCientífica) شبكة تعاونية تجمع العلماء وصانعي السياسات والمجتمع الدبلوماسي في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي لبناء القدرات وإنتاج معارف بنّاءة. وأخيراً، تستضيف جنوب أفريقيا مبادرة "عاصمة الدبلوماسية العلمية لأفريقيا" التي تهدف إلى تيسير التعاون العابر للحدود بين المؤسسات العلمية الأفريقية والشركاء العالميين، ولا سيما المجتمعات الدبلوماسية والهيئات الإقليمية.
تعزيز اتساق السياسات على مستوى الحكومة ككل
تنشط الوزارات المسؤولة عن البحث والابتكار، وكذلك وكالات التمويل، في مسار إضفاء الطابع الأمني المتنامي على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وإن كانت قيادة هذا المسار في أغلب الأحيان بيد وزارات في مجالات سياسات أخرى كالتجارة والشؤون الخارجية والدفاع والصناعة. ولا تزال الروابط القائمة بين سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار ومجالات السياسات الأخرى ضعيفة في معظم الدول، وتحتاج إلى تعزيز من أجل تنسيق العمل الحكومي في سياسات الحماية والتعزيز والإسقاط الخارجي.
فالبحث الموجه استراتيجياً، في إطار السياسات الصناعية الجديدة مثلاً، ينطوي بالضرورة على تعاون على مستوى الحكومة ككل، ولا سيما للمساعدة على تنسيق الإجراءات الداعمة على طول سلسلة الابتكار، من البحث الأساسي إلى تسويق التقنيات ونشرها. ولعل خير مثال على ذلك الرواج الذي شهدته مؤخراً مقاربات سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام، التي تجمع عادةً عدة وزارات ووكالات لتنسيق الإجراءات الرامية إلى تحقيق أهداف مشتركة محددة ومقيدة زمنياً. كما سيستدعي تعزيز البحوث والتقنيات المزدوجة الاستخدام زيادة التعاون بين الوزارات والوكالات المعنية بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار ونظيراتها في قطاع الدفاع، بغية تسريع الابتكار ودعم التطوير المسؤول والآمن للتقنيات.
كذلك تستدعي المقاربة المتكاملة للأمن البحثي تعزيز التعاون الحكومي المشترك بين الأجهزة العلمية والأمنية. فمثل هذا التعاون ضروري لبناء فهم متبادل لمنافع التعاون البحثي الدولي ومخاطره، وللمساعدة على وضع استراتيجيات للتخفيف من المخاطر تتناسب معها. ومن أهداف هذا التعاون بناء فهم مشترك بين الأجهزة العلمية والأمنية للمخاطر التي يواجهها قطاع البحث، ومن ثم زيادة التأييد لإجراءات سياسات الأمن البحثي. وعلى نطاق أوسع، ومع تكاثر سياسات الأمن البحثي، يُرجَّح أن تدعو الحاجة إلى تدابير لتبسيط المبادئ التوجيهية والمعايير والمسؤوليات التنظيمية المتداخلة ومواءمتها. فإنشاء هياكل جديدة وفرض متطلبات جديدة للأمن البحثي قد ينطويان على أعباء كبيرة من حيث التكاليف والجهود. وبالفعل، تواجه الحكومات الوطنية ومؤسسات التمويل الحاجة إلى توضيح الأدوار والمسؤوليات التنظيمية ضمن مستوى الحوكمة الخاص بكل منها. وقد يشير الاهتمام المتزايد بمراكز تبادل المعلومات ومنتديات التعلم والنقاش إلى طلب على تحسين اتساق السياسات. ومن شأن ذلك ألا ييسر فقط تطبيقاً أكثر اتساقاً لسياسات الأمن البحثي على مستوى العالم، بل أن يخفف العبء عن الباحثين أيضاً. وكثيراً ما يُشار إلى نقطة الاتصال الوطنية الهولندية للأمن المعرفي بوصفها نموذجاً جيداً، وهي ثمرة تعاون بين وزارات حكومية مختلفة لدعم كل من له صلة بمؤسسة معرفية ولديه أسئلة بشأن الفرص أو المخاطر أو المسائل العملية المتعلقة بالتعاون البحثي الدولي.
وتهدف أوجه التعاون القائمة على مستوى الحكومة ككل كذلك إلى دعم تحديد المخاطر على نحو أسرع وأكثر فاعلية، والتخفيف من التهديدات المحتملة. فعلى سبيل المثال، تعكف وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كوريا على وضع تصنيف أمني جديد لمشروعات البحث والتطوير الوطنية، بما يتيح رصد هذه المشروعات على نحو أفضل وفقاً لمستوى المخاطر التي تنطوي عليها. ويستحدث نظام التصنيف الجديد فئة جديدة تُعرف بـ"البحوث الحساسة"، تقع بين الفئتين التقليديتين للبحوث "السرية" و"غير السرية". وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية شاملة لتعزيز منظومة الأمن البحثي من أجل إرساء منظومة بحثية موثوقة، وهي ثمرة عمل مشترك بين تسع وزارات وهيئات. كما تُجري هذه الشراكة مشاورات بشأن تسرّب الأصول البحثية، وتعمل على إعداد دليل ميداني للأمن البحثي لدعم المؤسسات البحثية.
ولا تقل الدبلوماسية العلمية الفعالة حاجةً إلى تعزيز التنسيق على مستوى الحكومة ككل، إذ تتزايد أهمية نقطة الالتقاء بين الأجهزة الدبلوماسية ووزارات العلوم والأوساط البحثية. وتتمحور الشواغل المتعلقة بالسياسات حول تعزيز القدرات المؤسسية ومهارات العاملين، فضلاً عن ترسيخ رؤية أكثر استراتيجية في السعي إلى تحقيق طائفة من الغايات بطائفة من الوسائل.
الدقة: بناء قدرات الذكاء الاستراتيجي وتقييم المخاطر
لكي تكون تدابير إضفاء الطابع الأمني متناسبة، ينبغي أن تستند إلى عمليات سليمة لتحديد المخاطر والفرص وتقييمها، تستقي من المعارف والأدلة المتعلقة بالتطورات الحالية والمستقبلية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار الجديدة وآثارها المحتملة في الاقتصاد والمجتمع. ويعتمد هذا الذكاء الاستراتيجي على طيف واسع من الأساليب، كالمقارنة المعيارية الإحصائية، والتنبؤ والنمذجة، والاستشراف، وتقييم التقنيات، ورسم خرائط النظم والمسارات، ورصد التقنيات وتقييمها. ويستعرض الفصل السابع أنواعاً عدة من ممارسات الذكاء الاستراتيجي التي يُرجَّح أن تثبت جدواها، ومنها استطلاع الآفاق ورصد التقنيات، وتحليل الأوضاع، والتقييم الاستشرافي للتقنيات، والاستشراف التكيفي، والمشاركة متعددة الأطراف، والتقييم التكويني الآني. وينبغي لهذه الجهود أيضاً أن تجمع بين تخصصات مختلفة وتدمجها، كأن تقرن الخبرة في نظم البحث والعلوم والتعليم العالي وديناميكياتها بالخبرة في شؤون البلدان المعنية والأمن الوطني والأمن الاقتصادي. ويكتسي هذا النهج متعدد التخصصات أهمية بالغة لتجنب الإفراط في إضفاء الطابع الأمني.
وكما تتفاوت سلاسل توريد التقنيات في درجة تعرضها للمخاطر، يصدق الأمر ذاته على التعاون العلمي الدولي؛ فالتقنيات الحرجة، على سبيل المثال، تتباين في إمكاناتها مزدوجة الاستخدام، كما تتفاوت البلدان في قدراتها على استغلالها. ويشير هذا التباين إلى الحاجة إلى نهج سياساتي محدد الأهداف، تدعمه تقييمات لإدارة المخاطر تستند إلى أفضل الأدلة المتاحة، إلى جانب تحليلات استشرافية حين تحول أوجه عدم اليقين دون إجراء التحليل التقليدي القائم على المخاطر. وثمة مبادرات عدة جارية حالياً لبناء هذا الأساس المعرفي، غير أن الحاجة لا تزال قائمة إلى المزيد. وقد أبرزت الأوصاف السابقة لسياسات الأمن الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي واليابان هذا النوع من الأنشطة، كما تعمل فنلندا على نحو مماثل على بناء قدراتها في مجال تقييم التقنيات على مستوى الحكومة ككل، بهدف توجيه سياساتها المتعلقة بالأمن الاقتصادي وأمن البحث والتكنولوجيا.
الذكاء الاستراتيجي من أجل الأمن الاقتصادي والأمن البحثي في فنلندا
بوصفها اقتصاداً صغيراً متقدماً تكنولوجياً، أفادت فنلندا من التعاون الدولي المفتوح في مجالي البحث والابتكار، وهو ما وجّه تفكيرها في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار طوال حقبة ما بعد الحرب الباردة. ومع تنامي الوعي بالأمن البحثي، باتت فنلندا بحاجة إلى إعادة النظر في مواطن قوتها التكنولوجية والتجارية، وإلى العمل الهادف على تطوير فرص النمو والأنشطة التجارية الدولية ذات القيمة المضافة العالية. وإلى جانب التعاون القوي في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار ضمن الاتحاد الأوروبي، تؤثر عضوية فنلندا في حلف شمال الأطلسي كذلك في تعاونها مع الشركاء في هذا المجال، وتفتح أمامها فرصاً للتصدير، بما في ذلك لصناعة الدفاع.
وتستأثر الصناعات عالية التقنية بجزء مهم من صادرات فنلندا، بما فيها المنتجات والخدمات، وتعتمد على كميات كبيرة من المواد الخام والمنتجات الوسيطة المستوردة من الخارج.
وفي أواخر عام 2024، أنشأت وزارة الشؤون الاقتصادية والتوظيف وحدة لسياسات التكنولوجيا بهدف تعزيز تنسيق السياسات، وتحديد فرص النمو التي تتيحها التقنيات، وتعميق القدرات التحليلية لفنلندا في هذا المجال، وذلك في إطار نشاط شامل لوضع خريطة طريق للتكنولوجيا. ويشمل ذلك تطوير القدرات على إنتاج ذكاء استراتيجي يهدف إلى تحقيق فهم أفضل للتحديات والفرص الناشئة عن البحث والتقنيات الجديدة.
ولتحسين التنسيق على مستوى الحكومة ككل، شكّلت وزارة الشؤون الاقتصادية والتوظيف أيضاً فريق عمل معنياً بسياسات التكنولوجيا لتبادل الآراء بانتظام والتنسيق مع الوزارات والهيئات المعنية. وسيعمل هذا الفريق مجتمعاً على تحديد قضايا السياسات التي تتطلب تعاوناً وتنسيقاً على المستوى الوطني ومناقشتها، بما في ذلك قضايا أمن البحث والتكنولوجيا، وعلى تعزيز القدرة على الاستشراف التكنولوجي الموجه نحو الأهداف والقدرة التحليلية، وإنتاج المعارف التي تدعم توجيه سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار والسياسة الصناعية.
وفي مجال الأمن البحثي، وضعت بلدان ومؤسسات عدة إرشادات لتقييم المخاطر وتجنبها، بيد أن الإرشادات المتعلقة بما تعنيه إدارة المخاطر والتخفيف منها على نحو متناسب في سياقات مختلفة لا تزال أقل وفرة. فليس بالإمكان تحديد جميع المخاطر، وثمة مواطن ضعف نظمية ينبغي أخذها في الحسبان، كتلك الكامنة في نظم تكنولوجيا المعلومات أو في عمليات تحكيم الأقران. ويتوقف التناسب على الأولويات والموارد والسياق. فعلى سبيل المثال، وضعت بعض البلدان قوائم سوداء بالمجالات التي يُحظر فيها أي تعاون علمي مع بلدان أو مؤسسات بعينها، في حين تربط بلدان أخرى تحديد المخاطر وإدارتها بمستويات الجاهزية التكنولوجية. وتمثل مزايا النهج المختلفة وعيوبها في السياقات المتباينة مجالاً يمكن للبلدان والمؤسسات أن يتعلم بعضها فيه من بعض.
ومع استمرار تطور مجال الأمن البحثي، ثمة إدراك للحاجة إلى التعلم المستمر لاستباق المخاطر والتحديات الناشئة، ويشمل ذلك فهم أحدث آليات التدخل الأجنبي والاستراتيجيات الفعالة للتخفيف من المخاطر. وتلبيةً لهذه الحاجة، تتجه جهات فاعلة مختلفة في المشهد البحثي نحو إضفاء الطابع المؤسسي على عمليات التعلم المستمر، وذلك من خلال تقييم السياسات والممارسات. وتُعد هذه العملية التقييمية أساسية لتنقيح السياسات القائمة وضمان بقائها متسقة مع الأهداف الأشمل للبحث والابتكار. علاوة على ذلك، وتيسيراً لتبادل أفضل الممارسات في مجال الأمن البحثي، تولي المنظمات على مستويات متعددة اهتماماً متزايداً بسبل تعزيز التعلم من الأقران، بما في ذلك عبر منتديات قائمة على النقاش ومراكز مركزية لتبادل المعلومات والموارد الموثوقة والمحدّثة بشأن التهديدات واستراتيجيات التخفيف منها.
كما ستستفيد تدابير الدبلوماسية العلمية من التوسع في توظيف الذكاء الاستراتيجي. وفي هذا السياق، اقترحت مؤسسة جنيف لاستشراف العلوم والدبلوماسية (Geneva Science and Diplomacy Anticipator) إطاراً للدبلوماسية العلمية الاستباقية، يرمي إلى حوكمة التطورات العلمية وتوظيفها على نحو استباقي قبل أن تُحدث اضطرابات أو تفاوتات، بما يضمن أن يخدم العلم البشرية في خضم التنافس الجيوسياسي. ويتحقق ذلك من خلال تزويد الجهات الفاعلة المعنية برؤى مبكرة حول العلوم الرائدة، عبر تحديد التطورات العلمية الكبرى الأقدر على إعادة تشكيل البشرية والكوكب واستكشاف أبعادها، مما يتيح وقتاً كافياً لتقييم آثارها العالمية بعيدة المدى ومناقشتها، وتجنب تفويت الفرص من خلال التشكيل الاستباقي لمسارات الابتكار قبل نشوء الأزمات. كما يقدم إطار المنظمة للحوكمة الاستباقية للتقنيات الناشئة الصادر عام 2024 إرشادات منهجية بشأن كيفية إدماج الحكومات للاستباق في دورات السياسات، وإشراك أصحاب المصلحة، واستراتيجيات الابتكار، بما في ذلك على المستوى الدولي.
الاستنتاجات
من بين طائفة واسعة من أنماط الروابط الدولية في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ركّز هذا الفصل على الروابط البحثية الدولية، ولا سيما على النزعة الناشئة نحو إضفاء الطابع الأمني على سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التي باتت تشكّل هذه الروابط. إذ يُعاد تشكيل ترتيبات التعاون الدولي في هذا المجال التي سادت في حقبة ما بعد الحرب الباردة، في ظل انتقالها إلى حقبة جديدة يطبعها تصاعد التنافس الجيوسياسي واحتدام المنافسة بين الدول على التقنيات الناشئة. وقد بدأت تلوح بالفعل مؤشرات على نظام بحثي دولي أقل انفتاحاً؛ فعلى سبيل المثال، شكّل تنامي التأليف المشترك الدولي في المنشورات العلمية ركيزة أساسية لمجتمع بحثي عالمي أكثر ترابطاً على مدى الأعوام الثلاثين الماضية، غير أنه يشهد الآن ركوداً بل تراجعاً.
ومع أن هذه التطورات تفرض تحديات جديدة وقدراً كبيراً من عدم اليقين، فإن بمقدور واضعي سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التأثير في ملامح المشهد الناشئ للروابط الدولية في هذا المجال. وبالاستناد إلى إطار "العناصر الثلاثة" المتمثلة في التعزيز والحماية والإسقاط، الذي قُدّم في إصدار عام 2023 من تقرير آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، استعرض هذا الفصل كيف تستهدف الحكومات على نحو متزايد التقنيات الحرجة لتعزيز الأمن الاقتصادي والأمن الوطني معاً، وكيف تطبق تدابير الأمن البحثي للحماية من تسرّب المعارف غير المصرح به ومن الإكراه، وكيف توظف سياسات الدبلوماسية العلمية لخدمة مصالحها الوطنية، ومن ثم لإدارة الانفتاح الدولي لنظمها البحثية على نحو أكثر استراتيجية.
وتنطوي هذه السياسات على مخاطر وفرص متنوعة، وينبغي لواضعي السياسات انتهاج سياسات متوازنة لإضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، تكون متناسبة مع المخاطر القائمة، ودقيقة في استهدافها، وقائمة على الشراكات مع العلماء والشركات، وكذلك على مستوى الحكومة ككل. فعلى سبيل المثال، ينبغي لسياسات إضفاء الطابع الأمني في هذا المجال أن توازن بين أي قيود تفرضها وبين منافع العلم المفتوح والابتكار المفتوح، وأن تكون قائمة على الأدلة، مستندةً إلى تقييمات المخاطر والتحليلات المستقبلية كالاستشراف وتقييم التقنيات، فضلاً عن نتائج التقييم، وأن تحشد مجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة، بمن فيهم العلماء والشركات المبتكرة التي باتت تتقبل على نحو متزايد ضرورة تدابير إضفاء الطابع الأمني، وذلك لتعزيز فرص نجاحها.
ولا يزال كثير من المهارات والقدرات التنظيمية التي تحتاجها الحكومات لانتهاج سياسات متوازنة لإضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار غير مكتمل النمو. كما ستلزم مؤسسات وأطر سياساتية وترتيبات حوكمة جديدة، غير أن تطويرها سيستغرق وقتاً، وقد يجري أحياناً عبر التجربة والخطأ. وكثيراً ما تتولى إدارةَ السياسات التي تعزز البحوث مزدوجة الاستخدام والأمن البحثي والدبلوماسية العلمية طائفةٌ من الوزارات والهيئات، على الرغم من تشابكها الوثيق. ومن ثم، تحتاج الحكومات إلى تطوير أدوات سياساتية وأطر تقييمية توفر رؤية وفهماً نظميين لحافظة سياساتها الخاصة بإضفاء الطابع الأمني في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار وما يتجاوزه، بما يمكّنها من إدراك أوجه التآزر والتنافر بينها وتعزيز التدخلات المتكاملة. وعلى الرغم من حساسية هذا المجال من مجالات السياسات، ينبغي للحكومات أيضاً أن تنخرط في التعلم المتبادل على المستوى الدولي وفي المقارنة المعيارية للممارسات الجيدة الناشئة فيما بين البلدان المتقاربة في التوجهات، بغية تنسيق خططها الإنمائية الوطنية وتسريع وتيرة التقدم في تنفيذها. فلا يزال ثمة الكثير مما ينبغي تعلمه، وستظل الحاجة قائمة إلى مواصلة تبادل السياسات والممارسات، وكذلك إلى تنقيح السياسات في مجال سريع التحول.
