القائمة الرئيسية

آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025: قيادة التغيير في مشهد متحول (7/6)

آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025: قيادة التغيير في مشهد متحول (7/6)
ملخص الدراسة

يناقش الفصل السادس أهمية تبني "نهج المنظومات الصناعية" في تصميم سياسات صناعية فعالة، مؤكداً أن السياسات القطاعية التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التحديات المعقدة مثل تباطؤ الإنتاجية وهشاشة سلاسل القيمة والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. يرى هذا النهج أن المنظومة الصناعية تتجاوز الحدود القطاعية لتشمل جميع الأطراف المعنية والمتداخلة في سلسلة القيمة، من الموردين في أعلاها إلى المستهلكين في أسفلها، إضافة إلى الشركات بمختلف أحجامها (كبيرة، صغيرة، ناشئة)، ومقدمي التقنيات، والأوساط الأكاديمية، والعمال. ويبرز الفصل أن هذا المنظور يساعد صانعي السياسات على تحديد التحديات الرئيسية (مثل اختناقات سلاسل الإمداد ونقص المهارات وصعوبات تبني الابتكار) وتصميم سياسات أكثر استهدافاً ومرونة، مستندة إلى بنية تحتية قوية للبيانات من مصادر متنوعة كبيانات المدخلات والمخرجات، والتجارة، والابتكار، والقوى العاملة. ويهدف هذا النهج في النهاية إلى تعزيز النمو ودعم منظومات واقتصادات صناعية مزدهرة وقادرة على الصمود عبر سياسات متكاملة وشاملة.

الفصل السادس: نهج المنظومات في السياسة الصناعية

استعادت السياسات الصناعية أهميتها في السنوات الأخيرة، وباتت اليوم عنصراً محورياً في حافظات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ومن شأن تبنّي منظور المنظومة الصناعية، أي تجاوز الحدود القطاعية للنظر في الصناعات الواقعة في أعلى سلسلة القيمة وأسفلها على حد سواء، فضلاً عن المجموعة المتنوعة من الأطراف المعنية، أن يسهم في تصميم سياسات صناعية أكثر فاعلية. ويستخلص هذا الفصل الدروس المستفادة من ثلاث دراسات حديثة، مقدّماً أمثلة عملية على كيفية تحديد حدود منظومات صناعة السيارات والطاقة المتجددة والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتحديد الأطراف المعنية بها والتحديات التي تواجهها. كما يُبرز قيمة تبنّي منظور المنظومات وأهمية الاستناد إلى أدلة متينة مستقاة من مصادر بيانات متنوعة. ويقدّم الفصل كذلك رؤى بشأن السياسات التي تعزّز النمو وتدعم منظومات واقتصادات صناعية مزدهرة وقادرة على الصمود.

رسائل رئيسية

يمكن للسياسات الصناعية المصمّمة تصميماً جيداً، التي تشمل طائفة متنوعة من الأدوات كمنح البحث والتطوير، ورأس المال الجريء الحكومي، والنفقات الضريبية، والقروض وضمانات القروض وغيرها، أن تسهم في التصدي لتحديات معقدة من قبيل تباطؤ نمو الإنتاجية، وقدرة سلاسل القيمة العالمية على الصمود، والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون.

لا تُعدّ السياسات القطاعية التي كثيراً ما يُلجأ إليها لتنفيذ السياسات الصناعية ملائمة بالضرورة لمواجهة هذه التحديات، إذ إنها لا تأخذ في الحسبان الجهات الفاعلة الرئيسية الواقعة خارج الحدود القطاعية، ولا أوجه الترابط التي تجمع بينها.

يتسم نهج المنظومة الصناعية بفاعلية أكبر، إذ يحدد جميع الأطراف المعنية المرتبطة بتقنية أو منتج معيّن، بما في ذلك الشركات الكبيرة والصغيرة، والشركات الناشئة، ومزوّدو التقنيات، والعاملون، والشركاء التجاريون، والمستثمرون.

يمكن لمنظور المنظومة الصناعية أن يساعد صانعي السياسات على تصميم سياسات أدق استهدافاً وأكثر فاعلية، تراعي أوجه الترابط بين الأطراف المعنية في أعلى سلسلة القيمة وفي صميمها وفي أسفلها.

يستلزم التحول إلى نهج المنظومة الصناعية تطوير بنية تحتية متينة للبيانات تجمع بيانات تفصيلية من مصادر متعددة.

يمكن لسياسات الابتكار والسياسات الصناعية الموجّهة إلى المنظومات الصناعية أن تسهم في معالجة تحديات كبرى، كالوصول إلى المدخلات الحرجة، ونقص المهارات، والعوائق التي تعترض تطوير التقنيات ونشرها.

تمثّل السياسات الصناعية القائمة على المنظومات حلاً وسطاً جذاباً بين السياسات القطاعية ذات النطاق الضيق جداً، والنُّهج الأفقية التي لا تكفي بالضرورة لمواجهة التحديات الراهنة.

مقدمة

تواجه الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عدداً متزايداً من التحديات، من بينها تباطؤ نمو الإنتاجية، والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، وحالة عدم اليقين الناجمة عن مشهد جيوسياسي متوتر. غير أن ثمة أيضاً فرصاً كبرى، في مقدمتها بروز الذكاء الاصطناعي. وقد فاقمت الأزمات الكبرى، كجائحة كوفيد 19 والحرب العدوانية التي يشنّها الاتحاد الروسي على أوكرانيا، هذه التحديات المتصاعدة، وكشفت هشاشة سلاسل القيمة العالمية، مما أسهم في تجدد اهتمام كثير من الاقتصادات بالسياسة الصناعية.

وفي هذا السياق، أصبح تصميم الاستراتيجيات الصناعية وتنفيذها وتقييمها، بهدف تعزيز الإنتاجية وتقوية قدرة سلاسل القيمة على الصمود وتسريع تطوير التقنيات الجديدة ونشرها، أولوية من أولويات السياسات العامة. وقد بيّنت مجموعة متنامية من الأبحاث أن الاستراتيجيات الصناعية الهادفة يمكن أن تسهم في تحقيق هذه الغايات، ولا سيما حين تتسم الصناعات بآثار امتداد، أو تستفيد من وفورات الحجم، أو تعيقها إخفاقات في التنسيق.

والتحديات التي تواجهها اقتصادات الدول الأعضاء في المنظمة غير مسبوقة من حيث نطاقها وتعقيدها على السواء. فالتحول المزدوج نحو التقنيات الرقمية والمستدامة، على سبيل المثال، لا يشمل أطرافاً معنية من مؤسسات متنوعة، كالقطاع الخاص والحكومة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني فحسب، بل يشمل أيضاً أطرافاً من قطاعات نشاط اقتصادي شديدة التباين. ومن ثم فإن تصميم سياسات قادرة على تلبية احتياجات أطراف متباينة إلى حد بعيد، كالشركات متعددة الجنسيات العاملة في قطاع الطاقة، والشركات الناشئة الصغيرة التي تصمم برمجيات متخصصة للصيانة التنبؤية، وجمعيات المستهلكين المحلية، يمثّل تحدياً معقداً يتطلب أدلة تجريبية متينة وتعاوناً قوياً ومرناً بين جميع الأطراف المعنية.

وعلى الرغم من أن الاستراتيجيات القطاعية تُعدّ ركيزة أساسية من ركائز السياسة الصناعية، فإنها غير ملائمة لمواجهة هذا الطيف الواسع من التحديات. فهي أولاً، بتركيز تدخلاتها على الشركات المنتمية إلى قطاع واحد، قد تُغفل موردي المدخلات الحرجين في أعلى سلسلة القيمة، الذين قد تعجز الشركات في أسفلها عن الازدهار من دونهم حتى لو حظيت بدعم كافٍ. وبالمثل، قد يؤدي غياب الدعم للشركات في أسفل سلسلة القيمة إلى خنق الشركات في أعلاها التي لا تجد طلباً كافياً على منتجاتها. وتكتسي القطاعات الواقعة في أعلى السلسلة وأسفلها أهمية بالغة في سياق تتسم فيه سلاسل القيمة باختناقات حادة وتتعرض لتهديدات طبيعية وجيوسياسية. وإلى جانب شبكات الإنتاج، قد تقصر الاستراتيجيات القطاعية عن المراعاة الوافية لمزوّدي التقنيات الواقعين خارج حدود قطاع معيّن، وكذلك لرأس المال البشري القيّم. ومن الضروري أخذ هذه العناصر في الحسبان في ظل سيناريو يتسم بنمو بطيء ومتفاوت في الإنتاجية، يبدو فيه التوصل إلى الابتكارات أمراً يزداد صعوبة.

ويسعى نهج المنظومة الصناعية إلى تجاوز أوجه القصور هذه من خلال المراعاة الصريحة لثراء الجهات الفاعلة والعلاقات التي يقوم عليها الإنتاج الصناعي الحديث. فالمنظومة الصناعية "تضم جميع الجهات الفاعلة العاملة في سلسلة القيمة، من أصغر الشركات الناشئة إلى أكبر الشركات، ومن الأوساط الأكاديمية إلى البحث العلمي، ومن مقدمي الخدمات إلى الموردين"، وهي تتألف في صورتها المبسّطة من ثلاث كتل رئيسية من القطاعات: القطاعات الأساسية، والقطاعات الواقعة في أعلى سلسلة القيمة، والقطاعات الواقعة في أسفلها. وتضم كل كتلة منها طائفة متنوعة من الجهات الفاعلة، بما في ذلك الشركات الكبيرة الراسخة التي ترتبط عادة بصناعة معيّنة، والشركات الأصغر والشركات الناشئة، ومراكز البحث الأكاديمي ومقدمو التمويل. وتشمل القطاعات الأساسية الشركات التي يمكن تحديدها من خلال النهج القطاعي (والتي يستهدفها هذا النهج عادة)، فالشركات العاملة في صناعة المركبات ذات المحركات، على سبيل المثال، تقع في صميم منظومة صناعة السيارات. أما القطاعات الواقعة في أعلى السلسلة فتورّد المدخلات، كالمواد الخام والسلع الوسيطة والمعدات الرأسمالية والتقنيات. في حين تستخدم القطاعات الواقعة في أسفل السلسلة مخرجات الصناعات الأساسية مدخلاتٍ لمزيد من الإنتاج، أو لاستخدامها لاحقاً من قِبل جهات التركيب أو غيرها من مقدمي الخدمات، أو لتلبية الطلب النهائي. فصناعة الصلب مثلاً (في أعلى السلسلة) توفّر مدخلات لمصنّعي السيارات (القطاع الأساسي)، بينما يستخدم تجار التجزئة للسيارات (في أسفل السلسلة) مخرجات مصنّعي السيارات. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التصور يقدّم صورة مبسّطة للعدد الكبير من الجهات الفاعلة والعلاقات التي تقوم عليها المنظومات، فهو لا يتضمن على سبيل المثال حلقات التغذية الراجعة العديدة التي تربط بين القطاعات الواقعة في أعلى السلسلة والقطاعات الأساسية والقطاعات الواقعة في أسفلها.

ويستند مفهوم المنظومة الصناعية، المتجذّر في المماثلة بين المنظومات الاقتصادية والمنظومات البيولوجية، استناداً كبيراً إلى نماذج فكرية مشابهة، كمنظومات الابتكار الوطنية، ومنظومات الابتكار الإقليمية، والتجمعات العنقودية المحلية، ومنظومات الابتكار القطاعية، ومنظومات ريادة الأعمال. وتتقاسم منظومات الابتكار على وجه الخصوص كثيراً من الخصائص مع المنظومات الصناعية، إذ يرجع أصل كليهما إلى مفهوم منظومة الابتكار الوطنية، وهو إطار أسهمت فيه المنظمة إسهاماً كبيراً، ولا سيما بفضل أعمال فريمان في تسعينيات القرن الماضي. ومع تطور هذا الحقل المعرفي، أسهمت المنظمة أيضاً في الحقول ذات الصلة المذكورة آنفاً، وبخاصة في مجال منظومات الابتكار القطاعية.

ويؤكد كلا المفهومين أن الشركات (أو رواد الأعمال) لا يمكن النظر إليها على أنها تعمل في فراغ، بل هي متشابكة ضمن شبكة معقدة من العلاقات تضم جهات فاعلة متعددة ومختلفة. ولمّا كانت هذه الجهات الفاعلة تعتمد بعضها على بعض من أجل البقاء والنمو، فإن "المنظومات" لا تمثّل وحدة تحليل حاسمة لقادة الأعمال فحسب، بل تمثّل أيضاً وحدة التحليل الأنسب لصانعي السياسات الساعين إلى تعزيز قدرة اقتصاداتهم على الصمود ودفع نموها. بيد أن ثمة فروقاً جوهرية بين هذين النوعين من المنظومات. فأهدافهما مختلفة، إذ تركّز منظومات الابتكار على تعزيز التعاون في البحث والتطوير وتسويق التقنيات الجديدة التي تعالج أولويات مشتركة، في حين تهدف المنظومات الصناعية إلى زيادة القيمة المضافة المتولّدة ضمن صناعة محددة. علاوة على ذلك، تختلف حدود كل منهما. فمنظومات الابتكار لا تقيّدها الاعتبارات الصناعية، وتشمل على نطاق واسع جميع الجهات الفاعلة المسهمة في الابتكار. أما المنظومات الصناعية فنطاقها القطاعي أضيق، لكنها تضم جهات فاعلة قد لا تسهم في الابتكار إسهاماً مباشراً، غير أنها تؤدي دوراً حاسماً في نجاح المنظومة ككل.

تجدّد السياسة الصناعية ودور المنظومات الصناعية

شكّلت السياسة الصناعية مكوّناً حاسماً من مكوّنات الاستراتيجيات الاقتصادية منذ الثورة الصناعية على الأقل. ومع ذلك، تراجع الإقبال على السياسات الصناعية النشطة في أواخر القرن العشرين، بسبب المخاوف المتعلقة بقدرة الحكومات على تحديد أكثر مجالات الاستثمار الواعدة، وخطر الاستحواذ السياسي على الإعانات، والقيود المفروضة على الموازنات. وقد أسهمت الاتجاهات والتحديات الناشئة، كتلك المشار إليها في مطلع هذا الفصل، أي تباطؤ الإنتاجية وأزمة المناخ والصدمات التي تتعرض لها سلاسل الإمداد العالمية وحالة عدم اليقين الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، في إعادة الجاذبية إلى السياسات الصناعية.

وقد عادت الدول الأعضاء في المنظمة مؤخراً إلى تصميم استراتيجيات صناعية متماسكة. فعلى سبيل المثال، نشرت حكومة المملكة المتحدة في عام 2025 استراتيجيتها الصناعية الحديثة، كما نشرت إيطاليا استراتيجيتها الصناعية التي تحدد أولوياتها الصناعية وكيفية سعي الحكومة الإيطالية إلى دعمها. وبالمثل، أظهرت مبادرات سياساتية عديدة واسعة النطاق التزام الحكومات بدور أكثر فاعلية في قيادة التنمية الصناعية، ومنها "الصفقة الخضراء الأوروبية" (2019)، وصندوق "الجيل القادم للاتحاد الأوروبي" (2020)، و"الصفقة الكورية الجديدة" (2020)، و"قانون خفض التضخم" (2022)، و"الاستراتيجية الصناعية الجديدة للاتحاد الأوروبي" (2020، المحدّثة في عام 2021)، و"قانون الرقائق والعلوم" الأمريكي (2022)، و"الخطة الصناعية للصفقة الخضراء" للاتحاد الأوروبي (2023). كما سلّط تقرير دراغي الضوء على الأهمية المتزايدة للسياسات الصناعية، داعياً إلى تحسين التنسيق على مستوى الاتحاد الأوروبي لضمان فاعليتها.

وتمثّل المنظومات، سواء أكانت صناعية كما هو محور هذا الفصل، أم منظومات ابتكار أو ريادة أعمال، أهدافاً طبيعية لتدخلات السياسة الصناعية، إذ إنها تتجنب مخاوف ضيق النطاق التي قد تعيق السياسات الصناعية الموجَّهة. ومن ثم، فقد تغلغل التفكير القائم على المنظومات بالفعل في مبادرات صنع السياسات. فعلى سبيل المثال، أدرج نهج "القطاعات الرائدة" الهولندي اعتبارات منظومية تخص الصناعات الواقعة في أعلى سلسلة القيمة. ومع ذلك، أبرزت حالات الطوارئ الأخيرة، كجائحة كوفيد 19، الحاجة إلى توسيع نطاق التحليل المنظومي توسيعاً أكبر. فقد اعتمدت المفوضية الأوروبية مثلاً مفهوم المنظومة الصناعية في استراتيجيتها الصناعية لعام 2020، ثم منحته موقعاً أكثر محورية في تعديل عام 2021، حيث وصفت المنظومات الصناعية بأنها العدسة التي تحلل من خلالها اقتصاد السوق الأوروبية الموحدة.

يبني هذا الفصل على نهج المنظومة الصناعية، ويستند إلى ثلاث دراسات حالة قطاعية تتناول منظومات صناعة السيارات والطاقة المتجددة والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وتتأثر المنظومات الثلاث جميعها ببعض التحديات المبيّنة أعلاه على الأقل. فقد شهدت منظومة صناعة السيارات مثلاً اضطرابات حادة في سلسلة قيمتها ارتبطت بنقص الرقائق خلال جائحة كوفيد 19، فضلاً عن أن هذه المنظومة تتسم بتزايد الرقمنة وبالحاجة إلى خفض البصمة الكربونية لمنتجاتها النهائية. أما منظومة الطاقة المتجددة فتقف في طليعة التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، لكنها في الوقت ذاته تعتمد اعتماداً ملحوظاً على عدد من المعادن الحرجة التي يُحتمل أن تتحول إلى نقاط اختناق. وتُعدّ الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة صناعات حاسمة واقعة في أعلى سلسلة القيمة، تدخل مخرجاتها في طائفة واسعة من الصناعات الواقعة في أسفلها، ولذا فهي حاسمة لتنافسية قطاعات متعددة، لكنها تواجه أيضاً تحديات تتعلق بكثافة انبعاثاتها المرتفعة التي لا تتراجع إلا ببطء. وبناءً على ذلك، تشكّل هذه المنظومات الثلاث حالات ثرية بالدلالات بشأن الفرص التي يتيحها نهج المنظومة الصناعية.

ويركّز ما تبقى من هذا الفصل على بيان الكيفية التي يمكن بها لنهج المنظومة الصناعية، كما طُبّق عملياً في هذه الدراسات الثلاث، أن يساعد صانعي السياسات على مواجهة التحديات المبيّنة في مطلع الفصل. فأولاً، يمكن لهذا النهج أن يوفّر أدلة على هوية الجهات الفاعلة الرئيسية في المنظومة، والدور الذي تؤديه، والروابط القائمة بينها. وثانياً، يمكنه أن يسلّط الضوء على التحديات ونقاط الاختناق وأوجه التبعية التي تواجهها هذه الجهات. وثالثاً، يمكنه أن يسهم في تصميم استراتيجيات صناعية أكثر فاعلية.

تحديد حدود المنظومات الصناعية

تتمثل السمة المميزة للمنظومة الصناعية في أنها تمتد إلى ما وراء الحدود القطاعية التقليدية لتشمل الأنشطة الواقعة في أعلى سلسلة القيمة وأسفلها، فضلاً عن نطاق من الأطراف المعنية أوسع من مجرد الشركات الخاصة. ويتطلب ذلك وضع معايير لتحديد حدود غير قطاعية وتعيين الجهات الفاعلة الرئيسية داخل المنظومة. ويعرض هذا القسم النهج المستخدم في دراسات المنظومات الصناعية الثلاث، مع تركيز خاص على مجموعات البيانات المتنوعة المستخدمة في تحديد حدود المنظومة، بما فيها بيانات المدخلات والمخرجات والتجارة والابتكار والقوى العاملة. كما يُبرز تنوع الأطراف المعنية المشمولة في كل منظومة صناعية. ويؤكد القسم أن الاقتصار على التصنيفات القطاعية من شأنه أن يُغفل مدخلات حرجة لا غنى عنها لازدهار المنظومات (بما في ذلك المواد الخام والابتكارات)، وأن يقدّم كذلك صورة مشوّهة عن الجهات الفاعلة الرائدة وعن أهمية منظومة معيّنة، من حيث القوى العاملة على سبيل المثال.

تحديد الأطراف المعنية في المنظومة باستخدام مصادر بيانات متعددة

ثمة نُهج مختلفة لتحديد حدود المنظومة، ولتحديد أهم الشركات والقطاعات والاقتصادات داخلها. وعلى الرغم من أهمية تجاوز النهج القطاعي الصرف، تظل التصنيفات الصناعية، كالتصنيف الصناعي الدولي الموحد لجميع الأنشطة الاقتصادية، والتصنيف الإحصائي للأنشطة الاقتصادية في الجماعة الأوروبية، ونظام تصنيف الصناعات لأمريكا الشمالية، لبنات أساسية مهمة في تعريف المنظومة.

ويمكن أن يكون تحديد القطاعات الأساسية المكوّنة للمنظومة أمراً يسيراً نسبياً أو معقداً، تبعاً لنوع المنظومة. ففي أحد طرفي الطيف، يشكّل قطاع "صناعة المركبات ذات المحركات والمقطورات وأنصاف المقطورات" (القسم 29 من التنقيح الرابع للتصنيف الصناعي الدولي الموحد) نقطة انطلاق طبيعية لتعريف المكوّن الأساسي لمنظومة صناعة السيارات. أما في منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فإن تحديد القطاعات الأساسية يتطلب بالفعل افتراضات إضافية، إذ لا يوجد حالياً تعريف متفق عليه دولياً لماهية الصناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة. ويتمثل النهج المعتمد في دراسة ديشيزلبريتر وزملائه في اعتبار جميع قطاعات الصناعة التحويلية المصنّفة على مستوى الرقمين في التصنيف الصناعي الدولي الموحد، التي تفوق فيها حصة تكلفة مدخلات الطاقة من إجمالي تكاليف المدخلات القيمة الوسيطة، أجزاءً أساسية من منظومة هذه الصناعات. وتشمل هذه القطاعات: "فحم الكوك والمنتجات النفطية" (19)، و"منتجات المعادن اللافلزية" (23)، و"المواد الكيميائية" (20)، و"الفلزات القاعدية" (24)، و"الورق" (17)، و"منتجات المطاط واللدائن" (22)، و"منتجات الخشب" (16)، وفق التنقيح الرابع للتصنيف. وأخيراً، في الطرف الآخر من الطيف، يصعب على نحو خاص تعريف صميم منظومة الطاقة المتجددة استناداً إلى قطاعات محددة فقط. فلا يوجد قطاع على مستوى الأرقام الأربعة في التصنيف الصناعي الدولي الموحد يقابل إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة تحديداً، كما أن القطاع المقابل لصناعة الخلايا الشمسية والألواح الشمسية والعواكس الكهروضوئية لم يُستحدث إلا ضمن التنقيح الخامس للتصنيف. يُضاف إلى ذلك أن الشركات الرائدة في السوق في مجال إنتاج الكهرباء كثيراً ما تنتجها من مصادر متنوعة، أحفورية ونووية ومتجددة، مما يجعل التمييز القطاعي الحاسم أمراً بالغ التعقيد. أما الشركات المصنّعة للسلع الرأسمالية الأخرى اللازمة لإنتاج الطاقة المتجددة (كالتوربينات المائية وتوربينات الرياح)، فيمكن إيجادها في قطاع "صناعة المحركات والتوربينات" (2811 من التنقيح الرابع للتصنيف).

ومن الدروس المستخلصة من الدراسات الثلاث أن زيادة مستوى التفصيل في التحليل يمكن أن تساعد على تحديد حدود المنظومات تحديداً أفضل، نظراً إلى التباين الكبير بين الشركات داخل القطاعات المعرّفة تعريفاً واسعاً. فهناك مثلاً تباين كبير في كثافة استهلاك الطاقة بين القطاعات المصنّفة على مستوى الأرقام الأربعة داخل القطاع الواحد المصنّف على مستوى الرقمين، كما يوجد تباين واسع بين الشركات داخل القطاعات المصنّفة على مستوى الأرقام الأربعة. ومن ثم، فإن تعريف منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة استناداً إلى حصة تكلفة مدخلات الطاقة من إجمالي تكاليف المدخلات سيفضي إلى نتائج مختلفة تماماً بحسب ما إذا حُسبت هذه الحصة على مستوى الرقمين أو الأرقام الثلاثة أو الأرقام الأربعة أو على مستوى الشركة. ومن المؤسف أن البيانات التفصيلية كثيراً ما يصعب الحصول عليها، كما أن توافرها متفاوت بين الصناعات والمناطق الجغرافية. علاوة على ذلك، ثمة عادة مفاضلة بين درجة تفصيل البيانات ونطاق تغطيتها القطاعية، مما يجعل إجراء التحليل على مستوى عالٍ من التفصيل متعذراً في كثير من الأحيان، على الرغم من قيمة هذا التحليل لصنع السياسات.

ولا بد من أن يقترن تحديد المكوّنات الأساسية للمنظومة بتحديد سائر أجزائها غير الأساسية، التي تؤدي مع ذلك دوراً مهماً فيها. ويمكن لعلاقات المدخلات والمخرجات، والعلاقات التجارية، والعلاقات التكنولوجية، والعلاقات المتصلة بالقوى العاملة، أن تسهم جميعها في تعريف المنظومة بما يتجاوز مكوّناتها الأساسية. وتتناول الأقسام الفرعية التالية كلاً من هذه الروابط، وتشرح كيفية تطبيقها عملياً في الدراسات الثلاث المتعلقة بالمنظومات.

بيانات المدخلات والمخرجات

تكتسي العلاقات مع القطاعات الواقعة في أعلى سلسلة القيمة وأسفلها أهمية حاسمة في تحديد حدود المنظومة. إذ تتيح مراعاتها تحديد المدخلات الحرجة التي تُدخلها القطاعات الأساسية في إنتاجها، والأسواق الحيوية التي تعتمد عليها هذه القطاعات في تصريف مخرجاتها.

وتتيح جداول المدخلات والمخرجات تحليل الروابط مع القطاعات الواقعة في أعلى السلسلة وأسفلها على حد سواء. فعلى سبيل المثال، يمكن تحديد أهمية القطاعات الواقعة في أعلى السلسلة في منظومة صناعة السيارات بتقدير مقدار القيمة المضافة المتضمَّنة في الطلب النهائي على منتجات السيارات التي تنشأ في قطاعات أخرى. وفي المقابل، يمكن قياس أهمية الروابط مع القطاعات الواقعة في أسفل السلسلة بدراسة حصة القيمة المضافة في الطلب النهائي للقطاعات الأخرى التي يمكن نسبتها إلى صناعة السيارات. وبعبارة أخرى، تنعكس الروابط مع أعلى السلسلة في حصة قيمة إنتاج المركبات ذات المحركات التي تولّدها قطاعات أخرى غير صناعة السيارات ذاتها (كالرقائق التي تتحكم في الوسائد الهوائية أو المعدن المستخدم في هيكل السيارة)، بينما تتمثل الروابط مع أسفل السلسلة في حصة القيمة المضافة التي يولّدها قطاع المركبات ذات المحركات والمتضمَّنة في إنتاج القطاعات الأخرى (فقطاع النقل مثلاً يستخدم مخرجات منظومة صناعة السيارات). وتكشف بيانات المنظمة الخاصة بالتجارة في القيمة المضافة أن الروابط مع أعلى السلسلة تكتسي أهمية خاصة في قطاع السيارات، في حين أن الروابط مع أسفلها أقل أهمية، أي إن القيمة المضافة المنتَجة في قطاع المركبات ذات المحركات لا تسهم إسهاماً كبيراً في المنتجات النهائية الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن لبيانات التجارة في القيمة المضافة حدوداً: فهي أولاً لا تقدّم سوى رؤية إجمالية لتدفقات القيمة، لا تسمح بإجراء تحليل تفصيلي على مستوى المنتجات، وهي ثانياً لا تشمل الاستثمار الرأسمالي فيما يخص المعاملات الوسيطة. ولذا يمكن الاستعانة بمصادر بيانات أخرى، كبيانات ضريبة القيمة المضافة، لاستكمالها.

وتكشف شبكة الإنتاج التي تقوم عليها منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة عن اتساع الروابط مع أعلى سلسلة القيمة وأسفلها على السواء، إذ تُسهم قطاعات عديدة في القيمة المضافة للصناعات الأساسية كثيفة الاستهلاك للطاقة، بينما تستفيد قطاعات كثيرة في أسفل السلسلة من مخرجات هذه الصناعات. فقطاع "البناء" على سبيل المثال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقطاع "المعادن اللافلزية"، وكذلك بقطاعات "المطاط واللدائن" و"الخشب" و"المواد الكيميائية" و"الفلزات القاعدية". وبالمثل، تعتمد صناعتا "المركبات ذات المحركات" و"المعدات الكهربائية" الواقعتان في أسفل السلسلة على قطاعات أساسية متعددة من هذه الصناعات، مما يدل على الأهمية الشاملة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بوصفها مزوّداً للمدخلات الحرجة.

وبعد تحديد المكوّنات الأساسية وغير الأساسية للمنظومة، يصبح من الممكن أيضاً تحديد البلدان التي تؤدي الدور الأبرز فيها. ويُعدّ تحليل البلدان (والقطاعات) التي تسهم بأعلى حصة من القيمة المضافة المتضمَّنة في الطلب النهائي على المركبات ذات المحركات تذكيراً صارخاً بأهمية مراعاة المنظومة بأكملها، إذ يسهم "باقي المنظومة" إسهاماً كبيراً، ومتفاوتاً بين البلدان، في القيمة المضافة لصناعة السيارات. فعلى سبيل المثال، رغم أن قطاع المركبات ذات المحركات في الاتحاد الأوروبي يظل أكبر المساهمين بين قطاعات المركبات ذات المحركات، فإن جمهورية الصين الشعبية (يشار إليها فيما يلي بـ"الصين") تحظى بحصة أعلى من القيمة المضافة عند احتساب المنظومة بأكملها. وبالمثل، فإن القيمة المضافة للقطاع الأساسي لصناعة السيارات في الولايات المتحدة أدنى من نظيرتها في ألمانيا، غير أن باقي المنظومة الأمريكية يولّد قيمة مضافة تفوق بكثير ما يولّده باقي المنظومة الألمانية.

بيانات التجارة

يمكن لبيانات التجارة أن توفّر رؤى إضافية تتجاوز ما تتيحه بيانات القيمة المضافة، ولا سيما في المنظومات التي تكون فيها الحدود القطاعية أقل وضوحاً. ففي مثل هذه الحالات، تكتسب المعلومات التفصيلية عن منتجات أو تقنيات بعينها أهمية خاصة. ومنظومة الطاقة المتجددة مثال واضح على ذلك، إذ إنها لا تقابل قطاعاً واحداً، بل تتألف من سلع رأسمالية ومنتجات ومواد خام محددة. وبفضل درجة تفصيلها، تُعدّ بيانات التجارة ملائمة على نحو خاص لرصد الجهات الفاعلة والعلاقات داخل هذه المنظومات. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن بيانات التجارة لا ترصد الإنتاج الذي لا يعبر أي حدود، مما يدل على التكامل بين بيانات التجارة وبيانات القيمة المضافة.

ويمكن لتحليل بيانات التجارة أن يبلغ مستوى عالياً من التفصيل، كأن يحدد أبرز المصدّرين لسلع رأسمالية مختارة تقع في صميم أربع تقنيات متجددة رئيسية، هي الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية الحرارية والطاقة الكهرومائية. ويستند هذا التحليل إلى تحديد مجموعة من المنتجات المعيّنة لكل تقنية من هذه التقنيات، معرّفة على مستوى الأرقام الستة في النظام المنسق لتصنيف السلع، بدلاً من الاستناد إلى مجموعة من القطاعات المحددة. ولذا، ففي حين تعجز بيانات القيمة المضافة عن تحديد الجهات الفاعلة الرئيسية النشطة في المنظومة، يمكن لبيانات التجارة أن تُظهر اتجاهات صادرات السلع الرأسمالية عبر مختلف التقنيات. فالصين مثلاً تبرز بوصفها لاعباً رئيسياً في منظومة الطاقة المتجددة، إذ إنها أكبر المصدّرين في جميع التقنيات باستثناء الطاقة الشمسية الحرارية، التي تتصدّرها المكسيك. علاوة على ذلك، يمكن استخدام بيانات التجارة، على غرار بيانات القيمة المضافة، لتصوير تدفقات السلع الواقعة في أعلى سلسلة القيمة. وفي حالة منظومة الطاقة المتجددة، تتمثل هذه السلع بوجه خاص في المواد الخام الحرجة، التي ستشكّل حجر الزاوية في تحليل التبعية التجارية المعروض في القسم التالي.

ومن المزايا الأخرى لبيانات التجارة مقارنة ببيانات القيمة المضافة أنها أيسر توافراً، ومن ثم يمكنها أن تقدّم صوراً أحدث عن البلدان الرئيسية النشطة في المنظومة مما تقدّمه بيانات القيمة المضافة. وللمقارنة المباشرة، تتناول الدراسة الخاصة بمنظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مقاييس القيمة المضافة ومقاييس التجارة معاً، غير أن مقاييس القيمة المضافة لا تتوافر إلا حتى عام 2020، في حين تتوافر مقاييس التجارة حتى عام 2022.

بيانات الابتكار

لا تقتصر أهمية البلدان داخل المنظومة على إسهامها في القيمة المضافة والتجارة، بل تنبع أيضاً من انخراطها في أنشطة الابتكار. ومن الضروري مراعاة ذلك لأن الابتكار يمكن أن يوفّر منظوراً استشرافياً للمنظومة: فبينما تصوّر القيمة المضافة والتجارة الجهات الفاعلة الرائدة اليوم، تقدّم مقاييس الابتكار لمحة عمّن يطوّر القدرات التي قد تمكّنه من أن يصبح رائد الغد.

وثمة مقاييس عديدة للأنشطة الابتكارية، منها عدد الشركات الناشئة النشطة، والاستثمار في الشركات المبتكرة، والمنشورات الأكاديمية، وغيرها كثير. وعلى الرغم من أن براءات الاختراع ليست مقياساً مثالياً للابتكار، فإنها تتضمن ثروة من المعلومات التي قد تكون مفيدة على نحو خاص في وصف مشهد الابتكار، وتكشف معلومات عن الجهات الفاعلة الرئيسية في المنظومة الصناعية.

ويمكن تحديد المجال التكنولوجي لبراءات الاختراع استناداً إلى تصنيفات البراءات، كالتصنيف التعاوني لبراءات الاختراع والتصنيف الدولي لبراءات الاختراع. وقد استخدم ديشيزلبريتر وزملاؤه جدول المطابقة الذي طوّره غولدشلاغ وليبرت وزولاس لتحديد براءات الاختراع التي تحمي التقنيات المستخدمة في منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة (كالابتكارات في منتجات الصلب أو اللدائن أو المواد الكيميائية). ومن ثم يمكن تحديد قطاع النشاط الذي تعمل فيه الشركات التي تطوّر هذه البراءات. وتكشف البيانات أن الاختراعات ذات الصلة بمنظومة هذه الصناعات لا تطوّرها فقط الشركات العاملة في قطاعاتها الأساسية، بل قد تطوّر شركات من صناعات أخرى أيضاً ابتكارات ذات صلة بها. فعلى سبيل المثال، قد تبتكر شركة عاملة في قطاع الآلات تقنية لآلة تُستخدم في قطع الخشب وتحصل على براءة اختراع لها. ويتبيّن أن القطاعات الأساسية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تُعدّ من بين أبرز المبتكرين في هذه التقنيات.

غير أن 30% فقط من براءات الاختراع المودعة في تقنيات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2022 أودعتها شركات تنتمي إلى القطاعات الأساسية لهذه الصناعات، مما يدل على أن معظم براءات الاختراع في هذا المجال قد طُوِّرت خارج حدود تلك القطاعات. ومن بين القطاعات غير الأساسية، يضطلع قطاع "الحواسيب والإلكترونيات" بدور بالغ الأهمية، إذ أودع نحو 21% من الاختراعات المتصلة بالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة على مستوى العالم، ليغدو المصدر الرئيسي للابتكار في تقنيات "المعادن غير الفلزية" (بنسبة 36% من إجمالي براءات الاختراع فيها). كما تسهم الشركات المنتمية إلى قطاع "الآلات" إسهاماً كبيراً في التقنيات الجديدة لهذه الصناعات، ولا سيما في مجالي "الورق"، إذ يعود 30% من براءات الاختراع المتعلقة به إلى قطاع الآلات، و"الأخشاب"، حيث تبلغ هذه النسبة 23%.

وإجمالاً، يتضح أن قصر التحليل على القطاعات الأساسية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة من شأنه أن يُغفل جهات رئيسية مزوِّدة للابتكار، وهو ما يعزز أهمية تجاوز النهج القطاعي البحت.

ويتأكد ذلك أيضاً عند النظر في الميزة التكنولوجية الظاهرة للدول في تقنيات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي تُحسب بمقارنة حصة الدولة من براءات الاختراع في هذه التقنيات بحصتها من إجمالي براءات الاختراع. ولما كانت القيم الممكنة لهذا المؤشر تتراوح بين الصفر وما لا نهاية، فإنه يُعرض بصيغته اللوغاريتمية؛ فإذا تجاوز لوغاريتم الميزة التكنولوجية الظاهرة الصفر دلّ ذلك على تخصص الدولة في تقنية بعينها مقارنةً بالمتوسط العالمي، في حين يشير انخفاضه عن الصفر إلى قصور في التخصص. ويميّز التحليل بين مصدرين مختلفين للابتكار: القطاعات الأساسية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة من جهة، وسائر الصناعات الأخرى التي أنتجت براءات اختراع في هذه التقنيات من جهة أخرى. ويُبرز ذلك بجلاء أهمية تبنّي نهج المنظومات، إذ كثيراً ما يطغى إسهام القطاعات غير الأساسية على إسهام القطاعات الأساسية، مما يعني أن تخصص الدولة في هذه التقنيات ينبع في المقام الأول من قطاعات تقع خارج المكونات الأساسية للمنظومة. وتمثل البرازيل ولكسمبورغ وبولندا حالات واضحة على هذا الاتجاه، وإن لم تكن الوحيدة. كما يتبين مدى التغير الجذري الذي قد يطرأ على ترتيب الدول لو اقتصر النظر على القطاعات الأساسية وحدها؛ ففنلندا، التي يعود تخصصها في تقنيات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بالكامل إلى القطاعات الأساسية، تتصدر الترتيب، بيد أن الصورة تختلف اختلافاً ملحوظاً عند احتساب بقية المنظومة. فالبرازيل مثلاً، التي لا تحتل مرتبة متقدمة من حيث القيمة المضافة أو التوظيف بين الدول الأكثر انخراطاً في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، تُظهر تخصصاً تقنياً قوياً جداً في تقنيات هذه الصناعات، مدفوعاً بقطاعات غير أساسية (ولا سيما التعدين واستغلال المحاجر). ومن المرجح أن يغفل النهج القطاعي هذه الخصائص المميزة لمشهد الابتكار في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهو ما يؤكد قيمة نهج المنظومات بالنسبة إلى صانعي السياسات.

وفي مجال صناعة السيارات، يساعد تبنّي نهج المنظومات على تحديد التقنيات الأسرع نمواً، مما يتيح بدوره التعرف على الاقتصادات التي تعمل على بناء القدرات التي يُتوقع أن تكون محورية للنمو المستقبلي في هذا القطاع. ومن هذا المنظور، تبرز الطفرة في براءات الاختراع المتعلقة بالمركبات ذاتية القيادة، التي تضاعف عددها بأكثر من مرتين بين الفترة الممتدة من 2012 إلى 2015 والفترة الممتدة من 2016 إلى 2019، بوصفها اتجاهاً رئيسياً يُرجَّح أن يرسم ملامح تطور هذه المنظومة في السنوات المقبلة. وتتباين الدول داخل منظومة السيارات من حيث تخصصها التكنولوجي؛ فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تتمتع بميزة تكنولوجية ظاهرة قوية في شريحة المركبات ذاتية القيادة، في حين تركز دول أخرى على مجالات ناضجة أقل كثافة في الابتكار، مثل تقنيات الاحتراق. ويشير ذلك إلى أن إمكانات الريادة المستقبلية للولايات المتحدة في منظومة السيارات أقوى مما قد يوحي به النظر إلى ميزتها التكنولوجية الظاهرة الإجمالية عبر جميع التقنيات المرتبطة بالسيارات.

بيانات القوى العاملة

يمكن لبيانات القوى العاملة أيضاً أن تسهم في رسم حدود المنظومات، إذ يقع جزء لا يستهان به من المهن التي تولّدها منظومة صناعية معينة خارج حدود قطاعاتها الأساسية. ويتجلى ذلك في الحالة الخاصة بمنظومة الطاقة المتجددة الصناعية في الولايات المتحدة، وإن كان الأمر ينطبق كذلك على الدول الأخرى المشمولة بالتحليل. إذ تتوزع الوظائف الشاغرة في مجال الطاقة المتجددة على صناعات متعددة، بصرف النظر عن المجموعة التكنولوجية المعنية. وتتركز معظم هذه الوظائف في قطاعي "الصناعات التحويلية" و"إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء"، غير أن التوظيف لا يقتصر على هذه القطاعات الأساسية للطاقة المتجددة، التي تشمل مصنّعي السلع الرأسمالية والجهات المتبنية للتقنيات (مثل الشركات العاملة في قطاع إنتاج الكهرباء). فكثير من الوظائف الشاغرة في مجال الطاقة المتجددة يوجد في قطاع "الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية"، حيث تُطوَّر ابتكارات الطاقة المتجددة، فضلاً عن قطاعات "التشييد" و"التمويل والتأمين" و"الأنشطة الإدارية وخدمات الدعم". وإجمالاً، لا يقع سوى نحو 39% من مجموع الوظائف الشاغرة فيما يمكن تعريفه بالقطاعات الأساسية، في حين يقع نحو 61% منها في أجزاء أخرى من المنظومة.

ويعزز ذلك نقطة رئيسية وردت في القسم السابق المتعلق ببيانات الابتكار، وهي في الوقت ذاته مسوّغ جوهري لتبنّي منظور المنظومات: فالاقتصار على القطاعات الأساسية لمنظومة ما يُغفل حصة بالغة الأهمية من أصحاب المصلحة المعنيين. ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي يحملها منظور المنظومات لصنع السياسات.

مراعاة تنوع أصحاب المصلحة في المنظومات الصناعية

من المهم كذلك مراعاة تنوع الجهات الفاعلة المنخرطة في المنظومات الصناعية. فعلى سبيل المثال، تؤدي أنواع الشركات المختلفة، من حيث العمر أو الحجم أو الموقع الجغرافي، أدواراً متباينة في المنظومات الصناعية، وتميل إلى الاستفادة من حزم مختلفة من السياسات. علاوة على ذلك، يُرجَّح أن تؤدي الشركات الواقعة في المراحل الأولى من المنظومة أو في صميمها أو في مراحلها اللاحقة أدواراً مختلفة، ويمكن لتصميم الاستراتيجيات الصناعية أن يستفيد من أخذ هذه الفوارق بعين الاعتبار. وأخيراً، لا تقتصر الجهات الفاعلة في المنظومات على الشركات، بل تشمل أيضاً مؤسسات البحث العامة ومزوّدي التمويل وغيرهم، ممن يتعين عليهم التعاون لضمان نجاح المنظومة. وتقع هذه الرؤية في صميم السياسات الموجهة نحو المهام؛ إذ يقرّ أنصار هذا النهج بضرورة مراعاة "منظومات" أصحاب المصلحة وتنسيقها من أجل التصدي للتحديات الكبرى ذات الطابع المنظومي، كالتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.

وتُعد الشركات الناشئة فئة من الشركات تحظى عادةً باهتمام صانعي السياسات، نظراً لإسهامها في صافي استحداث فرص العمل ونشر التقنيات الجديدة. وعلى الرغم من دورها المحوري في دفع النمو الاقتصادي، كثيراً ما تواجه الشركات الناشئة تحديات أكبر مما تواجهه الشركات الراسخة، بسبب افتقارها إلى الشرعية ومحدودية سجلها المالي. ومن ثم، فإنها تستفيد أكثر من غيرها من سياسات بعينها، ولا سيما تلك التي تخفف قيود رأس المال وتيسّر الدخول إلى الأسواق والخروج منها. ومن الأمثلة على أهمية الشركات الناشئة لأنشطة الابتكار ما تشهده منظومة الطاقة المتجددة؛ ففي هذه المنظومة، تودع الشركات القائمة (التي يبلغ عمرها 20 عاماً أو أكثر) معظم الاختراعات المتعلقة بالطاقة المتجددة. غير أن الشركات الأحدث عهداً (التي يقل عمرها عن خمس سنوات) لا تودع حصة كبيرة من براءات الاختراع في تقنيات الطاقة المتجددة فحسب، بل تودع أيضاً عدداً يفوق بشكل غير متناسب إسهامها في مجمل نشاط براءات الاختراع: فعند النظر في جميع التقنيات الأخرى، تستأثر الشركات الفتية بنحو 12% من براءات الاختراع على مستوى العالم، في حين تبلغ هذه الحصة 37% في تقنيات الطاقة الحرارية الجوفية، و34% في الطاقة البحرية، وأكثر من 25% في تقنيات النفايات والطاقة الكهرومائية، ونحو 20% في تقنيات الكتلة الحيوية والوقود الحيوي والطاقة الشمسية.

ثمة عوامل مهمة أخرى ينبغي مراعاتها عند النظر في تنوع الشركات المنخرطة في المنظومات الصناعية، ومن بينها موقعها داخل المنظومة، سواء في مراحلها الأولى أو في صميمها أو في مراحلها اللاحقة. ولا يصدق ذلك على مدخلات الإنتاج ومخرجاته فحسب، بل يصدق أيضاً على الأنشطة الابتكارية. وفي هذا الصدد، يمكن لثراء المعلومات الواردة في براءات الاختراع، المشار إليه آنفاً، أن يؤدي مجدداً دوراً مهماً، إذ تتضمن براءات الاختراع بيانات مفصلة عن حالة التقنية السابقة التي تستشهد بها البراءة (الاستشهادات السابقة)، وعن البراءات الأخرى التي ستشير لاحقاً إلى البراءة المعنية بوصفها جزءاً من حالة التقنية السابقة الخاصة بها (الاستشهادات اللاحقة).

وبتطبيق هذا التحليل على منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مع النظر في مختلف أنواع تقنياتها من خلال الاستشهادات السابقة، أي من المنظومة إلى قاعدتها المعرفية، والاستشهادات اللاحقة، أي من الصناعات الأخرى إلى المنظومة، يتبين على صعيد الاستشهادات السابقة أنه في حين تعتمد بعض المكونات الأساسية للمنظومة، مثل "الكيماويات"، اعتماداً رئيسياً على اختراعات من داخل القطاع ذاته، فإن مكونات أخرى، مثل "الأخشاب"، تفعل ذلك بدرجة أقل بكثير. كما يبدو أن معظم اختراعات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تستفيد من براءات الاختراع المودعة في قطاعي "الكيماويات" و"المطاط واللدائن والمعادن". وأخيراً، ثمة قطاعات تقع خارج المكونات الأساسية للمنظومة تؤدي دوراً مهماً بوصفها قاعدة معرفية لها، ومنها على سبيل المثال قطاعا "الآلات" و"الحواسيب والإلكترونيات".

أما على صعيد الاستشهادات اللاحقة، فيتضح أن للقطاعات الأساسية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة آثاراً إيجابية غير مباشرة على الصناعات الأخرى؛ إذ إن 14% من الاستشهادات اللاحقة باختراعات "المعادن غير الفلزية" مصدرها براءات اختراع في قطاع "الحواسيب والإلكترونيات". ويُعد أخذ الجهات المتبنية للابتكار في المراحل اللاحقة بعين الاعتبار أمراً أساسياً لتعزيز المنظومات الصناعية، إذ أظهرت الأبحاث أن الطلب في السوق يمثل عامل "جذب" للأنشطة الابتكارية.

ويؤدي مزوّدو التمويل، كالمصارف وصناديق رأس المال الجريء والمستثمرين الملائكيين، دوراً مهماً كذلك، ولا سيما فيما يتعلق بتحديات التمويل التي تواجهها الشركات الناشئة والمشار إليها آنفاً. كما تُعد مؤسسات البحث العامة، أي مراكز البحث العامة وغيرها من المؤسسات الحكومية، والجامعات فئات أخرى من أصحاب المصلحة ينبغي مراعاتها عند تصميم السياسات الصناعية التي تستهدف المنظومات الصناعية. وعند النظر في دورها ضمن منظومة الطاقة المتجددة، يتضح أنه على الرغم من أن الابتكارات في هذه المنظومة تحدث أساساً داخل الشركات الخاصة (إذ لا يصدر عن مؤسسات البحث العامة والجامعات سوى 8% من براءات الاختراع)، فإن حصة براءات الاختراع في مجال الطاقة المتجددة التي تملكها هذه المؤسسات والجامعات أعلى نسبياً من حصتها في مجمل براءات الاختراع (6%). فضلاً عن ذلك، ثمة تقنيات بعينها تؤدي فيها مؤسسات البحث العامة والجامعات دوراً بالغ الأهمية، ولا سيما تخزين الطاقة طويل الأمد (20%) والطاقة البحرية (18%) والطاقة الحرارية الجوفية (17%). والتقنيات التي يكون فيها لهذه المؤسسات والجامعات دور أبرز هي في الغالب تقنيات أقل نضجاً، كتخزين الطاقة طويل الأمد والطاقة البحرية، في حين تضطلع الصناعة بدور أكبر بكثير في نشاط براءات الاختراع في التقنيات الناضجة كطاقة الرياح، وهو ما يتسق مع الأدلة المتوفرة بشأن قرب الابتكار الأكاديمي من الحدود التكنولوجية.

وإجمالاً، فإن تعايش أصحاب المصلحة المتنوعين هؤلاء داخل الحدود الضبابية في كثير من الأحيان للمنظومات الصناعية يؤكد أهمية تصميم سياسات قادرة لا على مراعاة هذا العدد الكبير من الجهات الفاعلة فحسب، بل على تعزيز التعاون فيما بينها أيضاً.

تحديد التحديات الرئيسية التي تواجه المنظومات الصناعية

يشكّل رسم حدود المنظومات الصناعية وتحديد أصحاب المصلحة فيها لبنات أساسية للتعرف على التحديات والاختناقات والتبعيات المحتملة داخل هذه المنظومات. إذ كثيراً ما تنشأ هذه التحديات من احتكاكات في التنسيق بين الجهات الفاعلة في المنظومة (كنقص التمويل المتاح للشركات الناشئة)، أو من "نقاط اختناق" تتعلق بتقنيات أو موارد بعينها (كالنيوبيوم اللازم لتقنيات الرياح في منظومة الطاقة المتجددة)، أو من علاقات حيوية لكنها مُهمَلة مع الشركات في المراحل السابقة أو اللاحقة. ويتناول هذا القسم ثلاثة أنواع من التحديات التي تؤثر في المنظومات: التجارة والتكنولوجيا والمهارات.

التبعيات والاختناقات في سلاسل الإمداد

قد تكون الاختناقات في سلاسل الإمداد شديدة الضرر بالمنظومات الصناعية نظراً للترابط الذي يميزها، إذ قد يمتد أثر إخفاق حلقة واحدة (كفرض قيود مفاجئة على تصدير معدن حرج أو إغلاق مصنع حيوي) ليطال بقية المنظومة. فعلى سبيل المثال، يمكن ربط الصعوبات التي عانتها منظومة السيارات خلال جائحة كوفيد 19 وبعدها بإخفاق الموردين في المراحل السابقة في توفير الرقائق اللازمة لتصنيع السيارات. ولم تقتصر التأخيرات الناجمة عن ذلك على الإضرار بالقطاعات الأساسية للسيارات، بل امتدت إلى قطاعات أخرى في المراحل السابقة تعتمد اعتماداً كبيراً على قطاع السيارات، وكذلك إلى المستهلكين النهائيين. ومن ثم، فإن رصد مخاطر سلاسل الإمداد هذه والتخفيف منها يمثل هدفاً رئيسياً لصانعي السياسات الساعين إلى تعزيز قدرة اقتصاداتهم على الصمود.

وتتعرض منظومة الطاقة المتجددة بدورها لصدمات سلاسل الإمداد، ولا سيما على صعيد التبعيات التجارية المتعلقة بالسلع الرأسمالية المستخدمة في إنتاج الطاقة المتجددة. فمن بين جميع المنتجات، تبدو واردات المغانط المعدنية والتوربينات التي تتجاوز قدرتها 10000 كيلوواط معرّضة بشكل خاص للصدمات المحتملة، إذ تعتمد دول عدة على عدد محدود من المصدّرين في جزء كبير من وارداتها (فمن أصل 26 حالة تبعية جرى تحديدها، ترتبط 23 حالة بتدفقات تجارية مع الصين). ويعني ذلك أنه إذا قيّد هذا العدد المحدود من المصدّرين صادراته من المغانط المعدنية والتوربينات، فمن المرجح أن تواجه الدول المعتمدة عليهم اضطرابات في سلاسل الإمداد. كما يتبين أن التبعيات التجارية قد ازدادت بالنسبة إلى معظم المنتجات بين الفترتين موضع الدراسة.

تحديد الاختناقات في المهارات

يمكن لنهج المنظومات الصناعية أيضاً أن يقدم رؤى قيّمة بشأن تحدٍّ حرج آخر، هو الاختناقات في المهارات. فقد حُدِّد نقص رأس المال البشري الملائم، على سبيل المثال، بوصفه عقبة كبيرة أمام المبادرات الطموحة الموجهة نحو أشباه الموصلات التي أطلقها مؤخراً كل من الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا والولايات المتحدة.

ويمكن لبيانات الوظائف الشاغرة المنشورة عبر الإنترنت أن تقدم رؤى مفيدة بشأن المهن الأكثر طلباً داخل منظومة معينة. غير أن التمييز بين المهن التي تشهد طلباً مرتفعاً يقابله عرض مرتفع، وتلك التي تعاني عدم توافق بين العرض والطلب، ليس بالمهمة اليسيرة. ولهذا الغرض، يمكن مقارنة التوزيع المهني للوظائف الشاغرة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بتوزيعها في مجمل الوظائف الشاغرة في الصناعات التحويلية لعينة من الدول، بحيث يمثل المقام عدد إعلانات الوظائف المنشورة عبر الإنترنت في الصناعات التحويلية أو في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بحسب الحالة. وعلى الرغم من أن ذلك لا يتيح تحديد حالات عدم التوافق بدقة، فإنه يكشف عن المهن ذات الأهمية الخاصة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

ويتضح أن بعض المهن مطلوبة في منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بدرجة أكبر بكثير منها في الصناعات التحويلية عموماً. وعلى الرغم من وجود فوارق خاصة بكل دولة، يتجلى الطلب المفرط بأوضح صوره في حالة عمال التعدين والتشييد والصناعات التحويلية والنقل (بفارق 3 نقاط مئوية في المتوسط مقارنة بالصناعات التحويلية)، يليهم عن كثب مشغّلو المنشآت الثابتة (بفارق نقطتين مئويتين)، ثم المهنيون المساعدون في مجالات العلوم والهندسة (بفارق نقطة مئوية واحدة). وتبرز مهن المعادن والآلات استثناءً لافتاً، إذ يُسجَّل عليها طلب مفرط في ألمانيا وفرنسا والنمسا وسويسرا (بترتيب تنازلي)، في حين يقل الطلب عليها في التشيك وإيطاليا، ولا سيما إسبانيا.

سياسات أشباه الموصلات ونقص الكفاءات

تتسم منظومة أشباه الموصلات بتعقيد بالغ نظراً للدرجة العالية من التخصص في المراحل المختلفة لسلسلة قيمتها، وهي: التصميم، وإنتاج الرقائق الخام، والتصنيع، والتجميع والاختبار والتغليف. علاوة على ذلك، تتسم منظومة أشباه الموصلات بالتحديات ذاتها التي يتناولها هذا الفصل: اختناقات كبيرة عند عقد تكنولوجية بعينها (كالطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى)، واعتماد شديد على المواد الخام الحرجة.

وقد أقرّت مبادرات مثل قانون الرقائق والعلوم (CHIPS and Science Act) في الولايات المتحدة وقانون الرقائق الأوروبي (EU Chips Act) في الاتحاد الأوروبي، لا بأهمية صناعة أشباه الموصلات بوصفها مزوّداً لمدخلات رئيسية للصناعات في المراحل اللاحقة فحسب، بل بالتحديات التي يتعين على هذه الصناعة مواجهتها أيضاً. ومن ثم، قدمت هذه السياسات حوافز سخية للشركات العاملة في منظومة أشباه الموصلات، ولا سيما لإنشاء مصانع تصنيع جديدة. بيد أن نجاح هذه المبادرات مرهون بقدرة الشركات على الوصول إلى رأس المال البشري اللازم، الذي قد يكون شحيحاً، على نحو ما تشير إليه شواهد متفرقة بشأن إنشاء مرافق تصنيع جديدة، وبيانات تجريبية عن فجوات العرض. ولا تقتصر هذه المشكلة على منظومة أشباه الموصلات؛ فقد شهدت شركة نورثفولت (Northvolt) لتصنيع البطاريات، التي تُعد ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأوروبية لصناعة البطاريات، اضطرابات كبيرة في عملياتها بسبب نقص الخبرة في التعامل مع المعدات الأجنبية. ويتطلب سد فجوات رأس المال البشري المماثلة جهداً منسقاً من أصحاب المصلحة في القطاعين الخاص والعام على حد سواء؛ فعلى سبيل المثال، أبرزت أعمال حديثة للمنظمة بشأن صناعة أشباه الموصلات في الفلبين إمكانية تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بالتعليم لتوفير تدريب أكثر استهدافاً.

وإلى جانب التعليم، يتأثر توافر المهارات أيضاً بسياسات الهجرة، بما فيها أنظمة التأشيرات وظاهرة هجرة العقول. وتمثل الفلبين مجدداً حالة مثيرة للاهتمام، إذ شهدت البلاد موجات هجرة كبيرة قد تعرقل طموحاتها في منظومة أشباه الموصلات. وللتصدي لذلك، أطلقت الحكومة برنامج عودة العلماء (Balik Scientist Program) لتحفيز العلماء على العودة إلى الفلبين والمساعدة في تعزيز منظومة أشباه الموصلات المحلية.

الترابطات التكنولوجية وصعوبات التبنّي

يُعد نهج المنظومات الصناعية، بمنظوره الشمولي، ملائماً على وجه الخصوص لمواجهة تحدي وضع سياسات فعالة لتعزيز التقنيات الجديدة، التي تعتمد على شبكة معقدة من التعاون بين جهات فاعلة متنوعة. فالشركات الناشئة محركات رئيسية للتدمير الخلّاق ولإعادة توزيع الحصص السوقية على نحو يعزز الإنتاجية لصالح الشركات الأكثر ابتكاراً وإنتاجية. كما تؤدي الجامعات ومؤسسات البحث العامة دوراً محورياً في بناء قاعدة معرفية علمية متينة يمكن أن تنبثق منها ابتكارات قابلة للتسويق، وقد تضطلع بدور بالغ الأهمية بشكل غير متناسب في المراحل المبكرة لبعض التقنيات الناشئة.

وتتجلى الروابط البحثية بين الشركات الناشئة من جهة والجامعات ومؤسسات البحث العامة من جهة أخرى في منظومة السيارات؛ إذ يتبين أن الشركات الفتية تستشهد ببراءات الاختراع الأكاديمية بدرجة أكبر بكثير من غيرها، وذلك على نحو ثابت عبر مختلف التقنيات المرتبطة بالسيارات. وتتوافق هذه النتيجة مع الأدبيات التي تؤكد قيمة الروابط بين الشركات الناشئة والأوساط الأكاديمية، وتلمّح إلى دور الشركات الناشئة في مواصلة تطوير الابتكارات المبكرة المنبثقة من الأوساط الأكاديمية. ويسلط ذلك الضوء على أهمية إتاحة الفرص لتعاون هاتين الفئتين من الجهات الفاعلة في المنظومة، وذلك مثلاً عبر مكاتب نقل التكنولوجيا وحاضنات الأعمال ومسرّعاتها التابعة للجامعات.

كما يمكن لتبنّي منظور المنظومات أن يساعد على فهم أفضل للأجزاء التي أحرزت أكبر تقدم في التعامل مع التقنيات الرئيسية للتحول المزدوج داخل منظومة معينة. فعلى سبيل المثال، ونظراً لانخفاض كفاءة استخدام الطاقة نسبياً في منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فإنها ستستفيد بشكل خاص من التبنّي الأسرع للتقنيات الرقمية والتقنيات منخفضة الكربون. والواقع أن التقنيات الرقمية يمكن أن تُحدث أثراً إيجابياً في هذه الصناعات من خلال توفير أدوات فعالة لرصد الإنتاج والعمليات والتحكم فيها وأتمتتها. وبين عامي 2018 و2022، طوّرت منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تقنيات رقمية بوتيرة أعلى من سائر الصناعات التحويلية غير المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (إذ تضمّن 7.4% من التقنيات المرتبطة بهذه الصناعات في المتوسط مكوناً رقمياً، مقابل 6% في بقية قطاع الصناعات التحويلية)، بيد أن ثمة تبايناً كبيراً بين القطاعات المكوِّنة للمنظومة، كما هو الحال مثلاً بين تقنيات "المعادن غير الفلزية" (16%) وتقنيات "فحم الكوك والنفط" (أقل من 1%)، وكذلك بين الدول (إذ تتأخر دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون في هذا الصدد).

حلول التحديات التي تواجهها المنظومات مترابطة هي الأخرى

ترتبط التحديات المختلفة التي يتناولها هذا القسم ارتباطاً وثيقاً بطبيعتها، إذ يمكن لمعالجة أحدها أن تُحدث آثاراً إيجابية غير مباشرة في غيرها. ومن الأمثلة على هذا الترابط براءات الاختراع المودعة لتطوير بدائل للمواد الخام المستخدمة في منظومة الطاقة المتجددة وتحسين إعادة تدويرها. ومن ثم، يمكن لهذه الجهود الابتكارية أن تؤدي دوراً مهماً في التخفيف من اعتماد سلاسل الإمداد على منتجات بعينها وتعزيز قدرتها على الصمود. ويتبيّن أن معظم هذه البراءات تتركز على السيليكون، على الأقل خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2021، في حين يحظى النيكل والنيوبيوم باهتمام أيضاً، وإن كان أقل بكثير مما يحظى به السيليكون. وتتسم هذه المواد الخام الثلاث جميعها بضعف قابليتها للاستبدال، ومن هنا تنبع أهمية إيجاد بدائل لها تعزيزاً لقدرة المنظومات على الصمود، بيد أن النيكل والنيوبيوم يعانيان فضلاً عن ذلك من تركّز مرتفع في مصادر التصدير، مما يجعلهما أشد حساسية من منظور رصد سلاسل الإمداد.

ويتجلى مثال آخر في العلاقة بين التخصص التكنولوجي والميزة النسبية في التجارة، بالتركيز على مجموعة فرعية من تقنيات الطاقة المتجددة، وهي طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية. إذ تظهر علاقة إيجابية بين الميزة التكنولوجية الظاهرة للدول، مقيسة بفارق زمني قدره عشر سنوات، والميزة النسبية في التجارة، ولا سيما في طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، وكذلك في الطاقة الشمسية. ويشير ذلك إلى أن تطوير قدرات ابتكارية أقوى يسير جنباً إلى جنب مع تعزيز الأداء التصديري. وعلى الرغم من أن اتجاه هذه العلاقة وطبيعتها السببية لم يُحسما بعد على نحو راسخ في الأدبيات، فإن سبق قيم الميزة التكنولوجية الظاهرة لقيم الميزة النسبية بعشر سنوات يوحي بأن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالابتكار، والارتقاء نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى داخل سلاسل القيمة الخاصة بكل تقنية، يسهمان على الأرجح في تفسير هذه الظاهرة.

ويُبيّن هذا القسم، الذي يركّز على الآثار المترتبة على السياسات مما سبق عرضه، أن ثمة مجالاً للتحسين فيما يتعلق بتبنّي منظور المنظومة في صنع السياسات. فبينما سلّط الفصل حتى الآن الضوء على أهمية القطاعات غير الأساسية، والترابط بين الجهات الفاعلة المتباينة، والطبيعة متعددة الأوجه للمنظومات الصناعية، تُظهر الأمثلة المستمدة من دراسات المنظومات أن السياسات القائمة تغفل عادةً هذه العناصر.

السياسات الصناعية القائمة لم تأخذ بعد الترابط داخل المنظومات في الحسبان

على الرغم من التقدم المفاهيمي الكبير في مجال المنظومات الصناعية ومنظومات الابتكار، وتزايد الوعي بأهميتها، لا يزال تبنّي التفكير القائم على المنظومات بعيداً عن أن يكون القاعدة السائدة في صنع السياسات الصناعية. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك قطاع الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، الذي يحظى بأهمية بالغة للاقتصادات نظراً لدخول منتجاته في طيف واسع من الصناعات اللاحقة في سلسلة القيمة. علاوة على ذلك، تتسم منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بانخفاض نسبي في كثافة البحث والتطوير، ولا تحقق تحسناً في كفاءة استخدام الطاقة إلا ببطء. ويبدو أن السياسات القائمة لا تقدم سوى استجابات جزئية لهذه التحديات، إذ يتضح مثلاً أن الدعم الحكومي الموجَّه إلى هذه المنظومة في الدول التي شملتها عينة مشروع قياس الاستراتيجيات الصناعية (QuIS) يتركز بصورة طاغية على الإعفاءات الضريبية على تكاليف الطاقة.

وتستجيب الإعفاءات الضريبية على تكاليف الطاقة، مقترنةً بالاستثناءات الواسعة الممنوحة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في إطار نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات وغيره من آليات تسعير الكربون، لمخاوف جوهرية تتصل بتعزيز القدرة التنافسية لقطاعات مثل هذه الصناعات، التي تقع في المراحل الأولى من كثير من سلاسل القيمة وتتعرض في الوقت ذاته بدرجة كبيرة للتجارة الدولية. وقد بلغت حصة المخصصات المجانية من إجمالي الانبعاثات في هذه الصناعات 82% في المتوسط خلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2020، مقابل 21% في بقية قطاعات التصنيع. ومع ذلك، قد يكون من المفيد اعتماد حافظة سياسات أكثر توازناً، إذ ثمة أدلة راسخة تشير إلى أن المخصصات المجانية والإعفاءات الضريبية على الطاقة تتعارض كلتاهما مع حوافز خفض الانبعاثات. وبعبارة أخرى، قد لا توفر الحوافز المقدمة حالياً دافعاً قوياً للابتكار في التقنيات الخضراء، حتى وإن كان منطقها يستجيب لاعتبارات تخص المنظومة وترتبط بالصناعات اللاحقة في سلسلة القيمة. وبينما قد يستدعي ذلك ببساطة نهجاً أكثر توازناً، فإنه يكشف أيضاً عن المفاضلات الصعبة التي يتعين على صانعي السياسات مواجهتها.

ويأتي مثال ثانٍ على سياسات لا يبدو أنها تراعي المنظومة بأكملها من منظومة الطاقة المتجددة. ففي هذه الحالة، يتزايد دعم البحث والتطوير في مختلف الدول، ولا سيما في مجالي الهيدروجين الأخضر والشبكات الذكية، وبخاصة في ألمانيا واليابان. غير أن معظم الدعم الموجَّه إلى هذه المنظومة في الدول الأعضاء في المنظمة انصبّ تاريخياً على سياسات النشر بدلاً من التمويل المباشر للبحث والتطوير. ويبدو هذا الاختلال واضحاً بشكل خاص في الاقتصادات الأوروبية، مما يشير إلى قصور محتمل في تحفيز الابتكار داخل منظومة شهدت تراجعاً في براءات الاختراع عبر تقنياتها الرئيسية منذ عام 2010. وفي منظومة تعتمد اعتماداً كبيراً على المواد الخام الحرجة، ويتركز موردو السلع الرأسمالية فيها في عدد قليل من الدول، قد يؤدي إيلاء الأولوية لدعم النشر على حساب دعم الابتكار إلى ترسيخ الاختناقات بدلاً من حلّها. ويصدق ذلك بوجه خاص في ضوء أن دولاً مثل الصين، وهي الفاعل الرئيسي في هذه المنظومة من حيث السلع الرأسمالية والمواد الخام، تقدم إعانات مباشرة كبيرة لشركاتها المحلية، مما يمنحها ميزة على منافسيها الأجانب. فضلاً عن ذلك، سبقت الإشارة إلى أن قطاع الكهرباء، رغم كونه جهة توظيف ذات شأن، لا يستأثر إلا بحصة محدودة من الوظائف الشاغرة في مجال الطاقة المتجددة. ومن ثم، فإن سياسات أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً قد تعود بالنفع على القطاعات العديدة الأخرى التي تضم مهناً مرتبطة بالطاقة المتجددة.

ويبدو أن السياسات المصممة لدعم منظومة السيارات قد اتجهت نحو دمج أقوى للتفكير القائم على المنظومات، وهو أمر بالغ الأهمية في قطاع يتأثر بشدة بالتحول المزدوج نحو التقنيات الخضراء والرقمية. وفي هذا المجال، يبدو إدراج الدعم للحلقات الأولى من سلسلة القيمة، كقطاع أشباه الموصلات، أمراً حاسماً لتعزيز القدرة على الصمود، على نحو ما أظهرته الصدمات الأخيرة المرتبطة بجائحة كوفيد 19. كما يتطلب المضي نحو المركبات المتصلة والمؤتمتة والتشاركية والكهربائية سياسات تدعم موردي التقنيات الرقمية، وهو مجال تؤدي فيه شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات دوراً محورياً.

ومن القطاعات الأخرى الواقعة في بداية سلسلة القيمة والتي حظيت بدعم حكومي مباشر صناعة البطاريات، إذ يشير إنشاء التحالف الأوروبي للبطاريات وما يرتبط به من تمويل في إطار المشاريع المهمة ذات الاهتمام الأوروبي المشترك إلى أن التفكير القائم على المنظومات بات يترسخ على نحو متزايد في صنع السياسات. وقد أدت حرب العدوان الروسية على أوكرانيا إلى ضغوط على أسعار الطاقة، مما أبرز بدرجة أكبر أهمية الاستقلال في مجال الطاقة القائم على الإنتاج المحلي للكهرباء من مصادر متجددة. ومن هذا المنظور، يمكن لمبادرات سياساتية مثل قانون خفض التضخم، الذي يتضمن إعفاءات ضريبية مرتبطة بالتصنيع والاستثمار لدعم منتجي المركبات الكهربائية والكهرباء المتجددة، أن تسهم في التحول نحو النقل الكهربائي.

كيف يمكن لنهج المنظومات الصناعية أن يدعم تحديد السياسات الملائمة؟

يتمثل الدرس الرئيسي على صعيد السياسات الذي تقدمه دراسات المنظومات الثلاث في أن السياسات الرامية إلى تعزيز منظومة ما لا ينبغي أن تستهدف مكوناتها الأساسية منفردة، بل ينبغي أن تستهدف تنوع الجهات الفاعلة التي تتألف منها والعلاقات التي تميزها. علاوة على ذلك، ينبغي لهذه السياسات أن تنظر فيما إذا كان الدعم يحتاج إلى تكييف بحسب الجهات الفاعلة المختلفة، بما فيها الأوساط الأكاديمية والمستثمرون والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، بحيث يتمكن جميع أصحاب المصلحة، بصرف النظر عن حجمهم، من الإسهام في نمو المنظومة والاستفادة منه. فالسياسات التي تقتصر على المكونات الأساسية قد تكون قاصرة النظر، لأنها قد تغفل عوامل من قبيل الابتكار النابع من الحلقات الأولى لسلسلة القيمة، والطلب في الأسواق اللاحقة، واختناقات سلاسل الإمداد، وغيرها من ديناميكيات المنظومة الحاسمة. وعلى المنوال نفسه، تؤكد سياسات الابتكار الموجهة نحو المهام ضرورة التنسيق بين السياسات المختلفة، وبين الجهات القائمة على الإشراف عليها، لمعالجة التحديات الكبرى الشاملة، كتلك التي يفرضها تغير المناخ على سبيل المثال. وهي مهمة شاقة تتطلب أجهزة عامة كفؤة، وبنية تحتية فعالة للبيانات، وانسجاماً مع الأولويات الوطنية، وتوافقاً عاماً واسعاً. وينبغي النظر في سياسات الابتكار والمهارات والمنافسة جميعها، إذ تسهم كلها في بناء منظومات أكثر حيوية وقدرة على الصمود.

وتكتسي السياسات المعززة للابتكار أهمية بالغة في جميع المنظومات المدروسة، لأنها تسهم في بناء القدرات اللازمة لتحقيق النجاح مستقبلاً. وتتاح لصانعي السياسات الساعين إلى دعم الابتكار أدوات متنوعة، منها الإعفاءات الضريبية للبحث والتطوير، والمنح المخصصة لنفقات البحث والتطوير، ودعم البحث العلمي في الجامعات، وغيرها. وقد أبرزت الأدبيات حتى الآن أن هذه الأدوات، ولا سيما الإعفاءات الضريبية، وبدرجة أقل وضوحاً إعانات البحث والتطوير، فعالة في زيادة الإنفاق على البحث والتطوير وتوليد الابتكارات. ويمكن أن يكون تأسيس تصميم هذه السياسات على نهج المنظومات الصناعية مفيداً، إذ يحدد تحليل براءات الاختراع الذي تناوله هذا الفصل مثلاً القطاعات والتقنيات التي تعتمد عليها الأجزاء الأساسية من المنظومة، والتي قد يلزم فيها دعم الاستثمار في البحث والتطوير. فعلى سبيل المثال، قد يكون دعم البحث والتطوير المقدم لشركات السيارات أقل فعالية إذا كانت الابتكارات الحاسمة تجري خارج الجزء الأساسي من المنظومة، في قطاعات مثل الحواسيب والإلكترونيات. ويمكن لصانعي السياسات إعادة موازنة حوافز البحث والتطوير بحيث تستهدف أيضاً قطاعات وتقنيات محددة في الحلقات الأولى من سلسلة القيمة (وهي في هذا المثال التقنيات الرقمية)، وتوظيف أدوات تكميلية لتيسير دخول الشركات الناشئة العاملة في هذه التقنيات إلى السوق. وقد سبق تقديم أدلة قوية على ذلك، إذ اتضح جلياً أن نسبة كبيرة من الابتكارات المتصلة بتقنيات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لا تنشأ من المكونات الأساسية للمنظومة. ومن المجالات الأخرى التي يمكن أن يفيد فيها نهج المنظومات صانعي السياسات معالجة اختناقات سلاسل الإمداد، إذ يُعدّ تحديد المواد الخام التي يصعب استبدالها، على نحو ما نوقش أعلاه بشأن منظومة الطاقة المتجددة، شرطاً مسبقاً لتصميم حوافز محددة للبحث والتطوير تستهدف المواد البديلة أو تقنيات إعادة التدوير.

ومن اللافت وجود أوجه تكامل قوية بين السياسات. فعلى سبيل المثال، قد لا يفضي تقديم الإعفاءات الضريبية للبحث والتطوير إلى نتائج ابتكارية عندما تنقص المهارات المطلوبة، لأن غيابها يميل إلى إعاقة تبنّي التقنيات المبتكرة. بل على العكس، قد يؤدي ذلك إلى ضغوط تضخمية على رواتب العاملين في البحث والتطوير، مع ما يترتب على ذلك من عواقب سلبية على وظائف الأعمال الأخرى. بيد أن دعم رأس المال البشري يُعدّ من أكثر المجالات صعوبة بالنسبة إلى صانعي السياسات، إذ قد يستغرق سنوات حتى يؤتي ثماره، ويعتمد عادةً على التعاون بين الأوساط الأكاديمية ومقدمي التعليم والتدريب التقني والمهني والشركات الخاصة. ويمكن لتبنّي نهج المنظومات الصناعية أن يفيد صانعي السياسات في هذا السياق أيضاً، إذ تبيّن أن الوظائف الشاغرة المرتبطة بتقنيات الطاقة المتجددة تنشأ من طيف واسع من القطاعات المتباينة، لا يقتصر على التصنيع والكهرباء، بل يشمل كذلك الأنشطة المهنية والعلمية والبناء والتمويل والتأمين. ومن ثم، فإن نهجاً قطاعياً بحتاً سيغفل كتلة حرجة من الوظائف المرتبطة بمنظومة الطاقة المتجددة. فضلاً عن ذلك، يمكن لهذا النهج أن يسلط الضوء على المهن المطلوبة في القطاعات الأساسية وغير الأساسية للمنظومة على حد سواء، لا في حلقات بعينها فحسب. ويساعد ذلك في التخفيف من المخاوف المحتملة من استقطاب العمالة بين الحلقات، التي قد تنشأ إذا خفّضت سياسة ما تكاليف العمل في حلقة واحدة، مما يؤدي إلى نقص في أماكن أخرى من المنظومة دون تحقيق أي منفعة صافية في المحصلة. ففي منظومة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثلاً، تشتد الحاجة حالياً إلى المهارات الرقمية في مختلف الصناعات، ومن شأن الاستثمار في التدريب على هذه المهارات تحديداً أن يحقق عائداً مزدوجاً. وتجنباً لاختناقات المواهب، ينبغي أن تتضمن استراتيجيات المنظومات الصناعية مبادرات لرفع المهارات وإعادة التأهيل والاحتفاظ بالمواهب، بما يضمن مواكبة تنمية رأس المال البشري للطموحات التكنولوجية وطموحات الاستدامة.

وتتعلق مجالات أخرى للتكامل بتمويل رأس المال الجريء وسياسات المنافسة. فقد أبرزت الأقسام السابقة أن الشركات الناشئة محركات اقتصادية حاسمة، تولّد الابتكارات وتنشرها، ولا سيما في مجال التقنيات الناشئة، مع أثر إيجابي على التوظيف وعلى الإنتاجية من خلال آثار إعادة تخصيص الموارد. وتواجه الشركات الناشئة ظروفاً أصعب من تلك التي تواجهها الشركات الراسخة، نظراً لافتقارها إلى الموارد وإلى سجل مالي في السوق، ومن ثم يغدو حصولها على تمويل رأس المال الجريء أمراً حاسماً. غير أن المراجعات العلمية للتدخلات العامة في هذا المجال توصلت إلى نتائج متباينة، إذ تشير بعض الدراسات إلى مشكلات المزاحمة وضعف أداء رأس المال الجريء المدعوم حكومياً مقارنة بنظيره الخاص، في حين تجد دراسات أخرى أداءً متقارباً بين الاثنين، وتخلص دراسات ثالثة إلى أن المزج بين رأس المال الجريء الخاص والحكومي يتفوق في أدائه على الصيغ الأخرى.

وعلى المنوال نفسه، تضطلع سياسة المنافسة بدور مهم في ضمان ألا تخنق الشركات الراسخة المهيمنة الابتكار عبر استراتيجيات استحواذ عدوانية، ولا سيما في سياق اقتصادي يتسم بتراجع ديناميكية الأعمال، وفي ضوء أدلة جديدة تتعلق بتراجع معدلات الابتكار لدى الشركات المستحوذ عليها. ومن اللافت أن المنافسة يُنظر إليها عادةً على أن أثرها في الابتكار يتخذ شكل حرف U مقلوب، فهو إيجابي حتى عتبة معينة وسلبي بعدها، لأن المنافسة المفرطة قد تقلص الموارد المتاحة للشركات للاستثمار. ويمكن لفهم الدور الذي تؤديه الجهات الفاعلة المختلفة في المنظومة أن يساعد في تحديد المواضع التي قد تستدعي التدخل، إذ قد يكون تراجع إسهام المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الابتكار ضمن منظومة الطاقة المتجددة مثلاً مرتبطاً بتزايد نشاط عمليات الاندماج والاستحواذ الذي يشهده هذا القطاع.

وإجمالاً، يشير التعقيد والترابط القائمان بين هذه السياسات، وربما بين سياسات كثيرة أخرى في مجالات مثل المشتريات العامة وبرامج ريادة الأعمال وسياسات سوق العمل وغيرها، إلى ضرورة التنسيق بين صانعي السياسات المسؤولين عن السياسات المختلفة، التي كثيراً ما تتولى إدارتها ورصدها وزارات وأجهزة مختلفة حتى عندما تُصمَّم مركزياً، وكذلك مع أصحاب المصلحة في المنظومة، على أن يستند هذا التنسيق إلى أدلة تجريبية متينة.

الاستنتاجات

يمكن للمنظومات الصناعية أن تشكل وحدة تحليل حاسمة لصانعي السياسات الساعين إلى تصميم سياسات صناعية تعزز نمو اقتصاداتهم وقدرتها على الصمود. وقد عرضت دراسات الحالة الثلاث المستخدمة في هذا الفصل، وهي السيارات والطاقة المتجددة والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مقاربات عملية لتحديد المنظومات الصناعية، من حيث حدودها وأصحاب المصلحة فيها على السواء، وسلطت الضوء على بعض التحديات الرئيسية التي تواجهها.

وتتضمن الرسائل الرئيسية ما يلي. أولاً، تظل التعريفات القطاعية ذات صلة، غير أن زيادة دقة التحليل وتفصيله تتيح مراعاة مكونات رئيسية، كالموردين في الحلقات الأولى من سلسلة القيمة والعملاء في حلقاتها اللاحقة، وعلاقات رئيسية، كروابط الابتكار، كانت ستُغفل في النهج القطاعي التقليدي. ثانياً، تضم المنظومات طيفاً من الجهات الفاعلة المتباينة، ويستند رسم خريطتها وتحديد الأدوار المحددة التي تؤديها وأهميتها النسبية إلى استخدام مجموعة واسعة من البيانات، كبيانات القيمة المضافة والتجارة وبراءات الاختراع والوظائف الشاغرة المعلنة عبر الإنترنت وغيرها. ثالثاً، تنشأ كثير من التحديات التي جرى وصفها، سواء في مجال التجارة أو رأس المال البشري أو الابتكار، في جزء محدد بوضوح من المنظومة، لكنها تميل إلى الامتداد إلى مجالات أخرى. رابعاً، يمكن للتصدي لأحد التحديات أن يعود بالنفع على غيره أيضاً، فالابتكارات المتولدة في الحلقات الأولى من سلسلة القيمة مثلاً تنساب إلى القطاعات اللاحقة، مع مكاسب في الإنتاجية تتجاوز الحدود القطاعية وتنعكس إيجاباً على الإنتاج والتجارة كذلك.

ولا يزال نهج المنظومات قابلاً للتحسين. فعلى سبيل المثال، لا تزال تحليلات كثيرة تعتمد على بيانات القيمة المضافة المتاحة حالياً على مستوى القطاعات المصنفة برقمين فقط، ومن شأن تحليل المنظومات استناداً إلى بيانات أكثر تفصيلاً أن يوفر رؤى أعمق لصنع السياسات. ثانياً، يمكن توسيع شبكة العملاء والموردين لتشمل علاقات أبعد، بهدف الكشف عن الاختناقات الخفية وتعزيز قدرة المنظومة على الصمود. ثالثاً، تركز التحليلات المعروضة في هذا الفصل على الشركات والقطاعات الصناعية والدول، في حين أبرزت الأدبيات في مجال المنظومات دور التجمعات والمناطق الصناعية المحددة جغرافياً، وهو ما لم يُؤخذ في الحسبان في هذا العمل.

ومن المجالات الواعدة لمزيد من البحث في المنظومات الاستفادة من بيانات ضريبة القيمة المضافة على مستوى الشركات لوصف التفاعلات بين الشركات. كما يمكن تحليل منظومات أكثر تفصيلاً، ومن أمثلة ذلك العمل الجاري على منظومة أشباه الموصلات، القائم على تصنيف يميّز بين أنواع مختلفة من الرقائق ومنشآت الإنتاج. ومع اتساع انتشار هذه المقاربات وتزايد مستوى دقتها وتفصيلها، سيغدو صانعو السياسات أقدر على اتخاذ تدخلات موجهة تستند إلى أدلة واضحة، لا تقتصر على استهداف مواطن الخلل المحددة فحسب، بل تعالج أيضاً بثقة الترابط القائم داخل المنظومات.

دراسة ذات صلة