القائمة الرئيسية

كتاب ما أوصلك هنا لن يوصلك هناك (3/1)

كتاب ما أوصلك هنا لن يوصلك هناك (3/1)
ملخص الكتاب

يتحدث الفصل الأول عن مفهوم ""البوصلة الداخلية"" التي توجه الأفراد في حياتهم المهنية والشخصية، مشيرًا إلى أن النجاح لا يعتمد فقط على المهارات، بل أيضًا على الوعي بالسلوك وتأثيره على الآخرين، مع أمثلة لشخصيات ناجحة تعاني من عادات صغيرة تعيق تطورها.

أنت هنا

هل تعرف تلك الخرائط التي تطالعك في المتاجر الكبرى، وتقول: أنت هناء؟ إن وظيفتها توجيهك في مكان تجهله لتخبرك عن مكانك ووجهتك، وكيف تصل إليها. ثمة أناس لا يحتاجون هذه الخرائط أبداً، فقد حباهم الله بوصلة داخلية توجههم تلقائياً، وهم يختارون دائماً الوجهة الصحيحة، فيصلون إلى مقصدهم في نهاية المطاف عبر المسار الأقصر. يمضي بعض الناس حياتهم مع هذا الإحساس الذي لا يخطئ بالاتجاه، وهو لا يقودهم في متاجر التسوق الكبرى فقط، بل في أثناء سني دراستهم وعملهم وزواجهم وصداقاتهم. نقول عندما تلتقي بأناس يتمتعون بهذه الحاسة إنهم على صلة وثيقة بالأرض، وإنهم يعرفون أنفسهم، ويعرفون أين هم ذاهبون تشعر بالأمان عندما تكون معهم، وتعلم أن أي مفاجأة تحدث لن تكون إلا مفاجأة سارة، إنهم أبطال ومثل أعلى في نظرنا. جميعنا يعرف أناساً من هذا النوع، وهم لبعض منا إما الأب أو الأم، أي من كانوا يمثلون ركائز أخلاقية في سنوات طفولتنا المضطربة. وهم عند بعضنا الآخر الزوج أو الزوجة ( أي النصف الحلوه)، وعند آخرين (مثلي أنا ) هم أستاذ جامعي كان أول من أيقظنا من أوهامنا ( سأتحدث المزيد عن هذا لاحقاً). وقد يكون مدرباً في العمل أو في المدرسة الثانوية أو بطلاً من كتب التاريخ مثل لينكولن أو تشرشل أو زعيماً دينياً مثل بودا أو محمد أو المسيح، وقد يكون أحد المشاهير أيضاً. أعرف شخصاً يحل جميع المعضلات التي تواجهه عبر طرح السؤال الآتي على نفسه كيف يتصرف بول نيومان في مثل هذا الموقف؟.

إن المشترك بين هؤلاء الأشخاص جميعاً هو إحساس رائع بأنفسهم يترجم إلى انطباع جيد يتركونه لدى الآخرين، قلة هم الناس الذين لا يحتاجون إلى مساعدة أبداً كي يصلوا إلى مقصدهم لأن لديهم نظام ملاحة خاصاً بهم. هؤلاء لا يحتاجون مساعدتي. من أقابلهم في أثناء عملي اليومي مدرباً لرجال الأعمال، أناس رائعون أضاعوا خريطة أنت هناء الداخلية الخاصة بهم، على سبيل المثال:

الحالة 1: كارلوس مدير شركة أغذية ناجحة، وهو لامع ومجتهد وصاحب خبرة كبيرة في مجال عمله، لقد ارتقى سلم النجاح من بدايته، حيث عمل في أرض المعمل. وترقى عبر المبيعات والتسويق إلى المرتبة الأعلى شديد النشاط ويحيط بكل جوانب عمله ويتمتع بحيوية وقدرة على التركيز تراه دائماً يتنقل بنشاط في مختلف أرجاء شركته ماراً بالموظفين ليرى ماذا يعملون وليتجاذب معهم أطراف الحديث يحب كارلوس الآخرين ويحب التحدث إليهم وخلاصة القول إن لدى كارلوس مجموعة ساحرة جداً من الصفات ما خلا الحالات التي يسبق فيها لسانه عقله. منذ شهر عرض عليه أعضاء فريق التصميم في الشركة أفكارهم الخاصة بتغليف خط جديد من المأكولات الخفيفة أعجب كارلوس بالتصاميم، ولكنه قدم اقتراحاً وحيداً: ما رأيكم في تغيير اللون إلى الأزرق الفاتح فاللون الأزرق يوحي بغلاء الثمن ويبدو متوجهاً نحو الزبائن الأثرياء. عاد المصممون أخيراً، فعرضوا عليه التغليف في صورته النهائية، أعجب كارلوس بالنتائج، ولكنه قال أعتقد أن اللون الأحمر سيكون أفضل على الحيرة والارتباك وجود جميع أفراد فريق التصميم. فقد قال لهم مدير شركتهم قبل شهر: إنه يفضل الأزرق الفاتح، وانكبوا على تصميم منتج نهائي وفقا لرغبته، ولكنه عاد فقير رأيه لقد غادروا الاجتماع محيطين ومستائين من كارلوس کارلوس شديد الثقة بنفسه ومعتاد على التعبير عن كل ما يجول بخاطره، لكنه لم يكن يدرك أن هذه العادة تكتسي أهمية كبرى مع ارتفاع المستوى الوظيفي، فلن يثير رأي كاتب ذي مستوى وظيفي متواضع اهتمام أحد في أي شركة، ولكن الجميع ينصت عندما يعبر مدير الشركة عن ذلك الرأي كلما ارتفعت مكانة الشخص أصبحت اقتراحاته بمنزلة الأوامر. وبينما كان كارلوس يعتقد أن الأمر لا يتعدى مناقشة فكرة للتحقق من صحتها اعتقد موظفوه أنه يزودهم بتعليمات مباشرة. وفي حين اعتقد أنه ديمقراطي مع الجميع لأنه يفسح لهم المجال للتعبير عن آرائهم كان موظفوه يعتقدون أنه ملك متوج على عرش مملكة كان يعتقد أنه يعطي الآخرين خلاصة خبرته، بينما اعتقد الموظفون أنه يدس أنفه في أتفه الأمور، فيتدخل في قضايا إدارية صغيرة. لم تكن لدى كارلوس أدنى فكرة عن الانطباع الذي يتركه لدى الموظفين.

إنه منهم بالعادة الثانية : إضافة أفكار هامشية. 

الحالة 2: تعمل شارون في مجلة مشهورة محررة هي فتاة مندفعة مفعمة بالحيوية والنشاط، وهي لبقة ذات شخصية قيادية. كانت مهارتها في التعامل مع الآخرين رائعة قياساً بقناة قضت معظم سنوات شبابها تعمل مع الكلمات والصور كان بإمكانها إقناع الكتاب المقصرين بأن ينجزوا أعمالهم في الوقت المحدد، وكانت قادرة على تشجيع موظفيها على البقاء في العمل حتى أوقات متأخرة ليلاً إذا قررت معالجة إحدى القضايا في اللحظة الأخيرة، وهي تعتقد أنها قادرة على إقناع أي شخص إن هي عقدت العزم على ذلك، وغالبا ما كانت دار نشر المجلة تدعوها إلى الاجتماعات مع المعلنين بسبب سحرها وقدرتها على تسويق المجلة. نتباهي شارون كثيراً بقدرتها على اكتشاف مواهب التحرير الشابة ورعايتها. والدليل على ذلك فريق التحرير اللامع والنشيط الذي كونته والذي يطلق عليه محررو المجلات المنافسة لقب الشارونيين لإخلاصهم شبه المطلق الشارون. لقد عملوا تحت قيادتها عدة سنوات وولاؤهم لها لا يتزعزع تقابل شارون مودتهم هذه بوفاء كبير، قد يبدو هذا الولاء مبالغاً فيه خاصة إن كنت تعمل الصالح شارون، ولكنك لست شارونياً بما يكفي. قدمت شارون في اجتماع التحرير الذي يعقد اليوم والذي يجري في أثنائه توزيع المهام المستقبلية على الموظفين، فكرة تصلح لأن تكون موضوع غلاف جيد، أثنت إحدى الشارونيات على الفكرة على الفور قائلة إنها رائعة، وكلفتها شارون القيام بالمهمة.

وتواصل الاجتماع على هذا النحو، إذ كانت شارون تقوم بتوزيع المهام المتميزة على موظفيها المفضلين الذين كانوا يقابلون بادرتها هذه بالتملق والموافقة على كل ما تقوله. إن كنت أحد محرري شارون المفضلين، فسيكون مهرجان الحب الذي حدث في اجتماع التحرير هو الحدث الأبرز لك في أثناء الشهر بأكمله، ومن جهة ثانية، إن لم تكن أحد محرريها المفضلين أو اختلفت معها في الرأي، فسوف يكون أسلوب حديثها معك في الاجتماع صريحاً فجاً، وبعد بضعة أشهر من هذه المعاملة ستبدأ بإرسال سيرتك الذاتية إلى مجلات أخرى. لم يكن هذا واضحاً لشارون بالرغم من خبرتها الكبيرة في التعامل مع الآخرين وإدراك دوافعهم. لقد كانت تظن أنها تتحلى بصفات القائد الناجح، وأنها تقوم بتطوير من يقاسمها رؤيتها بشأن المجلة، وتبني فريقاً متماسكاً يمكنه العمل بسلاسة. وبينما كانت شارون تعتقد أنها تشجع العاملين على التطور وعلى تحقيق نجاح يضاهي نجاحها كان العاملون من خارج دائرتها الضيقة يعتقدون أنها كانت تشجع على التعلق. 

إن شارون متهمة بالعادة الرابعة عشرة المحاباة .

الحالة 3 :مارتن مستشار مالي المؤسسة مرموقة في مدينة نيويورك، وهو يقوم بإدارة أموال أصحاب الدخل المرتفع إنه لا يقبل حساباً تقل قيمته عن خمسة ملايين دولار مارتن بارع جدا في عمله، ويحصل على أجر ضخم برقم من سبع خانات وبالرغم من أن هذا يقل بكثير عما يحصل عليه معظم زبائنه إلا أنه لا يحسدهم ولا يستاء منهم، فحب الاستثمار يجري في عروقه، إنه يسعى إلى تقديم خدمات قيمة إلى زبائنه المرموقين الموزعين بين رؤساء شركات ورواد أعمال عصاميين وبعض الوارثين يستمتع مارتن بقضاء الوقت مع زبائنه والتحدث إليهم بالهاتف وتقديم خلاصة خبراته على مائدة الغداء أو العشاء، ولا يضاهي متعته هذه سوى متعة تفوقه على باقي السوق بأربع. نقاط مئوية سنوياً. لا يعمل أحد تحت إدارة مارتن، فهو يعمل وحيداً في مؤسسته، ولا هم له سوى زبائنه ونيل رضاهم ورؤيتهم مسرورين بتحسن وضع محافظهم الاستثمارية عاماً تلو الآخر.

اليوم هو أحد أهم الأيام في حياة مارتن، فقد دعاه أحد أكبر عظماء المال في الولايات المتحدة الأمريكية لإدارة جزء من محفظته الاستثمارية، وغالبا ما يقوم أصحاب الثروات الهائلة بذلك، فهم يوزعون ملايينهم على عدة مديرين ماليين: ليؤمنوا نوعاً من الحماية الرؤوس أموالهم. إن أمام مارتن فرصة سانحة للانضمام إلى نخبة مديري المال لدى هذا القطب المالي، وإذا خالفه الحظ، فلا شك في أن فيضاً من الزبائن سيتدفق عليه نتيجة هذه العلاقة.

سيقوم مارتن بزيارة رجل الأعمال المرموق هذا في مكتبه الواقع في روكفلر سنتر. وهو يدرك أنها : فرصته الوحيدة ليترك انطباعاً جيداً لدى الرجل لديه ساعة واحدة فقط حتى ينال ثقته وملايينه. لقد قام مارتن بذلك مرات عدة، فهو يكتسي وقار المخضرمين وثقتهم بأنفسهم. عندما يقوم بتسويق نفسه إلى زبون محتمل، وهو أيضاً أفضل من يحطم أرقام العائدات القياسية في السوق، ولذلك لن يكون اجتيازه هذا الاختبار مستغرباً. وفور دخوله إلى مكتب رجل الأعمال الذي بادره قائلاً: حدثني قليلاً عن نفسك.. بدأ مارتن بتسويق خبراته ساعياً إلى إبهار قطب المال عبر سرد خلاصة عن أفضل إنجازاته شارحاً له بالتفصيل الممل منطقة الاستثماري وكيف أفلح في التفوق كثيراً على جميع منافسيه. وهو لا ينسى أن يذكر بعض زبائنه المرموقين ثم يجمل بعض أفكاره الخاصة بمحفظة قطب المال وباتجاهات الأسواق المختلفة على المدى القريب والبعيد. استمر مارتن على هذا المنوال لدرجة أنه لم يلاحظ انقضاء مدة الاجتماع المحددة بلمح البصر، وعند ذلك وقف رجل الأعمال وشكر مارتن على تخصيص هذا الوقت للقائه، فوجي مارتن بطريقته الفطنة في إنهاء الاجتماع، إذ لم تتح له فرصة سؤاله عن أهدافه ونظرته إلى المخاطرة وعن مواصفات مدير المحفظة الذي يبحث عنه، لكنه عندما استرجع في ذهنه تفاصيل الاجتماع، شعر بالرضا لأنه أفلح في تقديم صورة جيدة وفي حصد النقاط المهمة.

ولكنه تلقى في اليوم الثاني ملاحظة كتبها قطب المال والأعمال بخط يده يشكره فيها ثانية ولكنه يعلمه أنه سيتوجه في اتجاه آخر. لقد خسر مارتن الحساب، ولم تكن لديه أدنى فكرة عن السبب.

ظن مارتن أنه أقنع قطب المال والأعمال ببراعته المالية عبر البراهين الدامغة التي أوردها، ولكن قطب المال والأعمال قال: إنه مغفل مغرور، متى سيخطر له سؤالي عما يجول في خاطري؟ لن أسمح لهذا الرجل بالاقتراب من أموالي.

إن مارتن متهم بالعادة العشرين سعي مفرط إلى تحقيق الذات.

ليست القضية هي أن أولئك الناس يجهلون أنفسهم أو وجهتهم أو أهدافهم. وهي ليست أيضاً أن إحساسهم بإمكانياتهم الذاتية يخونهم، بل هم في الحقيقة ناجحون جداً (غالباً ما يكون تقديرهم لأنفسهم مبالغاً فيه. المشكلة هي أنهم لا يدركون الانطباع الذي يتركونه لدى الناس المهمين إليهم أي رؤسائهم وزملائهم ومرؤوسيهم وزبائنهم وعملائهم، وأن ذلك ليس جيدا في العمل أو في المنزل).

يعتقدون أن لديهم جميع الإجابات، ولكن الآخرين يعدون هذا غروراً. يعتقدون أنهم يسهمون في تنقيح أفكار الآخرين عبر تعليقات مفيدة، ولكن الآخرين يعدون هذا تطفلا. يعتقدون أنهم يفوضون غيرهم بالمهام على نحو فاعل، لكن الآخرين يعدون هذا تهرباً من المسؤولية. يعتقدون أنهم يلتزمون الصمت، ولكن الآخرين يعدون هذا سلبية. يعتقدون أنهم يفسحون المجال أمام الآخرين للتفكير بمفردهم، ولكن الآخرين يعتقدون أنهم يتجاهلونهم. يوماً بعد يوم تبدأ هذه الهفوات الصغيرة في مكان العمل بالإساءة تدريجياً إلى السمعة التي تكونت في أثناء حياتنا، فتنقلب هذه الإزعاجات الصغيرة إلى أزمة كبيرة. لماذا يحدث هذا؟ يحدث في أغلب الأحيان بسبب خلل في البوصلة الداخلية للأشخاص. أي لأنهم يصبحون غير مدركين لموقعهم بين زملائهم في العمل.

علق المخرج السينمائي هارولد راميس في مقالة نشرتها صحيفة ذا نيويوركر (The New Yorker) ، على الأسباب الكامنة وراء تراجع عمل تشيفي تشيس أحد نجوم فيلم كاديشاك (Caddy shack) الذي أخرجه راميس، قائلاً: هل سمعتم بمفهوم البوصلة الداخلية الذي تستطيع بواسطته معرفة وضعك الحالي وإلى أين أنت متجه؟ لقد أضاع تشيفي بوصلته الداخلية وفقد التواصل مع ما كان يقدمه للناس، وهذا غريب لأنك لا تستطيع تجسيد شخصية تشيفي في رواية لأن موقفه بأكمله هو شعور بالتفوق على الآخرين: أنا تشيفي تشيس وأنت لست كذلك. 

حسن أنا أعمل مدرباً لرجال أعمال ناجحين اضطربت قليلاً بوصلتهم الداخلية. ينظرون إلى خريطة حياتهم وعملهم، فتخبرهم الخريطة أنت هناء، ولكنهم لا يقبلون هذه الحقيقة، بل قد يقاومونها. وقد تتبادر إلى أذهانهم  على غرار مقولة تشيفي تشيس الشهيرة فكرة أنا ناجح ولكنك لست كذلك.. وهذا ما يؤدي بهم إلى القول: لماذا تتغير ما دام الوضع جيداً؟

أتمنى لو كانت لدي القدرة على جعلهم يدركون الحاجة إلى التغيير بلمح البصر، أتمنى لو كان باستطاعتي إحالتهم إلى غراوند هوغ داي (Groundhog Day) (وهو فيلم آخر من افلام راميس المفضلة لدي لأنه يتحدث عن كيف يمكن أن يتغير الناس للأفضل)، وأن أجعلهم يستعيدون يومهم نفسه، قد يكون أسوأ أيامهم من جديد مرة تلو الأخرى حتى يقوموا بإصلاح أساليبهم، أتمنى لو كنت قادراً على هزهم من أكتافهم وجعلهم يواجهون الحقيقة، أتمنى لو كان باستطاعتي تحويل عيوبهم الصغيرة إلى أمراض تهدد حياتهم لأن ذلك سيرغمهم على التغيير: خوفاً من ألم الموت.

ولكني لا أستطيع أن أفعل شيئاً من هذا. لكني عوضاً عن ذلك، أبين لهم آراء زملائهم. الحقيقية فيهم. وتدعى هذه العملية بالتعقيبات والملاحظات، وهي الأداة الوحيدة التي أحتاجها حتى أقول لأحدهم: أنت هناء أبين لكم في هذا الكتاب كيف يمكنكم استخدام ذلك السلاح مع أنفسكم ومع الآخرين. 

لا تستغرق عملية إخراجهم من المتاهة وإعادتهم إلى المسار الصحيح وقتاً طويلاً.

ليست المشكلات التي تحاول دراستها في هذا الكتاب أمراضاً تهدد الحياة ( برغم أنها قد تدمر المستقبل المهني لمن يتجاهلها طويلاً). وهي ليست اضطرابات عصبية متأصلة تحتاج سنوات من العلاج أو أطناناً من العقاقير. إنها في أغلب الأحيان أخطاء سلوكية صغيرة أي عادات سيئة نكررها عشرات المرات يومياً في مكان العمل، ويمكن معالجتها عبر: (أ) تشخيصها (ب) إظهار الضرر الذي تسببه للمحيطين بناء (ج) البرهان على أننا نستطيع عبر تعديل صغير في سلوكنا إحداث أثر أفضل بكثير.

يشبه هذا ممثلاً مسرحياً يخفق دائماً في أداء جملة مهمة في مسرحية هزلية، ويطيح بذلك بأي فرصة لإضحاك الجمهور يجب على المخرج أن يلاحظ هذا وأن يقوم بتغيير أداء الممثل، بحيث تطلق هذه الجملة العنان لضحكات الجمهور ستفشل المسرحية دون إضحاك الجمهور. وإن أخفق الممثل في تعديل أدائه، فسيجد المنتج أحداً غيره يستطيع القيام بذلك. 

فليكن اجعلوني مخرجاً حريصاً على عمله يساعدكم على إنتاج أعلى مردود من أدواركم.

قال لي أحد الصحفيين ذات مرة إن أهم ما تعلمه في أثناء مسيرته المهنية هو: إن فاصلة موضوعة في مكان خاطئ تستطيع إفساد الجملة كلها.. قد تكون لديك المهارات التي يحتاجها الصحفي ويمكنك تحري حقائق مثل فريق محطة سي إس أي (CSS) وإجراء مقابلات مع الناس كما لو أنك تعرفهم منذ زمن بعيد وإظهار التعاطف مع الضحايا وشجب الأشرار وصياغة الكلمات بمهارة ضمن الوقت المحدد وإبداع استعارات بليغة تبهر القراء. وبرغم ذلك ستطيح بعملك كله خطيئة صغيرة مثل وضع فاصلة في غير موضعها. اجعلوني مدفقاً لغوياً ودوداً يقيكم من أخطاء علامات الترقيم.

أخبرني أحد كبار الطباخين في أحد المطاعم المفضلة لدي في سان دييغو أن الوجبات التي يحضرها تنجح أو تفشل بسبب أحد المكونات السرية ( يرفض الكشف عنها كما هي الحال مع وصفة كوكاكولا التي يجري كتمانها بشدة تعود الأطباق إلى المطبخ نصف معلومة عندما لا أضيفها، بينما تعود الأطباق فارغة عند إضافتها إلى وجباتي بالكمية المناسبة.

اجعلوني زبوناً صادقاً في مطعم يعيد لك الوجبة دون أن يمسها حتى يخبرك أن ثمة شيئاً ناقصاً فيها. 

ممثلون يسيئون التعامل مع جملة، وكتاب يسيئون استخدام الفاصلة، وطهاة ينسون إضافة مكون رئيس هذا هو ما تتحدث عنه هنا في مكان العمل الناس الذين يقومون بشيء مزعج بنحو متكرر في عملهم ولا يدركون أن هذا الخلل الصغير قد يخرب مسيرتهم المهنية اللامعة، والأسوأ من ذلك أنهم لا يدركون (أ) أنه موجود و (ب) أن بإمكانهم معالجته.

اجعل هذا الكتاب خريطة تستطيع جعل متاهة مليئة بالانعطافات الخاطئة في مكان العمل خطاً مستقيماً متجهاً نحو الأعلى. نحن ننتقل دائماً من هناء إلى هناك، في أثناء مسيرة مهنية طويلة.

قد يكون هناء مكاناً رائعاً، وإن كنت ناجحاً، فإن هناء هو تماماً المكان الذي ترغب في الوصول إليه هناء مكان قد تكون فيه مدير شركة مزدهرة أو أو محرراً لإحدى أبرز المجلات في الولايات المتحدة أو مديراً مالياً مطلوباً من الجميع.

ولكن هنا أيضاً مكان يمكن أن تحقق فيه نجاحاً برغم بعض العيوب في سلوكك أو في مظهرك الشخصي.

وهذا هو سبب رغبتك في أن تصبح هناك. قد يكون هناك مكان أفضل مكان قد تكون فيه رئيس مجلس إدارة ينظر إليه كأنه قائد عظيم لأنه لا يعيق عمل موظفيه أو محرراً رائعاً يؤسس فريقاً قوياً ويعامل جميع مرؤوسيه باحترام أو مديراً مالياً يصغي جيداً ويقدم الرسالة التي تعبر عن اهتمامه بأهداف زبائنه أكثر من اهتمامه بحاجاته الخاصة. ليس ضرورياً أن تكون رئيس مجلس إدارة أو مدير تحرير أو مديراً مالياً مبدعاً حتى تستفيد من هذا الكتاب انظر إلى خريطتك الشخصية الخاصة تتبع المسافة بين رؤيتك ل هنا وهناك.

أنت ""هنا"" يمكنك الوصول إلى ""هناك"".

ولكن يجب عليك إدراك أن ما أوصلك إلى هناء لن يوصلك إلى هناك.فلنبدأ رحلتنا.

 

كتب ذات صلة