القائمة الرئيسية

كتاب ما أوصلك هنا لن يوصلك هناك (3/2)

كتاب ما أوصلك هنا لن يوصلك هناك (3/2)
ملخص الكتاب

ملخص: يتناول الفصل الثاني قصة تحول الكاتب من مستشار لمديري الموارد البشرية إلى مدرب شخصي لرجال الأعمال الناجحين، بدءًا من مكالمة مع رئيس شركة كبرى طلب مساعدته لتغيير سلوك مدير موهوب لكنه متعجرف. يوضح الكاتب منهجيته في تدريب القادة، من جمع الملاحظات بزاوية 360 درجة إلى مواجهة العملاء بآراء الآخرين وتعليمهم الإصغاء والاعتذار وطلب المشورة لتحسين سلوكهم. يؤكد أن نجاح الأفراد لا يتوقف عند مهاراتهم، بل يتطلب مواجهة نقاط ضعفهم والسعي المستمر للتطور، مستشهداً بتشبيه بين القادة ولاعبي الغولف في سعيهم للتحسن.

كفانا حديثاً عنك

لتتحدث على أنا من عساي أكون حتى أقول لك: كيف تتغير؟

بدأت مهنتي مدرباً لرجال الأعمال عبر مكالمة هاتفية تلقيتها من مدير شركة فورتشن 100. كنت قد فرغت من تنفيذ ورشة عمل قيادية لمديرية الموارد البشرية في شركته كان ذلك هو عملي في أواخر ثمانينيات القرن العشرين تقديم استشارات الأقسام الموارد البشرية بشأن اكتشاف القادة المستقبليين في شركاتهم ووضع برامج لجعلهم قادة أفضل. حضر رئيس مجلس الإدارة الجلسة ولا بد أنه سمع أمراً أعجبه، فقام بتخصيص جزء من وقته الثمين جداً لمكالمتي هاتفياً. كانت هناك فكرة تدور في خلده. قال لي: يا مارشال، ثمة شاب في شركتنا يدير قسماً مهماً، ويتمكن في كل فصل من تحقيق الأهداف المحددة له وأكثر. إنه شاب ذكي مخلص خلوق نشيط مجتهد خلاق يتمتع بشخصية قيادية، لكنه متعجرف عنيد يزعم أنه يعرف كل شيء. والمشكلة أن شركتنا تتبنى قيم العمل الجماعي والجميع متفق أنه لا يحب العمل الجماعي، لقد أمهلته سنة واحدة كي يتغير وإلا فعليه ترك الشركة. ولكن ليكن معلوماً لديك أن تغيير سلوكه يساوي ثروة لناء جعلتني كلمة ثروة، أشنف أذني لقد كنت حتى ذلك الحين أقوم بتدريس مجموعات كبيرة من القادة طرق تغيير السلوك، أي سلوكهم وسلوك أقرانهم وسلوك مرؤوسيهم المباشرين، ولم يسبق لي العمل مع مدير بمفرده وبالتأكيد لم يسبق لي العمل مع شخص لا تفصله سوى خطوة واحدة عن كرسي رئيس مجلس الإدارة في شركة تزيد ميزانيتها عن عدة مليارات من الدولارات كنت أجهل ذلك الشخص، ولكني تمكنت من تكوين فكرة جيدة عنه عبر وصف رئيس مجلس الإدارة المقتضب. إنه شخص مدمن على النجاح تفوق في جميع مراحل سلم الإنجازات كان يعشق الانتصار في جميع المجالات سواء في العمل أو في كرة القدم أو في لعبة البوكر أو حتى في جدال مع شخص غريب بإمكانه التأثير في الزبائن وإقناع الجميع وجعلهم يقفون في صفه في أثناء الاجتماعات وبمقدوره تشجيع رؤسائه على مساعدته على ارتقاء سلم النجاح في مؤسسته كانت الإمكانيات الكبيرة التي يتمتع بها بادية على محياه منذ أن وطئت قدماء أرض الشركة، وهو يتمتع باستقلال مادي أيضاً، أي أن الديه من المال ما يغنيه عن العمل. هذه المكونات كلها، أي الموهبة والسحر والذكاء ومسار النجاح المتواصل والرصيد المالي المفسد الذي يجعله يعتقد أن بإمكانه تغيير وجه العالم، جعلت من هذا الشخص خلطة قوية الأثر من العناد والاعتداد بالنفس وعدم تقبل النقد. كيف لي أن أساعد هذا الشخص على التغيير، وهو شخص تؤكد جميع تفاصيل حياته، من راتبه إلى مسماه الوظيفي إلى مئات المرؤوسين الذين ينفذون تعليماته يومياً، أنه يقوم بكل شيء على أكمل وجه والأكثر أهمية من هذا حتى لو كانت لدي فكرة عامة عن السبيل إلى إنجاز المهمة فما الذي يدفعني إلى ضرب رأسي بمثل هذا الجدار تحديداً؟

لقد أثارني التحدي وأثارتني كلمة ثروة. لقد سبق لي العمل في تدريب كثير من المديرين متوسطي المستوى بطريقة جماعية، وكان هؤلاء الناس قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى النجاح، ولكنهم لم يحققوه بعد هل ستنفع أساليبي مع مستوى أكثر نخبة من المديرين؟ هل بإمكاني تدريب شخص حقق نجاحاً باهراً حتى يصبح أكثر نجاحاً؟ سيكون ذلك اختياراً مثيراً. قلت لرئيس مجلس الإدارة قد أكون قادراً على المساعدة. فأجابني متنهداً: أشك في هذاء، قلت: سأعمل معه مدة عام، إن تحسن فادفع لي، وإن لم تلحظ تحسناً فلا تدفع سنتاً واحداً.. ركبت الطائرة في اليوم اللاحق عائداً إلى نيويورك للقاء رئيس مجلس الإدارة وذلك المدير.

حدث ذلك قبل عشرين عاماً، وعملت شخصياً منذ ذلك الوقت مع أكثر من منه مدير يعاني الحالة نفسها : ذكاء حاد وثروة وإنجازات وخلل واحد على الأقل على صعيد التعامل مع الآخرين يضر كثيراً بمسيرته المهنية.

وهذا ما أقوم به حالياً، فأنا أحمل شهادة الدكتوراه في السلوك المؤسساتي من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وتمتد خبرتي في قياس وتحليل السلوك في المؤسسات إلى 29 عاما، وأقوم حاليا بتطبيقها وجها لوجه مع أشخاص ناجحين يرغبون في أن يكونوا أكثر نجاحاً، وليست مهمتي جعلهم أكثر ذكاء أو ثراء بل مساعدتهم على تحديد عادة شخصية تزعج زملاءهم في العمل ثم إعانتهم على التخلص منها حتى يستعيدوا مكانتهم في المؤسسة ومهمتي هي مساعدتهم على إدراك أن المهارات والعادات التي أوصلتهم إلى هذا المستوى قد لا تضمن لهم إحراز مزيد من التقدم.

ما أوصلهم إلى هذه المرحلة لن يوصلهم إلى أفضل منها.

برغم أهمية هذا الجانب من عملي فإنني لا أعمل مع فائقي النجاح فقط، بل أكرس جل وقتي لتدريس من يقبعون في المستوى الذي يسبق مستوى الإدارة الأعلى في السلم الوظيفي في مؤسساتهم، فهم يحتاجون إلى المساعدة أيضاً، وليس ثمة رابط بين موقع فرد ما في الهيكل الإداري الهرمي للشركة وبين رأي زملائه في طريقة تعامله مع الآخرين. وليس مديرو المستوى المتوسط بأكثر حصانة من رؤساء مجالس الإدارة من أن ينظر إليهم على أنهم متعجرفون لا مبالون أفظاظ يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء الجمهور الذي أتوجه إليه هو المجموعة الضخمة من الناس الذين يعدون أنفسهم ناجحين ويسعون لأن يكونوا أكثر نجاحاً.

أقوم بتدريب الناس على حسن التصرف في مكان العمل عبر إخضاعهم لنظام سهل. لكنه قاس. أحاول أولاً استخراج تعقيبات وملاحظات شاملة بزاوية 360 درجة، من زملائهم. في المستويات العليا والدنيا ومن أقرانهم في السلم الوظيفي ومن أفراد الأسرة في أغلب الأحيان حتى أتمكن من تكوين تقويم شامل لنقاط قوتهم وضعفهم.

ومن ثم أواجههم بأراء الآخرين الحقيقية فيهم وبعد تقبلهم هذه المعلومات وإقرارهم بوجود فرصة للتحسن والتزامهم بتغيير ذلك السلوك، أنتقل إلى تعليمهم كيفية القيام بذلك. إنني أساعدهم على الاعتذار من كل من تضرر من سلوكهم الخاطئ لأنه السبيل الوحيد المحو الفكرة السلبية المترافقة مع أعمالنا السابقة وأطلب من أولئك الأشخاص أنفسهم مساعدتهم على التحسن وأنا أساعدهم على الإعلان عن مسعاهم للتحسن لأنك يجب أن تخبر الناس أنك تحاول أن تتغير، فهم لن يلاحظوا ذلك من تلقاء أنفسهم. ومن ثم أساعدهم كل شهر تقريباً عبر عملية المتابعة الدقيقة مع زملائهم لأنها الطريقة الوحيدة الموثوقة المعرفة مدى تحسنك، والتي ستذكر الآخرين أنك لا تزال تحاول. وكجزء عضوي من عملية المتابعة هذه، أعلم زبائني الاستماع دون حكم مسبق إلى ما يقوله زملاؤهم وأصدقاؤهم وأفراد أسرهم، أي الإصغاء دون مقاطعة أو جدال. وأنا أبين لهم أيضاً أن الاستجابة الوحيدة المناسبة لكل ما يتناهى إلى أسماعهم هي التعبير عن الامتنان أي أنني أعلمهم قول كلمة شكراً، دون المبالغة فيها أو إفراغها من معناها، وأنا أحد أشد مؤيدي التعبير عن الامتنان. أقوم في النهاية بتعليمهم معجزة التماس الأفكار والاقتراحات، وهي منهجيتي الفريدة أي خلطتي الخاصة لاستخراج النصيحة من الآخرين عما يمكنهم عمله في المستقبل حتى يتحسنوا. قد يظن أصحاب الإنجازات الباهرة أن هذا النظام يقلل من شأنهم، ولكنهم يتحسنون بعد مدة تتراوح بين 12 و 18 شهراً، لا من وجهة نظرهم وحدهم، بل من وجهة نظر زملائهم في العمل، وهذا أكثر أهمية. إنها عملية سهلة، ولكن ما وصل بي إلى هناء يمكن أن يملأ كتاباً كاملاً هو هذا الكتاب). وأسارع فأضيف أنه كتاب يمكنه مساعدة عدد كبير من الناس، وليس فقط فائقي النجاح الذين يحيطون بنا، وإلا لكان ذلك شبيهاً بوضع كتيب تعليمات عن لعبة الغولف موجه فقط إلى لاعبي بطولة اتحاد الغولف للمحترفين، سيكون عملاً جيداً، ولكنه يفيد 0.00001 من عالم لاعبي الغولف فقط، وهو لا يستحق ذلك العناء.

إنني أكثر من إجراء المقارنات مع لعبة الغولف لأني أعيش بالقرب من ملعب للغولف. حيث يمكنني مراقبة اللاعبين، وأنا مقتنع أن لا شيء أكثر صلة بقضية مساعدة الناجحين على التحسن من تعليمات الغولف تظهر على لاعبي الغولف أعراض الناجحين كافة، بل لعلها تظهر أكثر حدة. وهذا لسبب واحد فقط لأنهم مخدوعون بنجاحهم، فهم يزعمون ( ولعلهم يعتقدون حقاً) أن أداءهم أفضل مما هو عليه في حقيقة الأمر. وإذا حققوا نتيجة باهرة في جولة واحدة من أصل مئة، فسرعان ما تصبح هذه الجولة الاستثنائية هي التي تعبر عن مستواهم الطبيعي إن لاعبي الغولف مخدوعون أيضاً بطريقة تحقيقهم للنجاح، ولذلك يمنحون أنفسهم ضربة ثانية ( تدعى (موليغان عندما يخطئون في الضربة الأولى، ولذلك أيضاً يقومون بتحريك الكرة عندما تستقر في موقع صعب أو بسهولة يتجاهلون احتساب الضربات الخاطئة، أو يتلاعبون بالقواعد وبتسجيل النقاط، إنهم يقومون بهذا كله سعياً إلى تجميل إخفاقاتهم وادعاء الفضل عند تحقيقهم نتائج أفضل مما يستحقون. ويميل لاعبو الغولف مثلهم مثل رجال الأعمال لأن يكونوا مخدوعين بنقاط ضعفهم التي ينكرون وجودها. ولذلك يقضون معظم وقتهم يتدربون على ما يتقنونه سلفاً ويقضون وقتاً أقل في التدرب على النواحي التي تحتاج حقاً إلى تطوير. ما هو وجه الاختلاف بين هذه الصفات وصفات المدير الذي يزعم لنفسه الفضل في النجاح أكثر مما يستحق، والذي يتلاعب بالحقيقة لاكتساب أفضلية، والذي يظن أنه قوي في النواحي التي يدرك الجميع أنه ضعيف فيها؟ يتمتع لاعبو الغولف بمزية نبيلة جداً مثلهم مثل القادة الذين أدربهم: مهما كانوا بارعين فجميعهم يسعى لأن يصبح أفضل، ولهذا السبب يواظبون على التمرين وعلى تحديد مواعيد للدروس ويحاولون استخدام أدوات جديدة وتغيير أسلوبهم، ويتكبون على قراءة التعليمات في المجلات والكتب.

هذا ما دفعني لوضع هذا الكتاب. إنه يتوجه إلى كل من ينشد التطور في العمل والمنزل أو في أي مكان آخر. إذا تمكنت من مساعدتك على التفكير في أنك برغم نجاحك الواضح وتقديرك الكبير لنفسك، قد لا تكون جيداً بقدر ما تظن، وفي أننا لدينا جميعاً ثغرات في تركيبنا السلوكي تدعو إلى القلق وفي أن تحديد هذه الهفوات بدقة ومعالجتها أمر ممكن فعند ذلك أستطيع ترك العالم، وعالمك أيضاً، وهو بحال أفضل من الحال التي وجدته عليها. حسن كفانا حديثاً علي، ولنعد إليكم.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة