الفصل الرابع: البنية التحتية والتحول الإنتاجي في وسط أفريقيا
يحدد هذا الفصل الكيفية التي يمكن بها لتطوير البنية التحتية أن يسهم في التحول الإنتاجي في وسط أفريقيا، الذي يضم بوروندي والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وجمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية والغابون وساو تومي وبرينسيبي. ويبدأ الفصل بتحليل احتياجات الاستثمار في البنية التحتية والتمويل الحالي في الإقليم ككل وفي كل بلد من بلدانه، ثم يحلل مدى إسهام الخطط الإقليمية والوطنية للبنية التحتية في التحول الإنتاجي، ويؤكد أخيراً أهمية قدرات التخطيط والموازنة والرصد لتطوير البنية التحتية في الإقليم.
باختصار
يمكن للاستثمار في البنية التحتية للنقل والاتصالات الرقمية أن يسرّع التحول الإنتاجي في وسط أفريقيا. فحتى الآن، قيدت الفجوات في البنية التحتية التجارة البينية الإقليمية تقييداً شديداً، إذ لم تمثل سوى 1.6% من إجمالي صادرات وسط أفريقيا في عام 2023. ولسد هذه الفجوة، يلزم استثمار سنوي قدره 15 مليار دولار حتى عام 2040، يُوجَّه أساساً إلى البنية التحتية للنقل بنسبة 74% والاتصالات الرقمية بنسبة 18%. ومن شأن هذا المستوى من الاستثمار أن يمكّن الإقليم من بلوغ مستويات الإنتاجية المسجلة في البلدان النامية المماثلة، وأن يرفع نمو الناتج المحلي الإجمالي بمتوسط 6.2 نقاط مئوية سنوياً. غير أن التمويل يظل عقبة كبيرة؛ فبين عامي 2016 و2020، عبأ وسط أفريقيا نحو 6 مليارات دولار سنوياً، أي ما يعادل 7% فقط من إجمالي الالتزامات لتطوير البنية التحتية في أفريقيا.
ويُعد التحديد الاستراتيجي للأولويات والحوكمة الفعالة أمرين أساسيين لتحسين توزيع تمويل البنية التحتية وتعبئته. فقد أعاق التقدم في تطوير البنية التحتية الإقليمية تخطيط متدني الجودة وتداخل العضويات الإقليمية وضعف التزام الفاعلين الوطنيين. ويمكن لاستراتيجية موحدة للبنية التحتية متعددة القطاعات، تركز على سلاسل القيمة ذات الأولوية وعلى مشاريع منتقاة بعناية وقابلة للتمويل، أن تساعد في اجتذاب مزيد من التمويل، كما تبين المرحلتان الأولى والثانية من مبادرة مشاريع التكامل التابعة للجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا. ويُعد وجود إطار مؤسسي داعم ذي قدرات قوية في الموازنة والتنفيذ والرقابة أمراً جوهرياً كذلك لتعزيز ثقة الممولين. ففي عام 2023، لم تواءم مشاريع البنية التحتية بمشاركة القطاع الخاص مع الأولويات الوطنية سوى وحدات الشراكة أو الوكالات المماثلة في ثلاثة من البلدان الستة المشمولة بالاستطلاع، وافتقر معظم المشاريع إلى تقييمات متينة لاستدامتها المالية والاجتماعية والبيئية.
الاستثمار في النقل والبنية التحتية الرقمية التي تربط المراكز الاقتصادية يمكن أن يدعم التحول الإنتاجي في وسط أفريقيا
تحتاج بلدان وسط أفريقيا إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية لدفع التحول الإنتاجي. فلبلوغ مستويات التحول الإنتاجي الملحوظة لدى نظيراتها النامية في مناطق العالم الأخرى، سيتعين على بلدان الإقليم استثمار نحو 15 مليار دولار سنوياً حتى عام 2040. ويمثل هذا المبلغ أدنى حاجة استثمارية بين جميع الأقاليم الأفريقية بالأرقام المطلقة، ويعود ذلك إلى صغر حجم اقتصادات وسط أفريقيا نسبياً وانخفاض احتياجات الصيانة الناجم عن محدودية الرصيد المادي من البنية التحتية. ومع ذلك، يظل هذا المبلغ ممثلاً 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم في عام 2024، أي أعلى من المتوسط القاري البالغ 5.6%. وتستأثر جمهورية الكونغو الديمقراطية بنسبة 64% من إجمالي الاحتياجات الاستثمارية، تليها تشاد بنسبة 12% ثم الكاميرون بنسبة 8%. ومن شأن بلوغ هذه الأهداف الاستثمارية أن يرفع النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الإقليم بمتوسط 6.2 نقاط مئوية. ومع ذلك، عبأ وسط أفريقيا بين عامي 2016 و2020 أدنى حصة من التمويل المتصل بالبنية التحتية بين جميع الأقاليم الأفريقية، بمتوسط 6 مليارات دولار سنوياً، أي 7% من إجمالي الالتزامات.
ستكون زيادة الاستثمارات في النقل والبنية التحتية الرقمية أساسية لربط المراكز الاقتصادية في الإقليم. فبلدان وسط أفريقيا لا تزال دون المتوسط القاري من حيث كمية البنية التحتية وجودتها في جميع القطاعات. ويظل نقص النقل والربط الرقمي عائقاً كبيراً أمام التكامل الإقليمي، إذ يصعب تجاوز المسافات الطويلة بين مراكز اقتصادية متفرقة، كثيراً ما تفصل بينها مناطق حساسة بيئياً كغابات حوض نهر الكونغو. فلا يتجاوز الجزء المعبد من شبكة الطرق في الإقليم 16%، ولا يحصل على الإنترنت سوى نحو 20% من السكان. وتقيد هذه الفجوات في البنية التحتية التجارة الإقليمية التي لم تمثل سوى 1.6% من إجمالي صادرات وسط أفريقيا في عام 2023. وانعكاساً لهذه التحديات، يمثل النقل والبنية التحتية الرقمية 74% و18% على التوالي من الاستثمارات اللازمة في الإقليم.
يحد تفاقم عبء الدين من قدرة حكومات وسط أفريقيا على الاستثمار في البنية التحتية. فوسط أفريقيا صاحب أدنى إنفاق عام على البنية التحتية في القارة، بمتوسط 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامي 2019 و2020، وهي نسبة قريبة من نسبة شمال أفريقيا البالغة 1.2%، لكنها أدنى كثيراً من نسبة الجنوب الأفريقي البالغة 2.4%. ويمكن أن يُعزى تدني مستويات الاستثمار جزئياً إلى المديونية المرتفعة، إذ تنفق بلدان الإقليم على خدمة الدين، أي سداد القروض وفوائد الدين السيادي، 3.5 أضعاف ما تنفقه على الاستثمار في البنية التحتية. وتماثل هذه النسبة المتوسط المسجل في شمال أفريقيا البالغ 3.6 أضعاف، لكنها تفوق النسب الملحوظة في شرق أفريقيا وغربها البالغة 2.5 ضعف وفي الجنوب الأفريقي البالغة 1.6 ضعف. وإجمالاً، ارتفع متوسط تكلفة خدمة الدين من 3.0% من الإنفاق العام في عام 2010 إلى 11.1% في عام 2024، مع ذروات بلغت 25% في جمهورية الكونغو. أما البلدان التي تخصص حصة أكبر من ناتجها المحلي الإجمالي للبنية التحتية، كالكاميرون بنسبة 3.0% وجمهورية أفريقيا الوسطى بنسبة 2.4%، فتخصص لخدمة الدين مبالغ مماثلة لما تستثمره في البنية التحتية. وفي المقابل، تنفق جمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون، اللتان تخصصان أقل من 1% من ناتجهما المحلي الإجمالي للبنية التحتية، على خدمة الدين ما بين سبعة وتسعة أضعاف ما تنفقانه على تطوير البنية التحتية. وبينما شهدت الغابون ارتفاع تكاليف خدمة الدين من 13.6% من الإنفاق العام في عام 2010 إلى 46.6% في عام 2020، قد يعكس محدودية الاستثمار العام في جمهورية الكونغو الديمقراطية إعطاء الأولوية لقطاعات أخرى في الإنفاق العام.
مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار في البنية التحتية محدودة وتتركز في عدد قليل من البلدان. فهذه المشاركة في وسط أفريقيا هي الأدنى في القارة، إذ لم يُستثمر سوى 6.4 مليار دولار بين عامي 2016 و2023، معظمها في قطاعي الطاقة بنسبة 49% والنقل بنسبة 39%. واجتذبت الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون 94% من القيمة المستثمرة و75% من مشاريع الإقليم. وكثيراً ما يُشار إلى ضعف الحوكمة بوصفه تحدياً كبيراً في الإقليم، إذ يثني عدم اليقين القانوني والسياسي والمؤسسي المستثمرين المحتملين. وتشير التقارير المتعلقة بنشاط رأس المال الخاص في أفريقيا إلى أن بلدان وسط أفريقيا لم تسجل في عام 2024 سوى ثلاث عمليات لرأس المال الخاص، مقابل 129 في الجنوب الأفريقي و105 في غرب أفريقيا و99 في شرقها و77 في شمالها. ووفقاً لمؤشرات الحوكمة العالمية، كان وسط أفريقيا في عام 2023 الإقليم الأفريقي صاحب أدنى تصنيف في مجالات كمكافحة الفساد وجودة التنظيم وفاعلية الحكومة. وبحسب إحدى الدراسات، قد يؤدي تحسين جودة المؤسسات إلى زيادة الاستثمار الخاص في البنية التحتية بما يصل إلى 1.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في بلدان كالغابون.
يتلقى وسط أفريقيا تمويلاً محدوداً للبنية التحتية قياساً إلى حجم سكانه. فقد بلغ التمويل الإنمائي الرسمي في المتوسط 944 مليون دولار سنوياً بين عامي 2019 و2023، أي ما يعادل 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للإقليم، وركد عند نحو 800 مليون دولار سنوياً في عام 2020، مركزاً أساساً على النقل والطاقة. وبين عامي 2019 و2023، تلقى وسط أفريقيا بحساب نصيب الفرد نحو 5 ملايين دولار لكل مليون نسمة، مقابل ما بين 8 و9 ملايين في شرق أفريقيا والجنوب الأفريقي وغرب أفريقيا، وما يصل إلى 17 مليوناً في شمال أفريقيا. والتوزيع غير متكافئ داخل الإقليم، إذ استحوذت الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية على 62% من إجمالي التمويل الإنمائي الرسمي خلال الفترة. وفي المقابل، لم تمثل بلدان هشة كتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، اللتين سجلتا على التوالي ثاني ورابع أكبر احتياجات استثمارية في الإقليم، سوى نحو 11% من إجمالي المصروفات.
تحضر اعتبارات النوع الاجتماعي في مشاريع البنية التحتية في وسط أفريقيا أكثر مما تحضر في بقية القارة. فبين عامي 2020 و2023، أدمجت 35% من المساعدة الإنمائية الرسمية للبنية التحتية المقدمة من أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية أهدافاً تتعلق بالنوع الاجتماعي بشكل أو بآخر، وهي أعلى نسبة بين جميع الأقاليم الأفريقية. وقد ينجم هذا التركيز عن قلة عدد المشاريع نسبياً في وسط أفريقيا، مما يدفع المانحين إلى إيلاء اهتمام أكبر لقضايا النوع الاجتماعي وتعظيم الأثر الإنمائي.
التحديد الاستراتيجي للأولويات وتعزيز القدرات على تنفيذ المشاريع أمران أساسيان لتطوير أكثر فاعلية للبنية التحتية
التركيز على ممرات التنمية وتعزيز التنسيق بين جميع مستويات الحكومة يمكن أن يدعما تحديد أولويات مشاريع البنية التحتية
اتسم تخطيط البنية التحتية الإقليمية في وسط أفريقيا بالتجزؤ، مما أخر تنفيذها. فقد استندت جهود تطوير البنية التحتية الإقليمية إلى خطط قطاعية متعددة صادرة عن منظمات تختلف عضويتها، هي الجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا التي تضم الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وغينيا الاستوائية والغابون وجمهورية الكونغو، والجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا التي تضم جميع بلدان الإقليم إلى جانب أنغولا ورواندا، وجماعة شرق أفريقيا التي تضم بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى جانب كينيا ورواندا والصومال وجنوب السودان وتنزانيا وأوغندا. وتفتقر خططها القطاعية أحياناً إلى رؤية متعددة القطاعات للبنية التحتية وإلى روابط واضحة بالتحول الإنتاجي. ورغم جهود تحديد الأولويات، ظل تنفيذ البرامج الإقليمية متعثراً في معظمه؛ ومن أمثلة ذلك اختيار خمسة وخمسين مشروعاً ذا أولوية للنقل في عام 2008 من القائمة الأولية البالغة 184 مشروعاً في إطار المخطط التوجيهي التوافقي للنقل في وسط أفريقيا، إذ لم يكن قد نُفذ أو تأمّن تمويله في عام 2015 سوى ستة وثلاثين منها. وعلى نحو مماثل، بيّنت تقييمات مشاريع البنية التحتية المائية الإقليمية التي أُجريت في عام 2018 أن وسط أفريقيا يتأخر عن جميع الأقاليم الأفريقية الأخرى في تطبيق أنظمة إدارة المياه العابرة للحدود. وقد أدت حالات عدم اليقين المؤسسية والسياسية والاقتصادية الكلية، إلى جانب محدودية الملكية الوطنية وضعف التزام البلدان بالمشاريع الإقليمية، إلى إحجام الممولين من القطاعين العام والخاص، تاركة برامج كثيرة في حالة جمود.
ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، يجسد مشروع سد إنغا الكبير صعوبة تمويل المشاريع العابرة للحدود وتسريع تنفيذها في وسط أفريقيا. إذ تقضي الخطة بتوسيع السد، رغم وجود سدين قائمين هما إنغا الأول وإنغا الثاني يعملان حالياً دون طاقتهما القصوى بسبب قصور الصيانة، مما يبين الحاجة إلى تعزيز حوكمة البنية التحتية وتخطيط الموازنة. وسيصبح سد إنغا الكبير أكبر محطة كهرومائية في العالم بقدرة تتراوح بين 40 و70 غيغاواط وبتكلفة إجمالية مقدرة بنحو 80 مليار دولار، غير أن المشروع تأجل مراراً منذ انطلاقه إثر انسحاب عدد من الشركاء الدوليين بسبب خلافات ومخاوف تتعلق بالحوكمة.
ويهدف مشروع محطة روزيزي الكهرومائية بين بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا إلى تعزيز تكامل البنية التحتية للطاقة في الإقليم، وقد اختير مشروعاً ذا أولوية في إطار الخطة الثانية لبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا، ويحظى كذلك بدعم شركاء دوليين كالمفوضية الأوروبية عبر استراتيجية البوابة العالمية. غير أن التوترات السياسية والمخاوف الأمنية قد تؤخر تمويله وتنفيذه.
يمكن لتحديد أكثر صرامة للأولويات أن يساعد في توجيه التمويل بكفاءة أكبر وزيادة تعبئة الموارد. ففي عام 2019، اعتمدت الدول الأعضاء في الجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا أول برنامج شامل يحدد أحد عشر مشروعاً ذا أولوية لتعزيز التكامل الإقليمي، بتكلفة مقدرة بنحو 3.3 مليار يورو. ولضمان التمويل الملائم، اختيرت هذه المشاريع بناءً على معيار القابلية للتمويل المصرفي بعد إجراء دراسات الجدوى وتقييمات المخاطر وتحليلات الأثر البيئي. فضلاً عن ذلك، نظمت الجماعة في عام 2020 أول مائدة مستديرة للمانحين مع ممولين دوليين محتملين، عُبئ خلالها 3.9 مليار يورو، قدمت نحو 63% منها مؤسسات التمويل الإنمائي الإقليمية، أي بنك التنمية الأفريقي وبنك التنمية لدول وسط أفريقيا وبنك التصدير والاستيراد الأفريقي. وبنهاية عام 2024، كان 80% من المشاريع ذات الأولوية قد بدأ، بمعدل تنفيذ بلغ 67%، وهو تقدم مشجع. واستثماراً لهذا الزخم، حددت الدول الأعضاء مجموعة ثانية من ثلاثة عشر مشروعاً ذا أولوية قُدرت تكلفتها في البداية بنحو 8.8 مليار يورو، وعُبئ لها 9.2 مليار يورو في عام 2023. وعلى نحو مماثل، قد يسرّع إعطاء الأولوية للمشاريع المستمدة من الخطط الإقليمية القائمة في المبادرات القارية، كبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا، تنفيذها.
ويُعد تطوير مراكز البيانات في منطقة الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا من الأولويات التي حددها المخطط التوجيهي التوافقي لتطوير البنية التحتية للاتصالات الإلكترونية في وسط أفريقيا الموضوع في عام 2019. وقد أُدرج المشروع، المقدرة تكلفته بنحو 92.5 مليون دولار، في الخطة الثانية للبرنامج في عام 2020، ويشمل إنشاء ستة مراكز بيانات جديدة في بوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وغينيا الاستوائية والغابون وساو تومي وبرينسيبي، وتحديث البنية التحتية القائمة في الكاميرون وجمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
يمكن لتحويل ممرات النقل إلى ممرات تنمية أن يسهم في إنعاش تنفيذ المشاريع الإقليمية وتنشيط سلاسل القيمة. ففي عام 2020، طلبت الدول الأعضاء في الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا إعادة صياغة المخطط التوجيهي التوافقي للنقل، بهدف الانتقال من مقاربة تتمحور حول ممرات النقل إلى مقاربة قائمة على ممرات التنمية. ويرمي ذلك إلى تعزيز استثمار الإمكانات التنموية للبنية التحتية الإقليمية وتحسين التنسيق بين القطاعات، بدعم من شركاء دوليين كلجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا وبنك التنمية الأفريقي والمفوضية الأوروبية. وهذا هو حال ممر لوبيتو الذي يربط جمهورية الكونغو الديمقراطية ببلدان الجنوب الأفريقي ويرمي إلى تشجيع تطوير سلاسل قيمة المعادن الحرجة عبر تطوير البنية التحتية وتدابير تيسير التبادل التجاري والجمارك، فضلاً عن التعليم والتدريب لخلق فرص العمل. وعلى نحو مماثل، يمكن لممر النقل بين ليبرفيل وكريبي ودوالا وإنجامينا، إذا ما اقترن بتدابير دعم إضافية، أن يعزز كثيراً سلاسل قيمة الذرة والأرز والثروة الحيوانية في الإقليم، بربط مناطق الإنتاج بالمراكز الحضرية ذات الطلب الاستهلاكي المرتفع.
ويؤدي ممر ليبرفيل وبرازافيل وبوانت نوار وبانغي وإنجامينا وظيفة الربط بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وجمهورية الكونغو والغابون عبر البنية التحتية للطرق، وسيُجهز بمحطات للحافلات ومحطات للوزن ونقاط لتحصيل رسوم المرور ونقاط للمراقبة الحدودية لضمان إدارته بكفاءة. وفي عام 2022، أقامت منصات «أرايز» الصناعية المتكاملة شراكة بين القطاعين العام والخاص مع حكومة جمهورية الكونغو لتطوير مناطق صناعية في بوانت نوار وويسو وميناء للمعادن، بهدف دعم التحويل المحلي للمعادن الخام والأخشاب والمنتجات الزراعية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية. وتمثل هذه المنصات نموذجاً لمشروع واعد يكمل ممرات النقل ويعزز دورها كاملاً بوصفها ممرات تنمية.
يمكن لتنسيق أفضل بين الخطط الإقليمية والوطنية أن يوسع المنافع الاقتصادية إلى ما وراء المراكز الحضرية الكبرى. فالأولويات الوطنية في مجال البنية التحتية تُحدد عبر وثائق استراتيجية متعددة، كخطط التنمية الوطنية التي تدمج أهداف تطوير البنية التحتية في جمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا الاستوائية، والخطط الوطنية المخصصة لتطوير البنية التحتية في بوروندي والكاميرون والغابون، أو خطط البنية التحتية القطاعية في ساو تومي وبرينسيبي. وعلى المستوى دون الوطني، يمكن لتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية المحلية أن يساعد في اغتنام الفرص الكامنة. ففي الكاميرون مثلاً، يمكن لتحسين البنية التحتية للنقل بين دوالا وإيديا وكريبي، مقروناً بتعزيز المهارات، أن يسهم في تطوير سلاسل القيمة الدوائية الناشئة في البلاد بدعم أنشطة كالبحث والتطوير وإنتاج الأدوية والمكونات الفعالة والتعبئة والتغليف. ولكي تكون الحكومات المحلية فعالة، تحتاج إلى تنسيق وقدرات كافية؛ وقد صنفت منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة في أفريقيا في عام 2022 متوسط جودة البيئة المؤسسية المتاحة للحكومات دون الوطنية في بلدان وسط أفريقيا بوصفه الأدنى في القارة.
ويحدد برنامج الاستثمار ذي الأولوية في الكاميرون للفترة من 2024 إلى 2026 خارطة طريق استراتيجية لتعزيز التنمية الوطنية عبر مشاريع بنية تحتية محددة. ويشمل هذا البرنامج الثلاثي، الذي تديره وزارة الاقتصاد والتخطيط والتنمية الإقليمية، اثنين وسبعين مشروعاً، منها ثلاثة وأربعون قيد التنفيذ وتسعة وعشرون مبادرة جديدة. ويتوافق البرنامج مع رؤية البلاد لعام 2035 والاستراتيجية الوطنية للتنمية للفترة من 2020 إلى 2030، ومع الخطط الإقليمية لتطوير البنية التحتية، بما فيها مشاريع كتمديد شبكة السكك الحديدية من نغاونديري في الكاميرون إلى إنجامينا في تشاد.
تحسين قدرات التخطيط والموازنة والرصد يمكن أن يسرّع تنفيذ مشاريع البنية التحتية
كثيراً ما تكون القدرات المؤسسية والمالية الحالية غير كافية لضمان التنفيذ الناجح لخطط تطوير البنية التحتية. ففي سياق المخطط التوجيهي التوافقي للنقل في وسط أفريقيا، قيدت محدودية القدرات قدرة البلدان على إعداد دراسات الجدوى، مما أثنى بدوره المانحين والممولين المحتملين. وباستثناء الكاميرون، افتقر المخطط كذلك إلى مؤسسات وطنية مسؤولة عن متابعة تنفيذ خطط التنمية، فحُرم صناع السياسات من المعلومات المتعلقة بحالة التقدم والصعوبات المصادفة. كما زاد تأخر سداد مساهمات الأعضاء من تقييد عمل لجنة المتابعة التشغيلية المسؤولة عن الإشراف على تنفيذ المخطط.
ففي عام 2022، كشف تقييم إدارة الاستثمار العام الذي أُجري في جمهورية الكونغو الديمقراطية عن مواطن ضعف على امتداد دورة حياة مشاريع البنية التحتية، منها غياب إطار قانوني واضح لتقييم المشاريع واختيارها، وتجزؤ مؤسسي يفضي إلى توزيع غير واضح للمسؤوليات، وتنفيذ المشاريع بحسب السيولة المتاحة لا بحسب الموازنة المعتمدة. ومن أبرز الإصلاحات التي اعتُمدت في عام 2023 لمواجهة هذه التحديات المرسوم المتعلق بإدارة الاستثمار العام، الذي أرسى نظاماً للتخطيط والبرمجة والموازنة والرصد والتقييم، واعتمد قاعدة بيانات موحدة لبرنامج الاستثمار العام تمنح المشاريع رموز تعريف فريدة طوال دورة حياتها.
يمكن لتعزيز الأطر التنظيمية أن يحفز مشاركة القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية الإقليمية والوطنية. فالخطط الوطنية للبنية التحتية تبرز أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، فتمنحها الأولوية في مشاريع البنية التحتية العامة الكبرى كما في بوروندي والكاميرون، وتضع شروطاً لتنمية القطاع الخاص كما في جمهورية أفريقيا الوسطى. ومع ذلك، وباستثناء الكاميرون التي أنشأت وحدتها للشراكة في عام 2006، تُعد المنظومة المؤسسية للشراكات في وسط أفريقيا حديثة نسبياً، إذ لم تظهر أولى وحداتها إلا بين عامي 2016 و2017. وفي عام 2023، لم يكن يضمن مواءمة مشاريع الشراكة مع الأولويات الوطنية سوى ثلاثة من بلدان الإقليم الستة المشمولة، في حين يظل تطبيق تقييمات الاستدامة المالية أو الاجتماعية أو البيئية لمشاريع الشراكة محدوداً في معظم البلدان.
يمكن لآليات فعالة لتنمية المهارات أن تعزز منظومات البنية التحتية في الإقليم وتشجع خلق فرص عمل شاملة. فالبرامج التي تنمي المهارات المتصلة بالبنية التحتية تركز أساساً على المهارات الفنية، وبدرجة أقل على المهارات الخضراء والرقمية ومهارات إدارة المشاريع، ويرتبط اثنان منها مباشرة بتنفيذ خطط وطنية للبنية التحتية، هما المخطط التوجيهي الوطني للبنية التحتية في الغابون والخطة الطاقوية في ساو تومي وبرينسيبي. وتشجع بعض البلدان أيضاً إدماج قضايا النوع الاجتماعي في البنية التحتية بنشاط؛ ففي الغابون مثلاً، خلق الطريق العابر للغابون الذي يربط ليبرفيل بفرانسفيل أكثر من ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة تشغل النساء 35% منها، وتلقى ستمئة شخص تدريباً على العمل الحر لإنشاء أنشطة مدرة للدخل خارج نطاق البنية التحتية.
