القائمة الرئيسية

تقرير ديناميكيات التنمية في أفريقيا 2025: البنية التحتية والنمو والتحول (7/3)

تقرير ديناميكيات التنمية في أفريقيا 2025: البنية التحتية والنمو والتحول (7/3)
ملخص الدراسة

يُعد الاستثمار في البنية التحتية عاملاً محورياً للتحول الإنتاجي في الجنوب الأفريقي، حيث يُقدر الإقليم بحاجة إلى 40 مليار دولار سنوياً حتى عام 2040 لتعزيز نمو ناتجه المحلي الإجمالي. ورغم أن الجنوب الأفريقي يتصدر الأقاليم الأفريقية في الإنفاق العام على البنية التحتية ويجتذب حصة كبيرة من الاستثمار الخاص، إلا أن هناك تحديات كبيرة؛ فتنفيذ الخطط الإقليمية مثل المخطط التوجيهي لتطوير البنية التحتية في الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (SADC) يعيقه نقص التمويل والمهارات، كما تواجه الخطط الوطنية قيوداً مالية وبشرية. لذا، يتطلب الأمر مواءمة القدرات المالية والمؤسسية وتنمية المهارات الفنية والخضراء. وتلعب ممرات التنمية، كممر لوبيتو، دوراً حاسماً في تسريع التحول الإنتاجي ودمج البلدان في الأسواق الإقليمية والعالمية، خاصة في سلاسل قيمة المعادن الحيوية وتثمين الموارد محلياً، لكن نجاحها الكامل يعتمد على التنسيق الفعال، وتقييم الأثر، وتوافقها مع الاحتياجات المحلية لتحقيق منافع واسعة.

الفصل الثالث: البنية التحتية والتحول الإنتاجي في الجنوب الأفريقي

يعرض هذا الفصل الكيفية التي تسهم بها البنية التحتية في التحول الإنتاجي في الجنوب الأفريقي، الذي يضم أنغولا وبوتسوانا وإسواتيني وليسوتو وملاوي وموزمبيق وناميبيا وجنوب أفريقيا وزامبيا وزيمبابوي. فهو يبرز أولاً الحاجة إلى الاستثمار في البنية التحتية والتمويل الحالي في الإقليم وفي كل بلد من بلدانه، ثم يبين مدى إسهام الخطط الإقليمية والوطنية للبنية التحتية في التحول الإنتاجي، ويوضح أخيراً كيف يمكن لممرات التنمية أن تسرّع التحول الإنتاجي وتحسن اندماج البلدان في الأسواق الإقليمية والعالمية.

باختصار

يُعد الاستثمار في البنية التحتية واسعة النطاق عاملاً حاسماً في التحول الإنتاجي في الجنوب الأفريقي. إذ تُقدّر حاجة الإقليم إلى الاستثمار في البنية التحتية بنحو 40 مليار دولار سنوياً حتى عام 2040، أي ما يعادل 6.1% من ناتجه المحلي الإجمالي، ومن شأن استثمار سنوي بهذا الحجم أن يرفع النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الإقليم بمقدار 4.2 نقاط مئوية في المتوسط.

ويسير الجنوب الأفريقي في الطريق الصحيح، لكن لا يزال ثمة متسع كبير لزيادة الإنفاق على البنية التحتية بما يتيح استثمار كامل الإمكانات التحويلية للإقليم. ففي عام 2024، كان الجنوب الأفريقي الإقليم الأفريقي صاحب أعلى إنفاق عام على البنية التحتية، بنسبة 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وبين عامي 2013 و2023، استقطب الإقليم الحصة الأكبر من مشاريع الاستثمار الخاص في البنية التحتية في أفريقيا، بنسبة 31%.

وللحفاظ على مستويات الاستثمار اللازمة، سيتعين مواءمة القدرات المالية والمؤسسية مع أهداف التحول الإنتاجي على المستويين الوطني والإقليمي. وتُعد تنمية المهارات أساسية لتحقيق ذلك، لأنها تساعد في تجاوز عقبات التنفيذ وتحسين الاستدامة التشغيلية لمشاريع البنية التحتية. فعلى المستوى الإقليمي، يمكن للمخطط التوجيهي الإقليمي لتطوير البنية التحتية في الجنوب الأفريقي أن يدعم التحول الإنتاجي، غير أن محدودية القدرات التمويلية والمهارات تعيق تنفيذه؛ ففي عام 2019، كان 70% من مشاريعه بلا تمويل، ولم يكن يحظى بدعم الموازنات الوطنية سوى 12% منها. وعلى المستوى الوطني، يمكن لخطط تطوير البنية التحتية أن تستهدف التحول الإنتاجي بصورة أكثر مباشرة؛ فقد أدرجت ناميبيا وجنوب أفريقيا مثلاً البنية التحتية للهيدروجين الأخضر في خططهما الوطنية لتعزيز أمن الطاقة وتشجيع التنويع الاقتصادي.

ويمكن لممرات التنمية في الجنوب الأفريقي أن تسرّع التحول الإنتاجي وترفع كفاءة التبادل التجاري بين البلدان غير الساحلية والبلدان الساحلية، شريطة أن تتوافق مع الاحتياجات المحلية. فممر لوبيتو مثلاً يسعى إلى تنشيط التجارة الإقليمية بتقليص مدة النقل من خمسة وأربعين يوماً إلى ثمانٍ وأربعين ساعة. غير أن تحقيق كامل إمكانات التحول الإنتاجي في الإقليم يتطلب أدوات أفضل لتقييم الأثر وآليات للتنسيق بين مختلف أصحاب المصلحة.

يمتلك الجنوب الأفريقي بنية تحتية أمتن ومستويات إنفاق أعلى من المتوسط الأفريقي لكن زيادة الاستثمار ستفضي إلى تحول إنتاجي أعمق

تمتلك بعض بلدان الجنوب الأفريقي بالفعل شبكات بنية تحتية جيدة، لكن الإقليم لا يزال قادراً على استثمار المزيد لدفع التحول الإنتاجي. فرغم التباينات داخل الإقليم، تتمتع بلدان الجنوب الأفريقي في المتوسط بنفاذ أفضل ورصيد مادي من البنية التحتية أكبر من المتوسط الأفريقي. فمستويات البنية التحتية الرقمية والمائية والطاقوية في بوتسوانا مثلاً تماثل مستويات البلدان النامية في آسيا، في حين تتجاوزها جنوب أفريقيا. أما أنغولا وموزمبيق فتميلان إلى البقاء دون المتوسط الأفريقي. ولسد الفجوة مع نظيراتها في مناطق العالم الأخرى ذات المستويات المرتفعة من التحول الإنتاجي، سيتعين على الجنوب الأفريقي أن يستثمر نحو 40 مليار دولار سنوياً حتى عام 2040، أي ما يعادل 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم في عام 2024، وهي نسبة تفوق نظيرتها في أفريقيا ككل البالغة 5.6%. ويعكس ارتفاع هذه الحاجة الاستثمارية كون أكبر اقتصادات الإقليم من البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، أي بوتسوانا وناميبيا وجنوب أفريقيا، مما يجعل نظيراتها المرجعية من المستوى نفسه من الدخل، بينما تُقارن معظم البلدان الأفريقية الأخرى ببلدان منخفضة الدخل أو ذات دخل متوسط أدنى. ويُقدّر أن استثمار 40 مليار دولار سنوياً حتى عام 2040 سيرفع النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الإقليم بمقدار 4.2 نقاط مئوية في المتوسط.

تسجل بلدان الجنوب الأفريقي نسبة بين تكلفة خدمة الدين والإنفاق على البنية التحتية أدنى من المتوسط الأفريقي، مع فوارق كبيرة بين البلدان. فالجنوب الأفريقي هو الإقليم صاحب أعلى معدل إنفاق عام على البنية التحتية في القارة بنسبة 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أكثر من ضعف المعدل المسجل في وسط أفريقيا البالغ 1.1%. وباستثناء موزمبيق، أنفق الجنوب الأفريقي خلال الفترة من 2019 إلى 2023 على خدمة الدين 2.7 مرة ما أنفقه على البنية التحتية، وهو أدنى متوسط بين جميع الأقاليم الأفريقية. غير أن موزمبيق تبرز بإنفاقها أكثر من 4 مليارات دولار على دينها السيادي، أي أربعة وثمانين ضعف ما أنفقته على البنية التحتية، لتسجل أعلى نسبة بين تكلفة خدمة الدين والإنفاق على البنية التحتية بين جميع البلدان الأفريقية. وفي المقابل، سجلت بوتسوانا ثالث أدنى نسبة في القارة بين هذين البندين، إذ بلغت 0.35.

يضم الجنوب الأفريقي أكبر عدد من مشاريع مشاركة القطاع الخاص في البنية التحتية في القارة. فبين عامي 2013 و2023، اجتذب الإقليم 115 مشروعاً من هذا النوع، تمثل 31% من جميع مشاريعه في أفريقيا خلال هذه الفترة، متفوقاً بذلك على جميع الأقاليم الأفريقية الأخرى، باستثمار إجمالي قدره 6.6 مليار دولار. وكان تسعة وتسعون مشروعاً منها، أي 86%، في مجال الطاقة. وتسجل جنوب أفريقيا أكبر عدد من المشاريع وتحتل المرتبة الأولى من حيث إجمالي ما تلقته من هذه الاستثمارات، إذ تستأثر بنسبة 80% من القيمة الإجمالية للاستثمار في الإقليم وبخمسة وسبعين مشروعاً من أصل 115.

ورغم التفاوت بين البلدان، يسجل الجنوب الأفريقي أدنى تدفق للتمويل الإنمائي الرسمي الموجه إلى البنية التحتية قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي بين جميع الأقاليم الأفريقية. فقد بلغ هذا التمويل في المتوسط 1.6 مليار دولار سنوياً بين عامي 2019 و2023، أي ما يعادل 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للإقليم، وهي النسبة الأدنى بين جميع الأقاليم الأفريقية مقارنة بالمتوسط القاري البالغ 0.8%. ولم تسجل نسباً متوسطة تفوق 1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه الفترة سوى ملاوي وموزمبيق. ووُجه معظم التمويل الإنمائي الرسمي للإقليم إلى الطاقة والنقل والتخزين بنسبة 70% من الإجمالي. واستأثرت موزمبيق، بمتوسط سنوي قدره 509.8 مليون دولار، بنسبة 30% من إجمالي التمويل الإنمائي الرسمي للإقليم، وتميزت كذلك بتلقيها تمويلاً يعادل 3% من ناتجها المحلي الإجمالي، أي عشرة أضعاف إنفاقها العام على البنية التحتية.

وبين عامي 2020 و2023، أدمجت 25% من المساعدة الإنمائية الرسمية للبنية التحتية المقدمة من أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية أهداف المساواة بين الجنسين، وهي ثالث أعلى نسبة بعد وسط أفريقيا بنسبة 35% وشرقها بنسبة 33%. غير أن مراعاة النوع الاجتماعي في مشاريع البنية التحتية تتفاوت كثيراً بين البلدان؛ ففي جنوب أفريقيا لم تدعم سوى 10% من إجمالي المساعدة الإنمائية الرسمية مشاريع بنية تحتية تدمج منظور النوع الاجتماعي، مقابل 97% في ليسوتو.

للحفاظ على مستويات الاستثمار اللازمة سيتعين على بلدان الجنوب الأفريقي مواءمة قدراتها المالية والمؤسسية مع التحول الإنتاجي

مواءمة خطط البنية التحتية في الجنوب الأفريقي مع التحول الإنتاجي والتنمية الفعالة للمهارات يمكن أن تنشط التجارة والإنتاجية وتنويع مصادر الطاقة

يمكن للتنفيذ الكامل لخطط البنية التحتية في الجنوب الأفريقي أن يعزز التكامل الإقليمي وتنمية البلدان. فوجود خطة إقليمية منسقة لتطوير البنية التحتية أمر أساسي لتيسير التجارة والتكامل الإقليمي، وعلى المستوى الوطني تستطيع خطط البنية التحتية مواءمة أولوياتها مع أهداف التنمية الوطنية. غير أن تحديات التنفيذ، كغياب الحوافز السياسية ونقص المهارات، تحول دون التحقق الكامل لمنافع البنية التحتية في التحول الإنتاجي في الجنوب الأفريقي.

يمكن للمخطط التوجيهي الإقليمي لتطوير البنية التحتية في الجنوب الأفريقي أن يدعم التحول الإنتاجي، لكن تنفيذه يصطدم بقيود التمويل والقدرات. فهذا المخطط، الذي اعتمدته الدول الأعضاء في الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي عام 2012، يمثل أول إطار استراتيجي شامل للبنية التحتية في القارة، ويغطي ستة قطاعات ذات أولوية هي الطاقة والمياه والنقل والأرصاد الجوية والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لكل منها خطة خاصة وأهداف محددة لعام 2027. وترمي هذه الخطط إلى مواجهة تحديات محورية تتعلق بالقدرة التنافسية، عبر خفض تكاليف المؤسسات وتحسين التكامل الإقليمي وتخفيف قيود التمويل. غير أنه في عام 2019 لم يكن قد أُنجز سوى 5% من مشاريع المخطط، وكان معظمها لا يزال في مرحلة ما قبل الجدوى أو الجدوى. وكان التمويل من أبرز العقبات، إذ افتقر 70% من المشاريع إلى التمويل، ولم يكن يدعم من الموازنات الوطنية سوى 12% منها، مما يكشف عن فجوة بين الأولويات الوطنية والموارد المتاحة. فضلاً عن ذلك، لا تزال محدودية القدرات ونقص المهارات يعيقان تقدم المخطط ومكوناته القطاعية. ويمكن لإنشاء جهات اتصال مخصصة على المستوى الوطني، كوحدات التنفيذ، أن يعزز التزام البلدان ويضمن التمويل الأولي ويسرّع تنفيذ المشاريع الإقليمية.

وعلى المستوى الوطني، يمكن لخطط تطوير البنية التحتية أن تواءم أولوياتها مع أهداف التنمية الوطنية، مستثمرة الأولويات الخاصة بكل بلد. فهذه الخطط تحدد بوضوح الجهات المسؤولة عن التنفيذ والهيئات المسؤولة عن المتابعة، كالهيئات المشتركة بين الوزارات، وتتضمن إصلاحات مؤسسية. وتسعى بلدان الجماعة الإنمائية إلى مواءمة أولوياتها في مجال البنية التحتية مع أهداف التنمية الوطنية، إما ضمن خطط وطنية للبنية التحتية كما في جنوب أفريقيا وزيمبابوي، أو ضمن خطط تنمية وطنية أشمل كما في بوتسوانا وناميبيا وزامبيا، أو ضمن خطط قطاعية محددة، ولا سيما في مجالي الطاقة والنقل كما في ملاوي. ورغم هذا الإطار الهيكلي، يواجه معظم البلدان قيوداً مالية وبشرية. ولتجاوزها، تشدد بعض الخطط الوطنية على أهمية الشراكات الدولية من أجل التنمية ومشاركة القطاع الخاص، أو على ضرورة تحسين التخطيط وزيادة الاستثمار في المراحل الحاسمة من المشاريع كالصيانة، كما في بوتسوانا وملاوي وجنوب أفريقيا.

فالخطة الوطنية الانتقالية الثانية للتنمية في بوتسوانا للفترة من 2023 إلى 2025 تشجع تطوير البنية التحتية لتعزيز التصنيع وتنشيط قطاع خاص متنوع وموجه نحو التصدير وتعزيز التجارة الإقليمية، ولا سيما عبر مشاريع كخط سكة حديد عبر كالاهاري الذي يربط الجنوب الأفريقي بموانئ ناميبيا، وخط سكة حديد موسيتسي وكازونغولا وليفينغستون الذي يربط بوتسوانا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا.

ويهدف المخطط التوجيهي الوطني للنقل في ملاوي للفترة من 2017 إلى 2037 إلى تحسين أنظمة النقل لدعم القطاعات النامية، وخفض التكاليف عبر الانتقال من النقل البري إلى النقل بالسكك الحديدية والممرات المائية الداخلية، وتشجيع المشاركة الاقتصادية للفضاءات الريفية، وتعزيز التكامل والتجارة الإقليميين.

أما الخطة الوطنية للبنية التحتية في جنوب أفريقيا لعام 2050 فتهدف إلى توفير الطاقة والمياه ونقل البضائع والبنية التحتية الرقمية لدعم سلاسل القيمة العالمية والإقليمية، وتشجيع التنويع الصناعي، وتعزيز التكامل الإقليمي بما يتوافق مع أهداف الجماعة الإنمائية ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. وفي عام 2023، كان قد نُفذ أو أُطلق ثمانية وثمانون مشروعاً استراتيجياً للبنية التحتية.

يمكن لتنمية المهارات الفنية والخضراء أن تساعد في تجاوز العقبات الناجمة عن نقص المهارات في الجنوب الأفريقي. إذ يتبين أن نقص المهارات يؤثر في اتخاذ القرارات واعتماد مشاريع البنية التحتية في الإقليم، فيتسبب في مفاوضات مطولة وقرارات غير ملائمة وإخفاقات في إدارة العقود والأداء. وللتغلب على هذه الصعوبة، نفذت بعض بلدان الجنوب الأفريقي مبادرات وآليات لتنمية المهارات، ولا سيما تلك التي تشجع المهارات الفنية والخضراء في مجال البنية التحتية.

ممرات الجنوب الأفريقي يمكن أن تسرّع التحول الإنتاجي وتحسن اندماج البلدان في الأسواق الإقليمية والعالمية

يمكن لممرات الجنوب الأفريقي التي تركز على المواد الخام الأساسية والاقتصاد الأخضر أن تدفع التحول الإنتاجي إذا ما توافقت مع الاحتياجات المحلية. فربط بلدان الجنوب الأفريقي المختلفة على امتداد حلقات متعددة من سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية يحسن الكفاءة التجارية للإقليم. ويُعد التعاون الإقليمي القوي عبر الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي ودعم الشركاء الدوليين سمتين مشتركتين لممرات الإقليم. وبينما تهيمن صادرات المواد الخام الأساسية على ممرات كممر لوبيتو، تركز ممرات أخرى كممر مابوتو على دمج سلاسل القيمة الزراعية الغذائية. وتبرز فوارق في الآثار المحلية؛ فممر مابوتو مثلاً يواجه تحديات في خلق فرص العمل لافتقار اليد العاملة المحلية إلى مهارات محددة، وظل ممر ناكالا مستغلاً دون طاقته رغم الاستثمارات الضخمة. ومن أبرز الآثار الإيجابية خفض تكاليف النقل وتحسين الكفاءة على الحدود، إذ نجح ممر مابوتو في إتمام التخليص الجمركي في أقل من ثلاثين دقيقة. وتكشف التجربة العملية لهذه الممرات أهمية آليات التنسيق الفعالة وأدوات تقييم الأثر وتعزيز القدرات، فضلاً عن الاستثمارات المتوافقة مع استراتيجيات التنمية الإقليمية والوطنية والتي تُترجم إلى منافع محلية واسعة.

ممر لوبيتو

ممر لوبيتو خط سكة حديد استراتيجي يمتد على مسافة 1300 كيلومتر، ويربط ميناء لوبيتو على الساحل الأطلسي لأنغولا بمناطق التعدين في جمهورية الكونغو الديمقراطية وبالمقاطعة الشمالية الغربية في زامبيا. وكان الممر في الماضي طريقاً مهماً لتصدير المعادن يربط البلدان غير الساحلية في وسط أفريقيا وجنوبها بالمحيط الأطلسي والأسواق الغربية، غير أن عقوداً من النزاع الأهلي في أنغولا ألحقت أضراراً جسيمة بخط السكة الحديد، فتقلصت عملياته إلى 34 كيلومتراً فقط، وتحولت صادرات النحاس الزامبية إلى ممري بيرا ودار السلام.

وقد تزايد الاهتمام بممر لوبيتو مع التزام منظمات دولية وإقليمية كبرى بتقديم الدعم السياسي والمالي له. ففي أواخر عام 2023، وقعت حكومات أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية وبنك التنمية الأفريقي ومؤسسة التمويل الأفريقية لدعم تطوير الممر، ولا سيما عبر مشروع جديد للسكك الحديدية يربط زامبيا بخط لوبيتو في أنغولا. ومنذ ذلك الحين، غدت المبادرة مشروعاً رئيسياً بارزاً في استراتيجية البوابة العالمية للاتحاد الأوروبي وشراكة مجموعة السبع من أجل البنية التحتية والاستثمار العالميين، وقد التزم الشركاء الدوليون حتى الآن بنحو 6 مليارات دولار. ويعد المشروع بأن يكون فرصة لتعميق سلاسل إمداد المعادن الحرجة والتكامل الاقتصادي الإقليمي، مع تقديم بديل في الوقت ذاته لاستثمارات الصين في البنية التحتية التجارية في الإقليم.

ولممر لوبيتو إمكانات ليصبح طريقاً تجارياً يدعم التحول الإنتاجي في الجنوب الأفريقي واندماج الإقليم في الأسواق العالمية معاً. وسيكون ضمان التآزر بين الممر والمبادرات ذات الصلة الرامية إلى تثمين الموارد محلياً أساسياً للتحول الإنتاجي. ففي ظل الأزمة العالمية للمعادن الحرجة، يمكن لإنشاء قدرات تكرير محلية أن يدعم التصنيع وخلق فرص العمل في الإقليم، مع خفض تكاليف الإنتاج والتكاليف البيئية في آن واحد؛ إذ تبلغ تكلفة إنشاء منشأة لسلائف البطاريات في جمهورية الكونغو الديمقراطية مثلاً ثلث تكلفة منشأة مماثلة في الصين أو الولايات المتحدة، كما أن وحدة محلية تعمل بالطاقة الكهرومائية ستخفض الانبعاثات بنسبة 30% مقارنة بالمعالجة الحالية، ويمكن للبلدان المجاورة الغنية بالموارد، كمدغشقر وموزمبيق وتنزانيا وزامبيا وزيمبابوي، أن توفر مواد خاماً أساسية أخرى كالنحاس والمنغنيز والنيكل تنطوي على نفقات تكرير كبيرة، بما يحقق منافع واضحة للتكامل الإقليمي. وتمتلك جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 80% من الكوبالت في العالم، لكنها لا تستحوذ إلا على 3% من سلسلة قيمة البطاريات والمركبات الكهربائية. فضلاً عن ذلك، تُعد زامبيا ثاني أكبر منتج للنحاس في أفريقيا، وقد مثّل النحاس 72% من إجمالي صادراتها في عام 2022. ومنذ عام 2021، اتخذت جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا خطوات ملموسة لإنشاء منطقة اقتصادية خاصة عابرة للحدود للبطاريات والمركبات الكهربائية، وهي مبادرة قد تستفيد كثيراً من الفرص التجارية الجديدة على امتداد الممر. وستضع الحكومة الأنغولية مخططاً توجيهياً لتحويل الممر إلى منصة استراتيجية تتيح استثمار القطاع الخاص في قطاعات عدة، منها الزراعة والصناعة التحويلية والسياحة والتكنولوجيا.

ويمكن لتحسين التنسيق ووضع خطة عمل واضحة ومتسقة أن يعالجا مشكلة محدودية البيانات المتاحة وتجزؤ الحوكمة. فبحسب التقديرات، سيقلص الإنجاز الكامل لمشروع الممر مدة العبور من خمسة وأربعين يوماً إلى ثمانٍ وأربعين ساعة. غير أن حوكمة المشروع وتحديد أولوياته وتداخل الجهود تطرح تحديات؛ إذ وُقع ما لا يقل عن أربعة عشر اتفاقاً ومذكرة تفاهم متعلقة بالممر بين جهات عامة وخاصة متعددة بين عامي 2022 و2024. كما أن المعلومات المتاحة للجمهور عن الأثر الإنمائي الأوسع للاستثمارات المعلنة شحيحة. والهيئات الإقليمية، كالجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي التي أسهمت في إنشاء وكالة تيسير النقل العابر لممر لوبيتو في يناير 2023، في موقع جيد يؤهلها لتوفير منصة تنسيق متعددة الأطراف تيسر تبادل البيانات والمعلومات، ولوضع خطة عمل مشتركة مدمجة في استراتيجيات التنمية الوطنية والإقليمية.

دراسة ذات صلة