الفصل الثاني: سياسات لتسريع مشاريع البنية التحتية وتوسيع نطاقها في أفريقيا
يحدد هذا الفصل السياسات القادرة على تسريع تطوير مشاريع البنية التحتية في البلدان الأفريقية وتوسيع نطاقها، ويحلل الكيفية التي يمكن بها لسياسات البنية التحتية الإقليمية والوطنية ودون الوطنية أن تعزز التحول الإنتاجي. ويتناول الفصل كذلك الكيفية التي يمكن بها للحوكمة الفعالة للبنية التحتية أن تسرّع تنفيذ المشاريع وتعزز استدامتها، فيبحث الاستراتيجيات والتخطيط المتصلين بممرات التنمية واسترداد التكاليف والصيانة وشهادات الجودة.
باختصار
يواجه تطوير البنية التحتية في البلدان الأفريقية تحديات استراتيجية كبرى، منها النمو السكاني والتحضر منخفض الإنتاجية وتجزؤ شبكات البنية التحتية العابرة للحدود. ولتحويل هذه التحديات إلى فرص، يتطلب تطوير البنية التحتية في البلدان الأفريقية سياسات موثوقة قائمة على الشواهد التجريبية، إلى جانب تحديد دقيق لأولويات المشاريع التي تعزز التحول الإنتاجي في القارة.
ويمكن للسياسات الإقليمية والوطنية ودون الوطنية التي تحدد أولويات مشاريع البنية التحتية تحديداً استراتيجياً أن تسهم في التحول الإنتاجي لأفريقيا، فيما تتيح الحوكمة الفعالة تنفيذ هذه المشاريع بكفاءة واستدامة بما يعظم الاستفادة من الموارد المتاحة.
فعلى صعيد تحديد الأولويات الاستراتيجية، تستطيع المرحلة الثانية من برنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا أن تحدد بصرامة أكبر من المرحلة الأولى أولويات المشاريع التي تركز على التحول الإنتاجي. كما يستطيع صناع السياسات إعطاء الأولوية لممرات التنمية وتطوير البنية التحتية الحضرية المتوافقة مع أولويات البرنامج والميسرة للقطاعات عالية الإنتاجية وسلاسل القيمة الإقليمية. ومن شأن جمع مزيد من البيانات عن التحول الإنتاجي وأهداف خلق فرص العمل وتطوير البنية التحتية وتمويلها أن يساعد صناع السياسات على متابعة التقدم. وينبغي تنسيق السياسات وتخطيطها على مستويات جغرافية متعددة، عبر المخططات التوجيهية مثلاً. وبعد اختيار مشاريع البنية التحتية، تحتاج هذه المشاريع إلى دعم مؤسسي قوي على جميع المستويات، ولا سيما على المستوى الوطني الذي يكون فيه للقرارات السياسية والمالية أثر أكثر مباشرة في تنفيذها.
وعلى صعيد الحوكمة الفعالة، تحتاج المشاريع المختارة إلى هياكل حوكمة تُعلي من دور أصحاب المصلحة الأكثر صلة في اتخاذ قرارات كفؤة، وتقر بوجود مصالح متباينة وقدرات محدودة. ويمكن تعزيز وحدات الشراكة بين القطاعين العام والخاص وآليات إعداد المشاريع لدعم المشاريع الكبيرة والمعقدة طوال دورتها، بما يسهم في خفض التكاليف والهدر في المراحل اللاحقة. ويُعد تحسين استرداد التكاليف والتخطيط الأكفأ لتكاليف الصيانة أمرين جوهريين للاستدامة التشغيلية للمشاريع. كما يمكن توسيع نطاق معايير الجودة الأفريقية للبنية التحتية لتيسير تعبئة موارد إضافية لدعم المشاريع، وتعزيز إبلاغ الممولين بمعايير التنفيذ، ووضع معايير دنيا للبنية التحتية الجيدة.
يواجه تطوير البنية التحتية في البلدان الأفريقية تحديات استراتيجية، منها النمو السكاني والتحضر منخفض الإنتاجية وتجزؤ شبكات البنية التحتية العابرة للحدود وركود التمويل الدولي. فالنمو السكاني يفرض ضغوطاً متزايدة على تطوير البنية التحتية؛ إذ سيرتفع عدد سكان أفريقيا بين عامي 2024 و2050 بنسبة 63%، من نحو 1.50 مليار إلى 2.45 مليار نسمة، ويحدث نحو 80% من هذا النمو في الفضاءات الحضرية، فبحلول عام 2050 سيعيش اثنان من كل ثلاثة أفارقة في تجمع حضري، وستتضاعف المساحة الحضرية الإجمالية بأكثر من الضعف. وخلافاً لما يحدث في مناطق العالم الأخرى، لا يرتبط التحضر في البلدان الأفريقية ارتباطاً مباشراً بارتفاع الإنتاجية. فضلاً عن ذلك، سيواصل عدد سكان الأرياف نموه بالأرقام المطلقة. وعبر الحدود الوطنية، لا تتكامل البنية التحتية القارية في أفريقيا تكاملاً جيداً، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى موروثات الاستعمار واستخراج الموارد الأولية. كما أن قدرة كثير من الحكومات الأفريقية على تمويل البنية التحتية محدودة بفعل تزايد دينها السيادي. وقد ركد التمويل المقدم من الممولين الدوليين من القطاع الخاص وتطوير البنية التحتية، بل تراجعا، ويرجع ذلك جزئياً إلى تبدل الاعتبارات الجيوسياسية واستمرار تصورات المخاطر.
وتفرض الاتجاهات الكبرى المتمثلة في تغير المناخ وتقدم الذكاء الاصطناعي متطلبات جديدة وحالات من عدم اليقين على تطوير البنية التحتية في البلدان الأفريقية. فالقارة تواجه مخاطر مناخية تعادل ضعف ما تواجهه أمريكا اللاتينية وخمسة أضعاف ما تواجهه أوروبا، وتسبب الظواهر المناخية بالفعل خسائر اقتصادية إجمالية تبلغ في المتوسط ما بين 2% و5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في أرجاء القارة الأفريقية. وللظواهر الجوية المتطرفة آثار سلبية واسعة على البنية التحتية؛ إذ يُقدّر مثلاً أن خسائر الإيرادات المتأتية من الطاقة الكهرومائية قد تتراوح بين 5% و60% في البلدان الأفريقية المتضررة. ورغم أن كثيراً من البلدان الأفريقية أحرزت تقدماً كبيراً في رقمنة اقتصاداتها، فإن التنامي السريع للطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات جديدة؛ إذ لا تمثل أفريقيا حالياً سوى أقل من 2% من مجموع مراكز البيانات في العالم. ورغم أن عدد مراكز البيانات ينمو بسرعة، إذ يوجد حالياً 110 مراكز على الأقل ويجري بناء 56 مركزاً آخر، فستلزم تحسينات كبيرة في شبكات الطاقة لإتاحة توسعها في البلدان الأفريقية. ولا شك أن الاستثمارات الاستراتيجية في الصمود المناخي والبنية التحتية الرقمية والطاقوية ستكتسب أهمية متزايدة، غير أن الوتيرة المتسارعة للتغير تولد أيضاً حالة من عدم اليقين بشأن المجالات التي ينبغي أن تتركز فيها هذه الاستثمارات.
يتطلب تحويل هذه التحديات إلى فرص خيارات سياساتية قائمة على الشواهد وتحديداً دقيقاً للأولويات. فمن بين الأولويات الأفريقية المدرجة في برنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا، ثمة ثلاث يُرجح أن تولد آثاراً مضاعفة مرتفعة للتنمية الاقتصادية، هي أنواع معينة من البنية التحتية والتكامل الإقليمي والبنية التحتية الحضرية. غير أن تحديد أولويات المشاريع يقتضي تقييماً أكثر دقة للمفاضلات السياساتية؛ فعلى سبيل المثال، رغم أن البنية التحتية العابرة للحدود والتكتل الحضري يدفعان الإنتاجية والنمو، فقد يفضيان إلى إقصاء أعداد كبيرة من سكان الأرياف. كما أن الوقت اللازم للتخطيط الدقيق لضمان الجودة والاستدامة البيئية قد يتجاوز تكلفة التقاعس، في ظل تضاعف عدد السكان كل خمسة وعشرين عاماً في سبعة بلدان أفريقية على الأقل. ومن ثم فإن المبادئ التوجيهية هي تحديد الأولويات والملكية المحلية والشفافية والمساءلة والاستخدام الكفؤ للموارد.
يمكن للتحول الإنتاجي أن يوجه تحديد أولويات مشاريع البنية التحتية. ويشير هذا المفهوم إلى عملية تراكم القدرات التنظيمية والإنتاجية والتكنولوجية وانتشارها، بما في ذلك إعادة توجيه رأس المال والعمل نحو أكثر قطاعات الاقتصاد إنتاجية. ويمكن للاستثمار في البنية التحتية الذي يستهدف التحول الإنتاجي أن يساعد في مواجهة تحديات استراتيجية كالنمو السكاني والتحضر والتجزؤ الإقليمي. فالبنية التحتية الحضرية المخططة جيداً مثلاً قادرة على ترجمة التحضر إلى نمو اقتصادي مستدام، كما يمكن للاستثمارات الموجهة في البنية التحتية للنقل والطاقة أن تدفع التحول بتعزيز الروابط بين الفضاءات الريفية والحضرية، كتيسير نفاذ العاملين في الزراعة إلى قطاع الخدمات. وتُعد مشاريع البنية التحتية الإقليمية بدورها أساسية للتحول الإنتاجي، إذ يمكنها أن تكمل خفض الرسوم الجمركية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، فتتيح التجارة وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية.
ويزود هذا الفصل صناع السياسات بتوجيهات بشأن كيفية تحديد أولويات مشاريع البنية التحتية المعززة للتحول الإنتاجي، وكيفية تنفيذها بكفاءة وسرعة عبر حوكمة فعالة تراعي الموارد المتاحة. فعلى صعيد تحديد الأولويات الاستراتيجية، كان تحديد أولويات المشاريع في إطار خطة العمل ذات الأولوية الثانية لبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح؛ إذ بيّن أول تقرير عشري عن تنفيذ البرنامج أن التقدم لم يكن يسير بالسرعة اللازمة لبلوغ أهدافه بحلول عام 2030. وقد قلّص التحديد الأكثر صرامة للأولويات في الخطة الثانية، مقارنة بالخطة الأولى، عدد المشاريع ذات الأولوية من نحو 433 مشروعاً للفترة من 2012 إلى 2020 إلى 69 مشروعاً للفترة من 2021 إلى 2030. ويمكن إيلاء أولوية أكبر لممرات التنمية وتطوير البنية التحتية الحضرية المتوافقة مع الاستراتيجيات القارية والإقليمية والوطنية للتحول الإنتاجي، بما يشمل القطاعات ذات الأولوية وسلاسل القيمة الإقليمية، تسريعاً للتقدم. ومن شأن إتاحة مزيد من البيانات عن تحقق التحول الإنتاجي وأهداف خلق فرص العمل وتطوير البنية التحتية وتمويلها أن يساعد صناع السياسات على متابعة التقدم المحرز على نحو أفضل. وتتطلب السياسات تنسيقاً وتخطيطاً على مستويات جغرافية متعددة، كما ينبغي أن تحظى المشاريع المختارة بدعم مؤسسي واسع على جميع المستويات، ولا سيما على المستوى الوطني. ويُعد تعزيز القدرات والكفاءات المؤسسية شرطاً مسبقاً للتنفيذ. أما على صعيد الحوكمة الفعالة، فينبغي تعزيز وحدات الشراكة بين القطاعين العام والخاص وآليات إعداد المشاريع لدعم المشاريع الكبيرة والمعقدة طوال دورتها، وتحسين استرداد التكاليف والتخطيط لتكاليف الصيانة، وتوسيع نطاق معايير الجودة الأفريقية للبنية التحتية بما لا يتيح تعبئة موارد إضافية فحسب، بل يتيح أيضاً إبلاغ الممولين بمعايير الجودة وضمان حد أدنى من معايير الاستدامة.
ينبغي أن تتواءم استراتيجيات البنية التحتية وتخطيطها على نحو أفضل مع أهداف التحول الإنتاجي على جميع المستويات
يمكن للأجندة الأفريقية الرامية إلى تحقيق التحول الإنتاجي أن توجه صناع السياسات بصورة أكثر مباشرة في تحديد أولويات مشاريع البنية التحتية على المستويات الإقليمية والوطنية ودون الوطنية. فأجندة 2063 تطمح إلى «بنية تحتية عالمية المستوى ومتكاملة تعبر القارة لدعم التكامل والنمو المتسارع والتحول التكنولوجي والتجارة والتنمية في أفريقيا». وقد تجسدت هذه الأجندة كذلك في سياسات قارية، كاستراتيجية التنمية الصناعية المتسارعة لأفريقيا ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وفي خطط وطنية. وتؤكد تجارب دولية متعددة، منها تجارب الصين وأوروبا وكوريا والمكسيك وتركيا، أهمية تخطيط الاستثمارات في البنية التحتية بما يتسق مع الاحتياجات القطاعية والصناعية لتحقيق نتائج أفضل في التحول الإنتاجي. ففي كل من هذه البلدان، استند تطوير البنية التحتية إلى استراتيجية واضحة أعقبها تقييم لاحتياجات البنية التحتية، شكّل أساساً للتخطيط الحكومي ولتحديد الاحتياجات التمويلية من المصادر العامة والخاصة. وقد نشر أربعون بلداً أفريقياً على الأقل خططاً وطنية للتنمية تشمل احتياجات البنية التحتية، لكن قلة قليلة منها تتضمن قوائم بالمشاريع ذات الأولوية، أو تتناول أوجه التكامل بين البنى التحتية على مختلف المستويات الجغرافية، أو تخصص موازنات متعددة السنوات، أو تحدد روابط واضحة بأهداف التحول الإنتاجي.
يمكن اعتبار مشاريع ممرات التنمية ذات أولوية لدعم التكامل الإقليمي والتحول الإنتاجي
غدت ممرات التنمية أدوات سياساتية محورية للتكامل الإقليمي والتحول الإنتاجي. ففي عام 2025، كان في أفريقيا ما لا يقل عن ثمانين ممراً تنموياً في مرحلة التخطيط أو قيد الإنشاء أو في طور التشغيل الكامل. ويشير بعض الباحثين إلى أن ممرات البنية التحتية تقدم عادةً خدمات كالطاقة والمياه وإدارة النفايات والنقل والاتصالات، وكثيراً ما تفضي إلى تنمية مكانية بين الأطراف الريفية وأقطاب النمو الحضري، في حين أن ممرات التنمية مناطق جغرافية أوسع، عابرة للحدود الوطنية في الغالب، ومخصصة للاستثمار الوطني والدولي. وكثيراً ما تنطوي ممرات التنمية في أفريقيا أيضاً على تشجيع قطاعات اقتصادية تستهدف سلاسل قيمة استراتيجية، عبر تطوير المجمعات الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة والمدن السياحية أو الموانئ الجافة.
فممر حلقة النمو لغرب أفريقيا يضم أربعة ممرات رئيسية تعبر بوركينا فاسو وكوت ديفوار وغانا وتوغو. ويحدد المخطط التوجيهي لتطوير الممر، الذي أُعد بين عامي 2015 و2018، مشاريع بنية تحتية ترمي إلى تعزيز التكامل والربط الإقليميين، بما فيها الطريق السريع بين أبيدجان ولاغوس. وإلى جانب البنية التحتية الإقليمية، يدمج المخطط تطوير سلاسل قيمة إقليمية استراتيجية، كسلاسل قيمة اللحوم، من خلال إدراج مشاريع على المستوى الوطني، منها مرافق تحميل الماشية وتفريغها في محطات السكك الحديدية وأسواق الماشية ومجمعات الذبح.
وفي شرق أفريقيا، يربط الممر الشمالي بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وجنوب السودان وأوغندا بميناء مومباسا في كينيا. ومن شأن تنفيذه الكامل أن يسهم في خفض تكاليف النقل، ولا سيما للبلدان غير الساحلية التي قد تبلغ فيها هذه التكاليف 75% من قيمة صادراتها. ويتيح الممر كذلك فرصاً لتنشيط سلاسل القيمة الزراعية الغذائية في الإقليم وتعزيز الروابط مع الجنوب الأفريقي. وفي عام 2025، وافقت الدول الأعضاء على إنشاء مركز لوجستي إقليمي في المنطقة الاقتصادية الخاصة في نيفاشا، سيسهم في مزيد من خفض تكاليف التبادل التجاري.
يوفر برنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا إطاراً قارياً لتحديد أولويات مشاريع ممرات التنمية. فهو مبادرة على مستوى القارة تهدف إلى تسريع تطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتتوافق مع مبادرات أفريقية شاملة كشبكة الطرق السريعة العابرة لأفريقيا والسوق الأفريقية الموحدة للنقل الجوي والمشروع القاري للسكك الحديدية فائقة السرعة. وقد حددت خطة العمل ذات الأولوية الأولى للبرنامج، التي امتدت من 2012 إلى 2020، واحداً وخمسين برنامجاً للبنية التحتية العابرة للحدود تضم ما مجموعه 409 مشاريع منفردة. ورغم التقدم المحرز، بما في ذلك إنشاء أكثر من 16 ألف كيلومتر من الطرق و4 آلاف كيلومتر من السكك الحديدية و3500 كيلومتر من خطوط نقل الطاقة، لم يكن قيد التشغيل في عام 2025 سوى 18% من المشاريع المقررة. واستناداً إلى دروس المرحلة الأولى، تعطي الخطة الثانية للفترة من 2021 إلى 2030 الأولوية لتسعة وستين مشروعاً تتخذ من الأولويات الوطنية والإقليمية والأهمية العابرة للحدود، باستثناء البلدان الجزرية، معايير رئيسية للأهلية. وتشمل معايير الاختيار الأولي للمشاريع التآزر مع البنية التحتية القائمة، وخلق فرص العمل، والربط بين الريف والحضر، ودمج قضايا الشباب والمساواة بين الجنسين، والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ، والجدوى المالية والجاهزية لاستثمار القطاع الخاص. وتلجأ الخطة الثانية إلى أدوات متنوعة، كثيراً ما تُطوَّر بالاشتراك مع شركاء دوليين، لتيسير إعداد المشاريع وتنفيذها، كآلية تقديم الخدمات التابعة للبرنامج ومجموعة أدوات خلق فرص العمل التابعة له.
مجموعة أدوات خلق فرص العمل في برنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا
تدعم مجموعة أدوات خلق فرص العمل في البرنامج صناع السياسات ومطوري البنية التحتية في تقييم إمكانات مشروع البنية التحتية في خلق فرص العمل وتعظيمها. وتعتمد هذه المجموعة نموذجاً متطوراً قائماً على جداول المدخلات والمخرجات الخاصة بكل بلد وكل قطاع لتقييم آثار مشاريع البنية التحتية الكبرى في الاقتصاد ككل. وقد صُمم النموذج استناداً إلى تقييمات الأثر القائمة ومقابلات عديدة مع الخبراء ومراجعة للأدبيات، وتُحدَّث منهجيته بانتظام.
وبحلول عام 2023، كانت مشاريع البرنامج قد ولّدت نحو 162 ألف فرصة عمل. وتشير تقديرات التشغيل لأربعة وتسعين مشروعاً من مشاريع البرنامج منفذة في أربعة وثلاثين بلداً إلى إمكانية خلق ما يصل إلى 15 مليون فرصة عمل إضافية من خلال إنشاء هذه المشاريع وتشغيلها وصيانتها. فعلى سبيل المثال، يُتوقع أن يخلق ممر الشمال والجنوب، المؤلف من ستة عشر مشروعاً في ثمانية بلدان، 4.5 مليون فرصة عمل على امتداد عمر المشروع. فضلاً عن ذلك، قد تُخلق نحو 130 ألف فرصة عمل في قطاعات أخرى، منها الصناعات الزراعية الغذائية والتعدين والتجارة. وتتيح تقديرات التشغيل للبلدان المنسقة تخطيط التدخلات الحكومية استجابة للطلب على اليد العاملة.
يُعد الالتزام السياسي والمالي القوي على المستوى الوطني أساسياً لتنفيذ المشاريع الإقليمية والعابرة للحدود. فقد نشرت جماعات اقتصادية إقليمية عدة، كالجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، استراتيجيات لتطوير البنية التحتية الإقليمية في السنوات الأخيرة، غير أن دمج هذه الاستراتيجيات على المستوى الوطني لا يزال محدوداً، مما يؤخر تنفيذ مشاريع البرنامج. وتكشف تحليلات الترتيبات المؤسسية في خمسة ممرات تنموية بالفعل عن محدودية التفاعل بين هياكل حوكمة برامج البنية التحتية العابرة للحدود والاستراتيجيات الإقليمية والوطنية. ويكتسي الدعم السياسي المستمر على المستوى الوطني أهمية بالغة، نظراً لتفاوت مصالح البلدان في الاستثمار في البنية التحتية الإقليمية. فالبلدان المنتمية في آن واحد إلى أكثر من جماعة اقتصادية إقليمية، كأنغولا وبوروندي ورواندا، تميل إلى تفضيل المشاريع الإقليمية مع البلدان التي تربطها بها أقوى العلاقات التجارية، مما يبرز أهمية سلاسل القيمة الإقليمية في اختيار المشاريع. غير أن القيود المالية قد تدفع البلدان أحياناً إلى تقليص مشاركتها في المبادرات الإقليمية التي تتوقف على أداء بلدان أخرى وأفعالها ولا تظهر منافعها الفورية.
يلزم التخطيط والمتابعة، بما في ذلك عبر الابتكارات الرقمية، لتوليد بيانات موثوقة عن الأثر وتحسين النتائج الاقتصادية والاجتماعية لممرات التنمية. فالتجربة الدولية تشير إلى أن النتائج التنموية السلبية غير المقصودة للممرات تتطلب إدارة متأنية؛ فرغم أن متوسط أثر ممرات التنمية في الرفاه الاقتصادي يميل إلى أن يكون إيجابياً، تتباين النتائج الاقتصادية والاجتماعية تبايناً كبيراً بين المواقع دون الوطنية أو الفئات السكانية. ولم يُقيَّم أثر الممرات في تنمية البلدان الأفريقية تقييماً شاملاً بعد لأسباب عدة، منها أن ممرات التنمية حديثة نسبياً وبطيئة التنفيذ، وأن البيانات الموثوقة شحيحة، وأن ثمة تحديات منهجية كبيرة في عزل آثارها. ففي استطلاع شمل أصحاب المصلحة الرئيسيين في الممرات، رأى نحو 40% من المستجيبين أن آليات الرصد والتقييم الملائمة غائبة. ويمكن تحسين فاعلية تنفيذ ممرات التنمية إذا أدرجت السياسات والتخطيط هذه الشواغل في مرحلة مبكرة. كما يمكن للابتكارات الرقمية والبيانات الضخمة أن تشكل دعماً إضافياً لرصد الممرات وإدارتها.
فمراصد النقل في الممرات، كتلك المطبقة في الممرين الشمالي والأوسط في شرق أفريقيا، تجمع بيانات شبه آنية تتيح معلومات عن حجم التأخيرات المسجلة على امتداد ممر يعبر 51 حدوداً في 15 بلداً، وتغذي هذه البيانات عملية صنع القرار في إدارة الممر، فتسهم في تحسين أدائه.
يمكن لتعزيز قدرة المؤسسات الإقليمية على إدارة المشاريع، بالتوافق مع الحكومات الوطنية، أن يرفع فاعلية التنفيذ. فكثيراً ما تعوق محدودية قدرة الجماعات الاقتصادية الإقليمية على الإدارة الآلياتِ المؤسسية لتنفيذ مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود والإقليمية. فأقل من 40% من الجهات المستطلعة المنخرطة في تنفيذ ممرات التنمية ترى أن الآليات المؤسسية فعالة. ورغم أن الجماعات الاقتصادية الإقليمية في موقع جيد يؤهلها لوضع أطر التنسيق والتفاوض مع الشركاء الخارجيين، كبنوك التنمية والقطاع الخاص، فإنها كثيراً ما تفتقر إلى القدرة والشرعية اللازمتين لتنفيذ المشاريع الإقليمية باستقلالية. ولذلك قد يسهم إنشاء جهات اتصال مخصصة على المستوى الوطني، كوحدات تنفيذ مخصصة، في تعزيز الملكية الوطنية للمبادرات وتأمين التمويل الأولي، مما يسرّع في نهاية المطاف تنفيذ المشاريع الإقليمية. ويمكن للشركاء الإنمائيين أيضاً تقديم المساعدة المالية والدعم الفني المتخصص للجماعات الاقتصادية الإقليمية والهيئات المؤسسية المسؤولة عن إدارة الممرات، بغية تعزيز قدرتها على تنسيق المشاريع الإقليمية والإشراف عليها.
وفي عام 2020، أصبح مجمع الخبراء التابع لآلية تقديم الخدمات في البرنامج جاهزاً للعمل بالكامل، فقدّم خدمات استشارية في المراحل الأولى لعشرة من أصل تسعة وثمانين مشروعاً من مشاريع البرنامج. ويقوم هذا المجمع على خبراء يُتعاقد معهم عبر مناقصات تنافسية، ويقدم خدمات استشارية لأصحاب مشاريع البنية التحتية الإقليميين والوطنيين، كالدول الأعضاء والجماعات الاقتصادية الإقليمية وهيئات أحواض الأنهار، بهدف تسريع إنجاز المشاريع من مرحلة التصميم حتى الإغلاق المالي.
دعم الشركاء الإنمائيين لممرات التنمية
يميل الشركاء الإنمائيون إلى التوافق مع الأولويات الأفريقية، فيقدمون الدعم للممرات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي والجماعات الاقتصادية الإقليمية، مختارين منها ما يتوافق مع أهدافهم الاستراتيجية. فمن بين خمسة وخمسين ممراً حددتها التقارير الرسمية للاتحاد الأفريقي والجماعات الاقتصادية الإقليمية، كخطة العمل ذات الأولوية للبرنامج والبرنامج الثلاثي لتيسير النقل والعبور، حدد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء اثني عشر ممراً ذا أولوية في إطار استراتيجية البوابة العالمية، من شأنها أن تسهم في الربط بين أوروبا وأفريقيا، والسلام والأمن، والتنقل الأخضر القادر على الصمود، وخلق فرص العمل. ويقع أربعة من هذه الممرات في غرب أفريقيا، وثلاثة في وسطها، واثنان في شرقها، واثنان في الجنوب الأفريقي، وواحد في شمال أفريقيا وشرقها. وعلى نحو مماثل، تقدم اليابان مساعدتها في تنفيذ عشرة ممرات تنموية، ويتركز التعاون الياباني اعتباراً من عام 2025 أساساً على ثلاثة ممرات ذات أولوية اختيرت بناءً على توافقها مع مبادرات التنمية الإقليمية، وإمكاناتها التجارية والاقتصادية، وأوجه القصور في بنيتها التحتية، والتدخلات القائمة والمصالح الاستراتيجية لليابان.
وفي ما يخص المشاريع ذات الأولوية، يستطيع الشركاء الإنمائيون المساعدة في تعبئة التمويل، بما في ذلك الاستثمارات الخاصة. ففي عام 2021، بلغت الالتزامات للمشاريع ذات الأولوية في البرنامج 82 مليار دولار، أي دون الهدف البالغ 229 مليار دولار، جاء 42% منها من الحكومات الأفريقية، و55% من الشركاء الثنائيين ومتعددي الأطراف بما في ذلك 24% من الصين، و3% فقط من القطاع الخاص. ويمكن لمشاركة مؤسسات تمويل التنمية إلى جانب الشركاء الدوليين أن تدعم المؤسسات الأفريقية في تعبئة استثمارات خاصة تتلاءم مع السياقات المحلية. وتتعاون شراكة مجموعة السبع من أجل البنية التحتية والاستثمار العالميين والاتحاد الأوروبي مع مؤسسة التمويل الأفريقية وبنك التنمية الأفريقي لتعبئة الاستثمارات من أجل الربط وسلاسل إمداد الطاقة النظيفة في إطار ممر لوبيتو. وعلى نحو مماثل، تتيح أداة التمويل التابعة للصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة الموسع، المرتبطة باستراتيجية البوابة العالمية، أدوات لتقاسم المخاطر تصل إلى 40 مليار يورو، يُتوقع أن تعبئ ما يصل إلى 135 مليار يورو من التمويل العام والخاص عبر آليات المزج بين أشكال التمويل والضمانات.
وإلى جانب تعبئة الدعم المالي، يقدم الشركاء الإنمائيون دعماً فنياً كبيراً للممرات. ففي مرحلة التخطيط، يقدم الشركاء الثنائيون، كالوكالة اليابانية للتعاون الدولي، دعماً فنياً للحكومات والجماعات الاقتصادية الإقليمية في صياغة مخططات توجيهية لتطوير الممرات تغطي آفاقاً زمنية تتراوح بين عشرين وثلاثين عاماً. وقد تتخذ المساعدة الفنية أيضاً شكل أدوات ومنصات سياساتية تنسق بين أصحاب المصلحة وتيسر التنفيذ؛ فقد أسهمت ألمانيا مثلاً، عبر الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، إسهاماً كبيراً في تطوير أدوات في إطار البرنامج، منها مجموعة أدوات خلق فرص العمل وآلية تقديم الخدمات وختم الجودة التابع لها ومجمع الخبراء، كما أسهمت في إنشاء شبكات كالشبكة القارية للأعمال والشبكة الأفريقية للمرأة في البنية التحتية. ويستطيع الشركاء الإنمائيون كذلك التعاون مع الجماعات الاقتصادية الإقليمية في المسائل التنظيمية المتصلة بالممرات؛ فالاتحاد الأوروبي مثلاً يدعم حالياً الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في وضع آلية تنسيق جديدة وهيكل حوكمة جديد لإزالة العقبات أمام التجارة في الممرات الأربعة ذات الأولوية في غرب أفريقيا.
يمكن للمؤسسات الإقليمية، بدعم من تنظيم منسق، أن تعزز أثرها بتيسير التنفيذ المشترك للبنية التحتية المادية وغير المادية. فالبنية التحتية المادية تشمل الطرق والسكك الحديدية والموانئ، في حين تشمل البنية التحتية غير المادية الأطر التشريعية، كالأنظمة الجمركية أو مبادرات تشجيع الاستثمار. وقد حقق تحديث مقاطع الطرق في ممر التنمية بين داكار ولاغوس، أي زيادة عدد حارات السير وتحسين جودة الطرق وإزالة العوائق، منافع اقتصادية كبيرة قياساً إلى تكاليف الاستثمار، وتضاعفت هذه المنافع واتسع أثرها حين اقترنت بتدابير ترمي إلى تقليص التأخيرات على الحدود، كتشغيل المراكز الحدودية ذات المحطة الواحدة. ويُعد تنفيذ هذه المراكز من أولويات البرنامج لدعم هذه الجهود المشتركة. ففي شرق أفريقيا، كشف استطلاع شمل ثمانية مراكز حدودية ذات محطة واحدة عن انخفاض متوسط أوقات الانتظار بنسبة 42% منذ تشغيلها، ويعود ذلك جزئياً إلى تطبيق إجراءات جمركية موحدة بموجب قانون المراكز الحدودية ذات المحطة الواحدة لجماعة شرق أفريقيا لعام 2016 ولوائحها لعام 2017، الرامية إلى ضمان الاتساق والكفاءة في تخليص البضائع.
توجد مبادئ توجيهية شاملة لدمج بُعد النوع الاجتماعي في مشاريع البرنامج، لكن رصد التقدم المحرز في تطبيقها يمكن تحسينه. فالشبكة الأفريقية للمرأة في البنية التحتية، التي أُطلقت خلال أسبوع البرنامج في القاهرة عام 2019، منصة تقدم خدمات استشارية وتبادلاً للمعارف وبناءً للقدرات لمشاريع البرنامج وغيرها، بهدف تحسين الاستجابة لقضايا النوع الاجتماعي على امتداد دورة حياة البنية التحتية. ومن أولى مبادراتها اقتراح مجموعة شاملة من التوجيهات لتطوير بنية تحتية مراعية للنوع الاجتماعي، تدعو خاصة إلى متابعة جميع الإجراءات المتصلة بالمشتريات المراعية للنوع الاجتماعي، كتدريب رائدات الأعمال للحصول على الشهادات اللازمة أو اشتراط سجل من أنشطة الإدماج الجنساني لدى مقدمي العروض، عند اختيار مشاريع الخطة الثانية للبرنامج. كما تدعو إلى متابعة المشاريع وتقييمها تقييماً خاصاً من منظور النوع الاجتماعي، كتصنيف بيانات الأثر بحسب الجنس. وإلى جانب الالتزامات الأولية رفيعة المستوى، يظل التطبيق العملي لهذه التوجيهات والمتابعة المستمرة للتقدم نحو أهدافها مهمتين معلقتين.
مواءمة تخطيط البنية التحتية دون الوطنية مع خطط التنمية الوطنية يمكن أن توسع التحول الإنتاجي إلى ما وراء المناطق الحضرية الكبرى
تتطلب الاستجابة لسرعة التوسع الحضري في أفريقيا وحجمه تخطيطاً دقيقاً للبنية التحتية على مستويات متعددة. فالتحضر يجري بوتيرة أسرع مما في مناطق العالم الأخرى، مدفوعاً بالنمو السكاني السريع واتساع المناطق الحضرية. وفي عام 2050، سيعيش ثلثا سكان أفريقيا، أي 1.4 مليار نسمة، في تجمع حضري. ويُتوقع نشوء تجمعات كبرى ناتجة عن اندماج شبكات حضرية بأكملها، كما في بوروندي التي يُرتقب أن يشمل التوسع الحضري فيها البلد بأسره تقريباً بحلول منتصف القرن. ورغم أن التحضر قادر على دعم التحول الإنتاجي، فإن التخطيط الملائم على جميع المستويات، بما فيها المستوى دون الوطني والوطني والإقليمي، أمر جوهري.
ففي المدن، ينبغي للتخطيط الحضري أن يوفر البنية التحتية الأساسية لجميع السكان، فيحد من الاكتظاظ والتجزؤ اللذين يضران بوفورات التكتل. كما سيكون وجود بنية تحتية ملائمة أساسياً لدعم تطوير الأنشطة الإنتاجية، بما فيها التحويل والتخزين والتوزيع على المستوى المحلي، وهي أنشطة لازمة لتطوير سلاسل القيمة.
وعلى المستويات دون الوطنية والوطنية والإقليمية، يمكن للاستثمارات المنسقة في البنية التحتية أن تربط المدن الوسيطة والبلدات الصغيرة والفضاءات الريفية بالمراكز الاقتصادية الكبرى كالعواصم. وتبين تجربة غانا وكينيا كيف يمكن لممرات التنمية، كممر أبيدجان لاغوس وممر لابسيت، أن تحفز انتشار فضاءات حضرية جديدة حول الممرات، قد لا تستفيد من الآثار التحويلية ما لم يُخطَّط لها على نحو ملائم.
يمكن لتنسيق الاستثمارات في الأنواع المختلفة من البنية التحتية، مع مراعاة مقدمي الخدمات غير الرسميين القائمين، أن يحسن التنمية الحضرية. فالتخطيط الحضري قادر على رفع كفاءة الاستثمارات في البنية التحتية بضمان تنمية متكاملة بين القطاعات. ففي قطاع المياه مثلاً، طبّق ثلث المدن الأفريقية الست والثلاثين التي شملها الاستطلاع آليات للتنسيق بين القطاعات، منها التخطيط أو البرامج المشتركة والشراكات ومنصات الحوار أو مجموعات التنسيق، وأفادت 80% من هذه المدن بأن هذه المبادرات ساعدت في تجاوز العمل المنعزل الذي كثيراً ما يقف وراء ضعف التخطيط وغياب اتساق السياسات وتضارب الحوافز. وكشفت المقابلات التي أُجريت لهذا التقرير كذلك عن ضرورة مراعاة التفاعل مع شبكات البنية التحتية وأنظمتها القائمة؛ فالمخططون الحضريون مثلاً يستطيعون تكييف التنمية الحضرية مع السياق المحلي بمراعاة النقل غير الرسمي عند تقييم جدوى إدخال أنظمة الحافلات سريعة التردد.
ففي غانا، يزيد التوسع الحضري الحاجة إلى شبكات نقل موثوقة وميسورة؛ إذ يعيش حالياً 28% و35% من سكان أكرا وكوماسي على مسافة تزيد على ثلاثين دقيقة سيراً على الأقدام من أي سوق أو مدرسة أو مرفق صحي. ورغم أن إنشاء نظام كفؤ للحافلات سريعة التردد يمثل أولوية، فإن توسيع الشبكة القائمة من حافلات «التروترو»، وهي حافلات صغيرة تتسع لما بين أربعة عشر وأربعة وعشرين راكباً، قد يمثل بدوره سبيلاً واعداً لمواجهة هذا التحدي.
ستسهم مواءمة التخطيط دون الوطني مع أهداف التحول الإنتاجي في توسيع الآثار الاقتصادية إلى ما وراء المراكز الحضرية الكبرى. فرغم النمو السريع للتجمعات الحضرية الكبرى، يُتوقع أن يظل 62% من سكان أفريقيا، أي 1.3 مليار نسمة، مقيمين في المدن الوسيطة والبلدات الصغيرة والفضاءات الريفية حتى عام 2050. غير أن معظم المخططات العمرانية تقتصر حالياً على الحدود الإدارية للمدن، سواء عكست هذه الحدود المناطق الحضرية الوظيفية كالمناطق الحضرية الكبرى أم لم تعكسها، متجاهلة الروابط بين المناطق الحضرية والريفية. ويمكن لمقاربة متكاملة بين التخطيط دون الوطني والوطني أن تساعد في ربط أهداف التحول الإنتاجي بالتخطيط الحضري والريفي، فتعزز اتساق تطوير البنية التحتية. وفي عام 2021، تبين أن نحو ثمانية وثلاثين بلداً أفريقياً لديها استراتيجية حضرية وطنية، وكانت استراتيجيات إسواتيني والمغرب والسنغال وسيشيل وجنوب أفريقيا تتضمن خطط تنفيذ وقدرات مؤسسية ومالية وبشرية ملائمة. ويمكن لمراعاة العوائد الاجتماعية والبيئية لمشاريع البنية التحتية، ولا سيما في الفضاءات الريفية، أن تساعد الحكومات في تقييم الحاجة إلى التمويل العام وتحسين تحديد الأولويات.
ففي إثيوبيا، يركز المخطط الوطني للتنمية الحضرية والمكانية لعام 2035 على تعزيز الروابط بين تهيئة المجال الترابي والتنمية الاقتصادية والتحضر، ويبرز أهمية ممرات التنمية في داخل البلاد، والربط بالنقل بين المدن الوسيطة والفضاءات الريفية المحيطة بها، وتحويل التجمعات الريفية الكبيرة القائمة إلى مدن، وإنشاء تجمعات حضرية جديدة مرتبطة بمشاريع في قطاعات الصناعة والزراعة والتعدين وإنتاج الطاقة.
وفي أوغندا، أُنشئ مشروع التسريع الرقمي لإزالة الاختناقات الكبيرة التي تعيق مشاركة القطاع الخاص في مشاريع الربط في الميل الأخير، ومنها ارتفاع تكاليف ربط المساكن الريفية وشبه الحضرية، وضعف استعداد السكان المحليين للدفع، وغياب الحوافز الملائمة. وللتغلب على هذه التحديات، أعطت الحكومة الأوغندية الأولوية للاستثمارات العامة في كابلات الألياف الضوئية لتغطية ثلاثة وستين مقاطعة إضافية، وإنشاء واحد وعشرين موقعاً للإرسال، وتوسيع الربط في الميل الأخير ليشمل 2800 موقع في أرجاء البلاد، وذلك في إطار هذا المشروع.
تُعد التحويلات المالية وقدرات الحكومة أساسية لتمكين المؤسسات دون الوطنية من تنفيذ السياسات وتخطيط الاستثمارات في البنية التحتية. فوفقاً لتصنيفات البيئة التمكينية للمدن، وهي تقييم شامل لقدرات الحكومات دون الوطنية، أحرز اثنان وأربعون بلداً من أصل ثلاثة وخمسين بلداً أفريقياً تقدماً في تحسين بيئاتها المؤسسية بين عامي 2012 و2021، مع تقدم ملحوظ في التحويلات المالية والشفافية ومشاركة المواطنين. غير أن مدناً أفريقية كثيرة تواجه تحويلات مالية غير قابلة للتنبؤ، ونقصاً في القدرات، وهياكل حوكمة مجزأة، مما يعيق قدرتها على تنفيذ السياسات الحضرية بفاعلية وتخطيط الاستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية. ولم يمنح البلديات استقلالية في تحصيل الإيرادات، أي في الوعاء الضريبي والرسوم والتعرفات، وفي النفاذ إلى الأسواق المالية، سوى عدد قليل من البلدان كجنوب أفريقيا وزامبيا وزيمبابوي. وفي تقرير «إحصاءات الإيرادات في أفريقيا»، لم يُبلغ سوى ستة بلدان أفريقية عن تحصيل إيرادات على المستوى دون الوطني. وعلى نحو مماثل، تفتقر معظم المدن إلى مخططين حضريين مؤهلين، إذ لا يتجاوز عدد المديرين والفنيين 0.4 لكل ألف نسمة في غانا وموزمبيق وأوغندا، مقابل 8 لكل ألف في الهند و36 في البلدان مرتفعة الدخل.
ويتيح صندوق الصمود الحضري، الذي أطلقته شركة إدارة الاستثمارات «ميريديام» بالشراكة مع مؤسسة روكفلر وصندوق الأمم المتحدة للمشاريع الإنتاجية، موارد مالية وفنية للمدن الأفريقية لإنجاز مشاريع بنية تحتية مستدامة، لا سيما في مجالات التنقل الحضري والتحول الطاقوي والبنية التحتية الاجتماعية، وقد أغلق الصندوق جولة استثمارية أولى بقيمة 290 مليون دولار.
ومنذ عام 2019، يدير بنك التنمية الأفريقي صندوقاً للتنمية الحضرية والبلدية يوفر التمويل والمساعدة للحكومات الوطنية والمحلية الساعية إلى تحسين قدرة المدن على الصمود وصلاحيتها للعيش وإنتاجيتها. وقد اختارت لجنة الإشراف على الصندوق ست مدن أفريقية كبرى ستحدد فيها مشاريع بنية تحتية تحويلية قادرة على اجتذاب استثمارات القطاعين العام والخاص، بهدف شمول ما يصل إلى خمس وثلاثين مدينة بحلول عام 2027.
ومنذ عام 2022، تتعاون المفوضية الأوروبية والوكالة الفرنسية للتنمية في برنامج ضمانات يُعرف باسم «سيتيريز» بميزانية قدرها 30 مليون يورو، يرمي إلى دعم تطوير الأسواق المصرفية الوطنية لتخفيف الدين العام المحلي، ولا سيما في المدن الوسيطة، عبر الحد من المخاطر المرتبطة بإقراض المصارف الأفريقية الخاصة والعامة، من خلال منح الضمانات وتقديم المساعدة الفنية.
الحوكمة الفعالة للبنية التحتية يمكن أن تسرّع المشاريع وتحسن استدامتها التشغيلية
تحسين حوكمة البنية التحتية واستمرار الدعم المؤسسي يمكن أن يجعلا مشاريع البنية التحتية أكثر كفاءة
بفضل حوكمة أفضل للبنية التحتية، تستطيع البلدان الأفريقية، ولا سيما منخفضة الدخل منها، أن تحقق نتائج أفضل بكثير بالموارد ذاتها. وتُعرَّف حوكمة البنية التحتية بأنها السياسات والأطر والمعايير والعمليات والأدوات التي تستخدمها الهيئات العامة لتخطيط دورة حياة البنية التحتية العامة بأكملها واتخاذ القرارات بشأنها وتنفيذها ورصدها. وقد تمثلت أبرز مشكلات حوكمة مشاريع البنية التحتية الأفريقية تاريخياً في تجاوز التكاليف والتأخيرات ونقص القدرات الإدارية، ولا سيما في التخطيط، والاستحواذ على الدولة، وقصور مشاركة أصحاب المصلحة. وتشير بيانات حديثة من سبعة وثلاثين بلداً منخفض الدخل إلى أن ما يصل إلى 53% من موارد الاستثمار قد يُهدر بسبب ضعف إدارة الاستثمار العام، بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية، ويعود ذلك أساساً إلى أوجه القصور في المتابعة وتمويل الصيانة واختيار المشاريع وتقييمها والموازنة متعددة السنوات.
قد تحول محدودية القدرات دون التزام تنفيذ المشاريع بالخطط المحددة مركزياً وبالمعايير الدولية للحوكمة. فالمعايير الدولية لحوكمة مشاريع البنية التحتية تدعو إلى أفضل الممارسات، كوضع خطط استراتيجية واتخاذ القرارات بمشاركة واسعة من أصحاب المصلحة، وإنشاء هيئات حوكمة مستقلة، وامتلاك قدرات واسعة في التمويل والإدارة طوال عمر المشروع. غير أن هياكل الحوكمة المركزية في البلدان الأفريقية، حتى حين تستوفي المتطلبات المؤسسية رسمياً، كثيراً ما أخفقت في دمج الأجندات المحلية والوطنية وفي مراعاة محدودية التمويل المتاح، مما أفضى إلى فجوة في التنفيذ. فرغم التقدم المحرز في السنوات العشر الأولى من برنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا، تأخر إعداد المشاريع وتنفيذها عن الجدول الزمني الأصلي، ولم يبلغ نحو 25% من أكثر من أربعمئة مشروع اختيرت في إطار الخطة الأولى مرحلة دراسة الجدوى لعدم نضجها.
يمكن لحوكمة محلية الطابع ومكيفة مع السياق الخاص لمشاريع البنية التحتية أن تكون فعالة حتى في الظروف الصعبة. فعلى الصعيد العملي، يمكن لنماذج الحوكمة البراغماتية المكيفة مع السياق، التي تقر بمحدودية القدرات والحوافز السلبية واختلال موازين القوى، أن تنجح في السياقات الأفريقية. فالمشاريع العابرة للحدود مثلاً يمكن أن تستفيد من فهم محلي للإسهامات الجوهرية لكل دولة في تحقيق المنفعة الجماعية، مما يتيح لأصحاب المصلحة تجنب الاختناقات في المبادرات. وفي البلدان منخفضة الدخل خاصة، يمكن للمعرفة العميقة بأصحاب المصلحة في المشاريع المحلية، بما في ذلك مصالحهم وقدراتهم، وبظروف التنفيذ، أن تيسر الحوكمة الفعالة للمشاريع وتتيح تشكيل تحالفات من أصحاب المصلحة تدعم المشاريع طوال مدتها.
يمكن للنظر إلى البنية التحتية بوصفها «سلعة نادٍ» أن يساعد في توضيح حوافز أصحاب المصلحة وتحديد هياكل تعاون فعالة. ففي علم الاقتصاد، تشير سلع النادي إلى السلع غير التنافسية في الاستهلاك لكنها حصرية في النفاذ. وفي مقاربة «النادي»، يدعو أصحاب مشاريع البنية التحتية طوعاً مجموعة محدودة من أصحاب المصلحة إلى المشاركة الفعلية في حوكمة المشروع. وقد تكون هذه المقاربة أكثر فاعلية وكفاءة من التشاور الإلزامي الواسع مع جميع أصحاب المصلحة في المشروع، لأنها تشرك بصورة أكثر مباشرة بعض الفاعلين المعنيين بتنفيذه، وتقلل في الوقت ذاته خطر المفاوضات المطولة والنزاعات القانونية مع أطراف هامشية وانتهازية. كما يمكن للنظر إلى مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود في أفريقيا بوصفها سلع نادٍ أن يبين كيف تتضافر الإسهامات الوطنية بأشكال مختلفة لتوليد قيمة مشتركة للبلدان المشاركة. فممر النقل مثلاً لا يكون مفيداً لأي بلد مشارك إلا بقدر إسهام «الحلقة الأضعف»، في حين يمكن لجميع البلدان في شبكة التجوال المتنقل أن تستفيد بالقدر نفسه مما يقدمه أفضل مزود وطني. وخارج أفريقيا، طُبقت شركات التطوير، وهي هياكل تنظيمية تدير سلع النادي، بنجاح لإدارة البنية التحتية إدارة شاملة في أحياء أو مواقع معينة داخل المدن، وحققت بعض النتائج الإيجابية، ولا سيما في منطقة الكاريبي.
آليات إعداد مشاريع البنية التحتية كثيرة في أفريقيا، لكنها كثيراً ما تفتقر إلى التمويل والتنسيق الكافيين. فتحديات الحوكمة تشتد غالباً في مشاريع البنية التحتية الكبيرة والمعقدة، لأنها تتطلب قدرات تنفيذية محدودة في البلدان الأفريقية، والغاية من هذه الآليات تعزيز القدرات في مثل هذه الحالات. ووفقاً لحصر عالمي لآليات إعداد مشاريع البنية التحتية في عام 2021، يوجد 44% منها في أفريقيا، لكنها تدعم في المتوسط مشاريع أقل عدداً وأدنى قيمة مالية مما في مناطق العالم الأخرى. وعلى غرار وحدات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كثيراً ما تفتقر هذه الآليات في أفريقيا إلى الموارد اللازمة لتقديم دعم فني وتشغيلي مستدام ومفصل، وتواجه صعوبات في تحديد الأولويات بين المشاريع وفي التعاون فيما بينها.
وفي عام 2021، أصلحت السنغال إطارها التنظيمي المتعلق بإعداد مشاريع البنية التحتية وإبرام عقودها وإدارتها، وشملت هذه الإصلاحات إنشاء صندوق لدعم إعداد المشاريع وتوسيع دراسات الجدوى الأولية اللازمة لتقييم الجدوى المالية والتشغيلية للمشاريع. وأصبح تقييم القدرة على التحمل من منظور الموازنة، بما في ذلك تحديد الالتزامات العامة طويلة الأجل اللازمة وتقييم قابلية المشروع للتمويل المصرفي، إلزامياً قبل إطلاق إجراءات الشراء العام. وتعتزم السنغال تحسين الإفصاح عن المعلومات بنشر تقارير المناقصات العامة وشروط عقود الشراكة على الموقع الإلكتروني للجهة التنظيمية.
يمكن لوحدات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إذا خضعت للإصلاحات الملائمة، أن توسع ما تقدمه من أدوات حوكمة تخفف المخاطر المالية والتحديات التعاقدية في المشاريع الكبيرة والمعقدة. وهذه الوحدات كيانات حكومية متخصصة صُممت لتيسير تطوير برامج الشراكة وتقديم الدعم الإداري والفني. وتبين التقديرات أن الإصلاحات المؤسسية التي تحسن مثلاً مكافحة الفساد وسيادة القانون وجودة التنظيم ومساءلة المؤسسات العامة قد تتيح ما لا يقل عن 20 مليار دولار من استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية خلال أربع سنوات، لأن هذه الإصلاحات تمكّن القطاع الخاص من تحمل مخاطر متزايدة. ورغم أن اثنين وأربعين بلداً أفريقياً اعتمدت تشريعات بشأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فإن قلة منها فقط تجتذب استثمارات خاصة، مما يوحي بالحاجة إلى إصلاحات أخرى. وعلى نحو مماثل، رغم أن ستاً وثلاثين حكومة أفريقية، أي 67%، أنشأت وحدات للشراكة، فإن وحدات سبعة بلدان فقط، أي 13%، تراجع المخاطر المالية للمشاريع، وخمسة، أي 9%، تجري تقييمات وتدقيقات بعد إنجاز المشاريع، ولا تستشير أي منها المجتمعات المتأثرة بشأن آثار مشاريع الشراكة. وقد يشكل محدودية الدعم المؤسسي مصدر قلق كبير في البلدان الأفريقية ذات المستويات المنخفضة من التنمية البشرية؛ فرغم أن احتمال امتلاكها وحدة للشراكة يماثل في المتوسط احتمال امتلاك غيرها من البلدان الأفريقية لها، فإنها أقل ميلاً بكثير إلى توفير تخفيف المخاطر وإدارة العقود وتدريب الموظفين.
يمكن لتنمية المهارات الفنية والمعرفية والتجارية في الإدارات العامة، ولا سيما في وحدات الشراكة، أن تسهم في تخفيف مخاطر المشاريع. فمشاريع الشراكة كثيراً ما تكون معقدة من الناحيتين القانونية والفنية، وتلزم المهارات الفنية في الهيئات العامة المنخرطة في مرحلتي تحديد الأولويات والتخطيط. وهذه المهارات ضرورية لإجراء تقييمات مسبقة دقيقة، كتحليلات التكلفة والمنفعة، ولاكتساب الكفاءات في تصميم العقود بما يضمن نقلاً ملائماً للمخاطر ويحول دون إعادة التفاوض على عقود الامتياز. كما يُعد امتلاك معارف متخصصة في الإصلاحات التنظيمية واتفاقات الامتياز وإجراءات إبرام العقود والتفاوض مع الأطراف الخارجية أمراً جوهرياً للحد من اختناقات التنفيذ، ومن ثم من مخاطر المشاريع على الحكومات. وتحتاج البلدان الأقل نمواً بوجه خاص إلى تنمية مهارات تمكّن الموظفين من هيكلة مشاريع تستهدف الصمود أمام تغير المناخ. وقد كشف اجتماع الخبراء الذي عقدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والرابطة الأفريقية لتطوير البنية التحتية والاستبيان الذي أُجري في إطار إعداد هذا التقرير عن نتائج مماثلة؛ فرغم توفر المؤهلات الفنية، كالهندسة والتخطيط الحضري، في الوكالات الحكومية، كثيراً ما يُلاحظ نقص في المهارات الإدارية والتجارية يعيق الشراكات. ويمكن للتدريب على السياسات ومجتمعات التعلم أن تدعم تنمية مهارات وحدات الشراكة وغيرها من الجهات.
وتسهم أكاديمية مرفق الدعم القانوني الأفريقي في بناء القدرات عبر برنامج اعتماد من ثلاثة مستويات، ويضم مستودعها الإلكتروني دورات للتعلم عن بعد ومواد داعمة أخرى لمساعدة أصحاب المصلحة على تحسين معارفهم ومهاراتهم في مجالات منها البنية التحتية والشراكات والتعدين والنفط والغاز والطاقة والدين السيادي وتسوية المنازعات.
ومنذ عام 2023، يتيح مشروع تسريع الاستثمار في البنية التحتية الجيدة في أفريقيا وتوسيع نطاقه، الذي ينفذه بصورة مشتركة المركز الأفريقي للتحول الاقتصادي ووكالة التنمية التابعة للاتحاد الأفريقي (النيباد) ومركز التنمية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، للمسؤولين في وحدات الشراكة والوزارات والوكالات المتخصصة في أفريقيا التعلم من تجارب بعضهم بعضاً عبر ورش تفاعلية للتعلم بين النظراء تتناول مجالات كتصميم المشاريع وإعدادها وتنفيذها. وتتيح وحدات تدريبية محددة ومناقشات تفاعلية مع مهنيين من كبرى المؤسسات المالية الإقليمية والقطاع الخاص تبادل معلومات محدثة عن محافظ المشاريع ذات الأولوية في البلدان وفرص الاستثمار المرتبطة بها.
يمكن لتنمية المهارات المراعية للنوع الاجتماعي أن تزيد المعروض من اليد العاملة المؤهلة للوظائف المتصلة بالبنية التحتية. فباستخدام قطاع البناء مقياساً تقريبياً لقطاع البنية التحتية، لا تمثل النساء سوى 4% من القوى العاملة في أفريقيا، مقابل 8% في البلدان النامية في آسيا و11% في البلدان مرتفعة الدخل. ويمكن تفسير تدني نسبة العاملات جزئياً بالأعراف والتصورات الاجتماعية المقيدة المرتبطة بالأعمال اليدوية. ففي استطلاع عالمي لخبراء يعملون في مجال الطاقة المتجددة، حدد أكثر من 60% من المستجيبين الأفارقة الأعراف الاجتماعية، و50% منهم نقص المهارات ذات الصلة، بوصفها العقبات الرئيسية التي تحول دون نفاذ النساء إلى الوظائف في هذا القطاع. وشدد أكثر من 80% من المشاركين الأفارقة في الاستطلاع على أن تنمية المهارات والتدريب للنساء ينبغي أن يكونا الأولوية السياساتية القصوى لزيادة فرصهن في سوق العمل. وقد بدأت تظهر مبادرات مراعية للنوع الاجتماعي.
فمنذ عام 2017، يسعى مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي في غامبيا إلى إعادة تأهيل أكثر من مئة كيلومتر من الطرق الثانوية، مع توظيف النساء في أعمال البناء لأول مرة، إذ يشكلن 60% من فريق العمل. ويهدف المشروع إلى تحسين الأمن الغذائي في البلاد بربط صغار المزارعين بالطرق السريعة الرئيسية.
تحسين استرداد التكاليف والتخطيط المسبق للصيانة يمكن أن يضمنا الاستدامة التشغيلية
ثمة سبل عدة يمكن استكشافها لتوليد الإيرادات من مشاريع البنية التحتية، غير أن العبء المالي الواقع على المستخدمين الأكثر حرماناً يمثل مفاضلة مهمة. فتحصيل رسوم مباشرة من مستخدمي البنية التحتية قد يكون أقل جدوى وأقل استحساناً من الناحية الاجتماعية في أفريقيا منه في مناطق العالم الأخرى. ففي أفريقيا، لا يعتمد على رسوم الاستخدام، كرسوم المرور، سوى 15% من مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في حين يتمثل المصدر الرئيسي لإيرادات 40% منها في المدفوعات الناشئة عن اتفاقات الشراء العام، أي الترتيبات التعاقدية التي تتعهد فيها الحكومات بسداد مدفوعات منتظمة للشريك الخاص، بينما تبلغ هاتان النسبتان في أمريكا اللاتينية والكاريبي 29% و24% على التوالي. وفي حالة الشراكات خاصة، ينبغي للحكومات أن تبرر بعناية العبء المالي المزدوج على المواطنين، عبر الضرائب والرسوم المباشرة معاً، بتقييم واقعي لإمكانات الإيرادات والمخاطر المالية المرتبطة باتفاقات الشراء العام طويلة الأجل وتكلفة إدارة الشراكات المعقدة مقارنة بتقديم الخدمات العامة مباشرة. وتُعد المشاورات العامة مع المستخدمين الذين سيدفعون الرسوم مستقبلاً ومنح تخفيضات للمتنقلين يومياً والسكان المحليين روافع أساسية لزيادة القبول العام. وإلى جانب الرسوم المباشرة، يمكن استكشاف آليات لتحقيق عائد من القيمة غير المباشرة التي تولدها مشاريع البنية التحتية، كقيمة الأراضي والقيمة التجارية أو أرصدة الكربون، ولرفع كفاءة تحصيل الرسوم من المستخدمين، كالعدادات الذكية ورسوم المرور الإلكترونية، بغية تحسين استرداد التكاليف.
ففي حالة الطريق المدفوع الرسوم في ليكي بمدينة لاغوس في نيجيريا، أثارت رسوم المرور المرتفعة في البداية استياءً عاماً دفع الحكومة إلى دعم هذه الرسوم، فخلق هذا الحل في نهاية المطاف عبئاً على الموازنات العامة ربما فاق العبء الذي كان سينجم عن التمويل العام المباشر للطريق.
يمكن لمرافق الطاقة والمياه أن تحسن تسعير خدماتها وفوترتها لتخفيف الضغط على الموازنات العامة. ففي قطاعي الطاقة والمياه، لا يسترد تكاليف التشغيل والصيانة وخدمة الدين سوى مرفق واحد من كل ثلاثة مرافق عامة. وفي كينيا، يمثل الضخ المالي في المؤسسات العامة في قطاعات البنية التحتية 0.26% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي قيمة مماثلة لما في البلدان النامية الأخرى، حيث تتراوح عمليات ضخ رأس المال بين 1.6% و4% من موازنة الدولة. وتشير تقديرات عام 2016 إلى أن الوسيط للتكلفة الخفية التي تتكبدها شركات الطاقة في تسعة وثلاثين بلداً أفريقياً يبلغ 0.42% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الأسعار المتدنية، و0.31% بسبب الفاقد الفني، و0.22% بسبب فائض الموظفين، و0.15% بسبب قصور تحصيل الفواتير. ويمكن للتقنيات الرقمية، بما فيها العدادات الذكية، أن تساعد في الفوترة ومتابعة المسائل الفنية شريطة تكييفها مع السياق المحلي، ويتوقف نجاح تطبيقها على استراتيجيات التطوير التكنولوجي، أي ما إذا كانت التقنيات تُطوَّر داخلياً أم تُقتنى، وعلى التدريب الملائم وإعادة تأهيل اليد العاملة لاستخدام الأنظمة الجديدة، فضلاً عن إطار تنظيمي داعم.
تخصص البلدان الأفريقية أموالاً غير كافية للصيانة. ففي ستة وأربعين بلداً نامياً، تبين التقديرات أن الحكومات لا تخصص في المتوسط سوى نحو 14% من النفقات الرأسمالية على الطرق لصيانتها، في حين تبلغ الحصة المقدرة التي ينبغي تخصيصها للصيانة لبلوغ الأهداف السياساتية 31% في قطاع النقل و37% في قطاع المياه والصرف الصحي و23% في قطاع الطاقة والكهرباء في البلدان الأفريقية باستثناء بلدان شمال أفريقيا.
يتوقف التخطيط المسبق للصيانة على مقاربات موحدة وشفافة لتقييم احتياجاتها، وعلى إرساء آليات تمويل واضحة. ففي واحد وثلاثين بلداً أفريقياً، تحتل الصيانة المرتبة الأدنى في تصنيف مشاريع حوكمة البنية التحتية لدى صندوق النقد الدولي. وتسجل التصاميم المؤسسية في مجال الصيانة، أي قدرة البلدان على تطبيق منهجيات متسقة لتقدير الصيانة الروتينية والصيانة كثيفة رأس المال وتخطيطها، درجة متدنية تبلغ 1.53 نقطة، مقابل 1.93 نقطة في البلدان الأوروبية. ويعود تدني درجة أفريقيا جزئياً إلى غياب معايير موحدة على المستويين الإقليمي والدولي؛ فبعض الجماعات الاقتصادية الإقليمية، كالاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا والجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا، أصدرت توجيهات منهجية بشأن الاستثمار العام، لكنها لا تشمل الصيانة. وفي هذه البلدان الواحد والثلاثين، تتدنى أيضاً الدرجة المتعلقة بالفاعلية، أي القدرة على التنفيذ، ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى محدودية إدراج الصيانة في الموازنات العامة. وحين تُدرج، كثيراً ما تقتصر على الطرق وتظل عرضة لقرارات الموازنة السنوية وأولويات الإنفاق المتنافسة. ويتطلب تجاوز هذه الاختناقات تحسينين أساسيين على الأقل: أولهما اعتماد مقاربات موحدة وشفافة لتقييم احتياجات الصيانة في جميع قطاعات البنية التحتية، وثانيهما إرساء آليات تمويل واضحة، سواء في إطار الموازنات السنوية أو عبر صناديق مخصصة ورسوم الاستخدام.
فالاستراتيجية الوطنية لصيانة البنية التحتية في جنوب أفريقيا تلزم جميع القطاعات والمؤسسات، من البلديات إلى المؤسسات العامة، بوضع خطط لإدارة أصول البنية التحتية تشمل جرد الأصول وتقييم حالتها والتنبؤ باحتياجات صيانتها وإعادة تأهيلها بمرور الوقت.
ويُكلَّف الصندوق الوطني للطرق في أوغندا بتمويل الصيانة الروتينية والدورية للطرق العامة في أرجاء البلاد، ويستمد تمويله حصراً من رسوم استخدام الطرق، بما فيها الرسوم على الوقود ورسوم عبور المركبات ورخص السير وغرامات الحمولة المحورية ورسوم المرور وغيرها من الرسوم ذات الصلة.
شهادات الجودة الداعمة للأولويات الأفريقية والملائمة للظروف المحلية يمكن أن تساعد في تسريع تطوير البنية التحتية وتوسيع نطاقه
يتعين على مطوري البنية التحتية في أفريقيا الاستجابة بسرعة لضرورة إنشاء قدر كبير من البنية التحتية الجيدة لدعم التنمية والتحول الإنتاجي في القارة. واعتماد المشاريع مفيد لضمان استيفائها معايير الجودة، وهو أمر يظل أساسياً لاجتذاب التمويل، غير أن اعتماد الجودة قد يستغرق وقتاً ويعيق تنفيذ المشروع. فمشاريع البنية التحتية في البلدان الأفريقية تصطدم بعقبات في الحصول على الشهادات، تنطوي على جهود إدارية وتدريبية ومتطلبات إفصاح وبيانات وتكاليف مرتبطة بها، قد لا تلائم السياق نظراً للطلب المرتفع على البنية التحتية في أفريقيا. ولذلك لا تُستخدم كثير من الشهادات الدولية للبنية التحتية الجيدة على نطاق واسع في أفريقيا، وهي أشد تخصصاً من أن تعبئ الممولين لصالح أولويات الاتحاد الأفريقي. وللتغلب على هذه التحديات، لا بد من إعطاء الأولوية للمشاريع المتوافقة مع خطط التنمية الأفريقية المحددة عموماً في إطار برنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا.
يُعد ختم الجودة التابع للبرنامج أداة مفيدة لاجتذاب التمويل لمشاريع البرنامج القابلة للتمويل في مرحلة الإعداد. فهو شهادة لمشاريع البرنامج في مراحلها الأولى، من المقترح المفاهيمي إلى دراسة الجدوى والهيكلة وصولاً إلى الإغلاق المالي، ويرمي إلى تحسين جودة محفظة مشاريع البرنامج وقابليتها للتمويل المصرفي. ويمثل هذا الختم، الذي تمنحه آلية تقديم الخدمات التابعة لوكالة التنمية التابعة للاتحاد الأفريقي (النيباد)، اعترافاً أفريقياً بجودة المشاريع ذات الأولوية في البرنامج يعكس التزامها بأفضل الممارسات الدولية في إعداد المشاريع وهيكلتها. وفي عام 2025، يُقدّر أن ما بين اثني عشر وخمسة عشر مشروعاً قد حصلت على الاعتماد عبر هذا الختم، وهو عدد يمكن زيادته كثيراً، لأن الخطة الثانية للبرنامج تضم نحو تسعة وستين مشروعاً معظمها في مرحلة الإعداد. ويمكن للختم أن يصبح علامة جودة أكثر رسوخاً وانتشاراً، تضمن حداً أدنى من المعايير لمشاريع البنية التحتية الممولة حكومياً، وتشكل مؤشراً على القابلية للتمويل المصرفي والأهلية للحصول على تمويل من مؤسسات التمويل الإنمائي.
المراحل الثلاث لختم الجودة التابع لبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا
يُعد ختم الجودة أداة لإعداد المشاريع تُتاح لمشاريع مختارة من البرنامج في إطار آلية تقديم الخدمات التي أنشأتها وكالة النيباد في عام 2014 بدعم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي. وفي إطار هذه الآلية، تندرج الوحدة المسؤولة عن الختم ضمن مديرية تنفيذ البرامج وتنسيقها في الوكالة. ويتألف الختم من ثلاث مراحل، تُمنح شهادة عند اجتياز كل منها بنجاح.
ففي مرحلة تحديد المشروع، يطبق الختم منهجية للتحقق السريع تستند إلى مجموعة من المعايير المصممة لإتاحة إنجاز التقييم في ثلاثين يوماً. وتتوزع هذه المعايير على محورين وخمسة أبعاد؛ ففي محور السياق الاستراتيجي تُقيَّم الأولوية الإقليمية وجاهزية القطاع واهتمام القطاع الخاص، وفي محور المشروع تُقيَّم جاهزية المشروع وجاذبيته للشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتُستخدم منهجية التحقق السريع لتحديد أهلية المشاريع وتقييمها معاً، للتحقق من استيفاء معايير الدخول الأساسية وفحص نقاط الضعف والقوة في المرحلة الأولى. وتُلخَّص النتائج وتُعد خارطة طريق للنفاذ إلى آليات إعداد المشاريع، وتُدرج في مذكرة تصميم المشروع التي تمثل شهادة المستوى الأول.
وتنطوي مرحلة ما قبل الجدوى على نشاطين؛ أولهما تحديد آليات إعداد المشاريع المحتملة لتمويل دراسات الجدوى وضمان استيفاء المشروع معايير أهليتها، وثانيهما تقييم اتساق المشروع ونضجه وجدواه. وبذلك تمثل شهادة المستوى الثاني، التي يمكن الحصول عليها في غضون ستة إلى تسعة أشهر، إثباتاً لجاهزية المشروع للانضمام إلى محفظة إحدى آليات الإعداد، وترافقها مذكرة معلومات عن المشروع مخصصة لاستقطاب التمويل.
وأخيراً، تركز مرحلة الجدوى والقابلية للتمويل المصرفي على إجراء دراسات الجدوى بتمويل من آليات الإعداد، وهيكلة المشروع وتأهيله للتمويل المصرفي، والبحث عن خيارات التمويل استناداً إلى مكوناته التجارية وغير التجارية. وتتمثل شهادة المستوى الثالث في إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاق المالي للمشروع، الذي ينبغي التوصل إليه في غضون عامين.
يمكن توسيع نطاق الشهادات الدولية لجودة البنية التحتية لتشمل مراحل تنفيذ المشاريع. فالشهادات الدولية تجسد مبادئ الجودة الكبرى في صيغ ملموسة، إذ تشترط التزام المشروع بمعايير فنية محددة. ولما كانت الشهادات تنطوي عادةً على تحقق خارجي معمق ومساءلة بعد مرحلة دراسة الجدوى، فإنها قد تشكل إشارة آمنة وموثوقة للممولين، لا تنقل الجدوى المالية فحسب، بل التوافق مع أهداف الاستدامة أيضاً. وثمة أدوات اعتماد كثيرة، لكنها لا تُطبق إلا على عدد ضئيل جداً من المشاريع:
فشبكة «بلو دوت»، التي أُطلقت في أبريل 2024، تجمع معايير قائمة تستند إلى مبادئ مجموعة العشرين بشأن الاستثمار في البنية التحتية الجيدة، وتكمّل الشهادات التي تركز على الجودة الفنية للمشاريع أو على استدامتها البيئية. وتستوفي المشاريع المشاركة أبرز المعايير الدولية للاستثمار في البنية التحتية الجيدة، مغطيةً العناصر العشرة للشبكة. ويجري الآن تطبيق هذه العناصر على المشاريع الحاصلة على ختم الجودة التابع لبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا، بما يوسع اعتماد هذه المشاريع من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التنفيذ.
ويسعى ختم البنية التحتية المستدامة «فاست إنفرا» إلى تحديد المشاريع القابلة للتمويل لتشجيع المشاركة المحلية، بما فيها مشاركة مؤسسات التمويل الإنمائي، ويعتمد أربعة عشر معياراً تقيس الاستدامة في أبعادها البيئية والاجتماعية والمتعلقة بالحوكمة والتكيف والقدرة على الصمود، ويستند إلى أكثر من خمسة وعشرين إطاراً تنظيمياً وتوجيهات وتصنيفات دولية. وقد اعتُمد حتى الآن ثمانية عشر مشروعاً في ستة عشر بلداً، منها ثمانية في أفريقيا موزعة على كوت ديفوار ومصر والغابون وكينيا والسنغال وجنوب أفريقيا وتنزانيا وأوغندا. ففي جنوب أفريقيا، نال مطور مشروع «مزانسي» لرأس مال الطاقة النظيفة هذا الختم عن مشروعه التجريبي لشبكة صغيرة هجينة تعمل بالطاقة الشمسية، يرمي إلى خدمة 725 أسرة وتجنب 5 كيلوطن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً وتوفير 12 ميغاواط من الطاقة الشمسية عبر صندوق بقيمة 35 مليون دولار.
ويوفر معيار الأيزو 14001 الصادر عن المنظمة الدولية للتوحيد القياسي إطاراً لتطبيق نظام للإدارة البيئية، وتتراوح تكلفته بين 3 آلاف و10 آلاف دولار كل ثلاث سنوات. وقد استُخدم في أكثر من ثلاثمئة ألف شهادة وخمسمئة ألف منشأة، منها أكثر من أربعة آلاف شهادة وستة آلاف مشروع في أفريقيا. ومن أمثلة ذلك شركة «سين أو» للمياه في السنغال التي توفر مياه الشرب بمستوى صلاحية يبلغ 99.1% لخمسة ملايين نسمة.
ويهدف ختم المحطة الخضراء إلى خفض البصمة الكربونية للأنشطة المينائية عبر ختم يشمل ثمانية محاور، وتتضمن كل دورة سنوية تقييماً ذاتياً وتدقيقاً تجريه جهة خارجية. ويقع عشرة من المشاريع الأحد عشر الحاصلة على هذا الختم في أفريقيا، ثلاثة منها في كوت ديفوار وواحد في كل من بنين والكاميرون والغابون وغانا وغينيا والسنغال وسيراليون. فعلى سبيل المثال، نال ميناء فريتاون في سيراليون هذا الختم في عام 2022 بعد أن خفض أثره البيئي بنحو 30% منذ عام 2019، ولا سيما بتركيب نظام إنارة يعمل بالكامل بمصابيح الصمامات الثنائية الباعثة للضوء وتنفيذ مشروع تشجير على مساحة 1200 متر مربع على امتداد سور المحطة.
أما شهادة «إيدج» للتميز في التصميم من أجل كفاءة أكبر، فهي شهادة للمباني الخضراء أنشأتها مؤسسة التمويل الدولية للاعتراف بمشاريع البناء التي تستهلك قدراً أقل من الطاقة والمياه وتستخدم مواد أكثر مراعاة للبيئة. ولنيل الشهادة، يجب أن تحقق المشاريع خفضاً بنسبة 20% في استهلاك الطاقة والمياه وفي الكربون الكامن في مواد البناء مقارنة بما تشترطه المعايير المحلية، وتقيس الشهادة هذه التحسينات. وتبلغ تكلفة التسجيل 350 دولاراً، وتتراوح تكلفة الاعتماد بين 2900 و7250 دولاراً بحسب حجم المشروع، وتُستخدم في أكثر من مئة بلد، منها خمسة عشر بلداً أفريقياً بمجموع تسعة وستين مشروعاً. ففي مدغشقر مثلاً، حقق مطار أنتاناناريفو الدولي بحلول عام 2019 وفورات بنسبة 33% في الطاقة و49% في المياه و37% في الكربون الكامن في المواد، مع توظيف يد عاملة ملغاشية بنسبة 95% وتطبيق تدابير أخرى لحماية البيئة.
مبادئ مجموعة العشرين بشأن الاستثمار في البنية التحتية الجيدة
يُعد مصطلح «البنية التحتية الجيدة» مفهوماً راسخاً لإبراز جودة التنفيذ والآثار الأوسع لمشاريع البنية التحتية. فبعد أن كان يركز في البداية على المعايير الفنية وفاعلية المشروع وحدهما، شكّل اتفاق مجموعة السبع بشأن مبادئ إيسي شيما لتعزيز الاستثمار في البنية التحتية الجيدة نقطة تحول نحو إدراج الآثار البيئية والاجتماعية.
ولتوجيه الاستثمارات في البنية التحتية نحو نمو مستدام، اعتمدت مجموعة العشرين في قمة أوساكا عام 2019 مبادئ الاستثمار في البنية التحتية الجيدة، وهي: تعظيم الأثر الإيجابي للبنية التحتية لتحقيق النمو والتنمية المستدامين، ورفع الكفاءة الاقتصادية بمراعاة تكلفة دورة الحياة، وإدماج الاعتبارات البيئية في الاستثمارات في البنية التحتية، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية وغيرها من المخاطر، وإدماج الاعتبارات الاجتماعية في هذه الاستثمارات، وتعزيز حوكمة البنية التحتية.
وتشمل هذه المبادئ أبعاداً شاملة للجودة، منها تغير المناخ والمساواة بين الجنسين والقدرة على تحمل الدين والحوكمة، وهي عوامل جوهرية كذلك لتعبئة رأس المال وتقليص فجوة تمويل البنية التحتية. ومن خلال هذه المبادئ، تستطيع البلدان مواءمة أهدافها التنموية مع المعايير الدولية ومتابعة التقدم عبر مجموعة مشتركة من المؤشرات، مع إتاحة فرص استثمارية مواتية في الوقت ذاته.
الملحق 2.أ: تنمية المهارات الأفريقية لتنفيذ مشاريع البنية التحتية
يتطلب تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية وتوسيع نطاقه تنمية المهارات الأفريقية اللازمة لإنجازها، ولا سيما المشاريع ذات الأولوية التي حددتها الخطة الثانية لبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا للفترة من 2021 إلى 2030. فكثير من المهارات المطلوبة غير متوفر حالياً في أسواق العمل الأفريقية، والبيانات المتاحة عن فجوات المهارات محدودة. ومع ذلك، ثمة بالفعل مبادرات واعدة عديدة لتنمية المهارات تتيح فرصة يمكن أن تغتنمها الشركات الخاصة وصناع السياسات والشركاء الدوليون معاً لإنجاز مشاريع البنية التحتية ذات الأولوية في أفريقيا.
نقص المهارات في الإدارة وإعداد المشاريع يعيق المراحل الأولى من تطوير البنية التحتية
تُعد الفجوات في المهارات الإدارية من أوضح الفجوات على امتداد دورة حياة مشاريع البنية التحتية، إذ تشمل تحديد الأولويات والمشاريع، والتمويل واستقطاب الأموال، ودراسات الجدوى الأولية والتصميم، والشراء العام والترسية والترخيص، والبناء والتنفيذ، والتشغيل والصيانة، والرصد والتقييم، والإخراج من الخدمة. ويؤدي المديرون دوراً محورياً في الحوكمة الجيدة للمشاريع، فهم المسؤولون عن إدارة التعقيد والمتطلبات الفنية مع التعاون في الوقت ذاته مع أصحاب المصلحة. وقد حدد باحثون نقص المهارات الإدارية بوصفه أحد أبرز التحديات التي تواجه المشاريع الضخمة للبنية التحتية للنقل في أفريقيا، إذ يسهم في ضعف تخطيط المشاريع وتنفيذها والإشراف عليها.
ويواجه تطوير البنية التحتية من جانب الحكومات دون الوطنية نقصاً حاداً في مهارات إدارة المشاريع. فكثيراً ما يفتقر المسؤولون الإداريون في المدن إلى المهارات الفنية والإدارية اللازمة لتعبئة التمويل لمشاريع البنية التحتية، فيضطرون إلى الاستعانة بمستشارين خارجيين مرتفعي التكلفة. وقد قيّمت دراسة عن قدرات الحكومات المحلية في ست عشرة مدينة أفريقية الفارق بين العدد الفعلي للموظفين لكل ألف نسمة ومؤشر مرجعي لمدن البلدان النامية ذات السكان والمساحات المماثلة، فتبين أن المدن المدروسة في غانا وموزمبيق وأوغندا سجلت نسبة 0.4 من الفنيين والمديرين لكل ألف نسمة، في حين سجلت المدن الإثيوبية نحو 1.4 لكل ألف، مقابل 8 لكل ألف في الهند و36 لكل ألف في البلدان مرتفعة الدخل. ويمكن للتدريب الموجه إلى الحكومات المحلية أن يساعد، كمشروع المعهد البلدي للتعلم في جنوب أفريقيا. ومن الأمثلة الأخرى لجنة خدمات الحكومات المحلية في موريشيوس التي أُنشئت عام 1976، والتي تدعم تنمية المهارات بتمكين السلطات من توظيف الكوادر الإدارية للحكومات المحلية.
وسيستمر الطلب المرتفع على المهارات الإدارية مستقبلاً؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نيجيريا وجنوب أفريقيا ستحتاجان في المتوسط إلى سبعة وثمانين ألف وظيفة جديدة في إدارة المشاريع سنوياً بين عامي 2019 و2030، يستأثر قطاع البناء بنسبة 25% منها، مقابل مئة واثنين وثلاثين ألفاً في ألمانيا والمملكة المتحدة ومئة وثمانية وعشرين ألفاً في كندا والولايات المتحدة للفترة ذاتها. وسيكثر الطلب على المديرين القادرين على العمل في السياقات المحلية والعابرة للحدود والعالمية.
يُبلَّغ عن نقص المهارات أكثر ما يُبلَّغ في المراحل الأولى من دورة حياة البنية التحتية، مما يعيق إعداد المشاريع ويقلص قابليتها للتمويل المصرفي ويرفع تكاليفها. فإعداد المشاريع يتطلب طيفاً واسعاً من المهارات والمعارف في المجالات الفنية والاجتماعية والبيئية والمالية. ووفقاً لاستبيان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والرابطة الأفريقية لتطوير البنية التحتية، يشيع نقص المهارات أكثر في المراحل الأولى من المشروع، أي التمويل ودراسات الجدوى الأولية والبناء والتنفيذ، قبل مراحل التشغيل والصيانة والإخراج من الخدمة. ويقدّر بعض الباحثين أن هذه الفجوة في المهارات رفعت نفقات إعداد المشاريع في أفريقيا إلى نحو 10% من تكلفة الاستثمار في المشروع، متجاوزة التكلفة المعيارية البالغة 5%.
ويبدو أن المهن عالية التأهيل في قطاع البناء، أي المديرين والمهنيين والفنيين، أقل تمثيلاً في أفريقيا. فرغم شح البيانات عن المهارات في مجال البنية التحتية، تتوفر بيانات مهنية عن قطاع البناء في خمسة وثلاثين بلداً أفريقياً، تبين أن البناء في أفريقيا يشغّل في الغالب مهنيين ذوي مؤهلات متوسطة يمثلون نحو 70% من الإجمالي. ومقارنة بمناطق العالم الأخرى، تقل في أفريقيا عنها في البلدان مرتفعة الدخل نسبة المديرين وموظفي الدعم الإداري ومشغلي المنشآت والآلات والمجمّعين والمهنيين والفنيين، في حين ترتفع كثيراً نسبة العمال والحرفيين ومن في حكمهم، حتى مقارنة بأمريكا اللاتينية والكاريبي.
يمكن لمقدمي التدريب ومطوري البنية التحتية التعاون على نحو أوثق لسد فجوات المهارات ولا سيما في مجال الإدارة
يستطيع مقدمو التعليم والتدريب إيلاء أولوية أكبر لسد فجوات المهارات في إدارة المشاريع والتفاوض وتطوير الأعمال في قطاع البنية التحتية. فمقدمو التدريب الوطنيون يركزون أساساً على تلبية الاحتياجات الفنية، في حين تُدعم مهارات إدارة المشاريع والتفاوض والمهارات التجارية عادةً عبر تمويل محدود المدة من شركاء وآليات دولية. ويمكن لمقدمي التدريب، بمن فيهم مؤسسات التعليم والتدريب المجتمعية والشبكة القارية لمراكز التميز ومؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني والهيئات الوطنية للبناء، كما في كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، أن يدمجوا مزيداً من الدراسات الموجهة لتنمية المهارات الإدارية والتجارية في مناهجهم التدريبية وفي جمع البيانات والحوار السياساتي، بهدف تعزيز القدرات على المدى الطويل.
يمكن للتدريب في موقع العمل، مقروناً بأدوات تدريبية جديدة كالشهادات المصغرة، أن يساعد البلدان الأفريقية على تلبية الطلب المستمر على مهارات البنية التحتية، بما فيها المهارات اللازمة بعد مراحل دراسة الجدوى. فأصحاب العمل الساعون إلى إعادة تأهيل موظفيهم أو تحسين مهاراتهم يفضلون التدريب العملي حين تتغير احتياجات المهارات في البنية التحتية بسرعة. ففي استطلاع أُجري بين عامي 2016 و2017 شمل نحو ألف شركة صينية في ثمانية بلدان أفريقية، أفادت 53% من شركات قطاع البناء بأنها تقدم تدريباً بنظام التلمذة المهنية. ويتيح التدريب في إطار التعليم والتدريب التقني والمهني والشهادات المصغرة التي تُنال في وقت قصير فرصاً تكميلية لتعزيز المهارات، كإعداد وحدات تدريبية في مهارات الصيانة لقطاعي النقل البري وإمدادات الكهرباء. ويُعد التعاون بين الشركاء الدوليين وتوفير الموارد المالية الكافية أمرين جوهريين، غير أنه في عام 2023 لم يُخصص للتعليم والتدريب سوى أقل من 1% من التمويل الإنمائي الرسمي المصروف في مجالات المياه والصرف الصحي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنقل والطاقة.
وباعتماد نهجها في التدريب العملي في موقع العمل، درّبت منظمة العمل الدولية تسعمئة شاب في عشرة مجالات مهنية في قطاع البناء والأشغال العامة في موريتانيا، وأمّنت بحلول عام 2017 الوصول إلى اثنتي عشرة قرية. ويشمل هذا النهج الجوانب النظرية والعملية للمهن المتصلة بالبناء والصيانة.
ويدعو برنامج «بيلد فور سكيلز»، بالتعاون مع بنوك تنمية متعددة الأطراف كبنك التنمية الأفريقي وبنك التنمية الآسيوي، إلى جعل التدريب الميداني شرطاً في المناقصات العامة للبنية التحتية، بحيث يتعين على مقدمي العروض أن يبينوا كيف سيطبقون مبدأ اعتماد التعليم والتدريب التقني والمهني افتراضياً في مشاريعهم، مع تحقيق منافع اجتماعية أوسع للشباب والفئات المحرومة والنساء. ويعمل البرنامج في كينيا والسنغال وجنوب أفريقيا.
تتيح مجتمعات الممارسة، بوصفها منصات موجهة نحو الحلول، نفاذاً قيماً إلى الدروس السياساتية المستخلصة على مستوى المشاريع، بما فيها تلك المتعلقة بالمهارات. ومجتمعات الممارسة شبكات موزعة يمكنها أن تضطلع بثلاث وظائف أساسية في مجال البنية التحتية: تجسيد الاستثمارات في البنية التحتية، والتأثير في تغيير البيئة السياساتية التي تتيحها، وتعزيز قدرات القطاع العام. وكثيراً ما تتعاون هذه المجتمعات مع مقدمي التدريب الوطنيين، فتحسن المناهج وتوسع نطاق التدريب، وبعضها ناشط في تطوير البنية التحتية في أفريقيا.
فمجتمع الممارسة «سكيلينغ» لا يقتصر على البنية التحتية، بل يشمل أيضاً قضايا شاملة كتغير المناخ والتعليم والمساواة بين الجنسين وتشغيل الشباب، ويهدف إلى تحديد العوامل والمسارات المؤدية إلى التنمية المستدامة التي ثبتت فاعليتها ويمكن تكرارها على نطاق واسع.
مسرّع «كاتابلت»: إنشاء مجتمع لمشاريع البنية التحتية
يهدف برنامج مسرّع «كاتابلت»، الذي تنظمه الرابطة الأفريقية لتطوير البنية التحتية، إلى بناء منظومة من المهارات والخبرات المتخصصة لتسريع تطوير مشاريع بنية تحتية مبتكرة. ومن مبادراته تعاون مع مجلس المعادن في جنوب أفريقيا، تنظم الرابطة والمجلس في إطاره جلسات عرض أمام الممولين والخبراء وممثلي الحكومات. وبين عامي 2023 و2025، عُرض ثلاثون مشروعاً من ثمانية عشر بلداً في تسع جلسات. ويهدف البرنامج إلى استقطاب ما مجموعه 20 مليار دولار لمشاريع في مجالات الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية والمياه والري والسكك الحديدية والمطارات والمناطق الاقتصادية الخاصة والمدن الجديدة. ومن أبرز المشاريع مشروع رابطة مستخدمي المياه في ليبالييلو، التي تخدم المناجم والصناعات والمؤسسات الصغيرة ومجتمعاً يضم 490 ألف نسمة في جنوب أفريقيا، وتستأثر المناجم بنسبة 80% من استهلاك خدماتها.
