يتحدث الفصل الأول عن تعريف "الإنشاء" في أدب الرسائل العربي، مشيرًا إلى أن الشرتوني قدم تعريفًا مميزًا يعتبر التواصل مع شخص غائب عبر القلم، حيث يبرز تأثير الرسائل في مخاطبة المشاعر كما لو كان الكاتب حاضرًا. كما يقارن الفصل بين مبادئ الإنشاء في العصر قبل الحديث والعصر الحديث، مشيرًا إلى تأثير الفلسفة اليونانية على مفاهيم الخطابة والرسائل، ويعرض أهمية الرسائل كأداة للتواصل الفني والنثري في المجتمع الإسلامي. يناقش أيضًا تطور أدب الرسائل ودور الشرتوني في التأثير على الأسلوب النثري وتحولات الكتابة في العصر الحديث.أسس كتابة الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديثالرسالة هي خطاب يتكون من أجزاء متميزة لكنها قوية الترابط تنقل مشاعر وأحاسيس مرسلها.للرسالة من حيث كونها نوعاً من أنواع الأدب العربي تاريخ طويل. فالمصادر الأدبية والتاريخية تزخر بأمثلة لرسائل يقال إنها كثيت وتم تبادلها في بداية العصر الإسلامي، وقد قام عدد من العلماء في العصر الحديث بجمع تلك الأمثلة ضمن مجموعات في محاولة منهم لتأكيد أهمية الرسالة في كونها تسجيلاً لنشاط سياسي واجتماعي باكر في المجتمع الإسلامي ، ولتكون أيضاً شواهد توثيقية لأسلوب النثر العربي في أوائل عهده، ومما لا شك فيه أن الرسائل والعقود المكتوبة قد وجدت منذ بداية ظهور الإسلام إذ أوصى القرآن الكريم بتسجيل الديون لدى أحد الكتبة . يعتقد بعض العلماء أن فن أو علم كتابة الرسائل قد تطور على نحو سريع إلى حد ما. ليصبح النمط الأكثر أهمية للكتابة في المجتمع الإسلامي ). ومن ثم أسهمت إنتاجية الكتاب العاملين لدى السلاطين وغيرهم من الكتاب الآخرين إسهاماً كبيراً جداً في الأشكال الفنية للأدب العربي. في الفصل الأول من هذا الكتاب سوف أقوم بدراسة تاريخية لأدب الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث، مع التركيز بصفة خاصة على الحقبة الممتدة ابتداء من القرن الخامس إلى التاسع الهجري ( القرن 11 حتى 15 م) . ومع أنه من الممكن الافتراض سلفاً أن سمات كثيرة الأدب الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث تدل على تلك التوجهات الثقافية والتاريخية وإلى حد ما الأقل فكرية بالإضافة إلى أنها بالتأكيد تعكس أسلوباً أدبياً فريداً، إلا أنه من الأهمية بمكان إجراء تقويم المقدار ما يمكن أن يكون للعناصر المتطورة في أدب الرسائل الغربية من تأثير في أدب الرسائل العربية في أثناء الحقبة موضوع بحثنا في هذا المقام والعكس بالعكس. فهذا النقاش كله سوف يكون في إطار الإنشاء فهو المصطلح العربي الفني للكتابة في نطاق النثر الفني، وكيف بقي الإنشاء علماً أكاديمياً حتى عصرنا الراهن.سوف تبدأ بحثنا في هذا الفصل بإلقاء نظرة سريعة غير مباشرة على المصطلحات العربية المستخدمة في كتابة الرسالة وتلك الأفكار المختلفة لمكونات الرسالة في ذلك الزمان، ولو قدر لنا أن نستطلع أراء عدد لا بأس به من الأفراد في مجتمع غربي حول تعريف الرسالة، وتقارنها مع إجابات تردنا من مجتمعات تتكلم العربية لما وجدنا اختلافاً كبيراً بين ما يعطونه من إجابات حول ماهية المزايا الرئيسة للرسالة، ولعل تلك العبارة المثبتة في مطلع هذا الفصل قد تكون أفضل خلاصة لوظيفة الرسالة في أذهان الكثيرين، فهي تعبر عن حقيقة بدهية عامة يمكن أن تنطبق على أي رسالة في أي مجتمع من المجتمعات. إلا أنها لا تأخذ في الحسبان الطبيعة الثقافية للرسائل التي تأخذ حيزاً في مناقشتنا في هذا الكتاب.كانت الرسالة في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث كما كان الحال في معظم المجتمعات القديمة - أولاً وقبل أي شيء آخر - الطريقة الأساسية للتواصل. وكانت الوسيلة التي تنقل المعنى في معظم الأحيان عبر البلدان وعبر القارات أيضاً، والتواصل عبر الرسائل في تلك الحقبة كان يتم ضمن حدود دار الإسلام وخارجها. وفي هذا السياق يمكن القول إن ثمة تزامناً بين تفكك وانحلال الإمبراطورية الرومانية في نهاية القرن الخامس وأوائل القرن السادس الميلاديين وذلك بسبب الانتشار السريع للإسلام في أثناء القرون الأولى القليلة بعد بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى وصل إلى إسبانيا غرباً، ففي كلتا هاتين الحالتين اتخذت الرسالة وظيفة محددة ودقيقة، وكما تحدث عن ذلك بيرلمان Perelman في إطار كتابة الرسائل الغربية إذ أشار إلى افتقار أي عاصمة مركزية لملوك الفرنج إلى جعل التواصل المكتوب واحداً من آليات السيطرة الوحيدة المتاحة للملوك الميروفنجيين . ويمكن قول الشيء نفسه، بعد إجراء ما يلزم من تغييرات، بخصوص الحكام والولاة المسلمين في مجتمع ذلك العصر.ويجدر الحديث في هذا المقام عن المصطلحات العربية المستخدمة في مختلف أنواع الرسائل، ففي أدب الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث تأتي كلمة رسالة ( الجمع رسائل) اللفظة الأكثر شيوعاً لهذا الجنس الأدبي لتدل على نوع المراسلات التي تعد محور هذه الدراسة، فجذر الفعل رسل الذي يعني الإرسال هو أصل الكلمة العربية رسول وهذا يعني بعبارة أخرى أن الرسول، وعلى وجه الخصوص النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينقل الأخبار والرسائل، فذلك هو المقصود من كلمة رسالة. وفي إطار هذا الاشتقاق تأتي كلمة مراسلة (والجمع مراسلات التي كثيراً ما تستخدم في الأدب.من الألفاظ الأخرى المستخدمة في أدب الرسائل بعض الكلمات المشتقة من الجذر كتب. وأكثر هذه الألفاظ استخداماً لفظة كتاب التي أمست تعني حصراً ، الكتاب الذي يقرأ، والجمع (كتب) وكلمة مكاتبة وجمعها ( مكاتبات)، فهذه الألفاظ مستخدمة كثيراً في المصادر للدلالة على المراسلات بنوعيها الرسمي وغير الرسمي، أما الصيغة المفردة لكلمة مكتوب (الرسالة) فتعني حرفياً أي شيء يكتب فلا توجد عموماً في أدب تلك الحقبة الزمنية، علماً أن استخدامها قد شاع كثيراً في العصر الحديث ابتداء من القرن التاسع عشر الميلادي. غير أن مصطلح صناعة الكتابة، أو كتابة الإنشاء. التي تعني كتابة الوثائق بالنثر الفني، فقد غدت في الأدب المتأخر - ويوجه خاص ابتداء من القرن الخامس الهجري الحادي عشر (م) وصاعداً - مرادفة تقريباً لفن كتابة. الرسالة، بينما صار فن صناعة التراسل اللفظة الدالة على ذلك الجنس الأدبي لكتابة الرسائل ) حين حاول الكتاب أن يبينوا أن مجال التأليف الذي يتفوقون فيه قد أصبح الوسيلة الرئيسة للتعبير الأدبي بعد القرآن الكريم، كما استخدمت في هذا المجال أيضاً لفظة الرقعة، ولفظة المسطورة للدلالة على الرسالة ولا سيما عند الإجابات التي يبعث بها الملوك والحكام رداً على المكاتبات الواردة من أفراد ذوي نفوذ في المجتمع مثل العلماء ومشايخ الصوفية . وعلى نحو مماثل استخدمت لفظة مطالعة، عند أولئك الذين يتمتعون بمنزلة رفيعة حين يبعثون بإجاباتهم لمن هم أقل شأناً ومنزلة منهم .وفي هذا السياق عينه - وكما سأوضح في موضع قادم - كانت تولى درجة عالية من الأهمية للإجابة عن الرسالة، فالإجابة الخطية عن الرسالة بعدها الكثيرون على درجة من الأهمية تعدل الرسالة الأصلية من حيث الأسلوب والشكل (مثل التمسك بالأقسام الموضحة واستخدام عبارات محددة وما إلى ذلك، حتى إن بعضهم بعدها أكثر أهمية من الرسالة ذاتها (انظر الفصل السادس أدناه على وجه الخصوص). من أجل ذلك لا عجب أن نجد بعض المصطلحات المحددة تنطبق على إجابة الرسالة. فهناك - على سبيل المثال - لفظة شاع استخدامها في الرسالة الجوابية لدى المسؤولين ذوي المقام الرفيع هي كلمة ، مثال (أو حرفياً نموذج) ، أو بعبارة أخرى فإن الرسالة الجوابية التي تبدأ بكلمات مثل ورد المثال الشريف وتعني حرفياً وصلتنا رسالتكم الشريفة ( المثال الذي يحتذى تدل دلالة واضحة على أن الرسالة الأصلية هي ذات مقام رفيع جداً لذلك فإن لفظة مثال، هي أعلى في معناها ودلالاتها من أي لفظة أخرى أتينا على ذكرها أنفا ذلك أنها تدل على أن الرسالة المتلقاة هي من مستوى رفيع معين ينبغي أن يحتذى به . وأما النعت الذي يأتي في المرتبة الثانية من تسلسل علو المقام في الرسائل الجوابية فهو لفظة ، مشرف، ومثاله المثال المشرف، وعادة يأتي بعده في التسلسل لفظة المشرف. فقد لوحظ استعمال هاتين الصفتين في الرسائل المتبادلة بين أشخاص متكافئين في المقام ومن هم دونهم في الدرجة مثل الأمراء والوزراء ومن في حكمهم، غير أن ذلك التبدل الدقيق في الاشتقاق بين المبني للمعلوم مشرف، والمبني للمجهول مشرف ليس قسرياً، ولا هو قليل الأهمية، في كون اللفظة الأولى تعنى أعلى مقاماً: لأنها تتضمن معنى إعطاء ومنح صفة النبالة عند الكاتب في حين أن اللفظة الثانية لا تحمل هذا المعنى من حيث إن المتلقي قد أعطي صفة النبالة.. لكن الوسيلة لنقل هذا الشرف ظلت مجهولة ولم تذكر، لقد كانت هذه الفروق الدقيقة للألفاظ من سمات وخصائص حقبة متأخرة من العصر ما قبل الحديث، كما سأوضح ذلك بالتفصيل في الفصلين السادس والسابع.غير أن الشيء المهم الذي تجدر الإشارة إليه بخصوص ما تقدم ذكره من ألفاظ مستخدمة في الرسالة، والصفات والنعوت المرافقة لها هو أنها جميعاً جزء من مجموعة محددة من الألفاظ والمصطلحات التي تجلي مرتبة الكاتب والمكتوب إليه. والاختيار الخاص للدلالات في هذا المجال ليس اعتباطياً ذلك أنه يدل على مظاهر عديدة لشكل أدب الرسائل في ذلك العصر، وقد امتدت هذه الصيغ من استخدام الألفاظ بصيغة المفرد مثل تلك التي أشرنا إليها في هذا المقام وحتى الأجزاء المتسلسلة أو المتصلة للرسالة.بيد أن الكلمة العربية الرئيسة الواردة في المصادر المتعلقة بالمكانيات، ونقصد بذلك كلمة الرسالة، لها معنى أكثر اتساعاً في إطار الكتابة، فمثلاً، هي الكلمة التي تطلق على المقالة الفكرية التي تعد نوعاً مهماً في الأدب العربي جسده بعض عظماء الكتاب في العصر ما قبل الحديث مثل الجاحظ (ت 255/ 869) وأبو العلاء المعري. ت 1057449) أو الرسالة المصرية،
مكتبة
العبيكان
02 Dec 2024