وهناك نوع مهم آخر للرسائل يرتبط بصنف المقالة الفكرية وهي ذلك النوع الذي جسده الفقيه الإمام الشافعي الذي صاغ نصاً على درجة عالية من الأهمية كانت لفظة «الرسالة» في عنوانها ، ومن الممكن أن تضم المقامات إلى هذا الخليط، وهي نوع في الأدب العربي اشتهر به اثنان من الأدباء على وجه الخصوص هما: الهمذاني والحريري في القرنين الرابع والخامس الهجريين ( العاشر والحادي عشر الميلاديين). ومع أن المقامة قد صنفت على أنها نوع أدبي مستقل إلا أن ثمة بعض التشابهات في الأسلوب بينها وبين رسائل ذلك العصر، والحق يقال إن ثمة أرضية مشتركة كافية بين هذين النوعين جعلت الناقد الأدبي ضياء الدين ابن الأثير (ت 1239/637) يدافع عن أدب الرسائل فيجعله نمطاً فنياً أكثر إبداعاً وأكثر تكلفاً من المقامات .
ولدينا أيضاً أمثلة لمكاتبات أدبية بين العلماء تعدّ نوعاً مختلفاً للرسالة في الأدب العربي؛ فقد كان ثمة فرع خاص للرسائل الأدبية مثل أسلوباً مهماً للتواصل بما فيه من مضمون فكري يمكن أن يكون حول أي موضوع لا على التعيين كقواعد النحو على سبيل المثال أو الصوفية أو مكاتبات شخصية حول مسائل تتعلق بالدولة. ولهذا النوع من المكاتبات أهمية تاريخية كبرى؛ ذلك أنه يبين لنا أنه إلى جانب النمطين الرئيسين للمكاتبات الرسمية للدولة - الرسائل الرسمية وغير الرسمية - كان يوجد في المجتمع الإسلامي قبل الحديث نوع آخر للتواصل الشخصي كان شائعاً في الثقافات الأوربية تمثل في المراسلات المتبادلة في القرن الثاني عشر بين هيلواز وأبيلارد Heloise and Abelard . كان هذا النمط يمثل تبادلاً فكرياً للآراء حول موضوعات مختلفة، لكنه كان فريداً في نوعه ضمن إطار أدب الرسائل العربية، ذلك أن لغة وبنية النص الرئيس ذاته لم تكن خاضعة لأي صيغة محددة، فهذه الرسائل تكون عادة ذات طبيعة أكثر شخصية من تلك الرسائل المتبادلة رسمياً وبطريقة غير رسمية.
استخدمت كلمة الرسالة أيضاً لتعني النصوص النثرية في مباريات الفخر والتمجيد وهي مجموعة من نصوص أدبية بأسماء شخصياتها، بين السيف والقلم، على سبيل المثال . فهذه المراسلات الأدبية لم تكن من حيث الشكل تتبع أسلوب الرسالة وشكلها بل كانت شكلاً لحوار بين شيئين هما السيف والقلم أو الوردة والنرجسة. وكان الحوار المرح في غالبيته يتضمن في أماكن مختلفة منه بعض التعليقات الجادة حول مظاهر مختلفة للمجتمع الإسلامي مثل العلاقة بين موظفي الدواوين ( رجال القلم والعسكريين رجال السيف) ، وهذا ما يعطي تلك الرسائل والحوارات قيمة تاريخية مهمة.
وضحنا فيما تقدم أربعة أنواع للرسائل. ويمكن للمرء أن يستنتج من ذلك التنوع الملاحظ في هذه الأنواع الأربعة أن لفظة «رسالة» قد استخدمت لتعني تنوعاً واسعاً للنصوص المكتوبة. ومع أنه كانت توجد أوجه شبه معينة عموماً في الأسلوب بين تلك الأنواع المختلفة للنصوص - مثل الاستخدام الواسع للنثر المقفى والمتوازن، أو السجع فإن أهداف كل نوع منها تختلف عن الأنواع الأخرى، وبينما يمكن القول: إن ثلاثة من هذه الأنواع لم تتبع صيغة معينة صارمة فإن قواعد وأهداف الرسالة الأدبية لم تتحدد بوضوح إلا عند إطلالة القرن السادس الهجري ( الثاني عشر). والحق يقال إن الأغراض البلاغية لأدب الرسائل هي التي تميز هذا النوع الأدبي عن الأنواع الأخرى للكتابة النثرية كافة.
هذا وقد توافر لدينا في الآونة الأخيرة عدد لا بأس به من مجموعات الرسائل في اللغة العربية يمكن أن تكون نماذج أو أمثلة للمكاتبات الموثقة، وإلى جانب هذه الأعمال أو في بعض الأحوال قد تكون جزءاً متمماً لها - كان ثمة تدفق مهم المطبوعات لأعمال نظرية حول أدب الرسائل والمؤسف حقاً أن ثمة عدداً كبيراً منها لن يتاح لنا لإجراء تقويم علمي لها بسبب فقدانها على مدى السنوات الماضية، ولاسيما أن معظمها لم يجد سبيلاً له للطباعة. إن أسرة علماء أدب الرسائل العربية - على الرغم من صغرها - مدينة بالشكر والعرفان لـ سيز غين Sezgin لما بذله من جهود لإنقاذ وحفظ بعض المؤلفات الخاصة بأدب الرسائل وإن كانت أقل شهرة لكنها لم تكن أقل أهمية. من هذه الأعمال كتاب مواد «البيان» لابن خلف ( المتوفى عام 1063/455) . وسوف نولي هذا الكتاب اهتماماً أكبر في الفصل الثالث. ويمكن الاطلاع على تفاصيل الأعمال التي حفظها Sezgin من الضياع في ثبت المراجع في نهاية هذا الكتاب.
والجدير بالذكر أن هذا الكتاب يعد تكملة للدراسات الرائدة التي أجراها غروهمان Grohmann على كتابات بورق البردي، وللبحوث التي أجراها شتيرن وخان Stern and Khan لأسلوب الكتابة، والتحليلات التي أجراها في وقت متأخر غواتين Goitein لوثائق Geniza بالقاهرة، وكذلك البحث العلمي الدقيق والمهم جداً للباحث والعالم الشهير دييم Diem في دراسته للرسائل الخاصة من مصر للحقبة الواقعة ما بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين وللرسائل الرسمية من مصر، وأيضاً للحقبة ما بين القرنين العاشر والسادس عشر. فهذه الأعمال جميعاً أعمال قيمة لا تقدر بثمن في حد ذاتها، ونخص بالذكر أعمال دييم لأنها تستند إلى وثائق تظهر في مضمونها سجلاً بلهجة إقليمية في المكاتبات في تلك الحقبة . وهذه الدراسة لا تتعاطى مع مصادر بلهجة إقليمية لأن السجل اللغوي للرسائل في جميع الأعمال التي تطرقت لها هذه الدراسة كانت باللغة العربية الفصحى. وعبر التحليل المفصل للمصادر المكتوبة بالفصحى تهدف هذه الدراسة التي تركز على الجوانب النظرية والعملية معاً لأدب الرسائل إلى تقديم إسهامها الإبداعي والمبتكر لتاريخ أدب الرسائل في الحقبة موضوع الدراسة. وسوف أبدأ عملي هذا بإلقاء نظرة على المبادئ العامة لكتابة الرسائل والحديث عن تاريخها.
مع أن فن كتابة الرسائل أصبح النوع الأبرز للكتابة النثرية في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث وللأدب العربي عموماً إلا أنه لم يكن فناً فريداً في نوعه من حيث كونه أحد الأنواع الأدبية، ومن جهة أخرى بينت بعض الدراسات التي أجريت على أدب الرسائل في الغرب أن هذا الأدب كان أيضاً فرعاً متطوراً من فروع الأدب في الثقافات الأخرى، وما يثير الاهتمام حقاً أن عناصر معينة لأدب الرسائل في المجتمع الغربي والمجتمع الإسلامي في تلك الحقبة كانت متشابهة أو لنقل هي عناصر مشتركة . فمثلاً ، لم يكن أدب الرسائل في المجتمع الغربي وحتى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي على الأقل مسألة عملية بخصوص التواصل التجاري والأعمال فحسب، بل كان نوعاً أدبياً مستقلاً أيضاً . وهذا القول له علاقة وثيقة بدراستنا هذه ولا سيما أنه ليس ثمة أدنى شك في أن كتابة الرسائل كانت النوع الأدبي المهيمن في الكتابة النثرية قروناً عدة، وظلت طوال تلك الحقبة نوعاً أدبياً مستقلاً ، وبرغم ذلك لوحظ إهمال في بعض مجالات أدب الرسائل في هذين المجتمعين على السواء. وكما كان الحال في البحوث والتحقيقات التي أجريت في أدب الرسائل العربية فقد ركزت قلة قليلة من الدراسات في الرسائل الغربية على عناصر الأسلوب ولا سيما في مجال الإيقاع أو الجرس الموسيقي في النثر. وعلى الرغم من ذلك الربط الذي أجراه البيريك مونت كاسينو الذي لقب بحق «بأبي» فن الكتابة في العصور الوسطى ) بين الأسلوب النثري في الرسائل وأنماط المقاطع اللفظية للإيقاع أو الجرس الموسيقي في الرسائل الغربية فإنه لا يزال ثمة الكثير من الدراسات الواجب إجراؤها لمعرفة عمق ذلك الربط (22) . وقد حاول الباحثان غللي وهنده تحديد الجرس الموسيقي في النثر وكذلك أنماط المقاطع اللفظية في النثر العربي الذي اتبعه قابوس بن وشماغير وكان من شأن محاولتهما هذه تحديد الجرس الموسيقي لنثر أدب الرسائل العربية أن نقلت هذه البحوث إلى مجالات جديدة لكنها تركت في الوقت نفسه مجالاً واسعاً للمزيد من البحوث، وأما بخصوص الأسلوب فإن ما قاله مورفي في هذا الصدد له أهميته الخاصة في بحثنا هذا ، حيث أشار: كان أدب الرسائل في نظر البيريك لا يزال عملاً فنياً وإنسانياً إلى حد كبير، ومن الإنصاف القول: إنه عد البلاغة عاملاً مفيداً وجيداً لكنه لم يكن العامل السائد (24). تثير عبارة مور في هذه بعض الأسئلة بخصوص أدب الرسائل العربية يمكن أن نوجزها فيما يأتي: إلى أي مدى يمكننا القول: إن قواعد كتابة الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث كانت معروفة ومحددة وتطبق تطبيقاً صارماً؟ وما مدى تأثير دور البلاغة في هذا النوع الأدبي؟ ما أهمية الغرض البلاغي ومدى علاقته ومدى علاقته في «الإقناع» في ذلك السياق؟ وهذان سؤالان سأحاول الإجابة عنهما في هذا البحث. إن أدب الرسائل إلى حد كبير جزء من فروع المعرفة الإنسانية في أي مجتمع من المجتمعات؛ ولذلك ليس من الغريب أن نجد أن العلوم الإنسانية في المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي تتميز بخصائص مشتركة، وعلى سبيل المثال يبدو أنه كان ثمة تشابه معقول في المعاني المتعددة لكلمة «أدب» في الثقافتين والتي - عموماً - تتضمن التدريب الأدبي والتمتع بالأخلاق والسلوك الجيدين (الأدب والحديث الاجتماعي المهذب ، وما يعادلها في اللغة اللاتينية للعصور الوسيطة.
بيد أن المفتاح في هذه الدراسة هو الدور الذي يقوم به كاتب الدولة» وشخصيته في المجتمع الإسلامي ما قبل العصر الحديث، وعلى وجه الخصوص دوره من حيث كونه عضواً له أهميته في الدولة ومن حيث كونه شخصية أدبية. والسؤال الذي يتطلب مستوى معيناً من الدراسة والبحث هو: إلى أي درجة كان الكتاب في المجتمع الإسلامي متأثرين بالمناقشات الدائرة حول النثر الرسائلي في المجتمع الغربي، ولا سيما تلك البحوث التي جرت في إيطاليا في الحقبة ما بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين؟ فقد كانت ترجمة النصوص اليونانية إلى اللغة العربية عاملاً أساسياً في تحفيز الفكر والإلهام في تأليف العديد من المقالات حول الفلسفة على سبيل المثال، وقد اتخذت هذه المقالات أساساً لها مبادئ أرسطو، وفي بعض الحالات قبلت عدداً منها كانت تراها متوافقة مع الفكر الإسلامي، وترفضها في أمثلة أخرى، ومع أننا لا نملك حالياً سجلاً للنصوص المترجمة إلى العربية بخصوص أدب الرسائل إلا أن أوجه شبه معينة بين المناقشات الدائرة حول كتابة الرسائل في العصور الوسطى في الغرب وتلك التي دارت في المجتمع الإسلامي - حيث يتضمن هذا الفصل إشارات إلى عدد منها - يصعب رفضها مباشرة. وهناك دلائل على أن أولئك الكتاب لا بد أنهم في الحد الأدنى قد علموا بشيء من ذاك الجدل العلمي الدائر في ذلك الحين في الغرب حول أدب الرسائل، بالرغم من أنه يصعب إثبات ذلك.
ولكن يمكن القول: إن التأثير اليوناني في الأنماط الأدبية العربية واضح وظاهر في التعاريف المستخدمة للنثر والشعر. فكلمة «نثر» في اللغة العربية - حيث يشار إلى القطعة الواحدة من النثر ببعض مشتقات الكلمة مثل كلمة «منثور» التي قد تعني «متناثر» - تبدو وكأن منشأها من أرسطو، ولاسيما أن فكرة متناثر» قد تعكس واحدة من الفروق بالغة الأهمية بين الشعر والنثر، أو ذلك المتعلق بـ «الفضاء غير المحدود للنثر مقابل «الفضاء المحدود للشعر. لكن أرسطو نفسه لم يقدم لفظة محددة للنثر بل أشار إليه بأنه كلمات صريحة خالية من الزخرف بمعنى أنه قطعة أدبية ليست مكوناتها متجانسة أو على الأقل إلى أن تجمع معاً لتكون سرداً نثرياً أو ما يشبهه، وهذا يعني بعبارة أخرى أن المكونات ( أي الكلمات) هي مبعثرة ومتناثرة أساساً.
وغني عن القول: إن كتابة الرسائل تجسد تاريخاً طويلاً للتواصل عبر الكلمة المكتوبة في المجتمع، وقد قال بيفتش Pives إن من كتابة الرسائل هو فن قديم قدم من الكتابة ذاتها ، وإن شخصية الكاتب تظهر في أدب الرسائل أكثر وضوحاً من مظهرها في أي نوع آخر للتعبير الأدبي، ولهذه العبارة ما يماثلها في أدب الرسائل في المجتمع الإسلامي إذ ليست بنية الرسالة وحدها هي التي تحمل شيئاً من الشبه مع التقاليد الغربية في العصور الوسطى ومثالها البنية المكونة من خمسة أجزاء وتبدأ بالتحية التي اقتبست من البنية التي وضعها الخطيب اليوناني الشهير شيشرون والمؤلفة من سنة أجزاء، وبانت تعرف بـ الصيغة البولونية المتفق عليها، - بل أيضاً في فكرة التغلب على المسافة المكانية، كما قال بيفتش . لقد كانت هذه فكرة مهمة ورئيسة في أدب الرسائل العربية حيث تكون العلاقة بين كاتب الرسالة وقارتها هي العامل الأكثر أهمية عند عدد كبير من النقاد الأدبيين والكتاب المتميزين ببراعة الأسلوب، ولكن أدب الرسائل العربية لم يكن بالتأكيد تقليداً للنموذج المتبع لدى اليونان والرومان، فقد كان يتميز بمجالات عديدة من الفرادة التي لا مثيل لها وذلك إذا استثنينا التأثير الفارسي القوي، وإلى جانب ذلك كله من الممكن أيضاً أن يكون أدب الرسائل العربية قد أثر فعلاً في كتابة الرسائل في المجتمع الإيطالي، فالشواهد قد دلت على احتمال وجود حركة تبتعد عن تلك البنية المكونة من خمسة أجزاء للرسالة التي سادت في العصور الوسيطة. وتقترب أكثر من معاملة الرسائل على أنها شكل مكتوب للخطابة .
ينطلق عملي في هذا الإطار من فكرة رئيسة لهذا الكتاب تقضي بأن أسلوب الرسائل العربية - وخلافاً لفن الخطابة اليوناني القائم على فكرة الإقناع الأساسية - كان مدفوعاً بمعايير جمالية، ومعايير لها صلة ببراعة الأسلوب، وتقدير للجمال والأسلوب. ويبدو أن بعض علماء الإسلام الذين درسوا العلاقة بين البلاغة وكتابة الرسائل قد تأثروا إلى حد ما بفكرة الإقناع، لكن هذه العلاقة تبدو في إطار كسب قلوب الناس المصلحة الإسلام، وهذا هدف كثيراً ما جرى الحديث عنه في الأدب، وسوف تعرض لهذه الفكرة بشيء من التفصيل في موضع آخر مناسب في هذا الكتاب، وبالإضافة إلى مسألة دور الإقناع في كتابة الرسائل العربية مقابل التأكيد على براعة الأسلوب ينبغي توجيه الاهتمام أيضاً إلى وحدة النص، فقد كان المقياس الرئيس النجاح الهدف المقصود من الرسالة في نظر بعض أدباء المجتمع الإسلامي هو تحقيق وحدة النص. فقد أكد ابن شيت على سبيل المثال، قائلاً: إن الأفكار الأخيرة التي يتحدث عنها الكاتب يجب أن تكون متناسقة مع أولها وذلك في أي رسالة لا على التعيين . وهذه إشارة واضحة إلى الفكرة التي أكدها ابن الأثير في كتابه حول كتابة الرسائل بعنوان المثل السائر فقد قال: إن الحكم على جمال وبراعة الرسالة يكون بالطريقة التي عبرها تتقاطع المقدمة مع النهاية دون أن تتأثر وحدة الكلام ومعناه، مع أن هذه الفكرة تبدو وكأنها فكرة افتراضية دونما مزيد من المناقشة، وهكذا، فهو يرى العلاقة بين الكاتب والرسالة التي يكتبها على جانب من الأهمية ليست أقل من الأهمية بين الكاتب والمكتوب إليه، ونحن نجد أن القيمة الحقيقية للرسالة ونجاحها في نظر ابن الأثير تأتي من داخل النص نفسه ، كما كانت وحدة النص موضع دراسة أيضاً لدى كتاب الرسائل القدماء في المجتمع الغربي، وهنالك نص لا يعرف من كتبه يوضح كيف أن مختلف أقسام الرسالة يمكن أن يجري تبديل لمواضعها دون أن تسبب أي خلل أو دون أن تؤثر في صحة الرسالة وصوابها، كما قال كاتب النص. وهكذا نجد في التحليل الأخير أن نظرية أدب الرسالة قائمة على أسس متينة تمتد جذورها إلى فن الخطابة ولا يمكن أن تتجاهل متطلبات الشخص المكتوب إليه.
هذا وإن أفكار الرسالة الرئيسة لها صلة بمسألة وحدة النص، ويبدو أنه من المنطقي القول : إذا كانت وحدة النص أحد العوامل الأكثر أهمية في الرسالة فإن نجاحها لا يمكن أن يتحقق إلا عبر اتباع أسلوب منهجي لسرد أفكار النص أو معانيه، وقد وصفها المؤرخ هلال الصابي (ت 448/1056) يقوله إن القاعدة السائدة في الرسائل الموجهة من الخليفة أو إليه أو من الوزير إلى أعوانه وبالعكس أن تقتصر على معنى واحد دون سواه في الرسالة الواحدة. وإذا أريد الحديث عن أكثر من فكرة واحدة فينبغي كتابة رسائل عدة لتنقل هذه المعاني.
ويجدر بنا التحدث بمزيد من التفصيل في هذا المقام عن أهمية الفكرة الرئيسة أو الموضوع في أدب الرسائل الإسلامية في العصر ما قبل الحديث، اللفظة العربية لكلمة فكرة رئيسة أو موضوع المستخدمة عادة في المصادر هي كلمة «معنى» وهي على الأرجح واحدة من الألفاظ الأكثر تحميلاً للمعاني وتنوعها وأهميتها في الخطاب العربي قبل الحديث، فهذه اللفظة إلى جانب ما تتضمنه عموماً كلمة «المعنى» - وهي لفظة تحتاج إلى المزيد من الدراسة - تحمل مضامين «الفكرة» أو «المفهوم» أو «الموضوع»، وهي جميعاً تتصل بمضمون الموضوع على أنه قد تتضح العلاقة بين «الفكرة» و«الموضوع» عندما نتفحص عن كثب وحدة النص في رسالة ما أو حتى في أمثولة من الشعر، فالبنية التركيبية للرسالة تقوم على مقدمة منطقية أساسية بأن الفكرة الرئيسة يجب أن يضعها الكاتب في مقدمة الرسالة ( استهلالها ) ثم يقوم بتطويرها حسبما يلائمه (36). وهكذا تتكون بنية الرسالة من بضعة مكونات متكاملة وجميعها تقوم على فكرة واحدة محورية، وسوف نتحدث عن ذلك أيضاً في الفصل السادس.
وإلى جانب ذلك تعد فكرة «الصداقة» التي يتضمنها أدب الرسائل عنصراً آخر من العناصر التي تربط بين أدب الرسائل في المجتمع الغربي والمجتمع الإسلامي قبل الحديث. فالأدب في كلا هذين المجتمعين أقام علاقة بين كاتب الرسالة ومتلقيها، أو القارئ. ويبدو أن رأي كونستابل القائل إن غياب الصداقة في العصور الوسطى كان يعني العداوة له ما يماثله في الرأي الإسلامي الذي ساد في مطلع العصر العباسي والقائل: إن الرسالة دليل صداقة» أو كما جاء في الأثر "شاهد على الإخاء . وهذا الرأي في حد ذاته يعد بكل تأكيد صدى للحكمة التي أطلقها أرسطو والمتمثلة في أن المهمة الرئيسة للرسالة هي أنها تمثل صديقاً غائباً ، ومن هنا قد يبدو ما قاله لوكليرك في أن بيير دو بلوا ( المتوفى عام (1203م) والذي كان - في رأي الكثيرين صاحب النظريات في أدب الرسائل، هو صاحب نظرية "الصداقة" هو قول يكتنفه الكثير من الشكوك ولا سيما أن ثمة مقالة واحدة على الأقل باللغة العربية تحدثت عن هذه النظرية دون غيرها وتعود في تاريخها إلى القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي. ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن صفة «الإخوانية» التي استخدمت في وصف الرسائل ذات الطابع غير الرسمي قد استخدمت أيضاً مراراً في العصر قبل الحديث رسائل الدولة الرسمية ذات الطابع غير الرسمي أكثر مما استخدمت في وصف رسائل يتبادلها الأصدقاء، وما يؤيد هذا الرأي حقيقة تقول: إنه مع حلول القرن الثالث عشر ( أواخر التاسع عشر الميلادي ) لم تعد الرسائل غير الرسمية تدعى الرسائل الإخوانية بل صارت تدعى "رسائل الأصدقاء"، وأخذت تكون حقلاً واسعاً جداً قد يتاح لكتاب الرسائل أن يجدوا عبرها الشفاء رغبة تشتعل في القلب عبر بث الأفكار والمشاعر إلى الصديق، وهذا التحول في التسمية له أهميته ويستحق أن نوليه مزيداً من الاهتمام.
ومع أن فكرة الأصدقاء الغائبين التي تحدث عنها أرسطو تجد صداها في أدب الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث إلا أن مدى هذا الصدى قابل للمناقشة. فالقول إن الرسائل شاهد على الصداقة ليس مماثلاً على نحو دقيق للقول إنها تحل محل الصديق الغائب بالطريقة نفسها التي تحدث عنها عالم معاصر هو الشرتوني (المتوفى عام 1330 -1912) . ويبدو أن ما قد حدث بين العصر الرئيس الذي نعمل على دراسته حالياً وبداية عصر النهضة في العالم العربي أي منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي تقريباً ) إنما هو ترسيخ لفكرة التواصل الفوري والودي عبر الرسالة وطبعها بالطابع الرومانسي، وأمامنا الآن توصيف للغرض الرئيس لكتابة الرسائل في المجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر يعد تأييداً لهذه الفرضية، حيث يقول: «الرسالة هي محادثة بين شخصين غير حاضرين معاً ... ولكي تنجح في هذه المحادثة، تخيل أنك تجلس أمام من تريد مخاطبته، وأنه يسمع وقع صوتك وأن عيونه تنظر في عينيك. إن هذا النوع من التفكير الذي يعطي للرسالة صفة ووضعية من يخدم التواصل الشفهي يبدو أنه قد نشأ من إطار الصلاة وعبر جهود يبذلها المصلي أو المتضرع وهو يفكر فيما يود إيصاله إلى الشخص الغائب . وهذا يعني بعبارة أخرى إنني أشير إلى أن الشرتوني بما لديه من سعة العلم والمعرفة قد تأثر في حديثه عن مفهوم الصداقة في الرسائل بتلك النظرة الرومانسية التي سادت في المجتمع الفرنسي، ولكونه مسيحياً فهذا يزيد من اهتمامه بالعلاقة بين هذه الصيغة والابتهال الروحي.
ولكن ثمة علماء رفضوا الفكرة القائلة: إن كتابة الرسائل هي مجرد أداء وظيفة نسخ لحديث شفهي من هذه الحجج المضادة ما يأتي:
"كانت كتابة الرسالة ضرورية كلما كان موضوع الحديث جاداً ويتطلب تطمينات أكثر رسمية وتعهدات أكثر إلزاماً من تلك التي يمكن إعطاؤها بمجرد كلمة شرف... ففي الرسالة يستطيع المرء أن يعرض الحقائق وفق ترتيب معين وأن يسلسلها بطريقة تفرض نتائج معينة وتجعل هذه النتائج أكثر لفتا للنظر والانتباه" .
فما الدليل إذن على أن الفكرة القائلة: إن الرسالة - وهي البديل المباشر لصديق غائب - لم تكن قد تطورت تطوراً كاملاً في العصر الإسلامي قبل العصر الحديث؟ الدليل الأول هو ذلك الرأي الذي تبناه الشرتوني أن الشخص المخاطب في الرسالة قادر على رؤية كاتب الرسالة كما لو أنه يتحدث إليه مباشرة والذي لا يبدو أنه قد ورد ذكره في أدب ما قبل العصر الحديث. أما الدليل الثاني فهو أن بعض المخطوطات المخصصة لأدب الرسائل تبدو أنها أكدت العلاقة الاجتماعية والتراتبية بين كاتب الرسالة ( أو مرسلها ) والمتلقي أكثر مما أكدته على مستوى الود في علاقتهما، وأصدق مثال لذلك ابن الأثير الذي برغم اهتمامه الشديد بأدب الرسائل - كما هو واضح في عدد الأعمال التي وضعها حول هذا الموضوع - لا يتحدث إلا عن عناصر الكلام المطلوبة في كتابة الرسائل وليس عن المودة التي ترسخها الرسالة. وعلى سبيل المثال يتحدث عن الطريقة التي يجب أن يتبعها الكاتب مع الشخص المتلقي للرسالة بطريقة تلائمه.
فمثلاً ، الشخص من المرتبة الأعلى يجب ألا يخاطب كما يخاطب شخص من مرتبة أدنى منه، والعكس صحيح، وذلك إلا إذا أراد أن يتملقه أو يتذلل له. ففي مثل هذه الحالات يسمح به عبر استخدام المعنى الموسع ، إذن، لا يرى ابن الأثير عنصراً يتعلق بالرومانسية والخيال له صلة بكتابة الرسائل، وواقع الأمر أن الفصل الأول في كتابه المفتاح "المنشأ" الذي يعد أكثر اقتضاباً وأكثر تركيزاً في بعض الحالات على العناصر العملية دون العناصر النظرية لأدب الرسائل وعلى نحو يفوق كتابه الأكثر شهرة بعنوان: المثل السائر بخصوص بحثه في الشكل التراتبي للمكاتبات والفئة الأولى في ذلك تتعلق بأولئك الأشخاص من المرتبة الأدنى ومخاطبتهم من هم أعلى مرتبة منهم، كالحكام والسلاطين، مثلاً.
من الملامح التي لوحظت أكثر من غيرها في كتابة الرسائل في العصور ما قبل الحديثة في الثقافات الغربية هو ذلك الانتقال الظاهر في التأكيد من الأسلوب الخطابي المرجعي» عند شيشرون إلى الأسلوب الخطابي المفعم بالمشاعر للأدب المكتوب المتمثل في الأعمال المهمة التي وصلتنا من منطقة بولونيا في إيطالية في القرن الثاني عشر الميلادي. يقول بيرلمان إن هذا التحول يوضح لنا كيف ابتعد أدب فن الكتابة عن الأسلوب الخطابي الهادف إلى الإقناع ودنا من الأسلوب الخطابي للعلاقات الشخصية (48) . وبهذا الخصوص فقدت الحجة الكلاسيكية المنطقية كثيراً من أهميتها، ويبدو أن هذا هو الحال أيضاً في المجتمع الإسلامي فيما قبل العصر الحديث حيث البنية التراتبية لنصوص الرسائل كانت المهيمنة، ويبدو أن محاولة إقناع المخاطب برأي الكاتب أقل أهمية من إبراز قوة موقع الكاتب عبر خصائص العلاقة بين الكاتب والمكتوب إليه، يتحدث بيرلمان ، وربما عن غير علم فيعطي مزيداً من العلاقة القوية في هذا الصدد للحالة في المجتمع الإسلامي فيقول:
"تفترض فنون كتابة الرسائل وجود عالم من العلاقات التراتبية وبذلك فهي تجلي حالة البيروقراطيات التي أنشأتها ... فالدواوين، سواء كانت بابوية أو ملكية، مدينة بوجودها إلى التراتبيات العلمانية أو الدينية التي وجدت فيها. فكانت وظيفتها الأمر وليس الإقناع"
وبعد أن بينا بعض أوجه الشبه الظاهرة بين كتابة الرسائل في المجتمع الغربي إبان العصور الوسطى والمجتمع الإسلامي فيما قبل العصر الحديث، سوف تتناول بمزيد من التركيز المجتمع الأخير لتوضح بعض الخصائص المتعلقة بثقافة كتابة الرسائل في ذلك العصر. ولا بد من الإشارة أولاً إلى أن معظم ما تعرفه عن تاريخ هذا النوع الأدبي للرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث يعود إلى أبي العباس القلقشندي (المتوفى عام 1418/821) الذي كان كاتباً في الديوان المصري في العصر المملوكي. ويعد كتابه المؤلف من مجلدات عدة بعنوان صبح الأعشى في صناعة الإنشاء. الذي أتمه في عام 814 هـ -1412) م - موسوعة يرجع إليها معظم العلماء المسلمين في عصره، يمكن عد كتاب القلقشندي هذا عرضاً شاملاً وواسعاً ورائعاً لفن الكتابة، بل المكاتبات من جميع جوانيه ، وبعد في الوقت نفسه الرواية الأكثر تفصيلا للإجراءات البيروقراطية والمراسلات وأنشطة الكتابة بالإضافة إلى أنشطة ومقتضيات ديوان الإنشاء في القرون الثمانية الأولى الهجرية والقلقشندي، بالإضافة إلى دراسته المفصلة للعناصر النظرية للمكاتبات التي يعدد فيها فضائل القلم وإلى مجادلته بخصوص فوائد الكتابة النثرية والشعر يعرض أمثلة لا حصر لها للرسائل الرسمية وغير الرسمية التي تعود في تاريخها إلى القرون الهجرية الأولى، فيقدم لنا بالتفصيل الدقيق جميع المسائل ذات الصلة بنشاط الدواوين ليس فقط من جوانبه العملية بل أيضاً من حيث إرجاع أسماء ونسب الأشخاص إلى أولها وأنسابها، وكتابه هذا الذي يعد مجموعة غنية بالمعلومات حول أصول المكاتبات هو أيضاً سجل عظيم القيمة والأهمية للحياة السياسية والاجتماعية لذاك العصر، حتى لو أن إسهام القلقشندي يبدو محدوداً نوعاً ما لاعتماده الشديد على حفنة ضئيلة من المصادر الرئيسة. بيد أن أهم وأكبر مصدرين أثرا في عمله هذا كانا كتابي التعريف بالمصطلح الشريف.
الأحمد بن فضل الله العمري ( المتوفى عام 1349/749) وكتاب تثقيف التعريف لابن ناظر الجيش (ت 1384/786). والقلقشندي يكثر من استشهاده بهذين المصدرين مع أنه يعتمد على كتاب العمري أكثر من اعتماده على الكتاب الآخر. إن مستوى التفصيل الموجود في هذا العمل ولا سيما فيما يتعلق بأسلوب الكلام المتبع في الرسائل الموجهة إلى الملوك والحكام في أطراف العالم المترامية شيء يدعو للإعجاب . ومن هنا من أشكال الفنون يمكن القول إن من الإنشاء قد أصبح ج دون شك . شكلا متطورا راً جداً. حتى منذ ما قبل عصر القلقشندي.
إن اعتماد كتاب صبح الأعشى، وثيقة لتحليل المادة النصية ليس في حد ذاته أمراً يثير الجدل والشكوك ولا سيما أن القلقشندي عادة يعطي بكل ثقة وأمانة مصدر أي رسالة يستشهد بها، غير أن عرض الموضوعات وأفكار الرسائل، على سبيل المثال. ليس ممنهجاً ولا يتبع التسلسل الزمني، لذلك ليس سهلاً أن يعرف المرء تطور أسلوب كتابة الرسائل على مدى تلك الحقبة الزمنية التي يغطيها كتاب صبح الأعشى. وقد كانت تلك واحدة من الحجج التي عرضها كامين Caben معارضاً وضع نظرية متكاملة للدبلوماسية العربية تقوم على هذه المصادر . حتى أشار بعضهم إلى أن بعض المصطلحات التي استخدمها القلقشندي الرسائل ذلك العصر الباكر على وجه الخصوص، وبعض تفسيراته لشكل الرسالة في العصر العباسي كانت بتأثير من فهمه هو لعلاقتها بعصره ولم تكن تفسيراً تاريخياً دقيقاً. ويبدو أن الدراسة المعمقة والمتأنية لكتاب صبح الأعشى، ومقارنته مع المصادر الأصلية التي يستشهد بها القلقشندي تؤيد هذا القول. ففي بعض الحالات يعطي القلقشندي عنواناً أو مصطلحاً الموضوع معين يختلف عن العنوان الوارد في المصدر الذي استمده منه، فمثلا في الجزء الذي يتحدث فيه عن الاختراع، أو الابتكار، وهي صفة أساسية عند كاتب الإنشاء يستشهد كثيراً بأمثلة من ابن الأثير الذي لا يستخدم هذا المصطلح قط. وفي مناسبات أخرى نجد القلقشندي يستعين بمخطوط يختلف عن تلك المخطوطات التي استخدمها في دراستي هذه كما هو واضح في استشهاده بآراء ابن خلف عن الطبع. وإضافة إلى ذلك، ومع أن القسم الأعظم من الأمثلة التي يذكرها في كتابه صبح الأعشى، عن الإنشاء، مأخوذة من الرسائل إلا أنها لم تكن جميعاً من ذلك النوع الأدبي، وعليه يمكن القول إن الرسائل هي العرض الرئيس لفن الكتابة حين يؤخذ في الحسبان التاريخ المركب لهذا الفن، لكنها ليست الوحيدة لهذا يمكن القول: إن أكبر تحد يواجه الباحث المعاصر أن يستخرج مادة تتعلق بأدب الرسائل من المواد الأخرى التي تشكل جسم الإنشاء في كتاب صبح الأعشى مثل الخطابة والمقامات ويثبت أنها النوع السائد للأدب العربي في أثناء ذلك العصر الذي اخترناه لدراستنا هذه، ولكي نتمكن من تحقيق هذا الهدف ينبغي لنا أن ندرس تطور أدب الإنشاء، وأن نبحث ونتقصى كيف برز فن كتابة الرسائل إلى المقدمة ليكون الركن الأساس لفن الكتابة، أو تحديداً كتابة النثر الفني.
ثمة عدد من النقاط الأساسية التي تجب الإشارة إليها بخصوص التطور الباكر للإنشاء، أولها أن هذه اللفظة ذاتها لم تذكر ولم يستخدمها أحد قبل نهاية القرن الثالث الهجري أوائل القرن العاشر الميلادي وذلك حين استخدمها أول مرة قدامة ابن جعفر (ت 337/ 958) في كتابه المعروف كتاب الخراج وصناعة الكتابة. فتجد التحليل الممتاز الذي أجراه بول هيك Paul Heck لهذا العمل يحدد المبدأ المهم الآتي الأدب الإنشاء كما جاء في مقالة قدامة بن جعفر فهو يقول:
"إن هذه الخطة ويقصد بها معالجة قدامة للعلوم والمتضمنة شيئاً من العلاقة باللغة أولاً، وأتبعها بعرض للهيكلية البيروقراطية وطريقة العمل الإداري تبين تلك الصلة الوثيقة بين اللغة ووظائف أجهزة الحكومة التي يتصورها داخل دوائر الدولة" .
ففي هذا الجانب وغيره من الجوانب يتميز كتاب قدامة بنضج معقول وتماثل مع المخطوطات المتأخرة العائدة لمسؤولي الدولة، ومن هنا يمكن القول: إن فهمنا لتطور الإنشاء قد تعزز دون شك بهذه المعلومات التي توافرت لدينا من كتابه. غير أن غياب ذكر لفظة الإنشاء في الكتيبات الأخرى لكتاب ذلك العصر وما بعده ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد حتى لو كانت المادة التي تناولتها تلك الأعمال تشبه المادة التي تحدثت عنها المقالات التي صنفت لاحقاً تحت مظلة الإنشاء. والجدير ذكره في هذا السياق الأعمال الباكرة لعبد الحميد الكاتب (ت 133-750/134) والذي لم يأت على ذكر الإنشاء بالرغم من كونه رفيع الثقافة في عصره، ومع ذلك، وعلى الرغم من عدم ذكر الكلمة يقدم رومر Roemer ملاحظته بقوله: "إن تلك الممارسة المعروفة عموماً بالإنشاء تعود في أصولها إلى عبد الحميد بن يحيى".
لكن تشكيكي في دقة العبارة التي قالها رومر بعد أساس العنصر الأساسي الثاني للإنشاء الذي سوف أعرضه وأوضحه في هذه الدراسة، صحيح أن بعض مبادئ كتابة الرسالة التي تعرضت في مرحلة لاحقة للتوسع والتفصيل وعرفت بمادة الإنشاء قد وضعت أسسها في عصر باكر جداً للمجتمع الإسلامي وفي بعض الأعمال من مثل أعمال عبد الحميد الكاتب الذي يعتقد الكثيرون من الباحثين أنه مؤسس أسلوب الرسائل العربية، وفي أعمال أبي عمرو إسحاق الشيباني (ت 213/ 828) الذي تضمن كتابة الرسالة العذراء بعض الشواهد الباكرة لأهمية ذرائعية الخطاب وواقعيته . ولكن لم يكن الاستخدام الصريح للفظة الإنشاء غائباً فحسب في تلك الأعمال كما ذكرت، بل إن أدب الكتاب عموماً لم يكن متميزاً عن أعمال أدب الكاتب الذي تضمن نصائح عملية وفنية لأولئك الكتبة بالإضافة إلى مبادئ فقه اللغة كما يشير رومر مصيباً . غير أن استخدام قدامة بن جعفر للفظة الإنشاء لم يكن قط حدثاً اتفاقياً : ذلك أنه قد يبدو انعكاساً لابتعاد جديد لأدب الكتاب في محاولته لبلورة العلاقة بين اللغة العربية ودورها الرئيس في كونها أساساً لشؤون الدولة. غير أن ذلك التشابه في المقصد بين مقالة ابن جعفر وغيرها من المقالات مثل مقالة ابن خلف (ت 455 -1063) في كتابه مواد البيان يدعو للدهشة مثلما يدعو للدهشة أيضاً ذلك التشابه بين اهتمامات ابن جعفر واهتمامات الصولي (ت 946/335) في كتابه أدب الكتاب، فضلاً عن تلك الحقيقة بأنهما ينتميان لعصر واحد، وهذا ما لا يمكن تجاهله. وما يجدر ذكره في هذا المقام أن الصولي كان واحداً من أوائل الكتاب الذين وضعوا تعريفاً لمصطلح الإنشاء، برغم أنه تعريف ابتدائي، وقد وضع أيضاً بعض القواعد والأحكام الأولية لصياغة وثائق الرسائل الرسمية مثل الدعاء كما اصطلح
على تسميته أنذاك - التي غدت في مرحلة لاحقة - عنصراً عظيم الأهمية في أسلوب الرسالة وأصول المكاتبات الرسمية. وخلاصة القول، لكي يكون عمل معين جزءاً من أدب الإنشاء ليس من الضروري أن يتضمن تلك الكلمة في عنوانه، ولكن لا يمكن تطبيقه دون حيطة وحذر ودون التفكير العميق في مختلف مقالات الكتاب في القرون الثلاثة الأولى الهجرية.
والعنصر الأساسي الثالث الذي لا بد من إثباته في هذه الدراسة ضمن إطار الإنشاء هو ذلك الجمع والتركيب للأفكار الذي نجده في الأنواع الرئيسة للمكاتبات وهي الخطابة والشعر والنثر وتحديداً أدب الرسائل) والذي يوضح بجلاء تلك العلاقة الوثيقة بين طريقتي التعبير الشفهي والكتابي، ويؤكد أهمية الارتباط بين المتكلم أو الكاتب وجمهوره، وسوف نعرض للمزيد من الحديث عن هذه الفكرة في مواقع مختلفة من هذا الكتاب، وعلى الخصوص في الفصلين الثاني والثالث. ومن حيث كونه حجر الزاوية في أدب الإنشاء يمكن تقسيم مخطوطات الرسائل في العصر الإسلامي قبل العصر الحديث إلى ثلاثة أنواع رئيسة، وهنا نجد التصنيف الذي وضعه بيوركمان تصنيفاً دقيقاً برغم قدمه، وخير توضيح مبدئي لهذه الأنواع، فهو يقول: إن مخطوطات الرسائل في ذلك العصر تتكون مما يأتي:
(1) مجموعات نماذج تشبه إلى حد كبير تلك المجموعات المتضمنة الصيغ دينية في الغرب.
(2) أطروحات بحوث حول قواعد الأسلوب وغيره من القواعد المتعلقة بصياغة الوثائق وهي تشبه إلى حد ما فنون الكتابة في الغرب).
(3) النوع الثالث وهو نوع يجمع بين النوعين الأول والثاني، أي مجموعات متضمنة الصيغ الدينية مع بعض الآراء النظرية أو أطروحات لبحوث نظرية متضمنة بعض الأمثلة ( وهو نوع شبيه بتلك التي وجدت في الغرب وتعود في تاريخها إلى القرن الثاني عشر وما بعده).
والرسائل التي تضمنتها تلك المخطوطات سواء أكانت أصلية أم مجرد نماذج يمكن توزيعها إلى فئتين رئيستين الرسائل الرسمية أو الرسائل الديوانية، وهي عادة تعالج مسائل خاصة بالدولة وتكتب بلغة وأسلوب أتقنت صياغتهما، وتنتمي، كما يقول آرازي وبن شاماي إلى ما يمكن تسميته مبادئ الخطاب البليغ أو بعبارة أخرى النثر الإداري والفئة الثانية هي تلك الرسائل غير الرسمية أو ( الرسائل الإخوانية) وهي تتضمن أفكاراً وموضوعات شخصية مثل رسائل التهنئة بمناسبة ولادة طفل أو ربما عتاب لعدم وجود تكاتب. غير أن معاني الكلمات الواردة في قول أرازي وبن شاماي قد تضلل القارئ إلى حد ما ذلك أنه من العسير أن يتصور المرء نمطاً للنثر الديواني لا يصاغ بلغة خطاب تقليدي بليغ، ولعلهما يريدان القول: إن الأسلوب المستخدم في الرسائل كان أكثر زخرفاً وتنميقاً من الخطاب الإداري العادي المستخدم في الدوائر والدواوين في المجتمع الإسلامي قبل الحديث، غير أن المصادر تشير إلى أن النثر الإداري كان بكل تأكيد تبادلاً للرسائل، وخير شاهد يؤيد هذا القول ذلك الحجم الكبير ومادة ذلك النمط للمكاتبات الموجود في هذا الأدب، بل لو أن أرازي وبن شاماي كانا على صواب فإن ما قالاه يجب أن ينطبق أيضاً على النوع غير الرسمي للرسائل التي زعم بعض نقاد الأدب أنها تحتاج إلى المزيد من الفطنة والدراية في الأسلوب أكثر مما يحتاجه النوع الرسمي للرسائل.
بل كان ينبغي على أرازي وبن شاماي أن يقولا بدلاً من ذلك: إنه توجد علاقة ملموسة وواضحة بين أسلوب الرسالة ومضمونها، وهذا ما بينه بكل تأكيد غللي وهند في مقالتيهما حول ابن شما غير تتناسب تماماً مع سياق العلاقة بين الأسلوب والمضمون كما قال كارلسون في تلخيص للعناصر الرئيسة لأدب الرسائل في المجتمع اليوناني حيث قال:
"الحقيقة أن الكتاب نوع من البلاغة يتضمن سلسلة من الموضوعات المحددة ومقتضيات الأسلوب الدقيق، وهو بطبيعته تلك على صلة وثيقة بالأسلوب المستخدم في التقارير الإنسانية وقواعد اللياقة" .
فهذه المقولة تؤكد حقيقة مفادها أن أصول المكاتبات في المجتمع اليوناني القديم تظهر التوازن بين بلاغة الأسلوب والنثر الإداري في ذلك العصر وهما عنصران لا يمكن فصلهما، ويمكن قول ذلك نفسه عن الرسائل في العصر الإسلامي قبل العصر الحديث.
والصنفان الرئيسان للرسائل المذكوران آنفاً، أي الرسائل الرسمية وغير الرسمية. يمكن بكل سهولة أن يتفرع عن كل منهما أقسام وفروع، كما فعل ها شمایر عند تحليله لرسائل أبي إسحاق الصابئ (ت 994/384) . ومع أن تلك المجموعات من الرسائل كلها لا تتضمن تلك الأصناف القابلة للتفرع مثلما حصل مع رسائل الصابئ إلا أن تصنيف هاشماير لرسائله تلك يكون ذلك النوع الأدبي عموماً، وقد تضمن تصنيفه المجموعات الأربع الآتية:
(1) رسائل الصكوك وتتضمن التعيينات في المناصب أو الترقيات وما إلى ذلك.
(2) رسائل خاصة، وهي تلك الرسائل التي كان الصابئ يرسلها إلى أفراد عائلته وأصدقائه.
(3) رسائل دبلوماسية، وهي التي يرسلها الخلفاء والأمراء أو الوزراء إلى الولاة الآخرين أو كبار الشخصيات وتتعلق بالمشكلات السياسية والدبلوماسية.
(4) رسائل التهنئة والعزاء.
يقول هاشماير إن الرسائل التي صنفها ضمن الفئة تختلف عن رسائل «الأصدقاء» التي تحدث عنها أرازي وبن شاماي؛ إذ يشير إلى أنها تعالج مسائل جادة من واقع الحياة) تتجاوز مجرد التعبير عن الصداقة والود وهما الفكرة الأساسية للرسائل الموصوفة بالإخوانية .
والجدير ذكره أنني وهاشماير قد توصلنا إلى استنتاج واحد ولو أن كل واحد منا قد سلك دروباً مختلفة عن الآخر. وفي هذا السياق ينبغي القول: إن مادة الرسائل وموضوعها سواء كانت من الرسائل الرسمية أم غير الرسمية ليس بالضرورة أن تكون موضوعات ذات طابع جاد أو رصين، ولا أن تكون محددة بإطار فكرة رئيسة. وإن أخذنا في الحسبان التقاليد العربية والإسلامية الراسخة المحبة للمرح فمن الطبيعي أن نجد نصوصاً تتميز بالخفة والروح المرحة، ومثال ذلك الرسالة التي كتبها الوزير أبو إسحاق الصابئ بأمر من السلطان معين الدولة ابن بويه الديلمي وموضوعها الضيف غير المرغوب فيه . وهنالك مثال آخر لمثل هذا النوع من الرسائل يعود أيضاً للعصر الفاطمي ويوضح رسالة كتبها أحد الكتاب إلى كاتب آخر حول شخص ثالث. ففي أحد الأمثلة نجد الكاتب الأصلي للرسالة يخفي تلميحاته عن شخص ثالث باستخدام إطار بارع جداً لما يكتبه، مستنداً إلى أصناف مختلفة من الأطعمة، ثم تتبع هذه رسالة جوابية ملائمة من المتلقي مستخدماً طريقة مماثلة في الحديث . ومن المتوقع أن يكون لهذه الطريقة أثر ثنائي في المتلقي، فهي إلى جانب كونها مسلية تدخل السرور إلى قلب القارئ أو المتلقي فهي تزوده بمعلومات جيدة حول تنوع أساليب الطهي والطعام، وبذلك تؤدي غرضين رئيسين للأدب، والملاحظة التي أبداها هاشماير في هذا الصدد لها دلالتها الخاصة والمهمة، فهو يقول: إن هذه الرسائل لم تكتب بهدف التأريخ، بل كتبت - أولاً ودون أي شيء آخر - لتفي بغرض ضمن حاضرها التاريخي، سواء كان ذلك مديحاً ( كما هو حال القصيدة الشعرية في المديح ) أو لتعطي حلولاً لبعض الأعمال أو لغرض التعليم والتسلية .
وثمة خاصية أخرى في كتابة الرسالة تدل على الجدية في المقصد، وفي معظم الأحيان مسلية وتعليمية معاً في النتيجة، ألا وهي «التورية». هذه الخاصية وغيرها من طرائق اللعب بالألفاظ كانت سائدة في كتابة الرسائل المتعلقة بتنظيم الديوان أو ما كان يعرف بـ «الوصايا»، وقد كتبت لغاية رئيسة من أجل أولئك الذين يعد التعليم بمعناه الواسع مهنتهم. ففي هذه المجالات يكتب الكاتب رسالة تقرأ في أماكن كثيرة بطريقتين مختلفتين أو أكثر، مثل الرسائل المتعلقة بتنظيم الديوان والموجهة إلى عالم النحو والصرف، ولعل هذا النوع هو الأكثر شيوعاً من الرسائل التي تصنف في هذه الفئة . غير أنه ليس من السهل تحديد متى أصبح هذا الصنف من الرسائل شائعاً ومحبوباً على وجه الدقة؛ ذلك أن معظم النصوص التي بين أيدينا من هذا الطابع تعود إلى ما بعد القرن السادس الهجري ( الثاني عشر الميلادي)، إلا أنني أتوقع أن ابن خلف القرن الخامس / الحادي عشر ) قد أدى دوراً أساسياً في تطوره، وخير مثال دال على كتابة رسائل في العصر الفاطمي تدور موضوعاتها حول أفكار كثيرة ليس أقلها موضوعات تتعلق بتنظيمات الديوان - نجده في رسالة كتبها هو يهنئ كبير الدعاة (داعي الدعاة باللغة العربية) يقول فيها ما يأتي: «وإنما أوردت هذا المثال بهذه الألفاظ لأن ألفاظ هذا الداعي يجب أن تكون مشتقة من ألفاظ الدعوة، مناسبة لمذهبها . ففي هذا المثال توجد - بالتأكيد - دوافع الداعية الشيعي التي يتمثلها ابن خلف والتي جعلته يضمن رسالته تلك الألفاظ الخاصة بموقع كبير الدعاة، وربما تكون هذه الدوافع الوسيط المحرض على التطور الحاصل في كتابة الرسائل التي بات الكتاب يعتمدون فيها - وعلى نحو متزايد - على استخدام مصطلحات وألفاظ وعبارات تناسب المهمة ذات الصلة مثل مهنة عالم النحو أو القاضي.
وغني عن القول: إن الحاجة لنظام عالي التطور في التراسل والمكاتبات ازدادت مع تزايد انتشار الإسلام فأصبح العمل الدبلوماسي أكثر حيوية ونشاطاً بدءاً من العصر الفاطمي وما بعده، ويتضح لنا من أماكن ومصادر مختلفة ذكرها القلقشندي في مجموعاته الضخمة للنثر في الرسائل أن التواصل عبر الرسائل كان جزءاً لا يتجزأ من الحياة السياسية في ذلك العصر؛ لذلك نجد أن هذا الطلب المتزايد على خبراء في كتابة الرسائل قد أفضى إلى إنتاج أعداد متزايدة من الكتب والمقالات حول هذا الموضوع. ونخص بالذكر في هذا السياق ذلك الكتاب المهم جداً الذي وضعه تاج الدين الموصلي (ت 1301/700) من اليمن، بعنوان «البرد الموشى في صناعة الإنشاء، وهو كتاب ويا للأسف - لم يحظ باهتمام الكثيرين من العلماء، كان الموصلي يكتب رسائله في أواخر القرن السابع الهجري ( الثالث عشر الميلادي) ، ومضمون هذه الرسائل يعطينا مثالاً شديد الوضوح عن العلاقات الدبلوماسية بين اليمن ومصر المملوكية، فقد كان الديوان في القاهرة في ذلك العصر مؤسسة عظيمة النشاط تتلقى الأعداد الهائلة من الرسائل من مختلف الولاة والحكام، وكتاب الموصلي الذي سنتحدث عنه بمزيد من التفصيل في مواضع أخرى من هذا الكتاب هو خير شاهد على ذلك. بيد أن الفهم الشامل والموسع للفظة «الإنشاء» أمر في غاية الأهمية، ليس فيما له صلة بهذا النوع الأدبي فحسب، بل لأن هذه اللفظة تتضمن أيضاً علم الخطابة وعلى وجه الخصوص الخطابة الدينية كما يوضح ذلك ابن نباتة (ت 768/ 1366) ويوضحه أيضاً أدب المقامات الذي تعد مقامات الحريري خير شاهد عليه ، والجدير بالذكر أن ثمة من أبدى إشارة مقنعة بأن الأمثلة الباكرة لأدب الرسائل تقدم مادة أساسية ثمينة استقى منها أفكارهم أوائل كتاب المقامات . ولعل تفضيل ابن الأثير الواضح لأدب الرسائل على أدب المقامات يعد عاملاً رئيساً في نقده الشديد للحريري وفي حديثه المستفيض عن النواحي السلبية لهذا النوع من الأدب عموماً.
استخدمت عبارة «علم الإنشاء» كما كان يعرف في بعض الأحيان لتكون عنواناً رئيساً «للتأليف» كما يتضح على نحو رئيس في أدب الرسائل، وكذلك في وثائق الدولة وأوراقها. والتعريف الذي يقدمه رومر يؤيد ذلك ، ولا سيما أن لأسلوب الرسالة أهمية لا تقل عن مادة الرسالة ومضمونها . وقد عرف القلقشندي «الإنشاء» بقوله أنشأ الشيء إذا ابتدأه أو اخترعه على غير مثال يحتذيه وهو تعريف مهم لسببين: أولهما أنه يعزز ويرسخ مفهوم الأصالة والابتكار عند الكاتب، وهذان يعدان ركنين أساسيين لكتابة الرسائل كما تحدثت عن ذلك الأعمال النظرية، وثانيهما ، أنه يفصل ما بين النثر الفني المتمثل في الخطابة وأدب الرسائل وبين الشعر الذي يرى فيه اختصاصيو النثر والكتاب نوعاً أدبياً لا يقتضي المستوى عينه من الابتكار، يقول القلقشندي: إن الشعر برغم كونه محصوراً في وزن وقافية يحتاج الشاعر معها إلى زيادة الألفاظ والتقديم فيها والتأخير وقصر الممدود ومد المقصور وتبديل اللفظة الفصيحة بغيرها وغير ذلك مما تلجئ إليه ضرورة الشعر فتكون معانيه تابعة لألفاظه . وبعبارة أخرى، تعد المعاني أو الأفكار في خدمة الألفاظ. فالشعر لم يصنف قط في إطار الإنشاء لأنه كان يعد دوماً أدباً من : نوع مختلف يقال عنه «المنظوم» أي «يتبع نظاماً وترتيباً معيناً» خلافاً للمنثور أي المبعثر والمتناثر». وهذه لفظة أطلقت على النثر عموماً كما بينت ذلك أنفاً. بيد أن صناعة نثر الرسائل أو ما يقال بالعربية «صناعة الرسائل» وضعها القلقشندي في إطار فن الإنشاء»، حيث وصف هذه الصناعة بأنها «كتابة الإنشاء» ذلك أنها تعد أهم جزء جوهري فيها . لكنه قبل أن يقدم هذا الوصف قال: إن كتابة الإنشاء تسمية للشيء بأعم أجزائه إذ الترسل والمكاتبات أعظم كتابة الإنشاء. ومع أن العنصرين الأساسيين للإنشاء، ونقصد بذلك تأليف الكلام وترتيب المعاني في ظاهرهما عنصران سهلان لتطبيق هذا المبدأ إلا أن الحكم على الكاتب لا يكون إلا بحسن تطبيقه وإنجازه للجمع بينهما ؛ فالخط الفاصل بين كاتب يتمتع باحترام كبير وكاتب من مستوى غير جيد هو خط رفيع جداً، وعلى سبيل المثال يمكن أن يعد كاتب ما متفوقاً في كتابته لرسائل الديوان لكنه لا يتقن أسلوب كتابة الرسائل الخاصة وهناك أيضاً شواهد أخرى تدل على أن لفظة الكتابة ولفظة الإنشاء باتنا لفظتين مترادفتين إلى حد ما، لكن هذه الشواهد تستند إلى الافتراض أن ابن الأثير هو من ألف كتاب المفتاح المنشأ لحديقة الإنشاء إلا أن بعض الشكوك تكتنف هذا الافتراض. ففي هذا الكتاب يقول المؤلف:
"إن أشرف الصناعات الملكية أكثرها ألقاً والأفضل بين مراتب السيادة وأرفعها ، وأكثرها تميزاً في موضعها وأكثرها فخامة هي رتبة الإنشاء " .
وفي مقدمة هذا العمل لا يأتي المؤلف ( الذي افترض أنه ابن الأثير نفسه على ذكر لفظة «الكتابة» التي ذكرت كثيراً في مقالته الرئيسة حول كتابة الرسائل وتحت عنوان المثل السائر». لكنني أشير في هذا المقام إلى أنه لو كان هو مؤلف كتاب المفتاح المنشا وهذا ما أعتقده - فإن الترادف بين لفظتي الإنشاء والكتابة مقبول جدلاً دونما حاجة لبرهان، ولم يجد هو ضرورة للتمييز بينهما.
غير أن ثمة مبدأين مهمين جداً للإنشاء ينبغي أن نتحدث عنهما بشيء من التفصيل المبدأ الأول هو «الطبع» والموهبة وهو ما يبدو جلياً في إنشاء الوثائق الرسمية وإلى درجة أكبر كثيراً بالرسائل غير الرسمية، وهو ما يعطي الكاتب مجالاً أكثر اتساعاً لإظهار براعته الأدبية، وكما قال القلقشندي: إن الرسائل غير الرسمية التي تكتب بمناسبة التعزية أو التهنئة قد أتاحت استخدام عبارات غير اعتيادية تأسر القلوب وتنبع من الوجدان. وفي هذا السياق يقول الحلبي في كتابه «حسن التوسل إلى صناعة الترسل إن الرسائل غير الرسمية تستخدم بمنزلة تمرين للذهن وإن قوة الطبع تختبر فيها. وانطلاقاً من هذا المعنى يقدم لنا ابن الأثير نقده لأبي إسحاق الصابئ الذي يعترف به أنه كاتب ممتاز جداً في ميدان النثر الإداري الرسمي أو كما كان يسمى آنذاك السلطانيات لكنه كاتب لا يجيد إنشاء الرسائل غير الرسمية ولا سيما حين تكون التعزية موضوع الرسالة. ولعل ولع ابن الأثير بتلك القوة الفريدة للطبع أو الموهبة - وهي صفة إما أن يتميز بها الكاتب أو الشاعر أو لا يسوغ له حكمه على عمل عالم منافس له، وتنبغي الإشارة هنا إلى أن ابن الأثير لم ينكر قط بأن الكتابة والإنشاء يمكن تعليمها للأفراد الموهوبين. فمثلاً حين يناقش مسألة «التكرار» يقول: «الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون استخدام هذه الفكرة هم أولئك الذين يتقنون البلاغة إما بطبعهم أو بالتعلم. فالذي يريد إثباته بقوله «الطبع» هو أنه ليس موهبة يتمتع بها الجميع.
بيد أن اختلال توازن «الطبع» قد أدى حتماً إلى مستوى رفيع في الأداء في مجال واحد أو أكثر ومستوى ضعيف في مجالات أخرى . فالعلماء الذين يحظون باحترام كبير في مجال اللغة قد لا يتقنون فن كتابة الرسائل حتى لو كان إنتاجهم الأدبي في مجالات أخرى يلقى التقدير والاحترام الكبيرين من نظرائهم، وأحد الأمثلة الدالة على ذلك الحريري الذي يبدو أنه قد أخفق في دور لم يطل قيامه به حين عمل كاتباً في الديوان بسبب عجزه عن كتابة الرسائل ، غير أن ملاحظة المقدسي القائلة إن: «افتقار الحريري للمقدرة على كتابة الرسائل يبدو غير متطابق مع المراجع التي يظهر فيها (كتاب الرسائل ) منسوباً له فتبدو ملاحظة تفتقر إلى الدقة؛ ذلك أن كون الشخص مؤلفاً لمجموعة من الرسائل لا يعد ضمانة لاحترام وتقدير زملائه له، كما بينا آنفاً. ومن جهة أخرى يبدو أن التطبيق والتفسير الفعليين لـ «الطبع» بأنه هو التطبيق المناسب في إطار بلاغة الرسائل والمكاتبات عموماً بحاجة إلى شيء من الدراسة والتمحيص. فهو من جهة يشكل مستوى معيناً من القدرة الطبيعية والفطرية التي ارتبطت دوماً بفن التراسل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث بغض النظر عما إذا كان ذلك نثراً أم شعراً. ومن جهة أخرى يبدو أنه النقيض المباشر لمفهوم التقليد الذي ساد كتابة الرسائل العربية في ذلك العصر، ولم تكن الرسائل الرسمية وحدها تلك الفئة المغلقة نسبياً للمكاتبات؛ بمعنى أن تقليد الكاتب للأسلوب والصيغ قد أدى دوراً أكبر في الابتكار والإبداع، بل إننا أيضاً لا نعرف على وجه الدقة كم من الرسائل التي وصلت إلينا كانت أصلية وليست تقليداً. وعلى افتراض أن نسبة معقولة منها كانت نماذج للتقليد ينبغي لنا أن نسأل كم مرة وإلى أي مدى أدى الطبع والموهبة دوراً فيها.
وأما المبدأ الرئيس الثاني للإنشاء في أدب الرسائل، والذي ينبغي أن تتحدث عنه في هذا الفصل، وتتوسع في الحديث عنه في الفصول الآتية فهو مبدأ حساسية الكاتب للوضع الاجتماعي والمقدرة اللغوية عند من ترسل إليه الرسالة، وقد كان هذا المبدأ موضع اهتمام العديد من المؤلفين في العصور الوسطى في المجتمعات الغربية كما لوحظ في مخطوطاتهم للرسائل، تذكر منها على سبيل المثال البريك مونت كاسينو الذي قال إن أول شيء ينبغي أخذه في الحسبان عند كتابة الرسالة هو الشخص الذي ترسل إليه الرسالة والشخص الذي منه تأتي . فمثل هذه الاعتبارات يجب أن تذكر بوضوح وجلاء في مستهل الرسالة وفي هذا الإطار يشير بيرلمان في استشهاده لكتاب بعنوان مبادئ كتابة الرسائل اسم المؤلف مجهول إلى أن المقدمة الافتتاحية في الرسالة هي تعبير لتحية تنقل مشاعر الود والصداقة بحيث تنسجم مع المرتبة الاجتماعية للشخص المقصود . ومن هذا المنطلق يمكن القول إن جوهر وظيفة الرسالة أن تحمل عبارات المجاملة والود وأن تركز على حديث بين الكاتب والمتلقي، ولا تعد مرجعية إلا إذا كانت تنقل معلومات محددة حول المراتب النسبية أو المطلقة للكاتب والمكتوب إليه والتحية جزء على جانب كبير من الأهمية في الرسالة في الأدب المأثور عن بولونيا، (إيطالية) في القرن الثاني عشر الميلادي، وهي بالتأكيد جزء ليس أقل أهمية في أدب الرسائل العربية في العصر نفسه، لكن الاختلاف الجوهري الوحيد بين التحية في الرسائل الغربية ورسائل العصر الإسلامي هو أنه في العصر الإسلامي تضمنت التحية أكثر من مجرد إلقاء التحية وتعدتها لأن تصبح تحية مطولة متضمنة الدعاء في مدح الحاكم أو السلطان على سبيل المثال: فالكاتب في كثير من الأحيان يدعو الله ليبارك متلقي الرسالة: فالتحية. كما سأتناولها بالتفصيل في الفصل السادس، تعطي الكاتب المجال المثالي ليجمع إلى خبرته اللغوية فهمه الحدسي للسياق. وهذا برأبي يعد واحدة من الخصائص الفريدة الأدب الرسائل الإسلامية في المجتمع قبل العصر الحديث.
لكن بعض المبادئ التأسيسية للعلاقة بين الكاتب والمكتوب إليه قد وضعت في عصر سبق حقبة أربعة القرون موضوع دراستنا. فقد قال العسكري (ت 1005/395) على سبيل المثال - عند الكتابة إلى الوالي بخصوص مسألة تتعلق بالاسترحام أو الاستعطاف فينبغي ألا يطلب المرسل في حديثه عن بؤسه لأن ذلك قد يعني ضمناً أن الأمير مقصر في الاعتناء برعاياه، وعند كتابة رسالة اعتذار يجب أن يوجز الكاتب في حديثه عن براءته، وألا يؤكد هذه البراءة لأن ذلك قد يتضمن تلميحاً بأن الأمير قد أساء الحكم على أحد رعاياه. وهنا نرى القلقشندي قد وصف ذلك بعبارات عمومية، حيث قال فيجب فيها مخاطبته على قدر مكانه من الخدمة من الألفاظ المتوسطة، ولا يجوز أن يستعمل منها الفصيحة التي لا تحتمل من تابع في حق متبوع لما فيه من تعاطي التفاصح على سلطانه، وهو غير جائز في أدب الملوك، وكذلك لا يجوز فيه تعاطي الألفاظ المبتذلة الدائرة بين السوقة، لما في ذلك من الوضع من السلطان بمقابلته إياه بما لا يشبه رتبته . ولكن هناك حالات استثنائية يمكن فيها أن تنقلب ألفاظ الخطاب رأساً على عقب، إن جاز القول. لكن هذه المخالفات لا يسمح بها إلا في إطار المجاز، حيث يرغب الكاتب أن يستعمل عبارات التزلف والتعلق عند مخاطبة من هم أدنى منه كما لو أنه هو من مرتبة أعلى أو العكس، من حيث المبد .
ولم يكن التمييز في المراتب والأوضاع محصوراً باختيار معين للكلمات والعبارات. بل إن الشكل في بداية الصفحة يكون مختلفاً إذا كانت الرسالة ستوجه إلى ملوك جماعات صنفت على أنها كافرة من بين المسيحيين البيزنطيين والأوروبيين والجورجيين والأحياش واليهود، والرسائل الموجهة إلى الحكام من هؤلاء الجماعات لا تبدأ عادة بالعلامة الملكية الرسمية المميزة ( الشريفة) بل ببضع كلمات يكتبها الكاتب بخط یده . إضافة إلى ذلك يبدو أن مرتبة المكتوب إليه أيضاً تحدد وتقرر ما إذا كان أسلوب الرسالة يتضمن السجع أم لا. فالرسائل الموجهة إلى ملوك عظام في الشرق والغرب يعرف عنهم أنهم ذوو ثقافة جيدة تمكنهم من فهم جميع مظاهر البلاغة. تكتب بأسلوب السجع دون سواه، أما الرسائل الموجهة إلى ملوك وحكام أقل شأناً فلا يستخدم فيها السجع إطلاقاً، ولكن لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن موضوع الرسالة يحدد أيضاً أسلوب كتابتها. فإذا كانت في أمر بعد وقوعه ... كالكتابة بالبشارة مثل البرء من مرض، أو الإنعام بخيل أو نحوها أو جلوس السلطان على التخت أول مرة على سبيل المثال كتبت مسجوعة، وإلا كتبت مرسلة غير مسجوعة . إذن ينبغي على الكاتب أن يكون على علم جيد بـ «صنعة الشخص الذي إليه يكتب الرسالة ، وهذا القول لا يقصد به فقط الرسائل الموجهة إلى المحاسبين أو القضاة أو غيرهم من الاختصاصيين المهنيين، وحين يرسل رسالة إلى بلد خارج بلده المباشر يتعين عليه أن يأخذ في الحسبان ظروف قاطنيها. وإذا كان هو ( أي الكاتب الذي يتلقى مراسلاته واحداً من الأدباء العارفين جيداً بمبادئ المكاتبات ويعرف جيداً أصول الإنشاء النثري ، فليودع كتابه الألفاظ الجزلة التي إذا حليت بها المعاني زادتها فخامة في القلوب وإن كانوا ممن لا يفرق بين خاص الكلام وعامه فليضمن كتابه الألفاظ التي يتساوى سامعوها في إدراك معانيها .
غير أن مبدأ انتقاء المادة الأكثر ملاءمة للسياق يتردد كثيراً في مواضع مختلفة للأدب. وقد عبر العسكري عن هذا المبدأ بجلاء في كتابه ذائع الصيت بعنوان كتاب الصناعتين (أي الشعر والنثر )، وتردد صداه بعد قرون عدة حين قدم الشرتوني تعريفه للإنشاء بأنها صناعة التعبير عما هو مقصود عبر اختيار العبارات المناسبة) وترتيبها وفقاً لذلك ( انظر أيضاً تعريف القلقشندي المذكور أنفاً ) والجدير ذكره أن أصول الإنشاء قد أدت دوراً بارزاً امتد حتى العصور الحديثة في تعريف معايير الإنشاء باللغة العربية. وقد بقيت معظم هذه المبادئ في إطار معايير كتابة الرسائل، لكنها توسعت في العصور الأكثر حداثة لتكون قواعد عامة في الإنشاء وفي الأسلوب، ولا بأس من أن تتوقف لحظة لتتأمل أثر الإنشاء بعد القرن التاسع الهجري ( الخامس عشر الميلادي) وتربطه بإطار دراستنا هذه.
غير أن الأعمال المتوافرة حالياً حول الإنشاء وأدب الرسائل في العهد العثماني قليلة جداً، لكن ما وصلنا منها له أهمية بالغة، ولتذكر على سبيل المثال رسائل الكرمي المتوفى عام (1624/1033) الواردة في أهم أعماله وهو بديع الإنشاء والصفات الذي بعد تواصلاً مع الأعمال السابقة من حيث الأسلوب والموضوع والبنية كما يوضح أيضاً أن بعض المكونات الرئيسة للرسالة مثل الدعاء هي موضع التشجيع بل هي أساسية وجوهرية، فمثلاً، لو أن الكاتب يخاطب شخصاً اسمه شمس الدين فسوف يحاول أن يضمن مقدمة رسالته أو الدعاء جزءاً من اسمه هذا بغية الإطناب في إطراء المخاطب. وأما من حيث الأسلوب فقد اتضح أن ذلك الثبات المتوقع للسجع قد أوصل أسلوب الرسائل العربية إلى طريق مسدود، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن السجع ظل سائدا في الرسائل العربية مدة اثنين وخمسين سنة بعد ذلك التاريخ، قبل أن يبطل استعماله، ولا سيما في أسلوب المكاتبات الإدارية.
ثمة مجموعات مختلفة من الرسائل تشكل النسبة الكبرى من الأعمال التي وصلتنا من العصر العثماني، منها مجموعة لا يعرف واضعها وتحمل العنوان كتاب مجمع الرسائل وغير ذلك وتعود (للقرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي) وتضم مجموعة من نماذج للدعاء والأمثال وغيرها من التعابير المناسبة لإنشاء الرسائل . أما كتاب عجب العجاب للشيرواني فهو كتاب يحلب الألباب، نشر أول مرة في كلكوتا عام 1813 ويتضمن رسائل محبة، تبادلها المؤلف مع عدد من الإخوة والأشخاص رفيعي المقام كما يتضمن أيضاً رسائل رسمية حول أمور الدولة . وبرغم هذه الأعمال فإن حجم أدب الإنشاء المنتج وأهميته إبان العصر العثماني بحاجة إلى المزيد من الدراسة، علماً أن مجموعة مخطوطات واحدة في الحد الأدنى تبين أثر العثمانيين في اللغة الإدارية . غير أن مدى تأثر أدب العصر الحديث الباكر المتمثل في أدباء من أمثال حسن العطار لاستمرارية أسلوب الرسائل ما قبل العصر العثماني أو مدى تمثيله للاستعمال المتزايد في تعقيده للبدائع والدال على حالة جديدة للتكلف والتصنع فهي بحاجة إلى المزيد من الدراسة، مع أنه من المناسب في هذا المقام أن تقدم بعض الآراء والملاحظات باختصار.
يضم كتاب حسن العطار (ت 1835/1250) المهم جداً بعنوان «كتاب إنشاء العطار» الذي أهداه للوالي محمد علي رسائل تدور موضوعاتها حول أفكار متنوعة منها ما هو موجه إلى القضاة وإلى العلماء وإلى الشخصيات الدينية المهمة وكبار الموظفين. والأسلوب المتقن النابض بالحياة الذي يؤطر لأفكار رئيسة مثل المديح والحزن يعكس كثرة الرعاية السائدة في ذلك العصر وأهميتها ، ويؤكد تلك النزعة السائدة طوال تاريخ أدب الإنشاء بأن الظروف الاجتماعية تؤثر في معايير الأسلوب، لكن الفضل الأكبر لبقاء الإنشاء في علاقته مع أدب الرسائل في مطلع العصر الحديث يعود إلى سعيد الشرتوني، فهو لم يكتب فقط مادة موسعة مستفيضة حول الإنشاء بل إن فلسفته لهذا الموضوع تمثل على ما يبدو تجميعاً لأدب الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل الحديث مع استخدام أسلوب في كتابة الرسائل متأثر بالأسلوب الفرنسي لهذا النوع من المكاتبات في القرن التاسع، والحق يقال إن مقالة الشرتوني الرئيسة حول مهنة الكاتب التي وضع لها العنوان الشهاب الثاقب في صناعة الكاتب، تتضمن أوجه تشابه مع مخطوطات الرسائل الشعبية في المجتمع الفرنسي أكثر مما تحويه من أوجه شبه مع الصيغ الرسمية الصارمة إلى حد ما التي نجدها في أعمال القلقشندي، على سبيل المثال .. . ومن الوسائل ا التي يتضح بها اختلاف الرسائل في القرن التاسع عشر وما بعده عن رسائل العصور الوسطى هو أنها تسعى لتشجيع النواحي العملية عوضاً عن الشكل وتبتعد نوعاً ما عن مبادئ البلاغة في الإطار الذي به جرى تعليمها لقرون عديدة. وهذه المقاربة العملية يمكن تطبيقها بكل تأكيد على إسهامات الشرتوني.
وبرغم ذلك يبقى تعريف الشرتوني للإنشاء - في رأيي - واحداً من أفضل وأعمق وأوضح ما قيل بخصوص تاريخ أدب الرسائل عند العرب وأساليبها وهذا ما قاله في تعريف الإنشاء:
"الإنشاء هو التواصل مع شخص غائب بلسان القلم، وأفضله ذاك الذي يعبر عما هو مقصود ويحل محل الكاتب في الإفصاح عما يريده فيشخص موقفه ويتحدث عن رغباته مع المخاطب بحيث يبدو وكأنه يرى كاتب الرسالة بعينه كما وكأنه هو نفسه يتحدث إليه".
أثر التشخيص في الرسالة الذي تحدث عنه الشرتوني يشبه إلى حد كبير ما قاله وليم فولوود في كتابه عدو الكسل ( »Enemy of Idleness في كتابه عدو الكسل William Folwood وليم فولوود القرن السادس عشر الميلادي) ، حيث قال: الرسالة... أو الكتاب ما هي إلا بيان عبر كتابة ما في الذهن كما لو أنه حاضر من أحدهما إلى الآخر وكما لو أنهما حاضران معاً . ففي بيئة كتلك البيئة السائدة في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث حيث كانت الرسائل تكتب في معظم الأحيان لكي تقرأ بصوت عال على رؤوس الأشهاد يكون للرسالة التي يتقن صوغها أثر عميق يثير المشاعر.
ومن جهة أخرى يبدو أن التعريف المذكور آنفاً الذي وضعه الشرتوني للإنشاء يعكس رأي اليونان في العصور الوسطى حيث أكدوا أن الوظيفة الرئيسة للرسالة تتمثل في التحدث إلى شخص غائب ، وثمة مثل آخر يدل على تأثر الشرتوني كثيراً بالفكر اليوناني ألا وهو آراؤه في موضوع الخطابة، فكما أن وضعية المخاطب في الرسالة هي التي تملي على الكاتب المعايير الواجب اتباعها في الرسالة كذلك يتعين على الخطيب أن يكيف أسلوبه الخطابي بما يناسب أخلاقيات وطبائع المستمعين . والجدير ذكره أن الخطيب الروماني يوليوس فكتور Julius Victor قال في القرن الرابع الميلادي إن الرسالة نوع من محادثة بين شخصين، وفي ذلك يردد ما قيل عن الرسالة قبل ثلاثة قرون من الزمان . ويبدو أن هذا المبدأ الأساسي هو استطراد وتوسيع لرأي ورد في كتاب مهم جداً ، ومع ذلك كان مهملاً، من تأليف أديب أندلسي اسمه الحميدي وعنوانه «تسهيل السبيل إلى تعلم الترسيل، حيث أشار إلى ثلاثة أنواع مختلفة للبلاغة في الخطاب، وأحد هذه الأنواع التواصل عبر الرسائل التي وصفها الحميدي بقوله: الطريقة الأفضل لكسب محبة المخاطب. ولكن ثمة تمييز على جانب كبير من الأهمية تجب الإشارة إليه بين كسب محبة المخاطب عبر عبارات ملائمة في الخطاب واستخدام اللغة، وبين كتابة رسالة تنشئ وتنقل إحساساً حقيقياً بوجود المرء، وإنني أرى أن هذا التمييز قد لوحظ على مدى تاريخ تدوين الرسائل العربية على الرغم من محاولات الشرتوني الهادفة إلى وضعها جميعاً معاً.
ومع ذلك تعد الكتيبات التي ضمنها الشرتوني رسائل نموذجية مصدراً تاريخياً وسوسيولوجياً على قدر من الأهمية لا يقل عن أهمية مجموعات الرسائل للعصر ما قبل الحديث. ففي مجموعات الرسائل التي انتقاها الشرتوني لا نجد خطاباً للولاة والحكام، بل رسائل إلى الأساقفة وغيرهم من الشخصيات الدينية، وهذا ما يظهر اهتمام الشرتوني الديني، كما يظهر أيضاً قوة بنية الرسالة في ذلك العصر، وقلما نجد نماذج لرسائل المديح موجهة إلى علماء أجلاء، بل نجد رسائل تذمر ترسل إلى مديري المدارس على سبيل المثال، ولكتاب الشرتوني بخصوص الرسائل أهمية أخرى أيضاً من حيث إنه يدل دلالة واضحة على الابتعاد عن الصيغ المتوقعة للرسائل التي اعتمدها قبله كل من العطار والكرمي التي كانت مثقلة بكليشيهات أدوات الخطاب والأفكار. فهذه الأمثلة الكثيرة المتضمنة للكثير من الإطناب تعد نقطة تحول بين البنية القاسية والصارمة لرسائل العصر ما قبل الحديث وتلك الرسائل من مطلع العصر الحديث التي تعد رسائل الشرتوني نماذج لها ؛ فهي لا تجلي فقط التخلي عن بنية وصيغة الرسائل بل تجلي أيضاً تراخياً في الأسلوب النثري وزيادة في نبرة السجع المتوازن الذي كان يعاني التكلف منذ عصر القلقشندي.
لقد كان الشرتوني واحداً من آخر العلماء الذين لهم إسهاماتهم المعروفة في أدب الرسائل في المجتمع العربي والإسلامي، وما لدينا من مجموعات لرسائل مماثلة تعود لأواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ضئيلة العدد، في حين نجد الرسائل الأخرى تستند على نحو رئيس إلى تلك الرسائل الرسمية التي يتبادلها موظفو المكاتب. وفي هذا الإطار نجد الرسائل التي جمعها Serruy تكون سجلاً بالغ الأهمية لرسائل أواخر العصر العثماني وتظهر بعض خصوصيات العصر من حيث المفردات وقواعد النحو والصرف، ولا سيما تلك التي خضعت لتأثير اللغة التركية التي كانت اللغة الرسمية لرسائل الدولة على مدى ثلاثة قرون تقريباً.
والطريقة التي بها تؤثر الرسالة فيمن يتلقاها كانت أيضاً موضع دراسة واسعة التفصيل في طبيعة الجواب. فأسلوب الجواب الذي كان - في نظر بعض العلماء - أكثر أهمية من أسلوب الرسالة الأصل يظهر في بعض جوانبه تلك الطبيعة الثنائية للحديث.
وقد تحدث القلقشندي عن هذا الموضوع في مناسبتين اثنتين على الأقل، وتحديداً في إطار وضعية الجواب مقابل الرسالة الأولى، وفي إحدى هاتين المناسبتين يطرح السؤال: هل الكتب الابتدائية أعلى رتبة في الإتيان بها أم الجوابية؟ ثم يمضي ليناقش السؤال المثير حول أيهما أبلغ الرسالة الابتدائية أم الجواب عنها ؟ وقد تحدث عن هذا الموضوع الموصلي الذي أفرد له جزءاً مهماً من دراسته لأدب رسائل الجواب، لكنه عوضاً عن إعطاء أهمية للرسالة تفوق أهمية الجواب عنها - أو العكس - قال: «اعلم أن العبارات في الجوابات مختلفة باختلاف أرباب المراتب .
لذلك يبدو أن معظم مبادئ الإنشاء قد بقيت على حالها، وانتقلت كما هي إلى بداية العصر الحديث، ولكن قد يكون من المفيد الإشارة إلى أنه مع حلول نهاية القرن التاسع عشر صارت لفظة «الإنشاء» تعني ما هو أكثر وأوسع من مجرد كتابة الرسائل وأدبها. لقد صارت الآن مصطلحاً يعني التأليف مثل كتابة المقالة مثلما كان يعني إنشاء الرسائل، والواقع أن هذا الاستخدام للمصطلح سائد حالياً في المؤسسات التعليمية في الشرق الأوسط. يقول الشرتوني إن كتابه بعنوان كتاب المعين في صناعة الإنشاء» (طباعة بيروت عام (1899) كان محاولة لمعالجة مسألة انعدام الجودة في الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، لكن الهدف التربوي للكتاب واضح لا لبس فيه ولا سيما أنه في معظمه كتيب تعليمات لطلبة المدارس يتحدث فيه المؤلف عن مختلف جوانب الأسلوب والتأليف على مدى فصول الكتاب فيوجه الطلبة إلى تعرف الجمل التي لا لزوم لها في مقالة معينة أو ليشرحوا بعض الكلمات والعبارات التي يضع خطاً تحتها على سبيل المثال، ويقدم في كتابه أيضاً بعض ( السيناريوهات ذات الطبيعة العملية أو الأخلاقية) التي يتعين على الطالب أن يكتب حولها موضوع إنشاء أو رسالة. ومن أمثلة ذلك ( سيناريو) يحمل العنوان كاذب عوقب لكذبه يتحدث عن طفل عمره اثنا عشر عاماً يحاول مضايقة شقيقته البالغة من العمر خمسة أعوام فيأخذ قطعة ذهبية ويحاول أن يقنعها بأن الذهب يزرع في الأرض مثلما يزرع النبات. ففي هذا ( السيناريو) يطلب إلى التلاميذ أن يكتبوا قطعة إنشاء تتضمن تصورهم لحوار يجري بين هذا الصبي وشقيقته. وهناك مثال آخر في أحد فصول الكتاب يتضمن عبارات ذات معان متضادة يطلب فيه إلى التلميذ أن يمدح رجلاً ثم يهجوه، فقد كان المديح والهجاء موضوعين كثرت الكتابة عنهما في رسائل العصر ما قبل الحديث وكيفهما الشرتوني ليناسبا ضرورات العصر كما رأى، وخير مثال يوضح أسلوب الشرتوني في تدريب التلاميذ على مهارات كتابة الرسائل يكمن في (سيناريو) يمثل تاجر زبيب لبناني يطلب من تاجر بدمشق أن يكون وكيلاً له في لبنان، فيطلب هذا التاجر الدمشقي رأي أحد زبائن التاجر اللبناني ثم يرفض هذا العرض، والمطلوب من التلميذ أن يحدد مكان وتاريخ الرسالة وأن ينشئ جواباً يعرب فيه التاجر الدمشقي عن شكره ويبلغه اعتذاره .
من المطبوعات ذات طبيعة مماثلة لهذا العصر كتاب ألفه المرصفي (ت 1307-1890) بعنوان دليل المسترشد في فن الإنشاء . وكتاب أساليب العرب في صناعة الإنشاء تأليف شاكر شقير ( بيروت (1893). ثم ظهر بعد هذين الكتابين كتاب لأحمد الهاشمي بعنوان «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب وهو الكتاب المدرسي الموسع حول الإنشاء وقد تناوله فان غيلدر Van Gelder بدراسته، كما ظهر أيضاً كتاب جواهر الإنشاء» لطنطاوي الجوهري القاهرة (1902) . لكن هذه المؤلفات على كثرتها وبرغم أهميتها تمثل دلالة على تراجع الاهتمام بموضوع أدب الإنشاء، ولكن أياً ما يكون سبب هذا التراجع فهو أمر مؤسف، ولا سيما أنه لم يفعل شيئاً لامتصاص موجة انحدار مستوى اللغة العربية التي أخذت تجتاح الدوائر الحكومية التي بدأت تظهر في الوثائق الرسمية من أجل ذلك نجد أحد المفكرين العرب البارزين في مطلع العصر الحديث ينتقد بشدة ما كان يصدر من وثائق حكومية واصفاً إياها بأنها لغة ثالثة لا تمثل العربية الفصحى التي ينبغي أن تكتب بها تلك الوثائق، ولا تمثل لغة يتداولها عامة الناس وهذا يعني أنها كانت لغة هجينة تعكس الانحدار الشديد في جودة اللغة الفصحى.
ولكن لا ينبغي لنا أن نقلل من شأن تلك الأعمال المعاصرة التي كتبت حول الإنشاء التي جسدت المبادئ الأساسية للمقاربة الحديثة في الإنشاء وبنيت على بعض العناصر
المهمة للأعمال الظاهرة في العصر قبل الحديث حول أدب الرسائل والمثال على ذلك تلك الأعمال التي تحتوي على قوائم مترادفات يمكن استخدامها في سياق كتابة الرسائل أحد هذه الأعمال كتاب نشر في عام 1993 ، يتخذ موضوعاً له فكرة رئيسة أساسية ويحللها إلى عدة عناصر موضوعية رئيسة ثم يعطي المفردات والعبارات المناسبة للموضوع، ويعطي أيضاً نماذج الأمثال وحكم وأقوال مأثورة وأبيات شعرية مناسبة للموضوع أو يقدم قطعة نثرية لأديب شهير ويطلب إلى التلميذ أن يكتب موضوعاً حول تلك الفكرة. وبرغم أن هذه المقاربة قد يفسرها القراء والمعلمون ذوو المعرفة الواسعة بأصول المنهجيات بأنها مقاربة تقليدية إلا أنها تجسد حقا الجمع بين الموروث والمعاصر في إطار أدباستعرضنا في هذا الفصل بعض أسس كتابة الرسائل في المجتمع الإسلامي قبل العصر الحديث وأجرينا مقارنات مع أدب الرسائل في المجتمعات الغربية، وبينا أن الإنشاء مفتاح لأسلوب النثر الفني البليغ الذي ساد في الأدب العربي على مدى قرون عدة. كما قدمنا لمحة موجزة عن بعض مبادئ الإنشاء التي انتقلت إلى العصر الحديث. ومن المهم أيضاً عقد مقارنة بين مزايا النثر الفني الذي هو واسطة المكاتبات في أدب الرسائل في العصر قبل الحديث عن مزايا الشعر وإلى حد ما مع الخطابة، ولا سيما أن قيمة هذه الطرائق المهمة للتواصل تعد جزءاً من الجدال الدائر بكثرة عند نقاد الأدب والأسلوب في ذلك العصر، وهذا ما سوف نتناوله في الفصل القادم. الإنشاء العربي الحالي.
