في الثالث عشر من حزيران 2006 وقف جورج دبليو بوش على شرفة السفارة الأمريكية في بغداد. مضت قرابة ست سنوات على رئاسته وثلاث سنوات ونيف على حرب العراق. قدم بالطائرة ليلا في زيارة مفاجئة إلى رئيس الوزراء العراقي الجديد. ومع ذلك الرهان كله الذي وضعه على العراق، حيث أصبح النجاح أو الفشل جوهر ميراثه ولب تركته بدا بوش متشوقاً إلى لقاء الرجل الذي انتظره - من جوانب عديدة - منذ الغزو.
خيم على العاصمة العنيفة القائظة ضباب ما بعد الغروب. وتنحى الرئيس جانباً لإجراء حديث خاص مع الجنرال جورج كيسي قائد القوات الأمريكية في العراق، التي يبلغ عديدها مئة وخمسين ألفاً، الجنرال كيسي (57) سنة) رجل معتدل القامة (173 سم) رقيق الصوت. اعتاد أن يحلق شعره الذي غزاه الشيب على طريقة مشاة البحرية ( المارينز ) ، ويضع نظارة بإطار معدني رقيق، كان نظام المناوبة مطبقاً على الوحدات العسكرية الأمريكية، ونادراً ما خدمت أي وحدة أكثر من سنة متواصلة، لكن كيسي بقي سنتين يشرف على الوحدات كلها. ويحاول فهم - وإنهاء - هذه الحرب المجنونة في هذه الأرض التي تصيب بالجنون.
أنت بعض الأخبار الإيجابية من العراق حديثاً، فقبل أسبوع، قتلت القوات الأمريكية أبا مصعب الزرقاوي الرجل الذي عينه أسامة بن لادن ، أميراً على القاعدة في العراق. وقائداً لعمليات المقاومة داخل البلاد. وفي الشهر الفائت بعد ثلاثة انتخابات وشهور من التأخير، تسلم نوري المالكي منصب أول رئيس وزراء (دائم) في العراق.
والآن، في غسق بغداد اللائح، أشعل كل من الرئيس والجنرال سيجاراً.
قال بوش ملحاً ومكرراً شعاره الذي يتشبت به سراً وجهراً: يجب أن نفوز. سمع كيسي عبارة الرئيس عشرات المرات.
أجاب: أنا معك أتفهم ذلك. لكن إذا أردنا الفوز فعلينا أن نخفض عدد قواتنا إلى مستويات قابلة للاستدامة والاستمرار ومناسبة لنا ولهم.
شعر كيسي أن العراقيين، وهم شعب فخور ومعتد بنفسه ومقاوم للاحتلال الغربي. يحتاج إلى تسلم زمام الأمور. فالقوة الأمريكية الضخمة والمرتبة هي في نهاية المطاف علامة دالة على الازدراء والإذلال والأسوأ أن إطالة أمد الاحتلال تجعل العراقيين اتكاليين، وفي كل مرة تصل فيها قوات أمريكية جديدة، سرعان ما تصبح ضرورية ولا غنى عنها الشعب العراقي بحاجة إلى استعادة بلده واحترامه ذاته، وهذه من العوامل المركزية المهمة في الثقافة العربية، يحتاج العراقيون إلى خوض حربهم بأنفسهم وإدارة حكومتهم بأيديهم وهم مغيبون عن المجالين كليهما.
أمعن كيسي النظر في وجه بوش الذي غزته التجاعيد الآن وفضحت عمره البالغ تسعة وخمسين عاماً، وبدت عينه اليمنى أصغر حجماً من اليسرى تحت الحاجبين الأشيبين، كان الجنرال يطالب بتخفيض عدد القوات منذ سنتين، وفي حين وافق الرئيس دوماً على الإستراتيجية، إلا أنه لم يعد مقتنعاً بحجة كيسي.
قال الجنرال: أعلم أن علي بذل جهد لإقناعك بوجهة نظري، لكنني على قناعة تامة بها.
لاحت أمارات الشك على وجه بوش.
أضاف كيسي أحتاج إلى شرح المسألة بأسلوب أفضل، وتفسير السبب الذي يجعل الفوز يعني الانسحاب.
رد بوش "عليك فعل ذلك".
استنتج كيسي منذ مدة طويلة أن الرئيس نفسه يجسد واحدة من أكبر مشكلات الحرب العويصة، وأبلغ زميلاً له سراً فيما بعد أنه يشعر أن الرئيس يعبر عن الجناح المتطرف في الحزب الجمهوري الذي يصرخ باستمرار اقتل أولاد الزنا اقتل أولاد الزنا وسوف تنجح .. ومنذ البداية، رأى الرئيس بوش الحرب من منظور تقليدي، وظل يسأل باستمرار عن عدد الأعداء الذين أسروا أو قتلوا.
اعتقد كيسي أن المعركة الحقيقية هي إعداد العراقيين لحماية أنفسهم وحكم أنفسهم بأنفسهم. وكثيراً ما أعاد صياغة كلمات العقيد البريطاني تي إي لورنس. العراب المعروف باسم لورنس العرب الذي ابتكر في بدايات القرن العشرين أسلوب الحرب غير النظامية من الأفضل أن يقوموا بالمهمة بطريقة ناقصة بأيديهم من أن نقوم بها بطريقة كاملة بأيدينا لأنها حربهم وبلادهم، وزمن وجودنا هنا محدوده، كما كتب في أعمدة الحكمة السبعة.
قبل سنة، طبع كيسي إحدى عشرة قاعدة على بطاقات وملصقات لتوزيعها على جنوده أما أهمها فكانت "ساعد العراقيين على الفوز - لا تفز نيابة عنهم".
أبلغ كيسي كل لواء أمريكي قدم إلى العراق أن هذه ليست حرباً تقليدية. وشدد على أن الوظيفة هي نقل مهمات مكافحة التمرد تدريجياً إلى القوات الأمنية العراقية إلى جانب الاستمرار في شن عمليات مكافحة النمرد. وعلى مقياس مكون من عشر درجات أبلغ القوات أن درجة صعوبة هذه المهمة هي 12".
قال كيسي: هؤلاء عرب في معظمهم، ولن يبادلونا الحب أبداً. سوف نقوم بالمهمة. أو يقومون بها هم. ولا أعتقد أننا سننجح في العراق في أدائها نيابة عنهم.
حاول كيسي في الاجتماعات الأسبوعية مع الرئيس عبر نظام الفيديو الأمن، إقناع المسؤولين بالحاجة إلى تخفيض عدد القوات رئيس كيسي الأعلى في سلسلة القيادة. الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة المركزية الأمريكية الذي حضر الاجتماعات شاركه في الرأي، ومع أن الاجتماع عبر الفيديو لا يحظى بحميمية اللقاء المباشر وجهاً لوجه، إلا أن أبي زيد راقب بوش بعناية - الإيحاءات والتعابير وتعلمل الرئيس في مقعده وهو يستمع، مما يدل على نفاد صبره اعتاد كيسي وأبي زيد بعد الاجتماعات، وكلاهما يركز على لغة بوش الإشارية، مقارنة الملحوظات.
سأل كيسي أكثر من مرة: ما رأيك هل حققنا اختراقاً اليوم؟.
وكان أبي زيد يرد: لا لا أعتقد ذلك، فلغة الإشارات والجسد كانت معارضة وسيئة حول هذه المسألة.
خدم كيسي وأبي زيد ( حين كانا جنرالين بنجمة واحدة) في البوسنة معاً عام 1996، وشهدا ما حدث لم تتصالح الجماعات الإثنية المختلفة إلى أن خرج العنف عن نطاق السيطرة.
واستنتج أبي زيد أن وجود الذراع العسكري للولايات المتحدة في العراق على هذا النطاق الضخم طوال هذه السنوات أضر أكثر مما نفع، وكان يقول في مجالسه الخاصة صراحة يجب أن تخرج مهما كان الثمن.
أطلقت كيسي فكرة أن الرئيس لم يفهم، ولم يقدر الحرب ولا طبيعة الصراع الذي يحاصرهم، واعتقد أن القوة الغربية الضخمة والمدججة بالسلاح لن تبقى طويلاً. والأسوأ أن الرئيس لم يفهم قط كيف يجب إعادة بناء اقتصاد العراق وسياسته إذا أراد استدامة المكاسب العسكرية.
كثيراً ما علق الرئيس على أهمية هذه العوامل السياسية والاقتصادية، وكسب الناس إلى صفنا، لكنه سرعان ما يبدي اهتماماً أكبر حين يسأل عن الهجمات والعمليات الحربية، ويحقق مع كيسي بأسلوب مهدد مستفسراً عن أعداد القتلى والأسرى من الأعداء. قبل بضعة شهور، وفي أثناء أحد الاجتماعات بواسطة الفيديو الأمن، أبلغ كيسي أنه لا يفعل ما يكفي عسكرياً على ما يبدو جورج، نحن لا نلعب للتعادل أريد تيقن أننا تفهم جميعاً هذه الحقيقة.. أكد بوش مرة أخرى وفي وقت لاحق من الاجتماع ، أريد أن يعرف الجميع أننا لا تلعب من أجل التعادل، هل هذا مفهوم ؟
في بغداد، شحب وجه كيسي من شدة الضيق والحرج فالإشارة كانت في حد ذاتها إهانة سوف لن ينساها، عبارة كادت أن تكون استفزازاً صارخاً وصريحاً.
رد بحدة: سيادة الرئيس، نحن لا تلعب من أجل التعادل
بعد أن أنهى الاجتماع التفت ديفيد ساترفيلد، نائب رئيس البعثة في السفارة، الذي حضر الجلسة، إلى كيسي.
قال جورج" كيف استطعت التحكم بأعصابك؟
فأجاب كيسي: أنا رجل منضبط.
لم يكن منضبطاً كثيراً؛ لأن الجنرال أبي زيد الذي حضر الاجتماع أيضاً، اتصل بكيسي ونصحه كان عليك ألا تصرخ في وجه الرئيس.
لكن دم كيسي كان يفور ويغلي فقد كرر الرئيس التشكيك في قيادته وقدرته على ضرب الأشرار، كأنما ستتصلح الأمور كلها إذا ضربهم، وأوجز لأحد الزملاء مقاربة بوش إذا لم تكن هناك مع القوات الأمريكية تضرب وتلكم كل يوم، فأنت لا تقاتل بطريقة صحيحة.
المحت أسئلة الرئيس الملحة لكيسي إلى اعتقاد القائد العام بإستراتيجية استنزاف قائمة على استئصال الأشرار. لقد رسخت حرب فيتنام فشل هذا الأسلوب، فيغض النظر عن عدد المتمردين الذين تقتلهم أو تأسرهم، سوف ينضم إلى التمرد مزيد منهم. قتلت الولايات المتحدة عشرات الألوف من العراقيين. وأظهرت إيجازات العمليات السرية أن ألفاً من القوات المعادية للعراق وهو تعبير يشمل مقاتلي القاعدة والمتمردين وغيرهم من المتطرفين الذين يتوسلون بالعنف - يقتلون كل شهر. كان ذلك مجرد حساب الأعداد الجثث نسخة مطابقة لما جرى في فيتنام.
في عام 2005، بعد أن دمر إعصار كاترينا نيو أورليانز ومنطقة خليج المكسيك، امتدح بوش مدير إدارة الطوارئ الاتحادية مايكل براون، إذ قال له في واحدة من عباراته التي لا تنسى في مدة رئاسته براوني، أنت تقوم بعمل مشهود ومؤثر وبعد أسبوع أعفي براون من وظيفته بسبب إهماله وخرقه في الاستجابة للكارثة.
أبلغ بوش عند اختتام أحد الاجتماعات عبر الفيديو الآمن مع كيسي بعد كارثة كاثرينا المذلة، فريق العاملين في العراق يا شباب أنتم تقومون بعمل مشهود ومؤثر... توقف قليلاً ثم أضاف لكنني قلت العبارة نفسها لبراوني .
في بغداد، ضجت القاعة حين انتهى الاجتماع بضحكات عصبية. بدا بوش جدياً. وكانت عبارته تذكرة لكيسي أن رأسه في خطر داهم.
ما زاد من الإحباط حقيقة أن الرئيس صدق إستراتيجية كيسي ووافق عليها، وهي إستراتيجية ذكرت صراحة أن الهدف هو نقل المهمة الأمنية إلى العراقيين.
في اليوم السابق على حديث بوش مع كيسي على الشرفة في بغداد، اجتمع الرئيس مع فريق حكومته المسؤول عن إدارة الحرب في كامب ديفيد، ووافق الجميع بالإجماع على خطة الحملة المشتركة التي وضعها كيسي (2) ذكرت الخطة التي عدت سرية: صيغت هذه الخطة اعتماداً على ركن أساسي: النجاح الإستراتيجي الدائم لن يحققه سوى العراقيين وقسم المفهوم إلى ثلاث مراحل الاستقرار، حتى أوائل عام 2007، ، استعادة السلطة المدنية، حتى منتصف 2008، ، دعم الاعتماد الذاتي، حتى عام 2009 .
لكن كيسي لم يشعر قط أنه تمكن من إقناع بوش، قال فيما بعد "لم أنجح في إقناعه".
ظلت المعركة السرية بين الرئيس والجنرال تحتدم مدة طويلة، وشعر كيسي بالتعارض المتصاعد بينهما، ولم يجد سبيلاً لتخفيف حدة الخلافات، فقد أصر بوش دوماً على أنه يثق بكيسي، لكن بمرور الوقت، فقد كل منهما ثقته بالآخر.
وبدا الآن أنه الرابطة الجامعة بينهما يتعذر وصلها من جديد، وأمل الرجلان كيلاهما بالا يصدق ذلك على الحرب.
من بين الحاضرين على الشرفة في تلك الأمسية في بغداد ستيفن هادلي مستشار شؤون الأمن القومي، كان هادلي (59) سنة) أكثر كبار مستشاري بوش احتراماً له، وربما أشدهم دأباً، وأقلهم ظهوراً في العلن بالتأكيد كان يراقب من بعيد الرئيس وكيسي وهما يتبادلان الحديث الجانبي ويدخنان.
منذ الحرب العالمية الأولى، كان لكل رئيس أمريكي منسق مركزي في البيت الأبيض يقوم بدور عينيه وأذنيه - ويطبق تعليماته إذا دعت الحاجة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والحرب نظم الرئيسان دوایت ایزنهاور وجون كنيدي رسمياً الأدوار التي يقوم بها مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي، أما الرئيس ريتشارد نيكسون فقد رفع الدور إلى مستويات جديدة مع هنري كيسنجر هيمن بعض مستشاري الأمن القومي مثل كيسنجر المسيطر والمتشبث بأرائه على الشؤون الخارجية، في حين اكتفى غيرهم يلعب دور الحكم.
اعتقد هادلي أنه أقام علاقة وثيقة برئيسه كحال أي مستشار الشؤون الأمن القومي في تاريخ الولايات المتحدة. كان حاضراً على الدوام، إلى حد أن دعاية شاعت في البيت الأبيض تقول إن الوقت الوحيد الذي يغيب فيه هادلي عن أنظار الرئيس هو حين يدخل الحمام، حتى في هذه الحالة كان ينتظر خارجه حاملاً منشفة جديدة لها قال هادلي عن علاقتهما حين أشعر بشيء يشعر به وحين يشعر بشيء أشعر به.
قرأت فيما بعد تصريحاً قدمه هادلي إلى الرئيس في أثناء مقابلة في المكتب البيضاوي
وافق بوش قائلاً: أجل.
أضاف هادلي وهو يجلس قريباً منه "أنا أراقبه طوال الوقت".
قال بوش: أنا أراقبه وهو يراقبني طوال الوقت.
أهال الرئيس المديح على مستشاره للأمن القومي، وقال إن هادلي لا يحتاج إلى إذن للدخول إلى المكتب البيضاوي، إذ يستطيع الدخول أو الاتصال في أي وقت. تقليدياً، يوفر مجلس الأمن القومي المكان المناسب لعرض وجهات نظر المستشارين على الرئيس لكن هادلي اعتقد أن المجلس يجب ألا يتحول إلى معترك للجدل المستمر الذي يؤدي إلى الانقسام، وأمن بأن مهمته هي توكيد رغبات الرئيس، ثم تيقن امتثال وزير الخارجية، وإذعان وزير الدفاع، وخضوع رئيس الاستخبارات لها، وأن الإجماع ليس ممكناً في عالم سياسة الأمن القومي المضطربة فقط، بل ضروري أيضاً. قال ذات مرة: هذه هي الحقيقة مجموعة من الأشخاص الأذكياء يعاينون الحقائق ذاتها، ويتوصلون عموماً إلى النتائج نفسها بمرور الوقت يرى التوابع في الاكتشاف العلمي فجأة مالا يراه غيرهم. لكن لا تستطيع منح براءة اختراع للأفكار في عالم السياسة هذاء. اعتمدت رؤية بوش للعراق اعتماداً شديداً على تطوير البلد إلى نظام سياسي قابل للاستمرار. ومنذ البداية تقريباً سأل: من الذي سيدير هذا البلد؟ ضمن واحدة من أوائل الخطط العراقية كانت الرئاسة دورية كل شهر ، ذهل روش وهادلي كلاهما ففي أثناء الانتخابات الثلاثة في الأشهر الثمانية عشر الماضية، اختار العراقيون في نهاية المطاف نوري المالكي الناطق الرسمي السابق وغير المعروف لحزب الدعوة الشيعي الصغير بوصفه (أول رئيس وزراء غير مؤقت). لم تكن الاستخبارات الأمريكية ومعظم العراقيين يعرفون شيئاً عن المالكي (55 سنة)، الذي جعلته لحيته الخفيفة يشبه الشخصيات القوية والمهمة في أفلام هوليود.
أبلغ بوش هادلي: أريد مقابلة هذا الرجل، والنظر إلى عينيه، وتقويمه، مع إعلان التزامي أمامه أنني سأعمل معه وأدعمه لم يشغل منصب (رئيس وزراء) بلد من قبل. عليه أن يتعلم. وسوف أنخرط معه شخصياً لمساعدته على التعلم. أستطيع مساعدته على معرفة كيف يكون رئيساً للوزراء لأن أمام هذا الرجل الكثير ليتعلمه.
وهكذا خطط الاثنان لرحلة الرئيس السرية إلى بغداد في الثالث عشر من حزيران
ظل هادلي طوال شهور يحاول فرض مراجعة لإستراتيجية العراق في ملفه الخاص، ملف"ج ب" (جورج بوش) الذي يحوي بنوداً للفت انتباه الرئيس إليها، هناك رسم بياني يظهر أن العنف في العراق يتصاعد باستمرار ويزداد فتكاً ودموية .
وأمكن للرئيس نفسه على الرغم من تصريحاته العلنية، رؤية الوضع يتفاقم ويتدهور. وقال لها دلي، ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وغيرهما من المستشارين المقربين في ربيع عام 2006 وبدايات صيفه إذا لم ينجح هذا فعليكم إبلاغي لأنني لا أستطيع إرسال مزيد من الناس بضمير مرتاح ونية صافية ليموتوا في العراق إلا إذا كانت خطتنا ناجحة،
وقال فيما بعد: التقيت بأسر القتلى، وكان على أن أخبرهم أن المهمة جديرة بالتضحية وأننا نستطيع النجاح.
لكن الخطة لم تكن ناجحة كما بدا واضحاً. وكخطوة أولى لمعرفة السبب، أعد هادلي أجندة الاجتماع الرئيس بفريقه الحكومي المسؤول عن الحرب في اليوم السابق على رحلته إلى بغداد (12 حزيران) في كامب ديفيد أراد من المجموعة تقويم الافتراضات.
وطرح الأسئلة الصعبة - ماذا، ومن، ومتى وأين، ولماذا على حد تعبيره، فيما يتعلق بما يفعلونه.
سيكون الاجتماع لقاء تمهيدياً لإجراء مراجعة للإستراتيجية، وتمثلت الخطة بإعطاء الرئيس دور إدارة النقاش بين كبار مساعديه - رايس، ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد، ومدير الاستخبارات الوطنية جون نيغروبونتي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال بيتر بيس. وهادلي، شملت الأجندة السرية أسئلة عن الصورة الكبيرة الشاملة، مثل ما الذي يفاقم المستويات الحالية من العنفة وسوف تكرس تسعون دقيقة في الصباح التفحص القضايا الجوهرية والافتراضات الإستراتيجية، مثل هل تعد إستراتيجيتنا السياسية ناجحة؟
بدأ الاجتماع الصباحي بإيجاز لخطة الحملة بواسطة الجنرال كيسي من بغداد باستخدام برنامج باور بوينت شمل هذا الرسم البياني السري خلطة مجنونة من الدوائر والأسهم والصناديق والعبارات مع نقطة نهاية غير محددة التاريخ دعيت به ضمان النصر الإستراتيجي.
وفضلاً على الإشارة إلى أن هذه الإستراتيجية صيغت اعتماداً على ركن مركزي النجاح الإستراتيجي الدائم في العراق لن يتحقق إلا بواسطة العراقيين، أضاف كيسي ما يأتي استكمال العملية السياسية والعمليات الراهنة وضعنا على حافة عمل حاسم في السنة القادمة. عدد هادلي تسع مخاطر تراوح بين فقدان الإدارة والتصميم والانضباط الذاتي وتصاعد العنف الطائفي، والفساد المستشري، والمفاجأة الإستراتيجية.
أكد إيجاز وزارة الخارجية في كامب ديفيد ذلك اليوم أن الوضع في العراق لا يتحسن. وأوصى بأن تعمل الإدارة على إعداد الرأي العام الأمريكي لمعركة طويلة، وذكر أن تغيير ثقافة الحكم في العراق سوف يتطلب جيلاً.
لكن تبين أن من المستحيل إدارة اجتماع كامب ديفيد لأن الرئيس قرر الذهاب إلى العراق في اليوم اللاحق للقاء رئيس الوزراء الجديد كان ذهن الرئيس، كما عرف هادلي، في بغداد تقريباً.

ومثلما يحدث غالباً، طغت المهمات اليومية وبؤر تركيز الرئيس المباشرة على ما عداها كله، فأجلت مراجعة الإستراتيجية مرة أخرى، ومع انزلاق العراق إلى مستويات من العنف يتعذر تخيلها، سقط مزيد من القتلى من الجنود الأمريكيين في ظل إستراتيجية عرف بوش وهادلي وكثيرون غيرهما أنها تترنح وتتعثر.
على الطائرة الرئاسية العائدة إلى الوطن من لقاء بغداد في الثالث عشر من حزيران كان بوش مغتبطاً ومبتهجاً في البداية، فقد كان يوماً ناجحاً، لحظة عظيمة، نتيجة مطابقة لما عمل مع فريقه من أجلها طوال أكثر من ثلاث سنين لكنه أعطى الحكومة الجديدة تقويمات مختلطة. يعرف بعض الوزراء العراقيين الجدد على ما يبدو ما يفعلونه، في حين لم يكن غيرهم كذلك. وبدت الحكومة المكونة من أغلبية شيعية وأقلية سنية معقولة، كأنها حكومة وحدة، كما قال الرئيس، لكن أمامها الكثير لتعمله.
بقي هادلي مركزاً اهتمامه على الرسم البياني السري في ملفه (ج (ب) الذي يظهر تصاعد العنف باستمرار ألف هجوم في الأسبوع، أي سنة في الساعة، سوف أصدق أننا على المسار الصحيح في العراق عندما يبدأ الخط البياني بالهبوط، كما قال.
عقد الرئيس في واشنطن مؤتمراً صحفياً في حديقة الورود في صبيحة الرابع عشر من حزيران لم يظهر أي تردد أو قلق أو شك في الإستراتيجية التي بدأ هو وهادلي وكثيرون في الإدارة يتقاسمونه أجل، كما قال كانت حرباً قاسية ولن يتراجع مستوى العنف إلى الصفر أبداً، ومع ذلك ، أستشعر شيئاً مختلفاً يحدث في العراق، سوف يكون التقدم ثابتاً ومطرداً نحو هدف حدد بكل وضوح.
اعترف الرئيس في مقابلة معه بعد سنتين، بأنه أدرك، على الرغم من تفاؤله الظاهري. أن الإستراتيجية لم تكن تعمل بنجاح حتى أنذاك ( حزيران 2006). كمن تحت أملي شعور بالقلق. كما قال وهو جالس في المكتب البيضاوي يحمل رسماً بيانياً يظهر العنف المتصاعد في النصف الأول من تلك السنة. وأضاف وهو يضرب الرسم بكنه مرتين. إنه في ذلك الوقت بدأ يرى أن الوضع يتخذ انعطافة خطرة، وأن الإستراتيجية المتبعة ، أمل الجميع في نجاحها لكنها لم تنجح. ولذلك فإن السؤال عندما تكون في مكاني هو: إذا لم تنجح فما الذي ستفعله ؟
أمر بوش على أنه يفهم طبيعة الحرب، بغض النظر عن رأي كيسي. وقال : أعني، أن من فهم ذلك من بين الجميع كان أنا.
لكن كثيراً من ملحوظاته وتعليقاته المسجلة في المقابلة تعطي المصداقية لقلق كيسي من مبالغة الرئيس في التركيز على أعداد القتلى من العدو.
"ما خيب أملي وسبب لي الإحباط أن الوضع بدا من وجهة نظري وكأننا نصاب بالخسائر في الأرواح دون أن نرد؛ لأن قادتنا يكرهون الحديث عن الانتصارات في ساحة المعركة"، كما قال الرئيس
من المؤكد أنه سأل بين الحين والآخر عن عدد المقاتلين الأعداء الذين جرى استئصالهم. هذا واحد من بين أسئلة عديدة كنت أطرحها طرحت هذا السؤال في بعض الأحيان لأعرف هل كنا نرد أم لا: لأن الإدراك العام يشير إلى أن شبابنا يقتلون في حين لا يقتل أحد من الأعداء، فنحن لا نحصي أعدادهم. ليست لدينا إحصائيات عن أعدادهم. كان بوش يعلم أن المسؤولين العسكريين يعارضون إحصاء أعداد القتلى العراقيين، مثلما حدث في حقية حرب فيتنام حين كان نشر أعداد قتلى العدو بعد مقياساً للتقدم المتحقق.
من ناحية أخرى، حين أجلس هنا أراقب أعداد الضحايا الأمريكيين، أريد على الأقل معرفة هل يقاتل جنودنا أم لا. هناك سيل دافق من الأخبار التي تقول: قتل ثلاثة جنود هنا، وخمسة هناك، وسيعة في مكان آخر ... اثنا عشر .... عشرون في الأسبوع أراد الرئيس أن يعرف أن الطرف الآخر يعاني الخسائر أيضاً.
إذا، ربما أصاب كيسي نقطة جوهرية وآثار سؤالاً مهماً وصحيحاً، هل يفهم القائد العام طبيعة الحرب التي شنها؟ بل هل يفهمها كيسي نفسه؟ أو رمسفيلد؟ أو رايس؟ أو هادلي؟ هل امتلك أي مسؤول في الإدارة رؤية تبين كيفية تحقيق النجاح؟
والأهم هل استطاع أحد الإجابة عن سؤال الرئيس المهيمن والواضح والمتعذر اجتنابه: إذا لم تكن الإستراتيجية ناجحة، فماذا ستفعل ؟
قبل سنتين
في أصيل يوم من أيام شهر أيار 2004 صعد الجنرال جورج كيسي درجات السلم إلى الطابق الثالث من مقره الذي قدمته الحكومة وجهزته وفرشته بالأثاث وهو دارة قرميدية جميلة وقديمة على نهر بوتوماك في قاعدة فورت مكثير في واشنطن دي سي كانت زوجته تحزم أغراض الأسرة استعداداً للانتقال إلى الضفة الأخرى من النهر إلى قاعدة فورت ماير في فرجينيا المقر المعين لنائب رئيس أركان الجيش
قال كيسي: أرجوك اجلسي
طوال حياته الزوجية التي امتدت أربعة وثلاثين عاماً لم يتقدم كيسي بمثل هذا الطلب.
قال إن الرئيس بوش، ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد، ورئيس هيئة أركان الجيش طلبوا منه تسلم منصب القيادة في العراق.
انفجرت شيلا کيسي باكية. فقد خافت من الغياب الطويل على شاكلة كثيرات من زوجات الضباط، وقلق الانفصال الذي لا ينتهي، وضغوط الحياة الزوجية حين يباعد بين الزوجين نصف العالم. لكنها أدركت أيضاً أنها فرصة لا تصدق سنحت لزوجها. رأى كيسي حرب العراق بوصفها نقطة محورية، نقطة مفصلية في التاريخ، صراعاً يحدد على الأرجح موقع أمريكا المستقبلي في العالم، وتركة بوش وميراثه، وسمعته بصفته جنرالاً.
قال كيسي: ستكون المهمة صعبة، لكنه شعر بأنه مؤهل مثل غيره.
كان ارتقاء كيسي إلى رتبة الأربع نجوم غير عادي فيدلاً من التخرج في كلية ويست بوينت درس العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون كان يدرس في أثناء حرب فيتنام. وأصبح عضواً في فيلق تدريب ضباط الاحتياط. وتذكر كيف بصق عليه بعض الطلاب وقد فوه بما وجدوه في متناول أيديهم حين عبر المعسكر بالزي الرسمي في عام 1970. بعد إنهاء تخرجه برتبة ملازم ثان، قتل والده الذي يحمل الاسم نفسه، جنرال الجيش (صاحب النجمتين وقائد فرقة الخيالة الأولى الشهيرة في فيتنام عندما تحطمت المروحية التي كانت نقله لزيارة الجنود الجرحى.
لم تكن لدى كيسي النية في احتراف الجيش ومع ذلك وقع في غرام الإحساس بالمسؤولية الكاملة التي تلقي حتى على عاتق ملازم ثان شاب مسؤولية رعاية رجاله. الآن بعد أن قضى أربعة وثلاثين عاماً في الجيش، سيصبح قائداً ميدانياً، مثلما كان الجنرال وليام ويستمورلند في فيتنام بين عامي 1965 - 1968، لم يكن كيسي يريد أن ينتهي نهاية ويستمور لند، الذي حكم عليه التاريخ أنه الرمز الممثل لحقبة الإخفاق الذريع والمعضلات المربكة.
لم يشارك كيسي في معركة من قبل أما تجريئه قريبة الصلة بالقتال فكانت في البلقان - البوسنة وكوسوفو - حيث سادت الحرب غير النظامية، وشغل بعضاً من أكثر مناصب المفكرين ظهوراً في وزارة الدفاع (البنتاغون) رئيس الخطط الإستراتيجية الهيئة الأركان والإدارة السياسية، ثم الإدارة المرموقة لهيئة الأركان التي تخدم رؤساء الأركان، لكن بغض النظر عن مدة وجيزة قضاها في القاهرة مراقباً عسكرياً مع الأمم المتحدة عام 1981، لم يقض وقتاً طويلاً في الشرق الأوسط. بعد الحصول على مباركة شيلا ودعواتها، التقى كيسي بر مسفيلد. جلس الاثنان إلى مائدة صغيرة في مكتب الوزير الموقف مهم، كما شرح رمسفيلد - يجب على كيسي غرس إطار ذهني بين الجنود يتيح للعراقيين النمو والتطور وأداء ما هو مطلوب منهم بأنفسهم، اعتمد الموقف العام في المؤسسة العسكرية الأمريكية على مبدأ تستطيع القيام بذلك ابتعدوا عن طريقنا وستؤدي المهمة شرح رمسفيلد قائلاً إن ذلك لن يؤدي إلى النجاح في العراق، ومثلما قال مراراً فيما بعد المهمة في العراق هي إعادة تحريك عجلات التدريب، ورفع الأمريكيين أيديهم عن مقعد الدراجة العراقية.
وافق كيسي على معظم آراء رمسفيلد.
خذ قرابة ثلاثين يوماً ثم قدم لي تقويمك للوضع، حسبما أمر رمسفيلد.
شجعت كيسي حقيقة أنه يتقاسم رؤية مشتركة مع رمسفيلد، لكنه فوجئ حين عرف أن وزير الدفاع خصص زهاء عشر دقائق فقط للقاء الرجل الذي يوشك على تسلم أهم مهمة ومنصب في المؤسسة العسكرية الأمريكية. أقام الرئيس مأدبة عشاء صغيرة في البيت الأبيض لكيسي وجون نيغروبونتي، السفير الجديد المعين في العراق، وزوجتيهما وبضعة أصدقاء. كانت المناسبة اجتماعية، وطريقة لقول حظاً سعيداً..
ذهب كيسي لمقابلة وزير الخارجية كولن باول الذي خدم في الجيش خمسة وثلاثين عاماً، وشغل منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة إبان حرب الخليج عام 1991. لم يخف باول شعوره بالمرارة. فرمسفيلد يفسد الأمور كلها، كما أبلغ كيسي، في حين عبر مارك غروسمان أحد كبار مساعدي باول، وأحد أصدقاء كيسي القدامي، بأسلوب أكثر حدة: الرجال في وزارة الدفاع حمقى وأغبياء. لقد نفد صبري معهم... استنتج كيسي عدم وجود وجهة واضحة فيما يتعلق بالعراق، ولذلك دعا نيغروبونتي إلى مكتبه في البنتاغون تطوع نيغروبونتي، الذي كان آنذاك سفيراً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، للعمل سفيراً في العراق، كان في الرابعة والستين، ووراءه خبرة أربعين سنة في الخدمة الخارجية. اعتقد أن مهمة السفير هي تنفيذ السياسة المرسومة في واشنطن، واتفق هو وكيسي على أنهما لا يحصلان على ما يكفي من التوجيه والإرشاد من الأعلى.
سأل كيسي: ما الذي سننجزه حين تصل إلى هناك، وبدأ الاثنان صياغة بيان مقتضب عن غرض المهمة وغايتها الهدف هو جعل العراق بلداً يعيش في سلام مع جيرانه، وإقامة حكومة تمثيلية فيه، تحترم حقوق الإنسان للعراقيين كلهم، وألا يصبح ملاذاً أمناً للإرهابيين. أدخلت المسودة السرور على قلبي الجنرال والسفير كليهما، فقد وضعا أهدافاً سياسية على الأغلب على الرغم من حقيقة أن السند الرئيس والقوة الدافعة للولايات المتحدة تمثلا في قرابة مئة وخمسين ألفاً من الجنود على الأرض.
في العراق، حل كيسي محل الجنرال ريكاردو سانشيز، الذي كان يقود القوات الأمريكية في السنة الفائتة طلب منه البقاء مدة بعد مراسم تغيير القيادة، وعلى مائدة العشاء أفاض سانشيز في التعبير عن مرارته من قلة الدعم الذي تلقاه من الجيش ووزارة الدفاع وواشنطن. هذا المكان أشد صعوبة من كوسوفو بعشر مرات. كما قال.
فهم كيسي المقارنة. فقد عرف تماماً الكره العميق وغير العقلاني الذي حرك عمليات التطهير العرقي وأعمال العنف الأخرى في البلقان.
ثم التقى مع ضباط من مقر وكالة المخابرات المركزية في بغداد، فطرحوا عليه أسئلة تنذر بالسوء والشؤم هل سينجح المشروع برمته؟ ما العلاقة بين الأهداف السياسية والعسكرية؟ اتفق كيسي ونيفروبونتي على الأهداف السياسية، لكن كيف يستطيع كيسي تحقيق الهدف العسكري المتمثل بمنع العراق من التحول إلى ملاذ أمن للإرهابيين؟ بعد أن أوجزوا له المعلومات والوضع وقرأ التقارير الاستخبارية، وجد أن للإرهابيين ملاذاً آمناً في أربع مدن عراقية على الأقل الفلوجة والنجف وسامراء إضافة إلى مدينة الصدر في ضواحي بغداد.
حين عبر كيسي الكويت المجاورة في طريقه إلى بغداد، بعث إليه ضباط الجيش الثالث برسالة ، إذا أردت أن تفهم الوضع فعليك التحدث مع ديريك هاري.
كان هارفي (49) سنة ) عقيداً متقاعداً من الجيش وخبيراً مختصاً بالشرق الأوسط، عمل المصلحة وكالة مخابرات . الدفاع، وعد شخصية خلافية . في عالم الاستخبارات الأمريكية. امن هارفي بالانهماك والاستغراق في العمل الاستخباري، وكان يمضي شهوراً طويلة في كل مهمة يجمع المعلومات ذات الصلة بدلاً من الاعتماد على التقارير والإحصائيات فقط.
في أواخر الثمانينيات سافر هاري في مختلف أرجاء العراق بواسطة سيارة أجرة مسافة خمس مئة ميل من قرية إلى قرية، وقابل الأهالي المحليين، ونام على الأرضيات الطينية، في غرف أبوابها من الستائر البلاستيكية. كان يشبه محقق المسلسل التلفازي كولمبو يطرح أسئلة فضولية كثيرة، بأسلوب لطيف بعيد عن التهديد. وبعد حرب الخليج عام 1991، حين كانت وكالة المخابرات المركزية تتوقع السقوط الحتمي لديكتاتور العراق صدام حسين، أصر هارية ( الرائد أنذاك) على أن صدام حسين سيبقى لأن الطائفة السنية تعلم أن مصائرها مرتبطة به، كان مصيباً. كتب هارية، قبل شهور من الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول، تقريراً استخبارياً يعلن فيه أن القاعدة وقيادة الطالبان في أفغانستان تمثلان تهديداً إستراتيجياً داهماً للولايات المتحدة.
وبعد غزو العراق عام 2003 تولى مهمات عسكرية منقطعة في البلاد، حيث كان يسافر سراً، ويتحدث مع المتمردين، ويجلس في غرف التحقيق والاستجواب.
من مقارياته، تلك المعروفة باسم استغلال الوثيقة.. فقد أمضى ساعات من العمل على ملفات وجدها في البيوت، وعلى بيانات مالية اكتشفها في حقائب صدام حسين. وتوضح له في وقت مبكر وجود فراغ في السلطة في بغداد أين كانت السلطة السياسية؟
قام هارفي بمهمات استكشافية في المحافظات العراقية ( في سيارة رباعية الدفع) واتصل بالعشائر، وعرف أن الزعماء البعثيين السابقين، وجنرالات الجيش، ومسؤولين سابقين آخرين يعيدون توحيد صفوفهم. ودرس الوثائق والرسائل في المباني التي اقتحمتها القوات الأمريكية أشارت الوثائق والرسائل والمقابلات الشخصية التي أجراها كلها إلى حقيقة واحدة عناصر النظام السابق وضعت خططاً لإيجاد بيئة معادية يسودها العنف.
احتدم جدل بين وكالات الاستخبارات الأمريكية حول مدى التنظيم الحقيقي القائم بين المتمردين من المسيطر فعلا؟ وجد هارفي أن التمرد مؤسس على شبكات قديمة مبنية على الثقة بالعلاقات المهنية والعشائرية والأسرية تتصل بالمساجد، فالتوجيه والإرشاد. والتعليمات والأوامر، والحث والحض والوعظ - حتى التخطيط للعمليات - كلها مكتوبة غالباً باللغة الدينية الجهادية. وجد هارفي أن الوحدات الأمريكية ذكرت في تقاريرها كثيراً من الهجمات في بداية وجودها، لكن كلما طال بها المقام انخفض عدد الهجمات التي تتعرض لها. ولم يكن السبب متمثلاً بأنها استطاعت تهدئة المتمردين أو التغلب عليهم بل لأن الجنود قرب نهاية مهمتهم يقللون من وتيرة خروجهم واختلاطهم بالسكان - وأحياناً يبتعدون عنهم كلية، واستنتج أيضاً أن نسبة راوحت بين 22-26% فقط من العنف الموجه إلى القوات الأمريكية ذكرت في التقارير.
لم يقتنع الجنرال سانشيز قط باستنتاجات هارفي المتعلقة بالتمرد، حتى إن ظل المؤشر الرسمي للعنف في التقارير السرية يرتفع بأطراد، ففي الشهور الأربعة في منتصف عام 2004، تضاعف عدد الهجمات من ألف إلى الفين في الشهر.
دعا كيسي هارفي إلى اجتماع في أوائل تموز 2004 وجد هارفي الجنرال على الشرفة في مقره الجديد في كامب فايسروي، يحدق إلى بغداد، أمسك كيسي بسيجارين.
"هل تدخن؟"
أوماً هارفي رأسه وأخذ واحداً.
"حسناً، تعال معي"
سأله عما يجري في العراق فعلاً.
يتفاقم التمرد السني ويزداد سوءاً: مثلما شرح هارفي، وهو منظم، ومتسق، ومترابط. وأفراده يتبعون إستراتيجية محددة، ويزداد الدعم الشعبي لهم، ويعتقدون أنهم يبلون بلاء حسناً - وهم يحققون نجاحات فعلية وفقاً للمقاييس كلها . عدد الهجمات الدعم اللوجستي التمويل الدعم الخارجي، حرية الحركة، القدرة على التجنيد والحشد كل خط بياني كان في تصاعد، في ارتفاع حاد.
التمرد ليس حرب عصابات لكسب سلطة سياسية، كما قال "التمرد هو إنهاك للعدو ودفعه إلى الرحيل، وتخريب النظام القائم، والتسلل إلى المؤسسات العراقية الناشئة والسيطرة عليها".
وأضاف إن الحكومة العراقية ضعيفة، ويجب أن تكون أشد قوة كثيراً، لكن الولايات المتحدة لن تغير المواقف أو الثقافة. يجب أن نعمل حول العراقيين. وألا نجبرهم على اتخاذ قرارات لا يشعرون بالارتياح لها. ليست لدينا القوة المحركة. لا نملكها مطلقاً»، كما قال.
أضاف هارفي أن على الأمريكيين تعلم العمل بتواضع لأن هناك الكثير مما لا يفهمونه فيما يتعلق بكيف ولماذا يتخذ العراقيون قراراتهم. نظن أننا نعرف، لكننا واهمون. نقتنص هذه الومضات الخاطفة، ثم نخمن مداليلها استقرائياً. لكن إن نقبت فعلاً ، لتعرف الأسس والركائز الفعلية، فلن تسمع سوى أصوات هامسة بالحقيقة: "نحن لا نفهم المعركة التي نخوضها"، حسبما قال. أكد هارفي أن فضائح تعذيب السجناء في أبو غريب التي انكشفت قبل بضعة شهور ألهبت غضب العراقيين. وصور الجنود الأمريكيين المبتسمين إلى جانب السجناء العراة الذين عصبت عيونهم وغطيت رؤوسهم وقيدت أعناقهم بالسلاسل وجروا كالكلاب اكتسحت الصحف وشاشات التلفاز ومواقع الإنترنت وانتشرت بسرعة البرق في المجتمع العراقي وبعثت برسالة مدمرة الاحتلال الأمريكي ليس سوى ديكتاتور قمعي جديد. عندما انتهى الاثنان من التدخين واقترب الحديث من خاتمته، ثبت هارفي نظرته المحدقة على القائد العام الجديد، وقال: «نحن في ورطة»
ازدادت في واشنطن ضراوة المعركة الداخلية حول الحرب وانتقلت من سيئ إلى أسوأ ضمن الإدارة منذ الغزو عام 2003.
كتب الصحفي الأسطوري ثيودور وايت يقول: «السيطرة هي ما تعنيه السياسة». الحرب تدور حول السيطرة أيضاً في ساحة المعركة وفي واشنطن، حيث يفترض أن توضع الإستراتيجية وترسم السياسة. لكن منذ البداية، لم يمتلك أحد في الإدارة السيطرة على سياسة العراق.
في الأيام المبكرة من الحرب عملت مستشارة الرئيس للأمن القومي، كوندوليزا رايس، ونائبها آنذاك هادلي، دون توقف على العراق، ومع ذلك لم يتمكنا من السيطرة على عملية رسم السياسة. ولم يكونا ندين لرمسفيلد. وكان الرئيس قد وقع أمراً رئاسياً قبل الغزو، يمنح سلطة الاحتلال إلى وزارة الدفاع.
أضعف اختيار بوش ورمسفيلد لبول بريمر ، الدبلوماسي المحترف، حاكماً للعراق، دور رايس وهادلي، إضافة إلى باول في وزارة الخارجية وتجاهل بريمر كلياً مجلس الأمن القومي.
اشتكى هادلي إلى زميل له قائلاً: «أمرنا كلنا بعدم التدخل. فهذه المسألة من اختصاص رمسفيلد».
بل إن بريمر، الذي كان بوصفه مبعوثاً رئاسياً - يتصل مباشرة بالرئيس، تجاوز حتى رمسفيلد واتخذ قرارات مهمة على نحو أحادي ومفاجئ. وثبت أن بعض هذه القرارات كارثية، مثل حل الجيش العراقي وطرد الآلاف من أعضاء حزب البعث السابق من الوظائف الحكومية. كان لرمسفيلد رأي خاص به فيما يتعلق بكيفية عمل الولايات المتحدة في العراق. سوف يرسل واحدة من وثائقه الموجزة المعروفة باسم رقاقات الثلج لطرح الأسئلة والبحث عن التفاصيل، والمطالبة بالإجابات، حين لا يتضح له ما يحدث. هذه الوثائق غير موقعة، لكن الجميع يعرفون أنها تمثل أوامره أو أسئلته. لكن إذا تسربت، فإنها تنكر.
تتكون الوثيقة التي أرسلت في الثامن والعشرين من تشرين الأول 2003 من صفحتين طويلتين وصنفت بوصفها سرية: «الموضوع: المخاطرة والتقدم في العراق. عند مناقشة مسار التقدم في العراق، اتفق الجميع على ضرورة منح العراقيين مزيداً من السلطة بنحو أسرع»
كان لباول رأي مختلف. فالسيطرة عملية تتعلق بالأمن في السنة الأولى اللاحقة على الغزو، عبر بوش ورايس مراراً عن القلق من أن مستوى إنتاج النفط في العراق وتوافر الطاقة الكهربائية يتراجع - وهما من العلامات الدالة على أن الأوضاع في العراق أكثر سوءاً بعد الغزو مقارنة بحالها قبله.
قال باول: «النفط مهم. الكهرباء مهمة»، ثم أضاف: «لكنهما يا سيادة الرئيس ليسا بأهمية الأمن... الأمن حاسم الأهمية الآن».
هامش:
أتت المعلومات الواردة في هذا الفصل أساساً من مقابلات شخصية مع خمسة من المصادر المطلعة.
