تكليفي بـ "إدارة دفة" التعليم الوطني
تبنت الصين في عام 1978، نظرية الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي، واضعة التنمية الاقتصادية على رأس أولوياتها. ومنذ اليوم الأول كان قطاع التربية والتعليم أحد أركان عملية التطوير والتحديث، وقد تكللت جهودنا بالنجاح في هذا الميدان.
وجدت الصين في بداية التسعينيات نفسها في عالم يتغير بسرعة، لا سيما في المجالات العلمية والتكنولوجية، وأصبح التنافس على أشده في ظل ما بات يعرف بـ «اقتصاد المعرفة وهنا في الصين كان ( اقتصاد السوق الاشتراكي ينمو ويزدهر ، ويزداد الطلب على الخبراء والمختصين في مختلف المجالات. لكن قطاع التعليم بقي يواجه تحديات، ويعاني مشكلات قديمة تفاقمت إلى حد أن هذا القطاع لم يعد ينسجم مع الاشتراكية بمفهومها الصيني. كان العائق الأكبر يتمثل في عدم ضمان التمويل الكافي لهذا القطاع. كان المعلمون يتقاضون رواتب متدنية وكثيراً ما كانوا يقبضونها متأخرة. أما أوضاعهم المعيشية فكانت مزرية لعدم توفر المساكن ومشكلات أخرى وكلها تتطلب حلولاً سريعة لا تحتمل التأجيل.
في عام 1992، أعلن رئيس الحكومة جيانغ زيمين أنه ينبغي أن تكون الأولوية الإستراتيجية لقطاع التعليم علينا أن نسعى للنهوض بالأمة على المستوى الثقافي والفكري والعلمي وهذا التوجه يمثل حجر الأساس لسياستنا الرامية إلى تحديث الصين، وانطلاقاً من هذه الرؤية وضع برنامج وطني للإصلاح والتنمية، وكذلك قانون المعلمين لعام 1993 وقانون التعليم لعام 1995. وقد أعلن الرئيس في المؤتمر الوطني للعلوم والتكنولوجيا عام (1995) عن إستراتيجية الدولة للنهوض بالأمة في ميدان التعليم والعلوم الطبيعية، والواقع أن هذه القرارات المهمة كانت الوسيلة التي مهدت الطريق المعالجة المشكلات التي يواجهها قطاع التعليم، ومكنتنا من ثم من إجراء الإصلاح والتغيير المطلوبين.
المحاور:
تم تعيينك في عام 1993 ، نائباً لرئيس مجلس الدولة ومسؤولاً عن ملف التعليم، ولكن الذي تعرفه عنك هو أنك عملت أربعين سنة من حياتك المهنية في ميدان الاقتصاد، ما هي الهواجس أو الأفكار التي راودتك في أثناء تلك السنوات؟
لي لانكينغ :
في عام 1993، وبعد توزيع المهام على قيادة مجلس الدولة طلب مني رئيس الحكومة لي بينغ تولي مسؤولية التعليم بالإضافة إلى الاقتصاد وأذكر أني أصبت بالدهشة والحرج. لقد أصبت بالدهشة لأني لم أكن أمتلك أي خبرة في مجال التعليم، وشعرت بالحرج لأني لم أكن مهياً لتولي هذه المسؤولية الكبيرة في هذا المجال الحيوي، وكنت قد سمعت عن القضايا الشائكة والصعوبات التي يواجهها العاملون في قطاع التعليم. أضف إلى ذلك أن كل فرد في الشارع بعد نفسه خبيراً في شؤون التعليم وكثيراً ما ينتقد بشدة كل ما نقوم به، وهناك من يقول: إن قضيتي التعليم والمشروعات التي تديرها الدولة هما أكثر القضايا المعقدة التي تواجهها الدولة، وكان هناك الكثير من المؤيدين لهذا الرأي ولهذا السبب ترددت في قبول المهمة، لكن رئيس الحكومة أصر على تكليفي لعدم وجود بديل عندئذ كتبت إليه قائلا: إذا كان الأمر كذلك فسأبذل كل ما أستطيع للقيام بالمهمة على الرغم من أنني أدرك الصعوبات الجمة التي سأواجهها والتي ستتطلب جهوداً كبيرة لتخطيها، كان هذا موقفي في ذاك الوقت. بيد أني في النهاية قبلت القيام بالمهمة ولم أدع المخاوف والصعوبات المرتقبة تثبط عزيمتي.
من تقاليد الصين العريقة احترام العلم والمعلمين، وهذا التقليد القديم يعود إلى العصر الذي عاش فيه كونفيوشس وهو المربي الكبير الذي عاش منذ 2500 عام، والذي أطلق عليه فيما بعد لقب المعلم والحكيم الكبير.
كنت في صغري أدرس في مدرسة ابتدائية حديثة، وكنت أقضي عطلتي الشتاء والصيف في مدرسة تقليدية لدراسة روائع كونفوشيوس، وأذكر أني كنت دوماً أنحني باحترام أمام اللوحة الجدارية التي تمجد ذكرى كونفوشيوس، ويحضرني في هذا السياق مقولة المفكر آخر عاش في تلك الحقبة وهو غوان جونغ الذي قال: في العام الأول لا شيء أهم من رعاية غرسة، وعلى امتداد عشر سنوات لا شيء أهم من رعاية هذه الفرسة إلى أن تصبح شجرة لكن تربية الأجيال ورعايتها لا يتوقف طوال الحياة، إن تقدير العلم والمعلم محفور في أذهان الجيل الذي أنتمي إليه.
لا أخفيكم بأني لست خبيراً في شؤون التعليم ولكني في واقع الأمر أولي التعليم أهمية كبيرة. صحيح بأني لم أكن يوماً مديراً أو إدارياً في هذا الميدان، إلا أن تجربتي الطويلة في حقول واختصاصات أخرى أثبتت لي أن المرء يستطيع إنجاز شيء حتى ولم يكن العاملون يمتلكون القدرة والكفاءة اللازمة. لقد عملت سنوات طويلة في الميدان الاقتصادي، واسمحوا لي أن أطلعكم على تجربتي في هذا المجال. بعد تخرجي في جامعة فودان 1952، قصدت مدينة تشانغ تشن حيث شاركت في إعداد خطة لإنشاء أول مصنع للسيارات وهو المشروع الأول من نوعه في الصين، بل على الرغم من من ذلك فقد تمكنا في أثناء بضع سنوات من بناء منشأة صناعية حديثة، وقد أنجز هذا المشروع بين عامي 1953 و 1956. والحق يقال إننا بدأنا من الصفر».
وهناك عوامل عدة أسهمت في نجاح المشروع ومن جملتها مشاركة الحكومة على نحو مباشر وكذلك جهود المسؤولين والمواطنين وعزمهم على بناء صين جديدة، وأخيراً المساعدة التي قدمها لنا الاتحاد السوفييتي، ولكن العامل الأهم في نظري كان السياسة الصائبة التي انتهجتها الحكومة حيال العلماء والمختصين والجهود التي بذلها قادة المشروع لتدريب العاملين والفنيين واستثمار قدراتهم.
قامت الحكومة المركزية بالتحضير للمشروع باستدعاء أعداد كبيرة من الإداريين والمهندسين المشهود بكفايتهم بمن في ذلك المختصون العائدون من الخارج وبعض خريجي الجامعات من خيرة المواهب الشابة، وقد واكب عملية البناء تدريب وإعداد العمال والإداريين، وجندنا لهذا الغرض أفراداً من مختلف دوائر الدولة وشجعنا المسرحين من الجيش على الانضمام إلى المشروع لتنمية مهاراتهم وخبراتهم، أما العمال الجدد فقد جرى تدريبهم على نحو مدروس يؤهلهم للقيام بالمهام المطلوبة. وأخيراً وليس آخراً، لقد أوفدنا 500 إداري وفني للدراسة في الاتحاد السوفييتي.
ولسد النقص في عدد المدرسين استعنا بخبراء سوفييتين للإشراف على العاملين، كما شجعنا أولئك الذين درسوا في الخارج على إلقاء محاضرات لرفع مستوى العاملين في المشروع وانطلاقاً من قناعتنا أن من يمتلك الخبرة والعلم يجب أن يعلم من دونه علماً وخبرة. والحق يقال، إن الجميع عمل بجد لتشييد المصنع، فقد كان العاملون يقضون معظم أوقات فراغهم في المدرسة، وهكذا تحول المجمع الصناعي إلى مدرسة لإنتاج السيارات وتدريب الفنيين في آن واحد. وهذا ما ضمن إنجاز المشروع في الموعد المحدد ومكننا من إرسال العديد من مديري الإنتاج والمهندسين المدربين إلى مناطق صناعية أخرى للاستفادة من المهارات التي اكتسبوها.
وهنا لا بد من التنويه عن الضرر الذي أحاق بالمسيرة التنموية بعد بضع سنوات عندما انحرفت سياسة الدولة عن مسارها الصحيح، وكان لذلك عواقب وخيمة على قطاع التعليم.
عندما شرعنا في بداية السبعينيات في إنشاء المصنع الثاني للسيارات إبان الثورة الثقافية (1966 - 1976)، كانت المدارس لا تزال مغلقة مما أوجد أزمة تجوزت بالاستعانة بالكفاءات الفنية العاملة في مصنع السيارات الأول، لقد وحشدنا أكبر عدد ممكن من خريجي الكليات والجامعات، كما أنشأنا لهذا الغرض كلية لتأهيل العمال بالتعاون مع عدد من مؤسسات التعليم العالي في مقاطعة ووهان، وعينت أحد خريجي جامعة «تسنغ هوا» مديراً لهذه الكلية الذي أصبح فيما بعد كبير المهندسين في المصنع الجديد الذي أنشئ في تلك الظروف الصعبة.
وفي أواخر السبعينيات شاركت في مباحثات مع جهات ألمانية لاستيراد تكنولوجيا صناعة السيارات، وقد أخبرني المسؤولون في شركة مرسيدس بنز أنهم استطاعوا إعادة بناء مصانعهم في أثناء عدة سنوات بعد أن دمرتها القنابل في الحرب العالمية الثانية. ويعود الفضل في ذلك بالدرجة الأولى إلى عودة مستخدمي الشركة السابقين، وهؤلاء أسهموا في إعادة بناء وتشغيل المصانع، ولقد علمتني حياتي المهنية درساً لن أنساه وهو أن إنجاز أي مشروع يعتمد كلياً على كفاءة العاملين والقائمين على تنفيذه، فإذا لم يتحقق هذا الشرط فلا قيمة للتخطيط مهما كان جيداً، وهنا يحضرني مثل صيني قديم: «يمكن لراهب سيئ أن يشوه معاني الكتب المقدسة إن حكومتنا اليوم تنتهج سياسة حكيمة مبنية على مبادئ سليمة ولكن تطبيق هذه السياسات والخطط سيكون أمراً صعباً، وقد تكون له عواقب سلبية إذا كان العاملون في الميدان غير مؤهلين ومدربين التدريب الكافي، وهذا لا يتحقق إلا بالنهوض بقطاع التعليم. هذا أمر لا جدال فيه بالنسبة لي، ولهذا السبب قررت تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقي بكل ما أوتيت من قوة واضعاً نصب عيني تأدية المهمة التي كلفني بها الشعب.
1.2 إدارة دفة التعليم العودة إلى الأسس
المحاور: كيف شرعت في عملك بوصفتك نائب رئيس حكومة مسؤول عن قطاع التعليم ؟
لي لانكينغ
بطبيعة الحال إن أول ما يبدأ به المرء هو الدراسة والبحث، وأذكر أنني في أثناء الأشهر الأولى من عملي هذا عقدت أكثر من 120 اجتماعاً، وزرت المعاهد والمدارس لأتعرف على النواقص بغية الوصول إلى طريقة تنهض بالتعليم، وكنت سمعت عن المشكلات التي تعانيها المناطق الجبلية في إقليم (يونان) الواقع جنوب غرب الصين، فوددت زيارتها لأقف بنفسي على الواقع هناك.
حاول حاكم الإقليم هي تربكيانغ وآخرون إقناعي بالعدول عن الزيارة لوعورة الطرقات وصعوبة التنقل فأصررت على الذهاب، ولو اضطررت للسير على قدمي أو الركوب على دراجة. فوافقوا أخيراً، وذهبنا إلى مدرسة (مينخوان) الابتدائية في مقاطعة ( جينغ هونغ) ، وهي مدرسة داخلية تقع في وسط باحة.

غير أن الأوضاع كانت مزرية ولا سيما مهاجع الطلاب وسكن المعلمين، حيث كانت الأسقف ترشح بمياه الأمطار، مما دفعني إلى سؤال مدير المدرسة عن كلفة الترميم فأجاب: تقدر بنحو 450000 يوان. عندئذ التفت إلى من كان يرافقني من مسؤولي وزارة التعليم العاملين في المنطقة وقلت لهم: «لا يجوز أن نتجاهل المشاهد التي رأيناها اليوم فليقدم كل منكم 150000 يوان حتى نتمكن من تحسين أوضاع هذه المدرسة». وكم أشفقت على حال المعلمين في هذه المدرسة الذين كانوا يقومون بمهمتهم على أكمل وجه بالرغم من هذه الظروف الصعبة وقلت لهم: سوف تحظى مهنة التعليم بالاهتمام والتقدير الذي تستحقه مثلها مثل التنمية الاقتصادية. تلك كانت تجربتي الأولى بعد تسلمي ملف التعليم وقد تركت في نفسي انطباعاً عميقاً. وبعد سلسلة من الجلسات البحثية والاجتماعات والزيارات الميدانية بدأت أستوعب على نحو أعمق التحديات العملية والنظرية التي تواجه التعليم وكان ذلك عندما أطلقت الحكومة المركزية برنامج إصلاح وتطوير التعليم في الصين، وقد درست هذا البرنامج دراسة متأنية، وكان بمجمله وثيقة ممتازة مفادها: «أن التعليم هو حجر الزاوية لأي خطة طموحة طويلة الأمد، مما سهل مهمتي الشاقة بلا شك.
حين استأنف (دينغ كسيو بنغ) عمله بعد الثورة الثقافية ) شرع في وضع الأمور في نصابها، وقدم بذلك خدمة جليلة لإعادة ترميم وتطوير التعليم ، وقد انتقيت من أعماله زهاء 70 فقرة ذات صلة بالتعليم، وقمت بترتيبها وطبعتها في كراس درسته بعناية ليساعدني في عملي وتأثرت بقوله: «إني على استعداد تام لدعم وتوجيه أولئك الذين يعملون في ميدان العلوم والتكنولوجيا والتعليم، وقد تمثلت بهذا القول عندما أخذت على عاتقي مهمة «إدارة دفة التعليم».
1.3 القضايا الثلاث: أجور المعلمين والإسكان والإنفاق على التعليم.
المحاور:
بعد المدة التي قضيتها في تقصي الحقائق ما هي أكثر المشكلات إلحاحاً في نظرك؟
لي لانكينغ:
لقد كشفت الغطاء عن مشكلات عدة بحاجة إلى حلول عاجلة وأهمها: أجور المعلمين وسكنهم وتمويل التعليم. وهي مشكلات مرتبطة ببعضها، وتتصل على نحو مباشر أو غير مباشر بمستوى معيشة وعمل المعلم. ولعل أكثر المشكلات إلحاحاً حينها كان عدم استقرار مهنة التعليم، من حيث ارتباط المعلم بمهنته وتعلقه بها؛ لأن الرواتب كانت متدنية أكثر من أي مهنة أخرى، وفوق كل ذلك كان الجميع يشكو أزمة السكن. لذا أقول: إذا أردنا النهوض بمهنة التعليم وجعلها مهنة مرغوبة فلا بد من حل هذه المشكلات. أذكر أنه وفي إحدى زياراتي إلى الجامعة المركزية المتعددة الجنسيات طلبت مشاهدة القسم الأسوأ من السكن الجامعي فنصحني رئيس الجامعة بعدم الذهاب؛ لأن الطريق وعرة ومليئة بحفر مياه، لكنني أصررت وما رأيته كان مجموعة من المنازل المؤقتة المسقوفة بطبقة ورقية من القطران ومرتكزة على الآجر، وغير مزودة بمرافق الصرف الصحي وقنوات الصرف والأرض ممتلئة بالحفر التي تحولت إلى برك مياه ست وستون عائلة كانت تعيش في هذه البيوت من عمال ومحاضرين وحتى أساتذة جامعيين، وقد أخبرنا أحد المسؤولين أن تلك العائلات تعد محظوظة لحصولها على هذه المنازل؛ وذلك بسبب أزمة السكن، وقد أثار هذا المشهد البائس امتعاضي وغضبي مما دفعني فور وصولي إلى مكتبي إلى الاتصال بالجهات المعنية كي يجدوا بدائل أخرى لإسكان هذه العائلات الست والستين، «خلاصة القول: إن عدم توافر السكن الملائم لأعضاء الهيئات التدريسية بات يهدد استقرار مهنة التعليم برمتها ، لذلك لا مفر من ضمان استقرار مهنة التعليم إذا أردنا أن يعيش المعلم حياة كريمة وأن يكرس نفسه للتدريس. ولذلك شرعت بمعالجة هذه المشكلات الأساسية.
1.4 إقناع المسؤولين بزيادة الإنفاق على التعليم، وتوعية العاملين حول ضرورة الإصلاح.
المحاور:
كيف تمكنتم من حل هذه المشكلات المعقدة ودفع عجلة التعليم بسرعة أكبر ؟
لي لانكينغ :
كان على الحكومة أن تتفهم الأهمية الإستراتيجية للتعليم وتعطيه الأولوية التي يستحقها وإذا تعاملنا مع المشكلة بسطحية فإن طموحاتنا في مجال التعليم ستبقى وهماً، لا تتوقع أن يعدو حصانك بسرعة دون أن تقدم له العلف بطبيعة الحال على الحكومة زيادة الإنفاق على التعليم، وعلى كل جوانبه، ونحن عندما نتحدث عن إستراتيجية التعليم فإننا نقصد بهذه العبارة زيادة المخصصات المالية والإسراع في تطوير المدارس والمعاهد والبنية التحتية وضمان حقوق المعلمين. والأمر الآخر هو ضرورة أن يتزامن الإنفاق مع عملية الإصلاح. وهنا أعتقد أن هذه العملية تبدأ من القاعدة أي شريحة المعلمين والمشرفين، فهم الأساس في نشر مبدأ الإصلاح، ومن الطبيعي أن يتوقع المعلمون ومديرو المدارس أن تزيد الدولة حجم الإنفاق على التعليم. غير أن ذلك في حد ذاته لا يكفي إذا لم يقترن بإصلاحات جذرية ومبتكرة. ولدينا أمثلة عديدة عن مدارس ازدهرت بفضل إجراء بعض الإصلاحات والاستثمارات دون الحاجة إلى استبدال أي من المعلمين فيها، وأستطيع القول: إن المبدأ الأساسي الذي اعتمدته دوماً يتلخص في: «إقناع المسؤولين بزيادة الإنفاق على التعليم».
عند اختتام أعمال المؤتمر الوطني للتعليم المنعقد في 14 حزيران / يونيو 1994، طلبت من الدوائر المعنية في مجلس الدولة والحكومات المحلية أن يبذلوا كل طاقاتهم لتطبيق مبادئ رئيس الحكومة لي بينغ) في المؤتمر ابتداء من زيادة الإنفاق على التعليم وحث الأقاليم المستقلة ذاتياً وتلك الخاضعة للحكومة المركزية على تطبيق أهداف حكوماتهم المحلية جنباً إلى جنب مع زيادة الإنفاق، فنحن نسعى لتطوير اقتصاد متخلف لـ 1.3 مليار إنسان وإدارة أضخم نظام تعليمي في العالم.
وكي ندفع عملية التعليم بكفاءة عالية لا بد من تعميق عملية إصلاح التعليم كي نذلل العقبات الكبيرة التي تواجهنا في عملنا هذا. وإضافة إلى ذلك فإن الإصلاح يؤدي إلى مردود اقتصادي جيدة، ثم إنني أو من بالحقيقة القائلة: «إن الإصلاح في هذا المجال يحقق عائدات جيدة، في الميادين كافة. ومن هنا فإن الإصلاح والانفتاح هما السياسة الأساسية للصين وإني أعد نفسي محظوظاً وأني قد ولدت مخلصاً : لكوني شاركت في هذا المشروع الضخم منذ أن قام ( دينغ كسيو بنغ) بوضع الخطوط العريضة لإعادة إحياء اقتصادنا.
1.5 الإصلاح الكلمة التي أصبحت هاجسي الدائم.
المحاور:
ما يلفت الانتباه أنك سميت نفسك مصلحاً بالولادة هل لك أن تطلعنا على بعض تجاربك؟ وهل يعني هذا أنك تؤمن بجدوى إصلاح التعليم؟
لي لانكينغ
نعم، لقد شاركت في عملية الإصلاح منذ اليوم الأول. ففي عام 1978 قررت السلطات المركزية إنشاء مصنع للمركبات الثقيلة بتقنيات أجنبية، مما أثار اهتماماً كبيراً لدى شركات السيارات العالمية، وأذكر هنا ما قاله لي توماس. أ. مورفي) مدير شركة ( جنرال موتورز ) متسائلاً : لماذا أنتم الصينيون تتحدثون عن استيراد التقنيات فقط دون أن تفكروا بمشروعات مشتركة joint venture، وكنت أعرف كلمتين بالإنكليزية مما قاله: joint أي المشاركة مع أحدهم في صنع شيء ما ، وventure التي تعني المجازفة، لكنني لم أفهم معنى الجملة مركبة. ولكي يشرح مور في معنى هذه العبارة أخرج محفظة نقوده من جيبه وطلب مني إخراج محفظتي؛ ثم أمسكهما بيد واحدة قائلاً: «الجيب واحد أي أننا شركاء الآن في تحمل الأرباح والخسائر».
وطلب من الخبراء تقديم إيضاحات المسؤولينا حول هذا الموضوع، غير أنه وبعد أن تم الحصول على موافقة القيادة العليا في مجلس الدولة الصينية على مبدأ تنفيذ مشروعات مشتركة مع الشركة الأمريكية المذكورة لم توافق شركة جنرال موتورز) على مشاركتنا. ومع ذلك فقد كنا ممتنين للأميركيين كونهم صدروا لنا مفهوم joint venture» شركة التضامن.

وقد ساعدنا ذلك في وضع قانون إحداث شركات التضامن والاستثمار الأجنبي، وخرجت إلى النور مجموعة شركات وهي شركة بنجين لخدمات الطيران المدني، شركة Schindler للمصاعد شركة نبيذ Dynasty وشركة شامبو Wella وشركة Volkswagen . كانت تلك بدأي حقبة تنفيذ المشروعات المشتركة في الصين.
وفي أواخر عام 1979 تأسست الهيئة الإدارية للاستثمار الأجنبي تحت إدارة (غومو) و ( جيانغ زغين) نائب المدير والسكرتير العام، حيث إن ( دينغ كسيوبينغ) كان ينصح بفتح المجال للقطاع الخاص، فقد ترأس جيانغ زغين) بعثة إلى الخارج لتقصي الحقائق. وعاد بخطط وسياسات تمخض عنها بناء مصنع ( شينزين) وإنشاء مناطق ثلاث للتجارة الحرة، وقد أدت هذه المنجزات دوراً محورياً في سير جهود الإصلاح قدماً. انتقلت إلى الهيئة الإدارية للاستثمار الأجنبي بعد مدة قصيرة من تأسيسها وبقيت مدة طويلة مسؤولاً عن شؤون البنك الدولي والقروض الخارجية.
لم يكن للصين ديون داخلية أو خارجية وهذا أمر طالما افتخرت به الصين، ولم يكن لها أي صلة بالبنك الدولي أو أي مؤسسات دولية للتمويل والتنمية، في حين استفادت عدة بلدان نامية مثل الهند وباكستان من قروض من دون فوائد من مصادر تمويل دولية، أدت دوراً فاعلاً في تنمية اقتصاد هذين البلدين. وبعد دراسات وأبحاث دقيقة اتخذت الحكومة المركزية قراراً حاسماً بالتفاوض مع البنك الدولي، بإقامة علاقات رسمية في مجال التعاون المالي مع عدد من الحكومات الأجنبية، وقد وقعنا أول معاهدة قروض من دون فائدة مع البنك الدولي لتمويل التعليم والزراعة، وأول اتفاقية منح قروض ميسرة كانت مع الوكالة اليابانية للتمويل والتعاون الاقتصادي الخارجي، لدعم البناء والتنمية. كما أنني ذهبت بنفسي إلى إيطاليا برفقة (زهو رونغي) حيث وقعنا أول معاهدة ثنائية للحصول على قروض ممتازة، إن هذه القروض فعلاً ، قَدَّمَتْ حَلاً دوراً إيجابياً في تنمية التعليم وتطوير مشروعات النقل والتكنولوجيا في الصين.
في أوائل عام 1982 أنشأ مجلس الدولة، وزارة خاصة تعنى بالعلاقات الاقتصادية والتجارة الخارجية حيث شغلت منصب مدير لإدارة الاستثمارات الأجنبية فيها. كانت منطقة المشروعات الحرة الخاصة في (شينزين) في بادئ عهدها، وقد أثبتت جدواها بفضل (دينغ كسيوبينغ) وبعد نظره، علماً أن الكثيرين كانوا ضد هذا التوجه ومنهم من اعتبر أن هذه الإجراءات لا تخدم سوى المصالح الرأسمالية، لكن هذا الزعم لا يعكس أبداً طبيعة ما كنا نقوم به.
في أوائل عام 1983 قمت بزيارة منطقة ( شينزين) للمشروعات المشتركة، وعقدت عدة اجتماعات لأعرف ماذا يحصل هناك، ووجدت أن العاملين قد قاموا بجهود جبارة لتجاوز المعوقات البشرية وتغلبوا على صعوبات لا تصدق، كما أنهم استفادوا من الاستثمار الأجنبي بصورة فاعلة. كل ذلك في سبيل التنمية والبناء، وكان لهم شأن في نشر الوعي وثقافة الاشتراكية في الوقت نفسه وتسريع مشروعات البناء التي تسير ببطء، وكذلك المشروعات غير المكتملة التي تسبب منظراً معيباً على امتداد الصين. وقد شعرت حينها أن العاملين في المناطق الاقتصادية الحرة يمارسون عملهم بحماس لا يقل ألبتة عن حماس القائمين على تنفيذ الـ 156 مشروعاً لتحويل الصين إلى دولة صناعية حديثة. كان كل ما رأيته يثلج القلب، مما دفعني إلى رفع تقريري إلى السلطات العليا في الليلة نفسها فأوفدوا فريقاً من مكتب التخطيط المركزي إلى (شينزين) كي يروا عن كثب الواقع هناك، وقاموا بجمع المزيد من المعلومات والوقائع التي تبرر إنشاء مزيد من مناطق الاقتصاد والتجارة الحرة.
في أوائل عام 1983، عينت نائباً لمدير ناحية ( تيان (جين) وفي شهر نيسان من عام 1984 قرر مجلس الدولة توسيع 14 مدينة ساحلية من بينها ( تيان جين) وتحت إدارة مدير الناحية قمت بإنشاء المنطقة التكنولوجية والاقتصادية في تيان جين)، وكان من جملة مهامي تحسين وضع إدارة المرفأ، وقد أدت هذه الخطوة إلى حل عدة مشكلات خطيرة. تتعلق بشحن وتخزين البضائع، مما أدى إلى تحديث ميناء تيان جين، وكان ذلك بداية دفع عملية تحديث شملت الموانئ الصينية برمتها.
مع نهاية عام 1986 ، عدت إلى وزارة العلاقات الاقتصادية والتجارة الخارجية بصفتي نائباً للوزير مكلفاً بإصلاح إدارة التجارة الخارجية. في ذلك الوقت كانت الوزارة تدير 14 مؤسسة تجارة خارجية تحتكر عمليات الاستيراد والتصدير، وقد أدى هذا الاحتكار إلى قتل المبادرات الفردية وإعاقة تنمية التجارة الخارجية لهذا قررنا فك ارتباط هذه المؤسسات بالوزارة وفروعها، وبالتدريج ألغينا مركزية السلطة، بحيث تفرغت الوزارة لتنمية التجارة الخارجية، ومن ثم جعلنا الإدارات المالية لهذه المؤسسات تخضع لوزارة المال.
وقد خطر لنا في ذلك الوقت أن نستفيد من مؤسسات البحث العلمي في تنشيط التجارة الخارجية خاصة وأن العاملين في هذه المؤسسات أو جُلُّهم كانوا ممن عاشوا مدة في بلاد أجنبية وأتقنوا لغتها؛ لذلك قدمت اقتراحاً بهذا الشأن إلى الهيئة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا يتضمن منح مئة مؤسسة أبحاث علمية ترخيصاً بممارسة التجارة الخارجية وقد حظيت هذه المبادرة بدعم كبير من الوزير ( سونغ جيان) ، وأقر الاقتراح في اجتماع تحضيري عقد لهذا الغرض.
بيد أن بعض القياديين في مؤسسات التجارة الخارجية أبدوا شكوكهم في جدوى مثل هذه الإجراءات الإصلاحية لكن الحقائق لم تؤيد شكوكهم. فهذه التغييرات أزالت القيود التي كانت تكبل التجارة الخارجية، وشجعت المبادرات الفردية على نطاق واسع، كما حررت القوى المنتجة، ومكنت الشركات الوطنية التي كانت تخضع لوزارة العلاقات الاقتصادية والتجارة الخارجية من النمو والازدهار.
لقد ثبت لي بالتجربة والممارسة أن عملية الإصلاح ضرورة حتمية لا مفر منها، فمن دون الإصلاح لا يمكن الانفتاح والتنمية، ولن يتحقق الاستقرار المنشود، وما كنا لنعرف ماذا سنفعل اليوم. ومن جهة أخرى كان التخطيط للمستقبل أمراً شاقاً محفوفاً بالمخاطر، إذ إن عملية الإصلاح تتطلب محاربة الأفكار السائدة المتخلفة في أنظمة الإدارة، وكذلك التوفيق بين المتناقضات والطروحات، أو الحلول الآنية والحلول المطلوبة على المدى البعيد. ولذلك كان الإصلاح هو السبيل الوحيد الممكن بالطبع كان لا بد لعمليات الإصلاح أن تحقق التوازن بين الإصلاح من جهة والتنمية والاستقرار من جهة أخرى. لقد خدمت أكثر من عشرين عاماً وحملت على عاتقي مهمة الإصلاح وعملت جاهداً لأجل صين منفتحة، وقد أصبح ذلك شغلي الشاغل في حياتي المهنية، فقد عددت الإصلاح المحرك الأساسي للنهوض بالتعليم وبذلت كل ما أستطيع لتذليل العقبات التي تعيق عملية الإصلاح.
1.6 إعادة إحياء الأمة عبر العلم والتعليم
المحاور:
ماذا فعلت كي تجعل التعليم أولوية إستراتيجية، وكيف طبقت خطة إحياء الأمة عبر العلم والتعليم ؟
لي لانكينغ
بداية، يجب على المسؤولين ومن خلفهم جميع أبناء الشعب أن يؤمنوا بأهمية التعليم ليستطيعوا قبول إستراتيجية إنعاش الأمة عبر العلم والتعليم، وهكذا فقد أصدرت السلطات المركزية في عام 1993، برنامج إصلاح وتطوير التعليم، وعُقد في عام 1994، المؤتمر الوطني الثاني للتعليم وتبنت الحكومة المركزية المواد المتعلقة بتطبيق برنامج إصلاح وتطوير التعليم، من ثم أعلنت إستراتيجية النهوض بالبلاد في المؤتمر الوطني للعلوم والتكنولوجيا وفي أثناء المؤتمر الوطني للتعليم عقدت جلسات الدراسة أهم طروحات (دينغ كسيونبيغ) حول هذا الموضوع. وكان يرى أن من يهمل أمر التعليم هو شخص قصير النظر وغير مؤهل الإدارة عملية التحديث ويجب أن نعمل بكل الوسائل لدفع عملية التعليم، حتى وإن كانت العجلة تسير ببطء هنا أو هناك»، و«مهما كنا فقراء فعلينا منح الأولوية للتعليم». وفي خطابه المهم في أثناء المؤتمر قال ( دينغ كسيوبينغ): "إن مفاتيح التطور الاقتصادي تعتمد إلى حد بعيد على تقدم العلم والتكنولوجيا، وعلى كفاءات بشرية متعلمة وعلى إدراك الجميع أهمية التعلم في رفع المستويات الثقافية والعلمية والمعنوية لجميع أبناء الشعب".
كان أهم ما توجهت به إلى المشاركين هو الابتعاد عن التنظير والبدء فوراً في تطبيق أفكار المؤتمر. وعلى صعيد آخر فإن للصحافة دوراً مهماً في تفعيل القرارات المتخذة؛ لذلك وبعد أن سن قانون التعليم في عام 1995 ، وجهت رسائل خطية إلى المسؤولين في الأقاليم والمقاطعات الكبرى والبلديات التي تعمل مباشرة تحت إشراف الحكومة المركزية ضمنتها اقتراحي بأن يقوم كل فرد منهم بكتابة مقالة تعبر عن رأيه بقانون التعليم لنشرها في صحفهم المحلية. كما أنني طلبت منهم أن يحثوا مرؤوسيهم من المسؤولين في المدن والمناطق الرئيسة على اتخاذ ما يلزم من إجراءات في مجال التعليم. لقد كتبت تسعاً وعشرين مقالة ، ونشرت فيما بعد في كتاب يحمل عنوان: المبادئ الأساسية للنهضة الوطنية) ، وقد وزع في كل الصين، وقد كتبت مقدمة هذا الكتاب، ثم بناءً على طلبي قامت وكالة الأنباء الوطنية والتلفاز الرسمي الصيني بإجراء مقابلات مع المحررين.
كان لبرنامج الصين النهضوي عبر العلم والتعليم ثقلاً إستراتيجياً المستقبل وطننا، لا سيما بعد اتساع وتزايد عدد المناطق المستفيدة من البرنامج، وهكذا بدأت الأمور تتحرك بصورة أسرع. في أوائل عام 1990 ، بدأ أقليم (غوانع دونغ) بتطبيق الإجراءات الإصلاحية التي هي أساس توجهات ( دينغ كسيونبيغ) وهذه هي الخطوة أولى للحاق بـ (نمور آسيا الأربعة)، وقد اقترحت حينها على حاكم الإقليم أن يهتم بداية بأمر التعليم ويتعامل مع الموضوع بمهنية فكان عليه أن يحصي عدد المدارس في الإقليم من ابتدائية وثانوية، وعدد الخريجين من حملة الماجستير والدكتوراه، وذلك لتأمين فريق من الأشخاص الموهوبين يستطيع تكرار تجربة ( نمور آسيا الأربعة ومجاراتها، بل منافستها كماً ونوعاً ونتيجة للجهود الجبارة التي بذلها إقليم غوانغ دونغ انطلقت مسيرة تطوير وتحديث غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد المحلي والآن أخذت مدينتي شنغهاي وجيجانغ تحذوان حذو (غوانغ دونغ) وتحققت نتائج جيدة حتى الآن.
1.7 وضع تشريع خاص بالتعليم
المحاور:
لطالما أكدتُم على دور التشريع في حقل التعليم، وقمتم بوضع مجموعة من الأنظمة والتشريعات التي تلائم البيئة الصينية، فهل لك أن تطلعنا عن كيفية تطوير هذه القوانين؟
لي لانكينغ
انطلقت إستراتيجية تطوير الصين عبر العلم والتعليم من اعتبارين أساسيين هما السياسات الصحيحة، والدعم القانوني، والفضل في ذلك يعود إلى جهود الإصلاح والانفتاح على مدى عشرين عاماً، وتحديداً في أثناء العقد الأخير، عندما صدرت مجموعة من القوانين تضمنت قانون منح الشهادات الأكاديمية عام 1980 ، وقانون التعليم الإلزامي 1986، وقانون المعلمين 1993 ، وقانون التعليم 1995 ، وقانون التعليم المهني 1996 ، وقانون التعليم العالي 1998 ، وقانون PRC الذي يخص توحيد اللغة الرسمية للبلاد عام 2000، وقانون التعليم الخاص 2002.
وبالتواكب مع إصدار هذه القوانين فقد أصدر مجلس الدولة أيضاً مجموعة من التشريعات الإدارية التي تحكم التعليم، مثل الضوابط الإجرائية للقضاء على الأمية وقوانين تنظيم مدارس الحضانة، وقوانين تعليم المعوقين، وقوانين المدارس المهنية، وضوابط للمدارس التعاونية الصينية الأجنبية.
وقد قامت وزارة التعليم بسن نحو 200 قانون يتناول معظم جوانب التعليم، وهناك أكثر من 150 قانون تشريع محلياً بحيث فأصبحت كل الميادين الرئيسة تحكمها قوانينها الخاصة التي تضبط عملها، وباختصار إن التغير الجوهري في المشهد التعليمي كان نتيجة حتمية لتطبيق إستراتيجية النهوض بالأمة عبر العلم والتعليم.
تقوم القوانين بالدور الأساسي في عملنا، لذلك من أهم صفاتها : الإلزام، فإن من يطبق القوانين لا يجوز له خرقها بأي وجه من الوجوه وإلا فإن كل ما نسعى إليه سوف يفشل، ولقد قامت الحكومة بجهود مشكورة لضمان الالتزام ولتمتين النظام القانوني للتعليم، فربحنا وعياً شعبياً لهذه القوانين ساعدنا على المضي في طريقنا إلى المستقبل، ففي العقد الماضي ركزنا على ثلاث جوانب:
أولاً: لا يكفي إصدار القوانين وحسب، بل يجب العمل على تعميمها على كل مستويات الحكومة، وشرائح المجتمع. وهنا يأتي دور الإعلام المهم في نشر الوعي بالقوانين.
ثانياً : على كل المسؤولين في الهرم التعليمي دراسة هذه القوانين دراسة وافية حتى يتمكنوا من تطبيقها ومن تدريب وتقويم المديرين والمعلمين على أساسها ، والعمل على ترسيخ الالتزام بها لأن الالتزام وعي، والواعي يطبق بطريقة صحيحة.
ثالثاً: تقديم كل ما هو ممكن لإيصال مضامين هذه القوانين إلى أذهان طلابنا بأن أدخلنا إلى مناهج التعليم المعلومات الخاصة بالقوانين وخاصة في الدروس الأيديولوجية والسياسية المعنوية وذلك في مرحلتي التعليم الأساسي والمتوسط.
ولم يتوقف الأمر هنا فمنذ دخولنا القرن الحادي والعشرين كانت وزارة التعليم متجددة في عملها، تضع الخطط الخمسية المتوالية، وكل خطة تحمل مفاهيم جديدة وحديثة تهم قوانين التعليم كي تضمن التطور الدائم، كما أنها كانت حريصة على إبقاء المسؤولين والمعلمين وطلاب المدارس وحتى الشعب كله على دراية كاملة بالبنية القانونية التعليمية مهما تطلب ذلك من جهود أو وقت.
وسأتحدث هنا عن اللجنة الدائمة في الهيئة التشريعية الشعبية واللجان المنبثقة عنها في مجالات التعليم، والعلوم والثقافة والصحة العامة التي قامت على امتداد السنوات القليلة الأخيرة بست مراجعات للإشراف على تطبيق قانون التعليم الإلزامي، وقانون المعلمين وقانون التعليم والتعليم المهني، وأجرى مجلس الدولة مراجعات مشابهة في عدد من الأقاليم والمقاطعات الكبيرة والبلديات التي تعمل مباشرة تحت إمرة الحكومة المركزية وأهم ما قامت به مرافق التعليم هو تطبيق مبدأين أساسيين:
مبدأ التعليم الإلزامي الشامل مدة 9 سنوات ومبدأ محو الأمية بين الشباب الكهول.

كما أن الهيئة التشريعية الشعبية في الأقاليم أدت دوراً إيجابياً في دفع الحكومات المحلية في الأقاليم والمقاطعات الكبيرة والبلديات لتطبيق القوانين والتشريعات بحذافيرها بوصفها جزءاً لا يتجزأ من عملية الإشراف على تطبيق قانون التعليم. وحتى تكتمل الصورة التعليمية علينا أن نواصل عملية تحسين النظام التعليمي في كل المدارس وعلى كل المستويات، وأن نطور أنظمة الامتحانات الأكاديمية، ونظام منح الشهادات والدرجات وضمان التمويل اللازم.
ونعود لنشدد على ضرورة وضع التعليم في قمة الأولويات وتنظيمه بحيث يصون المواطن ويحمي حقوق المعلمين، ويحسن أوضاعهم المعيشية ومنزلتهم الاجتماعية؛ لأن هذا سيوفر البيئة القانونية المثلى لتطوير وإصلاح التعليم. ومن جهة أخرى لا بد من تطوير الأطر التشريعية للتعليم وهذا يعني تعديل التشريعات بحيث تنسجم مع المتغيرات والظروف المستجدة. ولا يجوز أن ننسى إصلاح القطاعات الإدارية والريفية، ورفع مستوى الإدارة التعليمية تبعاً للقانون، ومراقبة تطبيق القانون بحزم بحيث يصبح تطبيق "إستراتيجية النهوض بالأمة عبر نشر العلم والتعليم أكثر من مجرد شعار، وستتم عملية إصلاح التعليم بسهولة".
1.8 مجاراة العصر دون إنكار دور التقاليد
المحاور:
في كل عمل تبرز الحاجة إلى الأخذ من التراث ومواكبة العصر، وقد أشرفت بنفسك على تقدم التعليم منذ إعلان تأسيس الصين الجديدة، فما هي أفكارك حول هذا الموضوع؟
لي لانكينغ:
بالطبع، كنت على تواصل دائم مع عملية التنمية التربوية في الصين الجديدة، والواقع أنها تعثرت قليلاً في أثناء الثورة الثقافية 1966-1976. ولكنها عموماً كانت ناجحة جداً. مع العلم بأنه ليس بالأمر الهين إدارة منظومة اقتصادية بحجم الصين، ولكن هذا لا يعني أن تجربتنا يمكن أن تضمن النجاح في بلدان فقيرة أخرى تشبهنا.
قلت في خطابي الذي ألقيته في مؤتمر وزارة التعليم المنعقد بتاريخ 8 أيار 1993: «إن الإنجازات التي تحققت منذ عام 1985 وحتى الآن جعلت الثقافة تحظى باهتمام شعبي واسع، ويعود الفضل في وصولها إلى هذا المستوى الجديد إلى قيادة الحكومة المركزية الحكيمة وإلى تضافر جهود الوزراء وكبار المسؤولين والعاملين في المدارس على امتداد الصين، وواجبنا الآن هو البناء على أساس هذه الإنجازات لتحقيق "أهداف أرقى".
وأعني بذلك أنه مهما حققنا من النجاحات، علينا أن نواصل عملية التطوير، والمتابعة تعني الاعتراف بالعمل الدؤوب والتكيف مع المستجدات وهي في الواقع وجهة نظر مادية تاريخية، و«التطوير» يعني: استمرار البناء على إنجازات أسلافنا، وحل المشكلات العالقة بسبب الرواسب التاريخية، وإيجاد حلول للمشكلات المستجدة، ولا سيما في مجال اقتصاد السوق الاشتراكي، وتطوير التعليم عبر إيجاد حلول مبتكرة وناجعة واستمرارها مع الوقت. هذه هي المسؤولية التي ورثناها عن أسلافنا واليوم تحملنا إياها الدولة والشعب. لقد شعرت بضرورة مواصلة التطوير ، عندما كنت مسؤولاً عن إصلاح نظام التجارة الخارجية. وفي التعليم لم يكن الأمر مختلفاً عندما قيمنا النتائج، وكانت النتائج التي حققناها ولا سيما في ميدان التعليم الجامعي مدهشة حيث اعتمدنا النموذج السوفييتي المعمول به في الخمسينيات من القرن الماضي.
إن التشديد على الإصلاح لا يعني أن الأداء في السابق كان سيئاً، أو على الأقل كل ما فعلناه في الماضي كان خطأ، إذ إنه من الإجحاف التقليل من شأن الإنجازات السابقة؛ لأن تحقيقها لم يكن سهلاً في الظروف التي كانت سائدة حينها ، ولكن الاكتفاء بهذه المنجزات دون النظر إلى المستقبل هو الخطأ بعينه. وقد يتساءل بعضهم ما دام كل شيء يسير على ما يرام فلماذا عملية الإصلاح؟
أولاً: ببساطة كل شيء من حولنا يتطور ويتغير.
ثانياً: إن تطوير الاقتصاد لا يكون إلا بالانتقال من التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق الاشتراكي الذي يطال جميع القطاعات والتعليم من ضمنها ، وحينها سنكون قادرين على التكيف مع التحضيرات.
ثالثاً : لقد بات واضحاً أن الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا القديمة لا تتناسب ولا تستطيع أن تجاري التقدم الذي يشهده العالم اليوم. إن أهم أهداف إصلاح التعليم يكمن في إعداد جماعات تتمتع بكفاءات عالية وتستطيع التعامل مع الواقع المتغير.
1-9 من المسؤولية إلى الإخلاص في العمل المحاور:
ماذا كان شعورك عندما عينت في عام 1998 ، نائباً لرئيس الحكومة ومسؤولاً عن التعليم لولاية ثانية؟
لي لانكينغ:
في بداية ولايتي الثانية استشارني رئيس الحكومة (زهو رونغي) حول توزيع المهام في مجلس الدولة، فأخبرته بأنني أفضل البقاء في ميدان التعليم، لكنه باعتباري نائباً لرئيس الحكومة للشؤون الإدارية فقد كان من الطبيعي أن أبدي استعدادي للاضطلاع بمسؤولية التمويل والنظام الضريبي والعلوم والتكنولوجيا والثقافة والصحة العامة والرياضة والصحافة والنشر، ونظام التقاعد بالإضافة إلى التعليم. عندما طلب مني رئيس الحكومة السابق لي بينغ) تسلم ملف التعليم في عام 1993 ، شعرت بالحرج والتخوف، لكني في عام 1998 ، كنت أكثر إصراراً وحماسة على تنفيذ مهمتي. كيف ولماذا حصل هذا التحول؟
أولاً: لأن السنوات الخمس الأولى قد عززت قناعتي بأهمية التعليم من الناحيتين النظرية والعملية، كما أصبح عندي التزام عميق تجاه هذا الحقل.
ثانياً : أنني توصلت مع زملائي إلى تفاهم مشترك حول القضايا الجوهرية التي تتصل بالتعليم، بالإضافة إلى أنني كنتُ أستمتع بالعمل معهم. وبعبارة أخرى صرت مرتبطاً عاطفياً بمسألة التعليم لهذا كنت أقول دوماً للذين يعملون على المستويين المحلي والقومي: "إذا أردتم حقاً عمل شيء يستحق العناء فيجب أن تكون لديكم الرغبة الصادقة في ذلك".
ثالثاً: بدخولنا القرن الحادي والعشرين كان لزاماً علينا إعادة هيكلة التعليم وتطويره بعد أن حققنا أهدافنا للقرن العشرين.
رابعاً: وجوب تنفيذ تعليمات رئيس الحكومة (زهو رونغي) الذي طلب من أركان الحكومة الجديدة تبني مسؤولية تنفيذ إستراتيجية النهضة الوطنية، وأخيراً كان من الطبيعي أن أرغب في المشاركة كي يتسنى لي مراقبة سير الأمور التي تحقق الأهداف المنشودة عن كثب، لا سيما وأني كنت حينها لا أزال على رأس عملي في مجلس الدولة إضافة إلى إصراري على السعي لتحقيق نتائج أفضل انطلاقاً من شعوري بالمسؤولية الملقاة على عاتقي في ميدان التعليم.
في أثناء السنوات العشر التي أمضيتها في منصبي ازداد اهتمامي بقضية التعليم الذي بدأت أكرس نفسي له وقد شمل عملي عدة أ دة أنشطة منها : إعداد جدول عملي اليومي، ودراسة التقارير التي تردني، وترؤس منتديات وورشات عمل والقيام بجولات تفقدية. وقد شملت أنشطتي أيضاً زيارة العديد من رياض الأطفال، والمدارس الابتدائية والثانوية، ومدارس مهنية، ومعاهد التعليم العالي، والتقيت العديد من المعلمين.
والآن بعد أن تقاعدت ما زالت هذه الذكريات حاضرة في ذهني وذلك يعود لاهتمامي الشديد بقضية التعليم، ولعل ذلك أحد الأسباب.
