بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها
بعد ( ثروة الأمم) دون ريب كتابا غير العالم. لكن تأثيره تطلب وقنا، فعلى الرغم من انقضاء مئتين وواحد وثلاثين عاما على نشره، ما زالت الحقائق العملية لأفكار آدم سميث في طور بداية الفهم والتمثل والهضم. وكثيرا ما تخفق دروس آدم سميث في التأثير في المجالات التي تحظى فيها بالأهمية القصوى - مجالس الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي والبرلمان البريطاني، والكونغرس الأمريكي - بقدر ما يزداد فهمها ويتعاظم تمثلها.
مبادی آدم سميث البسيطة :
کشف آدم سميث سر الاقتصاد المبهم بجملة خاطفة كلمح البصر : ( الاستهلاك هو الغرض الوحيد للإنتاج كله ) . لا يوجد سر مكنون أبعد سميث ( الميتا) عن ( الفيزيقا ) ، فالاقتصاد هو بالضبط عيشنا ورزقنا وحياتنا ولا شيء سواها. يؤكد (ثروة الأمم) بالحجة ثلاثة مبادئ رئيسة، ويثبتها بالتفكير النظري وبوفرة من الأمثلة العملية. حتى المفكرين المنظرين يجب ألا يواجهوا صعوبة في فهم أفكار آدم سميث: يعتمد التقدم الاقتصادي على حق فردي خاص ثلاثي الشعب السعي وراء المصلحة الشخصية، وتقسيم العمل، وحرية التجارة. لا يوجد خطأ لزومي متأصل في السعي وراء المصلحة الشخصية وفقا لأفضل الرؤى الثاقبة لآدم سميت، ولا يعد ذلك خيرا جديدا للقارئ في القرن الحادي والعشرين بل هو المضمون الحقيقي للأخبار كلها. ففي هذه الأيام، تعلن الغيرية ذاتها على رؤوس الأشهاد، بعد أن تخلى المحسنون عن مبدأ ( لا تعرف اليمنى ما أنفقت اليسرى). ومن المؤكد أن الشهرة تجسد أيضا سعيا وراء المصلحة الشخصية. فقد وجد بوب غيلدوف"، مثلاً ، طريقته الخاصة للشهرة والبقاء في نادي المشهورين، لكن في معظم حقب التاريخ، تطلبت الحكمة والمعتقدات والأعراف والتقاليد إخضاع الأنا، وكبح المطمح الشخصي، والتضحية بالنفس ( وبأفراد الأسرة. كما فعل إبراهيم الخليل بابنه إسحق).
كان لهذه الطاعة والخضوع وعدم أخذ زمام المبادرة هدف وغاية، إذ حرم غالبية الناس ( الرعية) من حق التحكم بظروفهم المادية، أو حتى بأجسادهم ونفوسهم ( إن كانوا من العبيد أو الأفنان). ففي حياة الذل والخنوع التي سادت في العصور القديمة والوسطى دفع التقشف البشر إلى الشعور بأن حياتهم لا تختلف كثيرا عن عيشة الكلاب). لكن آدم سميث عاش في مكان وزمان بدأ فيهما الأفراد يتمتعون ببعض القدرة على السعي وراء مصالحهم الشخصية، في فصل ( في أجور العمل) ، في الجزء الأول من ( ثروة الأمم) ، كتب سميث ملاحظا بنبرة اقتربت من التورية الساخرة الحديثة: (هل يجب اعتبار هذا التحسن في ظروف الطبقات الدنيا ميزة المصلحة المجتمع أم مثلبة وسبباً لمشكلاته ؟ ) . إذا لم يعد الرخاء ( الاقتصادي) في مصلحة الطبقات الدنيا من الناس حتى القرن الثامن عشر، على الرغم من وضوح الفكرة الصارخ الذي لا يحتاج إلى دليل، فإن السبب يعود إلى عدم اهتمام أحد بأخذ رأيهم. وفي كثير من الأماكن، لم يأبه أحد بمعرفة رأيهم حتى ذلك الحين، لكن ليس من الحمق أو الخطأ أو الابتذال أبدا أن نحسن ظروفنا المعيشية، ولا ينتهك هذا المسعى المقدسات والمحرمات المسألة كلها تتعلق بطريقة تحقيق هذا المسعى وأسلوبه.
الجواب هو تقسيم العمل كانت الإجابة جلية للجميع اللهم باستثناء معظم المفكرين الذين نظروا للاقتصاد قبل آدم سميث. إذ وجد تقسيم العمل منذ وجود البشر . منذ أن تقاسمه أبوهم آدم وأمهم حواء فيما بينهما، ولأن القسمة كانت ظالمة، فقد تحملت المرأة آلام المخاض في حين بقي الرجل ( يقطف الورد ويشم الهوا) في الحديقة. لم يكن آدم، وفقا للاعتبار الراهن، أول فيلسوف يلاحظ التخصص أو يرى تقسيم العمل بوصفه أصيلا وفطريا كالعمل تماما. لكن بالمستطاع إثبات أنه أول من فهم المضامين المتعددة والمقتضيات المتنوعة لتقسيم العمل. وفي الحقيقة، يبدو كأنه ابتكر التعبير.
الذكي النحيل الضعيف صاحب العقل المبدع يبتكر للقناة سنانا، والغبي الشجاع القوي صاحب العضلات المفتولة يطعن به الماموث والفنان ينقش المشهد على جدران الكهف. شخص يصنع شيئا، وآخر يصنع شيئا آخر، والكل يريدون كل شيء. من هنا ولدت التجارة. قد تكون التجارة جيدة نظريا، أو يكون الاكتفاء الذاتي أفضل منها، لكن حتى مجرد التفكير في مثل هذه النظريات مضيعة لذلك التخصص المفيد بين الحين والآخر. التجارة حقيقة واقعية. رأى سميث أن أنواع التجارة كلها، حين تكون حرة، هي -بالتعريف - تبادلية في الفائدة والمنفعة شخص لديه شيء ويرغب في شيء آخر لدى شخص آخر يريد ما عنده، ربما كانت القسمة في المثال السابق ضيزى. إذ لا يمكن المشاهدة لوحة منقوشة على جدار كهف أن تساوي مئة وخمسة وعشرين كيلوغراما من لحم الماموث. ربما تكون السمة التبادلية غير متوازنة الفنان الجائع يلتهم اللحم الشهي طوال شهور، في حين يقف الغبي الشجاع الخاضع للسيد ( الفنان) الجديد مذهولا محتارًا في كهف الاسكوا". وماذا عن المبتكر الماكر للسنان وعملية شحذه؟ لا بد أنه أخذ نصيبه من شرائح لحم الماموث لم يسألونا رأينا. ويجب ألا نتدخل في الاتفاق المعقود بينهم. فالعقد شريعة المتعاقدين.
لماذا لا يعد استقصاء مبادئ آدم سميث البسيطة استقصاء لآدم سميث؟
لا يحق لنا التدخل في معظم ما يفعله الناس في أغلب أوقاتهم. هذه فكرة حديثة تماماً، وتجعل الحياة الخاصة - التي لا يحق لنا حشر أنوفنا الفضولية فيها - أكثر سحراً وجاذبية للناس من الحياة الخاصة في الحقب ما قبل الحديثة، وآدم سميث ينتمي إلى الحقبة ما قبل الحديثة، لذلك نظم كتابه بأسلوب عتيق الطراز. فأفكار الإنسان تأتي أولاً، وبعدها يأتي هو، ساعد آدم سميث على إنتاج عالم من الفردانية، والاستقلال الذاتي، وتحقيق الرغبات الشخصية، لكن ذلك العالم لم ينتجه فقد انتمى إلى مدرسة. فكرية أقدم عهدًا في تراثها، وأكثر تجريدا في تقاليدها. حين تغير أفكار شخص معاصر ملمحا من ملامح وجه العالم. نريد أن نتعرف عليه وتنبش تاريخ حياته على سبيل المثال، هل أنت جوليا تشايلد من خلفية لها علاقة بالطهي، أم أن أمها حضرت عجة البيض مع الجبنة ولحم العجل الكندي على طريقة أمهاتنا؟ ما العناصر الطبيعية والتغذوية، والعوامل النفسية، والخبرة والتجربة التي طورت تفكير جوليا تشايلد؟ لكن مر زمن تطورت فيه غالبية الأفكار من أفكار أخرى. لم يكن المفكرون يفكرون في أنفسهم، ولم يكن جمهورهم يفكر فيهم أيضًا بوصفهم شخوصا من لحم ودم، ضاع الكل في الفكر اعتذر دوغلاس ستيوارت، الذي نشر عام ١٨٥٨ أول سيرة تؤرخ لآدم سميث، عن الأحداث الشخصية النادرة التي وردت فيها بالقول: ( يمكن لتاريخ حياة الفيلسوف أن تضم أكثر قليلا من تاريخ أفكاره التأملية .
ثمة سبب آخر لتقديم تاريخ آدم سميث الفكري على تاريخ آدم سميت الشخصي: يتمثل في أنه عاش حياة تناقض الحياة الحديثة لم تشهد أحداثا مهمة لكنها مثيرة للاهتمام. كان أكاديميا لكنه لم يثر النزاع والخلاف. إذ تبنى آراء سياسية إصلاحية تقليدية ومعتدلة، وربما سينضم إلى حزب ( الويغ) - الأحرار فيما بعد - المناهض للمحافظين لو اهتم بالانخراط في معترك السياسة الحزبية. أصبح موظفا بيروقراطيا حكوميا. لكن جوهر تفكيره - ليس من حقنا التدخل - سوف يقلب رأسا على عقب ( كما أمل في نهاية المطاف ما تفعله السلطات السياسية والدينية وفعلته على مدى عشرة آلاف سنة. التفكير يحقق نجاحاً منذ الآن في بعض الدول. هنالك أصقاع من الأرض تشهد فيها الحياة اختلافا بينا عن تلك التي لوح فيها أول طاغية مستبد بعصاه مهدداً أو أعلن أول مشعوذ دجال طقوسه المبهمة ونطق بأفكاره المشوشة، لتوكيد السلطة القراقوشية وترسيخ الطغيان في المقام الأول. تقوم السلطة أساسا على التدخل في شؤون الآخرين، إذ لا يمكن للأمراء والكهان مقاومة فرض القيود والحدود على السعي وراء المصلحة الشخصية، وتقسيم العمل، وحرية التجارة، فالمساعي الناجحة في هذا السياق تعني تحدي السلطة. فإذا حصل الناس على الوظائف التي أرادوها سوف يسعون وراء حريات أخرى. أما بالنسبة للتجارة، فيجب التحكم فيها.
لا يعد التقييد تقييداً إلا إذا شمل نوعاً من الإكراه والإجبار. لو عدنا إلى مثال كهف لاسكو، أمكننا القول إن الإكراه يحدث حين يستولي أحدهم على سنان الرمح، ولحم الماموث واللوحة المنقوشة على جدار الكهف، والكهف. ثم يقتل الآخرين.
يدمر الإكراه طبيعة المنفعة التبادلية للتجارة، وهذا يقوض بدوره المتاجرة، فيدمر تقسيم العمل، وتلحقه المصلحة الشخصية. وعند وضع القيود، مهما كانت واهية، على حرية التجارة، تحدث قفزة شبيهة بالقفزة الماوية الكبرى إلى الأمام. كما يؤدي تقييد أي من الحقين الآخرين إلى النتيجة نفسها. في حين يتحول من يقيد الحقوق الثلاثة إلى ماو تسي تونغ آخر.
مبادئ آدم سميث الأقل بساطة :
يتضح من كتابات آدم سميث الأخرى أنه كان مؤيدا للحرية وأخلاقياتها. لكن الحجج المقدمة لمصلحة الحرية في ( ثروة الأمم) تعد براغماتية إلى حد مقلق تقريباً. إذ عارض سميث معظم القيود الاقتصادية : التعرفة الجمركية، وزيادة العرض، والحصص والتحكم في الأسعار، وتضامن العمال لرفع الأجور، وموافقة أرباب العمل على الأجر الثابت، والاحتكارات، والكارتيلات، وحقوق العمال. والنقابات، وعقود تدريب العمال والحرفيين، والعبودية بالطبع، بل عارض حتى تراخيص الأطباء، على اعتبار أن التراخيص سوف تشرعن على الأرجح الأطباء المزيفين أكثر من السوق. لكن سميث فضل وضع كثير من القيود على الأشخاص، خوفاً من أن تصبح القوة الغاشمة عملة شائعة في دولة فوضوية يغيب عنها القانون.
وبكلمات أشد إثارة للحزن وأكثر صدقا مما اعتدنا سماعه من خبير اقتصادي، أعلن سميث أن ( الأمن والنظام في المجتمع أكثر أهمية حتى من إغاثة البؤساء والمحرومين) (1). في غياب الحرية الاقتصادية يزداد عدد البؤساء والمحرومين مما يتطلب مزيدا من القيود لإخضاعهم والحفاظ على الأمن والهدوء بينهم، فيؤدي ذلك إلى خسارة مزيد من الحرية.
أدرك سميث أيضاً أن للحرية الاقتصادية جوانب تثير الاستياء والتململ، وأقلقته بوجه خاص نتائج المبالغة في تقسيم العمل: ( الرجل الذي يقضي حياته كلها يؤدي بضع عمليات بسيطة.. يعاني عموما أقصى درجة من الغباء والجهل ينحدر إليها مخلوق) )، رأينا ذلك في عدد لا يحصى من السياسيين الذين يخوضون الحملات الانتخابية بأساليبهم المكررة وأقوالهم المعادة، لكن التخصص عامل مفيد، والإنتاجية من كل نوع يمكن أن تزداد به والتخصص في السياسة يمنع السياسيين على أقل تقدير من إدارة الشركات والنشاطات التجارية، حيث يمكن لما يتصفون به من غباء وجهل أن يسبب ضرراً أفدح للنمو الاقتصادي.
مبادئ آدم سميث الأكثر تعقيداً :
دحض منطق سميث عندما أظهر كيفية زيادة الإنتاجية عبر السعي وراء المصلحة الشخصية، وتقسيم العمل، وحرية التجارة النظرية القائلة إن تحسين حال شخص يؤدي لزوما إلى تدهور حال آخر ( النظرية ما يزال يعتنقها اليساريون، وكل شقيق أصغر سنا من أخيه البكر ) . لكن الثروة ليست قطعة من البيتزا. فإذا أكلت أنا عدداً كبيراً من الشرائح، لست مضطرا أنت لأكل العلبة الكرتونية.
وعبر إثبات حقيقة عدم وجود حجم ثابت للثروة في الأمة، برهن سميت أيضا على استحالة القول إن لدى الأمة كومة من الكنوز الدفينة. إذ يجب قياس الثروة بواسطة حجم التبادلات التجارية في السلع والخدمات ما يجري في مطابخ القلاع واسطبلاتها ، لا ما يكدس في الخزائن المقفلة في أبراجها، وحدد هذا المقياس في الجملة الأولى من مقدمته لـ ( ثروة الأمم) : ( العمل السنوي لكل أمة هو الصندوق الذي يزودها أساسا بضروريات الحياة ومتطلباتها التي تستهلكها سنويا ) (1). ومن ثم، أوجد - بضربة واحدة - مفهوم الناتج المحلي الإجمالي. ومن دون الناتج المحلي الإجمالي، لن يبقى للخبراء الاقتصاديين المتحذلقين في عصرنا الحديث ما يقولونه على شاشات التلفزيون. إذا كانت الثروة في حالة مد وجزر فكذلك مقياسها المال ليس للمال قيمة ذاتية متأصلة فيه. وأولئك الذين امتد بهم العمر وسمعوا عن جمهورية فايمار ثم شهدوا عهد إدارة كارتر لا يعبرون عن خيبة الأمل بهذه الحقيقة. لكن المال في القرن الثامن عشر كان لا يزال مصنوعاً من المعادن الثمينة. ولا بد أن ملاحظات سميث لى المال قد حبيت أمال قرائه قليلا، على الرغم من المثال الذي جسدته أمام عيونهم إسبانيا، الواسعة الشراء في الظاهر - لكن الفقيرة في الواقع - ليثبت آراءه، صحيح أن الذهب يساوي.. وزنه ذهبا بالتأكيد، لكنه لا يساوي، بالقدر نفسه من التأكيد، كل شيء آخر. بدا الأمر وكأن سميت، بعد أن أثبت قدرتنا كلنا على جني مزيد من المال، أراد إثبات أن المال لا يشتري السعادة، لا، لا يشتري السعادة بل يؤجرها.
مبادئ آدم سميث تأثيرها الرئيس:
في مصادفة محكمة، نشر كتاب ( ثروة الأمم) في السنة ذاتها التي أعلنت فيها أعظم دولة رأسمالية في التاريخ استقلالها. وبالنسبة إلى المثقفين في بريطانيا العظمى، كانت فكرة قيام الولايات المتحدة الأمريكية تتجاوز في تناقضها مع المنطق والعقل والتوقعات، وفي الغرابة، أفكار آدم سميث كلها. لم يكن ( ثروة الأمم) كتابا سهلا. حتى وفقا لأصعب معايير قراء القرن الثامن عشر . لكنه حقق نجاحا كبيرا لدى النقاد وبعض النجاح لدى القراء العاديين. إذ بيعت الطبعة الأولى في ستة أشهر، مما فاجأ الناشر، وفيما عدا ذلك. لم يفاجئ عمل سميث على ما يبدو معاصريه أو يصدمهم.
على سبيل المثال، لم يفزع أحد اقتراح سميث بإعطاء الأولوية الاقتصادية للمصلحة الشخصية. فالمصلحة الشخصية التي تجعل عجلة الاقتصاد تدور قد نالت الاعتراف والإقرار منذ أن بدأت الأرض تدور - سر مفضوح يعلمه الكل، وأقلقت الفكرة المقلقة بأن المال عبارة عن قيمة متخيلة صديق آدم سميث المقرب ديفيد هيوم قبل ربع قرن. وفي الحقيقة، فهمت الخاصية الوهمية للمال منذ العصور الكلاسيكية. ففي الحقبة التي امتدت مثني عام بين حكم الإمبراطورين نيرون وغاليينوس، قلصت الادعاءات الإمبراطورية المزيفة قيمة ما تحتويه دار سك النقود الرومانية من فضة من ١٠٠% إلى صفر.
لكن على الرغم من أن محتوى ( ثروة الأمم) لم يصدم القراء أو يذهلهم، إلا أن شيئًا فيه تعشق مع تروس التفكير في عصره - إذا جاز التعبير، ولا يزال ذلك الشيء موجودا في أذهاننا، وأستطيع الشعور به حين يخطر ببالي موضوع المصلحة الشخصية. لا، لا، لست أنانيا، بل أفكر في البيئة والمواطنين الأقل حظا. وأرثي لحال أولئك التعساء الذين لا يأبهون المشكلة التلوث. والاحتباس الحراري، وانقراض الأنواع. أفكر فيهم كثيرا، وأمل أن يخسروا الانتخابات القادمة، ليحل محلهم في المناصب الحكومية. مسؤولون يتميزون بقدر أكبر من الاهتمام والرعاية والتعاطف مع الآخرين، ويتخلون عن دوافعهم الأنانية، فإذا انتخبنا محافظا من أنصار حماية البيئة، لن يتمكن مسؤولو البلدية من اعتراض اقتراحي بشأن المحيط.
دعونا نواجه الحقيقة ( الطبقات الدنيا من الناس) تملك كثيرا من المال فعلا. انظروا مثلا إلى ويتني سبيرز، أو إن أردتم أشير إلى مثال أوضح الأثرياء المغرمون بالمظاهر الذين يبتاعون القصور على طول الشاطئ. ربما تظن أنك لا تنتمي إلى ( الطبقات الدنيا ) . لأن لديك سيارتين ومطبخا مجهزا بأحدث الأدوات، وتجني الكثير من المال. لكن أسلوب حياتك لا يعد ( ملائما للمجتمع) في ذروة نجاحه، مثلما تكتشف حين أعدل مكان سيارتك الفارهة التي تحتل مساحة ثلاث سيارات في الموقف.
أعرف نوعك. أنت تعمل طوال النهار، ثمانين أو مئة ساعة في الأسبوع، في مجال تخصصي معين لا يفهمه غيرك، في شارع المال ( Wall Street) ، أو في مكتب محاماة فخم ، أو في غرفة عمليات في مستشفى شهير. شخص يحاول إقامة توازن بين الوظيفة والحياة والأسرة.. ليصبح متوازنا. لهذا السبب نخطط، أنا وزوجتي، لتأكل مما نزرع ( يمكن تخزين جذور اللفت مدة سنة كاملة ) ، ونتعامل مع خدمات التجارة الإلكترونية النزيهة فقط، وندفي المنزل بالطاقة النظيفة من المصادر المتجددة مثل قوة الرياح المستمدة من التيار الذي يهب من تحت الأبواب، ونحيك ملابس أطفالنا بالصوف الحيوي من الخراف التي تربت في ظل ظروف إنسانية في حديقة المنزل وهذا يجعل الأطفال يشعرون بالدفء والراحة، مع بعض المنغصات القليلة، ويبني شخصياتهم لأنهم سيتعرضون للمكايدة في الشارع.
حسنا، أعترف بأن إزالة كل عائق يقيد حرية السوق عمل ( يفيد الاقتصاد). لكن المال ليس كل شيء. لنفكر في الخطر والضرر على المجتمع. فلولا قوانين الحكومة وأنظمتها لتمكن كبار المتنفذين الذين يديرون شركات مثل إنرون، وورلد كوم، وتايكو ( Enron WorldCom and Tyco) من الاحتيال على المستثمرين وخداعهم و اختلاس الملايين. ولولا القيود على مبيعات المواد الخطرة والضارة السهل على الشباب ربما تدخين السجائر وشرب المسكرات بل تناول المخدرات ولولا التراخيص الضرورية لممارسة مهنة الطب الأصبح الطريق معبدا أمام التداوي من الأمراض بالطب البديل مثل المعالجة اليدوية، ومعالجة الاعتلال العظمي، والعلاج بالزيوت والمراهم النباتية، ولو لم تؤسس النقابات العمالية لبقي ثلاثون ألف عامل في شركة جنرال موتورز (GM) يعيشون على أجر لا يسد الرمق، ولتحولت حياتهم اليومية إلى أشغال شاقة مؤيدة لا هدف لها ولا غاية، ولولا الأشكال المتنوعة من التعاون السري بين محطات الوقود في الصناعة النفطية، لتنافست على تقديم أرخص سعر ممكن، واضطررت إلى التجول في شوارع المدينة كلها بحثا عن أرخص سعر، وهذا يهدر كثيرا من الوقود
لتفكر أيضًا في الضرر الذي يحدث لبلدان العالم النامي. الأغنيات التي يمكن تحميلها على أجهزة (MP3) الرخيصة المستوردة من الولايات المتحدة سوف تؤثر في كل فرقة موسيقية في البيرو وتدفعها إلى الإفلاس وتخرجها من الميدان، إضافة إلى ذلك كله، تتطلب بعض الوظائف حماية لضمان أدائها ضمن المجتمعات المحلية، وظيفتي هي ابتكار الملاحظات الساخرة والدعايات الهازلة والتعليقات العابثة، لكن هناك شخص في مومباي، أكثر شبابا وذكاء وهزلا، على استعداد لأداء مهمات وظيفتي بأجر أقل. ومن ثم يمكنه أن يؤديها بعقد من الباطن لكنه يختار الدعابات التي يريدها وفقا لمزاجه. فمن يؤنب زوجتي وينتقدها؟ ومن الذي ستتهمه حماتي بأنه أهانها بدعاباته؟ ومن الذي سيتجنب لسانه أصدقائي؟
ربما يستطيع هذا الشاب المجهول، على بعد عشرة آلاف ميل. أن يجمع بروح الدعابة التي يتمتع بها، ربما يكتب الآن، مثلا، تلك المقالة المسلية التي أكتبها مرة في السنة عن المعاناة والمشقة واللحظات الإنسانية النبيلة للأطفال الذي يؤخذون الزيارة مانهاتن في عطلة عيد الميلاد حيث يحاصرون خلف الواجهات الزجاجية للمتاجر متعددة الأقسام، ويدفعون دفعا تحت شجرة عيد الميلاد المنتصبة عند مركز روكفلر، ويتعرضون للاصطدام والسقوط في حلقة التزلج في سنترال بارك المكتظة بالأوروبيين واليابانيين والأمريكيين القادمين من مناطق الغرب الأوسط.
من أجل المحاسبة والمساءلة، والحساسية تجاه اللغة المزعجة والمسؤولية الاجتماعية تجاه الأشياء كلها، يحتاج حديثي عن التدفق الحر للسلع والخدمات، الذي أشار إليه آدم سميث، إلى مصاحبة تهديد بتدفق سيل آخر على الأقل رمي أحد المستنكرين لما أقول بمحتويات كأس الشراب في وجهي.
ثم هنالك مسألة السلع والخدمات - الناتج المحلي الإجمالي الذي كتب عنه آدم سميث. أنا محلي إلى أقصى حد كغيري. لكن أين الناتج؟ كيف حدث وتدفقت السلع والخدمات كلها خارجة من حسابي المصرفي بدلا من التدفق إليه؟ أعرف بالطبع أن المال لا يمثل القيمة الحقيقية، بل هو الحب وحسابي المصرفي متخم بالحب، وسوف أصرفه من هناك. وإذا كان المال لا يهم، فلماذا بقي ألان غرينسيان شخصية نافذة ومهمة ومؤثرة على مدى تلك السنين؟ هل كان يذهب إلى مكتبه ليحل الكلمات المتقاطعة طوال اليوم؟
في الحقيقة، لا يأخذ أحد منا بديهيات آدم سميت بوصفها حقائق راسخة لا تحتمل النقاش على الأقل إلى أن تقدم لنا مكاسب ضخمة، ورواتب هائلة، وعلاوات مغرية عند نهاية السنة نتيجة تحرر الأسواق من القيود والعراقيل، وانخفاض تكاليف العمل. وزيادة الإنتاجية، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي الراهنة. وعلى شاكلة ( الاتحاد الأمريكي للشغل ومؤتمر المؤسسات الصناعية)
(AFL-CIO) ، وفرنسا، ومختلف أطياف المحتجين الغاضبين في الشوارع، نخالف آدم سميث ونتشاجر معه. وإذا أردنا لهذه المشاجرة أن تكون فكرية فنحن بحاجة إلى تفحص وجهة نظر آدم سميث واستقصائها بكليتها. فكتاب ( ثروة الأمم) يمارس تأثيراً مهماً في عالم اليوم، مثلما اعتاد أفراد جيلي القول عنه في عالم الأمس.
