القائمة الرئيسية

كتاب قول الأكاذيب (1-2)

كتاب قول الأكاذيب (1-2)
ملخص المقال

يتحدث الفصل الأول عن موضوع الكذب وتأثيره على العلاقات الإنسانية والسياسية من خلال سرد تجربتين بارزتين: خداع هتلر لتشامبرلين، وكذبة ماري على طبيبها. في الحالة الأولى، يستعرض النص كيف نجح هتلر بفضل مهارته في التلاعب وخداع تشامبرلين الذي كان يرغب في تصديق وعوده، مما أدى إلى تبعات سياسية خطيرة. أما في حالة ماري، فقد استخدمت الكذب للتظاهر بتحسن حالتها النفسية، ما أثار تساؤلات حول إمكانية كشف الأكاذيب من خلال القرائن غير اللفظية مثل تعابير الوجه والإيماءات. يبرز النص أن الكذب سمة أساسية في الحياة، وأن فهمه ضروري لتقييم العلاقات المختلفة، مؤكداً أن كشف الكذب يتطلب أدوات وتحليلات دقيقة بعيداً عن الأحكام المطلقة.

في 15/9/1938، حيث واحدة من أكثر الخدع الشهيرة والقاتلة على وشك الحدوث. اجتمع آنذاك مستشار ألمانيا أدولف هتلر ورئيس وزراء بريطانيا العظمى نيفيل تشامبرلين أول مرة، في حين كان العالم يراقب اللقاء راجياً الأمل الأخير لتجنب حرب عالمية أخرى. فقد تقدمت قوات هتلر قبل ستة أشهر إلى النمسا لاحتلالها وضمها إلى ألمانيا، وفي الطرف الآخر، التزمت كل من إنجلترا وفرنسا الحياد مكتفيتين بالاحتجاج فقط ففي الشهر نفسه، وقبل ثلاثة أيام من الموعد المحدد لاجتماع تشامبرلين مع هتلر، طالب الأخير بضم جزء من تشيكوسلوفاكيا إلى ألمانيا ، فاندلعت أعمال الشغب في تشيكوسلوفاكيا، وعندئذ شرع هتلر بالتعبئة القتالية للجيش الألماني سراً لمهاجمة تشيكوسلوفاكيا، ولكن الجيش لن يكون جاهزاً قبل نهاية شهر أيلول.

إذا استطاع هتلر إقناع التشيك بعدم تعبئة جيشهم بضعة أسابيع، فستكون لديه ميزة الهجوم المفاجئ. وبالمماطلة لكسب الوقت، أخفى هتلر خططه الحربية عن تشامبرلين واعداً بالمحافظة على السلام إذا لبى التشيكيون مطالبه، فانخدع تشامبرلين بذلك. وحاول إقناع التشيكيين بعدم تعبئة الجيش لأنه يرى فرصة سانحة للتفاوض مع هتلر ، ثم كتب رسالة إلى أخته بعد التقائه بهتلر ، قال فيها : على الرغم من الصلابة والقسوة التي ظننت أنني رأيتها في وجهه - يعني هتلر - فإنني شعرت أن هذا الرجل إن وعد أوفى. وبعد خمسة أيام، وفي معرض دفاعه عن سياساته ضد أولئك الذين يشكون في مصداقية وعد هتلر، ذكر تشامبرلين أن اتصالاته الشخصية مع هتلر تمكنه من القول: إنه يعني ما يقول.

عندما بدأت بدراسة الأكاذيب قبل خمسة عشر عاماً ، لم تكن لدي فكرة أن عملي سوف يرتبط بهذه الكذبة، واعتقدت أن ذلك سيكون مفيداً للذين يتعاملون مع مرضى الدماغ، فبدأت دراستي عن الكذب بعد أن طرح علي المعالج النفسي الذي كنت أخبره بنتائج دراستي (قسمات الوجه عالمية أما الإيماءات فمحدّدة بالثقافات المختلفة) سؤالاً عما إذا كانت السلوكات غير اللفظية تكشف كذب المريض  ، قد لا يكون هذا الموضوع عادة ذا أهمية، ولكنه يصبح كذلك عندما يدعي المرضى الذين يدخلون المستشفى الشفاء ليتمكنوا من الخروج ومن ثم الانتحار ، إذ يخشى كل طبيب أن يقدم المريض الذي يشرف عليه على الانتحار حال خروجه من حجز المستشفى، وقد أثار قلق الأطباء الفعلي سؤالاً جوهرياً عن التواصل الإنساني: هل يستطيع الأشخاص - حتى إن كانوا منزعجين - السيطرة على الرسائل التي تصدر عنهم؟ أو هل يشي سلوكهم غير اللفظي بما تخفيه كلماتهم؟

لقد اطلعت مرة أخرى على شرائط مصورة لمقابلات جرت مع مرضى نفسيين عن شواهد للكذب، وكنت قد أعددت هذه الأفلام لغرض آخر هو عزل التعابير والإيماءات التي قد تساعد على تشخيص شدة نوع الاضطرابات النفسية، ولأن اهتمامي الآن منصب على الخداع، أعتقد أنني رأيت دلائل على الكذب في عدد من هذه الشرائط لكن المشكلة تكمن في كيفية التأكد من ذلك. لم يكن هناك شك في أن الكذب موجود في إحدى الحالات المرضية بسبب ما حدث بعد المقابلة.

ماري ربة منزل في الثانية والأربعين من عمرها ، كانت محاولاتها الانتحارية الثلاث الأخيرة خطيرة جداً ، وقد أسعفها أحدهم مصادفة قبل أن تقضي عليها جرعة زائدة تناولتها من الحبوب المنومة. لم تكن سيرتها المرضية مختلفة كثيراً عن نساء أخريات يعانين أزمة اكتئاب منتصف العمر. كبر أطفال ماري، وهجروها ، وكان زوجها مشغولاً عنها بعمله، فشعرت أنها عديمة الفائدة. وعند إدخالها المستشفى، لم تكن قادرة على تحمل عبء الأعمال المنزلية، ولم تستطع النوم جيداً ، فكانت تجلس وحيدة باكية معظم الوقت. وقد تلقت ماري علاجاً دوائياً وآخر جماعياً في الأسابيع الثلاثة الأولى التي قضتها في المستشفى استجابت إليهما إيجابياً : فأصبحت سعيدة، ولم تعد تتحدث عن الانتحار. أخبرت ماري طبيبها في إحدى المقابلات المصورة عن مدى تحسنها، وطلبت تصريحاً لقضاء عطلة نهاية الأسبوع خارج المستشفى. إلا أنها اعترفت قبل حصولها على التصريح أنها كذبت للحصول عليه لقد عقدت العزم على الانتحار يأساً، وبعد ثلاثة أشهر أخرى قضتها في المستشفى، تماثلت إلى الشفاء حقيقة على الرغم من تعرضها لانتكاسة بعد سنة، وهي الآن وبعد مضي سنوات عدة خارج المستشفى، تبدو بصحة جيدة.

لقد خدعت المقابلة المصورة مع ماري معظم الأطباء النفسيين، وعلماء النفس الشباب وحتى كثيراً من ذوي الخبرة الذين شاهدوا عرض الشرائط المصوّرة (4). لقد درسنا المقابلات ساعات طويلة، وراجعناها مرات عدة، وتفحصنا كل إيماءة وتعبير بالعرض البطيء للكشف عن أي قرينة ممكنة لوجود خداع محتمل. في لحظة ما ، رأينا بالعرض البطيء توقف ماري قبل إجابتها عن سؤال طبيبها عن خططها المستقبلية، وتعبيراً خاطفاً على وجهها يدل على تمكن القنوط منها ، لكن التعبير كان خاطفاً، لدرجة أننا لم نلحظه في المرات الأولى التي تفحصنا فيها الشريط نفسه. وحال معرفتنا أن العاطفة المخفية قد تكون واضحة في هذه التعابير الخاطفة والدقيقة، أجرينا مزيداً من البحث، فوجدنا كثيراً منها كانت تغطيها عادة ابتسامة عابرة سريعة، علاوة على ذلك لاحظنا إيماءة دقيقة عندما كانت ماري تشرح للطبيب عن مدى قدرتها على التعامل مع مشكلاتها. وقد أظهرت ماري أحياناً هزة كتف جزئية لا كلية؛ حيث كانت تهز يداً واحدة وتديرها قليلاً ، أو ربما تكون يداها ثابتتين، ولكن هناك رفعة لحظية لإحدى كتفيها .

لقد اعتقدنا أننا لاحظنا قرائن غير لفظية أخرى على الخداع، ولكننا لم نستطع التأكد ما إذا كنا اكتشفناها أو تخيلناها. يبدو السلوك البريء تماماً مشبوهاً إذا كنت تعرف أن أحدهم قد كذب من قبل، ولا تستطيع أي وسيلة أخرى اختبار ما وجدنا إلا المقاييس الموضوعية غير الذاتية لمعرفة ما إذا كان الشخص كاذباً أو صادقاً. لذا، كان لزاماً علينا الحصول على دراسات لعدد أكبر من الأشخاص كي نكون على يقين من أن ملاحظاتنا عن قرائن الخداع التي وجدناها ليست ذاتية. علاوة على أن ما يسهل عملية كشف الكذب أن تكون السلوكات التي تكشف الخداع واضحة عندما يكذب شخص آخر، ولكن قد تكون علامات الخداع خاصة لكل شخص، لقد صممنا تجربة على غرار كذبة ماري، يُحفز فيها الأشخاص الذين يخضعون للتجربة كثيراً لإخفاء العواطف السلبية الشديدة التي تنتابهم في لحظة الكذب، كان على هؤلاء الأشخاص إخفاء مشاعر الحزن والألم، والكره في أثناء مشاهدة فيلم مزعج جداً يعرض مشاهد دموية، فضلاً على أنه ينبغي لهم إقناع الشخص الذي يقابلهم، والذي لم يشاهد الشريط، أنهم كانوا يستمتعون بمشاهدة فيلم عن الأزهار الجميلة هذه النتائج سوف نتحدث عنها في الفصلين الرابع والخامس).

بعد مضي أقل من سنة، وعندما كنا في المراحل الأولى من تجاربنا بشأن الكذب استدعاني أشخاص يهتمون بنوع آخر من الأكاذيب هل يمكن استخدام استنتاجات البحوث التي أجريتها أو الأدوات المستخدمة في القبض على الأمريكان المشتبه بهم أنهم جواسيس؟ وبعد نشرنا بسنوات النتائج بحوث القرائن السلوكية على الخداع بين المريض والطبيب في المجلات العلمية، انهالت الاستفسارات تباعاً : ماذا عن تدريب الأشخاص الذين يتولون حراسة موظفي مجلس الوزراء ليتمكنوا من القبض على الإرهابيين الذين ينوون القيام بعمليات اغتيال من طريقة سيرهم، أو الإيماءات الصادرة عنهم. هل يمكننا تعليم أفراد مكتب التحقيق الاتحادي الفيدرالي) كيفية تدريب أفراد الشرطة على كشف الكذب بصورة أفضل؟ لم أعد أتفاجأ عند سؤالي عن إمكان مساعدة المفاوضين في كشف كذب خصومهم، أو ما إذا كنت أستطيع الحكم على صورة باتريشيا هيرست التي التقطت عند مشاركتها في السطو على بنك، بحيث تدان أو تبراً.

حظي موضوع كشف الكذب في السنوات الخمس الأخيرة، باهتمام عالمي اتصل بي ممثلا دولتين صديقتين للولايات المتحدة للاطلاع على البحوث في هذا الشأن. وقد حاضرت في الاتحاد السوفيتي بمسؤولين قالوا إنهم من المعهد الكهربائي، وإنهم مسؤولون عن استجواب المتهمين.

لم أكن مسروراً بهذا الاهتمام، وخشيت أن يساء استخدام استنتاجاتي وقبولها دون تمحيص أو ترو، لقد شعرت بالحدس فقط أن قرائن الخداع غير اللفظية لن تكون واضحة في الغالب عند معظم المجرمين، أو السياسيين، أو ممثلي الدول ( الدبلوماسيين). وعندما سئلت عن السبب عجزت عن التفسير. وكي أتمكن من تفسير ذلك، كان علي أن أتعلم لماذا يخطئ الأشخاص عندما يكذبون. ليست الأكاذيب جميعها غير مصدقة، فبعضها ينطلي على الآخرين بنجاح. وليس بالضرورة أن تكون هناك قرائن سلوكية على الخداع كتعبير يحتفظ فيه لمدة طويلة على الوجه، أو إيماءة عابرة، أو تغير أني في الصوت. ليس بالضرورة أن تكون هناك علامات واضحة تفضح الكاذب. ومع ذلك، فقد علمت باحتمال وجود قرائن على الخداع. قد يفضح أكثر الكاذبين حنكة سلوكه الشخصي، وكي نعرف متى ينجح الكاذبون ومتى يخفقون، وكيف يمكن إيجاد قرائن الخداع، ومتى لا تكون المحاولة ناجحة يتعين معرفة كيفية اختلاف الأكاذيب، والكذابين، ومكتشفي الكذب.

تنطوي كذبة كل من هتلر على تشامبرلين، وماري على طبيبها على خدعة خطيرة وقاتلة كانت فيها المجازفة هي الحياة عينها ، لقد أخفى الإثنان نيات مستقبلية، وادعى كلاهما وجود عاطفة لم يشعرا أنها جزء رئيس من كذبهما ، ولكن الفروق بين الكذبتين كبيرة جداً : هتلر ممثل بطبعه لقد كان أكثر تمرساً في الخداع من ماري، إضافة إلى مهاراته المتأصلة. حصل هتلر أيضاً على ميزة خداع شخص أراد أن يُضلل؛ حيث كان تشامبرلين ضحية مستعدة للتضليل تريد تصديق كذبة هتلر بعدم التخطيط للحرب ، لو أمكن إعادة رسم حدود تشيكوسلوفاكيا للوفاء بمتطلباته.

كان على تشامبرلين الاعتراف أن سياسته الهادفة إلى منع نشوب الحرب قد فشلت وأضعفت بلاده أيضاً، وعلى صعيد ذي صلة، أشارت العالمة السياسية روبرتا ويلستتر إلى هذه النقطة في تحليلها للخداع في سباقات التسلح، وفي مناقشة اختراقات ألمانيا للاتفاقية البحرية الأنجلو ألمانية في 1936م قالت . . يجب على المخادع والمخدوع السماح للخطأ بالاستمرار، وأن كلا منهما يحتاج إلى إيهام نفسه أن الاتفاقية ستنفذ ، لقد أدى الخوف البريطاني من سباق التسلح الذي تلاعب فيه هتلر ببراعة إلى الاتفاقية البحرية التي نقح فيها البريطانيون ضمنياً معاهدة فرساي دون استشارة الفرنسيين أو الإيطاليين). أما خوف لندن من سباق التسلح، فقد منعها من تعرف الانتهاكات، والاعتراف بها في الاتفاقية الجديدة .

يتغاضى المتلقي في كثير من الخدع عن أخطاء الكاذب، فيفسر السلوك الغامض تفسيراً إيجابياً، ويساعد المتلقي المتواطى على المحافظة على الكذبة لتجنب العواقب الوخيمة في عدم الكشف عنها ، وقد يتغاضى الديوث عن علاقات زوجته العاطفية خشية افتضاح الأمر وحصول الطلاق، حتى وإن اعترف الزوج بخيانة زوجته بينه وبين نفسه فقد يخفي هذا الاعتراف لتجنب اضطراره إلى إظهار معرفته أمامها، أو لتجنب المواجهة. وطالما لم يذكر الزوج شيئاً عن خيانتها ، يظل لديه بريق أمل خافت في إخفائها ، وأنه ربما قد يكون أخطأ الحكم عليها، وأنها ليست على علاقة غرامية مشبوهة.

لا يعد الضحايا جميعهم راغبين في خداعهم. وفي بعض الأحيان، ليس هناك ما يمكن كسبه من تجاهل الكذب أو التواطؤ معه. يحقق بعض مكتشفي الكذب مكاسب من خلال كشف الكذب فقط، وإذا كشفوا كذبة ما ، فإنهم لا يخسرون شيئاً: فمحقق الشرطة يخسر إذا انطلت عليه الكذبة، وكذلك موظف القروض في المصرف بالمقابل، يقوم كلاهما بعمله على خير وجه من خلال كشف الكاذب ومعرفة الصادق فقط، وغالباً ما يكسب المتلقي ويخسر عندما يُضلّل، أو من خلال كشف الكذبة، ولكن قد لا يكون الكسب والخسارة متوازنين.

طبيب ماري لديه مخاطرة بسيطة في تصديق كذبتها ، وإذا تخلصت ماري من الاكتئاب، فقد يحصل الطبيب على بعض الفضل لتأثيره في شفائها، أما إذا لم تتماثل للشفاء تماماً، فإنه لا يتحمل من جراء ذلك خسارة كبيرة. وعلى عكس تشامبرلين، لم تكن مهنة الطبيب برمتها على تلك الدرجة من الخطورة، فهو لم يلزم نفسه علنا، على الرغم من وجود تحد لذلك، بحكم يمكن أن يثبت خطأه لو أنه كشف كذبتها ، ولكنه يخسر كثيراً إذا خُدع أكثر مما يكسبه لو أنه كان صادقاً. في عام 1938 ، كان الوقت متأخراً جداً بالنسبة إلى تشامبرلين لو أن هتلر غير جدير بالثقة، ولو لم تكن هناك طريقة لإيقاف عدوانه الحربي وسيخسر تشامبرلين منصبه، وتنشب الحرب التي اعتقد أنه يمكن منعها.

وبمعزل عن دوافع تشامبرلين في تصديق هتلر ، يرجح أن تنطلي الكذبة بسبب عدم وجود مشاعر قوية لإخفائها، حيث تفشل الأكاذيب في الغالب بسبب تسرب بعض علامات العاطفة المخفية، فكلما كانت العاطفة المرتبطة بالكذب أقوى، ازداد عدد العواطف المختلفة، ويصبح احتمال افتضاح الكذب من خلال بعض صور التسرب السلوكي أكبر، لم يشعر هتلر بالذنب بالتأكيد، وهذا نوع من العاطفة يسبب إشكالية مضاعفة للكاذب، حيث لا تشي علامات كثيرة على وجوده فقط، ولكن عذابه بسبب شعوره بالذنب يدفعه لاقتراف الأخطاء التي توقع به. لن يشعر هتلر بالذنب تجاه الكذب على ممثل البلد الذي هزمت ألمانيا في عهده هزيمة عسكرية مهينة، وعلى عكس ماري، لا يوجد لدى هتلر قيم اجتماعية مشتركة مع ضحيته؛ فهو لا يحترمه، ولا يبدي إعجاباً بشخصيته، أما ماري فكان عليها إخفاء مشاعر قوية كي تنجح في تمرير كذبتها ، كان عليها إخفاء اليأس والكرب اللذين يحفزان رغبتها في الانتحار، وكانت لديها أيضاً الأسباب جميعها لتشعر بالذنب بسبب كذبها على طبيبها ؛ إنها تكن له الاحترام والتقدير والإعجاب كيف لا وهو يقدم لها يد العون والمساعدة.

ولكل هذه الأسباب وأكثر ، سيكون من الأسهل كشف القرائن السلوكية للخداع لدى المرضى الذين يميلون إلى الانتحار، أو كشف الزوج أو الزوجة الكاذبين أكثر من كشف كذب ممثل دولة (دبلوماسي) ما أو عميل مزدوج معين.

 ليس كل ممثل دولة أو مجرم أو عميل مخابرات كاذباً ماهراً؛ إذ قد يقترف أخطاء أحياناً. يسمح التحليل الذي أجريته لأي شخص من تقدير فرص التمكن من اكتشاف القرائن الدالة على الخداع أو التضليل، ورسالتي للمهتمين بكشف الأكاذيب السياسية أو الإجرامية لا تكمن في تجاهل القرائن السلوكية، بل في الحذر الشديد، وإدراك المحاذير والفرص أكثر.

على الرغم من وجود بعض القرائن السلوكية على الخداع، فإنها لم تثبت حتى الآن. يتوافق تحليلي لكيفية كذب الأشخاص، ولماذا يكذبون، ومتى تفشل الأكاذيب، مع أدلة التجارب التي جرت على الكذب، ومع التفسيرات التاريخية والخيالية، ولكن لم يكن هناك وقت لمعرفة مدى صحتها أمام مزيد من التجارب والجدال الدقيق. لذا، قررت عدم انتظار الإجابات من أجل نشر هذا الكتاب؛ لأن الذين يحاولون اقتناص الكاذبين لن ينتظروا أكثر . فحينما كانت أخطار الأخطاء مرتفعة، بذلت المحاولات للكشف عن قرائن الخداع غير اللفظية. ويقدم «الخبراء غير الضليعين بمعرفة القرائن والحجج جميعها خدماتهم على أنهم مكتشفو كذب في اختيارات هيئة المحلفين والمقابلات الوظيفية، فضلاً على أنه يتم إعلام بعض أفراد الشرطة وكاشفي الكذب المحترفين الذين يستخدمون مكشاف الكذب (البوليغراف) عن قرائن الخداع غير اللفظية، ومن الجدير ذكره أن نصف المعلومات الموجودة في مواد التدريب التي اطلعت عليها غير صحيحة. يحضر موظفو المكوس دورات خاصة في الكشف عن القرائن غير اللفظية المرتبطة بالتهريب، وقد علمت أنهم يوظفون ما توصلت إليه في تدريبهم، وعلى الرغم من استفساراتي المتكررة لرؤية مواد التدريب، فإنني لم أسمع سوى سنتحدث بشأنها في الحال. ولكن دون جدوى. علاوة على أن من المستحيل معرفة ما تقوم به وكالات الاستخبارات؛ لأن أعمالها سرية، وأعلم أنهم مهتمون بالكشف عن الكذب بسبب استدعائي من قبل وزارة الدفاع قبل ست سنوات لأشرح الفرص والأخطار المرتبطة بعملي، ومنذ ذلك الحين، سمعت شائعات تشير إلى أن العمل لا يزال مستمراً ، وقد عرفت بعض أسماء الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا متورطين بذلك.

لم يرد على رسائلي، أو أنهم اعتذروا عن عدم إعطائي أي معلومات. وما يقلقني هو فهم الخبراء الذين لا يجادلهم أحد من العامة، والنقاد المولعين بانتقاد المجتمع العلمي. يهدف هذا الكتاب بيان وجهة نظري حيال الأخطار والفرص المرتبطة بالمشروع لأولئك الخبراء ومن يعملون لديهم.

لا يكمن هدفي من هذا الكتاب مخاطبة أولئك المعنيين بالخدع القاتلة فقط؛ لأنني أعتقد أن فحص كيفية كذب الأشخاص وصدقهم قد يساعد على فهم كثير من العلاقات الإنسانية. إذ إن هناك عدداً قليلاً فقط من الأشخاص لا يتورطون بالخداع أو إمكان الخداع في الأقل، فقد يكذب الأهل على أطفالهم بشأن الجنس لتجنيبهم معرفة ما يعتقدون أن أولادهم غير مستعدين له لحداثة سنهم، وبالمقابل، يكذب المراهقون على ذويهم لإخفاء مغامراتهم العاطفية؛ لأن الأهل لن يفهموها ، وقد يحدث الكذب بين الأصدقاء (حتى أعزّ الأصدقاء يخفي عنك شيئاً ما)، والطلاب ومعلميهم، والطبيب ومريضه، والزوج وزوجه والشاهد وهيئة المحلفين، والمحامي والزبون، وبين مندوب المبيعات والعميل.

إن الكذب سمة رئيسة في الحياة، ويرتبط فهمه بصورة أفضل بالعلاقات البشرية جميعها. قد يرتعد بعضهم من هذه الحقيقة؛ لأنهم يرون الكذب خلقاً ذميماً، ولكني لا أشاطرهم هذا الرأي، من السهل القول بعدم وجوب كذب أي شخص في أي علاقة بالإضافة إلى أنني لا أفترض وجوب تعرية كل كذبة. آن لانديرز كاتبة عمود نصائح في مجلة كل الحق، تنصح قراءها بالصدق بصفته هراوة توقع ألماً قاسياً . قد تكون الأكاذيب قاسية أيضاً، لكن ليست جميعها كذلك، فبعض الأكاذيب، وعدد أقل من الكاذبين، يدعون ذلك إيثاراً. يتم الاستمتاع ببعض العلاقات الاجتماعية بسبب الأكاذيب التي تحرص على عدم فضحها ، ولكن على الكاذب عدم الافتراض أن المتلقي يرغب في التضليل، وعلى كاشفي الكذب أيضاً عدم الكشف عن الأكاذيب جميعها ؛ فبعض الأكاذيب غير ضارة، وقد تكون إنسانية، إضافة إلى أن افتضاح الكذب قد يلحق المهانة بالكاذب أو بطرف آخر. ولكن لا بد من النظر في جميع ما سبق بمزيد من التفصيل، بعد مناقشة موضوعات أخرى عدة. إن نقطة انطلاقنا في هذا الكتاب هي تعريف الكذب، ووصف صورتيه الأساسيتين الإخفاء والتزوير، ونوعي قرائن الخداع التسرب ودليل الخداع.

 

مقالات ذات صلة