القسم الثاني: كيف تشكل المحركات السياقية تطور الحق في التعليم
يتوقف تطور الحق في التعليم على قوى خارجية في المشهد العالمي، تولّد ضغوطاً متباينة على التعليم كي يظل ملائماً وقادراً على الصمود. فمن التحولات الديموغرافية إلى الطبيعة المتغيرة لعالم العمل، ومن التقدم التكنولوجي إلى الديناميات الجيوسياسية والتنقل البشري، يتغير العالم بوتيرة غير مسبوقة. ويتناول هذا القسم بعض هذه المحركات السياقية، وينظر في التغيرات المنهجية الجارية داخل التعليم، مثل تطور دور المعلم وصعود الجهات الخاصة في ميدان التعليم، ويبحث في التحديات التي تطرحها على حماية الحق في التعليم وإعماله.
أولاً: التحولات الديموغرافية
يتطلب بناء نظام تعليمي يكفل بفاعلية الحق في التعليم مدى الحياة فهماً واضحاً للتغيرات الديموغرافية التي تعيد تشكيل العالم بالفعل. ومع أن النمو السكاني العالمي معروف منذ أمد بعيد، فإن التوقعات الحديثة تقدم صورة أكثر توازناً لما ينتظرنا. ففي عام 2024 بلغ عدد سكان العالم 8.3 مليارات نسمة، ويتوقع أن يبلغ ذروته عند نحو 10.3 مليارات نسمة في منتصف ثمانينيات هذا القرن. ويؤكد هذا المسار الحاجة إلى نظم تعليمية مهيأة جيداً، لا لتوسيع طاقتها الاستيعابية فحسب، بل للاستجابة أيضاً للتحديات المتشابكة الناجمة عن الضغط السكاني والإجهاد البيئي. ويتعين أن يؤدي التعليم دوراً محورياً في إعداد الأفراد ليكونوا مواطنين واعين ومسؤولين، قادرين على التصدي لتحديات عالمية معقدة مثل تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي والاضطرابات الأوسع.
وتعني التحولات الديموغرافية كذلك ضرورة دراسة التغيرات السكانية في كل مرحلة عمرية. ففي جميع أنحاء العالم تقريباً يتوقع أن تتراجع نسبة الأطفال بين السكان. غير أنه بحلول منتصف خمسينيات هذا القرن، سيعيش أكثر من ثلث أطفال العالم في أربعة بلدان هي الصين والهند ونيجيريا وباكستان، وستضم عشرة بلدان فقط نصف أطفال العالم. وفي البلدان التي تشهد تراجعاً في معدلات الخصوبة وانخفاضاً في نسبة الأطفال، تتاح إمكانية زيادة الاستثمار لكل طفل وتحسين جودة التعليم، مع دعم إعادة تأهيل الكبار ورفع مهاراتهم. ومن الضروري أن يظل تعليم الأطفال وتوفير فرص التعلم مدى الحياة للجميع أولوية سياسية وأولوية في الميزانية، وأن توضع ضمانات تحول دون خفض التمويل أو إهمال هذا الحق الأساسي.
وستشهد بعض البلدان ما يعرف باسم "تضخم الشباب"، وهو وضع ديموغرافي تقع فيه نسبة كبيرة من السكان في الفئة العمرية بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين. ويبرز هذا الاتجاه غالباً في البلدان النامية التي تتراجع فيها وفيات الرضع بينما تظل معدلات الخصوبة مرتفعة. وتمر هذه الأفواج الشبابية الكبيرة بمرحلة الانتقال من التعليم الأساسي إلى المستويين الثانوي والعالي، مما يتطلب توسيع الوصول إلى فرص التعلم في هذين المستويين ودعم اندماجهم الناجح في سوق العمل. ومن الأهمية بمكان أن تستعد البلدان ذات النمو المرتفع للاستثمار الآن في المعلمين والبنية التحتية والبرامج المهنية والسياسات الشاملة للشباب المهمشين والهشين، لكي تتحول هذه الموجة الديموغرافية إلى عائد ديموغرافي وقوة دافعة للنمو الاقتصادي والتنمية.
وفي الوقت ذاته، تواجه مناطق كثيرة شيخوخة سكانية لها آثار كبيرة على الحق في التعليم على امتداد العمر. فشيخوخة السكان قد تؤدي إلى ارتفاع نسبة الإعالة، التي تحسب بعدد الأطفال وكبار السن نسبةً إلى السكان في سن العمل. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيكون عدد السكان في سن العمل في بلدانها قد انخفض بنسبة 8% بحلول عام 2060. وفي المقابل، يتوقع أن تنخفض نسب الإعالة في مناطق مثل غرب ووسط أفريقيا وشرق وجنوب أفريقيا بين عامي 2025 و2050، مما يتيح إمكانية جني عائد ديموغرافي.
وفي المجتمعات التي تشيخ، يكتسب التعلم مدى الحياة أهمية كبيرة. فالحق في التعليم لم يعد مرتبطاً أساساً باكتساب المهارات المهنية، بل بات يشمل على نحو متزايد التعلم لذاته، وفرصة اكتساب المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة لمن لم تتح لهم في مراحل سابقة من حياتهم. ويرتبط التعلم في الشيخوخة ارتباطاً وثيقاً بالحقوق في الصحة والثقافة والمعلومات، ويبتعد عن الضغط المجتمعي المتعلق بالإنتاجية.
فالانخراط في التعلم يساعد كبار السن على البقاء نشطين وأصحاء، والحفاظ على قدراتهم المعرفية واستقلاليتهم. وكما تشير منظمة الصحة العالمية، فإن الاستقلالية مكون أساسي من مكونات رفاه المسنين، وتعتمد اعتماداً كبيراً على الوصول إلى الخدمات، كالتعليم والمهارات الحياتية، التي تتيح للناس أن يشيخوا بكرامة ونزاهة. وتدعم المشاركة في التعلم الرفاه النفسي والعاطفي لكبار السن، ولا سيما من يعيشون منهم في أوضاع هشة. فضلاً عن ذلك، إذا ظل كبار السن نشطين ومنخرطين في التعلم، فإنهم يستطيعون إثراء المجتمع والاقتصاد بمهاراتهم وخبراتهم.
الإطار 5: التعلم بين الأجيال
تتيح هذه التحولات الديموغرافية فرصاً مهمة للتعلم بين الأجيال. وهذا الشكل من التعلم تبادلي؛ إذ يتيح لكبار السن، كالآباء والأجداد والشيوخ والمتقاعدين، الانخراط في أنشطة التعليم أو الإرشاد أو التعلم المشترك، ويفسح في الوقت نفسه المجال للأجيال الأصغر لنقل مهارات قد يفتقر إليها كبار السن، ولا سيما في مجالات مثل محو الأمية الرقمية.
ومن الأمثلة على هذا النهج ما عرضته البرتغال خلال المشاورة الحادية عشرة بشأن الاتفاقية والتوصية الخاصتين بمكافحة التمييز في مجال التعليم. إذ يتيح برنامج "الأكاديمية الرقمية لأولياء الأمور" لآباء الطلاب في التعليمين الأساسي والثانوي وأولياء أمورهم حضور دورات تدريبية تركز على المهارات الرقمية. وتتحول المدارس إلى مراكز للتعلم بين الأجيال، يتطوع فيها الطلاب لدعم المتعلمين الكبار، مما يعزز الروابط بين الأسر والمجتمع المدرسي. ولدعم التنفيذ، تزود المدارس بحقائب تتضمن مواد لثلاث دورات تدريبية: المهارات الرقمية الأساسية، والسلامة الرقمية، والمواطنة والمستهلك الرقمي.
ومن الاتجاهات الديموغرافية الأخرى المرشحة للاستمرار التحضر. ففي عام 2018 كان 55% من سكان العالم يعيشون في المناطق الحضرية، ويتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 68% بحلول عام 2050. وقد يؤدي اجتماع التحول الواضح من الحياة الريفية إلى الحياة الحضرية مع النمو السكاني العام إلى إضافة 2.5 مليار شخص إلى سكان المناطق الحضرية بحلول منتصف القرن، يتركز معظمهم في آسيا وأفريقيا. ولهذا الاتجاه آثار كبيرة على الحق في التعليم. فمن حيث المبدأ، ينبغي أن تيسر البيئات الحضرية على الحكومات تقديم التعليم والخدمات الأساسية بفضل الكثافة السكانية وتركز البنية التحتية. غير أن الواقع أكثر تعقيداً؛ إذ كثيراً ما يرافق التحضر السريع تزايد المستوطنات العشوائية والأحياء الفقيرة الهشة، حيث لا يكون الوصول إلى التعليم، ولا إلى المياه والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، مضموناً على الإطلاق.
وقد عاش معظم البشر عبر التاريخ في مجتمعات صغيرة متماسكة. أما النمو الحضري السريع غير المخطط فقد يضعف الأشكال التقليدية للترابط المجتمعي. فضلاً عن ذلك، قد يتعرض الأطفال والكبار في المناطق الحضرية لبيئات غير آمنة وللعنف. ويمكن أن يولد الشعور بالمجهولية والتفكك الاجتماعي الوحدة والإقصاء، مما يؤكد ضرورة أن تكون المدارس وغيرها من فضاءات التعلم ركائز أساسية للمجتمع تعزز الإدماج الاجتماعي والتماسك.
وفي المقابل، يواجه المتعلمون في المناطق الريفية مجموعة مختلفة من التحديات تجلت بوضوح خلال جائحة كوفيد 19، حين عانى الطلاب المحرومون، ولا سيما في المناطق النائية، خسائر تعلم غير متناسبة. فقد ضخمت الجائحة أوجه عدم الإنصاف القائمة في الوصول والجودة. ومع تزايد رقمنة التعليم، أفادت بلدان كثيرة بمواجهتها صعوبات في ضمان الوصول الكافي إلى الكهرباء والإنترنت والأجهزة، مما وسع الهوة التعليمية بين سكان الحضر وسكان الريف.
أصوات أولياء الأمور (عضو في جمعية "الأمهات مهمات")
"لا ينبغي للتعليم الأفريقي أن يختار بين التقاليد والحداثة، بل أن يتعلم كيف يوائم بينهما. فمن شأن هذا التوليف أن يتيح بناء نظام تعليمي مستدام وشامل وفيّ لواقع القارة، يصالح أفريقيا مع ذاتها ويؤكد في الوقت نفسه مشروعية مساراتها الخاصة نحو التنمية البشرية. وتتطلب التحديات التعليمية المعاصرة إعادة الاعتبار للمعارف التلقينية والتقاليد الثقافية، لا بوصفها بقايا من الماضي، بل بوصفها روافع لبناء مستقبل مشترك. وهذا التعليم المتجذر والكوني في غاياته معاً يشكل أساساً لا غنى عنه لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين." منظمة أجاد غير الحكومية (مترجم عن الفرنسية).
وتمثل الهجرة اتجاهاً حاسماً آخر يشكل النظم التعليمية. فوفقاً لتقرير الهجرة في العالم لعام 2024 الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة، ازداد عدد المهاجرين الدوليين باطراد خلال العقود الخمسة الماضية، وبات واحد من كل ثلاثين شخصاً في العالم يصنف مهاجراً. غير أن معظم حالات النزوح تحدث داخل الحدود الوطنية؛ ففي نهاية عام 2024 بلغ عدد النازحين داخلياً 83.4 مليون شخص، ارتفاعاً من 75.9 مليوناً عام 2023. ويتوقع أن تواصل النزاعات والكوارث وتغير المناخ دفع النزوح الداخلي والعابر للحدود.
وتؤدي زيادة الهجرة الداخلية والدولية إلى فصول دراسية أكثر تنوعاً تضم طيفاً واسعاً من اللغات والثقافات والأديان والتجارب الحياتية، وقد تكون كذلك مصدراً لصدمات عميقة. ولصون الحق في التعليم في هذا السياق، تعد أصول التدريس الشاملة ضرورية لضمان الإنصاف والشعور بالانتماء معاً. وثمة حاجة إلى تدابير مثل إزالة العوائق الإدارية، وتوفير الدعم اللغوي والفصول العلاجية، وتأهيل المربين، لتلبية الاحتياجات المتنوعة للمتعلمين. ومن المشجع أنه في المشاورة الحادية عشرة بشأن اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم، أشار 47 بلداً من أصل 92 بلداً قدمت تقاريرها إلى أن المعلمين يتلقون تدريباً خاصاً على إدماج المتعلمين النازحين، وأفاد 70 بلداً من أصل 92 بتطبيق سياسات تعليمية متعددة اللغات والثقافات.
ثانياً: اضطراب عالم العمل
يمر عالم العمل بتحول عميق. فالاضطراب التكنولوجي، بما في ذلك صعود الذكاء الاصطناعي والأتمتة، والتحول الأخضر، والتشرذم الجيوسياسي، والتقلب الاقتصادي، والتحولات الديموغرافية، كلها عوامل تعيد تعريف أسواق العمل وتعيد تشكيل المهارات اللازمة للمشاركة الكاملة في المجتمع.
ومن بين هذه المحركات، ربما يكون التغير التكنولوجي هو الأكثر إحداثاً للاضطراب؛ إذ يتوقع أن يؤثر الذكاء الاصطناعي والأتمتة في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد تقريباً، مع تعرض ما يصل إلى وظيفة من كل أربع وظائف على مستوى العالم للخطر بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتعرض الوظائف المكتبية بصفة خاصة. غير أن هذه التكنولوجيات لا تقتصر على إزاحة المهام، بل تخلق أدواراً جديدة كذلك. فمحو الأمية الرقمية، الذي كان هامشياً فيما مضى، أصبح ضرورياً حتى في الوظائف غير التقنية، بينما يتزايد الطلب على المهارات المتقدمة مثل تحليل البيانات والبرمجة. وتبرز القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية بوصفها شرطاً مسبقاً في مختلف المهن.
أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع)
"يتطور مستقبل العمل بسرعة، لكن مناهجنا وأصول تدريسنا لا تزال متقادمة ومتمحورة حول الامتحانات. ويجب أن نبدأ في إعداد أطفالنا، ولا سيما المنحدرين من المجتمعات المنخفضة الدخل، لا بالمهارات الصلبة فحسب، بل بالمرونة النفسية والقدرة على التكيف والثقافة المناخية والتفكير الأخلاقي والمهارات الرقمية." أنوشكا سينها، مؤسسة مؤسسة أنوبام ومديرتها.
ويمثل التحول الأخضر محركاً قوياً آخر للتغيير. فالانتقال نحو اقتصادات مستدامة قد يولد عشرات الملايين من الوظائف بحلول عام 2030، بما يفوق بكثير عدد الوظائف التي ستُفقد في آسيا وأوروبا والأمريكتين. غير أنه من دون استثمار مدروس في التدريب على المهارات، تخاطر بعض المناطق بالتخلف عن الركب في معالجة عدم التوافق بين المهارات واحتياجات السوق، ولا سيما حيث لا تزال الاقتصادات معتمدة اعتماداً كبيراً على الوقود الأحفوري. ويعد إدماج المهارات الخضراء في التعليم، من المجالات التقنية كالبناء والطاقة إلى الخدمات المالية والإدارة العامة، ضرورياً لضمان أن تصبح الاستدامة فرصة شاملة لا مصدراً للإقصاء.
وتزيد الديناميات الديموغرافية والجيوسياسية من حدة هذه التحولات. فالمجتمعات التي تشيخ في أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق آسيا تشهد طلباً متزايداً على العاملين في الرعاية الصحية ورعاية المسنين، في حين تواجه أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، التي يتوقع أن تقود معظم نمو القوى العاملة العالمية بحلول منتصف القرن، تحدي تزويد سكانها الشباب بالمهارات اللازمة للاقتصادات الرقمية والذكية مناخياً. وتبين هذه الحقائق المتباينة أنه لا توجد استراتيجية مهارات واحدة تكفي، وأن التعليم يجب أن يوفر مسارات مرنة تستجيب لمتطلبات العمل المحلية وللترابط العالمي معاً.
ويعيد أصحاب العمل كذلك تعريف السمات الأساسية التي يبحثون عنها. فالتفكير التحليلي والقدرة على التكيف والقيادة والإبداع تتصدر باستمرار قائمة المهارات الأكثر تقديراً، إلى جانب محو الأمية الرقمية والخبرة التقنية. ويتمثل التحدي أمام التعليم في تنمية هذا التكامل، بإعداد المتعلمين لا لإتقان التكنولوجيا فحسب، بل للعمل معها بطرق تحافظ على الحكم البشري والتعاون والوعي الثقافي في عالم تتزايد أتمتته. ولهذا يغدو إدماج التعلم الاجتماعي والعاطفي في المناهج والنهج التربوية أمراً حتمياً. فهذا التعلم، الذي يشمل الوعي العاطفي وتنظيم الانفعالات والتعاطف ومهارات التواصل مع الآخرين والتفكير الأخلاقي والمرونة النفسية، يعزز قدرة المتعلمين على الانخراط بصورة هادفة ومتكيفة ومسؤولة في البيئات المهنية والاجتماعية المعقدة. كما ينمي المهارات الإنسانية التي يقوم عليها العمل الجماعي الفعال والقيادة والتعلم المهني مدى الحياة.
ولهذه التغيرات آثار عميقة على الحق في التعليم. فالنموذج القائم على تعليم مدرسي يقدم مرة واحدة في مقتبل العمر لم يعد كافياً. ويجب أن يكون التعليم مكفولاً على امتداد العمر، بما يمكّن الناس من إعادة التأهيل ورفع المهارات مع تطور القطاعات. ويعد الاعتراف بالتعلم غير النظامي والعرضي واعتماده، بما في ذلك المهارات المكتسبة في أماكن العمل والمجتمعات المحلية، أمراً أساسياً لإتاحة أشكال ومسارات تعلم متعددة ومرنة خارج المدرسة، وفقاً للتوصيات الواردة في توصية تعلم الكبار وتعليمهم لعام 2015. وتطبق بلدان كثيرة اليوم أطراً وطنية للمؤهلات ترفع التعلم المهني وغير النظامي والعرضي إلى مستوى المؤهلات، في حين تقنن بلدان أخرى، مثل فرنسا والنرويج وكندا، الحقوق القانونية في التحقق من التعلم القائم على الخبرة.
وإجمالاً، تبين هذه التحولات بوضوح أن مستقبل العمل يمثل تحدياً وفرصة في آن واحد. ومن ثم فإن نهج التعلم مدى الحياة ضروري، مع الإقرار بأن المهارات تنمى في جميع مراحل الحياة وفي بيئات متنوعة نظامية وغير نظامية وعرضية. وينبغي أن تتيح النظم مسارات مرنة لاكتساب المهارات وإعادة التأهيل ورفع المهارات، وأن تقيم المهارات المكتسبة والتعلم السابق وتعترف بقيمتها، وأن تيسر الشهادات المصغرة بطرق تعزز تمكين الأفراد والإدماج الاجتماعي والعمل اللائق والنمو الاقتصادي الشامل. وكما تؤكد منظمة العمل الدولية، فإن سياسات المهارات المنسقة مفتاح لبناء أسواق عمل قادرة على الصمود وشاملة. ومن خلال إدماج المهارات الرقمية والخضراء والإنسانية في منظومات تعلم مدى الحياة شاملة، يمكن للتعليم أن يضمن استعداد الناس من مختلف الأجيال والمناطق للتكيف والإسهام والازدهار في عالم سريع التغير. وتتجاوز بعض هذه التوجهات الحدود الوطنية، وتستدعي تعاوناً دولياً وصكوكاً معيارية أقوى.
ثالثاً: الأزمات وتغير المناخ والنزوح والتنقل البشري
ليس تزامن الأزمات أمراً جديداً، غير أن حجمها وترابطها تعمقا في القرن الحادي والعشرين. فالتهديدات القديمة المتمثلة في النزاعات المسلحة تتفاقم اليوم بفعل الآثار المتزايدة لتغير المناخ والكوارث، سواء أكانت من صنع الإنسان أم ناجمة عن مخاطر طبيعية، والجوائح. وتلقي هذه الأزمات المتداخلة مجتمعة عبئاً إضافياً على إعمال الحق في التعليم. وكثيراً ما توصف بأنها "أزمة متعددة"، إذ تتضافر هذه الصدمات المتداخلة، فتندلع النزاعات في مناطق تعاني أصلاً من الإجهاد المناخي، بينما تغذي الكوارث النزوح وعدم الاستقرار. وما إن خرجت البلدان من جائحة كوفيد 19 وتكيفت مع "الوضع الطبيعي الجديد"، حتى واجه العالم أزمات جيوسياسية، منها الحرب في أوروبا والنزاعات في الشرق الأوسط. وفي عام 2025 وحده، أدت موجات الحر الممتدة والفيضانات وحرائق الغابات في أجزاء كثيرة من العالم إلى عدد كبير من الضحايا. وبالنسبة إلى المتعلمين، كانت النتيجة اضطراباً عميقاً يشمل فقدان التعليم المدرسي، والتعرض للصدمات، وضعف آفاق المستقبل.
النزاعات والعنف
بحلول عام 2024، بلغ عدد البلدان المتأثرة بالنزاعات أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، وازدادت نسبة الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع باطراد عبر الزمن، من 10% في منتصف التسعينيات إلى ما يقرب من 19% عام 2023.
وتعرض النزاعات والعنف المتعلمين والمعلمين للإصابات الجسدية والصدمات النفسية والمخاوف الأمنية. وقد تضطر المؤسسات التعليمية إلى الإغلاق لأسباب أمنية أو مالية أو بسبب اضطراب اجتماعي أوسع. وقد تتضرر أو تدمر، أو يعاد توظيفها لأغراض عسكرية أو ملاجئ طوارئ. ويزيد إغلاق المدارس، وإبعاد الأطفال عنها، من مخاطر الحماية التي يتعرض لها الأطفال والشباب، فيجعلهم أكثر عرضة للعنف والاستغلال والتجنيد في الجماعات المسلحة. وبين عامي 2022 و2023 وُثق نحو 6,000 هجوم على الطلاب والمربين والمؤسسات التعليمية، إلى جانب زيادة بنسبة 20% في الاستخدام العسكري للمدارس. وخلال هذه الفترة قُتل أكثر من 10,000 طالب أو اختطفوا أو احتجزوا أو لحقهم أذى بطرق أخرى. وفي الوقت نفسه، تسهم هذه الهجمات في النزوح الواسع النطاق؛ إذ بلغ النزوح الناجم عن النزاعات 20.1 مليون حالة نزوح جديدة عام 2024، ليصل إجمالي من يعيشون في حالة نزوح داخلي إلى 73.5 مليون شخص بنهاية العام، مما يزيد من تعقيد تحديات الوصول إلى التعليم واستمراريته.
وإلى جانب الاضطراب الفوري، تخلف النزاعات ندوباً عميقة، منها الصدمات النفسية وانقطاع التعلم وضياع الفرص. غير أن التعليم يؤدي كذلك دوراً رئيسياً على المدى الطويل في التعافي من الصدمات وبناء الاستقرار الاقتصادي والتنمية في المستقبل. كما يعزز قيماً مثل التضامن والتسامح والسلام، مما يساعد على منع النزاعات المستقبلية وتقوية التماسك الاجتماعي. ومن التدابير الحاسمة لصون الحق في التعليم في حالات الطوارئ والنهوض به إيلاء اهتمام خاص للأكثر هشاشة، وتحديد مسارات تعليمية بديلة، وتأمين التمويل الكافي، والاستثمار في أصول تدريس مستنيرة بفهم الصدمات النفسية.
الحق في التعليم في حالات الطوارئ
يظل التعليم حقاً أساسياً من حقوق الإنسان والتزاماً ملزماً للدول حتى في أوقات الأزمات. فكل بلد في العالم صدّق على معاهدة واحدة على الأقل تلزمه بحماية هذا الحق. غير أن الأزمات تخلق ظروفاً خاصة تفرض متطلبات مضاعفة على الدول والمجتمعات. ومع أن بعض أوجه الحماية مكرسة في القانون الإنساني الدولي، فقد أعرب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2601 (2021) عن بالغ القلق إزاء الارتفاع الكبير في الهجمات على المرافق التعليمية في السنوات الأخيرة، ودعا جميع الأطراف إلى صون الحق في التعليم خلال النزاعات المسلحة، وتنفيذ تدابير لمنع الهجمات على المدارس، وتعزيز الأطر القانونية المحلية تبعاً لذلك.
وقد تعزز الإطار المعياري في السنوات الأخيرة. فإعلان إنشيون وإطار العمل (2016)، الذي يدعم تنفيذ الهدف الرابع، يؤكد التزامات الدول ببناء نظم تعليمية شاملة ومستجيبة وقادرة على الصمود، وتعزيز القدرات الوطنية في مجال الحد من مخاطر الكوارث والتأهب لها والاستجابة لها. وبالمثل، مهد إعلان نيويورك (2016) الطريق للاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية والاتفاق العالمي بشأن اللاجئين، وكلاهما يؤكد أهمية الوصول في الوقت المناسب إلى التعليمين الابتدائي والثانوي للمتعلمين النازحين في البلدان المضيفة.
وتحدد اتفاقات دولية أخرى مسؤوليات الدول في سياقات الأزمات، منها إعلان المدارس الآمنة لعام 2015، وإطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث للفترة من 2015 إلى 2030، واتفاق باريس لعام 2015، والإطار الشامل المنقح لسلامة المدارس للفترة من 2022 إلى 2030 الذي يتبنى نهجاً يشمل جميع المخاطر. ويدعو هذا الإطار الدول إلى تعزيز الحد من مخاطر الكوارث والقدرة على الصمود في التعليم، والتصدي للمخاطر الناجمة عن الكوارث وتغير المناخ والنزاعات والمخاطر البيولوجية والصحية مثل جائحة كوفيد 19. كما شكلت الاتفاقية العالمية للاعتراف بمؤهلات التعليم العالي لعام 2019 إنجازاً مهماً للأشخاص المتنقلين، إذ قلصت العوائق أمام وصول المتعلمين النازحين إلى التعليم العالي.
وبوصفها الوكالة الرائدة في الأمم المتحدة المعنية بالهدف الرابع، تؤدي اليونسكو دوراً محورياً في صون التعليم خلال الأزمات. فعملها المعياري والتشغيلي وعمل المناصرة الذي تضطلع به يدفع الحق في التعليم قدماً في سياقات الطوارئ. وفي عام 2024، اعتمدت اليونسكو الإطار الاستراتيجي للهجرة والنزوح وحالات الطوارئ والتعليم للفترة من 2024 إلى 2029، الذي يربط بين النهج الإنسانية والإنمائية ونهج بناء السلام لتوجيه الاستجابات الفورية والطويلة الأمد. كما تساعد أدوات مثل جواز اليونسكو للمؤهلات المتعلمين النازحين على الحصول على اعتراف بمؤهلاتهم.
وثمة حاجة إلى مزيد من الحماية. فقد أكدت مبادرة تطور الحق في التعليم مسؤولية الدول عن استئناف التعليم الحضوري في أقرب وقت ممكن بعد الأزمة. وتبرز الدروس المستفادة من جائحة كوفيد 19، مثل قيمة ابتكارات التعلم عن بعد، والتتبع الفعال للبيانات، واستخدام نظم المعلومات الخاصة بإدارة التعليم، أهمية التخطيط التعليمي المراعي للأزمات. ويتعين على البلدان تحديد المخاطر مسبقاً، واعتماد تدابير التأهب والتخفيف، وإعطاء الأولوية للحد الاستباقي من مخاطر الكوارث إلى جانب الاستثمار في بنية تحتية تعليمية قادرة على الصمود. ومن الضروري كذلك، صوناً لكرامة مهنة التدريس وضماناً لاستمرارية التعلم، تقديم دعم محدد زمنياً يكفل دفع رواتب المعلمين بصورة كافية وفي مواعيدها وبانتظام خلال أوقات الأزمات والطوارئ. ولهذه الغاية، أوصى الفريق الرفيع المستوى المعني بمهنة التدريس عام 2024 بأن ينشئ المجتمع الدولي صندوقاً عالمياً لرواتب المعلمين في السياقات المتأثرة بالأزمات أو في حالات التهديد أو الهشاشة المماثلة.
ومن شأن تعزيز الإطار الدولي أن يرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة في ضمان التعليم أثناء الأزمات. وسيوفر التعاون المنسق مرجعاً للحكومات الوطنية في تطوير أدواتها القانونية والسياساتية أو تكييفها. كما تقدم توصيات مؤتمر أبوجا لعام 2022 إرشادات قيمة للمضي نحو اتفاق دولي أوسع بشأن التعليم في حالات الطوارئ.
الإطار 6: الاستجابات الوطنية للأشخاص المتنقلين
شهدت المشاورة الحادية عشرة بشأن الاتفاقية والتوصية الخاصتين بمكافحة التمييز في مجال التعليم المرة الأولى التي سُئلت فيها الدول صراحة عما إذا كانت قد اعتمدت تدابير خاصة لدعم النازحين بسبب المناخ، غير أن سبع عشرة دولة فقط من أصل اثنتين وتسعين دولة قدمت تقاريرها أجابت بالإيجاب.
فقد أفادت تشاد باتخاذ إجراءات مثل بناء الملاجئ والبنية التحتية والعيادات المتنقلة ونشر فرق أمنية لصالح النازحين بسبب المناخ. وركزت أوغندا على تخطيط تعليم المتعلمين النازحين بسبب المناخ وتمويله، بما في ذلك برامج الجسر التعليمي، وتوسيع الفصول الدراسية في المجتمعات المضيفة، وتوفير المواد التعليمية والمعلمين. وفي موزمبيق، وفرت الحكومة فضاءات تعلم مؤقتة لاستخدامها فصولاً دراسية، وفي حالات أخرى أُدمج الطلاب في مدارس آمنة.
غير أن معظم الدول سنت تشريعات تنص على الحق في التعليم للأشخاص المتنقلين والسكان العالقين بصورة أعم، واعتمدت 63 دولة تدابير سياساتية تهدف إلى تعزيز هذا الحق.
وإدراكاً للتحديات الخاصة التي يواجهها السكان المتأثرون بالأزمات والعالقون، اعتمد نحو نصف البلدان المقدمة لتقاريرها، وعددها 44 بلداً، تخطيطاً وبرمجة تعليمية مراعية للأزمات ومستنيرة بمخاطر الكوارث.
وإضافة إلى ذلك، من بين خطط التكيف الوطنية الثلاث والخمسين المقدمة عام 2024 في إطار متابعة اتفاق باريس، تشير 74% صراحة إلى النزوح الناجم عن الكوارث، غير أن 38% فقط تتضمن أحكاماً أو التزامات ملموسة لمعالجة هذه الظاهرة بقدر ما.
وبالمثل، وجدت دراسة أعدت بتكليف من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث أن عدداً متزايداً من البلدان أدرج عام 2023 النزوح الناجم عن الكوارث في استراتيجياته وخططه للحد من مخاطر الكوارث (78% من الأطر البالغ عددها 112 إطاراً التي جرت مراجعتها). ومع ذلك، فإن قلة من هذه الاستراتيجيات تحدد إجراءات ملموسة يتعين اتخاذها.
وفي نهاية المطاف، تعد إعطاء الأولوية للتعليم في الأزمات ضرورة أخلاقية وقانونية واستثماراً استراتيجياً في المستقبل في آن واحد. ومع ذلك كثيراً ما يتراجع التعليم في سلم الأولويات أثناء حالات الطوارئ. ففي عام 2023 انخفض التمويل الإنساني المخصص للتعليم، كاسراً اتجاهاً تصاعدياً دام عقداً كاملاً. وكثيراً ما تهمل الاستجابات القصيرة الأمد للأزمات استمرارية التعليم، مما يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات وتمويل استشرافيين يعالجان الاحتياجات الفورية والطويلة الأمد معاً. فالاستثمار في القدرة على الصمود أمر حاسم، والعمل الفعال يتوقف على بيانات دقيقة وآنية ومصنفة.
ومع أن سياقات الأزمات تنطوي على تحديات جسيمة، فإنها توفر كذلك فرصة لإعادة البناء على نحو أفضل. فهي لا تتيح استعادة ما فُقد فحسب، بل تتيح كذلك تعزيز النظم التعليمية لتصبح أكثر شمولاً وإنصافاً وقدرة على الصمود، وأكثر رسوخاً في حقوق الإنسان. ومن خلال إدماج مبادئ الإنصاف وعدم التمييز والتعلم مدى الحياة في جهود التعافي والتأهب، تستطيع البلدان ضمان أن تخرج نظمها التعليمية من الأزمات لا مستعادة فحسب، بل متحولة إلى أدوات أقوى لإعمال الحق في التعليم للجميع وبناء مجتمعات أكثر سلاماً.
تغير المناخ والكوارث
لا يزال تغير المناخ تحدياً حاسماً أمام النظم التعليمية. ففي عام 2024، عانى أكثر من 242 مليون طالب في 85 بلداً من انقطاع التعليم بسبب الظواهر الجوية المتطرفة. ويعيش مليار طفل في مناطق ذات مخاطر مناخية بالغة الارتفاع، يواجهون ظواهر مفاجئة كالفيضانات والأعاصير وحرائق الغابات، وآثاراً بطيئة الظهور كارتفاع مستوى سطح البحر وتملح التربة والإجهاد الحراري. وتلحق هذه القوى الضرر بالمدارس والبنية التحتية، وتضر بالصحة وسبل العيش الاقتصادية والأمن الغذائي، وتشرد الأسر، مما يجعل استمرارية التعلم أكثر صعوبة.
ويتزايد النزوح المرتبط بالكوارث بسرعة. ففي عام 2024 وحده، أدت المخاطر الطبيعية إلى 45.8 مليون حالة نزوح، وظل نحو 10 ملايين شخص نازحين بنهاية العام. وتخلق هذه الحالات عوائق متعددة أمام التعليم. ففي مثل هذه السياقات، تواجه المجتمعات المضيفة ضغوطاً على طاقة مدارسها ومعلميها وبنيتها التحتية، مما يحد من قدرتها على تلبية الاحتياجات التعليمية والنفسية الاجتماعية للمتعلمين النازحين بسبب المناخ. وكثيراً ما يصطدم هؤلاء المتعلمون بعقبات لغوية واقتصادية وقانونية وإدارية في الوصول إلى التعليم، فضلاً عن مخاطر الإقصاء وكراهية الأجانب.
ولا تؤثر الأزمات المناخية وآثارها على التعليم في جميع السكان بالقدر نفسه. فالفقراء والعمال الزراعيون والفتيات والنساء والأقليات والشعوب الأصلية والأطفال ذوو الإعاقة من بين الأكثر تضرراً من تغير المناخ. وإضافة إلى ذلك، كثيراً ما يضطر من نزحوا بالفعل، أياً كان سبب نزوحهم الأول، إلى العيش في مستوطنات دون المستوى وملاجئ مؤقتة هشة، مما يجعلهم أكثر عرضة للكوارث المفاجئة اللاحقة ولمزيد من النزوح. وقد تتراكم طبقات الهشاشة، فتترك هذه الفئات من بين الأكثر عرضة للخطر بينما تبقى مهملة إلى حد كبير.
أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع)
"عند استشراف المستقبل، يتمثل التحدي الأكبر في معالجة الآثار الطويلة الأمد للصدمات النفسية والنزوح وانقطاع التعليم الناجم عن النزاعات المطولة. ولمواجهة ذلك، يجب أن تدمج النظم التعليمية أصول تدريس مستنيرة بفهم الصدمات، وأن توفر الدعم النفسي الاجتماعي، وأن تعطي الأولوية لأطر التعليم الشامل." سي ثو واي، ميانمار.
ومع أن بعض الدول اعتمدت خططاً تعليمية مراعية للأزمات ومستنيرة بمخاطر الكوارث، فإن أقلية منها فقط تملك تدابير تعالج تحديداً النزوح الناجم عن المناخ. وعند استشراف المستقبل، يبرز تغير المناخ الحاجة إلى نظم تعليمية قادرة على الصمود ومتكيفة واستشرافية. ويجب إدماج المخاطر المناخية في تخطيط قطاع التعليم والبنية التحتية المدرسية وتدريب المعلمين. كما يجب تخطيط تعليم النازحين بسبب تغير المناخ وفق منظورين فوري وطويل الأمد، بما يضمن الوصول والاستمرارية إلى جانب الاحتياجات الأساسية الأخرى. ويعد الاعتراف القانوني بالنازحين بسبب المناخ أمراً حاسماً لضمان حقهم في التعليم، في حين يعد التعاون الدولي ونهج وطني متعدد التخصصات ضروريين لتنفيذ سياسات متسقة ومستدامة. وبالقدر نفسه، يجب تزويد المتعلمين بالمعارف والمهارات اللازمة للتكيف مع أزمة المناخ والتخفيف من حدتها والابتكار في الاستجابة لها.
التنقل الطلابي العالمي والحاجة إلى اعتراف عادل بالمؤهلات
بالتوازي مع النزوح المرتبط بالأزمات، ازداد عدد الطلاب الذين يتابعون تعليمهم العالي في الخارج ازدياداً كبيراً، من 2.1 مليون طالب عام 2000 إلى نحو 6.9 ملايين عام 2022. ويعكس هذا الارتفاع تنامي الطلب على التعليم الجيد وتنمية المهارات والخبرة الدولية. ويعود استقبال الطلاب الدوليين بالنفع على المؤسسات، إذ يزيد التنوع ويعزز السمعة الأكاديمية ويسهم في الاقتصادات المحلية. أما بالنسبة إلى الطلاب، فإن الدراسة في الخارج تتيح الوصول إلى برامج يرونها أعلى جودة، ومهارات متخصصة، وفرص لتعلم اللغات.
غير أن التفاوتات لا تزال قائمة. فليست كل المناطق تجتذب الطلاب الدوليين بالقدر نفسه؛ إذ تستضيف أوروبا وأمريكا الشمالية أكثر من نصف الطلاب المتنقلين دولياً. وبالمثل، لا يتمتع جميع الطلاب بفرص متكافئة للدراسة في الخارج، إذ يظل الطلاب القادمون من البلدان المنخفضة الدخل ممثلين تمثيلاً ناقصاً بدرجة كبيرة بسبب عوائق مالية وإدارية وبنيوية.
وتوفر الاتفاقية العالمية للاعتراف بالمؤهلات المتعلقة بالتعليم العالي، التي اعتُمدت عام 2019 ودخلت حيز النفاذ عام 2023، أول إطار قانوني دولي للاعتراف الشفاف والعادل وغير التمييزي بمؤهلات التعليم العالي ومؤهلات الالتحاق به. كما تيسر الاعتراف بالمؤهلات المكتسبة من خلال التعلم الرقمي أو غير التقليدي، وتدعم صراحة الاعتراف بمؤهلات اللاجئين.
وفي عام 2025، اعتمدت اليونسكو المبادئ التوجيهية التشغيلية للاتفاقية، التي تؤكد أن لكل فرد الحق في تقييم مؤهلاته، وأن إجراءات الاعتراف يجب أن تكون عادلة وفي الوقت المناسب وشفافة وميسورة التكلفة.
وحتى نيسان/أبريل 2025، صدق ثمانية وثلاثون بلداً على الاتفاقية العالمية، تمثل 29% من جميع الطلاب المتنقلين دولياً. وعند ضمها إلى الاتفاقيات الإقليمية لليونسكو، تستأثر البلدان المشاركة البالغ عددها نحو مئة بلد بنسبة 72% من التنقل الطلابي العالمي. ويعزز التصديق على الاتفاقيتين العالمية والإقليمية التعاون الأكاديمي، ويبني الثقة في المؤهلات، ويعزز التنقل الطلابي المنصف.
رابعاً: الرقمنة والذكاء الاصطناعي
ليست الرقمنة في التعليم أمراً جديداً، لكن جائحة كوفيد 19 والتكنولوجيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي سرعت توسعها تسريعاً كبيراً، فأعادت تشكيل النظم التعليمية وعملياتها، بما فيها التعليم والتعلم والإدارة والتسيير والبحث وإنتاج المعرفة. ويتناول تقرير اليونسكو "الذكاء الاصطناعي والتعليم: حماية حقوق المتعلمين" (2025) هذا الموضوع بمزيد من التعمق، مستكشفاً أثر التكنولوجيات الرقمية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، في الحق في التعليم وآثارها الأوسع على حقوق الإنسان الأخرى.
الفجوة الرقمية
تتضخم أوجه عدم المساواة التعليمية على نحو متزايد بفعل ما يعرف عادة بالفجوة الرقمية، وهي فجوة متعددة الأوجه. فأولاً، ثمة تمايز صارخ بين من يملكون أجهزة رقمية وكهرباء واتصالاً بالإنترنت ومن لا يملكونها. فوفقاً لأحدث بيانات معهد اليونسكو للإحصاء بشأن المؤشر 4.أ.1 من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، الذي يقيس نسبة المدارس التي تقدم الخدمات الأساسية بحسب نوع الخدمة، ومنها الوصول إلى الإنترنت والحواسيب لأغراض تربوية، لا تتصل بالإنترنت سوى نحو 60% من المدارس الثانوية على مستوى العالم. ويعاني طلاب آخرون مما يسمى "فجوة الواجبات المنزلية" بسبب عدم توافر الإنترنت في المنزل، مما يحول دون إتمامهم واجباتهم المدرسية في بيوتهم. واللافت أن 2.2 مليار فرد دون سن الخامسة والعشرين لا يملكون اتصالاً بالإنترنت في منازلهم. ويعد تحسين الاتصال، بما في ذلك البنية التحتية والقدرة على تحمل التكاليف، ولا سيما للفتيات والنساء وفي المناطق الريفية والنائية، أمراً جوهرياً لضمان الوصول المنصف إلى المنصات والمواد التعليمية في جميع السياقات. فضلاً عن ذلك، لم تكن سوى 47.1% من الأسر في العالم تمتلك حاسوباً عام 2019، وكانت النسبة تقارب 80% في البلدان المتقدمة، بينما لم تتجاوز 36.1% في البلدان النامية. ولا تزال تكلفة الأجهزة وصيانتها عائقاً رئيسياً أمام الإدماج الرقمي في التعليم.
وثانياً، يجعل نقص المهارات الرقمية توافر الأدوات والمنصات التربوية الرقمية عديم القيمة. ففي أمريكا اللاتينية مثلاً، يتاح لنحو 25% من الطلاب الوصول إلى البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات دون أن يستخدموها. وقد حُدد ضعف المهارات والكفاءات الرقمية بوصفه من أبرز العوائق أمام استخدام تكنولوجيا التعليم، أياً كان مستوى تنمية البلد. وتؤثر هذه التفاوتات تأثيراً غير متناسب في سكان المناطق الريفية وذوي الدخل المنخفض والمحرومين والمهمشين والفئات الهشة. فضلاً عن ذلك، لا يقتصر التحدي على المتعلمين وحدهم، فالاستيعاب الفعال للتكنولوجيات الرقمية يعتمد اعتماداً كبيراً كذلك على قدرة المعلمين على إدماجها في الممارسة الصفية. فمن دون تدريب ودعم كافيين، يجد كثير من المعلمين صعوبة في تكييف أساليبهم التربوية مع البيئات الرقمية، كما اتضح خلال جائحة كوفيد 19. ومن ثم فإن بناء القدرات الرقمية للمعلمين وتعزيز ثقافة داعمة أمران ضروريان لضمان أن تسهم التكنولوجيا إسهاماً حقيقياً في تحسين التعليم والتعلم. وبالمثل، من المهم ضمان محو الأمية الرقمية لدى الأسر والعاملين المجتمعيين لدعم استخدام الشباب للتكنولوجيات الرقمية.
التحديات الرئيسية للرقمنة والذكاء الاصطناعي في التعليم
يمكن لضمان الاتصال والمهارات الرقمية أن يوسع الوصول إلى التعليم، ولا سيما حيث يتعذر التعلم الحضوري، غير أن ذلك يطرح أيضاً تحديات يجب التصدي لها بضمانات ملائمة. فالمجتمعات المهمشة، ولا سيما في المناطق الريفية، فضلاً عن الأشخاص ذوي الإعاقة والنساء وكبار السن والفئات المنخفضة الدخل، لا تزال تواجه عوائق غير متناسبة في الوصول إلى المعلومات الرقمية. ومع ذلك فإن الوصول إلى المعلومات والمعرفة ضروري لتنمية التفكير النقدي واتخاذ القرارات المستنيرة والمشاركة الكاملة والفاعلة في المجتمع. ومع صعود الأدوات المعززة بالذكاء الاصطناعي، أصبح ضمان خلو هذه التكنولوجيات من التحيز والمعلومات المضللة والتمييز أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وتؤكد التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن اليونسكو الحاجة إلى الشفافية وقابلية فهم خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والبيانات التي دُربت عليها، وأثرها المحتمل في حقوق الإنسان والحريات الأساسية. ومن ثم فإن تعزيز الثقافة الرقمية النقدية ضروري لتمكين المربين والمتعلمين من اكتشاف التحيز، والتفاعل مع مصادر متنوعة، وتعزيز ثقافة رقمية أكثر شمولاً.
كما أثار الاستخدام المتزايد للمنصات الرقمية مخاوف بشأن الصحة الجسدية والنفسية للمتعلمين. فالبقاء طويلاً أمام الشاشات يرتبط بإجهاد العين والصداع والانزعاج العضلي الهيكلي وقلة الحركة، مما قد يسهم في زيادة الوزن غير الصحية. ومن الناحية النفسية، قد تؤدي بيئات التعلم الرقمية إلى العزلة والانفصال والقلق والتوتر بسبب تراجع التفاعل وجهاً لوجه. ولا تزال الآثار النفسية لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما فيها روبوتات المحادثة، قليلة البحث، لكنها قد تكون كبيرة، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال، وفقاً لتوجيهات اليونسكو بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث (2023). وتشير دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2025 كذلك إلى أن الاعتماد المفرط على النماذج اللغوية الكبيرة في المهام التعليمية قد يقلل الانخراط المعرفي. ويتطلب التصدي لهذه المخاطر وضمان الرفاه النفسي الاجتماعي والصحة النفسية تعاوناً متعدد القطاعات يشمل خدمات التعليم والصحة وحماية الطفل.
كما يسرت زيادة استخدام الأدوات الرقمية العنف الإلكتروني. ففي عام 2024 وحده، أُبلغ "خط الإبلاغ الإلكتروني" عن 62.9 مليون ملف متصل بالاستغلال الجنسي للأطفال، مع زيادة بنسبة 1,325% في البلاغات المتعلقة بالاستغلال الجنسي للأطفال التي ينطوي فيها الأمر على الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويواجه المتحولون جنسياً والأفراد المتنوعون جندرياً والنساء والفتيات مخاطر غير متناسبة، منها التحرش عبر الإنترنت ومراقبة البيانات والإقصاء. وتتراوح الآثار بين الضيق العاطفي وتراجع التحصيل الأكاديمي. وقد وجد مسح أجري عام 2020 في 22 بلداً أن 58% من الفتيات والنساء تعرضن للعنف عبر الإنترنت.
أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع)
"نحتاج إلى تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تعزز الذكاء البشري ولا تحل محله، مع سياسات تكفل الاستخدام الأخلاقي وحماية البيانات والنزاهة الإبداعية. وينبغي أن يكون الهدف تسخير التكنولوجيا لتبسيط المهام وتوسيع الوصول، دون إضعاف المهارات ذاتها التي تجعلنا بشراً: الفضول والخيال وحل المشكلات." ماي أوغينيروكيمي أساغبا، مؤسسة مؤسسة كاين التعليمية ورئيستها التنفيذية.
وتثير رقمنة التعليم مخاوف كبيرة تتعلق بخصوصية البيانات. فالبيانات الشخصية للطلاب كثيراً ما تتقاسم مع مقدمي خدمات خاصين أو تستخدم لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، دون ضمانات كافية في الغالب. والأطفال معرضون بصفة خاصة بسبب محدودية فهمهم لحقوقهم المتعلقة بالبيانات. وقد أبرزت المقررة الخاصة المعنية بالحق في التعليم عام 2024 كيف يزيد استخدام الذكاء الاصطناعي من مخاطر إساءة استخدام البيانات، ويستلزم الشفافية والمساءلة.
وكثيراً ما تعكس تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية الأعراف الثقافية واللغوية المهيمنة، فتهمش وجهات نظر الأقليات. وكما تشير توصية اليونسكو الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فإن تركز المحتوى الثقافي في عدد قليل من اللغات العالمية يقوض التنوع. إذ تشكل اللغة الإنجليزية أكثر من 50% من المحتوى على الإنترنت، في حين تظل لغات كثيرة واسعة الانتشار ممثلة تمثيلاً ناقصاً. ويهدد إهمال لغات الأقليات بتعميق الإقصاء الرقمي وتسريع التآكل الثقافي واللغوي. غير أن ثمة إمكانية كذلك لأن تسهم أنظمة الذكاء الاصطناعي في صون التراث الثقافي وإتاحته، كما تبرز التوصية ذاتها. ويمكن تسخير الذكاء الاصطناعي لدعم التعليم والتعلم المستجيبين ثقافياً، ولكن بشرط أن تتضمن مجموعات بيانات تدريبه لغات متعددة، ولا سيما اللغات المحلية ولغات الشعوب الأصلية.
ويطرح الدور المتنامي للجهات الخاصة بوصفها مزودة للتكنولوجيات التعليمية تحديات كبيرة على صعيد الحوكمة. فمع أن الاستعانة بمصادر خارجية حسنت الكفاءة وخفضت التكاليف وعززت الجودة في بعض السياقات، فإن الاعتماد على مقدمي الخدمات الخاصين يثير مخاوف تتعلق بالجودة والشفافية والمساءلة. وثمة مخاطر من أن تصبح النظم التعليمية العامة معتمدة اعتماداً مفرطاً على جهات تجارية قد لا تنسجم مصالحها الأساسية مع الحق في التعليم.
وتنطوي التكنولوجيات الرقمية كذلك على تكاليف بيئية كبيرة. فقد حذر تقرير حديث صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من أن درجة حرارة سطح الأرض سترتفع لأسباب بشرية إذا استمر المسار الحالي. وبحلول عام 2030، سيعادل استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ونشرها إجمالي استهلاك اليابان. ولذلك يجب على صانعي السياسات تصميم سياسات لرقمنة التعليم تقلل الآثار السلبية من حيث المواد الخام ومتطلبات الطاقة والنفايات. وفي المقابل، يمكن للمحتوى الرقمي أن يسهم في الحد من الهدر، ومن ثم تقليل الأثر البيئي للمحتوى التعليمي مقارنة بالمواد المطبوعة التقليدية.
الوصول إلى الفرص التعليمية
توفر تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المساعدة أدوات قوية للمتعلمين ذوي الإعاقة. فأدوات مثل قارئات الشاشة وبرمجيات التعرف على الكلام أو لغة الإشارة وأجهزة الإدخال البديلة تتيح قدراً أكبر من إمكانية الوصول. وتحث المبادئ التوجيهية لليونسكو بشأن سياسات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم وخططها الرئيسية (2022) على إدماج استراتيجيات شاملة للمتعلمين ذوي الإعاقة في جميع مراحل تخطيط هذه التكنولوجيا في التعليم وتنفيذها، وعلى تقييم إمكانية الوصول إلى المحتوى الرقمي.
ويمكن للأدوات الرقمية أن تدعم الإدماج الثقافي واللغوي. ففي نيوزيلندا مثلاً، أنشأ مشروع "بابا ريو" مجموعة بيانات بلغة الماوري لتدريب أدوات تحترم السياق الثقافي وتعزز الإدماج اللغوي. ويعد الترابط بين الذكاء الاصطناعي ولغة التدريس حاسماً ويجب تعزيزه، ولا سيما أن 40% من المتعلمين لا يفهمون اللغة التي يتلقون بها تعليمهم.
وفضلاً عن ذلك، يمكن للتكنولوجيات الرقمية في سياق الطوارئ أو الأزمات أن توفر استمرارية التعليم. ففي عام 2019، كان 27 مليون طفل وشاب في سن الدراسة خارج المدرسة في البلدان المتأثرة بالأزمات. وعندما تصمم التكنولوجيات الرقمية على نحو شامل، يمكنها تيسير الوصول إلى التعليم من خلال توليفات مبتكرة تتيح تعلماً فعالاً وفي الوقت المناسب. ويجب أن يعطي التخطيط المراعي للأزمات الأولوية دائماً للشمول والإنصاف.
"قبل تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع في التعليم [...]، من الضروري أن يعطي صانعو السياسات وقيادات المدارس والمربون والمطورون الأولوية لحقوق الأطفال ورفاههم على "الفوائد" غير المثبتة والمفترضة والمثيرة للجدل الشديد لهذه التكنولوجيا، لضمان انسجام أي أنظمة ذكاء اصطناعي تستخدم في التعليم انسجاماً تاماً مع مبادئ حقوق الطفل. فبذلك وحده يمكننا إيجاد بيئة تعليمية تمكّن الأطفال حقاً وتحترمهم." هولمز، 2025.
الاستجابات المتطورة في مواجهة التقدم التكنولوجي
مع تحويل الذكاء الاصطناعي لعالمنا، يجب أن تتطور المناهج لإعداد المتعلمين للمستقبل. وتؤكد توصية اليونسكو الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى التأمل الأخلاقي وممارسات التصميم المسؤولة والمهارات الجديدة والتفكير النقدي. ففي القرن الحادي والعشرين، يحتاج مفهوم محو الأمية إلى أن يشمل مهارات الثقافة الرقمية. وتوصي لجنة حقوق الطفل (2021) بإدماج مهارات الثقافة الرقمية بوصفها جزءاً من مناهج التعليم الأساسي ابتداءً من مرحلة ما قبل المدرسة، بما يساعد الأطفال على بناء المرونة وتنمية التفكير النقدي الذي يمكّنهم من التعامل مع التكنولوجيا بمسؤولية.
وكما ينص إعلان ريوايرد، يجب أن يظل المعلمون والمربون في صميم العملية التعليمية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد بأتمتة مهام مثل التقييم وإنشاء المحتوى التعليمي والواجبات الإدارية، بما يتيح للمربين التركيز على دعم الطلاب والتفاعل معهم. وفي الوقت نفسه، وكما ينص توافق بيجين بشأن الذكاء الاصطناعي والتعليم (2019)، فإن التدريب الكافي والسياسات التي تمكّن هيئات التدريس مع صون حقوق المعلمين وظروف عملهم ودورهم أمور ضرورية.
ويتطلب التحول الرقمي الشامل تعاوناً بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور ومقدمي الحلول الرقمية والدول. ومع ذلك أفاد 45% من المربين في أربعة وتسعين بلداً بأنهم لم يُستشاروا بشأن التكنولوجيات الجديدة التي طُلب منهم العمل بها، وبأن الطلاب وأولياء الأمور يُستشارون بدرجة أقل. ويسهم صنع القرار التشاركي، المنسجم مع الغاية 16.7 من أهداف التنمية المستدامة، في تصميم تكنولوجيات تعلم أكثر استجابة وقائمة على الحقوق. ففي بلدان مثل كندا والإكوادور والمملكة العربية السعودية وسنغافورة وأوروغواي، أسهمت ملاحظات المعلمين والطلاب وأولياء الأمور في صياغة لوائح تتعلق بالأخلاقيات وخصوصية البيانات والتحيز والأتمتة.
وتعكس مسألة ما إذا كانت ضمانات الاتصال تشكل عنصراً جديداً من عناصر الحق في التعليم الطبيعة المتطورة للتعلم في العصر الرقمي.
ويجب أن تتطور الأطر القانونية الدولية والوطنية المتينة بالتوازي مع التكنولوجيا. فهي بحاجة إلى معالجة الحماية والأمن الرقميين على أساس حقوق الإنسان، لضمان أن تكون الفضاءات الرقمية آمنة وشاملة. وتؤكد توصية اليونسكو الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى الشفافية والمساءلة والإنصاف في نشر الذكاء الاصطناعي. ويجب أن ينسجم التعليم الرقمي مع أهداف الحق في التعليم ومع حقوق الإنسان عموماً. ومن خلال ضمانات قانونية استباقية، يمكن صون التعليم بوصفه حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، بما يكفل ألا يتخلف أحد عن الركب في العصر الرقمي.
خامساً: التعليم خارج نظام الدولة
يمثل توفير التعليم خارج النظام المدرسي النظامي اتجاهاً متنامياً ومعقداً يعيد تشكيل المشهد التعليمي العالمي. ويحرك هذا التوسع عوامل متعددة، منها الرقمنة السريعة المصحوبة بتدفق شركات التكنولوجيا الخاصة، والزيادة الملحوظة بعد جائحة كوفيد 19 في أنماط التعلم البديلة مثل التعليم المنزلي والدروس الخصوصية ومنصات التعلم عبر الإنترنت. وفي الوقت نفسه، يواصل دور المدارس غير الحكومية، الراسخ أصلاً في سياقات كثيرة، توسعه في أنحاء كثيرة من العالم إلى جانب التعليم العام.
وإلى جانب التعليم المدرسي التقليدي، أوجد الاهتمام المتزايد بفرص التعلم مدى الحياة طلباً متزايداً على التعليم المستمر وتعليم الكبار. واستجابة لذلك، كثف مقدمو الخدمات الخاصون عروضهم في مجالات التدريب المهني وبرامج رفع المهارات والإشهاد. وبالمثل، كثيراً ما تقدم المجتمعات المحلية والشركات الخاصة خدمات الرعاية والتربية في الطفولة المبكرة التي تسد الفجوة بين رعاية الأطفال والنماء والتعليم في الطفولة المبكرة.
ولذلك فمن المضلل تأطير التعليم في ثنائية بسيطة بين القطاعين العام والخاص. فالجهات الفاعلة من غير الدول في التعليم تتألف من طيف واسع من المنظمات التي يصعب في الغالب تمييزها، وهي متباينة فيما بينها، من مؤسسات مملوكة ملكية خاصة ربحية أو غير ربحية، إلى الشركات والمؤسسات الخيرية والمنظمات غير الحكومية والطوائف الدينية ومجموعات أولياء الأمور والمجتمعات المحلية وغيرها. وقد أصبح انخراط هذه الجهات شديد التنوع، ممتداً إلى ما هو أبعد بكثير من توفير التعليم المدرسي، ليشمل طائفة واسعة من التدخلات، من تقييمات التعلم إلى الدروس التكميلية، في جميع مستويات التعليم، من رعاية الطفولة المبكرة إلى تعلم اللغات للكبار. والواقع أن التعددية في توفير التعليم ليست جديدة؛ ففي بلدان كثيرة، ترسخت النهج المشتركة بين القطاعين العام والخاص في النظم التعليمية منذ أمد بعيد. والأهم أن يمتثل وجود الجهات الفاعلة من غير الدول في التعليم امتثالاً تاماً لمبادئ حقوق الإنسان المتمثلة في الإنصاف وإمكانية الوصول والجودة والشفافية، وألا يقوض إعمال الحق في التعليم.
فماذا يعني هذا التدفق للجهات الخاصة بالنسبة إلى الحق في التعليم؟ من بعض النواحي، يثير نمو التعليم الخاص مخاوف جدية. فقد انتُقد التعليم الخاص منذ أمد بعيد لتكريسه نظاماً من مستويين يعمق أوجه عدم المساواة بمحاباة الأسر الأكثر ثراءً. وقد يصاحب تنوع مقدمي التعليم تراجع في مستويات الرقابة، وتضاؤل في مبادئ حقوق الإنسان الأساسية كالإنصاف والجودة والمساءلة. ونتيجة لذلك، تنطوي هذه النماذج على خطر مفاقمة أوجه عدم المساواة القائمة ونقل المسؤولية العامة عن التعليم نحو نهج قائمة على السوق. وثمة مخاوف كذلك من أن يُدخل انخراط الجهات الخاصة مصالح تجارية قد تقوض الأهداف التأسيسية للتعليم كما تحددها الأطر المعيارية الدولية، وخطر أن تتقدم المكاسب المؤسسية على ما سواها، فيضعف دور التعليم بوصفه منفعة عامة مشتركة.
ويناقش ماري وزملاؤه (2025)، في مقال رأي نشر في مجلة "التعليم في النقاش"، صعود من يسمون "رواد الأعمال التعليميين"، ويصفون التعليم بأنه يمر بمرحلة "خصخصة مكثفة متعددة الأشكال". فهؤلاء يسعون إلى إحداث ثورة في التعليم من خلال نماذج اقتصادية ومعايير وأدوات، رقمية في الغالب، وممارسات تدريسية جديدة. وبعد أن اقتصر حضورهم في البداية على مجالات مثل التعليم قبل المدرسي والتعلم عن بعد والمساعدة في الواجبات المنزلية، اتسع نطاقهم اتساعاً كبيراً ليشمل قطاعات واسعة من التعليم، من أساليب التدريس البديلة إلى الرقمنة الواسعة. ومع أن المخاوف المتعلقة بالجهات الخاصة في التعليم ليست جديدة، فإن هذه الجهات كثيراً ما تعمل بطرق تفاقم الفصل التعليمي القائم أو تعززه. وعلى الرغم من حصولها في الغالب على تمويل عام، فقد أسهم نفوذها في تنامي "تحويل التعليم إلى شركات".
ولم يواكب الإطار المعياري الدولي هذه التطورات بعد. فاتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم لعام 1960 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يسمحان بالتعليم الذي توفره جهات من غير الدول، شريطة أن يكمل التعليم العام لا أن يحل محله، وأن يلتزم بالمعايير الدنيا التي تحددها الدولة. وفي هذا الصدد، تتضمن مبادئ أبيدجان (2019) إرشادات لحماية الحق في التعليم واحترامه وإعماله في مثل هذه السياقات. ومؤخراً، استكشفت اليونسكو تصميم تنظيم التعليم الذي توفره جهات من غير الدول وتنفيذه، مقدمة اعتبارات حول كيفية تعزيز هذه الأنظمة لضمان حق جميع الأطفال في تعليم جيد.
ومع ذلك، لم يفد في المشاورة الحادية عشرة بشأن الاتفاقية والتوصية الخاصتين بمكافحة التمييز في مجال التعليم سوى نحو 70% من البلدان بأن أطرها القانونية أو التنظيمية تحدد شروطاً ومعايير دنيا لإنشاء المؤسسات التعليمية غير الحكومية وتشغيلها. وتشمل هذه المعايير الدنيا عادة التسجيل، ورقابة الدولة وتفتيشها، ومؤهلات المعلمين، والصحة والصرف الصحي، والبنية التحتية، والسلامة، والمناهج. غير أن ثمانية وثلاثين بلداً فقط أفادت بتنظيم الرسوم المدرسية، مقارنة باثنين وستين بلداً تنظم مؤهلات المعلمين، مما يشير إلى تفاوت مجالات رقابة الدولة. فضلاً عن ذلك، لا تعالج الأطر الحالية التنوع الكامل للجهات الخاصة العاملة في ميدان التعليم اليوم، ولا سيما مزودي التكنولوجيات التعليمية.
الإطار 7: خمس توصيات رئيسية من التقرير العالمي لرصد التعليم بشأن الجهات الفاعلة من غير الدول (2021/2022)
أولاً، الوفاء بالالتزام بجعل سنة واحدة من التعليم قبل الابتدائي واثنتي عشرة سنة من التعليمين الابتدائي والثانوي مجانية، مع مراعاة أن التمويل العام لا يعني بالضرورة التوفير العام إذا أمكن ضمان الإنصاف. ثانياً، وضع معايير جودة تطبق على جميع المؤسسات التعليمية الحكومية وغير الحكومية. ثالثاً، إرساء عمليات رصد ودعم مشتركة تطبق على جميع المؤسسات التعليمية الحكومية وغير الحكومية. رابعاً، تيسير نشر الابتكار في النظام التعليمي بما يخدم الصالح العام. خامساً، الحفاظ على شفافية عملية السياسات التعليمية العامة ونزاهتها لقطع الطريق على المصالح الخاصة.
وإلى جانب الديناميات العامة للتعليم العام والخاص، تعيد الممارسات التعليمية خارج المدارس النظامية، وأبرزها الدروس الخصوصية والتعليم المنزلي، تشكيل هذا المشهد بطرق مميزة. وكثيراً ما تكون هذه الممارسات مدفوعة بعدم الرضا عما تقدمه المدارس، والطلب على تعلم أكثر تخصيصاً، وفي بعض السياقات بالتسارع الذي أحدثته جائحة كوفيد 19. ومع أنها قد تستجيب لاحتياجات مشروعة وتفتح فرصاً جديدة، فإنها تطرح كذلك تحديات معقدة تتعلق بالإنصاف والجودة والمساءلة.
الدروس الخصوصية التكميلية
أصبحت الدروس الخصوصية التكميلية ظاهرة عالمية ذات آثار عميقة. فهي بالنسبة إلى المتعلمين المتعثرين قد تشكل طوق نجاة يوفر لهم المساعدة الإضافية اللازمة لمواكبة أقرانهم، وبالنسبة إلى المتعلمين المتفوقين قد توفر إثراءً يتجاوز ما تقدمه المدارس. غير أنها تولد كذلك فوارق صارخة بين الأسر القادرة على تحمل تكلفتها والأسر العاجزة عن ذلك، أو العاجزة عن تحمل الجودة أو الكمية نفسها من الدروس التي يحصل عليها غيرها.
وقد توسعت الدروس الخصوصية التكميلية توسعاً هائلاً في العقود الأخيرة في مختلف سياقات الدخل، ويقدمها مؤسسات تجارية، ومعلمون متفرغون يسعون إلى دخل إضافي، بل ومقدمون غير رسميين يتراوحون بين طلاب المرحلة الثانوية العليا والمتقاعدين. وتتزايد المخاوف بشأن الحالات التي لا يدرس فيها المعلمون، تحت ضغط ظروف متنوعة في الغالب، المنهج كاملاً في المدرسة، ثم يقدمون الدروس الإضافية مقابل أجر، مما يقوض مبدأ مجانية التعليم الذي يحميه الحق في التعليم.
غير أن تنظيم هذا المجال من التعليم ليس بالأمر اليسير. فقد تبين أن التنظيم المفرط في الصرامة أو الحظر يدفع الدروس الخصوصية إلى العمل في الخفاء، ولذلك يجب المضي فيه بحذر. ويقترح براي تنظيماً يتناول الرسوم والجودة والسلامة والصدق في التسويق، إلى جانب مزيد من التفكير في أوجه عدم الإنصاف الاجتماعي التي قد تترسخ في البلدان التي ترتفع فيها مستويات الدروس الخصوصية.
التعليم المنزلي
يمثل التعليم المنزلي ممارسة أخرى آخذة في التوسع. وقد شكلت جائحة كوفيد 19 نقطة تحول، إذ أفادت بلدان كثيرة بارتفاع ملحوظ في نسبة الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في المنزل بين ما قبل إغلاق المدارس وما بعده. وتتباين الدوافع؛ ففي بعض السياقات يُختار التعليم المنزلي نقداً للطابع شديد التنظيم للتعليم المدرسي النظامي، بينما يعكس في سياقات أخرى اختلاف الأسر مع القيم التي يروج لها التعليم العام.
وتتباين الأطر القانونية تبايناً حاداً. ففي بعض البلدان يعد التعليم المنزلي غير قانوني، وفي بلدان أخرى يُسمح به مع إخضاعه لرقابة صارمة. وكثيراً ما تشترط اللوائح أن يستوفي الوالدان معايير تعليمية دنيا تضمن ملاءمة التعليم لعمر الطفل وقدراته واستعداداته، أو أن يتبعا المنهج الوطني. ومن الضروري أن تجمع البلدان بيانات عالية الجودة ومصنفة عن هذه الممارسة، وأن تعمل على وضع سياسات ولوائح للتعليم المنزلي تنسجم مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالحق في التعليم من حيث الجودة والمعايير الدنيا وأهداف التعليم.
سادساً: معلمون من أجل المستقبل الذي نريده
يحتل المعلمون موقعاً فريداً في علاقتهم بالحق في التعليم؛ فهم أساسيون لإعماله، وهم في الوقت نفسه أصحاب حقوق بصفتهم معلمين وعمالاً. واليوم لا يزال التوظيف في بلدان كثيرة متأخراً عن الطلب؛ إذ يقدر أن تحقيق تعميم الالتحاق بالتعليمين الابتدائي والثانوي بحلول عام 2030 يتطلب 44 مليون معلم إضافي، ثلثهم في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وليس نقص المعلمين تحدياً جديداً. فعند صياغة الأهداف الإنمائية للألفية، كان من المعترف به أن عدم كفاية أعداد المعلمين سيعوق التقدم نحو تعميم التعليم الابتدائي. ومنذ عام 2000 انخفضت نسب التلاميذ إلى المعلمين، أي عدد الطلاب لكل معلم في الفصل، في أنحاء العالم، غير أن تفاوتات كبيرة لا تزال قائمة، ولا سيما في المناطق النائية حيث تظل نسبة التلاميذ إلى المعلمين المدربين مرتفعة.
وتتنوع جذور هذا النقص. ففي بعض البلدان تكمن المشكلة في عدم كفاية التوظيف والتدريب بسبب نقص الموارد، وفي بلدان أخرى، ولا سيما كثير من البلدان المرتفعة الدخل، تتسم المهنة بمعدلات عالية من التسرب أو بضعف جاذبيتها.
ويعد فهم دوافع تسرب المعلمين أمراً ضرورياً. فوفقاً للتقرير العالمي لليونسكو بشأن المعلمين، يترك كثير من المعلمين التدريس في الفصول إلى مناصب أخرى في التعليم رغم انخفاض أجرها، مما يشير إلى أن الراتب وحده ليس العامل الحاسم. ويعزز تحليل تجميعي أجراه لي وياو (2022) هذه النتيجة، إذ وجد أن الضغط النفسي وعبء العمل والاحتراق الوظيفي ترتبط جميعها بنية المعلمين ترك المهنة، وأن الاحتراق الوظيفي هو أقوى المنبئات بها. ويبرز التقرير العالمي كذلك أن التنقل الإلزامي أو التعيين في مناطق نائية أو معزولة قد يؤثر في النساء تأثيراً غير متناسب، إذ كثيراً ما ترتبط هذه التعيينات بسكن غير ملائم وظروف عمل غير آمنة أو غير صحية، وقد تتعارض مع المسؤوليات الأسرية أو مسؤوليات الرعاية.
وقد رددت العملية التشاورية التي قامت عليها مبادرة اليونسكو بشأن تطور الحق في التعليم هذه المخاوف، مبرزة الضغط الواقع على الصحة النفسية للمعلمين ورفاههم في النظم المثقلة. وأشار أصحاب المصلحة إلى تدني الرواتب ومحدودية التطوير المهني وغياب الدعم المنهجي بوصفها عوامل رئيسية تقوض الدافعية والجودة معاً.
ولذلك يجب ألا يأتي توسيع المعروض من المعلمين على حساب الجودة. فقد أظهرت التجارب السابقة أن تقصير مدة التدريب أو الاعتماد على أفراد أو معلمين غير مؤهلين لسد الفجوات العاجلة يضر بنواتج التعلم. وبالمثل، يجب أن تحمي السياسات من هجرة العقول بين المعلمين في البلدان النامية من خلال برامج تدريب قوية وفرص وظروف عمل ملائمة.
وينشأ جزء من الضغط والانزعاج اللذين يواجههما المعلمون اليوم عن تزايد العزلة وعدم كفاية الدعم والمتطلبات المتزايدة على المهنة في خضم التغير السريع. غير أن التدريس لم يعد يُنظر إليه على أنه مجرد نقل للمعارف والمهارات، بل على أنه مهنة تعاونية وعلائقية في جوهرها. ويتخذ هذا التعاون شكلين رئيسيين. أولهما بين المعلم والمتعلم، إذ ييسر المعلم التعلم ويوجهه مستفيداً من تجارب المتعلم وفضوله واستقصائه، بما ينمي مهارات حل المشكلات التي تتجاوز الحفظ والتلقين. وهذه الرابطة العلائقية، كما أعاد توافق سانتياغو (2025) تأكيده، جزء من تراثنا التعليمي المشترك ويجب رعايتها وصونها حتى مع تطور التكنولوجيات. وثانيهما تعاون يمتد إلى ما وراء الفصل، إذ يعمل المعلمون جنباً إلى جنب مع زملائهم وأولياء الأمور والمجتمعات المحلية وغيرهم من أصحاب المصلحة لتهيئة بيئات تعلم شاملة تستجيب لنقاط القوة والاحتياجات المتنوعة. ومن ثم فإن تعزيز هذه الأبعاد التعاونية والعلائقية ضروري لا لتحسين نواتج التعليم والتعلم فحسب، بل لتعزيز المكانة المهنية للمعلمين ودافعيتهم ورفاههم أيضاً.
وكثيراً ما يفرض التعليم والتعلم الشاملان متطلبات إضافية على المعلمين، المرهقين أصلاً في كثير من الأحيان بسبب كبر أعداد الطلاب في الفصول. فالفصول الدراسية اليوم أكثر تنوعاً من أي وقت مضى، لا بسبب تزايد الاهتمام بإدماج المتعلمين ذوي الإعاقة في البيئات الدراسية العادية حيثما أمكن فحسب، بل أيضاً بسبب التنوع اللغوي والثقافي المتزايد الناجم عن تنامي التنقل البشري. ولذلك من الضروري أن يدعم التعليم الشامل إعداد كافٍ للمعلمين. إذ يجب أن يحصل جميع المعلمين والعاملين في التعليم على التعليم والتدريب اللازمين لتهيئة بيئات تعلم ميسرة وشاملة وداعمة للجميع. وفي هذا السياق، أكد توافق سانتياغو (2025) الحاجة إلى تعزيز قدرات العاملين في التدريس ودعمها للإسهام بفاعلية في الحوار الاجتماعي والدفاع عن نظم تعليمية عادلة وشاملة.
فضلاً عن ذلك، يشعر كثير من المعلمين بأنهم غير مستعدين على نحو متزايد للتعامل مع الرقمنة المتنامية للتعليم، بسبب نقص التدريب والدعم في الغالب. وقد اتضح ذلك بجلاء خلال جائحة كوفيد 19، حين طُلب من المعلمين فجأة الانتقال إلى التعلم عبر الإنترنت والتعلم عن بعد استجابة لإغلاق المدارس على نطاق واسع، بينما افتقر كثيرون منهم إلى المهارات الرقمية اللازمة لذلك. وكما أبرز تقرير اليونسكو بشأن الذكاء الاصطناعي والتعليم (2025)، من الضروري تزويد المعلمين بالكفاءات الرقمية من خلال التدريب قبل الخدمة وأثناءها، بما يمكنهم من الإفادة من الثورة الرقمية مع ضمان أن يكون استخدام التكنولوجيا متسقاً مع حقوق الإنسان. وبالمثل، تؤكد فرقة العمل الدولية المعنية بالمعلمين من أجل التعليم حتى عام 2030 (2025) ضرورة تمكين المعلمين من استخدام الذكاء الاصطناعي بطرق تدعم استقلاليتهم المهنية، والاستفادة من تكنولوجيا تخفف أعباء عملهم. وإضافة إلى ذلك، وكما أوصى توافق سانتياغو، يستطيع المعلمون بكفاءات رقمية وكفاءات في الذكاء الاصطناعي أقوى أن يشاركوا في إنشاء التكنولوجيات التعليمية ويستخدموها بفاعلية لإثراء الجانبين العلائقي والوجداني للتعلم، مع الحفاظ على إبداع المعلمين وكفاءاتهم الأساسية ومعارفهم التربوية. وفي الوقت نفسه، يجب حماية النهج المتمحور حول الإنسان في التعليم والتعلم حماية صارمة للحفاظ على الجودة، وضمان أن يظل التعليم علائقياً ومتعاطفاً ومستجيباً للاحتياجات المتنوعة لجميع المتعلمين في عالم تتزايد رقمنته.
ومن السبل الممكنة لمعالجة نقص المعلمين وتحسين المساواة بين الجنسين داخل التعليم وخارجه تشجيع مزيد من الرجال على الانضمام إلى القوى العاملة في التدريس. فعلى الصعيد العالمي، تمثل النساء تمثيلاً زائداً بدرجة كبيرة في التدريس، ولا سيما في المستويات الدنيا؛ إذ يشكلن 94% من القوى العاملة في التعليم قبل الابتدائي. غير أن أعدادهن تتضاءل في مستويات التعليم العالي لتصل إلى 43%، وكثيراً ما يكن ممثلات تمثيلاً ناقصاً في المناصب القيادية. ويمكن لزيادة التنوع في القوى العاملة التدريسية والسعي إلى المساواة في مختلف مستويات التعليم وفي القيادة أن يؤديا دوراً مهماً في القضاء على الصور النمطية الجنسانية. وفي هذا الصدد، يبرز توافق سانتياغو (2025) أن بناء قوى عاملة تدريسية شاملة تعكس تنوع المجتمعات التي تخدمها أمر حيوي كذلك لمعالجة العوائق الخفية في الغالب التي تثني فئات معينة عن اختيار مهنة التدريس. فضلاً عن ذلك، يعود التنوع في مهنة التدريس بالنفع المباشر على المتعلمين؛ إذ يميل الطلاب المنتمون إلى فئات ممثلة تمثيلاً ناقصاً إلى تحقيق نواتج تعلم أفضل وانخراط أقوى حين يدرسهم معلمون يشاركونهم خلفياتهم الإثنية أو العرقية أو اللغوية أو الثقافية.
مراجعة الإطار المعياري الدولي الخاص بالمعلمين
تشكل توصية منظمة العمل الدولية واليونسكو بشأن أوضاع المعلمين (1966) وتوصية اليونسكو بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي (1997) معاً الإطار المعياري الدولي الأشمل لحقوق المعلمين ومسؤولياتهم. وتضع هاتان التوصيتان معايير للتدريب الأولي والتطوير المهني المستمر والظروف الأوسع لمهنة التدريس.
غير أن هذين الإطارين يقصران عن معالجة الدور المتطور والتوقعات المفروضة على المعلمين في المشهد التعليمي الراهن. فكما أكد التقرير النهائي للدورة الخامسة عشرة للجنة الخبراء المشتركة بين منظمة العمل الدولية واليونسكو المعنية بتطبيق التوصيات الخاصة بهيئات التدريس، يُتوقع من المعلمين على نحو متزايد أن يتجاوزوا وظيفتهم التقليدية بوصفهم خبراء في المادة الدراسية ليضطلعوا بأدوار متمحورة حول المتعلم بوصفهم ميسرين وموجهين. ويبرز هذا التحول كذلك في تحليل أوليفييه ليانغ للفريق الرفيع المستوى المعني بمهنة التدريس (2025)، الذي يدعو إلى استثمار مستدام في تدريب المعلمين وإرشادهم ودعمهم المهني لضمان الجودة والدافعية. وتبرز لجنة الخبراء والفريق كلاهما أن التكنولوجيا محرك رئيسي للتغيير في مهنة التدريس، لكنهما يؤكدان أن الأدوات الرقمية لا ينبغي أن تحل محل المعلمين، بل أن تمكّنهم من توجيه متعلميهم في سعيهم إلى تعلم فضولي ونقدي ومبدع ومستمر مدى الحياة.
ويجب أن تمتد ظروف عمل المعلمين إلى ما هو أبعد بكثير من الراتب الأساسي. فينبغي أن تشمل ترتيبات تعاقدية مستقرة، وبيئة عمل آمنة وصحية، ونسباً معقولة للطلاب إلى المعلمين، وهياكل دعم لإدارة السلوك الصعب للطلاب، وعبء عمل متوازناً، وسكناً آمناً وميسور التكلفة وملائماً، وفرص تدريب وتطوير مهني ملائمة وعالية الجودة ومتاحة، ووصولاً منصفاً إلى التكنولوجيا والموارد الأخرى، وحماية اجتماعية ومعاشات تقاعدية كافية، وترتيبات لوقت العمل، بما في ذلك المهام التي تتجاوز التدريس في الفصل كإعداد الدروس والتصحيح والالتزامات خارج الفصل مع الطلاب وأولياء الأمور، تتيح قسطاً كافياً من الراحة وتوازناً بين العمل والحياة. وتمثل هذه القائمة من الظروف توسيعاً كبيراً لشروط الأجر والمزايا الواردة في توصية عام 1966.
ويواجه العاملون في التعليم العالي تحديات مماثلة. فمنذ اعتماد توصية عام 1997 بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي، شهد مشهد التعليم العالي تحولاً كبيراً. فقد أعاد توسع التكنولوجيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي ونظم التعلم المفتوح والتعلم عن بعد والتعلم المدمج، تشكيل طرق التدريس والبحث والإدارة المؤسسية، جالباً معه فرصاً وتحديات. وفي الوقت نفسه، أثرت التحولات المجتمعية الأوسع، بما فيها تعمق أوجه عدم المساواة والتغيرات الديموغرافية وتزايد التنقل والنزوح، في السياق الذي يعمل فيه التعليم العالي. ومن التطورات الأخرى انتشار مقدمي التعليم الخاصين في سياقات لا تزال فيها الأطر المعيارية لتنظيمهم غير كافية.
وفي هذا السياق المتطور، لا يزال العاملون الأكاديميون يواجهون أوجه عدم مساواة مستمرة بين الجنسين، ولا سيما في الوصول إلى المناصب القيادية، وفي مجالات دراسية معينة كالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والتعليم والتدريب التقني والمهني، وفي الأجر العادل. كما برزت تحديات جديدة في مجالات مثل الحرية الأكاديمية، والاستقلالية المؤسسية، وإدارة الارتفاع في معدلات الالتحاق، وتوسيع العروض الأكاديمية، والتكيف مع أنماط التدريس الجديدة، والتدويل المتنامي لمؤسسات التعليم العالي.
ومن المخاوف الناشئة كذلك الحاجة إلى دعم مالي كافٍ للطلاب الساعين إلى مهن التدريس، والاعتراف بالمسارات المتنوعة لدخول المهنة الأكاديمية، وتوفير فرص التقدم الوظيفي والتدريب التربوي لاجتذاب العاملين والاحتفاظ بهم. وإضافة إلى ذلك، تتعالى الدعوات إلى أن تعترف أنظمة التقييم الأكاديمي اعترافاً كافياً بأهمية التدريس إلى جانب البحث والانخراط المجتمعي، بما يضمن تقدير جميع جوانب العمل الأكاديمي ودعمها.
وفي ضوء هذه التطورات، بات واضحاً أنه مع بقاء المبادئ الواردة في توصية عام 1997 وثيقة الصلة إلى حد كبير، فإن الحقائق المتطورة لمشهد التعليم العالي بحاجة إلى أن تؤخذ في الحسبان.
ومع تحول نهج التعلم مدى الحياة إلى عنصر محوري في الحق في التعليم، يجب كذلك الاعتراف بحقوق المربين في التعليم غير النظامي ومربي الطفولة المبكرة. فهؤلاء العاملون كثيراً ما يفتقرون إلى أجور وظروف عمل ملائمة، ويظلون خارج الأطر التقليدية لحقوق المعلمين. وبالمثل، يؤدي العاملون من غير هيئات التدريس في المؤسسات التعليمية، من الموظفين الإداريين إلى أمناء المكتبات والمرشدين وعمال الخدمات، دوراً حيوياً في ضمان بيئات تعلم آمنة وشاملة، ويجب صون حقوقهم لضمان رضاهم الوظيفي واستبقائهم ورفاههم العام داخل النظام التعليمي.
