القائمة الرئيسية

الحق في التعليم: الماضي والحاضر والتوجهات المستقبلية (3/1)

الحق في التعليم: الماضي والحاضر والتوجهات المستقبلية (3/1)
ملخص الدراسة

شهد القرن الحادي والعشرون تقدماً ملموساً في إعمال الحق في التعليم، حيث اتسع نطاقه ليشمل الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم الثانوي المجاني والإلزامي، وشهد التعليم العالي توسعاً كبيراً، وإن ظل يعاني من تفاوتات. وقد تحول التركيز من مجرد تعميم الوصول إلى الاهتمام العميق بجودة التعليم ونواتج التعلم، مما استدعى تقييمات وطنية ودولية لمعالجة "أزمة التعلم". كما تطورت أهداف التعليم لتشمل التنمية الشاملة للشخصية، وتعزيز المواطنة العالمية والاستدامة، مع تركيز متزايد على سعادة المتعلمين ورفاههم، وبروز التعليم الشامل والمساواة بين الجنسين وحقوق الأقليات والتعليم المتعدد اللغات كمبادئ أساسية. وترسخ مفهوم "التعلم مدى الحياة" ليشمل جميع الأعمار وأشكال التعلم غير التقليدية، مع تراجع ملحوظ في عوائق مثل زواج الأطفال وعمل الأطفال. ومع هذه المنجزات، لا تزال تحديات كبيرة قائمة، أبرزها ارتفاع عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس، والعجز العالمي في تمويل التعليم وتأثير أعباء الديون، مما يستدعي تعبئة موارد أكبر وأكثر إنصافاً لضمان حق التعليم للجميع مدى الحياة.

القسم الأول: الحق في التعليم، التقدم والاختناقات والتوجهات المستقبلية في القرن الحادي والعشرين

كثيراً ما تنحصر النقاشات حول حقوق الإنسان في الانتهاكات وأوجه القصور، فترسم صورة لتقدم بطيء أو غير مؤكد، وكأن كل خطوة إلى الأمام تقابلها خطوتان إلى الوراء. ومع أن الاعتراف بهذه التحديات ضروري لدفع عجلة التحسين، فإن هذه الزاوية في النظر قد تحجب المكاسب الملحوظة التي تحققت بفضل الجهود الجماعية للمنظمات الدولية والمجتمع المدني والمدافعين الأفراد، والدول نفسها قبل كل شيء.

ويسعى هذا القسم إلى استعادة هذا التوازن من خلال وصف بعض المكاسب الملموسة التي تحققت في مجال الحق في التعليم حتى الآن في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك اعتماد صكوك واتفاقات دولية جديدة، والتحسينات التي شهدتها الممارسات على المستوى القطري، والتي تتجلى في تقدم الأطر القانونية الوطنية وفي البيانات الإحصائية العالمية التي تبرهن على مكاسب التنفيذ.

أولاً: تعميم التعليم المدرسي وتوسيعه

عند صياغة المعاهدات الدولية الكبرى المتعلقة بالحق في التعليم، انصب اهتمام المشرعين الدوليين أساساً على التعليم المدرسي النظامي وتعميمه. فقد أكدت صكوك مثل اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن التعليم الابتدائي ينبغي أن يكون مجانياً وإلزامياً، وأن التعليم الثانوي ينبغي أن يكون متاحاً بصورة عامة وفي متناول الجميع ومجانياً بصورة تدريجية، وأن للوالدين حرية اختيار تعليم أبنائهم وفقاً لقناعاتهم. وقد أُعيد تأكيد هذه المعايير عند صياغة اتفاقية حقوق الطفل.

ومع مرور الوقت، انتقل التركيز في الصكوك غير الملزمة من مجرد تعميم التعليم الابتدائي إلى ضمان الوصول المتكافئ والشامل إلى جميع مستويات التعليم المدرسي. وشهدت الستينيات نمواً ملحوظاً في معدلات الالتحاق بجميع مستويات التعليم بما فيها التعليم قبل الابتدائي، واستمر هذا الاتجاه خلال السبعينيات ومطلع الثمانينيات. كما ارتفع الإنفاق العالمي على التعليم خلال هذه الفترة من 3.6% من الناتج القومي الإجمالي إلى 5.7% بحلول عام 1981. وأدخل الإعلان العالمي بشأن التعليم للجميع (1990) مفهوم "احتياجات التعلم الأساسية"، فوسع الرؤية وأقر بأن التعلم يبدأ منذ الولادة.

واستمر هذا المسار مع حلول الألفية الجديدة. فبينما ركز الهدف الثاني من الأهداف الإنمائية للألفية تركيزاً ضيقاً على تحقيق تعميم التعليم الابتدائي، وركز الهدف الثالث على القضاء على التفاوت بين الجنسين في جميع مستويات التعليم، أعاد إطار عمل داكار (2000) تأكيد الالتزام الأوسع بتلبية احتياجات التعلم الأساسية من خلال أهداف أدق وأكثر شمولاً. فقد أولى اهتماماً أكبر لضمان حصول جميع الأطفال، ولا سيما الفتيات والأطفال في الظروف الصعبة والمنتمون إلى أقليات إثنية، على تعليم ابتدائي مجاني وإلزامي عالي الجودة وإتمامه. وظل القضاء على الفوارق بين الجنسين واستئصال الأمية في صدارة الأولويات، في حين باتت حدود الهدف التبسيطي المتمثل في تعميم التعليم الابتدائي واضحة على نحو متزايد.

وقد أرسى هذا الفهم المتطور للحق في التعليم الأساس لاعتماد أهداف التنمية المستدامة عام 2015، التي شكلت نقلة نوعية بتأكيدها أن الحق في التعليم يشمل استحقاقات واضحة قبل التعليم الابتدائي بزمن طويل وبعده. كما تعترف هذه الأهداف بقيمة التعليم بوصفه محفزاً لتحقيق التقدم في خطة التنمية المستدامة بأكملها. وقد تحقق هذا التحول الواضح، من التركيز الضيق على التعليم الابتدائي إلى الاعتراف بالحق في الوصول إلى التعليم النظامي وإتمامه من مرحلة ما قبل الابتدائي حتى نهاية المرحلة الثانوية العليا، بفضل اقتراب التعليم الابتدائي من الشمول التام في معظم أنحاء العالم.

وتجسيداً للالتزام العالمي بالتعليم المجاني والإلزامي، أدرج عدد متزايد من البلدان في أطرها القانونية الحق في اثنتي عشرة سنة على الأقل من التعليم المجاني، وتسع سنوات على الأقل من التعليم الإلزامي في المرحلتين الابتدائية والثانوية، انسجاماً مع غايات الهدف الرابع. وقد شهدت الأحكام المتعلقة بالتعليم المجاني والإلزامي ارتفاعاً مطرداً على الصعيد العالمي منذ عام 2000. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الزيادة الأكثر حدة المسجلة بين عامي 2000 و2015 تعزى جزئياً إلى تزايد عدد البلدان التي تقدم بياناتها إلى معهد اليونسكو للإحصاء خلال تلك الفترة.

الإطار 1: تقنين الهند للتعليم الأساسي المجاني والإلزامي

قننت الهند الحق في التعليم المجاني والإلزامي عام 2009 بموجب قانون حق الأطفال في التعليم المجاني والإلزامي لعام 2009. وقد منح هذا القانون، الذي يسري على كامل التراب الهندي، كل طفل يتراوح عمره بين ست سنوات وأربع عشرة سنة الحق في تعليم مجاني وإلزامي في مدرسة قريبة من مسكنه حتى إتمام التعليم الأساسي. وكان معدل إتمام التعليم الابتدائي عام 2006 يبلغ 78.46% (82.34% للذكور و74.50% للإناث)، في حين بلغ عام 2019، وهي أحدث البيانات المتاحة لدى معهد اليونسكو للإحصاء، 94.15% (93.89% للذكور و94.43% للإناث). ومن اللافت أن هذه المكاسب انعكست لاحقاً على المرحلتين الثانوية الدنيا والعليا، مما يبين أن إتمام التعليم الابتدائي مهد الطريق لإتمام المراحل الأعلى.

وقد شهدت معدلات الالتحاق الصافية بالتعليم المدرسي تقدماً متعثراً منذ عام 2000، إذ ظلت معدلات الالتحاق في كل مستوى، من مرحلة ما قبل الابتدائي حتى المرحلة الثانوية العليا، ثابتة أو تراجعت بين عامي 2000 و2023.

وعلى الرغم من ركود التقدم على الصعيد العالمي، شهدت بعض المناطق مكاسب هائلة في نسبة السكان الذين يلتحقون بالمدارس ويتمون تعليمهم فيها. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على سبيل المثال، قفز معدل الالتحاق الإجمالي من 79% عام 2000 إلى 97% عام 2024 في المرحلة الابتدائية، ومن 25% عام 2000 إلى 46% عام 2020 في المرحلة الثانوية الدنيا.

كما تحسنت معدلات إتمام المرحلة الابتدائية؛ فعلى الصعيد العالمي، كان 77% من الأطفال يتمون التعليم الابتدائي عام 2000، مقارنة بنسبة 88% عام 2024.

غير أن المخاوف تتزايد بشأن عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس. فعلى الرغم من التراجع المؤكد في معدلات الأطفال خارج المدرسة منذ عام 2000، والذي يرجع إلى حد كبير إلى الالتزام السياسي العالمي القوي بتعميم التعليم الابتدائي واستجابة البلدان المنخفضة الدخل بإلغاء رسوم الدراسة الابتدائية، فإن البيانات الحديثة تكشف عن انتكاسة في هذا التقدم. ففي عام 2023 عُدّل تقدير عدد السكان غير الملتحقين بالمدارس على الصعيد العالمي إلى 272 مليوناً، منهم 78 مليون طفل في سن التعليم الابتدائي. ويتجاوز هذا الرقم العدد المسجل عام 2015، مما يشير إلى اتجاه تصاعدي مقلق. ويعكس هذا التقدير المحدث تصحيحاً لنقص في الإحصاءات السابقة، ويعزى جزئياً إلى التقليل من تقدير أثر النزاعات والأزمات في التعليم.

الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة

تولّد خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية زخم كبير حول الاعتراف بحقوق ملموسة في مجال الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة وتعزيزها. فالحق في التعليم بات يُفسَّر رسمياً على أنه يبدأ منذ الولادة، وتحظى الطفولة المبكرة باعتراف واسع بوصفها مرحلة نمو بالغة الأهمية يشهد فيها الأطفال أسرع نموهم وأكثره تأسيساً. ومع أن اتفاقية حقوق الطفل حددت حقوقاً خاصة بهذه المرحلة العمرية، فإنها تناولت أساساً الحق في الصحة، وتوفير التثقيف والدعم للوالدين ومقدمي الرعاية، والحصول على خدمات ومرافق رعاية الطفل الملائمة، والمساعدة الكافية في تنشئة الأطفال ونمائهم. غير أن هيئات معاهدات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مثل لجنة حقوق الطفل، فسرت مراراً الحق في التعليم قبل الابتدائي على أنه جزء ضمني من الحق في التعليم.

ومع مطلع الألفية، منح إطار عمل داكار أولوية أكبر لتوسيع الرعاية والتربية الشاملتين في مرحلة الطفولة المبكرة وتحسينهما. وشملت الأهداف التشغيلية لعام 2015 ضمان الوصول إلى التعليم قبل الابتدائي للأطفال ابتداءً من سن الثالثة بناءً على طلب الوالدين. وانعكس ذلك أيضاً في التقرير العالمي للتربية الصادر عن اليونسكو عام 2000 بعنوان "الحق في التعليم: نحو التعليم للجميع مدى الحياة"، الذي أكد أن الرعاية في الطفولة المبكرة والتعليم الأولي مكونان حاسمان في إعمال الحق في التعليم، يستهدفان احتياجات النمو والتعلم لدى الأطفال الصغار قبل التحاقهم بالتعليم المدرسي النظامي.

وفي عام 2010، نظمت اليونسكو أول مؤتمر عالمي مخصص للرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة في موسكو، فمنحت الطفولة المبكرة حضوراً أكبر ومهدت الطريق لإدراجها في أهداف التنمية المستدامة بعد بضع سنوات. وعند اعتماد الهدف الرابع عام 2015، التزمت الدول بضمان سنة واحدة على الأقل من التعليم قبل الابتدائي المجاني والإلزامي، إلى جانب إتاحة النماء والرعاية الجيدين في مرحلة الطفولة المبكرة. وشكل هذا الالتزام نقطة تحول، إذ أقر بأن هذه المرحلة ضرورية لتحقيق تكافؤ الفرص وإعداد الأطفال للنجاح في التعليم الابتدائي.

وتعزز هذا الزخم عام 2022 في المؤتمر العالمي الثاني للرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة، الذي اعتُمد فيه إعلان طشقند. وقد أعاد الإعلان تأكيد حق كل طفل صغير في الحصول على رعاية وتربية جيدتين في مرحلة الطفولة المبكرة منذ الولادة حتى سن الثامنة. وإلى جانب تعزيز الرعاية والتربية المنصفتين والشاملتين لجميع الأطفال، ولا سيما المنتمين إلى الفئات الهشة والمهمشة، أولى الإعلان اهتماماً كبيراً لإضفاء الطابع المهني على العاملين في هذا المجال وتدريبهم ومنحهم أجوراً عادلة. واستحضاراً لإعلان إنشيون، أعاد الإعلان تأكيد الالتزام العالمي بضمان سنة واحدة على الأقل من التعليم قبل الابتدائي الجيد والمجاني والإلزامي لكل طفل، ودعا الدول إلى السعي لتخصيص 10% على الأقل من ميزانيات التعليم الوطنية للتعليم قبل الابتدائي.

الإطار 2: إرساء غانا ضمانات قانونية لسنتين من رياض الأطفال المجانية والإلزامية

وسعت غانا التعليم الأساسي ليشمل سنتين من التعليم المجاني والإلزامي في رياض الأطفال عام 2008، بموجب قانون التعليم لعام 2008. وكانت البلاد سباقة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في توفير التعليم قبل الابتدائي، وحققت نجاحاً ملحوظاً؛ إذ بلغ معدل الالتحاق الصافي بالتعليم قبل الابتدائي 51.65% عام 2007، ثم قفز إلى 75% بحلول عام 2021.

ومن المهم الإشارة إلى أن تطبيق سنتين من التعليم قبل الابتدائي المجاني والإلزامي لم يخل من تحديات تتعلق بالقوى العاملة. ففي عام 2009 ارتفعت نسبة التلاميذ إلى المعلمين المدربين ارتفاعاً حاداً لتبلغ 155 تلميذاً لكل معلم. ومع أن هذه النسبة تحسنت لتصل إلى 47 تلميذاً لكل معلم بحلول عام 2021، فلا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الجهود لضمان تأهيل جميع مربي مرحلة ما قبل الابتدائي وتدريبهم على النحو الكافي لتقديم تعلم مبكر جيد.

التعليم الثانوي

تنص المعاهدات المعتمدة في القرن الماضي على الإعمال التدريجي للتعليم الثانوي، وذلك في المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل. غير أن لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أوضحت صراحة منذ وقت مبكر، عام 1990، أن الإعمال التدريجي لا ينبغي أن يُفهم خطأً على أنه يجرد الالتزام من كل مضمون ذي معنى. بل أكدت اللجنة على العكس من ذلك أن الدول ملزمة بالمضي بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر من الفاعلية. ومن اللافت أن إطار عمل داكار لعام 2000 لم يحدد هدفاً خاصاً بتوسيع التعليم الثانوي، وهو إغفال يعكس استناد الإطار إلى الصكوك القانونية الدولية التي تشترط أن يكون التعليم الثانوي متاحاً وفي متناول الجميع ومجانياً بصورة تدريجية، لا مجانياً وإلزامياً بصورة شاملة. وجاء التحول الكبير بعد خمسة عشر عاماً مع اعتماد إطار العمل الخاص بالتعليم حتى عام 2030 في 2015، إذ تُلزم الغاية 4.1 من أهداف التنمية المستدامة الدول بضمان أن يتم جميع الفتيات والفتيان تعليماً ابتدائياً وثانوياً مجانياً ومنصفاً وجيداً يفضي إلى نتائج تعليمية ملائمة وفعالة. وتضع هذه الغاية فعلياً جدولاً زمنياً مدته خمس عشرة سنة لتحقيق ما لا يقل عن اثنتي عشرة سنة من التعليم المجاني الممول من المال العام، الشامل والمنصف والجيد، تكون تسع سنوات منها على الأقل إلزامية.

وبات الاعتراف بالتعليم الثانوي المجاني والإلزامي يُفهم اليوم على نطاق واسع بوصفه مكوناً أساسياً من مكونات الحق الأوسع في التعليم. فالتعليم الثانوي يمثل جسراً إلى التعليم العالي أو المسارات المهنية، وكثيراً ما يكون الحد الأدنى من المؤهلات اللازمة لدخول سوق العمل. ولكي يحقق الأطفال كامل إمكاناتهم، ولكي يحقق التعليم غايته المتمثلة في التوجه نحو التنمية الكاملة لشخصية الإنسان، لا يمكن منطقياً أن ينتهي التعليم عند المرحلة الابتدائية. فضلاً عن ذلك، فإن النمو الاقتصادي الكبير الذي تحقق منذ صياغة المعاهدات الدولية الكبرى المتعلقة بالتعليم يجعل ضمان التعليم الثانوي المجاني والإلزامي أيسر منالاً من أي وقت مضى.

كما أن الطابع الإلزامي للتعليم الثانوي بالغ الأهمية لمواءمة أطر التعليم مع معايير العمل الدولية. فمواءمة نهاية التعليم الإلزامي مع الحد الأدنى لسن العمل بموجب اتفاقيات منظمة العمل الدولية تسهم في سد ثغرة قانونية قد تترك الأطفال في وضع هش. فمن دون هذه المواءمة، قد يجد الأطفال أنفسهم لا في المدرسة ولا في سن يسمح لهم قانوناً بالعمل، وهو وضع يزيد من خطر عمل الأطفال واستغلالهم، ويتعارض مع معايير حقوق الطفل المعترف بها دولياً.

التعليم العالي

شهد التعليم العالي تحولاً عميقاً في العقود الأخيرة؛ إذ تضاعف معدل الالتحاق الإجمالي على الصعيد العالمي بأكثر من مرتين بين عامي 2000 و2023، مرتفعاً من 19% إلى 43%. وقد كان هذا التوسع، الذي كثيراً ما يوصف بأنه "تعميم" التعليم العالي، مدفوعاً بتحسن الانتقال عبر المرحلتين الابتدائية والثانوية، وزيادة الالتحاق في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وارتفاع مشاركة النساء.

وعلى الرغم من هذا النمو اللافت، لا تزال هناك تفاوتات كبيرة بين المناطق وفئات الدخل. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على سبيل المثال، تضاعف الالتحاق تقريباً، لكنه لا يزال أدنى بكثير من مستوياته في أوروبا وأمريكا الشمالية. ولا تزال الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً تقليدياً تعاني من انخفاض معدلات الإتمام، وتمركزها في مؤسسات أقل مكانة، وضعف نتائجها الأكاديمية، وتدني فرصها في سوق العمل. ويظل التعليم العالي قطاعاً يتسم بعدم مساواة عميق.

فضلاً عن ذلك، لم تواكب الزيادة في الالتحاق بالتعليم العالي تمويلٌ كافٍ، وهو ما قد يفضي إلى انتشار مؤسسات خاصة باهظة الرسوم لا تقدم دائماً تعليماً جيداً ومؤهلات معترفاً بها.

وتستمر الفوارق كذلك بين الجنسين. ففي عام 2025، فاق عدد النساء الدارسات في التعليم العالي عدد الرجال في المتوسط على الصعيد العالمي، بواقع 113 امرأة ملتحقة بالتعليم العالي مقابل كل 100 رجل. وبصرف النظر عن هذه الإحصاءات، فإن استمرار العوائق القائمة على النوع الاجتماعي، مثل نقص تمثيل المرأة في المناصب القيادية وفي مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والخطر المستمر للتحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي في الحرم الجامعية، يبين أن المساواة في الوصول لا تعني بعد المساواة في الفرص.

وخلافاً لمستويات التعليم الأخرى، لم يُعدّ التعليم العالي تاريخياً مفتوحاً للجميع بصورة شاملة. بل تشترط الصكوك الدولية أن يكون متاحاً للجميع على قدم المساواة على أساس القدرة، ولا سيما من خلال الأخذ التدريجي بمجانية التعليم. ومن ثم، فإن التوسع الهائل في المشاركة في التعليم العالي الذي شهده القرن الحادي والعشرون يطرح تساؤلات حول حدود الحقوق في هذا المستوى اليوم: إلى من ينبغي أن يمتد التعليم العالي، وكيف ينبغي للدول أن تفي بالتزامها بضمان مجانيته التدريجية؟

وقد بُحثت هذه المسائل خلال المشاورات التي قامت عليها مبادرة تطور الحق في التعليم. واسترشاداً بمبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص، تدعو المبادرة إلى الحق في تعليم عالٍ ميسور التكلفة، على الأقل في السياقات التي يتعذر فيها توفيره مجاناً بالكامل. ويمكن تحقيق القدرة على تحمل التكاليف من خلال مزيج من الرسوم الدراسية المنخفضة، والمنح الدراسية القائمة على الحاجة، وأنظمة القروض المرتبطة بالدخل، وهي آليات تسهم مجتمعة في سد الفجوة بين جودة التعليم وإمكانية تحمل كلفته. ومن الخيارات الأخرى البدء بالمجانية الموجهة للرسوم الدراسية بهدف الوصول إلى أكثر الطلاب هشاشة، بدلاً من تقديم الدعم لجميع الطلاب بصرف النظر عن دخل أسرهم. وبينما تتجه الرسوم الدراسية فعلياً إلى الارتفاع في كثير من البلدان، فمن الضروري أن يظل التعليم العالي في متناول أكثر الفئات تهميشاً تفادياً لترسيخ أوجه عدم المساواة المجتمعية.

كما تطور مفهوما "القدرة" و"الجدارة" في الوصول إلى التعليم العالي. فالصكوك الدولية التأسيسية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) واتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم (1960) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، أطّرت الوصول تقليدياً من زاوية الجدارة أو القدرة الأكاديمية. غير أن أوجه عدم المساواة البنيوية، بما فيها التفاوت في الحصول على تعليم مبكر جيد، والتمييز الممنهج، والفوارق في رأس المال الثقافي، طالما شوهت هذه التقييمات.

واستجابة لذلك، تدعو التفسيرات المعاصرة على نحو متزايد إلى فهم أكثر شمولاً ومراعاة للسياق لمفهوم الجدارة. فقد أعادت اللجنة التوجيهية للهدف الرابع والتعليم حتى عام 2030 تعريف الجدارة عام 2020 بأنها "إمكانية النجاح"، مقدمة مفهوم "الجدارة في سياقها". ويدعم هذا النهج آليات قبول متنوعة تعترف بالتحديات المختلفة التي يواجهها الطلاب. وانسجاماً مع هذا التفكير، ينبغي فهم مفهوم القدرة بطريقة استشرافية تولي أهمية أكبر لإمكانات الطلاب بدلاً من الاقتصار على سجلهم الأكاديمي. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى الطلاب المنحدرين من خلفيات محرومة، ممن يملكون رأس مال أسرياً واجتماعياً وثقافياً محدوداً، والذين يواجهون عوائق كبيرة أمام المشاركة والنجاح في التعليم العالي حين تعكس ممارسات القبول ومعايير الجدارة أوجه عدم المساواة البنيوية. واليوم يتجاوز الاهتمام مجرد إلحاق الفئات المهمشة بالتعليم العالي إلى ضمان مثابرتها وإتمامها وانتقالها إلى سوق العمل. ومن التدابير الشاملة الفعالة في هذا الصدد إتاحة برامج الدعم الأكاديمي والإرشاد، والمناهج الخالية من التحيز، والمرونة في نقل المقررات، والمبادرات الرامية إلى تعزيز الاندماج الاجتماعي ورفاه الطلاب. فالنجاح لم يعد يقاس بالوصول وحده، بل بالنماء الشامل للطلاب واستعدادهم للعمل ونتائجهم بعد التخرج.

وفي عام 2015، التزمت البلدان بالغاية 4.3 من أهداف التنمية المستدامة التي تنص على ضمان تكافؤ فرص جميع النساء والرجال في الحصول على التعليم التقني والمهني والتعليم العالي الجيد والميسور التكلفة، بما في ذلك التعليم الجامعي، بحلول عام 2030. ويعكس الإدراج الصريح لعبارة "النساء والرجال" الأهمية التي تولى اليوم للمساواة بين الجنسين في التعليم العالي، مع ملاحظة أن الفهم المعاصر للنوع الاجتماعي قد يتجاوز هذه الثنائية. ومن المشجع أن الالتحاق العالمي للإناث تضاعف بأكثر من مرتين بين عامي 2000 و2025. غير أن النساء لا يزلن ممثلات تمثيلاً ناقصاً في المناصب القيادية وفي مجالات مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهي تخصصات ترتبط في الغالب بإمكانات دخل أعلى وفرص مهنية أوسع، مما يبين أن ثمة عملاً لا يزال مطلوباً لتحقيق تكافؤ الفرص بين النساء والرجال.

وأخيراً، فإن الإشارة إلى التعليم والتدريب التقني والمهني العالي بوصفه غاية صريحة من غايات التنمية المستدامة تبرز تصوراً واسعاً للتعليم العالي، لا يقتصر على التعليم المقدم في الجامعات، بل يشمل كذلك التعليم والتدريب اللذين يفضيان مباشرة إلى كثير من المهن ويتيحان فرصاً أوسع للشباب والكبار. كما أن النمو السريع لفرص التعلم بدوام جزئي والتعلم عبر الإنترنت والتعلم عن بعد يزيد من تنوع هذا القطاع، فيخلق فرصاً وتحديات جديدة أمام الوصول المنصف.

وقد بلغ عدد العمال المهاجرين نحو 167.7 مليوناً عام 2022، يمثلون 66% من المهاجرين الدوليين في سن العمل، وهو ما يترتب عليه آثار تتعلق بالتعليم والتدريب التقني والمهني والاعتراف بالمهارات. ومع أن هذا النوع من التعليم يحظى باعتراف واسع بوصفه محركاً رئيسياً لتحسين آفاق المهاجرين في سوق العمل، فإنهم لا يزالون يواجهون عقبات كبيرة في الحصول على تدريب جيد، ولا تزال مؤسسات كثيرة غير مهيأة بالقدر الكافي للاستجابة لاحتياجاتهم. فضلاً عن ذلك، تستمر أوجه عدم المساواة بين الجنسين، إذ تعاني النساء من نقص كبير في التمثيل في كثير من مجالات التعليم والتدريب التقني والمهني، ولا سيما في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات حيث لا تتجاوز نسبتهن 30% من الطلاب الملتحقين بها على الصعيد العالمي، وهو ما يحد من الفرص الفردية ومن المنافع الاجتماعية والاقتصادية الأوسع المرتبطة بالوظائف الناشئة والمستقبلية.

ثانياً: الجودة ونواتج التعلم

اتسم تطور الحق في التعليم خلال العقود الماضية بتحول لافت، من تركيز غالب على الوصول والتعميم إلى اهتمام متزايد بجودة التعليم. فمن المسلم به اليوم على نطاق واسع أن الوصول وحده لا يكفي، وأن الحق في التعليم يفقد معناه ما لم يكفل تجربة تعلم جيدة. ويمكن استخلاص الحق في تعليم جيد من الصياغة الأصلية لاتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم، التي تعرّف التعليم في الفقرة الثانية من مادتها الأولى بأنه يشمل جميع أنواع التعليم ومراحله، ويتضمن الوصول إلى التعليم ومستواه ونوعيته والظروف التي يقدم فيها. ويفرض هذا التأطير على الدول واجب وضع إطار موحد لمعايير الجودة يطبق على النظام التعليمي بأكمله وإنفاذه.

وبحلول عام 2000، كانت أهمية جودة التعليم قد ترسخت بالفعل في الالتزامات الدولية. فقد أبرزت خطة التعليم للجميع لعام 1990 الجودة بوصفها شاغلاً رئيسياً، وعزز إطار عمل داكار (2000) ذلك حين أكد التزام الدول بتوفير تعليم ابتدائي مجاني وإلزامي جيد لجميع الأطفال. ودعا الهدف السادس من إطار داكار البلدان إلى تحسين جميع جوانب جودة التعليم وضمان التميز بحيث يحقق الجميع نواتج تعلم معترفاً بها وقابلة للقياس، ولا سيما في القراءة والكتابة والحساب والمهارات الحياتية الأساسية.

غير أن مطلع الألفية الثالثة كشف أيضاً عن توتر مستمر بين تعميم التعليم الأساسي وضمان جودته. فبحلول عام 2005 ظهرت مخاوف من أن التركيز على الالتحاق بات يطغى على الاهتمام بنواتج التعلم. فقد وجهت الأهداف الإنمائية للألفية، بتركيزها على تعميم التعليم الابتدائي والقضاء على الفوارق في التعليمين الابتدائي والثانوي، الموارد السياسية والمالية نحو إلحاق الأطفال بالمدارس، دون اهتمام كافٍ في الغالب بجودة التعليم المقدم. ونتيجة لذلك، كان كثير من الأطفال يرتادون المدارس دون أن يكتسبوا المهارات الأساسية. ووائمت الجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية جهودها إلى حد كبير مع هدف الألفية المركز على الوصول، مما أسهم في إهمال واسع لاعتبارات الجودة.

ومع اعتماد أهداف التنمية المستدامة وإطار العمل الخاص بالتعليم حتى عام 2030 في 2015، أدرجت خطة التعليم العالمية أبعاد الجودة صراحة في الخطاب التعليمي. وشكل الهدف الرابع تحولاً جذرياً في المفاهيم، إذ ألزم المجتمع الدولي بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع، فوضع التعلم والإنصاف والجودة في صميم الالتزام التعليمي العالمي.

ومع أن النقاد رصدوا بعض المزالق، فإن من الطرق المهمة لقياس جودة التعليم رصد نواتج تعلم الطلاب، التي كثيراً ما تقاس بدرجات الاختبارات. وقد طبق عدد متزايد من البلدان خلال العقدين الماضيين تقييمات وطنية للتعلم تساعد على تتبع أداء الطلاب قياساً إلى معايير محددة وطنياً. ورافق هذا الاتجاه ارتفاع في المشاركة في التقييمات الدولية؛ فالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي أُجري لأول مرة عام 2000 بمشاركة 43 بلداً، اتسع ليشمل 81 بلداً بحلول عام 2022. وسُجل نمو مماثل في تقييمات الرابطة الدولية لتقييم التحصيل التربوي، ومنها دراسة الاتجاهات الدولية في الرياضيات والعلوم، ودراسة التقدم في مهارات القراءة على المستوى الدولي. ولم تكتف هذه التقييمات بتوسيع نطاقها العالمي، بل تطورت منهجياً كذلك من خلال إدماج الأدوات الرقمية، فباتت توفر بيانات طولية متزايدة الرصانة لرصد اتجاهات نواتج التعلم وجودة التعليم عموماً في أنحاء العالم.

وقد أسهم الاستخدام المتنامي لتقييمات التعلم في تنبيه المجتمع الدولي إلى ما كان يعرف حينئذ بأزمة التعلم الناشئة. فبحلول عام 2013 أصبح هذا المصطلح شائعاً في لغة اليونسكو والبنك الدولي، بعد أن اتضح أن زيادة الالتحاق وحدها لا تكفي؛ إذ قُدر أن 250 مليون طفل لا يجيدون القراءة أو الكتابة أو الحساب، سواء التحقوا بالمدرسة أم لم يلتحقوا. وأبرز هذا الإدراك الحاجة الملحة التي أكدها إعلان إنشيون وإطار العمل (2016) إلى ضمان تمكين المعلمين والمربين وتعيينهم على النحو الملائم وتدريبهم تدريباً جيداً وتأهيلهم مهنياً وتحفيزهم ودعمهم في إطار نظم جيدة الموارد وفعالة وحسنة الإدارة. كما يؤكد الحاجة إلى زيادة الاستثمار في المواد التعليمية الجيدة والفصول الدراسية والمناهج وتقييمات التعلم التي تمكن الحكومات من رصد نواتج التعلم ودفع عجلة التحسين. ومما يؤسف له أن جائحة كوفيد 19 وما رافقها من إغلاق واسع للمدارس أديا إلى خسائر تعلم أشد حدة، ولا سيما بين الأطفال الأكثر هشاشة، بمن فيهم الفتيات والفتيان في مناطق كثيرة، والطلاب المحرومون اجتماعياً واقتصادياً، وسكان المناطق الريفية.

ومن هذا المنطلق، عُقدت قمة تحويل التعليم للاستجابة لما وُصف بأنه أزمة عالمية في التعليم، أزمة إنصاف وإدماج وجودة وملاءمة. وفي بادرة أمل، أقرت الدول بأزمة التعلم المستمرة وتعهدت باتخاذ إجراءات ملموسة، شملت تطبيق التقييمات التشخيصية، وإعادة تأكيد الالتزام بالمعايير الدولية للتمويل المحلي، وتعزيز تدريب المعلمين وتطويرهم المهني بوصفهما من المحددات الرئيسية لجودة التعلم.

إعادة تعريف أهداف التعليم

تحدد الأطر المعيارية الدولية المتعلقة بالحق في التعليم أهداف التعليم بوضوح؛ فالتعليم ينبغي أن يوجه نحو التنمية الكاملة لشخصية الإنسان، وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة، وتنمية احترام البيئة الطبيعية. ومع أن هذه الأهداف ظلت ثابتة، فإن السياق العالمي قد تغير. فتصاعد أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وتغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتدهور البيئي، والتراجع في قيم الديمقراطية ومبادئ المساواة بين الجنسين، والنزاعات المسلحة، كلها عوامل زادت من أهمية غاية التعليم ودوره في المجتمع.

أصوات أولياء الأمور (عضو في جمعية "الأمهات مهمات")

"سيتمثل أكبر تحد يواجه التعليم في التكيف بسرعة وبشكل شامل مع التحولات العميقة في عالم العمل والمجتمع، في ظل تغيرات تكنولوجية ومناخية وديموغرافية. وستحتاج النظم التعليمية إلى تزويد المتعلمين بقدرات أقوى في التفكير النقدي والإبداع ومحو الأمية الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي. ويجب أن يدمج التعليم الاستدامة والقدرة على الصمود في وجه تغير المناخ في محتواه وممارساته، لأن الشباب سيعيشون ويعملون في عالم يتسم بالتحول البيئي والأزمات البيئية." أنيك شافا (مترجم عن الفرنسية).

وقد دعت اللجنة الدولية المعنية بمستقبل التعليم عام 2021 إلى عقد اجتماعي جديد للتعليم يرتكز على رؤية مشتركة للغايات العامة للتعليم. ويقترح تقريرها المرجعي الصادر في العام نفسه تجديد التعليم وفق محاور رئيسية، هي: تنظيم أصول التدريس حول التعاون والعمل المشترك والتضامن؛ وتنمية القدرات الفكرية والاجتماعية والأخلاقية؛ والتركيز على التعلم البيئي والمتعدد الثقافات والمتعدد التخصصات؛ وتعزيز المواطنة الفاعلة والمشاركة الديمقراطية.

وعلى هذا الأساس، أصبح إدماج التثقيف في مجال حقوق الإنسان، والتربية على المواطنة العالمية، والتعليم من أجل التنمية المستدامة، مكونات حيوية للحق في التعليم. وتعكس توصية اليونسكو المنقحة بشأن التعليم من أجل السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، التي تتضمن التزامات بالتفاهم الدولي والتعاون والحريات الأساسية والمواطنة العالمية، هذه الرؤية الموسعة.

سعادة المتعلمين ورفاههم

من التحولات اللافتة الأخرى في خطة التعليم العالمية تزايد الاهتمام بسعادة المتعلمين ورفاههم. إذ يتزايد الإقرار بأن المدارس ينبغي ألا تقتصر على رعاية التحصيل الأكاديمي، بل أن ترعى كذلك الصحة الجسدية والنفسية والعاطفية للطلاب، وأن تقدم خدمات الحماية والخدمات الصحية الأساسية، بما فيها الإرشاد المهني في مجال الصحة النفسية. فالتعليم في رؤيته الشاملة يجب أن يسهم في الرفاه الفردي والجماعي على حد سواء.

وقد أدت مبادرة اليونسكو للمدارس السعيدة، التي أُطلقت عام 2014، دوراً رئيسياً في تشجيع الحكومات على جعل السعادة هدفاً محورياً للتعليم. وتقوم هذه المبادرة على قناعة بأن المدارس أكثر من مجرد أماكن للتدريس، فهي مراكز اجتماعية ومجتمعية نابضة بالحياة. وبوصفها صورة مصغرة للمجتمع، ينبغي للمدارس أن تعزز لا النمو المعرفي فحسب، بل النمو الاجتماعي والعاطفي والجسدي والأخلاقي للطلاب أيضاً.

وقد جلب هذا التوجه نحو الرفاه اهتماماً متجدداً بمسألة العنف والتنمر في المدارس، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي والتهديد المتزايد للتنمر الإلكتروني. ففي المشاورة الحادية عشرة بشأن اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم، حدد 24 بلداً العنف بوصفه عائقاً كبيراً أمام تحقيق تعليم جيد. واستجابة لذلك، تعمل حكومات كثيرة على تطوير حلول على صعيدي السياسات والتشريعات. فالسويد على سبيل المثال تنص في قانونها الوطني على حظر جميع أشكال المعاملة المسيئة والتنمر والتمييز في المدارس ورياض الأطفال. وبالمثل، اتخذت إيطاليا خطوات حازمة للتصدي للتنمر الإلكتروني؛ إذ يوفر قانون صادر عام 2017 حماية قانونية للقاصرين، بينما تلزم مبادئ توجيهية صادرة عام 2021 المدارس بوضع سياسة إلكترونية داخلية، وإدماجها في أطرها المدرسية الأوسع، وتعزيز التعاون مع الأسر وجهات إنفاذ القانون في التصدي للإساءة عبر الإنترنت.

أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع)

"عند استشراف المستقبل، سيتمثل التحدي الأكبر في ضمان أن تصبح النظم التعليمية منظومات رعاية منصفة [...] ولصون الحق في التعليم في ظل هذا الواقع الجديد، يجب أن تتحول المدارس من أماكن للتعليم الأكاديمي إلى فضاءات للأمان والتعافي والتواصل الإنساني." ريتشا غوبتا، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لمنظمة لابيا.

وإلى جانب التنمر الإلكتروني، تعد الحماية القانونية القوية من جميع أشكال العنف في التعليم، بما فيها العقوبة البدنية، أمراً جوهرياً لضمان بيئات تعلم آمنة خالية من العنف والتمييز. وتشكل هذه الحماية القانونية الأساس الذي تقوم عليه آليات الوقاية والمساءلة والدعم. ووفقاً لأطلس حقوقها الصادر عن اليونسكو، لم تكن سوى 17% من البلدان توفر حتى مطلع عام 2025 حماية قانونية من العقوبة البدنية ومن العنف الجسدي والنفسي والجنسي في التعليم مجتمعة، في حين توفر 51% أخرى الحماية من شكل واحد على الأقل من هذه الأشكال.

ثالثاً: الاعتراف الرسمي بمنظور التعلم مدى الحياة

يترسخ الاعتراف بالتعليم بوصفه حقاً ممتداً مدى الحياة على نحو متزايد في الخطاب الدولي. والواقع أن الحق في التعليم لم يكن قط، لا نظرياً ولا قانونياً، مقصوراً على الأطفال أو على التعليم الابتدائي وحده. فالصكوك الدولية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم وغيرهما، تؤكد أن الحق في التعليم يشمل جميع الأفراد. وقد شهدت السنوات الخمس والعشرون الماضية وضوحاً متزايداً بشأن ما يستتبعه هذا الحق في مختلف الأعمار ومراحل الحياة.

وقد ورد مصطلح "التعلم مدى الحياة" لأول مرة في صك دولي ملزم قانوناً في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (2006)، إذ تؤكد الفقرة الأولى من المادة 24 أن على الدول أن تكفل نظاماً تعليمياً جامعاً على جميع المستويات وتعلماً مدى الحياة. كما يرد المفهوم في الاتفاقية العالمية للاعتراف بالمؤهلات المتعلقة بالتعليم العالي، التي تعرّف التعلم مدى الحياة بأنه يشمل جميع أشكال التعلم النظامي وغير النظامي والعرضي على امتداد العمر، بهدف تنمية القدرات والمعارف والمهارات والكفاءات الإنسانية. وتشير هذه الاتفاقية صراحة كذلك إلى أنماط التعلم غير التقليدية. وعلى الصعيد الإقليمي، اعترف الميثاق الأفريقي للشباب عام 2006 بقيمة الأشكال المتعددة للتعليم، بما فيها التعليم النظامي وغير النظامي والعرضي والتعلم عن بعد والتعلم مدى الحياة، لتلبية الاحتياجات المتنوعة للشباب.

وقد رسخ تقرير اللجنة المعنية بمستقبل التعليم لعام 2021 فكرة أن المبدأ التأسيسي للعقد الاجتماعي للتعليم هو الحق في التعليم للجميع مدى الحياة. ويحذر التقرير من مجرد توسيع النموذج المدرسي التقليدي ليشمل جميع الفئات العمرية، ويدعو بدلاً من ذلك إلى الاعتراف بتنوع أشكال التعلم وفضاءاته وأوقاته. وتقتضي هذه الرؤية تصميماً مقصوداً لمنظومات التعلم مدى الحياة، بما في ذلك التعلم في المحيط الحيوي، وتوسيع تصورنا لأماكن حدوث التعلم بحيث يتجاوز الفضاءات والمؤسسات المتمحورة حول الإنسان ليشمل شوارع المدن والمسارات الريفية والحدائق والبراري والأراضي الزراعية والغابات والصحارى والبحيرات والأراضي الرطبة والمحيطات، وسائر المواقع التي تحتضن أشكالاً من الحياة تتجاوز الحياة البشرية.

ولذلك من المهم إدراك أن مصطلح التعلم مدى الحياة، وإن كان كثيراً ما يرتبط بتعليم الكبار، ينبغي أن يُفهم على أنه تأكيد للحق في التعليم بوصفه استحقاقاً يمتد مدى الحياة، من المهد إلى اللحد، وعبر مختلف بيئات الحياة ولأغراض متنوعة. ويستلزم هذا المنظور الاعتراف بالحق في التعليم منذ الولادة، بما في ذلك الأطفال الصغار جداً قبل بدء التعليم المدرسي النظامي. كما يشمل فرص التعلم التي تتاح إلى جانب التعليم التقليدي بوسائل عرضية وغير نظامية، اعترافاً بأن الأطفال لا يتعلمون في المدارس فحسب، بل داخل الأسر والمجتمعات المحلية، وعلى نحو متزايد في البيئات الرقمية.

ويعكس منظور التعلم مدى الحياة كذلك نهجاً أكثر تكاملاً وشمولاً لحقوق الإنسان. فتعليم الكبار لم يعد يُنظر إليه على أنه مجرد وسيلة تتيح للأفراد تدارك ما فاتهم من مهارات أساسية، بل بات يُعترف به على نحو متزايد بوصفه مرتبطاً ارتباطاً جوهرياً بمجموعة أوسع من الحقوق في ظل التغيرات المجتمعية والاقتصادية السريعة. ومن هذه الحقوق الحق في العمل، من خلال دعم قابلية التوظيف والأمن الاقتصادي؛ والحق في الحصول على المعلومات، من خلال تعزيز قدرة الأفراد على الوصول إلى المعرفة وفهمها والتفاعل معها تفاعلاً نقدياً؛ والحق في المشاركة في الحياة الثقافية، من خلال تعزيز الإدماج والهوية والتعبير عن الذات. ومن ثم يؤدي التعلم مدى الحياة دوراً حيوياً في تمكين الناس من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية طوال حياتهم، مما يسهم في بناء مجتمعات أكثر شمولاً وإنصافاً.

وينعكس الفهم المتطور لتعليم الكبار، من التركيز على تعليم الفرصة الثانية ومحو الأمية إلى منظور أوسع للتعلم مدى الحياة، في التقرير العالمي الخامس عن تعلم الكبار وتعليمهم، الذي تمحور حول التربية على المواطنة. ويبرز التقرير الدور الحيوي لتعليم الكبار في تمكين الأفراد من إحداث التغيير في مجتمعاتهم، ويؤكد أهمية التربية على المواطنة في مواجهة التحديات العالمية المعاصرة، ومنها النزوح الواسع النطاق بسبب النزاعات أو الأزمات البيئية، وتغير المناخ، والتحول الرقمي، والحاجة إلى المشاركة الديمقراطية الفاعلة. واللافت أن التقرير وجد أن نحو 74% من البلدان اعتمدت سياسات تتعلق بالتربية على المواطنة للكبار.

وقد أدى اعتماد الهدف الرابع عام 2015، بدعوته إلى تعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع، إلى الارتقاء بمكانة التعلم خارج مستويات التعليم النظامي، وإبراز أهميته صراحة في سياق الحق في التعليم. ومؤخراً، شهد اعتماد إطار عمل مراكش في المؤتمر الدولي السابع لتعليم الكبار عام 2022 التزام ممثلي ما يقرب من 150 بلداً بتحويل رؤية الحق في التعلم خارج نطاق المدرسة إلى واقع، مع إيلاء اهتمام خاص لتعلم الكبار وتعليمهم. ويركز الإطار على الإدماج والوصول للفئات المحرومة، مع الدفع نحو إضفاء الطابع المهني على العاملين في قطاع تعلم الكبار وتعزيز معايير الجودة فيه.

كما أبرزت العملية التشاورية التي قامت عليها مبادرة تطور الحق في التعليم الحاجة إلى بناء فهم مشترك ومقبول للتعلم مدى الحياة من أجل إعادة توجيه أولويات الحكومات. ورأت المقررة الخاصة المعنية بالحق في التعليم أن مصطلح التعلم مدى الحياة يمكن تفسيره من خلال الالتزامات الواردة في إعلان إنشيون، ومنها الوصول المنصف والموسع إلى التعليم والتدريب التقني والمهني الجيد والتعليم العالي والبحث العلمي، وتوفير مسارات تعلم مرنة، وأنظمة متينة للاعتراف بالمعارف والمهارات والكفاءات المكتسبة عبر التعليم غير النظامي والعرضي والتحقق منها واعتمادها. وأعادت المقررة الخاصة تأكيد أن الحق في التعليم هو حق في التعلم مدى الحياة.

ولضمان احترام الحق في التعليم وحمايته وإعماله في جميع مراحل الحياة، لا بد من توافر طائفة من الضمانات. وتحدد توصية اليونسكو بشأن تعلم الكبار وتعليمهم بعض الضمانات الواجب توافرها لكفالة تعليم الكبار، ومنها توفير فرص تعلم كثيرة لتزويد الكبار بمهارات القراءة والكتابة والمهارات الأساسية، وللتدريب المستمر والتطوير المهني، وللمواطنة الفاعلة من خلال ما يعرف بالتعليم المجتمعي أو الشعبي أو الحر. ويمكن أن يشمل التدريب المستمر والتطوير المهني اتجاهات حديثة مثل توفير الشهادات المصغرة واستخدام قسائم التعلم أو استحقاقاته أو حساباته. وثمة حجج قوية تؤيد أن يتجاوز التعليم الأساسي للكبار الذين لم يتموا تعليمهم المدرسي النظامي مهارات الحساب والقراءة والكتابة ليشمل محو الأمية الرقمية كذلك.

ولا تقل أهمية عن ذلك أنظمة التعليم والتدريب التقني والمهني الشاملة والعالية الجودة، ومسارات التعلم المرنة، والأطر الوطنية المتينة للاعتراف بالمهارات واعتمادها، بما فيها الأطر الوطنية للمؤهلات. كما يجب إعمال الحق في التعليم منذ المراحل الأولى من الحياة، من خلال رعاية وتربية جيدتين في الطفولة المبكرة تبدآن منذ الرضاعة.

ومن المبادرات الملموسة التي توسع فرص التعلم مدى الحياة الشبكة العالمية لمدن التعلم التابعة لليونسكو، وهي مجتمع متنام يضم 356 مدينة في 79 بلداً، يجعل التعلم مدى الحياة واقعاً لأكثر من 390 مليون شخص. فالتعلم مدى الحياة يجري في المكتبات وأماكن العمل والحدائق وغيرها من الفضاءات العامة، ومع استمرار نمو سكان المدن، يغدو من الضروري تصميم المدن وبناؤها بحيث توفر فرص التعلم والتجارب الثقافية التي تثري الحياة من الطفولة حتى الشيخوخة.

ولضمان الحق في التعليم مدى الحياة، عمدت بلدان كثيرة في الآونة الأخيرة إلى إدراج إشارة صريحة إلى التعلم مدى الحياة في أطرها الدستورية والقانونية والسياساتية الوطنية.

الإطار 3: الإشارة الصريحة إلى التعلم مدى الحياة في الأطر القانونية الوطنية

جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية: يهدف مرسوم رئيس الوزراء بشأن التعلم مدى الحياة (2020) إلى تمكين جميع مواطني لاو من الوصول إلى فرص التعلم للارتقاء بمستواهم التعليمي ومعارفهم وقدراتهم المهنية والوظيفية، وتنمية الأخلاق والقيم السليمة لديهم، وإعدادهم للإسهام في التكامل الإقليمي والدولي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية الوطنية. ويحدد المرسوم لوائح في ثلاثة مجالات رئيسية: تقديم التعليم والتعلم مع التركيز على المرونة في توفيره عبر سياقات متنوعة؛ والتقييم والاعتراف والإشهاد والمعادلة والتحويل بما يعزز النفاذية بين أنظمة التعلم النظامي وغير النظامي والعرضي؛ وضمان الجودة من خلال وضع معايير وطنية تكفل الاتساق والمصداقية في مختلف البرامج.

اليابان: يدمج القانون الأساسي للتعليم لعام 2006 مفهوم التعلم مدى الحياة بوصفه مبدأً من مبادئ التعليم. وتنص مادته الثالثة على ضرورة تهيئة المجتمع بحيث يتمكن جميع المواطنين من مواصلة التعلم طوال حياتهم، في جميع المناسبات وفي جميع الأماكن، وتوظيف ثمار التعلم مدى الحياة على النحو الملائم لتهذيب أنفسهم وعيش حياة مثمرة.

وقد مثلت قمة تحويل التعليم عام 2022 إقراراً عالمياً برؤية للتعليم ممتدة مدى الحياة وشاملة. فقد عرّفت التعليم التحويلي بأنه التعليم الذي يعزز التنمية الكاملة لكل متعلم طوال حياته، فيمكّنه من تحقيق تطلعاته والإسهام إسهاماً فعلياً في أسرته ومجتمعه المحلي ومجتمعه الأوسع. ويمكّن التعليم التحويلي الأفراد من أن يتعلموا كيف يتعلمون، أي اكتساب المهارات الأساسية التي يقوم عليها كل تعلم لاحق؛ وأن يتعلموا العيش معاً، أي تعزيز احترام التنوع والتضامن العالمي والمواطنة الفاعلة، وربط الحق في التعليم بحقوق الإنسان الأخرى؛ وأن يتعلموا العمل، أي تزويد المتعلمين بالمهارات اللازمة لعالم عمل سريع التطور؛ وأن يتعلموا كيف يكونون، أي تنمية القيم والقدرات اللازمة لعيش حياة مُرضية وذات معنى.

الإطار 4: استحقاقات التعلم مدى الحياة وقسائمه وأنظمة حسابات التعلم

اكتسب مفهوم استحقاقات التعلم مدى الحياة أهمية متزايدة بوصفه نهجاً قيماً لمنح الأفراد حقوقاً في التعليم والتدريب غير مرتبطة بوظيفة بعينها. وقد ازدادت أهمية هذا النهج في ظل ترتيبات العمل غير النمطية والمسارات المهنية المتقطعة. وفي عام 2023، أجرت اليونسكو دراسة مكتبية شملت 13 بلداً، رصدت فيها طائفة متنوعة من الآليات لتصميم هذه الاستحقاقات وتنفيذها دعماً للتطوير المهني.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك الحساب الشخصي للتدريب في فرنسا، وهو استحقاق تراكمي وشامل للتعليم المستمر والتدريب متاح لجميع المواطنين الناشطين اقتصادياً. وفي عام 2018، خضع هذا الحساب لإصلاح كبير انتقل بموجبه من نظام قائم على الوقت، تمنح فيه الأرصدة بالساعات، إلى نموذج نقدي. وأتاح هذا التحول مرونة أكبر وأرسى إطاراً أكثر استجابة للطلب. وبموجب النظام الحالي، يحصل الأفراد على 500 يورو عن كل سنة عمل بدوام كامل، بحد أقصى قدره 5,000 يورو. أما العمال ذوو المؤهلات الأدنى، فيرتفع المبلغ السنوي لهم إلى 800 يورو، بحد تراكمي أقصى قدره 8,000 يورو.

وفي جمهورية كوريا، حلت البطاقة الوطنية للتعلم عام 2020 محل بطاقة التعلم الفردية التي استُحدثت عام 2008. وتوفر البطاقة الوطنية إعانة أساسية قدرها 3 ملايين وون كوري، مع مبلغ إضافي قدره مليونا وون يمنح بناءً على تقييم يجرى في مراكز التوظيف. ويُطلب من المشاركين الإسهام في تمويل جزء من تكاليف تدريبهم.

أما رصيد "مهارات المستقبل" في سنغافورة، الذي أُطلق عام 2016، فكثيراً ما يُستشهد به بوصفه مبادرة رائدة في مجال استحقاقات التعلم مدى الحياة. إذ يحصل جميع السنغافوريين البالغين 25 عاماً فأكثر على رصيد افتتاحي قدره 500 دولار سنغافوري يمكن استخدامه لتغطية تكاليف طائفة واسعة من برامج التدريب المعتمدة. وقد صُمم هذا الرصيد لترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة ودعم الارتقاء المستمر بمهارات القوى العاملة.

رابعاً: المكاسب في مجال المساواة بين الجنسين والإدماج

شهدت خطة التعليم العالمية منذ عام 2000 تحولاً عميقاً، إذ تصدرت المساواة بين الجنسين والإدماج الالتزامات الدولية الرامية إلى إعمال الحق في التعليم. ويعكس هذا التحول توافقاً متنامياً على أن التعليم يجب أن يكون حقاً في حد ذاته ووسيلة لإعمال حقوق الإنسان الأوسع، قادراً على معالجة أوجه عدم المساواة البنيوية وتمكين المشاركة الكاملة في المجتمع.

وقد ترسخت مركزية المساواة بين الجنسين والإدماج على نحو متزايد في أطر التعليم العالمية والإعلانات الإقليمية والسياسات التعليمية الوطنية. فقد شكل اعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2006، التي بلغ عدد التصديقات عليها 193 تصديقاً، علامة واضحة على الالتزام العالمي بالتعليم الشامل. وتعترف المادة 24 من الاتفاقية بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في تعليم شامل وجيد ومجاني على قدم المساواة مع الآخرين، فتجعل التعليم الشامل التزاماً قانونياً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. ومع أن مفهوم الإدماج كثيراً ما يرتبط بضمان حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم، فإنه اتسع منذ إعلان سالامنكا ليتجاوز الإعاقة ويحتضن جميع أشكال التنوع بين المتعلمين.

وبحلول عام 2015، شكل الانتقال من الأهداف الإنمائية للألفية إلى أهداف التنمية المستدامة نقطة تحول رئيسية لمبدأ التعليم الشامل، إذ قدم رؤية متكاملة تولي اهتماماً أكبر لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات من خلال الهدف الخامس.

وانعكاساً لهذه الخطة العالمية، أسهمت منظمات الأمم المتحدة في تشكيل إطار دولي متين ومنسق يدعم البلدان في الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والنهوض بالمساواة بين الجنسين في التعليم ومن خلاله. فقد جعلت اليونسكو المساواة بين الجنسين إحدى أولوياتها العالمية منذ عام 2007، واعتمدت استراتيجية للمساواة بين الجنسين في التعليم ومن خلاله للفترة من 2019 إلى 2025، تركز على تعزيز النظم التعليمية لتصبح محوِّلة على صعيد النوع الاجتماعي، وعلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين الفتيات والنساء من خلال التعليم. ومن خلال عملها المعياري وتعاونها التقني، دعمت اليونسكو الدول الأعضاء في مراجعة أطرها القانونية، واعتماد خطط قطاعية للتعليم تراعي النوع الاجتماعي، وتعزيز قدرة النظم التعليمية على تحديد العوائق القائمة على النوع الاجتماعي أمام التعلم وتجاوزها.

وأدت كيانات أخرى، مثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة، دوراً أساسياً في تعزيز المساواة بين الجنسين في جميع القطاعات بما فيها التعليم، من خلال دعم الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الوطنية للمساواة بين الجنسين وإصدار تقارير عالمية ترصد التقدم والفجوات. وركزت اليونيسف في إطار خطة عملها بشأن المساواة بين الجنسين للفترة من 2022 إلى 2025 على تعليم الفتيات، من خلال دعم النظم التعليمية المراعية للنوع الاجتماعي، والوصول المنصف إلى التعليم للجميع، وقيادة المراهقات وتعلمهن ومهاراتهن.

كما أسهمت كيانات أخرى، مثل الشراكة العالمية من أجل التعليم، في دفع هذه الخطة العالمية من خلال جعل المساواة بين الجنسين أولوية أساسية، واشتراط إجراء البلدان الشريكة تحليلات جنسانية ودمج المساواة بين الجنسين في خطط قطاع التعليم، وتخصيص تمويل للنهج المراعية للنوع الاجتماعي، ولا سيما من خلال مسرّع تعليم الفتيات.

التقدم نحو التكافؤ بين الجنسين في التعليم

أُحرز خلال العقدين الماضيين تقدم ملحوظ نحو تحقيق التكافؤ بين الجنسين في الوصول إلى التعليم. ففي عام 2020، اقترب مؤشر التكافؤ بين الجنسين في التعليم الابتدائي من 1.00 على الصعيد العالمي، مما يدل على مشاركة شبه متساوية للفتيات والفتيان. ويقيس هذا المؤشر التكافؤ بين الفتيات والفتيان؛ فإذا قلت قيمته عن واحد دل ذلك على أن الفتيات أكثر حرماناً من الفتيان في فرص التعلم، وإذا زادت عليه دل على العكس. ومن شأن القضاء على الفوارق بين الجنسين في التعليم أن يسهم في رفع مكانة المرأة وتعزيز قدراتها.

وفي التعليم الثانوي، ضاقت الفوارق كذلك، وإن ظلت التحديات قائمة على حساب الفتيان أو الفتيات بحسب السياق، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل، حيث ارتفع المؤشر من 0.7 إلى 0.8 بين عامي 2000 و2020.

وتتعزز المكاسب في مجال التكافؤ بين الجنسين بفهم أوسع لما تتطلبه المساواة الحقيقية بين الجنسين في التعليم ومن خلاله. فالسعي إلى هذه المساواة لم يعد يقتصر على الوصول والمشاركة، بل يجب أن يعالج الجودة والأعراف الاجتماعية ونواتج التعلم، إلى جانب إعداد المعلمين وأصول التدريس والمناهج والمواد التعليمية وسلامة بيئات التعلم وشموليتها. كما يتجه الاهتمام على نحو متزايد إلى العوائق المتقاطعة، اعترافاً بأن المتعلمين الذين يواجهون أشكالاً متعددة من الحرمان، كأن تكون فتاة وتعيش في فقر في آن واحد، أو أن تنشأ في منطقة ريفية، يحتاجون إلى دعم موجه لضمان الإعمال الكامل لحقهم في التعليم.

أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع)

"[...] من وجهة نظرنا، كان الإنجاز الأهم على الصعيد العالمي هو إدماج النساء في جميع مستويات التعليم. ولا شك أنه زاد من وصول الفتيات والمراهقات والشابات إلى التعليم النظامي، ولا سيما في الفضاءات التي ترعاها الدولة والمجانية بالكامل [...] غير أن التحدي الأهم [...] تمثل في بدء الحديث عن كيفية ضمان الانتماء الفعلي للنساء داخل الفضاءات التعليمية." ليوبيكا فوينتس، المديرة التنفيذية لمؤسسة مواطنات العالم، والرئيسة المشاركة لمحور التعليم الشامل والمنصف في شبكة الشباب والطلاب التابعة لليونسكو.

أما التعليم العالي، فقد تضاعف عدد الطلاب الملتحقين به بأكثر من مرتين بين عامي 2000 و2023، من 100 مليون عام 2000 إلى 264 مليوناً عام 2023. وفيما يتعلق بالتكافؤ بين الجنسين، باتت النساء يفقن الرجال عدداً. ففي عام 2000، كانت 49 مليون امرأة ملتحقة بالتعليم العالي، وبحلول عام 2023 بلغ هذا العدد 137 مليوناً، وهو ما يدل على تقدم في تمثيل الجنسين في التعليم العالي. ويلاحظ هذا الاتجاه في جميع مناطق العالم، مع استمرار ارتفاع نسبة الطالبات منذ عام 2015.

وعلى الرغم من أن بلداناً كثيرة حققت تقدماً ملموساً نحو المساواة بين الجنسين في التعليم، فإن الوضع في بعض السياقات ينذر بالخطر. فمنذ استيلاء سلطات الأمر الواقع على الحكم في آب/أغسطس 2021، أصبحت أفغانستان البلد الوحيد في العالم الذي يُحظر فيه رسمياً على الفتيات والنساء الالتحاق بالتعليم بعد المرحلة الابتدائية. كما أجبر عدم الاستقرار الاقتصادي كثيراً من الفتيان، ولا سيما في المناطق الريفية، على ترك المدرسة للانخراط في أنشطة مدرة للدخل. ولهذه القيود عواقب وخيمة ودائمة، منها تزايد الزواج المبكر والقسري، وفقدان التعلم وتنمية المهارات، وتوارث دوائر الفقر بين الأجيال، وتآكل رأس المال البشري للبلاد وآفاقها المستقبلية. ومن ثم فإن مواصلة الدعوة والتعبئة الجماعية أمر جوهري لضمان صون الحق الأساسي غير القابل للتصرف في التعليم لكل فتاة وكل فتى في كل مكان.

التعليم الشامل بوصفه مبدأً موجهاً

برز الإدماج منذ عام 2000 مبدأً أساسياً يوجه الحق في التعليم، معززاً الالتزام بضمان ألا يتخلف أي متعلم عن الركب. وقد أرسى إعلان سالامنكا (1994) الأساس المفاهيمي للتعليم الشامل، وتعزز ذلك باعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بعد اثني عشر عاماً، وصياغة أهداف التنمية المستدامة بعد عشرين عاماً. واتسع مفهوم الإدماج خلال العقدين الماضيين اتساعاً كبيراً، متجاوزاً إتاحة الوصول للمتعلمين ذوي الإعاقة ليشمل الطيف الكامل للتنوع داخل النظم التعليمية. وتبلور هذا التحول في التعليق العام رقم 4 الصادر عام 2016 عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي أعاد تعريف التعليم الشامل بوصفه تحولاً منهجياً يقتضي من المدارس لا مجرد قبول جميع المتعلمين، بل التكيف بطرق تحترم اختلافاتهم وتقدرها وتحتفي بها.

ويعكس هذا التطور اتجاهاً أعمق يتمثل في الابتعاد عن نماذج التعليم المنفصل نحو نظم تتمحور حول المتعلم وتعترف بالإدماج بوصفه منفعة للجميع، لما يعززه من تنوع واحترام متبادل وإنصاف. وتؤكد الأدلة المستمدة من المشاورة الحادية عشرة بشأن اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم هذا الزخم، إذ أبرزت الأغلبية الساحقة من الدول المقدمة لتقاريرها إصلاحات تشريعية وسياساتية لتعزيز أطر التعليم الشامل، بواقع 80 و81 بلداً على التوالي من أصل 92 بلداً. وقد أعاد المؤتمر الذي عُقد عام 2024 بمناسبة الذكرى الثلاثين لإعلان سالامنكا تأكيد هذا المسار، داعياً مجدداً إلى إعادة تصميم جذرية للنظم التعليمية بحيث تستوعب كل متعلم بصرف النظر عن خصائصه الجسدية أو الذهنية أو الاجتماعية أو العاطفية أو اللغوية.

حقوق الأقليات والشعوب الأصلية والتعليم المتعدد اللغات

عززت جهود النهوض بالتعليم الشامل كذلك الاعتراف بحقوق المتعلمين المنتمين إلى الأقليات والشعوب الأصلية. ولا تزال لغة التدريس عائقاً رئيسياً أمام الإدماج، إذ يتلقى كثير من الأطفال تعليمهم بلغة لا يتحدثونها في المنزل. وتعترف اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم (1960) في مادتها الخامسة بحق الأقليات في ممارسة أنشطتها التعليمية الخاصة، بما في ذلك إدارة المدارس واستخدام لغاتها أو التدريس بها. واستناداً إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية (1992)، صدر إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية عام 2007، الذي يؤكد حق الشعوب الأصلية في إنشاء نظمها ومؤسساتها التعليمية والتحكم فيها، وتوفير التعليم بلغاتها على نحو يتلاءم مع أساليبها الثقافية في التعليم والتعلم. كما يؤكد الإعلان أن لجميع الشعوب الأصلية الحق في جميع مستويات وأشكال التعليم الذي توفره الدولة دون تمييز، وأن على الدول اتخاذ تدابير فعالة لضمان حصولها على تعليم بثقافتها ولغتها.

واستجابة لذلك، وسعت بلدان عدة نطاق التعليم المتعدد اللغات القائم على اللغة الأم، ولا سيما في الصفوف الأولى، بهدف تحسين نواتج التعلم والحد من التسرب. غير أنه على الرغم من تزايد الالتحاق بالتعليم الابتدائي عالمياً، لا تزال الفئات المهمشة كالشعوب الأصلية والأقليات متخلفة عن الركب. وقد أوصى المقرر الخاص المعني بقضايا الأقليات عام 2025 بأن تدعم الدول المدارس غير الحكومية التي تديرها الأقليات، القائمة على مبادئ حقوق الإنسان، بما يمكنها من تقديم تعليم مجاني وملائم ثقافياً يهدف إلى صون الهويات الثقافية واللغوية والدينية للأقليات وتعزيزها.

ويؤكد تقرير اليونسكو "اللغات مهمة" أن التعليم المتعدد اللغات يحسن نواتج التعلم ويعزز الوصول والإدماج ويدعم التنمية المستدامة. كما تدعو اليونسكو إلى تقديم الرعاية والتربية في الطفولة المبكرة بلغات الأطفال الأم، اعترافاً بدورها الحاسم في دعم الرفاه العاطفي والنمو المعرفي والاستعداد للمدرسة والتعلم الشامل. وقد عزز إعلان طشقند والتزامات العمل من أجل تحويل الرعاية والتربية في الطفولة المبكرة أهمية التعليم المتعدد اللغات القائم على اللغة الأم، واستخدام اللغة الأم لغةً للتدريس. وتعزز قيادة اليونسكو للعقد الدولي للغات الشعوب الأصلية الممتد من 2022 إلى 2032 هذه المبادئ، مؤكدة أن التعليم المتعدد اللغات الملائم ثقافياً آلية رئيسية لتحقيق الهدف الرابع بحلول عام 2030.

مكاسب مترابطة في حقوق الإنسان: زواج الأطفال وعمل الأطفال

تقدم إعمال الحق في التعليم بالتوازي مع التقدم في حقوق الإنسان ذات الصلة، ولا سيما تلك التي تؤثر تأثيراً غير متناسب في قدرة الفتيات والفتيان على الالتحاق بالمدرسة وإتمام تعليمهم. فقد شهد العالم منذ عام 2000 تراجعاً كبيراً في عوائق مثل زواج الأطفال وعمل الأطفال، وهما ممارستان طالما حدتا من فرص الأطفال التعليمية. ووفقاً لليونيسف، انخفضت نسبة النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و24 عاماً وتزوجن قبل سن الثامنة عشرة من 25% عام 2002 إلى 19% عام 2022، وهو ما يعني ملايين الفتيات الإضافيات القادرات على مواصلة تعليمهن. ومع أن وتيرة التغيير لا تزال غير كافية لبلوغ الهدف العالمي المتمثل في إنهاء زواج الأطفال بحلول عام 2030، فإن التقدم يسير بوضوح في الاتجاه الصحيح.

كما تراجع حمل المراهقات في جميع المناطق منذ عام 2000، إذ انخفضت المعدلات العالمية بنحو الثلث. ومع ذلك، تحمل كل عام نحو 21 مليون فتاة تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وهو خطر يتفاقم بفعل زواج الأطفال ومحدودية الوصول إلى المعلومات والموارد اللازمة لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الصحة الجنسية والإنجابية. ويقيد الحمل المبكر الآفاق التعليمية، ولا سيما في البلدان التي تحظر فيها القوانين أو أطر السياسات الوطنية التحاق الفتيات الحوامل بالتعليم أو تقيده، مما يرسخ دوائر الفقر وعدم المساواة التي قد تمتد عبر الأجيال.

وشهد انتشار تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية أو بترها تراجعاً كبيراً. ففي شرق أفريقيا، انخفض انتشاره بين الأطفال من سن الولادة حتى الرابعة عشرة من 71% عام 1995 إلى 8% عام 2016، وفي شمال أفريقيا من 58% عام 1990 إلى 14% عام 2015. وإلى جانب تجنب المخاطر الصحية الفورية والطويلة الأمد المرتبطة بهذه الممارسة، يحد هذا التراجع كذلك من احتمالية زواج الأطفال الذي يقطع التعليم المدرسي مباشرة.

وتراجع عمل الأطفال كذلك تراجعاً كبيراً، مما أتاح مزيداً من الفرص للأطفال للتعلم والازدهار. فعلى الصعيد العالمي، انخفض عدد الأطفال المنخرطين في العمل من 245.5 مليوناً عام 2000 إلى 137.6 مليوناً عام 2024، وتراجع معدل انتشاره من 16% إلى 7.8%. ومن المشجع أن كل منطقة حققت مكاسب منذ عام 2020، مما يبرهن على أثر الجهود العالمية والوطنية المتواصلة. ولا يزال الفتيان ممثلين تمثيلاً زائداً في عمل الأطفال في جميع الأعمار، إذ يعمل 9% من الفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً مقارنة بنسبة 7% من الفتيات في الفئة العمرية نفسها، غير أن الفارق بين الجنسين في عمل الأطفال يتلاشى عند احتساب الأعمال المنزلية.

خامساً: تمويل التعليم

أصبحت التزامات الدول وتعهداتها المتعلقة بتمويل التعليم خلال ربع القرن الماضي أكثر وضوحاً، مع الإقرار بأن التمويل الكافي والمنصف والكفء ضروري للإعمال الكامل للحق في التعليم.

فبموجب القانون الدولي، يتعين على الدولة أن تمول التعليم بأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، وهو مفهوم تطور عبر الزمن. إذ بات مفهوم "الموارد المتاحة" يشمل الموارد النقدية وغير النقدية، كالموارد الطبيعية والبشرية والتكنولوجية والتنظيمية والمعلوماتية والإدارية. فضلاً عن ذلك، تفسر هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة هذا الالتزام على نحو متزايد لا بوصفه مجرد استخدام للأموال الموجودة، بل بوصفه واجباً فاعلاً بتعبئة الموارد من خلال الحفاظ عليها وتوسيعها. ويمكن الوفاء بهذا الالتزام عبر قنوات متنوعة، كالضرائب التصاعدية على الأفراد والضرائب على الشركات.

وقد تبلور توافق قوي حول هذا الالتزام. ففي إعلان جاكرتا لعام 2005، أعادت الدول تأكيد أن ضمان الحق في التعليم يتطلب تمويلاً مستداماً وكافياً من الدول والمجتمع الدولي. ووضعت محطات مثل إعلان إنشيون لعام 2015 وإعلان باريس لعام 2021 بشأن الاستثمار في مستقبل التعليم معايير ملموسة، تتمثل في تخصيص ما بين 4% و6% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي، أو ما بين 15% و20% من إجمالي الإنفاق العام، للتعليم، والالتزام بتخصيص 0.7% من الدخل القومي الإجمالي للجهات المانحة للمساعدة الإنمائية الرسمية. وأعادت دعوة قمة تحويل التعليم إلى العمل لعام 2022 تأكيد نسبة 0.7% للمساعدة الإنمائية الرسمية، ودعت إلى زيادة حصة المعونة الموجهة إلى التعليم، وإلى أن تمثل القروض الميسرة والمنح المخصصة للتعليم ما بين 15% و20% من حافظات الجهات المانحة، ولا سيما في البلدان الأشد احتياجاً.

واتخذت بلدان عدة خطوات قانونية ملموسة لحماية تمويل التعليم في تشريعاتها. فدستور إندونيسيا (1945) مثلاً يفرض تخصيص ما لا يقل عن 20% من ميزانية الدولة والميزانيات الإقليمية لتلبية احتياجات التعليم الوطني. وبالمثل، يلزم دستور البرازيل (1988) الحكومة الاتحادية بتخصيص ما لا يقل عن 18% من إيراداتها الضريبية للتعليم، والولايات والمقاطعة الاتحادية والبلديات بتخصيص 25% على الأقل. كما عدلت بنما مؤخراً قانونها الأساسي للتعليم عام 2023 لزيادة الإنفاق والاستثمار العام في التعليم من حد أدنى قدره 6% إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي ابتداءً من عام 2024. وفضلاً عن ذلك، التزمت دول عدة قانونياً بضمان تمويل التعليم على نحو منصف من خلال التركيز على المجتمعات المهمشة والهشة. فالقانون العام للتعليم في غينيا الاستوائية (2005) مثلاً ينص على أن تكفل الدولة الإعمال الكامل لمبدأ تكافؤ الفرص في التعليم، ولا سيما بمنح المعونات والمنح الدراسية والإعانات أو القروض الضرورية للطلاب المحتاجين إليها والذين يفتقرون إلى الإمكانات الاقتصادية اللازمة. وبالمثل، ينص قانون التعليم قبل المدرسي والمدرسي في بلغاريا (2016) على أن تنفق الدولة من ميزانيتها لدعم تكافؤ الوصول، بما في ذلك من خلال المنح الدراسية للتلاميذ ونقل الأطفال والتلاميذ.

وفي أعقاب قمة تحويل التعليم لعام 2022، حثت الدعوة إلى العمل على تعزيز الالتزامات الوطنية والدولية بالاستثمار في التعليم على نحو أكبر وأكثر إنصافاً وكفاءة. وتكررت هذه النداءات في إعلان فورتاليزا الصادر عن الاجتماع العالمي للتعليم عام 2024، الذي أبرز استمرار عدم كفاية الموارد المالية المخصصة للتعليم، والتي تزيدها خدمة الديون ضغطاً. كما تردد صداها في التزام إشبيلية لعام 2025 المعتمد في المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية.

"ينبغي أن يكون التعليم من أقوى عوامل تحقيق المساواة في أي مجتمع، لكنه حين يتجزأ توفيره ويتدرج بحسب قدرة الوالدين على الدفع، يصبح وسيلة لترسيخ عدم المساواة والظلم." آرتشر، 2025.

ومن المشجع أن الإنفاق الإجمالي على التعليم من جانب الحكومات والأسر والجهات المانحة ارتفع خلال العقد الماضي من 4.7 تريليون دولار أمريكي عام 2010 إلى 5.8 تريليون دولار عام 2022، وأسهمت الحكومات بنحو ثلاثة أرباع إجمالي الإنفاق على التعليم (74.6% عام 2022). غير أنه في حين ارتفع الإنفاق الحكومي على التعليم في البلدان الأدنى دخلاً منذ عام 2015، فقد تراجع في فئات الدخل الأخرى. وبسبب هذا الاتجاه نحو خفض الاستثمار، تضطر الأسر إلى تحمل العبء المالي، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، حيث بلغت مساهمات الأسر على التوالي 25.8% و43.9% عام 2022.

وعلى الرغم من هذا التقدم، لا تزال التفاوتات صارخة في الإنفاق المحلي. إذ تقدر فجوة التمويل العالمية السنوية بنحو 97 مليار دولار أمريكي. ولا يفي نحو 34% من البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بمعايير تمويل الهدف الرابع. وينعكس هذا العجز مباشرة على الإنفاق لكل متعلم، إذ لا تخصص البلدان المنخفضة الدخل سوى 55 دولاراً أمريكياً لكل طالب سنوياً، مقارنة بمبلغ 8,543 دولاراً في البلدان المرتفعة الدخل.

فضلاً عن ذلك، يشكل تنامي الدين العالمي قيداً شديداً على تأمين أموال مستدامة وكافية للتعليم. فقد بلغ الدين العام العالمي 102 تريليون دولار أمريكي عام 2024، مع تفاوتات إقليمية حادة، إذ تستأثر البلدان النامية بنسبة 31% من هذا المجموع. ووفقاً لحسابات أمانة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية المستندة إلى توقعات صندوق النقد الدولي بشأن آفاق الاقتصاد العالمي، ينمو الدين العام في البلدان النامية بضعف سرعة نموه في البلدان المتقدمة. واليوم يعيش 2.7 مليار شخص في بلدان تنفق على مدفوعات الفوائد أكثر مما تنفق على التعليم.

وفي البلدان المنخفضة الدخل، تظل المعونة مصدراً حيوياً لتمويل التعليم، إذ تغطي 17% من الإنفاق العام على التعليم، وقد تصل في بعض الحالات إلى النصف. ومع أن إجمالي المعونة المقدمة للتعليم ارتفع منذ عام 2016، فإن حجم المعونة القابلة للبرمجة ظل راكداً، وتراجعت الإيرادات القائمة على المنح في أجزاء من أفريقيا وآسيا. كما أن المعونة لا تصل إلى الأشد احتياجاً، إذ لا يوجه إلى البلدان المنخفضة الدخل سوى خمسها، وانخفضت الحصة المخصصة للتعليم الأساسي من 40% عام 2016 إلى 30% عام 2023. ومنذ عام 2005، تراجعت نسبة المساعدة الإنمائية الرسمية المخصصة للتعليم تراجعاً كبيراً، لتنخفض إلى ما دون 6% بحلول عام 2023. ووفقاً لأحدث التوقعات، يُتوقع أن تنخفض المعونة المقدمة للتعليم بنسبة 25% بين عامي 2023 و2027.

وفي مواجهة هذه التحديات، يستكشف المجتمع الدولي سبل ضمان التمويل المستدام للتعليم. وقد أوصت اللجنة التوجيهية الرفيعة المستوى المعنية بتمويل التعليم بتدابير مثل مواءمة الضرائب وتحقيق العدالة الضريبية، وتخفيف أعباء الديون وإدارتها، ومبادلة الديون، والتمويل الذكي للمعونة، وحقوق السحب الخاصة، والتعامل مع قيود أجور القطاع العام. ومع عدم وجود تعريف متفق عليه عالمياً لمفهوم "التمويل المبتكر للتعليم"، فإنه يشير عموماً إلى الآليات غير التقليدية التي تعبئ موارد إضافية وتركز على التمويل القائم على النتائج. ومع ما ينطوي عليه التمويل المبتكر من إمكانات، فإنه يحمل كذلك مخاطر على الحق في التعليم، لا سيما من خلال الإزاحة غير المقصودة لمصادر التمويل التقليدية، أو تفاقم أوجه عدم المساواة باستبعاد المجتمعات المهمشة سعياً وراء العوائد المالية.

دراسة ذات صلة