القسم الثالث: إعادة تصور الحق في التعليم من أجل عالم متغير
يقف الحق في التعليم عند مفترق طرق. وتمثل الذكرى الخامسة والستون لاتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم مناسبة ملائمة للتأمل في إنجازاتها وتوجهاتها المستقبلية. فمع أن الهدف الجوهري للاتفاقية، أي القضاء على التمييز في التعليم، لا يزال كفاحاً لم يكتمل، فقد أُحرز تقدم كبير. ففي مناطق كثيرة باتت مستويات وأشكال معينة من التعليم حقوقاً شبه شاملة، غير أن الفجوات وأشكال الإقصاء المستمرة لا تزال تهدد المساواة. ويتناول هذا القسم كيف تتطور أوجه عدم المساواة التعليمية في عام 2025، ويبني على عمل مبادرة تطور الحق في التعليم، مستكشفاً كيف يمكن إعادة تأطير الحق في التعليم ليصمد على نحو أفضل أمام الصدمات ويظل قادراً على الصمود ووثيق الصلة بالواقع في مواجهة التغيرات العالمية التي تناولها القسم الثاني.
أولاً: العوائق المستمرة: التمييز والإقصاء وأوجه عدم المساواة الناشئة في عام 2025
عُقدت قمة تحويل التعليم عام 2022 استجابة لأزمة عالمية في التعليم تتسم بتحديات الإنصاف والإدماج والجودة والملاءمة. فعلى الرغم من التقدم المعياري واتساع الوصول، لا يزال التمييز البنيوي والإقصاء الممنهج متجذرين بعمق، ويؤثران تأثيراً غير متناسب في الفئات الأكثر هشاشة. وبحلول عام 2025، تفاقمت هذه التحديات المستمرة بفعل ديناميات عالمية ناشئة مثل التحول الرقمي والنزوح وتغير المناخ، مما أوجد أشكالاً جديدة من الإقصاء وعمق التفاوتات في الوصول والجودة ونواتج التعلم. ومن نواح كثيرة، نشأت فجوة متسعة بين معايير حقوق الإنسان الدولية القائمة وتعقيد أوجه عدم المساواة التعليمية الراهنة.
تطوير "أسس التمييز" لحماية فئات أخرى
تحظر الاتفاقيات الدولية القائمة الناظمة للحق في التعليم التمييز على أسس متعددة، كالعرق واللون والجنس واللغة والدين والرأي السياسي أو غيره والأصل القومي أو الإثني أو الاجتماعي والملكية والمولد والإعاقة، وإن كانت هذه القائمة غير حصرية. ويتناول التعليق العام رقم 20 الصادر عام 2009 عن اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كيف تتباين طبيعة التمييز بحسب السياق وتتطور عبر الزمن. وقد تبنت اللجنة نهجاً مفاده أن "الأوضاع الأخرى" يمكن أن تحدد بأشكال أخرى من المعاملة التفضيلية التي لا يمكن تبريرها تبريراً معقولاً وموضوعياً، والتي تماثل في طبيعتها الأسس المعترف بها صراحة. ومن الأسس المحتملة الأخرى التي اقترحتها اللجنة الإعاقة، والجنسية، والحالة الزوجية والأسرية كحالة الأمهات المراهقات، والميل الجنسي والهوية الجنسانية، والحالة الصحية كالإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، ومكان الإقامة. ويعد السن كذلك من أسس التمييز المحظورة في سياقات عدة، وقد ازدادت أهميته في ظل التصور الجديد للحق في التعليم مدى الحياة، حيث قد يجد كبار السن أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى التدريب أو التعليم مثلاً.
الحرمان الاجتماعي والاقتصادي
لا يزال الحرمان الاجتماعي والاقتصادي في عام 2025 عاملاً حاسماً في التمتع بالحق في التعليم، بين المناطق وداخل البلدان على حد سواء. فالتفاوتات الصارخة في الدخل والاستثمار العام وأعباء الديون تجعل البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى عاجزة عن تخصيص موارد كافية للتعليم، مما يؤدي إلى اكتظاظ الفصول ونقص المعلمين المدربين وضآلة الإنفاق لكل طالب مقارنة بالبلدان المرتفعة الدخل. وتبين البيانات أن 33% من الأطفال والشباب في سن الدراسة في البلدان المنخفضة الدخل خارج المدرسة، مقارنة بنسبة 3% فقط في البلدان المرتفعة الدخل. ويقيم أكثر من نصف الأطفال والمراهقين غير الملتحقين بالمدارس في العالم في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وداخل البلدان، يضخم الفقر الإقصاء. فالتعليم المدرسي ينطوي بالنسبة إلى أسر كثيرة على تكلفة فرصة بديلة؛ إذ تزيد احتمالية بقاء أطفال أفقر 20% من الأسر خارج المدرسة أربع مرات على احتمالية بقاء أطفال أغنى 20% منها. ومع ارتفاع دخل الأسرة، تتراجع احتمالية البقاء خارج المدرسة باطراد. ويؤكد ذلك الحاجة إلى مواءمة الحق في تسع سنوات على الأقل من التعليم الإلزامي مع الحد الأدنى لسن العمل، ومع حقوق الطفل الأخرى التي تكفل له فرص التعلم واللعب وعيش طفولته كاملة. غير أن تحقيق ذلك يتطلب استثماراً مستداماً وتدابير حماية اجتماعية متينة تزيل الضغوط الاقتصادية التي تدفع الأطفال إلى العمل للخروج من دائرة الفقر.
وأوجه عدم المساواة داخل البلدان متقاطعة كذلك، تتضاعف بفعل الفقر والعزلة الجغرافية والتمييز القائم على النوع الاجتماعي والإقصاء على أساس الإثنية أو انعدام الجنسية أو اللغة أو الإعاقة. وتترك أشكال الحرمان المتداخلة هذه الفئات المهمشة متأثرة على نحو غير متناسب وأبعد عن إعمال حقها في التعليم. ففي بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لم يحصل على مؤهل تعليم عالٍ في المتوسط سوى 26% من الشباب الذين لم يتم آباؤهم التعليم الثانوي الأعلى، مقارنة بنسبة 70% ممن لديهم والد واحد على الأقل حاصل على تعليم عالٍ. أما الطلاب من خلفيات مهاجرة، فإن أكثر من ثلث المهاجرين في الاتحاد الأوروبي (35%) لديهم مستوى تعليمي منخفض، أي ما يقارب ضعف النسبة المسجلة بين السكان المولودين في البلد (20%). وتعود هذه النسبة المرتفعة نسبياً أساساً إلى المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي، إذ لا يحقق 40% منهم سوى مستوى تعليمي منخفض داخل الاتحاد.
ويقدم انعدام الجنسية مثالاً واضحاً على كيفية عمل هذه العوائق في الواقع. فملايين الأطفال المحرومين من حقهم في الجنسية يواجهون عقبات جدية في الوصول إلى الحقوق الأساسية، ولا سيما التعليم. ومع أن القانون الدولي يكفل التعليم لجميع الأطفال بصرف النظر عن جنسيتهم أو انعدامها، فإن قوانين وسياسات وطنية كثيرة لا تزال تستبعد الأطفال عديمي الجنسية. ونتيجة لذلك، كثيراً ما يعانون من ضعف النتائج الأكاديمية ومحدودية الفرص المستقبلية، وتقلص هذه العوائق فرصهم في الإفلات من دوائر الفقر والإقصاء الاجتماعي.
الفوارق بين الجنسين
لا يزال تحقيق المساواة بين الجنسين تحدياً محورياً. ففي أنحاء كثيرة من العالم، ولا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لا تزال العوائق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتجذرة تعوق وصول الفتيات إلى التعليم وإتمامه. ففي البلدان المنخفضة الدخل، لا تتم المرحلة الثانوية الدنيا سوى 38% من الفتيات، مقارنة بنسبة 43% من الفتيان. ومع أن نسبة الإناث بين الشباب الأميين تراجعت عالمياً منذ عام 2005، فإن نسبة النساء بين الكبار الأميين ظلت متقاربة منذ عام 2000 عند نحو 63%، مما يؤكد الطابع المزمن والمتوارث بين الأجيال للفوارق بين الجنسين في محو الأمية. ووفقاً لبيانات أطلس حقوقها الصادر عن اليونسكو، كانت 63% من البلدان حتى مطلع عام 2025 لا تزال تفتقر إلى تشريعات تحمي صراحة حق الفتيات في التعليم في حالات الحمل، في حين اعتمدت 33% منها مثل هذه الأحكام، وهي في الغالب أحكام مفصلة وشديدة الحماية. وفي عام 2019، كانت ثمانية بلدان تفرض قيوداً قانونية على تعليم الفتيات الحوامل أو الأمهات أو المتزوجات. ومنذ ذلك الحين، ألغت أربعة بلدان في المنطقة الأفريقية هذه المحظورات، فلم يبق سوى أربعة بلدان في العالم تطبق حظراً قانونياً صريحاً.
وفي الوقت نفسه، اتسع الخطاب حول عدم المساواة بين الجنسين في التعليم ليشمل قلقاً متزايداً إزاء انصراف الفتيان عن التعليم. إذ تكشف الأدلة الناشئة أن الفتيان في سياقات كثيرة باتوا معرضين على نحو متزايد لخطر تدني التحصيل والرسوب والتسرب المبكر، ولا سيما في المرحلة الثانوية. ومن اللافت كذلك أن الرجال أقل تمثيلاً في التعليم العالي على الصعيد العالمي، بواقع 113 امرأة ملتحقة مقابل كل 100 رجل. ويبرز التقرير العالمي لليونسكو بشأن انصراف الفتيان عن التعليم (2022) كيف يمكن للأعراف الجنسانية المقيدة والتوقعات المجتمعية، كالضغط لدخول سوق العمل أو الامتثال للمعايير التقليدية للرجولة، أن تدفع الفتيان إلى الانصراف عن الدراسة كلياً.
وثمة كذلك وعي متزايد بالأشكال والنوعيات المختلفة للتعليم التي تتلقاها الفتيات والفتيان. فكلاهما يواجه تحيزات وصوراً نمطية تعزز الفصل بين الجنسين في مجالات دراسية معينة، إذ لا تزال النساء ممثلات تمثيلاً ناقصاً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بينما يمثل الرجال تمثيلاً ناقصاً في مجالات الرعاية. كما يشكل النوع الاجتماعي إحساس الطلاب بالأمان والطمأنينة والرفاه، إذ لا يزال العنف القائم على النوع الاجتماعي والتنمر يقوضان التعلم.
أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع)
"إذا كان للتعليم أن يظل حقاً، فيجب أن يتطور إلى حق يُعِدّ ويحمي ويمكّن، ولا سيما الأكثر هشاشة [...] ويجب أن يبدأ الإعداد لهذا المستقبل الآن، لا بدافع الخوف، بل بعزم وشمول." إم إس بي سيد، مدارس ذا ووكواي، باكستان.
وتؤكد هذه الصورة المتطورة أن المساواة بين الجنسين في التعليم ليست أحادية البعد، بل تتطلب نهجاً دقيقاً وشاملاً يعالج العوائق المتمايزة التي يواجهها جميع المتعلمين.
الشعوب الأصلية والأقليات
لا تزال الشعوب الأصلية تواجه عوائق كبيرة في الوصول إلى تعليم جيد، مما يكرس تهميشها الاجتماعي الأوسع. ففي السياقات الريفية والحضرية على السواء، تظل أقل احتمالاً من غيرها لإتمام التعليم الابتدائي أو الحصول على مؤهلات رسمية. ففي أمريكا اللاتينية مثلاً، تنخفض معدلات الإتمام انخفاضاً حاداً لدى الطلاب المنحدرين من أصل أفريقي ابتداءً من المرحلة الابتدائية؛ إذ تبلغ الفجوة في الإتمام بينهم وبين أقرانهم 21%، وتتسع إلى 32% في المرحلة الثانوية، وتصل إلى 71% في التعليم العالي.
وفي المناطق الريفية، يعوق ضعف البنية التحتية ونقص المواد التعليمية الوصول، بينما لا يكون التعليم في النظم الحضرية في الغالب ملائماً ثقافياً ولا مقدماً باللغات الأم. أما في التعليم الرقمي، فالشمول غير مضمون في الغالب، مع محدودية اللغات المتاحة ومحتوى لا يراعي الثقافة ولا يلائمها دائماً. وتؤثر جميع هذه العوامل في الانخراط وفاعلية التعلم والشعور بالانتماء.
وبالمثل، وعلى الرغم من الالتزامات المقطوعة بموجب إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، تشير التقييمات الحديثة إلى غياب مقلق للتقدم. فقد لاحظ المقرر الخاص السابق المعني بقضايا الأقليات أن استخدام لغات الأقليات في التعليم لم يشهد تحسناً يذكر خلال ولايته. وفي عام 2022، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أمام الجمعية العامة أن العالم، بعد ثلاثين عاماً من اعتماد الإعلان، يقصر عن الوفاء بالتزاماته قصوراً كبيراً، وأن الأمر لا يتعلق بفجوات، بل بتقاعس صريح وإهمال في حماية حقوق الأقليات.
ويعكس هذا التحذير الصارخ اتجاهات عالمية أوسع، منها تزايد العداء تجاه الأقليات، وتصاعد القيود على استخدام لغاتها في البيئات التعليمية، وتنامي النزاعات التي تشمل أقليات لها مظالم قديمة تتعلق بالإقصاء والتمييز، مما أسهم في مشهد بلغ فيه عدد النزاعات التي تشمل أقليات أعلى مستوى له منذ اعتماد الإعلان. وفي الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة، أعرب المقرر الخاص عن أمله في أن يفضي الاعتراف بهذه الإخفاقات إلى إجراءات ملموسة، منها تجديد الجهود لتنفيذ توصيات قديمة مثل صياغة معاهدة عالمية بشأن حقوق الأقليات، وتفعيل المذكرة التوجيهية للأمين العام لعام 2013 بشأن التمييز العنصري وحماية الأقليات.
المتعلمون ذوو الإعاقة
لا يزال التمييز والإقصاء على أساس الإعاقة منتشرين على نحو يعوق إعمال الحق في التعليم. فكثير من المتعلمين ذوي الإعاقة لا يزالون يواجهون بيئات تعليمية منفصلة أو غير ملائمة. ومع رقمنة التعليم، قد تزيد محدودية الوصول إلى التكنولوجيات المساعدة من الشعور بالإقصاء. ويقدر عدد الأطفال ذوي الإعاقة في العالم بنحو 240 مليون طفل، أي ما يقارب طفلاً من كل عشرة أطفال. وتزيد احتمالية ألا يكون الأطفال ذوو الإعاقة قد التحقوا بالمدرسة قط بنسبة 49%، ويعود ذلك في الغالب إلى عدم ملاءمة البنية التحتية ونقص المعلمين المدربين وغياب السياسات الشاملة. وتزيد الوصمة والمواقف الاجتماعية السلبية من تهميش الأطفال ذوي الإعاقة، فتعزز دوائر عدم المساواة والإقصاء. فضلاً عن ذلك، فإن الفجوة في التحصيل الأكاديمي للمتعلمين ذوي الإعاقة أوسع بكثير في البلدان الأدنى دخلاً؛ فبينما ينخفض معدل النجاح بنحو 5% في بلدان مثل الولايات المتحدة وأستراليا، ينخفض بمتوسط 10% في أمريكا اللاتينية.
الاعتراف بالإدماج في الأطر الوطنية
على الرغم من الاعتراف العالمي بالتعليم الشامل بوصفه حقاً للجميع كما هو مكرس في الغاية الرئيسية للهدف الرابع، يظل تعريفه متفاوتاً بين الأطر الوطنية. فلا تتضمن قوانين أو سياسات سوى 68% من البلدان تعريفاً للتعليم الشامل؛ ومن بين هذه البلدان، لا يشير إلى فئات مهمشة متعددة سوى 57%، بينما يعرفه 25% منها حصراً فيما يتعلق بالأشخاص ذوي الإعاقة أو المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة. ويهدد هذا التأطير الضيق بتعزيز النهج المنعزلة واستبعاد المتعلمين الذين يواجهون أشكالاً متقاطعة من التهميش، كالأطفال ذوي الإعاقة المنتمين في الوقت نفسه إلى أقليات.
ثانياً: بناء أساس قانوني أقوى
يعرض هذا الجزء المكونات الأساسية اللازمة لتعزيز الإطار القانوني الدولي للحق في التعليم. فهو يحدد الثغرات الحرجة في الإطار القانوني الدولي القائم، ويبرز الحاجة إلى نهج أكثر شمولاً وإدماجاً وقدرة على الصمود.
يرتب القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدول واجبات ملزمة باحترام التزاماتها وحمايتها والوفاء بها، والحق في التعليم ليس استثناءً من ذلك. فبوصفه حقاً أساسياً من حقوق الإنسان أُرسي أساسه المعياري أولاً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، ثم فُصّل في اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم (1960) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، فقد مضى اليوم أكثر من نصف قرن على صياغة كثير من أحكامه الرئيسية.
ومنذ ذلك الحين، عززت طائفة واسعة من الصكوك، بما فيها الالتزامات العالمية والإقليمية، الحق في التعليم ووسعت نطاقه. وإلى جانب ذلك، وسعت بلدان كثيرة الوصول إلى التعليم، ووفرت التعليم المدرسي المجاني، ولا سيما في المستويات الأولى، وقلصت أعداد الأطفال خارج المدرسة، واعترفت بأشكال متنوعة من التعلم، وحسنت الجودة وإمكانية الوصول، بما في ذلك من خلال تكييف البنية التحتية للمتعلمين ذوي الإعاقة واتخاذ تدابير لإدماج المتعلمين النازحين. غير أن ثغرات كبرى لا تزال قائمة، تقوض النماء الفردي والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع)
"ثمة هوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، وبين الدول المتقدمة والدول النامية. وتواصل هذه الهوة الاتساع، فتخلق عوائق أمام المجتمعات الهشة وسكان العالم النامي في الحصول على مستوى التعليم ذاته المتاح في البلدان المتقدمة. فهم يواجهون في الغالب نقصاً في الموارد المالية اللازمة للأدوات الرقمية، إلى جانب اكتظاظ الفصول، مما يحرمهم من الإفادة القصوى من تعليمهم." جاي تشو، شبكة الهدف الرابع التابعة لليونسكو.
إن عالم عام 2025 بعيد كل البعد عن العالم الذي صيغت فيه هذه الصكوك الدولية الملزمة قانوناً بشأن الحق في التعليم. فالأزمات المتصاعدة، من تغير المناخ والتكنولوجيات المزعزعة إلى التراجع الديمقراطي والنزاعات الواسعة وتعمق أوجه عدم المساواة، تستدعي إعادة نظر عاجلة في نطاق الحق في التعليم ومضمونه. ومع تعرض حقوق الإنسان للتهديد على الصعيد العالمي، لم يعد إعادة تأكيد النهج القائم على الحقوق وتعزيز الإطار القانوني الدولي للتعليم أمراً مستحسناً فحسب، بل أصبح ضرورة لتأمين أساس مستدام وقادر على الصمود للتعليم في أنحاء العالم.
وفي ظل هذه الخلفية، انطلقت مبادرة اليونسكو بشأن تطور الحق في التعليم عام 2021، وأُطلقت رسمياً عام 2024، بهدف تعزيز الإطار العالمي الملزم قانوناً للحق في التعليم وجعله أكثر استجابة للاحتياجات والتحديات المعاصرة. واستندت المبادرة بين عامي 2021 و2025 إلى بحث وتحليل سياسات مكثفين، استكملتهما مشاورات وفعاليات واسعة النطاق جمعت الخبراء والمربين والمتخصصين والناشطين والمتعلمين.
اعتماد مبدأ التعلم مدى الحياة في إعادة تشكيل الحق في التعليم
للتعلم مدى الحياة جذور عميقة في تقاليد ثقافية وتعليمية متنوعة حول العالم، وهو يجسد تطلعاً إنسانياً دائماً إلى النمو الفكري والاجتماعي والعاطفي طوال الحياة. وبدلاً من حصره في مرحلة أو مكان أو غرض بعينه، فإنه يتبنى فكرة أن التعلم عملية متصلة ودينامية، جزء لا يتجزأ من كل مرحلة من مراحل الحياة. وكما أكد جون ديوي (1938)، فإن التعليم عملية متصلة ودينامية تمتد على مدى العمر كله، من الطفولة المبكرة حتى الشيخوخة، وتشمل جميع أبعاد التجربة الإنسانية.
ويتخذ التعلم مدى الحياة أشكالاً متعددة. فهو يحدث في بيئات نظامية يوجهها المدرسون والمعلمون والمربون، ولكنه يحدث كذلك في سياقات عرضية وغير نظامية، كبرامج الإذاعة والتلفزيون أو المنصات الرقمية التي تتيح للأفراد التعلم باستقلالية دون قيود زمانية أو مكانية. وهو يخدم أغراضاً مهنية وشخصية معاً، فيمكّن الناس من التكيف مع التغيير وإشباع فضولهم وتنمية إبداعهم. وكما يوضح معهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة، فإن هذا التعلم يشمل جميع الفئات العمرية، وجميع مستويات التعليم، وجميع أنماط التعلم، وجميع فضاءاته، وطائفة واسعة من الأغراض.
وقد ظلت اليونسكو منذ أمد بعيد في طليعة النهوض بالتعلم مدى الحياة بوصفه حجر الزاوية في الحق في التعليم ومحركاً للتنمية البشرية. وقد صيغ هذا الالتزام أول مرة في تقرير فور عام 1972، وأُعيد تأكيده عام 1997 في تقرير ديلور، ثم ترسخ في إعلان إنشيون وإطار العمل (2016) وفي تقرير "إعادة تصور مستقبلنا معاً: عقد اجتماعي جديد للتعليم" (2021). وتؤكد هذه الوثائق المرجعية مجتمعة ضرورة بناء مجتمعات تعلم قائمة على مبادئ التعليم مدى الحياة، وتبرز أن التعلم مدى الحياة ضروري في عالم سريع التغير على صعيدي العمل والمعرفة لتلبية المتطلبات المتغيرة وتعزيز الإدماج وتقوية الروابط بين فضاءات التعلم وأنماطه ومراحل الحياة المتنوعة.
ويقع في صميم هذه الرؤية إنشاء منظومات تعلم تجعل التعلم مدى الحياة واقعاً معاشاً للجميع. فهذه المنظومات تمكّن الأفراد من تحقيق إمكاناتهم، والمشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم، والإسهام في تقدم اقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي مستدام. واستناداً إلى هذه المبادئ، تسعى مبادرة تطور الحق في التعليم إلى تعزيز حوار تعاوني حول توسيع إطار الحق في التعليم وتقويته، مع وضع التعلم مدى الحياة في صميمه. والغاية من ذلك ضمان إعمال هذا الحق لا مرة واحدة في العمر، بل باستمرار في كل مرحلة من مراحل الحياة مع تطور المجتمعات واحتياجات التعلم.
وفي ضوء ما سبق، يبرز الجزء التالي من هذا التقرير الثغرات والمجالات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والتطوير، ومنها الاستحقاقات والتوجهات الناشئة فيما يتعلق بتعزيز الإطار القانوني الدولي.
تحديد الثغرات في الإطار القانوني الدولي
تقر مبادرة اليونسكو بشأن تطور الحق في التعليم بأن الصكوك القانونية الدولية القائمة بشأن الحق في التعليم، رغم طابعها التأسيسي، تفتقر إلى الدقة اللازمة للاستجابة لحقائق التعليم الراهنة وتحدياته وفرصه. ومع بقاء الأحكام العامة ضرورية، يجب أن يتطور الإطار المعياري الدولي أو يعاد وضعه في سياقه لدعم نظم تعليمية أكثر قدرة على الصمود وأكثر شمولاً وإنصافاً تخدم جميع المتعلمين مدى الحياة.
ويتطلب ذلك رؤية شاملة تقر بالترابط العميق بين الحق في التعليم وحقوق الإنسان الأخرى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحقوق في الصحة والعمل والمساواة بين الجنسين والحصول على المعلومات. واستناداً إلى مشاورات عالمية واسعة، ينبغي بناء إطار أقوى وملزم قانوناً حول عدة ركائز رئيسية تعالج أكثر الثغرات الموضوعية إلحاحاً في الإطار القانوني الدولي.
وقد أفضى تحليل قانوني مقارن للصكوك الدولية الملزمة قانوناً إلى رصد ثغرات رئيسية، وإن لم تكن حصرية، في مختلف مستويات التعليم وموضوعاته. ففي مجال الرعاية والتربية في الطفولة المبكرة، يعترف القانون الدولي لحقوق الإنسان بحق الطفل، أي كل من لم يبلغ الثامنة عشرة، في التعليم، وينص على مراعاة المصالح الفضلى للطفل وحقه في الراحة ووقت الفراغ واللعب، ويتضمن أحكاماً لدعم الوالدين والأوصياء القانونيين في الاضطلاع بمسؤولياتهم في تنشئة الأطفال، مع إلزام الدول الأطراف بتطوير مؤسسات ومرافق وخدمات لرعاية الأطفال ونمائهم. غير أنه لا توجد أحكام صريحة بشأن سنة واحدة على الأقل من التعليم قبل الابتدائي المجاني والإلزامي، ولا بشأن الحق في خدمات ومرافق رعاية الأطفال والرعاية الصحية. كما أن حق الوالدين في تلقي الدعم في تنشئة الأطفال معترف به لكنه صيغ صياغة ضعيفة، ويمكن تعزيزه، ولا سيما فيما يتعلق بالتثقيف والإرشاد بشأن صحة الطفل وتغذيته ونظافته وسلامته.
وفي التعليمين الابتدائي والثانوي، يكرس القانون الدولي لحقوق الإنسان التزاماً بالتعليم الابتدائي المجاني والإلزامي، ويشترط أن يكون التعليم الثانوي مجانياً بصورة تدريجية. غير أنه لا يوجد التزام واضح بتوفير اثنتي عشرة سنة من التعليم الابتدائي والثانوي المجاني تكون تسع منها إلزامية. وإضافة إلى ذلك، ومع وجود تعريف للتعليم الثانوي "المجاني تدريجياً"، لا توجد مدة زمنية محددة صراحة لتحقيقه في هذا المستوى.
وفي التعليم والتدريب التقني والمهني، لا يشار في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى إتاحة هذا التعليم وتيسيره بصورة عامة إلا بوصفه جزءاً من التعليم الثانوي، وفي إطار الحق في العمل يجب أن يشمل برامج التوجيه والتدريب التقنيين والمهنيين. وتلزم اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 142 الدول باعتماد سياسات شاملة ومنسقة للتوجيه والتدريب المهنيين المرتبطين بالتوظيف في جميع القطاعات ومستويات المهارة، وتدعو إلى التعليم والتدريب المستمرين لتمكين التكيف مع التغيرات التكنولوجية والهيكلية، فتضفي بذلك بعداً للتعلم مدى الحياة على تنمية المهارات. وتشير اتفاقية اليونسكو بشأن التعليم التقني والمهني إلى إنشاء آليات لضمان الجودة، وإشراك طائفة واسعة من أصحاب المصلحة العامين والخاصين في حوكمة هذه النظم، وضمان توافر هذا التعليم بقدر كافٍ وبتكلفة ميسورة في المستويات العليا. غير أنه لا يوجد في القانون الدولي لحقوق الإنسان حكم يقضي بأن يهدف هذا التعليم إلى تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة وعمالة كاملة ومنتجة. كما أن التوجيه والإرشاد التعليميين والمهنيين غير مكفولين في إطار الحق في التعليم، وثمة غياب لحقوق صريحة في إعادة التأهيل ورفع المهارات والانتقال الوظيفي.
وفي التعليم العالي، يتعين الأخذ بمجانيته بصورة تدريجية وجعله متاحاً على أساس القدرة. وتشمل الاتفاقية العالمية لليونسكو بشأن التعليم العالي، في جملة أمور، حق الأفراد في تقييم مؤهلاتهم لأغراض التقدم للقبول في التعليم العالي أو لفرص العمل، وأن يكون الاعتراف بالمؤهلات شفافاً وعادلاً وفي الوقت المناسب وغير تمييزي، مع إنشاء نظام موضوعي وموثوق لاعتماد مؤسسات التعليم العالي والاعتراف بها وضمان جودتها. غير أن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا ينص على القدرة على تحمل تكاليف التعليم العالي حين لا يكون مجانياً بعد، ولا يتضمن حوافز مالية كالمنح والمنح الدراسية للفئات الأكثر حرماناً وتهميشاً وهشاشة. كما تحتاج أسس القبول في التعليم العالي على أساس القدرة إلى توضيح.
وفيما يتعلق بالتعليم والتعلم بعد التعليم العالي، ينص القانون الدولي على توفير التعليم الأساسي لمن لم يتلقوا التعليم الابتدائي أو لم يتموه. غير أن فرص التعلم والتدريب بعد التعليم العالي غير مكفولة، ولا كذلك محو الأمية الوظيفي الجيد والمجاني، بما في ذلك الثقافة الرقمية والحساب والتعليم الأساسي.
وفي مجال التعلم مدى الحياة، تشير اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المساواة في التعلم مدى الحياة، وتقدم الاتفاقية العالمية للاعتراف بالمؤهلات المتعلقة بالتعليم العالي تعريفاً للتعلم مدى الحياة وتهدف إلى دعم فرصه للجميع، بمن فيهم اللاجئون والنازحون. غير أنه لا يوجد اعتراف ملزم بالحق في التعلم مدى الحياة عبر أبعاده الخمسة، أي الأعمار والمستويات والفضاءات والأنماط والأغراض، كما تغيب واجبات الدول في إنشاء نظم متكاملة للتعلم مدى الحياة ودعم الإرادة الفردية من خلال استحقاقات التعلم مدى الحياة، بما في ذلك الاعتراف بنواتج التعلم المكتسبة في سياقات مختلفة والتحقق منها واعتمادها، ومسارات التعلم المرنة والسلسة بين التعليم والتدريب النظاميين وغير النظاميين. كما أن الحق في الحرية الأكاديمية غير مكفول صراحة في صك ملزم قانوناً.
وفيما يخص أهداف التعليم، يحدد العهد الدولي واتفاقية حقوق الطفل أهداف التعليم، غير أنه لا يوجد حكم قانوني يكرس الحق في التعلم عن التنمية المستدامة والمواطنة العالمية وحقوق الإنسان والصحة والرفاه. كما أن العقوبة البدنية في التعليم ليست محظورة صراحة.
وفي مجال جودة التعليم، يكفل الإطار القانوني الدولي حالياً المساواة في جودة التعليم من خلال معايير دنيا، وجودة التدريس والإمدادات للمعلمين. وبالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، تنص اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تحديداً على الوصول إلى تعليم ابتدائي وثانوي جيد، وتشترط أن يشمل تدريب المعلمين استخدام التقنيات والمواد التعليمية الداعمة لهم. غير أن الإطار يفتقر إلى أحكام واضحة بشأن الحق في تعليم جيد لجميع المتعلمين وفي جميع المستويات، يشمل جودة المحتوى والمناهج وأصول التدريس والبنية التحتية، ومعايير الجودة، والتدريب الكافي للمعلمين وتأهيل المربين، بمن فيهم العاملون في الطفولة المبكرة ومربو الكبار.
وفي مجال الإدماج، تعد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الصك الوحيد الذي يشير إلى التعليم الشامل. ويفتقر القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى تعريف شامل للتعليم الشامل يتجاوز الأشخاص ذوي الإعاقة ويعزز التنوع الثقافي والديني واللغوي، إلى جانب جوانب أخرى. كما يفتقر إلى ضمانات لتدابير الدعم الفردي، بما فيها الإجراءات العلاجية والمساعدة المساندة، وضمان بيئات تعلم خالية من الوصم والصور النمطية، وتعزيز التنوع الثقافي والديني واللغوي في المحتوى التعليمي وطرق تقديمه.
وفي مجال التمييز، تعرّف اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم التمييز بأنه أي ميز أو استبعاد أو قصر أو تفضيل على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الحالة الاقتصادية أو المولد، يقصد منه أو ينشأ عنه إلغاء المساواة في المعاملة في مجال التعليم أو الإخلال بها. ومع أن قائمة أسس التمييز المحظورة في التعليم مفتوحة على المستوى الدولي ويجب أن تظل كذلك لتشمل أوضاعاً أخرى، فإن الميل الجنسي والهوية الجنسانية واللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين والنازحين داخلياً غير مدرجين فيها.
وبالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، فلهم الحق في تعليم شامل وجيد في جميع المستويات وبجميع الأشكال على قدم المساواة مع غيرهم. ويجب على الدول ضمان عدم استبعادهم من التعليم الابتدائي أو الثانوي المجاني والإلزامي على أساس الإعاقة، وأن توفر النظم التعليمية الترتيبات التيسيرية المعقولة والدعم الفردي وبيئات التعلم الميسرة. وينبغي تدريب المعلمين على الممارسات الشاملة وطرق التواصل مثل طريقة برايل ولغة الإشارة والصيغ الرقمية الميسرة. كما ينبغي أن يعزز التعليم احترام التنوع البشري، ويقوي تقدير الذات، ويمكّن الأشخاص ذوي الإعاقة من المشاركة الكاملة في المجتمع، وعلى الدول كذلك ضمان المساواة في الوصول إلى التعليم العالي والمهني وفرص التعلم مدى الحياة. غير أنه لا يوجد التزام واضح بضمان الوصول إلى الأدوات والتكنولوجيات الرقمية وبيئات التعلم عبر الإنترنت أو توفيرها لهم، ولا ضمانات صريحة بأن تكون النظم والموارد التعليمية الرقمية ميسرة الوصول وميسورة التكلفة وشاملة لجميع المتعلمين ذوي الإعاقة.
وبالنسبة إلى النساء والفتيات، ينبغي معاملتهن على قدم المساواة في التعليم في جميع المستويات والأشكال، بما في ذلك الوصول إلى المناهج والامتحانات وهيئات تدريس بالجودة نفسها، والفرص نفسها في المنح الدراسية والتعليم المستمر، بما فيه محو الأمية الوظيفي. ويجب على الدول اتخاذ خطوات للحد من معدلات تسرب الإناث، ودعم النساء والفتيات اللواتي تركن المدرسة مبكراً لمواصلة دراستهن. كما ينبغي ضمان المساواة في الوصول إلى التدريب المهني والرياضة والمعلومات التربوية المتعلقة بالصحة ورفاه الأسرة، والقضاء على المفاهيم النمطية لأدوار الرجال والنساء في جميع مراحل النظام التعليمي. غير أنه لا يوجد التزام واضح بضمان إعادة التحاق الفتيات والنساء الحوامل والأمهات بالتعليم، وحظر أي قيود على تعليمهن.
وبالنسبة إلى الشعوب الأصلية والأقليات، فلها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان الحق في تعليم يحترم هويتها الثقافية ولغتها وقيمها ويصونها. ويجب على الدول ضمان أن يعزز التعليم التفاهم والتسامح بين جميع الفئات، مع تمكين الشعوب الأصلية ومجتمعات الأقليات من إنشاء مؤسساتها ومرافقها التعليمية وإدارتها. وينبغي تقديم التعليم بطريقة تحترم تراثها الثقافي، وبلغاتها حيثما أمكن. وتشجَّع الدول كذلك على اتخاذ تدابير تكفل تكافؤ الفرص والنتائج مع صون حقها في إنشاء مؤسساتها ومرافقها التعليمية. غير أن التعليم وفرص التعلم باللغة الأم غير منصوص عليهما صراحة.
وبالنسبة إلى اللاجئين والمهاجرين والنازحين داخلياً وطالبي اللجوء، يكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان حق اللاجئين والمهاجرين والنازحين داخلياً وعديمي الجنسية في التعليم دون تمييز وبشروط لا تقل رعاية عن تلك الممنوحة للمواطنين. ويجب على الدول ضمان حصول الأطفال والشباب في هذه الأوضاع على التعليم الابتدائي المجاني والإلزامي، وإتاحة التعليم الثانوي والتقني والعالي لهم على قدم المساواة، بما في ذلك من خلال الاعتراف العادل بالتعلم السابق والمؤهلات حتى حين تكون الأدلة المستندية ناقصة. وينبغي أن تيسر النظم التعليمية الإدماج والدعم اللغوي واستمرارية التعلم عبر الحدود، مع إزالة العوائق الإدارية أو القانونية التي تعوق الالتحاق. وتقر الاتفاقية العالمية للاعتراف بالمؤهلات المتعلقة بالتعليم العالي بأهمية الاعتراف العادل والشفاف وغير التمييزي بالمؤهلات. غير أن حق طالبي اللجوء والنازحين داخلياً، بمن فيهم النازحون بسبب المناخ، في التعليم غير مكرس ولا مفصل، كما أن إزالة العوائق الإدارية وتوفير الفصول اللغوية والعلاجية وغيرها غير مفصلة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وفي حالات الطوارئ والأزمات المطولة، يظل الحق في التعليم سارياً ويجب حمايته بموجب القانون الإنساني الدولي. ويتعين على الدول وأطراف النزاع احترام السير السليم للمؤسسات التعليمية وكفالته، وصون وصول الأطفال إلى التعليم حتى في زمن الحرب. وتشكل الهجمات على المباني المخصصة للتعليم، واستخدام المرافق التعليمية لأغراض عسكرية، وأي أفعال تعوق تعلم الأطفال انتهاكات للقانون الدولي. ويجب الحفاظ على التعليم بوصفه فضاءً للحماية والاستمرارية والاستقرار للمتعلمين المتأثرين بالنزاعات والنزوح. غير أن الحق في بيئة تعلم آمنة، والتدابير الكفيلة بضمان قدرة التعليم على الصمود والاستجابة، ضعيفة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وفي مجال التعليم الرقمي، لا توجد أحكام قانونية تعالج الوصول الشامل إلى الإدماج الرقمي، بما في ذلك استخدام التكنولوجيا في التعليم والحاجة إلى مهارات الثقافة الرقمية، وإعطاء الأولوية للاتصال ووضع معايير دنيا. كما لا يوجد حكم قانوني بشأن الحق في الخصوصية على الإنترنت في التعليم، ولا معايير دولية بشأن معالجة البيانات في التعليم أو الأمن الإلكتروني فيه.
وفي مجال الحوكمة، يتعين على الدول المصدقة على معاهدات الأمم المتحدة تقديم تقارير عن التدابير المتخذة لتنفيذها. غير أن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يشير إلى الترابط بين حقوق الإنسان، ولا إلى النهج المشترك بين القطاعات والشامل للقطاع والتشاركي الذي يتطلبه التعليم، ولا يتضمن ما يكفل الرصد المنتظم والشفاف والتشاركي للحق في التعليم، ولا الحاجة إلى قضاء مواتٍ.
وفي مجال التمويل، يفرض العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الدول أن تخصص أقصى ما تسمح به مواردها المتاحة لإعمال الحقوق المعترف بها فيه. غير أنه لم يُرسَ في القانون الدولي لحقوق الإنسان التزام قانوني محدد يلزم الدول بتمويل النظام التعليمي تمويلاً كافياً ومنصفاً.
وفيما يخص مهنة التدريس، ينص القانون الدولي لحقوق الإنسان على التحسين المستمر للظروف المادية لهيئات التدريس، وعلى أن يكون التدريب دون تمييز، وأن تكون مؤهلات المعلمين بالمستوى نفسه في النظم التعليمية المنفصلة لجميع التلاميذ دون تمييز، وتشير اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كذلك إلى المعلمين فيما يتعلق بهؤلاء الأشخاص. غير أن ظروف العمل والمكانة الاجتماعية للمعلمين، بمن فيهم المعلمون المتعاقدون والعاملون في التعليم غير النظامي، والحق في الأجر العادل، والتدريب قبل الخدمة وأثناءها ومعاييره، غير منصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأخيراً، فيما يتعلق بالجهات الفاعلة من غير الدول، فلها دور معترف به في تقديم التعليم، غير أن أنشطتها يجب أن تحترم احتراماً تاماً مبادئ المساواة وعدم التمييز والجودة المكرسة في القانون الدولي لحقوق الإنسان وأن تنسجم معها. وتظل الدول صاحبة الالتزام الأساسي بتنظيم المؤسسات الخاصة ورصدها وضمان عملها وفقاً للحق في التعليم، دون أن تقوض طابعه العام أو إمكانية الوصول إليه. وللوالدين والمجتمعات المحلية حرية إنشاء مؤسسات تعليمية، شريطة أن تستوفي المعايير الدنيا التي تضعها الدولة لصون الأهداف التعليمية المنسجمة مع حقوق الإنسان. غير أن ثمة حاجة إلى أطر تنظيمية واضحة في القانون الدولي لحقوق الإنسان توازن بين الحرية التعليمية والمساءلة والإدماج والإنصاف.
وهذه الثغرات جوهرية. فهي تشمل جوانب عدة، منها غياب ضمان الوصول إلى التعليم، والتعليم الشامل والجيد للجميع مدى الحياة، وقصور ترجمة الالتزامات العالمية إلى التزامات قانونية واجبة النفاذ. ومع أن الصكوك الدولية الحالية تضع بعض المعايير الدنيا لجودة التعليم والتعلم، بما فيها الدعم التربوي الميسر للمتعلمين ذوي الإعاقة، فإنها تظل جزئية وتقصر عن صياغة ضمان شامل وعلى مستوى النظام بأكمله لتعليم جيد لجميع المتعلمين. فضلاً عن ذلك، ومع أن الهدف الرابع جعل التعلم مدى الحياة مبدأً محورياً في السياسات التعليمية العالمية، فإن غاياته كثيراً ما تظل تطلعية في غياب ضمانات قانونية مقابلة. وتميل الصكوك الدولية القائمة إلى التركيز على الوصول إلى التعليم الأساسي، مع أحكام ملزمة أقل تغطي سلسلة التعلم الأوسع، من الرعاية والتربية في الطفولة المبكرة إلى التعليم الثانوي والعالي ومحو أمية الشباب والكبار.
فعلى المستوى الوطني مثلاً، تفتقر الرعاية والتربية في الطفولة المبكرة إلى ضمان قانوني محدد رغم الاعتراف العالمي بأهميتها التأسيسية، ولا يزال التعليم الثانوي مجانياً وإلزامياً جزئياً فقط في بلدان كثيرة، إذ لا يكفل سوى ثلثها اثنتي عشرة سنة من التعليم المجاني، أما التعليم العالي، فمع أنه متاح نظرياً، فإنه يواجه أوجه عدم إنصاف متزايدة مرتبطة بالقدرة على تحمل التكاليف والتمييز وتكاليف الفرص البديلة. وبالمثل، لا يزال الحق في محو الأمية، ولا سيما محو أمية الكبار والثقافة الرقمية، غير مقنن بالقدر الكافي رغم مكانته بوصفه شرطاً مسبقاً لجميع حقوق التعلم الأخرى. ولا يزال تعلم الكبار وتعليمهم على وجه الخصوص يسقط من ثغرات الإطار القانوني الدولي؛ إذ يعالج أساساً من خلال القانون غير الملزم، مما يترك الدول دون واجبات واضحة وقابلة للإنفاذ لضمان الوصول والتمويل والاعتراف بالتعلم السابق أو مسارات إعادة الانخراط للكبار الذين فاتهم التعليم المدرسي. ويكرس هذا الضعف المعياري إقصاء مئات الملايين من الكبار في أنحاء العالم ممن يفتقرون إلى محو الأمية الأساسي أو الوظيفي أو المهارات الرقمية أو فرص إعادة التأهيل الضرورية للمواطنة الفاعلة والعمل اللائق.
ويتطلب سد هذه الثغرات إطاراً قانونياً دولياً متطوراً يمد الضمانات واجبة النفاذ إلى جميع مراحل التعلم مدى الحياة وأبعاده، من التعليم قبل الابتدائي إلى تعليم الكبار، وعبر فضاءات التعلم النظامية وغير النظامية والعرضية. وينبغي أن يقنن هذا الإطار التعليم قبل الابتدائي المجاني والإلزامي والتعليم الثانوي المجاني فوراً، وأن يوضح القدرة على تحمل التكاليف والتمويل المنصف في التعليم العالي، وأن يرسخ محو الأمية، بما في ذلك الثقافة الرقمية، وتعلم الكبار بوصفهما استحقاقين مدى الحياة. ويجب أن يعترف هذا الإطار كذلك بإرادة المتعلمين من خلال تضمين استحقاقات التعلم مدى الحياة، كالأرصدة التعليمية القابلة للنقل، وحسابات التعلم الشخصية، والحق في الاعتراف بالتعلم السابق والتحقق منه واعتماده، بوصفها آليات تمكّن الأفراد من مواصلة التعلم طوال حياتهم وفق شروطهم الخاصة. كما تعيد الرقمنة تشكيل التعليم، ومع ذلك لا يتضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان أحكاماً صريحة تكفل الإدماج الرقمي أو الوصول المنصف إلى التعلم المعزز بالتكنولوجيا. ويقع على عاتق الدول واجب ضمان أن تتطور النظم التعليمية لتعزز الثقافة الرقمية والاتصال والوصول إلى بيئات تعلم إلكترونية آمنة وشاملة وميسورة التكلفة. ويعد تعزيز الإطار القانوني الدولي ليشمل البعد الرقمي للتعليم أمراً أساسياً لصون تكافؤ الفرص والمساءلة في استخدام الأدوات الرقمية للتعلم.
وينبغي أن يدمج الإطار الدولي أبعاد اليونسكو الخمسة للتعلم مدى الحياة، أي الأعمار والمستويات والفضاءات والأنماط والأغراض، في بنية متسقة تربط بين سياسات التعليم والعمل والسياسات الاجتماعية، بما يضمن أن يكون التعلم حقاً ومسؤولية مجتمعية مشتركة في آن واحد. ومن شأن التمسك بمبدأ عدم التراجع بوصفه أساساً جوهرياً لتطوير أي إطار قانوني جديد أن يضمن كذلك حماية الإنجازات التي تحققت بشق الأنفس، كالتعليم الثانوي المجاني وبرامج محو أمية الكبار وخطط التعليم المستمر، حتى في أوقات الأزمات أو التقشف. وفي نهاية المطاف، فإن إعادة تأكيد الأهداف الإنسانية والتحويلية للتعليم ضمن إطار قانوني دولي متجدد لن تقتصر على مواءمة الحق في التعليم مع رؤية الهدف الرابع لفرص تعلم شاملة ومنصفة وممتدة مدى الحياة للجميع، بل ستعيد إليه كذلك غايته التأسيسية: النهوض بالكرامة الإنسانية والاستقلالية والاستدامة.
نحو إطار قانوني دولي مستدام وقادر على الصمود للحق في التعليم
يعد نهج "العناصر الخمسة"، أي التوافر وإمكانية الوصول والمقبولية وقابلية التكيف، إلى جانب ما أضيف مؤخراً من عنصر المساءلة، نهجاً حاسماً لتعزيز الإطار القانوني الدولي للحق في التعليم من خلال معالجة الثغرات المعيارية وثغرات التنفيذ. فمع أن صكوكاً مثل اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ترسي المبادئ التأسيسية، فإن لغتها التطلعية في الغالب تحد من قابليتها للإنفاذ. وتوفر العناصر الخمسة مؤشرات ملموسة لتحديد التزامات الدول باحترام الحق في التعليم وحمايته وإعماله. فمن خلال اشتراط أن يكون التعليم متاحاً للجميع، ومزوداً بالموارد الكافية، وملائماً ثقافياً، ومستجيباً للاحتياجات المتغيرة، وخاضعاً للمساءلة القانونية، يحول هذا الإطار الحق في التعليم إلى واقع عملي ويتيح رصده بفاعلية. ويكتسب هذا النهج أهمية حيوية بصفة خاصة في معالجة الثغرات القانونية المتعلقة بالتعلم الرقمي والقدرة على الصمود في وجه تغير المناخ وإدماج المتعلمين المهمشين، إذ يمثل أداة تشخيصية وخريطة طريق معيارية لتطوير القانون الدولي لحقوق الإنسان في آن واحد.
ولبناء إطار قانوني أكثر استدامة وقدرة على الصمود، يجب إعادة تأطير الحق في التعليم ضمن منظور لحقوق الإنسان ممتد مدى الحياة وشامل لجميع جوانبها ومترابط. ويشمل ذلك ما يلي:
التوافر
الاعتراف بالرعاية والتربية في الطفولة المبكرة بوصفهما حقاً قانونياً، بما في ذلك ضمان سنة واحدة على الأقل من التعليم قبل الابتدائي المجاني والإلزامي للجميع، وشمول الرعاية المتكاملة والخدمات الصحية والنمائية منذ الولادة. ويعكس ذلك الالتزامات العالمية الأحدث كما وردت في الغاية 4.2 وإعلان طشقند. وينبغي أن يكفل القانون الدولي رعاية وتربية جيدتين في الطفولة المبكرة لجميع الأطفال منذ الرضاعة، مع التزامات على الدول بتوفير بيئات شاملة ومراعية للثقافة وآمنة ومزودة بعاملين أكفاء بالقدر الكافي، تخدم المصالح الفضلى للطفل.
الضمان القانوني لاثنتي عشرة سنة على الأقل من التعليم الجيد المجاني، تكون تسع منها على الأقل إلزامية، انسجاماً مع الغاية 4.1 وخطة التعليم حتى عام 2030. ومن شأن ذلك أن يسد ثغرة معيارية لا يزال فيها التعليم الثانوي غير مكفول قانوناً بصورة شاملة، رغم أنه ضروري لاستمرارية التعلم. وينبغي أن تضمن الصكوك الملزمة تعليماً شاملاً غير منقطع عبر المرحلتين الابتدائية والثانوية، مع معايير جودة ودعم موجه للفئات المهمشة.
إنشاء استحقاقات قانونية لتعلم الكبار، تشمل إعادة التأهيل ورفع المهارات والثقافة الرقمية، والاعتراف بالتعلم السابق، والانتقال السلس بين البيئات النظامية وغير النظامية. ويتعين أن تكرس الإصلاحات القانونية الحق في تعليم الكبار بوصفه استحقاقاً مدى الحياة، وأن تلزم الدول بالاستثمار في مسارات شاملة وميسرة ومرنة للتعلم الأساسي والرقمي والمجتمعي للجميع.
إمكانية الوصول
التعليم الشامل وعدم التمييز: يجب إعادة تأكيد مبدأ المساواة بعبارات قانونية أقوى، تشمل حماية خاصة للفئات التي لا تزال تواجه عوائق مباشرة أو غير مباشرة، كالمتعلمات الحوامل والمتعلمين من الآباء والأمهات، والأطفال ذوي الإعاقة، والمتعلمين المنتمين إلى مجتمعات الأقليات، ومن يواجهون الإقصاء القائم على اللغة أو الموقع الجغرافي أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وتقدم صكوك إقليمية مثل الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهه (1990) نماذج لهذه الرؤية القانونية الموسعة.
التعليم في حالات الطوارئ والأزمات المطولة: يستدعي الاضطراب الناجم عن النزاعات والهجمات على المدارس والنزوح والجوائح والكوارث المناخية الاعتراف القانوني باستمرارية التعلم بوصفها التزاماً ملزماً. وينبغي أن يكفل أي إطار منقح الحماية القانونية للمتعلمين النازحين، بمن فيهم اللاجئون وطالبو اللجوء والنازحون داخلياً، وأن يحمّل الدول مسؤولية بناء قدرة النظم على الصمود والتعافي السريع وإدماج المتعلمين النازحين في النظم الوطنية دون تمييز أو عوائق تتعلق بالوثائق. وقد دعت المقررة الخاصة المعنية بالحق في التعليم في موجز سياساتها لعام 2025 الدول إلى أن تحظر صراحة في قوانينها المحلية الهجمات على المرافق التعليمية واستخدامها العسكري، بهدف تحويل هذا الحظر إلى قاعدة عرفية دولية من خلال ممارسة الدول.
ضمان تعليم عالٍ ميسور التكلفة وشامل وجيد للجميع، مع حماية قانونية من ممارسات القبول الإقصائية والعوائق المالية. فمع أن العهد الدولي يكفل في مادته الثالثة عشرة تعليماً عالياً مجانياً بصورة تدريجية، فإن مزيداً من تعزيز الإطار القانوني الدولي للحق في التعليم يحتاج إلى النظر في أحكام تتعلق بالمنح الدراسية ودعم الطلاب، بما في ذلك الدعم النفسي الاجتماعي، والوصول الرقمي.
المقبولية
تغير المناخ والتعليم من أجل الاستدامة: يجب أن يشمل الحق في التعليم التعليم المناخي، والقضايا البيئية عموماً، بوصفه هدفاً من أهداف التعليم يحظى بحماية قانونية. وينبغي كذلك أن يحظى المتعلمون النازحون بسبب الأحداث المناخية بضمانات قانونية معززة لمواصلة تعليمهم، وأن تلزم النظم الوطنية بإدماج التعليم البيئي واستراتيجيات الحد من المخاطر ضمن تخطيط قدرة النظام التعليمي على الصمود.
ضمان أن يكون التعليم والتدريب التقني والمهني والتعلم مدى الحياة جوهريين في الحق في التعليم لا مجرد إضافات: يتعين أن توفر الأطر القانونية وصولاً شاملاً إلى تعليم وتدريب تقني ومهني جيد وشامل ومرتبط بسوق العمل، إلى جانب ضمانات قانونية للاعتراف بالتعلم غير النظامي والعرضي، بما في ذلك رفع مهارات الشباب والكبار وإعادة تأهيلهم. ويؤكد إطار عمل مراكش وتوصيات المؤتمر الدولي السابع لتعليم الكبار الحاجة إلى اعتراف قانوني بتعلم الكبار وتنمية المهارات مدى الحياة.
قابلية التكيف
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: مع انتقال التعليم على نحو متزايد إلى الفضاء الرقمي، يجب أن يستجيب القانون الدولي. وينبغي أن يشمل تعزيز الإطار القانوني الدولي ضمان الوصول المنصف إلى التكنولوجيا، وتنظيم الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وحماية بيانات المتعلمين وخصوصيتهم. كما ينبغي أن يكفل وضع معايير دنيا للجودة لمزودي تكنولوجيا التعليم، وأن يشترط منصات رقمية ميسرة لجميع المتعلمين، بمن فيهم ذوو الإعاقة.
تعزيز أهداف التعليم وصونها: ينبغي تعزيز الإطار القانوني الدولي ليعكس صراحة الأهداف التحويلية للتعليم في القرن الحادي والعشرين وما بعده، ومنها تعزيز الكرامة الإنسانية والتماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة. واستناداً إلى المبادئ القائمة الواردة في المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل، يمكن لصياغة منقحة للمعاهدات أن تفرض إدماج التثقيف في مجال حقوق الإنسان، والتربية على المواطنة العالمية، والتعليم من أجل التنمية المستدامة، والتعليم المحوِّل على صعيد النوع الاجتماعي، والتعليم من أجل الصحة والرفاه. وينبغي أن تدعم المناهج، في جملة أمور، تنمية التفكير النقدي، وقيماً مثل التعاطف والمرونة النفسية والتضامن للتصدي لخطاب الكراهية والقلق المناخي وجميع أشكال التمييز.
المساءلة
الحوكمة والتمويل والإنفاذ: يتطلب الحق في التعليم نظماً عامة متينة تقوم على حوكمة قوية وتمويل مستدام ومساءلة واجبة النفاذ. وينبغي توضيح المعايير القائمة بشأن التمويل، كبند "أقصى الموارد المتاحة" في العهد الدولي، لتشمل معايير دنيا مثل تخصيص ما بين 4% و6% من الناتج المحلي الإجمالي، وإعطاء الأولوية للمتعلمين المهمشين، والضرائب التصاعدية، فضلاً عن ضمان الشفافية في تخصيص الموارد. كما ينبغي صياغة معايير الجودة الدنيا بوضوح في القانون، بما في ذلك الالتزامات المتعلقة بمحتوى المناهج وبيئات التعلم الآمنة والدعم الكافي للمعلمين والمتعلمين. ويجب أن تعكس مسؤوليات الحوكمة الطابع المشترك بين القطاعات للحق في التعليم، اعترافاً بأن نواتج التعليم تعتمد على التنسيق بين الوزارات في مجالات مثل الصحة والمالية والبنية التحتية الرقمية والبيئة والحماية الاجتماعية. ويجب تنظيم تدخلات الجهات الفاعلة من غير الدول بقواعد ملزمة تضمن بقاء التعليم مسؤولية عامة، مع آليات رقابة تحول دون تسليعه وتصون الجودة والإنصاف لدى جميع مقدمي الخدمات. كما يتعين أن تكفل الصكوك الملزمة قانوناً حقوق المعلمين، بما في ذلك الأجر العادل والتطوير المهني والاحترام المؤسسي.
قابلية التقاضي والوصول إلى سبل الانتصاف: تعد الآليات القضائية وشبه القضائية ضرورية لضمان أن يكون الحق في التعليم قابلاً للإنفاذ وفعالاً، ولتوضيح المضمون المعياري للحق في التعليم ونطاقه. فبمجرد الاعتراف به حقاً قابلاً للتقاضي في النظم القانونية المحلية، تستطيع المحاكم والهيئات القضائية تحديد ما إذا كانت الدول وغيرها من الجهات المسؤولة قد امتثلت لالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان، وتحميل المسؤولية عن الانتهاكات، والأمر باتخاذ التدابير التصحيحية والعلاجية الملائمة. وقد تشمل هذه التدابير الأوامر القضائية، والتعويض، والجزاءات الإدارية أو الجنائية، ومراجعة القوانين والسياسات المنتهكة للحق في التعليم أو إلغاءها. ومن ثم فإن الإجراءات القضائية لا تفيد المدعي وحده، بل يمكن أن تحدث تغييراً بنيوياً يعود بالنفع على فئات أوسع من المتعلمين المتضررين من التمييز أو الإهمال الممنهجين.
الخاتمة: نحو التزام متجدد بالحق في التعليم
إطار عالمي جديد محتمل
تكشف جميع الركائز التي جرى بحثها عن حاجة واضحة إلى إطار قانوني عالمي أكثر شمولاً واستشرافاً وإلزاماً، قادر على سد الثغرات الموضوعية، ومعالجة قصور التنفيذ في بعض السياقات، والاستجابة للتحديات الناشئة.
فانطلاقاً من الضمانات القائمة، من شأن صك عالمي جديد أو معزز بشأن الحق في التعليم أن يتيح فرصة لترسيخ التطورات والتوافق الناشئ الذي سبق بيانه، من خلال توطيد نطاق الحق في التعليم وتوسيعه بتكريس أبعاد جديدة كالتعلم مدى الحياة والإدماج الرقمي واستمرارية التعلم في سياقات الأزمات، مع استحداث آليات أقوى للإنفاذ والمساءلة والرصد تجعل الالتزامات القائمة أكثر قابلية للتقاضي في الواقع العملي.
ومع اقتراب العالم من عام 2030، يقف الحق في التعليم عند منعطف محوري. ويعد تعزيز أساسه القانوني، من خلال صك شامل ومتكامل وقادر على الصمود، أمراً جوهرياً لصون هذا الحق للأجيال الحالية والمقبلة. فمن خلال تكريس حقوق جديدة ووسائل جعلها واجبة النفاذ معاً، من شأن هذا الالتزام القانوني المتجدد أن يساعد على ضمان إعمال التعليم في الواقع، بوصفه حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وحقاً "تمكينياً"، يمكّن كل فرد من التعلم والازدهار طوال حياته. وبذلك يسهم إسهاماً مباشراً في إعمال جميع حقوق الإنسان الأخرى والنهوض بالتنمية المستدامة، بما يكفل مستقبلاً أكثر عدلاً وإنصافاً للجميع. ويمكن لمثل هذا الصك أن يكفل صراحة فرص التعلم مدى الحياة للجميع، وأن يفرض الإدماج، وأن يعالج قضايا معقدة كالتعليم في حالات الطوارئ والحوكمة الرقمية والتزامات التمويل.
وفي الوقت نفسه، يمكنه أن يرسي آليات أمتن للتنفيذ والمراجعة، تعزز مساءلة الدول من خلال واجبات أوضح وتقارير دورية ورصد مستقل. ويمكنه قبل كل شيء أن يعزز المساءلة بمزيد من توضيح واجبات الدول في إعمال هذه الحقوق في القوانين والسياسات الوطنية، بما يردم الهوة بين الأهداف العالمية، كغايات الهدف الرابع، والالتزامات الملزمة قانوناً.
ويمكن لإطار معزز كذلك أن يبرز الدور المتنامي للحق في التعليم بوصفه حقاً تمكينياً لا غنى عنه لممارسة طائفة واسعة من الحقوق، مع ترسيخ نهج قائم على حقوق الإنسان في التعليم في مرحلة ما بعد عام 2030. وفي سياق يتسم برقمنة التعليم، وآثار تغير المناخ، وتحول الطلب على المهارات، والأزمات المتكررة التي تمس استمرارية التعلم، ينبغي الاعتراف بالتعلم الممتد مدى الحياة والشامل لجميع جوانبها بوصفه شرطاً أساسياً للحصول على عمل لائق، والمشاركة الفاعلة في الحياة المدنية، وممارسة الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وصون الحقوق المتعلقة بالتواصل في بيئات معلوماتية متزايدة التعقيد. ومن شأن ترسيخ هذا الترابط بين الحقوق ترسيخاً متيناً أن يضمن أن يؤدي الحق في التعليم دوره ركيزةً متسقة ومتساندة ضمن البنية الأوسع لحقوق الإنسان.
المتطلبات السياسية والقانونية والمالية
يتطلب سد الفجوات التعليمية ما هو أكثر من الالتزامات القانونية؛ فكما بيّن التقرير، يعتمد التقدم كذلك على عوامل أخرى كالإرادة السياسية والتمويل الكافي والتنفيذ الفعال.
ويستلزم تحقيق حق معزز وفعال في التعليم إرادة سياسية قوية ومنسقة على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية. ويتعين على الحكومات أن تلتزم بترسيخ الحق في التعليم، من منظور التعلم مدى الحياة، في الدساتير والسياسات والأطر التشريعية والتنظيمية الوطنية، مع ضمان انسجامها مع المعايير الدولية. ويشمل ذلك الاعتراف بأن التعليم عملية متصلة طوال الحياة، تشمل فرص التعلم في الطفولة المبكرة والمراحل الابتدائية والثانوية والتعليم العالي والتعليم المهني وتعليم الكبار. ويمكن أن يشمل ذلك أيضاً الاعتراف بالتعلم في جميع أشكاله على امتداد الحياة، كالتعلم الفني والثقافي والمجتمعي والعرضي الذي يحدث خارج المؤسسات النظامية، بما يسهم في التأمل الجاري في الحق في التعليم بوصفه حقاً ثقافياً.
ومن الناحية القانونية، يستتبع ذلك آليات مؤسسية واضحة لقابلية التقاضي والإنفاذ، مقرونة بنظم رصد تحاسب الدول على توفير التعليم في جميع مراحل الحياة وفي جميع فضاءات التعلم. وينبغي أن تكفل السياسات صراحة الوصول إلى تعلم الكبار والتنمية المستمرة للمهارات، بما يضمن قدرة المتعلمين على العودة إلى التعليم والتعلم في مراحل مختلفة من حياتهم.
ومن الناحية المالية، يعد الاستثمار المستدام والمنصف في النظم التعليمية أمراً حاسماً. ويشمل ذلك التمويل لا للبنية التحتية للتعليم المدرسي التقليدي وتدريب المعلمين والمواد الشاملة فحسب، بل كذلك لبرامج التعلم المستمر كالتعلم الرقمي والتعلم العرضي ومحو أمية الكبار والتدريب المهني ومبادرات رفع المهارات. كما أن آليات الحد من العوائق التي يواجهها المتعلمون المهمشون، بما فيها تدابير الحماية الاجتماعية للتخفيف من تكاليف الفرص البديلة، ضرورية لكي يتمكن جميع الأفراد، أياً كانت أعمارهم، من المشاركة الكاملة في التعلم طوال حياتهم.
العوامل التمكينية الحاسمة
ثمة عوامل تمكينية عدة لا غنى عنها لتحويل الحق في التعليم من مبدأ مجرد إلى ممارسة ملموسة.
فمن الناحية المعيارية، يتطلب الحق في التعليم نظماً قائمة على الأدلة وشاملة وخاضعة للمساءلة، تكفل الوصول والإنصاف والجودة لجميع المتعلمين. وفي الممارسة العملية، يستتبع ذلك آليات متينة للبيانات والأدلة تحدد الثغرات وتسترشد بها السياسات وترصد التقدم، ولا سيما من خلال بيانات مصنفة ترصد أوجه عدم المساواة المتقاطعة.
وتعد الحوكمة التشاركية والشاملة، التي تشرك بفاعلية المجتمع المدني والمربين والمتعلمين والمجتمعات المحلية، حاسمة لتصميم سياسات ملائمة ومستجيبة ومنصفة.
ويعزز التعاون بين القطاعات قدرة النظم التعليمية على الصمود في وجه الأزمات وتكاملها مع التدخلات في مجالات الحماية الاجتماعية والصحة والثقافة والرياضة والتكنولوجيا. وأخيراً، فإن القيادة السياسية المستدامة والمناصرة العامة ضروريتان لدفع التنفيذ وتعبئة الموارد وترسيخ التعليم بوصفه حقاً أساسياً من حقوق الإنسان على جميع مستويات صنع القرار.
دور اليونسكو
تحتل اليونسكو موقعاً فريداً يؤهلها لتوجيه هذا التحول التأسيسي في الإطار المعياري للحق في التعليم ودعمه ورعايته. فبوصفها وكالة الأمم المتحدة المتخصصة في التعليم والرئيسة المشاركة للجنة التوجيهية الرفيعة المستوى للهدف الرابع، تضطلع اليونسكو بولاية واضحة وراسخة للنهوض بالخطة المعيارية وخطة وضع المعايير في مجال التعليم. ويعزز هذه الولاية التكامل بين اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم واتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تشكل مجتمعة العمود الفقري للإطار المعياري الدولي الملزم قانوناً للحق في التعليم. وبفضل شرعيتها العالمية وخبرتها التقنية وقدرتها على الجمع بين الأطراف، تستطيع اليونسكو ضمان الاتساق بين مختلف الفضاءات المتعددة الأطراف التي يناقش فيها الحق في التعليم ويُشكَّل، بما فيها اللجنة التوجيهية الرفيعة المستوى. وسيسهم العمل المعياري المعزز لليونسكو في آليات حقوق الإنسان وعملياتها في جنيف، وفي مزيد من الالتزامات السياسية في نيويورك. ويتطلب الزخم الحالي مواءمة استراتيجية وتآزراً بين منظمات الأمم المتحدة لتفادي الازدواجية وتعزيز التكامل، وضمان أن يتطور الحق في التعليم بوصفه إطاراً واحداً متسقاً يستند إلى القانون الدولي والمسؤولية المشتركة.
ولا يمكن المبالغة في تقدير الحاجة الملحة إلى المضي قدماً في هذه الخطة. فالحق في التعليم يقف عند مفترق طرق حاسم؛ فبينما تحول التحديات العالمية، من الاضطراب التكنولوجي إلى أزمات المناخ وتعمق أوجه عدم المساواة، احتياجات التعلم وسياقاته، فإن الأسس القانونية والمعيارية لهذا الحق لم تتطور بالوتيرة ذاتها. ومن دون زخم متجدد، ثمة خطر من التشرذم وتمييع المعايير واتساع التفاوتات في الوصول والجودة والاعتراف بالتعلم مدى الحياة. والآن هو الوقت المناسب لكي يتحرك المجتمع الدولي جماعياً وبحزم لإعادة تعريف هذا الحق وتعزيزه من أجل القرن الحادي والعشرين وما بعده.
ومن خلال وظيفتها في وضع المعايير ضمن مجالات اختصاصها، تستطيع اليونسكو المساعدة في تشكيل الأطر العالمية، وتقديم إرشادات موثوقة للدول، وبناء الجسور اللازمة بين الصكوك القانونية وأطر السياسات وممارسات التنفيذ. ويمكنها دعم ترجمة الالتزامات القانونية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وتيسير بناء القدرات وتبادل المعارف، وتتبع التقدم نحو حق معزز وقادر على الصمود في التعليم.
ويمكن النظر في خيارات عدة لإضفاء الطابع الرسمي على هذا التطور. فأحد النهج يتمثل في تنقيح اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم لتعكس الوقائع والاستحقاقات المعاصرة على نحو أفضل. وثمة نهج آخر يتمثل في وضع صك جديد ملزم قانوناً يشمل الحق في التعليم مدى الحياة. وبديلاً عن ذلك، يمكن للدول الأعضاء النظر في اعتماد إعلان بشأن الحق في التعليم مدى الحياة لإعادة تأكيد التوافق العالمي وتوسيعه.
ويتطلب المضي قدماً عملاً حازماً ومستداماً ومنسقاً. فالأطر القانونية المعززة، والإرادة السياسية الثابتة، والاستثمار المنصف والكفء، والعوامل التمكينية العملية المتينة، كلها ضرورية لتحويل المبادئ إلى واقع. ويجب تفعيل التزام عالمي متجدد، قائم على الشمول والتعلم مدى الحياة والإنصاف والمساءلة، من خلال عمل متسق متعدد المستويات: ترسيخ الحقوق في القوانين والسياسات الوطنية، وضمان تمويل عادل وكافٍ، والاستفادة من البيانات والأدلة الرصينة، وتعزيز الحوكمة الشاملة، والحفاظ على قيادة سياسية وأخلاقية ومناصرة رفيعة المستوى ومستدامة.
وتعد قيادة اليونسكو حاسمة لضمان أن يظل الحق في التعليم في صميم القانون الدولي، لا بوصفه تطلعاً مجرداً، بل حقاً حياً ومعاصراً يمكّن المتعلمين ويحول المجتمعات ويصون السلام والعدالة والكرامة الإنسانية. ومن خلال الجمع بين الوضوح المعياري والتنفيذ الحازم، يستطيع المجتمع الدولي أن يضمن ألا يكون التعليم مجرد حق أساسي معترف به من حقوق الإنسان، بل حقاً يتحقق إعماله كاملاً للجميع، بما يؤمن مستقبلاً عادلاً ومنصفاً ومستداماً للأجيال القادمة.
