القائمة الرئيسية

رواية الاستيلاء (1-4)

رواية الاستيلاء (1-4)
ملخص الكتاب

يناقش هذا الجزء من الرواية كيف تتشابك القرارات المهنية مع الحياة الشخصية والظروف المحيطة، مسلطاً الضوء على التحولات الاقتصادية والاجتماعية في منطقة دوكلاندز بلندن. يبرز النص تحول المنطقة من مركز تجاري صاخب مليء بالحرف والمهن، بما فيها اللصوصية، إلى مركز حديث للخدمات المالية والإعلامية. عبر شخصية جيم كراوفورد، يتم استعراض رؤية متميزة لرجل الأعمال كقائد ومغامر، يتحرك بشجاعة حيث يخشى الآخرون، مع إسقاط رمزي لقصة عامل أرصفة ميناء، جاك فليتشر، الذي استغل الحيلة والذكاء للتغلب على النظام. يدمج الجزء بين السرد الواقعي والتأمل في طبيعة الأعمال، مع التركيز على التغيير المستمر وصراعاته.

النهر 

رجال الأعمال ليسوا بالحمقى بإمكانهم أن يتبينوا، مثل أي شخص آخر، الطريقة الصحيحة للقيام بشيء ما. 

فعلى الرغم من كل شيء، ليس هناك من يشرع بالقيام بأمر ما بصورة خاطئة. ولكن هل خطر لكم أن تفكروا كم يندر أن تجري الأمور بصورة صحيحة مع أي شخص كان ؟... أعتقد أن السبب هنا هو أنه ليس بالإمكان اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل في الفراغ. ليس هناك شيء يعيش في الفراغ - كل ما يستطيع الفراغ أن يقوم به هو الحفاظ على حرارة الشاي. 

يجري اتخاذ القرارات في العالم الحقيقي، وتشكل هذه القرارات دائماً تسوية بين بعض الأمور القليلة المتعلقة بالأعمال وآلاف الأمور الأخرى غير المتعلقة بها، بدأت أسنان الطفل بالظهور، اشترى جارك لتوه سيارة أفضل من سيارتك تقيأت القطة على السجادة من تكون تلك الفتاة الرائعة الجمال التي كانت تقف إلى جانبك في المصعد ؟.... هل ستودع والدتك دار المسنين؟... هذه هي المادة التي تصنع منها القرارات المتعلقة بالأعمال بالقدر نفسه الذي تصنعها فيه الميزانيات العامة وتقديرات المبيعات. 

مقابلة مع جيم كراوفورد 

الغارديان - The Guardian اکتوبر ۱۹۹۹




كانت منطقة دوكلاندز، وهي المنطقة المحيطة بأرصفة تحميل السفن في مدينة لندن، ولعدة قرون، تعتبر خليج استقبال السفن الأهم بالنسبة للإمبراطورية البريطانية، فقد كانت السفن القادمة من جميع أنحاء العالم تبحر في نهر التيمز باتجاه حوض لندن حيث ترسو بقيادة ملاحين مهرة في أحد الأرصفة الكبيرة العديدة. وهناك كانت مجموعات من أصحاب مراكب التفريغ والتحميل والعمال تقوم بتفريغ السفن ونقل الحمولة بالمراكب الصغيرة إلى نهايات خطوط السكك الحديدية أو إلى الأقنية المائية حيث تنتظرها المراكب البخارية والخيول لنقلها عبر البلاد إلى المراكز الصناعية الكبرى. كان هناك آلاف الرجال ممن يتمتعون بمئات المهارات المتنوعة التي غالباً ما توارثتها الأجيال أباً عن جد. ولكن، من بين جميع المهن والحرف السائدة على الأرصفة، كانت اللصوصية أكثرها رواجاً. 

كانت لكل رصيف قوة خاصة به من رجال الشرطة الذين كانوا هدفاً لمشاعر الخوف والاحتقار كان هؤلاء يقومون بالتحقق من هويات الرجال، عندما يتجمعون صباحاً لكي يقوم ناظر العمال بانتقاء بعضهم للعمل في ذلك اليوم. كما كانوا يتحققون من هوياتهم، بدقة أكبر، لدى خروجهم من الرصيف مساء ويفتشون معاطفهم وداخل أحذيتهم، وفي كل مكان يمكن للدهاء البشري الطبيعي أن يدفع بالإنسان لأن يخفي داخله ثوباً من الحرير القادم من أقاصي الشرق أو بضعة آلاف من السجائر الآتية من الولايات المتحدة. 

لكن كل شيء يذوي بفعل الزمن والتغيير. فحينما بدأت رياح التغيير، بعد الحرب العالمية الثانية، تهب على العالم وتؤثر على مكانة بريطانيا فيه، بدأ سيل البضائع بالتحول إلى جدول، ومن ثم إلى مجرى هزيل ليجف في نهاية المطاف. جثم الفراغ والصمت فوق الأرصفة تلاشت المهن القديمة وخفتت الصيحات التي كانت تتردد على ضفة النهر، كما خفتت الأغاني الرتيبة التي كان يشدو بها الصبية المتهورون من أبناء المنطقة، تلاشى كل ذلك ليتحول إلى ذكرى تقبع داخل أفكار المسنين. 

لكن ما يظل كامناً في الأفكار لا بد وأن يبعث من جديد. فبعد سنوات من الإهمال بدأت براعم حياة جديدة تشق طريقها عبر الترية القديمة. تحولت أرصفة الميناء إلى شقق فاخرة، تستدر الدموع الغلاء ثمنها، تشرف على النهر: حلت أحواض حديثة محل الأحواض القديمة وبرزت الأبراج في كل مكان، وتهادت القطارات الآلية الترفد المكان بمجموعات جديدة من العمال ممن يتمتعون بمهارات حديثة : خدمات مالية وتقنية المعلومات ووسائل الإعلام الإلكترونية والمطبوعة. كان من عادة جيم كراوفورد أن يردد أنه من بين المهارات التي سادت في دوكلاندز، كانت اللصوصية أكثرها رواجاً - إلا أنها الآن قد أصبحت قانونية وصار يُطلق عليها ميدان الأعمال. 

كان كراوفورد، باعتراف الجميع، قد أطلق ذلك التعليق بقصد المزاح أمام أحد الصحفيين في إحدى تلك الحفلات التي كان مغرماً بإقامتها في شقته التي تتربع على سطح بناء يطل على تاور بريدج. لكن ذلك التعليق كان لا يخلو من بعض الحقيقة، شأنه شأن العديد من تعليقاته التي كانت تمتاز بقدر أكبر من دقة الملاحظة. كان كراوفورد يدرك أن هناك كثيرين ضمن عالم الأعمال ممن يودون رؤيته حبيس أسوار برج لندن التي غدت مشرعة الأبواب أمام السائحين بعد أن كانت تبعث على النفور في ما مضى، والتي لا يفصلها عن شرفة شقته سوى النهر. كان قد اتفق لكراوفورد أن سمع، عرضاً، أحد أعضاء مجلس الإدارة الأساسيين في شركته يقارنه بالسير والتر رايلي، وهو مغامر شهير وقرصان كان يعمل لحسابه الخاص، ويقول إن بضع سنوات يستبعد فيها كراوفورد من عالم الأعمال، كفيلة بأن تيسر الحياة لهم جميعاً . أحس كراوفورد في البداية بدافع أغراه للتدخل والسؤال عما يحتم أن تكون الحياة أكثر يسراً، إلا أن الحذر تدخل في تلك اللحظة ومنعه من ذلك.

لا يعني ذلك طبعاً أن كراوفورد لم يشعر بالرضى إزاء تلك المقارنة، فقد كان قرصاناً . كان يجازف حيث يحجم الآخرون، وكان يغامر بالمضي إلى حيث كانوا يخافون، ويعود سالماً. كان، وإن لم يعد دائماً بالكنز، يعود على الأقل وهو يحمل مكافأة سخية لنفسه، بالإضافة . وهو الأهم في هذا المجال . الأرباح لا بأس بها للمساهمين في عالم الأعمال المعاصر، لا مجال أمام الشركة إلا أن تكون تنافسية وإلا اضمحلت من الوجود. 

بالنسبة لكراوفورد، كان رجل الأعمال ملكاً - فقد كانت حاسة التمييز لديه وشجاعته في الوصول إلى خط النهاية مرة تلو الأخرى هي المحرك الحقيقي للاقتصاد البريطاني - لا الخطى الحذرة المترددة التي تميز رجال الاستثمارات الشبان في المصارف والعلماء المندفعين بسرعة الصاروخ داخل مكاتبهم والعاملين في التجارة في أبنية مركز المدينة، مزاولة الأعمال هي الأقذار الموجودة تحت الأظفار، هي الجسارة الصرفة، وهي سجية كان كراوفورد يحب إيضاحها عن طريق رواية قصة قديمة جرت على رصيف الميناء تحكي ما قام به عامل أسطوري على الرصيف عرف بدهائه ولصوصيته، ولربما كانت تلك القصة، أكثر من أي شيء سبق أن قاله أمام الملأ، هي مفتاح فهم كراوفورد وموقفه الأساسي في ما يتعلق بميدان الأعمال والأحداث التي كان سيطلقها من عقالها خلال مدة قصيرة. 

كان عامل رصيف الميناء ذاك، واسمه جاك فليتشر يعمل في تلك الأيام التي كانت ما تزال تستخدم فيها الخيول لجر الحمولات الثقيلة، حضر مساء ذات يوم إلى بوابة الرصيف، حيث كان ينتظر أعداؤه الدائمون من رجال شرطة الرصيف وهو يجر عربة يد محملة بروث الخيل. قال فليتشر لرجال الشرطة: «إنه سعاد للورود». لم يصدق رجال الشرطة بالطبع أية كلمة مما قال، فقاموا بإحضار مذراة وأعملوا يد التفتيش الدقيق في الحمولة النتنة. لكنهم اضطروا في نهاية الأمر للإقرار بأن الحمولة كانت روثاً لا غير، فسمحوا لجاك بالذهاب لمنزله، في المساء التالي حضر إلى البوابة، وهو يجر حمولة أخرى من الروث تفحص رجال الشرطة هذه الحمولة أيضاً ولم يجدوا شيئاً فسمحوا له بالذهاب، تكرر الأمر في المساء التالي، فسأله أحد رجال الشرطة: «جاك، كم وردة لديك ؟ ..... هز جاك كتفيه وقال: لدي ورود، ولدي أصدقاء لديهم ورود . إذا وجدت أي قانون يحظر أخذ حمولة من روث الخيل أخبرني وسأتوقف فوراً، ولكن إلى أن تجد قانوناً كهذا ...... ثم سار وهو يصفر مبتسماً . 

اعتقد بأنكم أدركتم أن تصرفات فليتشر جعلت مشاعر السخط لدى رجال الشرطة تأخذ منحى خاطئاً وزاد تصميمهم على اكتشاف ما كان يمرره جاك خلسة داخل حمولات الروث، فأخذوا ليلة بعد أخرى، يقومون بتفتيش أكوام الروث بمذراة دقيقة غير عابثين بالأقذار التي كانت تكسوهم أثناء التفتيش. سار الأمر على هذا المنوال لمدة أسبوعين في مساء أحد الأيام لم يعد هناك أي روث، قال جاك ، انتهى الأمر». وتابع المسير هادئاً ساكناً مثل ليلة شتوية. 

عندما كان كراوفورد يصل إلى هذه المرحلة في القصة، كان ينتظر إلى أن يتوصل أحد مستمعيه أخيراً لإدراك حقيقة ما كان يحدث: كان يسرق عربات اليد.. ليضحك عندها قائلاً : صحيح أنه كان يسرق عربة يد كل يوم. لكنه، فوق ذلك، كان أيضاً ينتقم من رجال شرطة الرصيف. فهو لم يكتف بأن أظهرهم بمظهر الحمقى، في أعينهم وفي أعين الجميع، بل دفعهم إلى موقف سعوا فيه لتغطية انفسهم بالأقذار بأيديهم. 

لا شك بأن من الممكن أن يكون كراوفورد قد فكر بأن بالإمكان سرقة عدد كبير من عربات اليد قبل أن يدرك حتى أغبى رجل شرطة على بوابة الرصيف حقيقة ما يجري، لكن كراوفورد لم يكن من نوع الرجال المعتادين على الاستسلام للأفكار وبينما كان خريف عام ١٩٩٩ يقترب من نهايته كان كراوفورد جاهزاً ليتحرك ويفرغ أولى حمولات الروث.

كتب ذات صلة