الفصل الثاني: عبء الأمراض غير المعدية المتنامي سيتفاقم ما لم تُتخذ إجراءات حاسمة
تحوّل العبء العالمي للأمراض خلال القرن الماضي من الأمراض المعدية إلى الأمراض غير المعدية. وعلى الرغم من الجهود المتواصلة، لا يزال انتشار هذه الأمراض يرتفع في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي. فمنذ عام 1990، ارتفعت معدلات السرطان وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية ارتفاعاً كبيراً، بينما ارتفع انتشار داء السكري بحدة خاصة. ويعود هذا النمو المستمر إلى ثلاث قوى مترابطة. أولاها أن المكاسب المتحققة من خفض التدخين وتلوث الهواء والاستهلاك الضار للكحول قد قابلها تفاقم اتجاهات السمنة، التي باتت المحرك المهيمن لارتفاع معدلات الإصابة. وثانيتها أن التحسينات الكبيرة في الكشف المبكر والعلاج رفعت معدلات البقاء، فازداد عدد من يعيشون فترات أطول مع حالات مزمنة ومتعددة، مما زاد تعقيد الرعاية وتكاليفها. وثالثتها أن شيخوخة السكان ستسرّع وتيرة الإصابة بهذه الأمراض وتعدد الأمراض المزمنة والإنفاق الصحي. ومن دون إجراءات حاسمة، سيواصل العبء الصحي والاقتصادي لهذه الأمراض تصاعده في العقود المقبلة.
باختصار
شهدت الصحة العالمية خلال القرن الماضي تحولاً عميقاً. فبعد أن كانت الأمراض المعدية هي المهيمنة، باتت الأمراض غير المعدية اليوم السبب الرئيسي للمرض والوفاة. وهذه الحالات طويلة الأمد هي حصيلة مخاطر وراثية وبيئية وسلوكية.
وعلى الرغم من الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى الحد من عوامل خطر هذه الأمراض، يواصل عبؤها ارتفاعه. ففي الفترة بين عامي 1990 و2023، ارتفع انتشار السرطان ومرض الانسداد الرئوي المزمن بنسبة 36% و49% على التوالي في دول المنظمة، مقابل 39% و41% في الاتحاد الأوروبي، بينما ارتفع انتشار أمراض القلب والأوعية الدموية بأكثر من 27% في دول المنظمة و21% في الاتحاد الأوروبي. أما انتشار السكري فارتفع بوتيرة أشد، بنسبة 86% في دول المنظمة و64% في الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023، كان شخص من كل عشرة أشخاص في دول المنظمة مصاباً بالسكري، وشخص من كل ثمانية يعيش مع أحد أمراض القلب والأوعية الدموية، مقابل شخص من كل اثني عشر وشخص من كل سبعة على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
وتفسّر ثلاثة عوامل رئيسية هذا النمو المستمر. أولها أنه في حين تحسنت بعض عوامل الخطر كالتدخين وتلوث الهواء، تفاقمت مستويات السمنة في دول كثيرة. وتُظهر التحليلات التي أُجريت باستخدام نموذج المنظمة للتخطيط الاستراتيجي للصحة العامة في مجال الأمراض غير المعدية أن الأثر الإيجابي لانخفاض تلوث الهواء والتدخين والاستهلاك الضار للكحول وقلة النشاط البدني منذ عام 2010 قد محاه تماماً، على مستوى دول المنظمة، الأثرُ السلبي لارتفاع مستويات السمنة. وفي الدول الإحدى والخمسين التي شملها التحليل، تُعدّ السمنة المحرك الأساسي لارتفاع معدلات الإصابة، في حين يعود التحسن في الغالب إلى انخفاض تلوث الهواء والتدخين.
وثانيها أن معدلات البقاء قد تحسنت تحسناً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة بفضل التقدم في الكشف المبكر والعلاج وإدارة الأمراض. ففي الفترة بين عامي 2010 و2022، انخفض معدل الوفاة بعد النوبات القلبية في 15 دولة من دول المنظمة من 10.1% إلى 7.8%، أي بنسبة 23%، في حين تراجع معدل الوفاة بعد السكتة الدماغية بنسبة 14%. كما تحسنت معدلات البقاء بعد الإصابة بالسرطان؛ ففي الفترة بين عامي 1995 و2014 تضاعف تقريباً معدل البقاء لخمس سنوات بعد الإصابة بسرطان الرئة، من 10% إلى 19%، وارتفع معدل البقاء بعد الإصابة بسرطان القولون والمستقيم من 52% إلى 66%. ومع أن هذه نجاحات لا لبس فيها، فإنها تعني أن عدداً أكبر من الناس يعيشون الآن فترات أطول مع حالات مزمنة، مما يزيد الطلب على الرعاية والمتابعة.
وفضلاً عن ذلك، بات تعدد الأمراض المزمنة، أي الإصابة بأمراض مزمنة متعددة، أكثر شيوعاً، ويطرح تحديات كبيرة. فالمصابون بحالات مزمنة متعددة يُبلغون عن صحة نفسية وأداء اجتماعي أسوأ. وبالنسبة إلى مقدّمي الرعاية الصحية، يزيد تعدد الأمراض المزمنة من التعقيد والتكلفة. فعلى سبيل المثال، يرتفع خطر الأخطاء الدوائية ارتفاعاً حاداً بازدياد عدد الحالات؛ إذ يتناول أقل من 10% ممن لا يعانون من أي مرض غير معدٍ خمسة أدوية أو أكثر، مقارنة بأكثر من 60% ممن يعانون من مرضين أو أكثر.
وثالثها أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع، وهو إنجاز كبير للصحة العامة، قد أسهم بدوره في اتساع عبء الأمراض غير المعدية. فكلما طالت أعمار الناس ازداد احتمال إصابتهم بالأمراض المزمنة، وسيستمر هذا التحول الديموغرافي في العقود المقبلة. فحتى لو ظلت اتجاهات عوامل الخطر ومعدلات البقاء على حالها، يُتوقع أن يرتفع عدد الحالات الجديدة من هذه الأمراض بنسبة 31% في دول المنظمة و29% في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2026 و2050. وسيرتفع معدل الإصابة من 1936 حالة لكل 100 ألف شخص سنوياً إلى 2518 حالة في دول المنظمة، ومن 2141 إلى 2755 حالة في الاتحاد الأوروبي. ويُتوقع أن يرتفع انتشار تعدد الأمراض المزمنة بوتيرة أشد، بنسبة 75% في دول المنظمة و70% في الاتحاد الأوروبي. كما سيؤدي تنامي عبء هذه الأمراض إلى زيادات حادة في تكاليف الرعاية الصحية، فيرتفع الإنفاق الفردي عليها في دول المنظمة بأكثر من 50%، من 646 إلى 994 دولاراً بتعادل القوة الشرائية، ومن 607 إلى 938 دولاراً بتعادل القوة الشرائية في الاتحاد الأوروبي.
عقود من الجهود لم تنجح بعد في عكس مسار الأمراض غير المعدية
شهد المشهد الصحي العالمي خلال القرن الماضي تحولاً عميقاً. فبعد أن كانت الأمراض المعدية السبب الرئيسي المهيمن للمرض والوفاة، أسهم التقدم في الطب والصرف الصحي والصحة العامة في الحد من أثرها إلى حد كبير. وحلّت محلها الأمراض غير المعدية بوصفها التحدي الصحي الأبرز في القرنين العشرين والحادي والعشرين، مدفوعةً بشيخوخة السكان والتحضر والتغيرات في أنماط الحياة.
ما الأمراض غير المعدية؟
الأمراض غير المعدية حالات صحية طويلة الأمد، تنشأ عادةً ببطء وتتطور مع مرور الوقت، خلافاً للأمراض المعدية. وتشمل أمراض القلب والأوعية الدموية، كالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، والسرطانات، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة كمرض الانسداد الرئوي المزمن، وداء السكري. وتُعدّ هذه الحالات السبب الرئيسي للوفاة على مستوى العالم.
وتنشأ الأمراض غير المعدية عن تفاعل معقد بين عوامل خطر وراثية وفسيولوجية وبيئية وسلوكية. وأبرز عوامل الخطر القابلة للتعديل هي التدخين، والاستهلاك الضار للكحول، والنظام الغذائي غير الصحي، وقلة النشاط البدني، وهي عوامل تسهم في السمنة وارتفاع ضغط الدم وارتفاع سكر الدم واضطراب دهون الدم. ومن الأسباب البيئية المهمة تلوث الهواء، ولا سيما الجسيمات الدقيقة المستنشقة.
وفي حين تُعدّ الوقاية بمعالجة عوامل الخطر أمراً حاسماً، فإن الإدارة الفعالة لهذه الأمراض لا تقل أهمية للحد من الإعاقة وتجنب المضاعفات المهددة للحياة. فالكشف المبكر والعلاج في الوقت المناسب والرعاية المستمرة تساعد على منع النتائج الوخيمة، كقصور القلب وأمراض الكلى والعمى والبتر والوفاة المبكرة.
وتنصبّ تحليلات هذا التقرير على أربع مجموعات مرضية، هي أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطانات، ومرض الانسداد الرئوي المزمن، وداء السكري، بما يتسق مع الغاية 3.4 من أهداف التنمية المستدامة التي تنص على: "تخفيض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية بمقدار الثلث بحلول عام 2030، من خلال الوقاية والعلاج، وتعزيز الصحة النفسية والرفاه"، وهي غاية تتناول أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والسكري وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة.
ونظراً لكثرة أنواع السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، لم يكن ممكناً أن يشملها نموذج SPHeP NCDs جميعاً. ولذلك يركز النموذج أساساً على الأمراض القابلة للتأثر بتدخلات الصحة العامة، أي الأكثر قابلية للوقاية عبر هذه التدخلات. وتمثّل السرطانات المشمولة في النموذج 71% من مجموع وفيات السرطان في دول المنظمة، و88% من وفيات السرطان المرتبطة بعوامل الخطر. أما أمراض القلب والأوعية الدموية المدرجة فيه فتمثل 78% من مجموع الوفيات المرتبطة بهذه الأمراض في دول المنظمة، و87% من الوفيات المرتبطة بعوامل الخطر.
وقد أرغم تصاعد الأمراض غير المعدية النظمَ الصحية على التكيف وتجاوز الرعاية الحادة نحو إدارة الأمراض المزمنة والوقاية منها. ففي عام 1986، شكّل ميثاق أوتاوا لتعزيز الصحة دعوة عالمية مبكرة إلى التحرك لمواجهة المخاطر المرتبطة بأنماط الحياة. ثم كان اعتماد الاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ عام 2003 أول اتفاق عالمي ملزم يتعلق بأحد عوامل الخطر. وتلتها استراتيجيات أوسع بشأن النظام الغذائي والنشاط البدني والاستهلاك الضار للكحول، ثم جاء اجتماع الأمم المتحدة الرفيع المستوى بشأن الأمراض غير المعدية عام 2011 ليوضح أن هذه القضايا ليست قضايا صحية فحسب، بل هي أيضاً من أولويات التنمية. ومنذ ذلك الحين، أُدرجت الأمراض غير المعدية وعوامل خطرها في أهداف التنمية المستدامة، تعبيراً عن كونها باتت من أكبر التهديدات للصحة العالمية.
وعلى الرغم من الإجراءات الدولية والوطنية لمواجهة الأمراض غير المعدية، واصل عبؤها النمو. ففي الفترة بين عامي 1990 و2023، ارتفع انتشار السرطان ومرض الانسداد الرئوي المزمن بنسبة 36% و49% على التوالي في دول المنظمة، مقابل 39% و41% في الاتحاد الأوروبي، بينما ارتفع انتشار أمراض القلب والأوعية الدموية بأكثر من 27% في دول المنظمة و21% في الاتحاد الأوروبي، وارتفع انتشار السكري بنسبة 86% في دول المنظمة و64% في الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، باتت هذه الأمراض اليوم من أعظم التحديات الصحية؛ ففي عام 2023 كان شخص من كل عشرة أشخاص في دول المنظمة مصاباً بالسكري، وشخص من كل ثمانية يعيش مع أحد أمراض القلب والأوعية الدموية، مقابل شخص من كل اثني عشر وشخص من كل سبعة على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
وثمة ثلاثة أسباب رئيسية لتزايد انتشار الأمراض غير المعدية. أولها أنه على الرغم من إحراز بعض التقدم في عوامل خطر معينة، تفاقمت عوامل أخرى تفاقماً كبيراً. وثانيها أن تحسّن معدلات البقاء جعل الناس يعيشون مع الأمراض المزمنة فترات أطول. وثالثها أن شيخوخة السكان تعني أن مزيداً من الناس يبلغون الأعمار التي تكثر فيها هذه الأمراض.
تحسّن بعض عوامل الخطر تقوّض فوائده الصحية معدلاتُ السمنة المتصاعدة
تركز الوقاية من الأمراض غير المعدية أساساً على معالجة عوامل الخطر الرئيسية القابلة للتعديل، وهي التدخين، والاستهلاك الضار للكحول، والسمنة، والأنظمة الغذائية غير الصحية، وقلة النشاط البدني، وتلوث الهواء. وقد خطت دول كثيرة خطوات لا يمكن إنكارها في معالجة عوامل الخطر الرئيسية هذه؛ فانتشار التدخين آخذ في الانحسار، وإجمالي استهلاك الكحول في تراجع في دول عديدة، وجودة الهواء في تحسن. غير أن عوامل خطر أخرى تفاقمت تفاقماً كبيراً، إذ ارتفعت مستويات السمنة في جميع الدول تقريباً، ولا يزال عدد من يمارسون قدراً كافياً من النشاط البدني قليلاً جداً. ففي المتوسط، انخفضت نسبة المدخنين يومياً وإجمالي استهلاك الكحول ونسبة من لا يمارسون نشاطاً بدنياً كافياً والتعرض لتلوث الهواء في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي مقارنة بعام 2010، بينما ارتفعت نسبة المصابين بالسمنة.
ملاحظة حول الإحصاءات الصحية للمنظمة والبيانات المستخدمة في نموذج SPHeP NCDs
يتطلب نموذج SPHeP NCDs التابع للمنظمة بيانات مفصلة للغاية، موزعة حسب السنة والعمر والجنس، لجميع الدول الإحدى والخمسين التي يغطيها. ولذلك يعتمد على مجموعات بيانات دولية، كتلك الصادرة عن منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لبحوث السرطان ومعهد القياسات الصحية والتقييم وشبكة التعاون بشأن عوامل خطر الأمراض غير المعدية، بدلاً من الإحصاءات الصحية للمنظمة. وعند المقارنة بين مصادر البيانات هذه، ثمة فروق مهمة ينبغي مراعاتها:
الفروق في المقاييس: قد تتضمن الإحصاءات الصحية للمنظمة مؤشرات لا تقبل المقارنة المباشرة بتلك المستخدمة في المصادر الدولية، كالمدخنين يومياً في مقابل المدخنين الحاليين.
الفروق في طرق القياس: بعض المتغيرات، كالسمنة، يُبلَّغ عنها ذاتياً في الإحصاءات الصحية للمنظمة، في حين كثيراً ما تستخدم المصادر الدولية بيانات مقيسة.
الفروق في بناء البيانات: تستقي الإحصاءات الصحية للمنظمة بياناتها مباشرة من المصادر الوطنية، في حين تحسب مصادر البيانات الأخرى تقديرات منسّقة، تتضمن التعويض الإحصائي عن البيانات الوطنية الناقصة.
الفروق في مستوى التفصيل: يدمج النموذج مدخلات أكثر تفصيلاً، كقيم محددة لمؤشر كتلة الجسم مرتبطة بمخاطر نسبية محددة، أو بيانات التدخين بحسب الفئة العمرية، في حين تقدم الإحصاءات الصحية للمنظمة مجاميع أعلى مستوى، كنسبة السكان المصابين بالسمنة أو نسبة المدخنين.
الفروق في الاتجاهات الزمنية: يستخدم النموذج بيانات سنوية عن عوامل الخطر قد تتقلب من عام إلى آخر، فترتفع ثم تنخفض مجدداً، مما قد يفضي إلى اتجاهات تبدو مختلفة عن المقارنة البسيطة بين نقطتين زمنيتين، كعام 2022 مقابل عام 2010.
ونظراً للاختلاف في مصادر البيانات وطرقها، قد تختلف القيم الواردة في الإحصاءات الصحية للمنظمة عن تلك المستخدمة في النموذج، غير أن اتجاهات متشابهة يمكن رصدها عبر الدول.
وتُظهر التحليلات التي أُجريت باستخدام النموذج أن الأثر الإيجابي لانخفاض تلوث الهواء والتدخين والاستهلاك الضار للكحول وقلة النشاط البدني منذ عام 2010 قد محاه تماماً الأثرُ السلبي لتزايد انتشار السمنة. فالتقدم المحرز بين عامي 2010 و2022 في خفض تلوث الهواء والتدخين سيؤدي إلى انخفاض عدد الحالات الجديدة من الأمراض غير المعدية بمقدار 820 ألف حالة و490 ألف حالة على التوالي سنوياً خلال الفترة من 2026 إلى 2050 في دول المنظمة. كما ستمنع التغيرات في إجمالي استهلاك الكحول ومستويات النشاط البدني مجتمعةً 60 ألف حالة أخرى سنوياً. غير أن هذه الفائدة يفوقها تفاقم مستويات السمنة، الذي يُتوقع أن يفضي إلى 1.6 مليون حالة إضافية سنوياً خلال الفترة ذاتها. وسيؤدي الأثر المجتمع للتغيرات في عوامل الخطر الستة بين عامي 2010 و2022 إلى 240 ألف حالة إضافية من الأمراض غير المعدية الأربعة الرئيسية في دول المنظمة كل عام. وتُعدّ أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري الناجمة عن السمنة المحرك الأول لهذه الزيادة في عبء الأمراض.
ومن بين الدول الإحدى والخمسين التي شملها التحليل، شهدت 57% منها ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية نتيجة التغيرات في عوامل الخطر، بينما شهدت 43% منها انخفاضاً. وتُعدّ السمنة المحرك الأساسي لارتفاع معدلات الإصابة، في حين يعود التحسن في الغالب إلى انخفاض تلوث الهواء والتدخين. وفي الاتحاد الأوروبي، أدت التغيرات في عوامل الخطر منذ عام 2010 إلى خفض معدلات الإصابة بهذه الأمراض، ويرجع ذلك أساساً إلى تحسن جودة الهواء. غير أن التحسينات الناجمة عن انخفاض التدخين والاستهلاك الضار للكحول وقلة النشاط البدني مجتمعةً أصغر من التدهور في معدلات الإصابة الناجم عن السمنة.
تحسّن الرعاية يعني أن الناس يعيشون فترات أطول مع حالات مزمنة، مما يزيد العبء على النظام الصحي
على الرغم من ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض، تراجعت الوفيات الناجمة عن الأمراض غير المعدية تراجعاً ملحوظاً خلال العقود الماضية، بفضل تقدم كبير في الكشف المبكر والإدارة والعلاج. فقد أسهم تحسّن الوصول إلى الأدوية وتطور التقنيات الجراحية والعلاجات المبتكرة في إنقاذ ملايين الأرواح.
وقد تحسنت معدلات الوفاة بعد الإصابة باحتشاء عضلة القلب الحاد، أي النوبات القلبية، وبالسكتة الدماغية الإقفارية تحسناً كبيراً في العقود الأخيرة. ففي 15 دولة من دول المنظمة تتوافر عنها بيانات بين عامي 2010 و2022، انخفض معدل الوفاة بعد النوبات القلبية بنسبة 23%، من 10.1% إلى 7.8%، وتراجع معدل الوفاة بعد السكتة الدماغية بنسبة 14%، من 12.1% إلى 10.4%. وعلى نحو مماثل، ارتفعت نسبة من يظلون على قيد الحياة بعد خمس سنوات من تشخيص إصابتهم بسرطان الرئة، أي معدل البقاء لخمس سنوات، من 10% في المتوسط عبر سبع دول من دول المنظمة إلى 19% بين عامي 1995 و2014. وخلال الفترة نفسها، ارتفع معدل البقاء لخمس سنوات بعد الإصابة بسرطان القولون والمستقيم من 52% عام 1995 إلى 66% عام 2014. ومع أن معدلات الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية قد تحسنت في الاتحاد الأوروبي، فإن هذه الأمراض لا تزال السبب الرئيسي للاعتلال والوفاة فيه.
وتُعدّ هذه التحسينات في معدلات البقاء نجاحاً لا لبس فيه للصحة العامة، لكنها تعني أيضاً أن عدداً أكبر من الناس يعيشون مع الأمراض غير المعدية. فقد تبيّن من استبيانات المنظمة للمؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى أن ثمانية من كل عشرة أشخاص ممن بلغوا الخامسة والأربعين فأكثر وراجعوا أحد مهنيي الرعاية الأولية خلال الأشهر الستة السابقة يعانون حالياً من حالة مزمنة واحدة على الأقل. ويعني ذلك بالنسبة إلى النظم الصحية طلباً متزايداً على الموارد اللازمة لتوفير إدارة مستمرة للأمراض وعلاج مضاعفاتها المحتملة.
كما يؤدي ارتفاع انتشار الأمراض غير المعدية إلى زيادة عدد من يعانون من أمراض متعددة منها في آن واحد. ولتعدد الأمراض المزمنة أثر مباشر في رفاه الناس؛ إذ سجّل المصابون بحالتين مزمنتين درجات أدنى بخمس نقاط على مقياس الرفاه الخماسي لمنظمة الصحة العالمية، الذي يتراوح من صفر إلى 100، مقارنة بمن يعانون من حالة مزمنة واحدة، بينما سجّل المصابون بثلاث حالات مزمنة أو أكثر درجات أدنى بأربع عشرة نقطة. ويُبلغ المرضى المصابون بأمراض غير معدية متعددة أيضاً عن مستوى أدنى من الصحة النفسية والأداء الاجتماعي. فضلاً عن ذلك، فإن التعامل مع حالات مزمنة متعددة أكثر تعقيداً واستهلاكاً للموارد في النظم الصحية من رعاية مرض واحد.
تحدي إدارة تعدد الأمراض المزمنة
في حين دأبت السياسات الصحية والبحوث والتدريب المهني والإرشادات السريرية تقليدياً على التركيز على الأمراض المفردة، تؤكد نتائج استبيانات المؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى أن تعدد الأمراض المزمنة، أي تعايش الشخص مع حالتين مزمنتين أو أكثر، يمثّل تحدياً هائلاً في الرعاية الصحية، ولا سيما في الرعاية الأولية. فإدارة هذه الحالات أكثر تعقيداً واستهلاكاً للموارد بكثير من التعامل مع مرض واحد، مما يضع النظم الصحية والعاملين فيها تحت ضغط تقديم رعاية عالية الجودة ومنسقة ومتمحورة حول الإنسان.
وقد يفضي علاج حالات متعددة إلى مقاربات متداخلة أو متعارضة. فالمصابون بحالات مزمنة متعددة كثيراً ما يتناولون أدوية عديدة. وإلى جانب إسهام ذلك في ارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية، فإنه كلما ازداد عدد الحالات التي يعاني منها الشخص ازداد نظامه الدوائي تعقيداً وخطورة، مما يرفع احتمال وقوع حوادث تتعلق بسلامة الأدوية ويزيد صعوبة الإدارة الذاتية. ومن بين من بلغوا الخامسة والأربعين فأكثر وزاروا مقدّمي الرعاية الأولية، ارتفع احتمال تناول خمسة أدوية أو أكثر ارتفاعاً ملحوظاً بازدياد عدد الأمراض غير المعدية: من أقل من 10% بين من لا يعانون من أي مرض غير معدٍ، إلى 30% بين المصابين بمرض واحد، وإلى أكثر من 60% بين المصابين بمرضين أو أكثر.
يُضاف إلى ذلك أن المصابين بحالات متعددة أقل ثقة في إدارة رعايتهم بأنفسهم. ففي جميع الدول التي شملتها الاستبيانات تقريباً، أفاد المصابون بعدد أكبر من الأمراض غير المعدية بثقة أدنى في قدرتهم على إدارة صحتهم ورفاههم. ويعني ذلك بالنسبة إلى النظام الصحي أنهم يحتاجون إلى مزيد من المعلومات والدعم من أطباء الرعاية الأولية.
شيخوخة السكان ستواصل زيادة عبء الأمراض غير المعدية وما يرتبط به من تكاليف الرعاية الصحية
يُعدّ ارتفاع متوسط العمر المتوقع من أعظم إنجازات الصحة العامة في العقود الأخيرة، لكنه أسهم أيضاً في تنامي عبء الأمراض غير المعدية. فارتفاع متوسط العمر المتوقع يعني أن مزيداً من الناس سيعيشون حتى الأعمار التي تكثر فيها هذه الأمراض. وعلى الرغم من أن الأمراض غير المعدية قد تصيب الناس في جميع الأعمار، فإنها ترتبط عادةً بالفئات العمرية الأكبر سناً. وتزداد معدلات الإصابة بها مع التقدم في العمر بسبب البلى التدريجي مع مرور الزمن، والتعرض التراكمي الطويل للمخاطر، وضعف المناعة، والتحولات الهرمونية، وتباطؤ الاستقلاب.
والأهم أن هذا الاتجاه سيستمر مع توقع استمرار شيخوخة السكان. ففي حين كانت نسبة من بلغوا الخامسة والستين فأكثر 19% من سكان دول المنظمة عام 2024، يُتوقع أن تبلغ 25% بحلول عام 2050، أي بزيادة قدرها 36%. وفي الاتحاد الأوروبي، يُتوقع أن ترتفع نسبة من بلغوا الخامسة والستين فأكثر من 22% إلى 28%. وحتى لو ظلت المحركات الأخرى لعبء الأمراض غير المعدية، أي مستويات عوامل الخطر ومعدلات البقاء وحجم السكان، على حالها مستقبلاً، يُتوقع أن يرتفع العدد السنوي للحالات الجديدة من هذه الأمراض بنسبة 31% بين عامي 2026 و2050 في المتوسط في دول المنظمة، و29% في الاتحاد الأوروبي. وسيرتفع معدل الإصابة من 1936 حالة لكل 100 ألف شخص سنوياً إلى 2518 حالة في دول المنظمة، ومن 2141 إلى 2755 حالة في الاتحاد الأوروبي. ويُتوقع كذلك أن يرتفع انتشار تعدد الأمراض المزمنة بنسبة 75% بحلول عام 2050 في المتوسط في دول المنظمة، و70% في الاتحاد الأوروبي.
ويرتبط تنامي عبء الأمراض غير المعدية بزيادة كبيرة في تكاليف النظام الصحي. إذ يُتوقع أن يرتفع الإنفاق الفردي على الرعاية الصحية للأمراض الأربعة المشمولة في هذا التحليل بأكثر من 50% بفعل شيخوخة السكان وحدها، من 646 إلى 994 دولاراً بتعادل القوة الشرائية في دول المنظمة، ومن 607 إلى 938 دولاراً بتعادل القوة الشرائية في الاتحاد الأوروبي. ومع ثبات حجم السكان، يعادل ذلك زيادة إجمالية قدرها 532 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية سنوياً على مستوى المنظمة ككل، و170 مليار دولار في الاتحاد الأوروبي.
