الفصل الرابع: التركيز على الأولويات الرئيسية يعظّم الأثر في الصحة والاقتصاد
تتسم مواجهة الأمراض غير المعدية بتعقيد متأصل، نظراً لتعدد عوامل خطرها واتساع المداخل الممكنة للسياسات، من الوقاية إلى العلاج. وللمساعدة على تحديد الأولويات، يقارن نهج "الربع الأعلى" أداء كل دولة بأداء أفضل 25% من نظيراتها في المنظمة والاتحاد الأوروبي، من حيث انتشار عوامل الخطر ومعدلات البقاء معاً. ويكشف هذا المعيار الطموح والقابل للتحقيق المواضع التي يمكن أن يحقق فيها العمل على صعيد السياسات أكبر العوائد. وتبرز السمنة بوصفها الرافعة الأقوى لخفض معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية والوفيات المبكرة والإنفاق الصحي، في حين يؤدي التدخين والاستهلاك الضار للكحول أدواراً مهمة أيضاً من خلال آثارهما في الوفيات والإنتاجية. وإجمالاً، يحقق العمل على عوامل الخطر الرئيسية فوائد أكبر وأوسع مما يحققه تحسين معدلات البقاء وحده. وتُظهر الأدلة أن التركيز على عدد محدود من الأولويات الوطنية يمكن أن يحصد معظم المكاسب الممكنة، ويحقق في الوقت ذاته فوائد مجتمعية وبيئية مصاحبة أوسع.
باختصار
تتسم مواجهة الأمراض غير المعدية بالتعقيد، لأنها تنبع من طيف واسع من عوامل الخطر، منها السمنة والتدخين وسوء التغذية والاستهلاك الضار للكحول وتلوث الهواء، ولأن العمل يمكن أن يجري على مستويات متعددة، من الوقاية إلى العلاج. ولذلك فإن تحديد التدخلات التي تحقق أكبر الفوائد أمر حاسم لصنع سياسات فعالة.
ويساعد النهج المقارن على توضيح الأولويات. فبدلاً من التركيز على الانتشار المطلق لعوامل الخطر، يقارن أسلوب "الربع الأعلى" الذي وضعته المنظمة أداء كل دولة بأداء أفضل 25% من نظيراتها في المنظمة والاتحاد الأوروبي، من حيث انتشار عوامل الخطر ومعدلات البقاء بعد الإصابة بالأمراض غير المعدية معاً. ويُبرز هذا المعيار الطموح والقابل للتحقيق المواضع التي تكون فيها إمكانات التحسن أكبر، ومن ثَمّ العائد من العمل على صعيد السياسات.
وبالمواءمة مع الدول الأفضل أداءً، تستطيع الدول تحقيق مكاسب صحية واقتصادية واجتماعية ملموسة. فلو بلغت جميع دول المنظمة مستويات الربع الأعلى في عوامل خطر الأمراض غير المعدية، يقدّر النموذج انخفاض الوفيات المبكرة بنسبة 11.4%، وتراجع الإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 6.2%، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3%، مقابل 11.5% و4.6% و1.4% على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من أن هذه الأرقام قد تبدو متواضعة للوهلة الأولى، فإن أثرها بالغ. فانخفاض الوفيات المبكرة بنسبة 11.4% يعني إنقاذ شخص واحد من الموت المبكر كل دقيقة، وكل ثلاث دقائق ونصف في الاتحاد الأوروبي. وانخفاض الإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 6.2% يمثّل وفراً سنوياً إجمالياً قدره 317 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية، وهو ما يتجاوز إجمالي الإنفاق الصحي لإيطاليا، ويفوق متوسط الإنفاق على مجمل الرعاية الوقائية الذي يبلغ نحو 3% من إجمالي الإنفاق الصحي في دول المنظمة. أما ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3% في دول المنظمة فيعني ناتجاً اقتصادياً إضافياً يقارب تريليون دولار سنوياً، وهو ما يضاهي إضافة اقتصادَي السويد والبرتغال بأكملهما إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول المنظمة. وفي الاتحاد الأوروبي، تعادل الزيادة البالغة 1.4% نحو 342 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية، أي أكثر من إضافة اقتصاد فنلندا بأكمله إلى الناتج الاقتصادي السنوي للاتحاد.
وتبرز السمنة بوصفها الرافعة المنفردة الأكبر للتحسن، إذ تستأثر بنسبة 51% من إجمالي الانخفاض في الحالات الجديدة من الأمراض غير المعدية في ظل سيناريو الربع الأعلى لعوامل الخطر، و42% في الاتحاد الأوروبي. ومن شأن بلوغ مستوى السمنة المسجل في الربع الأعلى أن يمنع 11% من الحالات الجديدة سنوياً، ويخفض الوفيات المبكرة بنسبة 5.6%، ويقلص الإنفاق الصحي بنسبة 3.3%، مقابل 7.0% و3.6% و1.6% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. وستعزز هذه التحسينات القوى العاملة في دول المنظمة بما يعادل 4.5 ملايين عامل بدوام كامل، وترفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6% في المتوسط، مقابل 495 ألف عامل و0.6% من الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي.
وتؤدي عوامل خطر أخرى أدواراً مهمة كذلك. فللتدخين أثر غير متناسب في الوفيات المبكرة بسبب ارتباطه الوثيق بالسرطان. أما الاستهلاك الضار للكحول فله أثر اقتصادي كبير نسبياً لأنه يقلل الإنتاجية والمشاركة في القوى العاملة.
ومع أن تحسين معدلات البقاء بعد الإصابة بالأمراض غير المعدية عبر رعاية صحية أفضل يظل أمراً حيوياً، فإن الوقاية الأولية تحقق عوائد صحية واقتصادية أكبر. فمواءمة معدلات البقاء بعد الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية مع الربع الأعلى ستخفض الوفيات المبكرة بنحو 1.7%، و2.6% في الاتحاد الأوروبي، في حين سيخفضها تحسين معدلات البقاء بعد الإصابة بالسرطان بنسبة 1.5%، و2.3% في الاتحاد الأوروبي. غير أن معالجة عوامل الخطر كالسمنة والتدخين يمكن أن تحقق انخفاضاً أكبر في الوفيات المبكرة، إلى جانب مكاسب أعظم بكثير في الناتج المحلي الإجمالي والإنتاجية.
ويعود هذا الفارق إلى ثلاثة أسباب رئيسية. أولها أن معدلات البقاء مرتفعة نسبياً أصلاً في كثير من دول المنظمة، فيبقى هامش التحسن أضيق. وثانيها أن عوامل الخطر السلوكية والاستقلابية تؤثر في أمراض متعددة في آن واحد، فتتضاعف آثارها الإجمالية في النتائج الصحية. وثالثها أن كثيراً من عوامل الخطر، ولا سيما الاستهلاك الضار للكحول، تؤثر مباشرة في الإنتاجية من خلال التغيب عن العمل والإعاقة وتراجع كفاءة العمل.
وتستطيع كل دولة تحقيق تقدم كبير بالتركيز على مجال أو مجالين من المجالات ذات الأولوية بدلاً من توزيع الموارد توزيعاً مشتتاً. ففي المتوسط، تحقق معالجة أولوية واحدة رئيسية نحو نصف التحسن الكلي الممكن في معدلات الإصابة والإنفاق الصحي والناتج المحلي الإجمالي، وتحقق معالجة أولويتين نحو 75% من الإمكانات، وتغطي ثلاث أولويات نحو 90% منها.
وإلى جانب الآثار الصحية والاقتصادية المباشرة، يحقق العمل على عوامل خطر الأمراض غير المعدية فوائد مجتمعية وبيئية أوسع. فالأنظمة الغذائية الصحية يمكن أن تخفض الانبعاثات خفضاً كبيراً، في حين يمكن لسياسات مكافحة الكحول أن تعزز السلامة العامة بخفض الوفيات المبكرة الناجمة عن الحوادث والعنف بنسبة 5%.
إن العمل على مواجهة الأمراض غير المعدية ليس أولوية للصحة العامة فحسب، بل ضرورة اقتصادية أيضاً. فبالاستثمار في الوقاية، تستطيع الحكومات حماية الاستدامة المالية للنظم الصحية، وتعزيز المرونة الاقتصادية، وتحسين الإنتاجية والرفاه. غير أن ذلك قد يمثّل تحدياً شاقاً؛ فالأمراض غير المعدية تتشكل بفعل عوامل خطر عديدة ومتنوعة، ويمكن العمل على مستويات متعددة، من منع المرض أصلاً إلى تحسين العلاج والرعاية بعد نشوئه. ومع هذا الطيف الواسع من المداخل الممكنة، لا يكون واضحاً دائماً من أين ينبغي البدء، ولا أي الإجراءات ستُحدث الفارق الأكبر.
ولا يكفي مجرد سرد معدلات انتشار عوامل الخطر جنباً إلى جنب لبيان أيها أهم. فعوامل الخطر تؤثر في أمراض مختلفة وبدرجات متفاوتة، وتؤثر هذه الأمراض بدورها في الصحة والوفيات والأداء الاقتصادي بطرق متباينة. ويزيد أداء النظام الصحي في علاج هذه الأمراض الصورةَ تعقيداً.
وتتضح الأهمية النسبية لمختلف عوامل الخطر، وللوقاية والعلاج، عند النظر إلى أثرها في الأرواح والرفاه والاقتصاد. غير أنه بدلاً من التركيز على الحجم الكلي للأثر، من المهم معرفة أداء الدولة مقارنة بغيرها، وعواقب أي فجوات قائمة. فحيثما يقصر الأداء، تكون إمكانات التحسن أكبر، مما يكشف المجالات التي تتيح أكبر الفرص للتغيير.
ويحدد هذا الفصل المجالات ذات الأولوية للعمل بمواءمة انتشار عوامل خطر الأمراض غير المعدية ومعدلات البقاء بعد الإصابة بها مع المستويات التي حققتها أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، لكل فئة عمرية ولكل جنس. ويكشف نهج الربع الأعلى هذا، الطموح والقابل للتحقيق، المجالات التي تنطوي على أكبر إمكانات للتحسن.
تحديد أولويات مواجهة الأمراض غير المعدية باستخدام سيناريو الربع الأعلى
لفهم إمكانات التحسن، جرت مواءمة معدلات انتشار عوامل الخطر ومعدلات البقاء بعد الإصابة بالأمراض غير المعدية في كل دولة مع مستويات أفضل 25% المرصودة في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، لكل فئة عمرية ولكل جنس. وبدلاً من إزالة الخطر كلياً أو المواءمة مع أفضل أداء على الإطلاق، وهو ما قد لا يكون قابلاً للتحقيق، يمكن عدّ هذا النهج هدفاً واقعياً لمعظم الدول.
غير أنه تجدر الإشارة إلى أن قدراً غير يسير من الخطر يظل قائماً في ظل سيناريو الربع الأعلى. فأولاً، تعني المواءمة مع الربع الأعلى أن الدول المنتمية أصلاً إلى هذه الفئة لن تشهد أي أثر فيما يخص عامل الخطر المعني في تلك الفئة العمرية ولذلك الجنس، أما في الدول الأخرى فستنخفض مستويات عوامل الخطر إلى مستوى الربع الأعلى فحسب دون أن تزول كلياً. وثانياً، لما كانت الأمراض غير المعدية تتطور مع الزمن، فإن التعرض السابق لعوامل الخطر سيظل يؤثر في عبء هذه الأمراض مستقبلاً. وثالثاً، قد لا يؤدي خفض التعرض لعوامل الخطر إلا إلى تأخير ظهور المرض لدى بعض الأفراد.
معالجة عوامل خطر الأمراض غير المعدية تحقق مكاسب صحية واقتصادية ملموسة
ببلوغ مستويات الربع الأعلى في عوامل الخطر، ستشهد الدول مكاسب صحية واقتصادية ملموسة. ففي المتوسط في دول المنظمة، سيؤدي بلوغ هذه المستويات إلى خفض الوفيات المبكرة بنسبة 11.4%، والإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 6.2%، ورفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3%، مقابل 11.5% و4.6% و1.4% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. ومع وجود تفاوت كبير بين الدول، فإن أمام جميعها مجالاً للتحسن، أي إنه لا توجد دولة تنتمي إلى الربع الأعلى في جميع عوامل الخطر.
وعلى الرغم من أن هذه الأرقام قد تبدو متواضعة للوهلة الأولى، فإن أثرها بالغ. فانخفاض الوفيات المبكرة بنسبة 11.4% يعني إنقاذ شخص واحد من الموت المبكر كل دقيقة، وكل ثلاث دقائق ونصف في الاتحاد الأوروبي. وانخفاض الإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 6.2% يمثّل وفراً سنوياً إجمالياً قدره 317 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية، وهو ما يتجاوز إجمالي الإنفاق الصحي لإيطاليا، مقابل 67 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية في الاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل الإنفاق الصحي للنمسا. ويفوق ذلك متوسط الإنفاق على مجمل الرعاية الوقائية، الذي يبلغ نحو 3% من إجمالي الإنفاق الصحي في دول المنظمة. أما ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3% في دول المنظمة فيعني ناتجاً اقتصادياً إضافياً يقارب تريليون دولار سنوياً، وهو ما يضاهي إضافة اقتصادَي السويد والبرتغال بأكملهما إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول المنظمة. وفي الاتحاد الأوروبي، تعادل زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.4% نحو 342 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية، أي أكثر من إضافة اقتصاد فنلندا بأكمله إلى الناتج الاقتصادي السنوي للاتحاد. وفضلاً عن ذلك، وحتى إن كان الأثر الاقتصادي متواضعاً في بعض الحالات، فإن كون الوقاية تعود بالنفع على الأفراد وتحقق مكاسب اقتصادية قابلة للقياس يجعلها قيّمة في حد ذاتها.
معالجة السمنة تمثّل الفرصة الكبرى لتخفيف عبء الأمراض غير المعدية في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي
على مستوى المنظمة ككل، تمثّل السمنة الفرصة الكبرى لتخفيف عبء الأمراض غير المعدية، إذ تستأثر بنسبة 51% من الأثر الإجمالي لمواءمة انتشار عوامل الخطر مع مستوى الربع الأعلى على معدلات الإصابة الجديدة، و42% في الاتحاد الأوروبي. ويعود ذلك أساساً إلى ارتباطها بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري. ويستأثر كل من تحسن التدخين وتلوث الهواء والنظام الغذائي بنسبة 14% من الأثر الإجمالي. وعلى مستوى دول المنظمة، ستمنع مواءمة انتشار عوامل الخطر مع الربع الأعلى 6.7 ملايين حالة جديدة من الأمراض غير المعدية كل عام، منها قرابة 4 ملايين حالة من أمراض القلب والأوعية الدموية، ومليونا حالة من السكري، و500 ألف حالة سرطان جديدة. وفي الاتحاد الأوروبي، ستمنع أكثر من 3.2 ملايين حالة، منها أكثر من مليون حالة من أمراض القلب والأوعية الدموية، و1.8 مليون حالة من السكري، وقرابة 150 ألف حالة سرطان جديدة.
وعند النظر إلى مقاييس أخرى لعبء المرض، كالأثر في الإنفاق على الرعاية الصحية والناتج المحلي الإجمالي، تظل السمنة عامل الخطر الأهم. فلو بلغت جميع دول المنظمة مستوى انتشار السمنة المسجل في الربع الأعلى، لأمكن تجنب أكثر من 3.4 ملايين حالة من الأمراض غير المعدية سنوياً، وهو ما يعادل 11% من إجمالي الحالات الجديدة المسجلة كل عام في دول المنظمة. وبالمثل، ستنخفض الوفيات المبكرة بنسبة 5.6%، وإجمالي الإنفاق الصحي بنسبة 3.3%، في المتوسط بين عامي 2026 و2050، مقابل 7.0% و3.6% و1.6% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. ومن شأن ذلك أيضاً أن يرفع إجمالي ناتج القوى العاملة في دول المنظمة بما يعادل 4.5 ملايين عامل، وأن يزيد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6% في المتوسط، مقابل 495 ألف عامل و0.6% من الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي.
وفي حين يتشابه أثر انخفاض انتشار التدخين وتحسن النظام الغذائي وتراجع تلوث الهواء في عدد الحالات الجديدة، فإن للتدخين أثراً أكبر في الوفيات المبكرة بسبب ارتباطه الوثيق بالسرطان، الذي يتسم بمعدل وفاة مرتفع مقارنة بالأمراض غير المعدية الرئيسية الأخرى. أما الاستهلاك الضار للكحول، فله من خلال تأثيره في الإنتاجية والمشاركة في القوى العاملة أثر كبير نسبياً في ناتج القوى العاملة، ومن ثَمّ في الناتج المحلي الإجمالي.
الوقاية تحقق فوائد صحية واقتصادية أكبر مما يحققه العلاج
لتحسين النتائج الصحية والاقتصادية، يمكن للسياسات أن تعمل على مستويات مختلفة. فالوقاية الأولية تسعى إلى منع الأمراض قبل حدوثها، بتعزيز أنماط الحياة الصحية والحد من المخاطر البيئية. أما حين يكون المرض قد نشأ فعلاً، فينبغي أن ينصبّ التركيز على علاجه مبكراً وبفعالية لمنع المضاعفات أو الوفاة. وتنعكس جودة رعاية الأمراض غير المعدية جزئياً في معدلات بقاء من يُصابون بها. ولما كانت معدلات البقاء تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين الدول، فإن ثمة مجالاً واسعاً لتحسين رعاية هذه الأمراض، إلى جانب الوقاية منها أصلاً. ومن شأن ذلك أن يخفض الوفيات المبكرة الناجمة عنها، مما يرفع بدوره ناتج القوى العاملة والناتج المحلي الإجمالي.
ومن شأن مواءمة معدلات البقاء في دول المنظمة مع مستوى الربع الأعلى أن تخفض الوفيات المبكرة الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 15%، والوفيات المبكرة الناجمة عن السرطان بنسبة 9%، مقابل 19% و10% في الاتحاد الأوروبي. وعلى صعيد الوفيات المبكرة إجمالاً، ستخفض مواءمة معدلات البقاء بعد الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية الوفيات المبكرة بنحو 1.7%، و2.6% في الاتحاد الأوروبي، في حين سيخفض تحسين معدلات البقاء بعد الإصابة بالسرطان الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية بنسبة 1.5%، و2.3% في الاتحاد الأوروبي. غير أن مواءمة عوامل الخطر كالسمنة والتدخين مع مستوى الربع الأعلى تحقق انخفاضاً أكبر في الوفيات المبكرة. وفضلاً عن ذلك، فإن أثر معالجة عوامل الخطر هذه في المشاركة في القوى العاملة وفي الناتج المحلي الإجمالي يفوق كثيراً المكاسب المتحققة من تحسين معدلات البقاء. ومع أن تحسّن نتائج البقاء يسهم إسهاماً ملموساً في تحسين الصحة، فإن الفوائد الاقتصادية لخفض عوامل الخطر الرئيسية أكبر بكثير.
ويرجع هذا الفارق إلى عدة أسباب رئيسية. أولاً، تشير النتائج إلى أن مجال تحسين معدلات البقاء أضيق، فهي متقاربة نسبياً بين الدول عالية الأداء، ومن ثَمّ لا تحقق المواءمة مع الربع الأعلى إلا مكاسب إضافية محدودة؛ أي إن ما تبقى من مكاسب ممكنة قليل. ثانياً، تؤثر عوامل الخطر السلوكية والاستقلابية في أمراض متعددة في آن واحد، فيكون لتحسينها أثر أوسع في الصحة عموماً. وأخيراً، تؤثر عوامل الخطر تأثيراً مباشراً في الإنتاجية والأداء الاقتصادي، ولا سيما الاستهلاك الضار للكحول الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتغيب عن العمل وتراجع كفاءته. ونتيجة لذلك، تحقق معالجة عوامل الخطر فوائد أوسع للصحة العامة والاقتصاد معاً مما يحققه تحسين معدلات البقاء وحده.
وفي بعض الدول، يحقق التركيز على تحسين معدلات البقاء فعلاً أكبر فائدة فيما يخص الوفيات المبكرة. ويصدق ذلك عادةً على الدول التي تقل فيها نتائج البقاء بعد الإصابة بالسرطان أو بأمراض القلب والأوعية الدموية كثيراً عن نظيرتها في الدول الأخرى، أو التي تكون فيها المكاسب المحتملة من معالجة عوامل الخطر متواضعة نسبياً. وفي هذه السياقات، يمكن لتقوية النظم الصحية، وتوسيع الوصول إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب، وتحسين إدارة الأمراض، أن تخفض الوفيات المبكرة خفضاً كبيراً وتسد فجوات حرجة في النتائج الصحية. غير أن تحسين معدلات البقاء لا يحقق مكسباً اقتصادياً كبيراً حتى في هذه الدول، إذ تفوق العوائد الاقتصادية الأوسع لخفض عوامل الخطر الرئيسية المكاسبَ الممكنة من تحسين البقاء في جميع الدول التي شملها التحليل.
جميع الدول قادرة على تحقيق نتائج كبيرة بالتركيز على أولوية أو اثنتين
مع أن أكبر الإمكانات على مستوى المنظمة والاتحاد الأوروبي ككل تكمن في السمنة، فإن الأولويات تتفاوت من دولة إلى أخرى. وأياً كانت عوامل الخطر التي تتصدر الأولويات، وأياً كانت النتائج موضع الاهتمام، تستطيع جميع الدول تحقيق تحسينات كبيرة بالتركيز على أولوية واحدة أو اثنتين فقط. ففي المتوسط عبر الدول الإحدى والخمسين التي شملها التحليل، تحقق معالجة الأولوية الأولى وحدها نحو 50% من الأثر الكلي الممكن على عدد الحالات والإنفاق الصحي والناتج المحلي الإجمالي، وتغطي معالجة الأولويتين الأوليين نحو 75%، بينما تبلغ الأولويات الثلاث الأولى نحو 90% من الأثر الكلي. أما الوفيات المبكرة، حيث تتيح معدلات البقاء أدوات إضافية للسياسات، فتحقق معالجة الأولويتين الأوليين في المتوسط 50% من الأثر فيها. وتُبرز هذه النتائج أهمية تحديد أولويات واضحة وتخصيص الموارد بفعالية لتحقيق أقصى أثر ممكن.
وفي نحو دولتين من كل ثلاث دول، تمثّل السمنة الفرصة الكبرى لخفض عدد الحالات الجديدة من الأمراض غير المعدية وخفض الإنفاق الصحي ورفع الناتج المحلي الإجمالي. ويُعدّ التدخين والنظام الغذائي وتلوث الهواء أيضاً من عوامل الخطر الشائعة في قوائم الأولويات. أما فيما يتعلق بخفض الوفيات المبكرة، فتظل السمنة الأولوية الأولى في نحو نصف الدول، غير أن معدلات البقاء بعد الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية تؤدي بدورها دوراً رئيسياً؛ إذ تمثّل الأولوية الأولى لخفض الوفيات المبكرة في 11 دولة، أي 22% من الدول، وتندرج ضمن الأولويات الثلاث الأولى في أكثر من نصف الدول. كما تندرج معدلات البقاء بعد الإصابة بالسرطان ضمن الأولويات الثلاث الأولى في قرابة نصف الدول، وإن كانت في الغالب أولوية ثانية أو ثالثة.
ومن المهم التنبيه إلى أن التركيز على عوامل الخطر التي يمكن أن تتحقق فيها أكبر المكاسب الصحية والاقتصادية أمر مهم في ظل تنامي عبء الأمراض غير المعدية والضغط الواقع على النظم الصحية، لكنه لا ينبغي أن يفضي إلى إهمال عوامل خطر أخرى قد يكون أثرها الإجمالي أصغر، غير أنها تظل تحمل عواقب كبيرة على فئات بعينها. ولذلك ينبغي أن تجمع الاستراتيجية المتوازنة بين تحديد الأولويات على مستوى السكان وتدخلات موجهة إلى الفئات الهشة أو المعرضة لخطر مرتفع. وبالمثل، ومع أن معظم المكاسب قد تتأتى من تعزيز الوقاية الأولية، يظل الاستثمار في الوقاية الثانوية والثالثية أمراً لا غنى عنه لضمان الوصول العادل إلى الرعاية وتحقيق نتائج أفضل لمن أصابهم المرض فعلاً.
الفوائد المجتمعية المصاحبة تعزز مسوّغات التحرك لمواجهة عوامل خطر الأمراض غير المعدية
إلى جانب تخفيف عبء الأمراض غير المعدية، يمكن للعمل على عوامل الخطر كالاستهلاك الضار للكحول والنظام الغذائي أن يحقق فوائد مجتمعية أوسع. فالسياسات المتعلقة بالنظام الغذائي يمكن أن تسهم في خفض الانبعاثات المرتبطة بالنظام الغذائي، والسياسات الرامية إلى منع الاستهلاك الضار للكحول يمكن أن تحسّن السلامة بالحد من حوادث الطرق والعنف. وتجعل هذه الفوائد المجتمعية المصاحبة مسوّغات التحرك أقوى.
الأنظمة الغذائية الصحية تخفض الانبعاثات بما يعادل انبعاثات 58 مليون سيارة في دول المنظمة
ثمة صلات وثيقة بين الأنظمة الغذائية وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، إذ يرتبط نحو ثلث مجموع الانبعاثات البشرية المنشأ بالنظم الغذائية. ويشمل ذلك استخدام الأراضي، والإنتاج من زراعة وحصاد، والتصنيع، والنقل والتوزيع، والتعبئة والتغليف، والطهي، والتخلص من النفايات. ولتجسيد العلاقة بين النظام الغذائي والانبعاثات، يربط نموذج SPHeP NCDs عوامل الخطر الغذائية بالانبعاثات مستعيناً ببيانات نموذج تقييم الأثر الغذائي التابع لمنظمة الصحة العالمية.
وفي سيناريو الربع الأعلى، الذي يُواءَم فيه استهلاك اللحوم والفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة مع أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، يُقدَّر أن تنخفض الانبعاثات بمقدار 243 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً على مستوى المنظمة ككل، و56 مليون طن في الاتحاد الأوروبي. وتعادل هذه الكمية الانبعاثات الصادرة عن أكثر من 58 مليون سيارة ركاب تعمل بالبنزين، أي عدد السيارات في ألمانيا وهولندا مجتمعتين، مقابل 13 مليون سيارة في الاتحاد الأوروبي.
التصدي للاستهلاك الضار للكحول قد يمنع 5% من الوفيات المبكرة الناجمة عن القتل وحوادث الطرق في دول المنظمة
للاستهلاك الضار للكحول أثر مباشر في السلامة المجتمعية، إذ قد يفضي إلى حوادث الطرق والعنف بسبب تأثيره في الوظائف الإدراكية والتناسق الحركي والسلوك. فحين يفرط الأفراد في تناول الكحول، تضعف قدرتهم على اتخاذ قرارات عقلانية، وتتباطأ ردود أفعالهم، وتختل مهاراتهم الحركية، وكلها أمور حاسمة للقيادة الآمنة. وبالمثل، قد يُضعف الكحول الضوابط الذاتية ويزيد الاندفاع، فيصبح الأفراد أكثر ميلاً إلى الدخول في مواجهات وتصعيد النزاعات. وفي بعض الحالات، قد يفضي العدوان الناجم عن الكحول إلى مشاجرات جسدية واعتداءات بل وجرائم قتل.
فلو واءمت جميع الدول إجمالي استهلاك الكحول مع المستوى المسجل لدى أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، لأمكن منع ما مجموعه 5367 وفاة مبكرة سنوياً ناجمة عن حوادث الطرق في دول المنظمة، و2113 وفاة في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل 4.8% من إجمالي الوفيات المبكرة الناجمة عن حوادث الطرق، و6.2% في الاتحاد الأوروبي. ومن شأن ذلك أيضاً أن يمنع 2358 وفاة مبكرة سنوياً ناجمة عن العنف بين الأشخاص في دول المنظمة، أي 4.8% من إجمالي الوفيات المبكرة لهذا السبب، مقابل 327 وفاة و5.9% في الاتحاد الأوروبي. ويعود التفاوت بين الدول إلى المستويات الحالية لإجمالي استهلاك الكحول ومعدلات الوفيات المبكرة معاً.
