الفصل الأول: الاستثمار في الوقاية من الأمراض غير المعدية استثمار في الازدهار الاجتماعي والاقتصادي
تواصل الأمراض غير المعدية ارتفاعها في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي رغم عقود من الجهود على صعيد السياسات. فمنذ عام 1990، ازداد انتشار السرطان وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية زيادة ملحوظة، بينما تضاعف انتشار داء السكري تقريباً في دول المنظمة. ويقف وراء هذا العبء المتنامي ارتفاعُ معدلات السمنة، وتحسّن معدلات البقاء على قيد الحياة، وشيخوخة السكان. وإلى جانب آثارها الصحية، تفرض الأمراض غير المعدية تكاليف اقتصادية واجتماعية كبيرة، إذ تقلل الإنتاجية وترفع الإنفاق الصحي وتقيّد النمو الاقتصادي. وتُظهر النمذجة باستخدام نموذج SPHeP NCDs التابع للمنظمة أن مواءمة عوامل الخطر ومعدلات البقاء مع أداء دول الربع الأعلى يمكن أن تخفض الوفيات المبكرة خفضاً كبيراً، وتقلص الإنفاق الصحي، وتعزز الناتج المحلي الإجمالي. وتنطوي السمنة على أكبر الإمكانات في هذا الصدد، في حين تحقق الوقاية فوائد أكبر وأوسع مما يحققه العلاج وحده. وتقوم الاستراتيجيات الفعالة لمواجهة هذه الأمراض على تمكين الأفراد، وتهيئة بيئات معززة للصحة، وتقوية النظم الصحية الموجّهة نحو الوقاية.
باختصار
تُلحق الأمراض غير المعدية ضرراً بالغاً بصحة الناس ورفاههم وبالاقتصاد عموماً. وتُظهر نمذجة المنظمة أن أربعة أمراض غير معدية رئيسية، هي السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض الانسداد الرئوي المزمن والسكري، ترفع خطر اعتلال الصحة النفسية بنسبة تصل إلى 25%، وستكون مسؤولة عن نحو أربع من كل عشر وفيات مبكرة خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي. ويتجاوز أثرها حدود الصحة، فهي تخفض الأجور وتقلل الإنتاجية وتزيد الضغط على النظم الصحية؛ ولو أمكن القضاء على هذه الأمراض لانخفض الإنفاق الصحي بنسبة 41%، ولأسهم ذلك في زيادة الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 3.8% في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050، مقابل 40% و3.9% على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
والجزء الأكبر من عبء الأمراض غير المعدية يمكن تجنبه، والوقاية تحقق فوائد تفوق ما يحققه تحسين إدارة الأمراض مقيساً بتحسن معدلات البقاء. فمواءمة عوامل الخطر الرئيسية مع مستوى أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، أي الربع الأعلى، تؤدي إلى انخفاض في الوفيات المبكرة أكبر بكثير، وإلى فوائد اقتصادية أقوى، مقارنة بتحسين رعاية المرضى الذين أصيبوا فعلاً بالسرطان أو بأمراض القلب والأوعية الدموية. فلو بلغت جميع دول المنظمة مستويات الربع الأعلى في عوامل الخطر، يقدّر نموذج المنظمة أن الناتج المحلي الإجمالي سيرتفع بنسبة 1.3% وأن الوفيات المبكرة ستنخفض بنسبة 11.4%، مقابل 1.4% و11.5% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. أما تحسين رعاية المرضى بمواءمة معدلات البقاء بعد الإصابة بالسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية معاً، فلن يخفض الوفيات المبكرة إلا بنسبة 3.2% ولن يرفع الناتج المحلي الإجمالي إلا بنسبة 0.1%، مقابل 5% و0.1% على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
وتمثّل معالجة السمنة الفرصة الكبرى لتخفيف عبء الأمراض غير المعدية. فلو بلغت جميع دول المنظمة معدل انتشار السمنة المسجل في الربع الأعلى، لانخفض إجمالي الإصابات بهذه الأمراض بنسبة 11%، والوفيات المبكرة بنسبة 5.6%، وإجمالي الإنفاق الصحي بنسبة 3.3%، في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050، مقابل 7.0% و3.6% و1.6% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. ومن شأن ذلك أيضاً أن يرفع إجمالي ناتج القوى العاملة في دول المنظمة بما يعادل 4.5 ملايين عامل بدوام كامل، وأن يزيد الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 0.6% في المتوسط، مقابل 495 ألف عامل و0.6% على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
وتستطيع جميع الدول تحقيق تحسينات كبيرة بالتركيز على أولوية واحدة أو اثنتين فقط. ففي المتوسط عبر الدول الإحدى والخمسين التي شملها التحليل، تحقق معالجة الأولوية الأولى في الدولة وحدها نحو 50% من الأثر الكلي الممكن على عدد الحالات والإنفاق الصحي والناتج المحلي الإجمالي، وتغطي معالجة الأولويتين الأوليين نحو 75%، بينما تبلغ الأولويات الثلاث الأولى نحو 90% من الأثر الكلي. أما الوفيات المبكرة، التي تتأثر بعوامل الخطر ومعدلات البقاء معاً، فإن معالجة الأولويتين الأوليين تحقق في المتوسط 50% من الأثر فيها.
وللتصدي الفعّال لعوامل خطر الأمراض غير المعدية، تبرز الحاجة إلى استراتيجيات شاملة تعالج المحددات الكامنة بكامل نطاقها. وينبغي أن يرتكز أي نهج ناجح على ثلاث ركائز مترابطة: تمكين الأفراد عبر المعلومات والتثقيف، وتشكيل بيئات تجعل الخيارات الصحية أيسر، وبناء نظم صحية مستجيبة تقدّم الوقاية والرعاية معاً.
لم تنجح عقود من الجهود بعد في عكس الاتجاهات المتصاعدة للأمراض غير المعدية. فعلى الرغم من الالتزامات الدولية ومبادرات السياسات الوطنية وبرامج تعزيز الصحة، واصل عبء هذه الأمراض ارتفاعه في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي. وفي الفترة بين عامي 1990 و2023، ارتفع انتشار السرطان ومرض الانسداد الرئوي المزمن بنسبة 36% و49% في دول المنظمة، مقابل 39% و41% على التوالي في الاتحاد الأوروبي، بينما ارتفع انتشار أمراض القلب والأوعية الدموية بأكثر من 27% في دول المنظمة و21% في الاتحاد الأوروبي. أما انتشار داء السكري فارتفع بوتيرة أشد، إذ بلغت الزيادة 86% في دول المنظمة و64% في الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، باتت الأمراض غير المعدية اليوم من أعظم التحديات التي تواجه صحة السكان؛ ففي عام 2023 كان شخص من كل عشرة أشخاص في دول المنظمة مصاباً بالسكري، وشخص من كل ثمانية يعيش مع أحد أمراض القلب والأوعية الدموية، مقابل شخص من كل اثني عشر وشخص من كل سبعة على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
ما الأمراض غير المعدية؟
الأمراض غير المعدية حالات صحية طويلة الأمد، تنشأ عادةً ببطء وتتطور مع مرور الوقت. وتشمل أمراض القلب والأوعية الدموية، كالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، والسرطانات، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة كمرض الانسداد الرئوي المزمن، وداء السكري. وتُعدّ هذه الحالات السبب الرئيسي للوفاة على مستوى العالم.
وتنصبّ تحليلات هذا التقرير المتعلقة بالأمراض غير المعدية على أربع مجموعات مرضية، هي أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطانات، ومرض الانسداد الرئوي المزمن، وداء السكري. ويتسق ذلك مع الغاية 3.4 من أهداف التنمية المستدامة التي تنص على: "تخفيض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية بمقدار الثلث بحلول عام 2030، من خلال الوقاية والعلاج، وتعزيز الصحة النفسية والرفاه"، وهي غاية تتناول أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والسكري وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة.
ونظراً لكثرة أنواع السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، لم يكن ممكناً أن يشملها نموذج SPHeP NCDs جميعاً. ولذلك يركز النموذج أساساً على الأمراض القابلة للتأثر بتدخلات الصحة العامة، أي تلك المرتبطة بعوامل الخطر والأكثر قابلية للوقاية عبر هذه التدخلات. وتمثّل السرطانات المشمولة في النموذج 71% من مجموع وفيات السرطان في دول المنظمة، و88% من وفيات السرطان المرتبطة بعوامل الخطر. أما أمراض القلب والأوعية الدموية المدرجة في النموذج فتمثل 78% من مجموع الوفيات المرتبطة بهذه الأمراض في دول المنظمة، و87% من الوفيات المرتبطة بعوامل الخطر.
وثمة ثلاثة أسباب رئيسية وراء استمرار تنامي عبء الأمراض غير المعدية.
أولاً، في كثير من الدول، تآكل التقدم المحرز في خفض بعض عوامل الخطر، كتلوث الهواء والتدخين والاستهلاك الضار للكحول وقلة النشاط البدني، بفعل الارتفاع الحاد في معدلات السمنة. وتُظهر التحليلات التي أُجريت باستخدام نموذج المنظمة للتخطيط الاستراتيجي للصحة العامة في مجال الأمراض غير المعدية أن الأثر الإيجابي لانخفاض تلوث الهواء والتدخين والاستهلاك الضار للكحول وقلة النشاط البدني منذ عام 2010 قد محاه تماماً، على مستوى دول المنظمة مجتمعة، الأثرُ السلبي لتزايد انتشار السمنة. ومن بين الدول الإحدى والخمسين التي شملها التحليل، شهدت 57% منها ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية نتيجة التغيرات في عوامل الخطر، بينما شهدت 43% منها انخفاضاً. وتُعدّ السمنة المحرك الأساسي لارتفاع معدلات الإصابة، في حين يعود التحسن في الغالب إلى انخفاض تلوث الهواء والتدخين.
نموذج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للتخطيط الاستراتيجي للصحة العامة في مجال الأمراض غير المعدية
بنية النموذج
نموذج SPHeP NCDs التابع للمنظمة أداة متقدمة لنمذجة النظم، تُستخدم في رسم سياسات الصحة العامة والتخطيط الاستراتيجي. ويُستعان به في التنبؤ بالنتائج الصحية والاقتصادية لسكان دولة أو منطقة ما حتى عام 2050. ويُنتج النموذج مجموعة شاملة من عوامل الخطر السلوكية والفسيولوجية الرئيسية، كالتدخين والسمنة والنشاط البدني والاستهلاك الضار للكحول والنظام الغذائي غير الصحي وتلوث الهواء، إلى جانب ما يرتبط بها من أمراض غير معدية وحالات طبية أخرى. ويغطي النموذج 51 دولة، تضم الدول الأعضاء في المنظمة، ودول مجموعة العشرين، والدول السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي، والدول المرشحة لعضوية المنظمة، ومجموعة مختارة من الدول الشريكة.
ويستخدم النموذج لكل دولة الخصائص الديموغرافية وخصائص عوامل الخطر للفئات السكانية بحسب العمر والجنس، مستمدةً من قواعد بيانات دولية. وتُستخدم هذه المدخلات لتوليد مجتمعات سكانية اصطناعية، يُسند فيها إلى كل فرد خصائص ديموغرافية وملف خاص بعوامل الخطر. واستناداً إلى هذه الخصائص، يواجه الفرد في كل عام خطراً محدداً للإصابة بمرض ما. وقد جرت معايرة معدلات الإصابة والانتشار في سكان كل دولة بحيث تتطابق مع التقديرات الواردة في مجموعات البيانات الدولية.
مخرجات النموذج
يمكن الحصول لكل عام على تمثيل مقطعي للسكان، يُستعان به في حساب مؤشرات الحالة الصحية، كمتوسط العمر المتوقع وانتشار الأمراض وسنوات العمر المعدّلة حسب الإعاقة باستخدام أوزان الإعاقة. وتُقدَّر تكاليف علاج الأمراض استناداً إلى تكلفة سنوية لكل حالة، تُستقرأ من بيانات الإنفاق الوطني المتعلق بالصحة من منظور الجهة الدافعة. كما تُحتسب التكلفة الإضافية لتعدد الأمراض المزمنة وتُطبَّق، وتؤخذ في الحسبان التكلفة الإضافية لرعاية نهاية الحياة.
وتستخدم وحدة سوق العمل في النموذج المخاطر النسبية لربط الحالة المرضية باحتمالات التغيب عن العمل، والحضور المنقوص، وهو حضور المرضى إلى أماكن عملهم دون أن يكونوا منتجين بالكامل، والتقاعد المبكر، والتوظيف. وتُقدَّر هذه التغيرات في التوظيف والإنتاجية بعدد العمال المكافئين للدوام الكامل. ثم تُترجَم آثار التغيرات الديموغرافية والمشاركة في القوى العاملة والإنتاجية إلى تغير في الناتج المحلي الإجمالي باستخدام دالة الإنتاج كوب دوغلاس، بما يتسق مع نموذج التنبؤ الاقتصادي طويل الأجل للمنظمة ومع نماذج راسخة أخرى طويلة الأجل، مثل نموذج النمو طويل الأجل للبنك الدولي. ويفترض نموذج الناتج المحلي الإجمالي أيضاً أن كثافة رأس المال تظل ثابتة على المدى الطويل، إذ يتكيف رصيد رأس المال مع الزمن مع الزيادات في العمالة بما يعيده إلى مستواه الأولي.
ثانياً، يعني تحسّن معدلات البقاء على قيد الحياة أن أعداداً أكبر من الناس يعيشون فترات أطول مع حالات مزمنة. فقد انخفضت معدلات الوفاة بعد الإصابة باحتشاء عضلة القلب الحاد، أي النوبات القلبية، بنسبة 23% بين عامي 2010 و2022 في 15 دولة من دول المنظمة تتوافر عنها بيانات، وتراجع معدل الوفاة بعد السكتة الدماغية بنسبة 14%. وعلى نحو مماثل، ارتفعت نسبة من يظلون على قيد الحياة بعد خمس سنوات من تشخيص إصابتهم بسرطان الرئة، أي معدل البقاء لخمس سنوات، من 10% في المتوسط عبر سبع دول من دول المنظمة إلى 19% بين عامي 1995 و2014. وخلال الفترة نفسها، ارتفع معدل البقاء لخمس سنوات بعد الإصابة بسرطان القولون والمستقيم من 52% عام 1995 إلى 66% عام 2014.
وتُعدّ هذه التحسينات في معدلات البقاء نجاحاً لا لبس فيه للصحة العامة، لكنها تفضي كذلك إلى تزايد أعداد من يحتاجون إلى إدارة مستمرة لأمراضهم. كما يؤدي ارتفاع انتشار الأمراض غير المعدية إلى زيادة عدد من يعيشون مع حالات مزمنة متعددة في آن واحد. ولتعدد الأمراض المزمنة أثر مباشر في جودة حياة الناس، إذ يسجّل المصابون بحالتين مزمنتين درجات أدنى في الرفاه والصحة النفسية والأداء الاجتماعي. فضلاً عن ذلك، فإن التعامل مع حالات مزمنة متعددة أكثر تعقيداً واستهلاكاً للموارد في النظم الصحية من رعاية مرض واحد.
تحدي إدارة تعدد الأمراض المزمنة
في حين دأبت السياسات الصحية والبحوث والتدريب المهني والإرشادات السريرية تقليدياً على التركيز على الأمراض المفردة، تؤكد نتائج استبيانات المنظمة للمؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى أن تعدد الأمراض المزمنة، أي تعايش الشخص مع حالتين مزمنتين أو أكثر، يمثّل تحدياً هائلاً في الرعاية الصحية، ولا سيما في الرعاية الأولية. فإدارة هذه الحالات أكثر تعقيداً واستهلاكاً للموارد بكثير من التعامل مع مرض واحد، مما يضع النظم الصحية والعاملين فيها تحت ضغط تقديم رعاية عالية الجودة ومنسقة ومتمحورة حول الإنسان.
وقد يفضي علاج حالات متعددة إلى مقاربات متداخلة أو متعارضة. فالمصابون بحالات مزمنة متعددة كثيراً ما يتناولون أدوية عديدة، وكلما ازداد عدد الحالات التي يعاني منها الشخص ازداد نظامه الدوائي تعقيداً وخطورة، مما يرفع احتمال وقوع حوادث تتعلق بسلامة الأدوية ويزيد صعوبة الإدارة الذاتية. ومن بين من بلغوا الخامسة والأربعين فأكثر وزاروا عيادات الرعاية الأولية، ارتفع احتمال تناول خمسة أدوية أو أكثر ارتفاعاً ملحوظاً بازدياد عدد الأمراض غير المعدية: من أقل من 10% بين من لا يعانون من أي مرض غير معدٍ، إلى 30% بين المصابين بمرض واحد، وإلى أكثر من 60% بين المصابين بمرضين أو أكثر.
يُضاف إلى ذلك أن المصابين بحالات متعددة أقل ثقة في إدارة رعايتهم بأنفسهم. ففي جميع الدول التي شملتها استبيانات المؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى تقريباً، أفاد المصابون بعدد أكبر من الأمراض غير المعدية بثقة أدنى في قدرتهم على إدارة صحتهم ورفاههم. ويعني ذلك بالنسبة إلى النظام الصحي أنهم يحتاجون إلى مزيد من المعلومات والدعم من أطباء الرعاية الأولية.
ثالثاً، تعني شيخوخة السكان أن مزيداً من الناس يبلغون الأعمار التي تشيع فيها الأمراض غير المعدية. فحتى لو ظل انتشار عوامل الخطر ومعدلات البقاء على حالها، يُتوقع أن يرتفع عدد الحالات الجديدة من هذه الأمراض بنسبة 31% في دول المنظمة و29% في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2026 و2050، إذ سيرتفع معدل الإصابة من 1936 حالة لكل 100 ألف شخص سنوياً إلى 2518 حالة، ومن 2141 إلى 2755 حالة في الاتحاد الأوروبي. ويُتوقع أن يرتفع انتشار تعدد الأمراض المزمنة بوتيرة أشد، بنسبة 75% في دول المنظمة و70% في الاتحاد الأوروبي. كما سيؤدي تنامي عبء الأمراض غير المعدية إلى زيادات حادة في تكاليف الرعاية الصحية، فيرتفع الإنفاق الفردي على هذه الأمراض في دول المنظمة بأكثر من 50%، من 646 دولاراً أمريكياً إلى 994 دولاراً بتعادل القوة الشرائية، ومن 607 إلى 938 دولاراً بتعادل القوة الشرائية في الاتحاد الأوروبي.
الأمراض غير المعدية تقلل جودة الحياة والإنتاجية والنمو الاقتصادي
لا يمثّل العبء المتنامي للأمراض غير المعدية تحدياً للصحة العامة فحسب، بل هو تحدٍّ اقتصادي ومجتمعي أيضاً. وينبغي النظر إلى العمل الفعال للوقاية من هذه الأمراض وإدارتها بوصفه استثماراً في جودة الحياة والإنتاجية والنمو الاقتصادي. ومن الضروري لصانعي السياسات أن يفهموا الأثر الاقتصادي والمجتمعي الأوسع لهذه الأمراض حتى يتمكنوا من بناء الحجة لصالح استثمار مستدام في الوقاية منها وعلاجها.
فالأمراض غير المعدية سبب رئيسي للوفيات المبكرة، أي الوفيات التي تحدث قبل سن الخامسة والسبعين. والوفيات المبكرة لا تقلّص متوسط العمر المتوقع فحسب، بل تُلقي أيضاً بأعباء نفسية ومالية على الأسر والمجتمعات. ويُقدَّر أن الأمراض غير المعدية الأربعة التي يغطيها نموذج المنظمة ستكون مسؤولة عن 44% من الوفيات المبكرة في دول المنظمة و46% في الاتحاد الأوروبي، في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050، ويستأثر السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية وحدها بنحو 40% منها. غير أن هذا تقدير أدنى من الواقع، لأن التحليل لا يشمل إلا أنواع السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية المرتبطة بعوامل الخطر السلوكية أو القابلة للتأثر بتدخلات الصحة العامة. فعند احتساب جميع أنواع السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، كانت الأمراض الأربعة مسؤولة عن 62% من مجموع الوفيات المبكرة في دول المنظمة عام 2023، و70% في الاتحاد الأوروبي. ويمكن للعمل على مواجهة هذه الأمراض أن يحسّن الصحة النفسية أيضاً، إذ ثبت ارتباطها بارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب.
الأمراض غير المعدية والاكتئاب
تُضعف الأمراض غير المعدية جودة الحياة عموماً وترفع احتمال الإصابة بالاكتئاب. ويُظهر تحليل أجرته المنظمة لبيانات مسح الصحة والشيخوخة والتقاعد في أوروبا أن المصابين بهذه الأمراض كانوا أكثر عرضة للإصابة لاحقاً بالاكتئاب مقارنة بغير المصابين، حتى بعد ضبط العوامل المربكة كالعمر والجنس والوضع الاجتماعي والاقتصادي والدولة وحالة التدخين وتكرار استهلاك الكحول. وقد عُرِّف الاكتئاب في المسح بأنه المعاناة من أربعة أعراض على الأقل من الأعراض الاثني عشر التالية خلال الأسابيع الأربعة السابقة للمقابلة: المزاج المكتئب، والتشاؤم، والميول الانتحارية، والشعور بالذنب، واضطرابات النوم، وفقدان الاهتمام، وسرعة الانفعال، واضطرابات الشهية، والإرهاق، وضعف التركيز، وفقدان الاستمتاع، وسرعة البكاء.
ويرتفع خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 15% لدى المصابين بالسرطان أو السكري، و17% لدى المصابين بقصور القلب، و21% لدى من تعرضوا لسكتة دماغية، و25% لدى المصابين بأمراض الرئة المزمنة. كما تُظهر البيانات أن الخطر يزداد بازدياد عدد الأمراض غير المعدية؛ فبينما يرتفع خطر الاكتئاب بنسبة 21% لدى المصابين بمرض واحد، يرتفع بنسبة 42% لدى المصابين بمرضين، وبنسبة 50% لدى المصابين بثلاثة أمراض أو أكثر.
وثمة عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية عديدة يمكن أن تفسر علاقة سببية محتملة بين الأمراض غير المعدية والاكتئاب. فعلى الصعيدين النفسي والاجتماعي، ثبت ارتباط الاكتئاب بفقدان الإحساس بالذات، والعزلة الاجتماعية الناجمة عن الإرهاق ونقص الطاقة اللذين يدفعان إلى التخلي عن الأنشطة المعتادة، والقيود على الحركة وعلى أنشطة الحياة اليومية، والألم المزمن. ويسهم كذلك الخوف وعدم اليقين إزاء الطبيعة غير القابلة للشفاء وغير المتوقعة لبعض هذه الأمراض، وكذلك تصورات المرضى عن أمراضهم وعن قدرتهم على إدارتها ذاتياً. أما بيولوجياً، فقد يكون للتنكس العصبي المرتبط ببعض هذه الأمراض، وللآثار الجانبية للعلاجات المرتبطة ببعضها الآخر، دور في ذلك. ومن المعقول أيضاً وجود علاقة عكسية، يرفع فيها الاكتئاب خطر الإصابة بالأمراض غير المعدية، كأن يُضعف الدافع لممارسة الرياضة.
ويتحمل الرجال نصيباً غير متناسب من عبء الأمراض غير المعدية. فإلى جانب العوامل البيولوجية، تختلف ملامح الخطر لدى الرجال والنساء بسبب الاختلاف في السلوكيات. إذ يميل الرجال عموماً أكثر إلى الانخراط في سلوكيات خطرة كالتدخين والاستهلاك الضار للكحول، وهم أكثر عرضة لزيادة الوزن. وعلى الرغم من أن النساء أكثر ميلاً إلى عدم ممارسة النشاط البدني الكافي، فإن الفارق بينهن وبين الرجال صغير نسبياً. ونتيجة لذلك، يزيد معدل الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية لدى الرجال في دول المنظمة بنسبة 77% على نظيره لدى النساء. وفي الاتحاد الأوروبي، يكاد معدل الوفيات المبكرة الناجمة عن هذه الأمراض لدى الرجال يبلغ ضعف نظيره لدى النساء، مع بعض التفاوت بحسب المرض. فعلى سبيل المثال، تشير نمذجة المنظمة إلى أن الوفيات المبكرة لدى الرجال تزيد بنحو 40% على النساء في حالة السرطان، وبنسبة 71% في حالة السكري.
والأثر الاقتصادي للأمراض غير المعدية لا يقل أهمية. فلو لم تكن هناك أمراض غير معدية، لانخفض الإنفاق الصحي السنوي بنسبة 41% خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة في دول المنظمة و40% في الاتحاد الأوروبي. وفضلاً عن ذلك، تُخفّض هذه الأمراض، عبر تقليص المشاركة في القوى العاملة والإنتاجية، ناتجَ القوى العاملة بما يعادل ما يصل إلى 18 مليون عامل بدوام كامل في دول المنظمة و5 ملايين في الاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل خسارة عاملين بدوام كامل تقريباً من كل 100 شخص في سن العمل في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي. وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، يُتوقع أن تؤدي الوفيات المبكرة وتراجع الإنتاجية إلى خفض متوسط الناتج المحلي الإجمالي في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي بنحو 4%، في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050.
تحديد أولويات السياسات يتيح توجيه الموارد بفعالية لتحقيق أقصى أثر
تتسم مواجهة الأمراض غير المعدية بالتعقيد، نظراً لتعدد عوامل الخطر واتساع المداخل الممكنة للسياسات. ومع ذلك، يمكن تحديد أولويات واضحة بتقييم الأثر النسبي لمختلف عوامل الخطر في الصحة والاقتصاد، ومقارنة الأداء بأداء الدول الرائدة في المنظمة والاتحاد الأوروبي. وتُحدَّد هنا المجالات ذات الأولوية بمواءمة انتشار عوامل الخطر ومعدلات البقاء بعد الإصابة بالأمراض غير المعدية مع المستوى الذي حققته أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، وذلك لكل فئة عمرية ولكل جنس. ويكشف نهج الربع الأعلى هذا عن المجالات التي تنطوي على أكبر إمكانات للتحسن.
تحديد أولويات مواجهة الأمراض غير المعدية باستخدام سيناريو الربع الأعلى
لفهم إمكانات التحسن، جرت مواءمة معدلات انتشار عوامل الخطر ومعدلات البقاء بعد الإصابة بالأمراض غير المعدية في كل دولة مع مستويات أفضل 25% المرصودة في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، لكل فئة عمرية ولكل جنس. وبدلاً من إزالة الخطر كلياً أو المواءمة مع أفضل أداء على الإطلاق، يمكن عدّ هذا النهج هدفاً واقعياً لمعظم الدول.
ومن المهم الإشارة إلى أن قدراً غير يسير من الخطر يظل قائماً في ظل سيناريو الربع الأعلى. فأولاً، تعني المواءمة مع الربع الأعلى أن الدول المنتمية أصلاً إلى هذه الفئة لن تشهد أي أثر فيما يخص عامل الخطر المعني في تلك الفئة العمرية ولذلك الجنس. أما في الدول الأخرى، فستنخفض مستويات عوامل الخطر إلى مستوى الربع الأعلى فحسب، دون أن تزول كلياً. وثانياً، لما كانت الأمراض غير المعدية تتطور مع الزمن، فإن التعرض السابق لعوامل الخطر سيظل يؤثر في عبء هذه الأمراض مستقبلاً. وثالثاً، قد لا يؤدي خفض التعرض لعوامل الخطر إلا إلى تأخير ظهور المرض لدى بعض الأفراد.
الدول قادرة على تحقيق مكاسب صحية واقتصادية ملموسة بالتصدي لعوامل خطر الأمراض غير المعدية
لو بلغت جميع دول المنظمة معدلات انتشار عوامل الخطر المسجلة في الربع الأعلى، وهو هدف طموح لكنه قابل للتحقيق، لانخفضت الوفيات المبكرة السنوية بنسبة 11.4%، وإجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 6.2%، ولارتفع الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 1.3% في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050، مقابل 11.5% و4.6% و1.4% على التوالي في الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من أن هذه الأرقام قد تبدو متواضعة للوهلة الأولى، فإن أثرها في الصحة والاقتصاد كبير. فانخفاض الوفيات المبكرة بنسبة 11.4% يعني إنقاذ شخص واحد في دول المنظمة من الموت المبكر كل دقيقة، وكل ثلاث دقائق ونصف في الاتحاد الأوروبي. وانخفاض الإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 6.2% يمثّل وفراً سنوياً إجمالياً قدره 317 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية، وهو ما يتجاوز إجمالي الإنفاق الصحي لإيطاليا، مقابل 67 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية في الاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل الإنفاق الصحي للنمسا. ويفوق هذا الوفر متوسط الإنفاق على مجمل الرعاية الوقائية، الذي يبلغ نحو 3% من إجمالي الإنفاق الصحي في دول المنظمة. أما ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3% في دول المنظمة فيعني ناتجاً اقتصادياً إضافياً يقارب تريليون دولار سنوياً، وهو ما يضاهي إضافة اقتصادَي السويد والبرتغال بأكملهما إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول المنظمة. وفي الاتحاد الأوروبي، تعادل الزيادة البالغة 1.4% نحو 342 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية، أي أكثر من إضافة اقتصاد فنلندا بأكمله إلى الناتج الاقتصادي السنوي للاتحاد.
ومع وجود تفاوت كبير بين الدول، لا تنتمي أي دولة إلى الربع الأعلى في جميع عوامل الخطر، وأمام جميع الدول مكاسب صحية واقتصادية ممكنة. وحتى إن كان الأثر الاقتصادي متواضعاً في بعض الحالات، فإن كون الوقاية تعود بالنفع على الأفراد وتحقق مكاسب اقتصادية قابلة للقياس يجعلها قيّمة في حد ذاتها.
معالجة السمنة تمثّل الفرصة الكبرى لتخفيف عبء الأمراض غير المعدية
من شأن التصدي للسمنة أن يُحدث الأثر الأكبر في خفض معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية في دول المنظمة، إذ تستأثر بأكثر من نصف الحالات، أي 51% من أصل 6.7 ملايين حالة يمكن تجنبها سنوياً بمواءمة عوامل الخطر مع مستوى الربع الأعلى، مقابل 42% من أصل 1.8 مليون حالة في الاتحاد الأوروبي. ويعود ذلك بصفة خاصة إلى أثر السمنة في معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
فلو بلغت جميع دول المنظمة معدل انتشار السمنة المسجل في الربع الأعلى، لانخفض إجمالي الإصابات بالأمراض غير المعدية بنسبة 11%، والوفيات المبكرة بنسبة 5.6%، وإجمالي الإنفاق الصحي بنسبة 3.3%، في المتوسط بين عامي 2026 و2050، مقابل 7.0% و3.6% و1.6% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. ومن شأن ذلك أيضاً أن يرفع إجمالي ناتج القوى العاملة في دول المنظمة بما يعادل 4.5 ملايين عامل بدوام كامل، وأن يزيد الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 0.6% في المتوسط، مقابل 495 ألف عامل بدوام كامل و0.6% من الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي.
وتؤدي عوامل خطر أخرى أدواراً مهمة كذلك. فللتدخين أثر كبير بصورة غير متناسبة في الوفيات المبكرة بسبب ارتباطه الوثيق بالسرطان. وللاستهلاك الضار للكحول أثر اقتصادي كبير، لأنه فضلاً عن إسهامه في طيف واسع من الحالات الصحية، يميل إلى إلحاق ضرر بالإنتاجية والمشاركة في القوى العاملة أشد مما تُلحقه كثير من عوامل الخطر الأخرى.
الوقاية تحقق فوائد صحية واقتصادية أكبر مما يحققه العلاج
لتحسين النتائج الصحية والاقتصادية، يمكن للسياسات أن تعمل على مستويات مختلفة. فالوقاية الأولية تسعى إلى منع الأمراض قبل حدوثها، بتعزيز أنماط الحياة الصحية والحد من المخاطر البيئية. أما حين يكون المرض قد نشأ فعلاً، فينبغي أن ينصبّ التركيز على علاجه مبكراً وبفعالية لمنع المضاعفات أو الوفاة. وتنعكس جودة رعاية الأمراض غير المعدية جزئياً في معدلات بقاء من يُصابون بها. ولما كانت معدلات البقاء تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين الدول، فإن ثمة مجالاً واسعاً لتحسين رعاية هذه الأمراض، إلى جانب الوقاية منها أصلاً. ومن شأن ذلك أن يخفض الوفيات المبكرة الناجمة عنها، مما يرفع بدوره ناتج القوى العاملة والناتج المحلي الإجمالي.
ومن شأن مواءمة معدلات البقاء بعد الإصابة بالسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية معاً في دول المنظمة مع مستوى الربع الأعلى أن تخفض الوفيات المبكرة السنوية بنحو 3.2% وترفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1%، مقابل 5% و0.1% على التوالي في الاتحاد الأوروبي، في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050. غير أن مواءمة عوامل الخطر كالسمنة والتدخين مع مستوى الربع الأعلى تحقق انخفاضاً أكبر في الوفيات المبكرة. وفضلاً عن ذلك، فإن أثر معالجة عوامل الخطر هذه في المشاركة في القوى العاملة وفي الناتج المحلي الإجمالي يفوق كثيراً المكاسب المتحققة من تحسين معدلات البقاء. ومع أن تحسّن نتائج البقاء يسهم إسهاماً ملموساً في تحسين الصحة، فإن الفوائد الاقتصادية لخفض عوامل الخطر الرئيسية أكبر بكثير.
ويرجع هذا الفارق إلى عدة أسباب رئيسية. أولاً، تشير النتائج إلى أن مجال تحسين معدلات البقاء أضيق، فهي متقاربة نسبياً بين الدول عالية الأداء، ولذلك لا تحقق المواءمة مع معدل البقاء في الربع الأعلى إلا مكاسب إضافية محدودة؛ أي إن ما تبقى من مكاسب ممكنة قليل. ثانياً، تؤثر عوامل الخطر السلوكية والاستقلابية في أمراض متعددة في آن واحد، فيكون لتحسينها أثر أوسع في الصحة عموماً. وأخيراً، تؤثر عوامل الخطر تأثيراً مباشراً في الإنتاجية والأداء الاقتصادي، ولا سيما الاستهلاك الضار للكحول الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتغيب عن العمل وتراجع كفاءته. ونتيجة لذلك، تحقق معالجة عوامل الخطر فوائد أوسع للصحة العامة والاقتصاد معاً مما يحققه تحسين معدلات البقاء وحده.
جميع الدول قادرة على تحقيق نتائج كبيرة بالتركيز على أولوية أو اثنتين من أولويات الأمراض غير المعدية وعوامل خطرها
مع أن أكبر الإمكانات على مستوى المنظمة والاتحاد الأوروبي ككل تكمن في السمنة، فإن الأولويات تتفاوت من دولة إلى أخرى. وأياً كانت عوامل الخطر التي تتصدر الأولويات، وأياً كانت النتائج موضع الاهتمام، تستطيع جميع الدول تحقيق تحسينات كبيرة بالتركيز على أولوية واحدة أو اثنتين فقط. ففي المتوسط عبر الدول الإحدى والخمسين التي شملها التحليل، تحقق معالجة الأولوية الأولى في الدولة وحدها نحو 50% من الأثر الكلي الممكن على عدد الحالات والإنفاق الصحي والناتج المحلي الإجمالي، وتغطي معالجة الأولويتين الأوليين نحو 75%، بينما تبلغ الأولويات الثلاث الأولى نحو 90% من الأثر الكلي. أما الوفيات المبكرة، التي تتأثر بعوامل الخطر ومعدلات البقاء معاً، فتحقق معالجة الأولويتين الأوليين في المتوسط 50% من الأثر فيها. وتُبرز هذه النتائج أهمية تحديد أولويات واضحة وتخصيص الموارد بفعالية لتحقيق أقصى أثر ممكن.
وفي نحو دولتين من كل ثلاث دول، تمثّل السمنة الفرصة الكبرى لخفض عدد الحالات الجديدة من الأمراض غير المعدية وخفض الإنفاق الصحي ورفع الناتج المحلي الإجمالي. ويُعدّ التدخين والنظام الغذائي وتلوث الهواء أيضاً من عوامل الخطر الشائعة في قوائم الأولويات. أما فيما يتعلق بخفض الوفيات المبكرة، فتظل السمنة الأولوية الأولى في نحو نصف الدول، غير أن معدلات البقاء بعد الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية تؤدي بدورها دوراً رئيسياً؛ إذ تمثّل الأولوية الأولى لخفض الوفيات المبكرة في 11 دولة، أي 22% من الدول، وتندرج ضمن الأولويات الثلاث الأولى في أكثر من نصف الدول. كما تندرج معدلات البقاء بعد الإصابة بالسرطان ضمن الأولويات الثلاث الأولى في قرابة نصف الدول، وإن كانت في الغالب أولوية ثانية أو ثالثة.
ومن المهم التنبيه إلى أن التركيز على عوامل الخطر التي يمكن أن تتحقق فيها أكبر المكاسب الصحية والاقتصادية أمر مهم في ظل تنامي عبء الأمراض غير المعدية والضغط الواقع على النظم الصحية، لكنه لا ينبغي أن يفضي إلى إهمال عوامل خطر أخرى قد يكون أثرها الإجمالي أصغر، غير أنها تظل تحمل عواقب كبيرة على فئات بعينها. ولذلك ينبغي أن تجمع الاستراتيجية المتوازنة بين تحديد الأولويات على مستوى السكان وتدخلات موجهة إلى الفئات الهشة أو المعرضة لخطر مرتفع. وقد تنطوي معالجة بعض عوامل الخطر كذلك على فوائد مجتمعية مصاحبة. وبالمثل، ومع أن معظم المكاسب قد تتأتى من تعزيز الوقاية الأولية، يظل الاستثمار في الوقاية الثانوية والثالثية أمراً لا غنى عنه لضمان الوصول إلى الرعاية في الوقت المناسب وتحقيق نتائج أفضل لمن أصابهم المرض فعلاً.
الفوائد المجتمعية المصاحبة تعزز مسوّغات التحرك لمواجهة الأمراض غير المعدية
الأنظمة الغذائية الصحية تخفض الانبعاثات بما يعادل انبعاثات 58 مليون سيارة في دول المنظمة
ثمة صلات وثيقة بين الأنظمة الغذائية وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، إذ يرتبط نحو ثلث مجموع الانبعاثات البشرية المنشأ بالنظم الغذائية. وفي سيناريو الربع الأعلى، الذي تُواءَم فيه معدلات استهلاك اللحوم والفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة مع أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، يُقدَّر أن تنخفض الانبعاثات بمقدار 243 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً على مستوى المنظمة ككل، و56 مليون طن في الاتحاد الأوروبي. وتعادل هذه الكمية الانبعاثات الصادرة عن أكثر من 58 مليون سيارة ركاب تعمل بالبنزين، أي عدد السيارات في ألمانيا وهولندا مجتمعتين، مقابل 13 مليون سيارة في الاتحاد الأوروبي.
التصدي للاستهلاك الضار للكحول قد يمنع 5% من الوفيات المبكرة الناجمة عن القتل وحوادث الطرق في دول المنظمة
للاستهلاك الضار للكحول أثر مباشر في السلامة المجتمعية، إذ قد يفضي إلى حوادث الطرق والعنف بسبب تأثيره في الوظائف الإدراكية والتناسق الحركي والسلوك. فلو واءمت جميع الدول إجمالي استهلاك الكحول مع المستوى المسجل لدى أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، لأمكن منع ما مجموعه 5367 وفاة مبكرة سنوياً ناجمة عن حوادث الطرق في دول المنظمة، و2113 وفاة في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل 4.8% من إجمالي الوفيات المبكرة الناجمة عن حوادث الطرق، و6.2% في الاتحاد الأوروبي. ومن شأن ذلك أيضاً أن يمنع 2358 وفاة مبكرة سنوياً ناجمة عن العنف بين الأشخاص في دول المنظمة، أي 4.8% من إجمالي الوفيات المبكرة لهذا السبب، مقابل 327 وفاة و5.9% في الاتحاد الأوروبي. ويعود التفاوت بين الدول إلى مستويات الاستهلاك الإجمالي الحالي للكحول ومعدلات الوفيات المبكرة معاً.
الاستراتيجيات الناجحة لمواجهة الأمراض غير المعدية تقوم على ثلاث ركائز مترابطة
مع أن مزيج السياسات سيختلف من دولة إلى أخرى تبعاً لخصائص عوامل الخطر فيها وأولوياتها الصحية، ثمة ثلاث ركائز مترابطة تستند إليها جميع الاستراتيجيات الناجحة لمواجهة هذه الأمراض، هي: أفراد ممكَّنون، وبيئات داعمة، ونظم صحية مستجيبة. ويعزز بعض هذه الركائز بعضها الآخر. فتمكين الأفراد بالمعلومات والتثقيف أمر بالغ الأهمية، لكن أثره يتضاعف حين تجعل البيئة المحيطة بالناس الخيارات الصحية أيسر وأقل كلفة وأسهل منالاً. وفي الوقت ذاته، قد يحتاج حتى أكثر الأفراد اطلاعاً وحماساً إلى دعم نظام صحي مستجيب يكشف المشكلات مبكراً ويمنع المضاعفات. وتؤدي الرعاية الأولية بدورها دوراً حاسماً في تزويد الأفراد بالمعلومات والتثقيف.
الركيزة الأولى: تمكين الأفراد عبر المعلومات والتثقيف
يتوقف التقدم المستدام على امتلاك الأفراد المعرفة والدافع والمهارات اللازمة لاتخاذ خيارات صحية أفضل. ولا ينبغي أن تقتصر المعلومات على مجرد التوعية بالمخاطر، بل ينبغي أن تعزز الدافع عبر الحوافز الشخصية والاجتماعية، وأن تزوّد الناس بالمهارات اللازمة لتحويل النوايا إلى أفعال. كما ينبغي تعزيز المعلومات والدوافع والمهارات السلوكية على جميع مستويات المجتمع، بدءاً من العلاقات بين الأشخاص وصولاً إلى السياسات العامة. فعلى مستوى العلاقات بين الأشخاص، تُتبادل المعلومات داخل الأسرة وبين الأقران والأصدقاء، ويتولد الدافع الاجتماعي من الأعراف والتشجيع والقدوات، وتُمارَس السلوكيات مع الأقران كالتمارين الجماعية. وعلى مستوى المؤسسات، يأتي التثقيف الصحي في المدارس والتواصل الصحي في أماكن العمل، وثقافة مؤسسية ترسّخ الأعراف الصحية، وورش العمل والدروس التطبيقية. وعلى مستوى المجتمعات المحلية، تبرز الحملات والفعاليات ذات الصلة بالسياق المحلي والإذاعات المجتمعية، والتحفيز عبر الصدى الثقافي والقادة المجتمعيين والجماعات الدينية، والممارسة الجماعية كمجموعات المشي ونوادي الطهي المجتمعية. أما على مستوى السياسات العامة، فتأتي حملات وسائل الإعلام الجماهيرية والمناهج الوطنية والإرشادات، والحملات التي تشجع العمل الجماعي كحملة "شهر بلا تبغ" وحملة "موفمبر"، والمعلومات المتاحة عبر الإنترنت حول استخدام أدوات الفحص الذاتي، وإدراج مهارات الطهي في المناهج الوطنية.
الركيزة الثانية: تهيئة بيئات تدعم الخيارات الصحية
تؤثر البيئات التي يعيش فيها الناس ويعملون ويتعلمون تأثيراً قوياً في احتمال إصابتهم بالأمراض غير المعدية. ومن ثَمّ تُعدّ السياسات التي تهيئ بيئات معززة للصحة، بإزالة العوائق ومعالجة أثر العوامل الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والتجارية والسوقية وتيسير الوصول إلى الخيارات الصحية، عنصراً أساسياً في دعم تغيير السلوك وتحويل الأعراف الاجتماعية. فكل قرار يتعلق بالنظم الغذائية والنقل والإسكان والتعليم والتوظيف والبيئات الرقمية يؤثر في النتائج الصحية. ويمكن للدول أن تستفيد من التجارب الدولية وأن تكيّف المقاربات التي ثبتت فعاليتها مع سياقاتها الخاصة.
وتنطوي كثير من السياسات البيئية الرامية إلى تعزيز السلوكيات الصحية على عنصر من التثقيف والمعلومات. فوسم الأغذية وقوائم الطعام، على سبيل المثال، يقدّم معلومات غذائية عند نقطة الشراء، مما يساعد المستهلكين على اتخاذ خيارات غذائية أكثر وعياً. وكثيراً ما تجمع التدخلات في أماكن العمل والمدارس بين التثقيف بشأن السلوكيات الصحية وإجراء تغييرات في البيئة المدرسية أو بيئة العمل، كزيادة توافر الوجبات الصحية وتوسيع فرص ممارسة الرياضة. كما تحدّ القيود التنظيمية على الإعلان عن الأغذية، ولا سيما تلك الموجهة إلى الأطفال، من التعرض للتسويق المقنع للمنتجات غير الصحية، فتسهم في تشكيل بيئة معلوماتية أكثر صحة.
وقد أظهرت تحليلات سابقة للمنظمة أن السياسات البيئية والمعلوماتية تتمتع بنسبة ممتازة بين الفائدة والتكلفة. فمعظم هذه السياسات يعود بفوائد اقتصادية تفوق تكلفة تنفيذها، وبعضها يعود بأكثر من خمسة دولارات مقابل كل دولار مستثمر. ومن بين هذه التدخلات برامج مكافحة الكحول في أماكن العمل والمدارس، وبرامج العافية في أماكن العمل، وبرامج التغذية المدرسية، وتنظيم الإعلان عن الكحول، ووسم الأغذية، والتطبيقات الهاتفية الداعمة للتغذية الصحية، وحظر الإعلان عن الكحول للأطفال، والحد من السلوك الخامل في أماكن العمل، وحملات وسائل الإعلام الجماهيرية بشأن التغذية، والإرشاد بشأن الكحول في الرعاية الأولية، ووسم قوائم الطعام، وتنظيم الإعلان عن الأغذية الموجه إلى الأطفال. غير أن السياسات التي لا تغطي تكلفتها كاملة بما تحققه من فوائد اقتصادية ينبغي أن تظل موضع اعتبار لما لها من آثار صحية.
وإلى جانب التدابير البيئية والمعلوماتية، يمكن للسياسات التنظيمية والسعرية أن تؤدي دوراً حاسماً في تشكيل سلوكيات أكثر صحة على مستوى السكان. إذ تُظهر تحليلات المنظمة والأدلة الدولية على نحو متسق أن تدخلات من قبيل الضرائب على منتجات التبغ، وتحديد حد أدنى لسعر الوحدة من الكحول للتصدي للمنتجات الكحولية الرخيصة التي يستهلكها بصورة غير متناسبة ذوو أنماط الشرب الإشكالية، وتقييد تسويق المنتجات غير الصحية للأطفال، هي من أكثر أدوات السياسات فعالية من حيث التكلفة المتاحة للحكومات. وحين تُصمَّم هذه السياسات تصميماً جيداً، فإنها لا تكتفي بتثبيط استهلاك المنتجات الضارة، بل قد تسهم أيضاً في توجيه حوافز السوق نحو بدائل أكثر صحة. فعلى سبيل المثال، صمّمت المملكة المتحدة ضريبتها على المشروبات المحلاة بالسكر على نحو يشجع المصنّعين على إعادة تركيب منتجاتهم، مما أدى إلى انخفاض متوسط قدره 46% في محتوى السكر في المشروبات الغازية الخاضعة للضريبة بين عامي 2015 و2020. غير أن هذا النوع من السياسات ينطوي أيضاً على أعلى درجة من التدخل في الخيارات الفردية.
وتُظهر أعمال سابقة للمنظمة في مجال تعزيز أنماط الحياة الصحية أن المقاربات متعددة المحاور تحقق باستمرار أثراً أكبر وقيمة أفضل مقابل المال. فسواء أكانت التدابير تهدف إلى توعية الأفراد، أم زيادة توافر الخيارات الصحية، أم تنظيم التعرض لعوامل الخطر، أم رفع أسعار المنتجات غير الصحية، فمن غير المرجح أن يعالج أي تدبير منفرد بشكل شامل العوامل المعقدة التي تشكّل الصحة. بل قد يفضي في بعض الحالات إلى عواقب غير مقصودة أو إلى مفاضلات بين الأطراف المعنية. وتخلص تحليلات المنظمة إلى أن الجمع بين التدخلات في حزم وقائية شاملة يعظّم أوجه التآزر بين مكونات السياسات، فيحقق أكبر أثر في صحة السكان وعوائد ممتازة على الاستثمار. وفي نهاية المطاف، يعود لكل دولة أن تحدد المزيج الأنسب من السياسات بناءً على سياقها وأولوياتها وقدراتها المؤسسية.
الركيزة الثالثة: بناء نظم صحية مستجيبة تقدّم الوقاية والرعاية
ينبغي أن تنخرط النظم الصحية، والرعاية الأولية على وجه الخصوص، على امتداد مسار رعاية الأمراض غير المعدية بأكمله، لا أن تقتصر على علاج النوبات الحادة. فعلى مقدّمي الرعاية الأولية أن يقدّموا الرعاية الوقائية بتشجيع السلوكيات الصحية ومعالجة عوامل الخطر مبكراً. كما يؤدي النظام الصحي دوراً محورياً في الفحص والكشف المبكر، فيساعد على اكتشاف حالات كالسرطان وأمراض الكلى المزمنة قبل تفاقمها. وبعد التشخيص، تغدو الإدارة طويلة الأمد المتمحورة حول المريض في الرعاية الأولية أمراً أساسياً، من خلال الإنتاج المشترك للصحة وتنسيق الرعاية.
الوقاية الأولية: يؤدي مقدّمو الرعاية الأولية دوراً حاسماً في تشجيع أنماط الحياة الصحية، غير أن هذه الإمكانات كثيراً ما تبقى غير مستغلة. فمن بين من بلغوا الخامسة والأربعين فأكثر وزاروا عيادات الرعاية الأولية، يتلقى أقل من ثلث من يشربون الكحول يومياً إرشاداً بشأن استهلاكه، ولا يتلقى نصيحة الإقلاع إلا نحو نصف المدخنين يومياً.
الفحص والتشخيص المبكر: تُعدّ برامج الفحص السكاني أساسية للكشف المبكر عن السرطان، غير أن الإقبال عليها يتفاوت تفاوتاً كبيراً. ففي عام 2023، لم تخضع لفحص سرطان الثدي سوى 57% من النساء المؤهلات في دول المنظمة، وتراوحت التغطية بين 15% في اليونان و83% في السويد. ويمكن للرعاية الأولية أن تؤدي دوراً رئيسياً في تقديم الفحص وزيادة الإقبال عليه، وفي الفحص للكشف عن مضاعفات الأمراض غير المعدية، وذلك عبر التذكيرات والتدريب وعمليات تدقيق الجودة.
وفي حين رسخت برامج الفحص الشامل، أي فحص جميع البالغين الأصحاء الذين لا تظهر عليهم أعراض، لأنواع معينة من السرطان في معظم دول المنظمة، فإن الفحص على مستوى السكان للأمراض غير المعدية الأخرى أقل شيوعاً. ومع ذلك، توصي دول كثيرة بفحص موجّه للأمراض غير المعدية لدى الأفراد المعرضين لخطر مرتفع.
إدارة الأمراض المتمحورة حول المريض: كثيراً ما تتطلب الأمراض غير المعدية إدارة منسقة لحالات متعددة ومشاركة فاعلة من المريض، مما يزيد الحاجة إلى نظم صحية متكاملة ومتمحورة حول الإنسان. غير أن نتائج استبيانات المؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى تُظهر أن الطريق لا يزال طويلاً أمام بناء نظم صحية متمحورة حول الإنسان. ففي المتوسط، منح المرضى الذين بلغوا الخامسة والأربعين فأكثر وزاروا مقدّم الرعاية الأولية تجربتهم في تنسيق الرعاية 8.2 درجة من أصل 15، حيث تعكس الدرجة 15 تجربة مثالية في تنسيق الرعاية من منظور المرضى، بينما انخفضت هذه الدرجة في بعض الدول المشاركة إلى 5 درجات. وكان التفاوت أكبر في مدى جاهزية عيادات الرعاية الأولية لتنسيق الرعاية وتبادل السجلات الطبية إلكترونياً، إذ تراوح بين انعدام الجاهزية في جميع العيادات المشاركة في الاستبيان في إحدى الدول وتوافرها في جميعها في دولة أخرى. وفي المتوسط، أفاد 63% من المرضى في دول المنظمة و62% في الاتحاد الأوروبي بأنهم يتلقون دعماً كافياً لإدارة صحتهم بأنفسهم، وتلقى 56% من المرضى في دول المنظمة و46% في الاتحاد الأوروبي العلاج في عيادات مهيأة جيداً لتنسيق الرعاية، في حين تلقى 57% في دول المنظمة و39% في الاتحاد الأوروبي العلاج في عيادات قادرة على تبادل السجلات الطبية إلكترونياً.
ومن العناصر الرئيسية الأخرى لإدارة الأمراض غير المعدية المتمحورة حول المريض المراجعةُ المنتظمة للأدوية. فبمراجعة خطط العلاج بانتظام، يستطيع مقدّمو الرعاية الأولية إيقاف الأدوية غير الضرورية، وتبسيط الأنظمة الدوائية، والتأكد من أن الوصفات قائمة على الأدلة ومكيّفة مع الحالة الصحية المتغيرة للمريض. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لدى المصابين بأمراض غير معدية متعددة، الذين كثيراً ما يتناولون عدداً كبيراً من الأدوية المختلفة في آن واحد.
ملاحظة حول تعريف السمنة
السمنة مرض مزمن ومتكرر الانتكاس، ينشأ عن محركات بيولوجية وسلوكية وبيئية معقدة، وهي في الوقت ذاته عامل خطر رئيسي لطيف واسع من الأمراض غير المعدية. وتُعرَّف السمنة في هذه الدراسة بأنها بلوغ مؤشر كتلة الجسم 30 فأكثر، انسجاماً مع الأهداف المعتمدة دولياً في مجال الأمراض غير المعدية. غير أن زيادة الوزن، أي مؤشر كتلة جسم يبلغ 25 فأكثر ويقل عن 30، تنطوي هي الأخرى على مخاطر صحية. وتشمل السمنة بوصفها عامل خطر في هذه الدراسة أثرَ النشاط البدني والنظام الغذائي في مؤشر كتلة الجسم، ولذلك لا يعكس أثر قلة النشاط البدني والنظام الغذائي في الأمراض غير المعدية أثرهما في مؤشر كتلة الجسم، إذ إنه محتسب ضمن السمنة.
