الفصل الثالث: الأمراض غير المعدية تقلل جودة الحياة والإنتاجية والنمو الاقتصادي
الأمراض غير المعدية هي السبب الرئيسي للوفاة في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، وتفرض عبئاً كبيراً يتجاوز الوفيات بكثير. فهي تقلل جودة الحياة، وتسبب إعاقات طويلة الأمد، وتشكّل ضغطاً متواصلاً على النظم الصحية بما تتطلبه من علاج ورعاية مستمرين. ولها كذلك عواقب اجتماعية واقتصادية واسعة، إذ تسهم في الوفيات المبكرة وتدهور الصحة النفسية واتساع أوجه عدم المساواة، بما في ذلك فجوات واضحة بين الجنسين ترتبط بتفاوت التعرض لعوامل الخطر. كما تُضعف هذه الأمراض أسواق العمل بتقليص التوظيف وساعات العمل والإنتاجية عبر التغيب عن العمل والحضور المنقوص والتقاعد المبكر، فتقيّد بذلك النمو الاقتصادي. والأثر التراكمي في الإنفاق الصحي والناتج الاقتصادي كبير، مما يؤكد أن الأمراض غير المعدية ليست تحدياً للصحة العامة فحسب، بل تحدٍّ اقتصادي كبير أيضاً. ولذلك ينبغي النظر إلى العمل المستدام والفعال للوقاية من هذه الأمراض وتحسين إدارتها بوصفه استثماراً في رفاه السكان والأداء الاقتصادي ومرونة النظم الصحية.
باختصار
الأمراض غير المعدية هي السبب الرئيسي للوفاة في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، إذ تقف وراء ست إلى سبع وفيات من كل عشر. غير أن أثرها يتجاوز الوفيات بكثير؛ فهي أمراض مزمنة تقلل جودة الحياة، وتسبب إعاقات طويلة الأمد، وترفع الإنفاق الصحي، وتُضعف الإنتاجية الاقتصادية. ومن الضروري لصانعي السياسات أن يفهموا هذه العواقب الاجتماعية والاقتصادية الأوسع حتى يتمكنوا من تسويغ الاستثمار المستدام في الوقاية والإدارة. فالوقاية من الأمراض غير المعدية ليست أولوية للصحة العامة فحسب، بل هي أيضاً استراتيجية اقتصادية قادرة على تحقيق عوائد كبيرة من خلال سكان أوفر صحة، واقتصادات أقوى، ونظم صحية أكثر مرونة.
والأمراض غير المعدية سبب رئيسي للوفيات المبكرة، التي تُعرَّف بأنها الوفيات قبل سن الخامسة والسبعين. وتقف الأمراض القابلة للتأثر بتدخلات الصحة العامة التي يغطيها نموذج SPHeP NCDs وراء 44% من الوفيات المبكرة في دول المنظمة و46% في الاتحاد الأوروبي، ويستأثر السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية معاً بنحو 40% منها.
ويثقل هذا العبء كاهل الرجال أكثر، إذ ينخرطون بدرجة أكبر في سلوكيات خطرة كالتدخين والاستهلاك الضار للكحول، وهم أكثر عرضة لزيادة الوزن. ففي دول المنظمة، يبلغ معدل الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية لدى الرجال 162 وفاة لكل 100 ألف نسمة، وهو أعلى بنسبة 77% من المعدل لدى النساء البالغ 92 وفاة لكل 100 ألف نسمة. وفي الاتحاد الأوروبي، يكاد معدل الوفيات المبكرة الناجمة عن هذه الأمراض لدى الرجال يبلغ ضعف نظيره لدى النساء.
وإلى جانب المرض البدني، تُلحق الأمراض غير المعدية ضرراً كبيراً بالصحة النفسية. إذ يُظهر تحليل المنظمة أن المصابين بهذه الأمراض أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بدرجة كبيرة، حتى بعد احتساب عوامل كالعمر والدخل ونمط الحياة. ويرتفع الخطر ارتفاعاً حاداً مع تعدد الأمراض المزمنة؛ فالمصابون بمرض واحد يزيد احتمال إصابتهم بالاكتئاب بنسبة 21%، ويرفع المرضان الخطر بنسبة 42%، وثلاثة أمراض أو أكثر ترفعه بنسبة 50%.
كما تفرض الأمراض غير المعدية عبئاً مالياً ثقيلاً ومستمراً على النظم الصحية، لأنها حالات طويلة الأمد تتطلب علاجاً وإدارة متواصلين. ولو لم تكن هناك أمراض غير معدية، لانخفض الإنفاق الصحي خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة بنحو 40%، أي ما يعادل 2.2 تريليون دولار بتعادل القوة الشرائية سنوياً في دول المنظمة، و561 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية في الاتحاد الأوروبي. ويعادل هذا الإنفاق الإجمالي تقريباً كامل الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا.
وتخفض الأمراض غير المعدية معدلات التوظيف وساعات العمل والإنتاجية عبر التغيب عن العمل والحضور المنقوص والتقاعد المبكر. وعند تجميع هذه الآثار، تخسر القوى العاملة في دول المنظمة فعلياً ناتج 18 مليون عامل بدوام كامل بسبب هذه الأمراض، في حين يخسر الاتحاد الأوروبي ما يعادل 5 ملايين عامل.
وتُضعف الوفيات المبكرة وتراجع التوظيف وانخفاض الإنتاجية جميعها النمو الاقتصادي. وإجمالاً، لو لم تكن هناك أمراض غير معدية لارتفع الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنحو 4% في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050. وتستأثر كل مجموعة من مجموعات الأمراض الأربع الرئيسية، أي أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطانات وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة والسكري، بنحو ربع هذه الخسارة الاقتصادية الإجمالية.
الأمراض غير المعدية هي السبب الرئيسي للوفيات في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي. ففي عام 2023، كانت أكثر من ست وفيات من كل عشر في دول المنظمة ناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية أو السرطان أو السكري أو مرض الانسداد الرئوي المزمن، وقرابة سبع من كل عشر في الاتحاد الأوروبي. غير أن عبء هذه الأمراض يتجاوز الوفيات بكثير، فهي تسبب إعاقات طويلة الأمد، وتقلل جودة الحياة، وترفع تكاليف الرعاية الصحية، وتخفض الإنتاجية الاقتصادية.
ومن الضروري لصانعي السياسات أن يفهموا الأثر الاقتصادي والمجتمعي الأوسع لهذه الأمراض حتى يتمكنوا من بناء الحجة لصالح استثمار مستدام في الوقاية منها وعلاجها. فبتقدير التكاليف الاقتصادية والاجتماعية وتكاليف الرفاه تقديراً كمياً، يستطيع صانعو السياسات أن يبرهنوا على أن الوقاية ليست ضرورة صحية فحسب، بل استثمار سليم أيضاً؛ إذ يمكن للتدابير الفعالة لمواجهة الأمراض غير المعدية أن تحقق عوائد كبيرة تتمثل في سكان أوفر صحة، واقتصادات أقوى، ونظم صحية أكثر مرونة.
الأمراض غير المعدية تقلل جودة الحياة وتسبب الاكتئاب والوفاة المبكرة
الأمراض غير المعدية سبب رئيسي للوفيات المبكرة، التي تُعرَّف بأنها الوفيات قبل سن الخامسة والسبعين. والوفيات المبكرة لا تقلّص متوسط العمر المتوقع فحسب، بل تُلقي أيضاً بأعباء نفسية ومالية كبيرة على الأسر والمجتمعات. ويُقدَّر أن الأمراض الأربعة التي يغطيها نموذج SPHeP NCDs مسؤولة عن 44% من الوفيات المبكرة في دول المنظمة و46% في الاتحاد الأوروبي، ويستأثر السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية وحدها بنحو 40% منها. ويزداد هذا العبء ثقلاً لدى الرجال. وعند احتساب جميع أنواع السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، كانت الأمراض الأربعة مسؤولة عن 62% من مجموع الوفيات المبكرة في دول المنظمة عام 2023، و70% في الاتحاد الأوروبي.
الرجال يتحملون عبئاً غير متناسب من الأمراض غير المعدية
إلى جانب العوامل البيولوجية، تختلف ملامح الخطر لدى الرجال والنساء بسبب الاختلاف في السلوكيات. إذ يميل الرجال عموماً أكثر إلى الانخراط في سلوكيات خطرة كالتدخين والاستهلاك الضار للكحول، وهم أكثر عرضة لزيادة الوزن. وعلى الرغم من أن النساء أكثر ميلاً إلى عدم ممارسة النشاط البدني الكافي، فإن الفارق بينهن وبين الرجال صغير نسبياً.
ونتيجة لذلك، يتحمل الرجال عبئاً من الأمراض غير المعدية أعلى مما تتحمله النساء. فمعدل الوفيات المبكرة الناجمة عن هذه الأمراض لدى الرجال في دول المنظمة يبلغ 162 وفاة لكل 100 ألف نسمة، وهو أعلى بنسبة 77% من المعدل لدى النساء البالغ 92 وفاة لكل 100 ألف نسمة. ويتكرر هذا الاتجاه في جميع الدول تقريباً، والاستثناء الوحيد هو بيرو. وفي الاتحاد الأوروبي، يكاد معدل الوفيات المبكرة الناجمة عن هذه الأمراض لدى الرجال يبلغ ضعف نظيره لدى النساء، مع بعض التفاوت بحسب المرض؛ فالوفيات المبكرة لدى الرجال تزيد بنحو 40% على النساء في حالة السرطان، وبنسبة 71% في حالة السكري.
وتسهم الأمراض غير المعدية كذلك في تدهور الصحة النفسية وتقليل جودة الحياة عموماً. إذ يُظهر تحليل أجرته المنظمة لبيانات مسح الصحة والشيخوخة والتقاعد في أوروبا أن المصابين بهذه الأمراض كانوا أكثر عرضة للإصابة لاحقاً بالاكتئاب مقارنة بغير المصابين، حتى بعد ضبط العوامل المربكة كالعمر والجنس والوضع الاجتماعي والاقتصادي والدولة وحالة التدخين وتكرار استهلاك الكحول. ويرتفع خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 15% لدى المصابين بالسرطان أو السكري، و17% لدى المصابين بقصور القلب، و21% لدى من تعرضوا لسكتة دماغية، و25% لدى المصابين بأمراض الرئة المزمنة. كما تُظهر البيانات أن الخطر يزداد بازدياد عدد الأمراض؛ فبينما يرتفع خطر الاكتئاب بنسبة 21% لدى المصابين بمرض واحد، يرتفع بنسبة 42% لدى المصابين بمرضين، وبنسبة 50% لدى المصابين بثلاثة أمراض أو أكثر. ويُقدَّر أن وجود الأمراض غير المعدية يسهم في مئات الآلاف من حالات الاكتئاب في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي كل عام.
وثمة عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية عديدة يمكن أن تفسر علاقة سببية محتملة بين الأمراض غير المعدية والاكتئاب. فعلى الصعيدين النفسي والاجتماعي، ثبت ارتباط الاكتئاب بفقدان الإحساس بالذات، والعزلة الاجتماعية الناجمة عن الإرهاق ونقص الطاقة اللذين يدفعان إلى التخلي عن الأنشطة المعتادة، والقيود على الحركة وعلى أنشطة الحياة اليومية، والألم المزمن. ويسهم كذلك الخوف وعدم اليقين إزاء الطبيعة غير القابلة للشفاء وغير المتوقعة لبعض هذه الأمراض، وتصورات المرضى عن أمراضهم وعن قدرتهم على إدارتها ذاتياً. أما بيولوجياً، فقد يكون للتنكس العصبي المرتبط ببعض هذه الأمراض، وللآثار الجانبية للعلاجات، دور في ذلك. ومن المعقول أيضاً وجود علاقة عكسية، يرفع فيها الاكتئاب خطر الإصابة بالأمراض غير المعدية، كأن يُضعف الدافع لممارسة الرياضة.
الأمراض غير المعدية ترفع الإنفاق الصحي وتقلل إنتاجية القوى العاملة وتُضعف النمو الاقتصادي
تفرض الأمراض غير المعدية عبئاً مستمراً ومتنامياً على النظم الصحية، لأنها في معظمها حالات مزمنة تتطلب إدارة طويلة الأمد لا علاجاً قصير الأجل. فتكاليف الأدوية المستمرة، والمتابعة المنتظمة، والرعاية الاستشفائية للمضاعفات، والحاجة إلى خدمات متخصصة كعلاج الأورام أو غسيل الكلى، كلها ترفع الإنفاق الصحي.
ولو لم تكن هناك أمراض غير معدية، لانخفض الإنفاق الصحي بنسبة 41% خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، و40% في الاتحاد الأوروبي. ويبلغ مجموع ذلك 2.2 تريليون دولار بتعادل القوة الشرائية سنوياً في دول المنظمة، و561 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعادل كامل الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا. وعلى الرغم من أن علاج السرطان مكلف على مستوى الحالة الواحدة، فإن الإنفاق الصحي على أمراض القلب والأوعية الدموية أكبر، بسبب انتشارها الواسع وانخفاض معدل الوفيات الناجمة عنها، مما يعني أن المصابين بها يعيشون مع المرض فترات أطول ويحتاجون إلى رعاية مستمرة.
ومن خلال تأثيرها في حجم القوى العاملة والبطالة والعمل بدوام جزئي والتغيب عن العمل والحضور المنقوص والتقاعد المبكر، تقلّص الأمراض غير المعدية مشاركة الدولة في القوى العاملة وإنتاجيتها. وقد أظهر تحليل المنظمة أن احتمال التوظيف لدى الرجال والنساء المصابين بالسكري أقل بنسبة 10% و12% على التوالي مقارنة بغير المصابين، بعد ضبط العوامل المربكة. ويعمل الرجال والنساء المصابون بالسرطان والملتحقون بعمل ما متوسطه 92% و81% على التوالي من الدوام الكامل، مقارنة بنسبة 95% و83% لدى الرجال والنساء الذين لا يعانون من أي مرض غير معدٍ. أما فيما يتعلق بالتغيب عن العمل، فتزيد نسبة غياب النساء المصابات بأمراض الرئة المزمنة من ساعات عملهن المعتادة بمقدار 2.4% مقارنة بغير المصابات، ويزيد تغيب الرجال المصابين بأمراض القلب بمقدار 3.2% مقارنة بغير المصابين.
وبجمع هذه الآثار، يخسر ناتج القوى العاملة في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي ما يعادل 18 مليون و5 ملايين عامل بدوام كامل على التوالي بسبب الأمراض غير المعدية، ويعود ذلك في المقام الأول إلى تقلص عدد العاملين.
وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، تُضعف الآثار المجتمعة للوفيات المبكرة وتراجع الإنتاجية النمو الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي. ويُقدَّر أن الناتج المحلي الإجمالي السنوي سيكون أدنى بنحو 4% في المتوسط في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي بسبب عواقب الأمراض غير المعدية. ولكل من الأمراض الأربعة أثر كبير في الناتج المحلي الإجمالي، إذ يستأثر كل منها بنحو ربع هذا الأثر.
