القائمة الرئيسية

الفوائد الصحية والاقتصادية لمعالجة الأمراض غير المعدية (5/5)

الفوائد الصحية والاقتصادية لمعالجة الأمراض غير المعدية (5/5)
ملخص الدراسة

لمواجهة الأمراض غير المعدية بفعالية، يتطلب الأمر نهجًا متكاملًا يرتكز على ثلاث ركائز مترابطة: تمكين الأفراد، وتهيئة بيئات داعمة، وبناء نظم صحية مستجيبة. يتضمن تمكين الأفراد تزويدهم بالمعرفة والدافع والمهارات اللازمة لاتخاذ خيارات صحية مستدامة، متجاوزًا مجرد تقديم المعلومات. فيما تهدف تهيئة البيئات الداعمة إلى جعل الخيارات الصحية هي الأسهل والأكثر توفرًا ويسرًا، من خلال سياسات تعالج العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتجارية التي تؤثر في السلوكيات. وتضطلع النظم الصحية، لا سيما الرعاية الأولية، بدور حاسم في مسار الأمراض غير المعدية بأكمله، من الوقاية والكشف المبكر إلى الإدارة المتمحورة حول الإنسان ورعاية المرضى على المدى الطويل. هذه الركائز تعمل معًا بشكل تآزري لتحقيق فوائد صحية واقتصادية ومجتمعية دائمة، مع التأكيد على ضرورة تكييف السياسات لتناسب الأولويات والظروف المحلية لكل دولة.

الفصل الخامس: العمل الفعال لمواجهة الأمراض غير المعدية يتطلب نهجاً متكاملاً يشمل الأفراد والبيئات والنظم الصحية

يتطلب العمل الفعال لمواجهة الأمراض غير المعدية مزيجاً من السياسات مصمماً بما يعكس ملامح عوامل الخطر والأولويات الصحية في كل دولة. ومع ذلك، تقوم الاستراتيجيات الناجحة لمواجهة هذه الأمراض على ثلاث ركائز مترابطة: تمكين الأفراد، وتهيئة بيئات داعمة، وبناء نظم صحية مستجيبة. ولا يتوقف التمكين على توفير المعلومات فحسب، بل يعتمد أيضاً على تعزيز الدافع والمهارات العملية التي تتيح تغييراً مستداماً في السلوك. وفي الوقت ذاته، تشكّل البيئات الخيارات الصحية تشكيلاً قوياً، ولذلك لا غنى عن سياسات تجعل الخيارات الصحية متاحة وميسورة الكلفة وجذابة. ويتعين على النظم الصحية، ولا سيما الرعاية الأولية، أن تعمل على امتداد مسار الأمراض غير المعدية بأكمله، من الوقاية والكشف المبكر إلى الإدارة طويلة الأمد. ومن شأن تعزيز الفحص والإرشاد والرعاية المتمحورة حول الإنسان أن يحسّن النتائج تحسيناً كبيراً. وتشكّل هذه الركائز الثلاث معاً إطاراً متماسكاً لاستراتيجيات متكاملة وعالية الأثر لمواجهة هذه الأمراض، تحقق فوائد صحية واقتصادية ومجتمعية دائمة.

باختصار

تتطلب مواجهة الأمراض غير المعدية مزيجاً من السياسات مصمماً بما يعكس الأولويات الصحية لكل دولة وتوزع عوامل الخطر بين سكانها. وعلى الرغم من اختلاف مواضع التركيز، تشترك جميع الاستراتيجيات الناجحة في ثلاث ركائز مترابطة: تمكين الأفراد، وتهيئة بيئات داعمة، وبناء نظم صحية مستجيبة.

الأفراد الممكَّنون: يتوقف التقدم المستدام في مكافحة الأمراض غير المعدية على امتلاك الأفراد المعرفة والدافع والمهارات اللازمة لاتخاذ خيارات صحية أفضل. فالمعلومات الميسّرة تساعد الناس على فهم مخاطر السلوكيات غير الصحية، أو الفائدة المحتملة من المشاركة في الفحص. غير أن الوعي وحده لا يكفي؛ إذ يؤكد نموذج المعلومات والدافع والمهارات السلوكية أن التثقيف الصحي الفعال لا يقتصر على تقديم المعلومات، بل ينبغي أن يعزز الدافع ويعلّم المهارات العملية. ولذلك ينبغي لصانعي السياسات أن يصمموا مبادرات للمعلومات الصحية تجمع بين الحقائق والتحفيز والتوجيه القابل للتطبيق، وأن تُقدَّم عبر قنوات متنوعة ومنصفة.

البيئات الداعمة: تؤثر البيئات تأثيراً كبيراً في التعرض لعوامل خطر الأمراض غير المعدية. فحتى الأفراد المتحمسون يجدون صعوبة في اتخاذ خيارات صحية حين يواجهون بيئات تشجع السلوك غير الصحي. ولخفض هذه الأمراض، يتعين على صانعي السياسات تصميم بيئات تجعل الخيار الصحي هو الخيار الأسهل والأيسر منالاً والأقل كلفة، ومعالجة أثر العوامل الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والتجارية والسوقية. ويمكن للدول أن تستفيد من التجارب الدولية، غير أن عليها تكييف التدخلات مع السياقات الثقافية والسياسية والاقتصادية المحلية لضمان جدواها وقبولها.

وتنطوي كثير من السياسات البيئية الرامية إلى تعزيز السلوكيات الصحية على عنصر من التثقيف والمعلومات. وقد أظهرت تحليلات سابقة للمنظمة أن السياسات البيئية والمعلوماتية تتمتع بنسبة ممتازة بين الفائدة والتكلفة، فمعظمها يعود بفوائد اقتصادية تفوق تكلفة تنفيذها، وبعضها يعود بأكثر من خمسة دولارات مقابل كل دولار مستثمر. كما تُستخدم السياسات التنظيمية والسعرية على نطاق واسع للتأثير في السلوكيات الصحية، بتثبيط استخدام المنتجات الضارة وتشجيع خيارات سوقية أكثر صحة. وتشير الأدلة إلى أن المقاربات متعددة المحاور، المصممة وفق سياق كل دولة، تحقق أكبر أثر وأفضل قيمة بالجمع بين تدخلات تعمل معاً على معالجة المحددات الصحية المعقدة.

النظم الصحية المستجيبة: يتعين على النظم الصحية، ولا سيما الرعاية الأولية، أن تنخرط في مسار الأمراض غير المعدية بأكمله: الوقاية، والكشف المبكر، والإدارة طويلة الأمد. فمقدّمو الرعاية الأولية مصادر موثوقة للمشورة، ويؤدون دوراً رئيسياً في إرشاد المرضى بشأن السلوكيات الصحية. غير أن الفرص كثيراً ما تضيع؛ إذ يفيد أقل من نصف البالغين فوق الخامسة والأربعين بأنهم تلقوا نصائح بشأن النشاط البدني، ولا يتلقى سوى الثلث توجيهات بشأن الأكل الصحي.

ويُعدّ الفحص والتشخيص المبكر من المكونات الأساسية للنظم الصحية المستجيبة. فالرعاية الأولية تدعم برامج فحص السرطان بإجراء الفحوص وإحالة المرضى وتحفيزهم على المشاركة. غير أن الإقبال لا يزال متفاوتاً؛ ففي دول المنظمة، خضعت نحو 57% من النساء المؤهلات لفحص سرطان الثدي أو سرطان عنق الرحم عام 2023، ولم يخضع لفحص سرطان القولون سوى 46% من المؤهلين. وتزيد الرسائل أو التذكيرات الصادرة عن الأطباء العامين معدلات الفحص زيادة ملحوظة. كما يُعدّ الفحص حاسماً للكشف عن المضاعفات، كأمراض الكلى المزمنة لدى مرضى السكري، مما يتيح التدخل المبكر ويحسّن النتائج.

وتتطلب الرعاية الفعالة للأمراض غير المعدية مقاربات متمحورة حول الإنسان تعامل المرضى بوصفهم شركاء في إدارة صحتهم. وتُظهر الأدلة المستمدة من استبيانات المنظمة للمؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى تقدماً، لكنها تكشف أيضاً عن فجوات؛ ففي المتوسط منح المرضى تجربتهم في تنسيق الرعاية 8.2 درجة من أصل 15، بينما انخفضت هذه الدرجة في بعض الدول المشاركة إلى 5 درجات. وكان التفاوت أكبر في مدى جاهزية عيادات الرعاية الأولية لتنسيق الرعاية وتبادل السجلات الطبية إلكترونياً، إذ تراوح بين انعدام الجاهزية في جميع العيادات المشاركة في إحدى الدول وتوافرها في جميعها في دولة أخرى.

تتطلب مواجهة الأمراض غير المعدية مزيجاً من السياسات مصمماً بما يعكس الأولويات الصحية لكل دولة وتوزع عوامل الخطر بين سكانها. فقد تقرر بعض الدول مثلاً الاستثمار بكثافة في خفض انتشار التدخين، بينما تفضّل دول أخرى التركيز على زيادة الإقبال على فحص السرطان. وعلى الرغم من اختلاف الأولويات، ثمة ثلاثة اعتبارات أساسية في السياسات تستند إليها جميع الاستراتيجيات الناجحة لمواجهة هذه الأمراض، هي: تمكين الأفراد عبر المعلومات والتثقيف، وتهيئة بيئات تدعم الخيارات الصحية، وبناء نظم صحية مستجيبة تقدّم الوقاية من الأمراض غير المعدية ورعايتها.

ويعزز بعض هذه الركائز الثلاث بعضها الآخر. فتمكين الأفراد بالمعلومات والتثقيف أمر بالغ الأهمية، لكن أثره يتضاعف حين تجعل البيئة المحيطة بالناس الخيارات الصحية أيسر وأقل كلفة وأسهل منالاً. وفي الوقت ذاته، قد يحتاج حتى أكثر الأفراد اطلاعاً وحماساً إلى دعم نظام صحي مستجيب يكشف المشكلات مبكراً ويمنع المضاعفات. وتؤدي الرعاية الأولية بدورها دوراً حاسماً في تزويد الأفراد بالمعلومات والتثقيف. وتشكّل هذه الركائز معاً أساساً شاملاً للوقاية المستدامة من الأمراض غير المعدية ومكافحتها.

خطة شاملة لخفض عبء أمراض القلب والأوعية الدموية في الاتحاد الأوروبي

يواجه الاتحاد الأوروبي، شأنه شأن مناطق كثيرة أخرى، عبئاً كبيراً ومتنامياً من أمراض القلب والأوعية الدموية. فهذه الأمراض مسؤولة بالفعل عن 17% من جميع الوفيات المبكرة، ويُتوقع أن يرتفع هذا العبء ارتفاعاً حاداً في العقود المقبلة. ففي الفترة بين عامي 2026 و2050، يُتوقع أن تؤدي شيخوخة السكان وحدها إلى زيادة العدد السنوي للحالات الجديدة من هذه الأمراض بنسبة 43%. وحتى مع ثبات حجم السكان، يُتوقع أن ترتفع النفقات الصحية المرتبطة بها بأكثر من 75%.

ولذلك باتت أمراض القلب والأوعية الدموية محوراً رئيسياً في الاستراتيجية الصحية للاتحاد الأوروبي، الرامية إلى تحسين الصحة العامة وتعزيز النمو الاقتصادي. ففي ديسمبر 2024، اعتمد وزراء الصحة في دول الاتحاد السبع والعشرين استنتاجات المجلس بشأن تحسين صحة القلب والأوعية الدموية في الاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى التزام سياسي قوي بمواجهة هذه الأمراض. ودعا المجلس إلى تكثيف الجهود في مجالات الوقاية والكشف المبكر والعلاج وإعادة التأهيل، ومن أبرز الأولويات التي حددها:

التدابير الوقائية: تعزيز الثقافة الصحية، ورفع الوعي بصحة القلب والأوعية الدموية، وتثبيط السلوكيات الضارة كالتدخين والاستهلاك الضار للكحول والأنظمة الغذائية غير الصحية.

الوصول المنصف وتدريب القوى العاملة: ضمان المساواة في الوصول إلى رعاية القلب والأوعية الدموية، ودمج الفحص في الفحوص الصحية الروتينية، وتعزيز تدريب المهنيين الصحيين.

العمل المنسق والشامل: تكامل الجهود الرامية إلى معالجة جميع الجوانب الرئيسية لصحة القلب والأوعية الدموية، بدءاً من تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض، مروراً بالفحص والكشف المبكر والعلاج وإعادة التأهيل، وصولاً إلى النهوض بالبحث والابتكار.

وفيما يتعلق بالوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، ينبغي أن تكون معالجة معدلات السمنة أولوية كبرى. فبينما تحسنت عوامل الخطر الأخرى منذ عام 2010، ارتفعت معدلات السمنة، وسيؤدي هذا الارتفاع إلى قرابة 200 ألف حالة إضافية من هذه الأمراض كل عام بين عامي 2026 و2050.

ومن شأن مواءمة معدلات السمنة مع الربع الأعلى في أنحاء الاتحاد الأوروبي أن تمنع قرابة 500 ألف حالة من أمراض القلب والأوعية الدموية سنوياً بين عامي 2026 و2050، و30 ألف وفاة مبكرة سنوياً. كما ستوفر 24 مليار دولار بتعادل القوة الشرائية سنوياً من الإنفاق على الرعاية الصحية، وترفع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من نصف نقطة مئوية. ويمثل ذلك أكثر من 40% من الأثر الكلي الممكن لتحسين عوامل الخطر، في حين يستأثر كل من النظام الغذائي وتلوث الهواء والتدخين بما يتراوح بين 15% و17%.

غير أن تحسين الوصول إلى رعاية أمراض القلب والأوعية الدموية وجودة هذه الرعاية أمر حيوي أيضاً. ففي قرابة نصف دول الاتحاد الأوروبي، يندرج تحسين معدل البقاء بعد الإصابة بهذه الأمراض ضمن الإجراءات الثلاثة ذات الأولوية القصوى لخفض الوفيات المبكرة. وعلى مستوى الاتحاد ككل، من شأن مواءمة معدلات البقاء بعد الإصابة بهذه الأمراض مع الربع الأعلى أن تمنع 35 ألف وفاة مبكرة سنوياً.

تمكين الأفراد عبر المعلومات والتثقيف

يتوقف التقدم الدائم في الوقاية من الأمراض غير المعدية ومكافحتها على امتلاك الأفراد المعرفة والمهارات اللازمة لاتخاذ خيارات صحية أفضل. فالمعلومات الواضحة والدقيقة والميسّرة تمكّن الناس من فهم المخاطر المرتبطة بالتدخين والاستهلاك الضار للكحول والأنظمة الغذائية غير الصحية وقلة النشاط البدني، واتخاذ خطوات للحد منها. وبرفع الوعي بأهمية الفحص المنتظم، يصبح الأفراد أكثر ميلاً إلى المشاركة فيه. كما أن تزويد الناس بالمعرفة اللازمة للتعرف على الأعراض المبكرة يمكّنهم من التصرف في الوقت المناسب، مما يقلل خطر المضاعفات ويحسّن النتائج.

غير أن التثقيف والمعلومات لا ينبغي أن يقتصرا على إخبار الأفراد بالمخاطر التي يواجهونها. فالأفراد أكثر ميلاً إلى التصرف حين لا يكتفون بفهم ما هو على المحك، بل يشعرون أيضاً بالدافع ويمتلكون المهارات اللازمة لتحويل النوايا إلى ممارسة. وهذا هو جوهر نموذج المعلومات والدافع والمهارات السلوكية، الذي وُضع أول مرة لتغيير السلوكيات المرتبطة بخطر الإصابة بالإيدز، واستُخدم منذ ذلك الحين على نطاق واسع في تغيير السلوك الصحي.

وإذا اتخذنا فحص سرطان القولون والمستقيم مثالاً، فإن الأفراد يحتاجون أولاً إلى معلومات عن خطر إصابتهم بالسرطان وعن الأساليب المتاحة للفحص. غير أن المعرفة وحدها لا تكفي؛ فهم يحتاجون أيضاً إلى الدافع، سواء أكان شخصياً، كإدراك قابليتهم للإصابة وتقدير الفائدة المحتملة المنقذة للحياة، أم اجتماعياً، كالتشجيع من الأسرة أو الأقران أو المهنيين الصحيين الموثوقين. وأخيراً، ينبغي أن يمتلك الأفراد المهارات السلوكية اللازمة للتصرف بناءً على هذه المعرفة وهذا الدافع، كمعرفة كيفية استخدام أداة فحص البراز بطريقة صحيحة، أو التعامل مع النظام الصحي لحجز موعد لتنظير القولون.

وكما هو الحال في أي نوع من أنواع تعزيز الصحة، ثمة مستويات متعددة ومتفاعلة من التأثير، تشمل العلاقات بين الأشخاص، والبيئات المؤسسية، والبيئات المجتمعية، والسياسات العامة. وينبغي تعزيز المعلومات والدافع والمهارات السلوكية عبر جميع هذه المستويات المجتمعية. فعلى سبيل المثال، قد يتلقى الفرد معلومات عن فحص السرطان من طبيبه، لكن احتمال إقباله على الفحص يزداد حين يشجعه الأقران والأسرة، وتمنحه جهة عمله إذناً بالتغيب، ويدعم القادة المجتمعيون الفحص، وتقدّم الحملات العامة معلومات عن كيفية استخدام أداة الفحص. فعلى مستوى العلاقات بين الأشخاص، تُتبادل المعلومات داخل الأسرة وبين الأقران والأصدقاء، ويتولد الدافع الاجتماعي من الأعراف والتشجيع والقدوات، وتُمارَس السلوكيات مع الأقران كالتمارين الجماعية. وعلى مستوى المؤسسات، يأتي التثقيف الصحي في المدارس والتواصل الصحي في أماكن العمل، وثقافة مؤسسية ترسّخ الأعراف الصحية، وورش العمل والدروس التطبيقية. وعلى مستوى المجتمعات المحلية، تبرز الحملات والفعاليات ذات الصلة بالسياق المحلي والإذاعات المجتمعية، والتحفيز عبر الصدى الثقافي والقادة المجتمعيين والجماعات الدينية، والممارسة الجماعية كمجموعات المشي ونوادي الطهي المجتمعية. أما على مستوى السياسات العامة، فتأتي حملات وسائل الإعلام الجماهيرية والمناهج الوطنية والإرشادات، والحملات التي تشجع العمل الجماعي كحملة "شهر بلا تبغ" وحملة "موفمبر"، والمعلومات المتاحة عبر الإنترنت حول استخدام أدوات الفحص، وإدراج مهارات الطهي في المناهج الوطنية.

ويعني ذلك بالنسبة إلى صانعي السياسات أن حملات المعلومات الصحية ينبغي ألا تُصمَّم لنقل الحقائق فحسب، بل لبناء الدافع وتقديم توجيهات قابلة للتطبيق أيضاً. وفضلاً عن ذلك، ولكي تحقق هذه الرسائل أثراً واسعاً ومنصفاً، ينبغي أن تُقدَّم عبر قنوات متعددة تغطي مختلف مستويات المجتمع. ويمكن لهذا النهج الشامل في تمكين الأفراد من تحسين صحتهم ورفاههم أن يكون فعالاً جداً من حيث التكلفة.

حملة "شهر بلا تبغ" في فرنسا

تقدّم حملة "شهر بلا تبغ"، التي أُطلقت في فرنسا عام 2016، مثالاً قوياً على مبادرة للمعلومات الصحية تعمل على مستويات متعددة من المجتمع، وتعالج المعلومات والدافع والمهارات معاً.

على مستوى العلاقات بين الأشخاص: تشجع الحملة المشاركين على التسجيل مع أصدقائهم أو أفراد أسرهم أو زملائهم، فتنشئ شبكات دعم اجتماعي تعزز الدافع.

على مستوى المؤسسات: تُحشد الصيدليات ومقدّمو الرعاية الصحية وأصحاب العمل لتوزيع المواد التوعوية وتقديم المشورة للمشاركين وجعل الإقلاع عن التدخين أمراً مألوفاً في البيئات اليومية.

على مستوى المجتمع المحلي: تنظم الفعاليات المحلية والوكالات الصحية الإقليمية والمنظمات المجتمعية ورش عمل ومجموعات دعم وأنشطة تواصل، ولا سيما في المناطق التي يرتفع فيها انتشار التدخين.

على مستوى السياسات العامة: تنسق وزارة الصحة وهيئة الصحة العامة الفرنسية حملات إعلامية وطنية، وتموّل الموارد، وتواءم المبادرة مع التشريعات الأوسع لمكافحة التبغ. ولتحفيز المشاركين، تتيح حاسبة إلكترونية للناس تقدير ما يوفرونه من مال شهرياً وسنوياً. ولبناء المهارات اللازمة، توفر هيئة الصحة العامة الفرنسية حقائب للإقلاع عن التدخين تتضمن برنامجاً مدته أربعون يوماً، ونصائح، ونشرات، ومعلومات عن أدوات الإقلاع.

وقد خلص تحليل أجرته المنظمة لبرنامج "شهر بلا تبغ" في فرنسا إلى أنه فعال جداً من حيث التكلفة. إذ يُقدَّر أن البرنامج يوفر 94 مليون يورو سنوياً من الإنفاق الصحي، مقارنة بتكلفة تشغيل تبلغ 12.5 مليون يورو، أي إنه يعود بسبعة يوروهات مقابل كل يورو مستثمر.

تهيئة بيئات تدعم الخيارات الصحية

شكّل ميثاق أوتاوا لتعزيز الصحة، الذي اعتُمد عام 1986 في المؤتمر الدولي الأول لتعزيز الصحة، نقطة تحول في فهم الصحة وسبل النهوض بها. فحتى ذلك الحين، كانت سياسات الصحة العامة والرعاية الصحية تركز في معظمها تركيزاً ضيقاً على الرعاية الطبية والمسؤولية الفردية. وكان الميثاق من أوائل الوثائق التي نصت بوضوح على أن الصحة تُصنع وتُعاش في بيئات الحياة اليومية: في المدارس وأماكن العمل والمنازل والمجتمعات المحلية.

ولا تزال هذه الرؤية وثيقة الصلة بواقعنا اليوم. فالبيئات اليومية التي يعيش فيها الناس ويعملون ويتعلمون لا تزال تشكّل تعرضهم لعوامل خطر الأمراض غير المعدية. ومع أن المعرفة والدافع الفرديين مهمان، فإنهما لا يكفيان وحدهما حين تدفع العوامل البيئية الناس نحو خيارات غير صحية. ولذلك فإن تهيئة بيئات معززة للصحة أمر أساسي لخفض هذه الأمراض وتحسين الرفاه. ويستطيع صانعو السياسات تهيئة هذه البيئات بجعل الخيار الصحي هو الأسهل والأيسر منالاً، ومعالجة أثر العوامل الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والتجارية والسوقية. ولا تدعم هذه الجهود تغيير السلوك الفردي فحسب، بل تسهم أيضاً في تحويل الأعراف والتوقعات.

الإنصاف والتكامل: تغيير الحياة وسبل العيش عبر القيادة والعمل في مجال الأمراض غير المعدية وتعزيز الصحة النفسية والرفاه

في سبتمبر 2025، وخلال الاجتماع الرابع الرفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الوقاية من الأمراض غير المعدية ومكافحتها وتعزيز الصحة النفسية والرفاه، تفاوضت الدول الأعضاء على إعلان سياسي بعنوان "الإنصاف والتكامل: تغيير الحياة وسبل العيش عبر القيادة والعمل في مجال الأمراض غير المعدية وتعزيز الصحة النفسية والرفاه"، اعتُمد رسمياً في ديسمبر 2025. ويحدد الإعلان غايات عالمية محددة لعام 2030، منها خفض عدد مستخدمي التبغ بمقدار 150 مليون شخص، وزيادة عدد من يخضع ارتفاع ضغط الدم لديهم للسيطرة بمقدار 150 مليون شخص، وزيادة عدد من يحصلون على رعاية الصحة النفسية بمقدار 150 مليون شخص.

ويعترف الإعلان صراحة بأن الأمراض غير المعدية وحالات الصحة النفسية لا تتشكل بفعل السلوك الفردي وحده، بل بفعل عوامل اجتماعية واقتصادية وبيئية أوسع. ولذلك يدعو إلى عمل متعدد القطاعات لتهيئة بيئات معززة للصحة تجعل الخيارات الصحية أيسر وتقلل التعرض للمخاطر الضارة. كما يقرّ بقيمة تنفيذ تدخلات "أفضل الخيارات" القائمة على الأدلة التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية.

ولما كانت الصحة تتشكل بفعل الطيف الكامل من البيئات الاجتماعية والاقتصادية والمادية التي يعيش فيها الناس حياتهم اليومية، فإن سبل تحسين البيئات من أجل صحة أفضل تكاد تكون بلا حدود. فكل قرار يتعلق بالنظم الغذائية والنقل والإسكان والتعليم والتوظيف، بل حتى بالفضاءات الرقمية، قادر على التأثير في عوامل خطر الأمراض غير المعدية. ويمكن للدول أن تستخلص دروساً قيّمة من التجارب الدولية، وأن تتعلم من السياسات التي أثبتت فعاليتها في أماكن أخرى. غير أنه لا يوجد نموذج واحد صالح للتطبيق في كل مكان، إذ يتعين على كل دولة أن تكيّف هذه المقاربات مع سياقها الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، بما يضمن أن تكون التدخلات مجدية ومقبولة ومتسقة مع الأولويات المحلية.

مبادرة المنظمة لأفضل الممارسات في الصحة العامة

تدعم مبادرة المنظمة لأفضل الممارسات في الصحة العامة الدولَ في تحديد التدخلات الأفضل والواعدة وتنفيذها فيما يخص عوامل خطر الأمراض غير المعدية الرئيسية، كالتدخين والاستهلاك الضار للكحول والسمنة وقلة النشاط البدني. ويشمل ذلك تدخلات في مجال الرعاية المتكاملة، تركز على كيفية تعاون المرضى والمهنيين الصحيين لتقديم رعاية عالية الجودة تتسق مع تفضيلات المرضى وقيمهم، وتدخلات تعزز الأكل الصحي وأنماط الحياة النشطة، وسياسات التخطيط الحضري الرامية إلى زيادة النشاط البدني، وتدخلات تعالج السلوكيات الإدمانية كالتدخين والاستهلاك الضار للكحول.

ومن الأمثلة على المبادرات الرامية إلى تهيئة بيئة معززة للصحة مشروع "الشباب بوزن صحي" في هولندا. وهو برنامج مجتمعي يستهدف الأطفال والشباب دون التاسعة عشرة، ويعيد تشكيل البيئة لتعزيز أنماط الحياة الصحية، مع التركيز على معالجة الوزن الزائد والسمنة.

إذ تشارك أكثر من 500 مدرسة تضم قرابة 52 ألف طفل في مبادرة "الميل اليومي"، التي تشجع الأطفال على الحركة مدة خمس عشرة دقيقة يومياً خلال ساعات الدوام المدرسي، أي ما يعادل المشي مسافة ميل واحد.

واعتمدت نحو 750 مدرسة مقاصف صحية بموجب اتفاقية التغذية الصحية في المدارس، كاستبدال الوجبات الخفيفة المصنوعة من العجين المورّق بشطائر من القمح الكامل.

وانضمت أكثر من 1200 شركة ومنظمة إلى مبادرة مكان العمل الصحي، التي تشجع الشركات على تنفيذ مبادرات كالمقاصف الصحية ومرافق تعزز وسائل التنقل النشطة. وقد صُمم هذا النشاط للشباب في سن الثامنة عشرة والتاسعة عشرة الذين قد يلتحقون بالعمل مباشرة بعد المدرسة.

وتُظهر تحليلات المنظمة أن توسيع نطاق هذا المشروع في جميع أنحاء هولندا بحلول عام 2050 يُتوقع أن يضيف أكثر من 95 ألف سنة من العمر و13089 سنة من العمر المعدّلة حسب الإعاقة. ويُتوقع أن يكون المشروع فعالاً من حيث التكلفة وموفراً لها في معظم دول المنظمة ودول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، مع وفورات مقدرة في الإنفاق الصحي تبلغ 51.94 يورو للفرد في هولندا بحلول عام 2050، ووفورات تعادل 0.06% من إجمالي الإنفاق الصحي سنوياً عند نقله إلى جميع دول المنظمة والاتحاد الأوروبي.

ويتطلب تلوث الهواء على وجه الخصوص تركيزاً على تهيئة بيئة أوفر صحة. فثمة إجراءات يمكن للأفراد اتخاذها، كالحد من استخدام وسائل النقل الآلية، وترشيد استخدام الطاقة، وتقليل الأنشطة الخارجية في أيام ارتفاع التلوث، غير أن أكبر المكاسب تتحقق على المستوى الوطني. ويتوقف ذلك على المشاركة الفاعلة لقطاعات رئيسية أخرى، منها الطاقة والنقل والتخطيط الحضري. فتحويل نظم الطاقة نحو مصادر أنظف، وإعادة تصميم المدن للحد من الاعتماد على وسائل النقل الملوِّثة، ودمج البنية التحتية الخضراء في التخطيط الحضري، كلها إجراءات قادرة على خفض التعرض للملوثات الضارة خفضاً كبيراً. وبالجمع بين هذه القطاعات، تستطيع الحكومات معالجة الأسباب الجذرية لتلوث الهواء.

العمل المشترك بين القطاعات لتحسين جودة الهواء

كلّف المكتب البيئي الأوروبي بإجراء دراسة لاستكشاف مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على تحقيق معايير جودة الهواء الجديدة بحلول عام 2030 من خلال تنفيذ عشر سياسات في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل. وقد تبيّن أن التدابير المتخذة في قطاعي الطاقة والنقل أدت معاً إلى انخفاض كبير في مستويات الجسيمات الدقيقة، التي تمثّل محور اهتمام هذا التقرير فيما يخص تلوث الهواء. ومن هذه التدابير: تعزيز إدخال مصادر الطاقة المتجددة غير القائمة على الاحتراق، وحظر التدفئة بالوقود الأحفوري الصلب، وتحسين كفاءة الطاقة، وزيادة دعم التنقل النشط، وإنشاء مناطق منخفضة الانبعاثات أو معدومة الانبعاثات لحركة المرور، وإقامة مناطق كاملة لمراقبة الانبعاثات في جميع البحار الأوروبية، واستحداث مناطق منخفضة الانبعاثات للآلات المتنقلة غير المخصصة للطرق.

ويمكن للتصميم الحضري أيضاً أن يسهم في خفض تلوث الهواء وزيادة النشاط البدني في آن واحد. فعلى سبيل المثال، يُدخل نموذج "المربعات الكبرى" في برشلونة تغييرات وظيفية وهيكلية على الشوارع والتخطيط العمراني لجعل المدينة أكثر تمحوراً حول الإنسان وأقل اعتماداً على المركبات الآلية.

وتنطوي كثير من السياسات البيئية الرامية إلى تعزيز السلوكيات الصحية على عنصر من التثقيف والمعلومات. فوسم قوائم الطعام، على سبيل المثال، يقدّم معلومات غذائية عند نقطة الشراء، مما يساعد المستهلكين على اتخاذ خيارات غذائية أكثر وعياً. وكثيراً ما تجمع التدخلات في أماكن العمل والمدارس بين التثقيف بشأن السلوكيات الصحية وإجراء تغييرات في البيئة المدرسية أو بيئة العمل، كزيادة توافر الوجبات الصحية وتوسيع فرص ممارسة الرياضة. كما تحدّ القيود التنظيمية على الإعلان عن الأغذية، ولا سيما تلك الموجهة إلى الأطفال، من التعرض للتسويق المقنع للمنتجات غير الصحية، فتسهم في تشكيل بيئة معلوماتية أكثر صحة.

وقد أظهرت تحليلات سابقة للمنظمة أن السياسات البيئية والمعلوماتية تتمتع بنسبة ممتازة بين الفائدة والتكلفة. فمعظم هذه السياسات يعود بفوائد اقتصادية تفوق تكلفة تنفيذها، وبعضها يعود بأكثر من خمسة دولارات مقابل كل دولار مستثمر. غير أن السياسات التي لا تغطي تكلفتها كاملة بما تحققه من فوائد اقتصادية ينبغي أن تظل موضع اعتبار لما لها من آثار صحية.

وإلى جانب التدابير البيئية والمعلوماتية، تُستخدم السياسات التنظيمية والسعرية على نطاق واسع أيضاً لتعزيز السلوكيات الصحية على مستوى السكان. إذ تُظهر تحليلات المنظمة والأدلة الدولية على نحو متسق أن تدخلات من قبيل الضرائب على منتجات التبغ، وتحديد حد أدنى لسعر الوحدة من الكحول للتصدي للمنتجات الكحولية الرخيصة التي يستهلكها بصورة غير متناسبة ذوو أنماط الشرب الإشكالية، وتقييد تسويق المنتجات غير الصحية للأطفال، هي من أكثر أدوات السياسات فعالية من حيث التكلفة المتاحة للحكومات. وحين تُصمَّم هذه السياسات تصميماً جيداً، فإنها لا تكتفي بتثبيط استهلاك المنتجات الضارة، بل قد تسهم أيضاً في توجيه حوافز السوق نحو بدائل أكثر صحة. فعلى سبيل المثال، صمّمت المملكة المتحدة ضريبتها على المشروبات المحلاة بالسكر على نحو يشجع المصنّعين على إعادة تركيب منتجاتهم، مما أدى إلى انخفاض متوسط قدره 47% في محتوى السكر في المشروبات الغازية الخاضعة للضريبة بين عامي 2015 و2024. غير أن هذا النوع من السياسات ينطوي أيضاً على أعلى درجة من التدخل في الخيارات الفردية.

وتُظهر أعمال سابقة للمنظمة في مجال تعزيز أنماط الحياة الصحية أن المقاربات متعددة المحاور تحقق باستمرار أثراً أكبر وقيمة أفضل مقابل المال. فسواء أكانت التدابير تهدف إلى توعية الأفراد، أم زيادة توافر الخيارات الصحية، أم تنظيم التعرض لعوامل الخطر، أم رفع أسعار المنتجات غير الصحية، فمن غير المرجح أن يعالج أي تدبير منفرد بشكل شامل العوامل المعقدة التي تشكّل الصحة، بل قد يفضي في بعض الحالات إلى عواقب غير مقصودة أو إلى مفاضلات بين الأطراف المعنية. وتخلص تحليلات المنظمة إلى أن الجمع بين التدخلات في حزم وقائية شاملة يعظّم أوجه التآزر بين مكونات السياسات، فيحقق أكبر أثر في صحة السكان وعوائد ممتازة على الاستثمار. وفي نهاية المطاف، يعود لكل دولة أن تحدد المزيج الأنسب من السياسات بناءً على سياقها وأولوياتها وقدراتها المؤسسية.

بناء نظم صحية مستجيبة

ينبغي أن تنخرط النظم الصحية، والرعاية الأولية على وجه الخصوص، على امتداد مسار رعاية الأمراض غير المعدية بأكمله، لا أن تقتصر على علاج النوبات الحادة. فعلى مقدّمي الرعاية الأولية أن يقدّموا الرعاية الوقائية بتشجيع السلوكيات الصحية ومعالجة عوامل الخطر مبكراً. كما يؤدي النظام الصحي دوراً محورياً في الفحص والكشف المبكر، فيساعد على اكتشاف حالات كالسرطان وأمراض الكلى المزمنة قبل تفاقمها. وبعد التشخيص، تغدو الإدارة طويلة الأمد المتمحورة حول المريض في الرعاية الأولية أمراً أساسياً، من خلال الإنتاج المشترك للصحة وتنسيق الرعاية.

الوقاية الأولية

يحتل أطباء الرعاية الأولية، بوصفهم نقاط اتصال موثوقة ومنتظمة، موقعاً مثالياً لتقديم توجيهات شخصية بشأن خيارات نمط الحياة الصحي. فالأطباء مصادر موثوقة للمعلومات الصحية؛ إذ يثق الناس بطبيبهم أكثر مما يثقون بالنظام الصحي ككل، وقد أفاد 78% من المرضى المصابين بحالات صحية مزمنة بأنهم يثقون بآخر مهني صحي راجعوه. بل إن استطلاعاً شمل 28 دولة وجد أن الأطباء يُنظر إليهم بوصفهم أكثر المهن جدارة بالثقة، متقدمين على العلماء والمعلمين وسائر المهن الأخرى. وتعني هذه الثقة أن المرضى أكثر ميلاً إلى الإصغاء لنصائح مهنييهم الصحيين، مما يجعل كل تواصل مع مهني الرعاية الأولية فرصة قيّمة لتعزيز الصحة.

غير أن هذه الفرصة كثيراً ما تضيع. فعلى سبيل المثال، تشير نتائج استبيانات المنظمة للمؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى إلى أن أقل من نصف من بلغوا الخامسة والأربعين فأكثر وزاروا طبيب الرعاية الأولية تلقوا نصائح بشأن النشاط البدني خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. وكان عدد من تلقوا نصائح بشأن الأكل الصحي أقل من ذلك، إذ لم يتجاوز ثلث المشاركين في الاستبيان. ولم يتلقَّ نصائح بشأن الكحول سوى ربع من يشربونه يومياً أو شبه يومي. وكان الإرشاد بشأن التدخين الأكثر شيوعاً في الرعاية الأولية، إذ تلقى ما يزيد قليلاً على نصف المدخنين نصائح بالإقلاع عنه. وفي جميع مجالات النصائح المتعلقة بنمط الحياة الأربعة، كان المصابون بالأمراض غير المعدية أكثر حظاً في تلقي النصائح من غير المصابين بها. ومع ذلك، يظل هامش التحسن كبيراً حتى بالنسبة إلى المصابين بهذه الأمراض.

الفحص والتشخيص المبكر

تؤدي الرعاية الأولية دوراً حاسماً في الكشف المبكر عن الأمراض غير المعدية ومضاعفاتها. وفيما يخص السرطان، تؤدي برامج الفحص السكاني دوراً محورياً في التشخيص المبكر للمرض، غير أن الإقبال عليها يتفاوت تفاوتاً كبيراً بين الدول، مما يترك مجالاً للتحسن. فعلى سبيل المثال، لم تخضع لفحص سرطان الثدي عام 2023 سوى 57% من النساء المؤهلات في دول المنظمة التي قدّمت بيانات، وتراوحت النسبة بين 15% في اليونان و83% في السويد. وبالمثل، لم تخضع لفحص سرطان عنق الرحم سوى 57% من النساء، وتراوحت النسبة بين 4% في كوستاريكا و78% في السويد. أما في سرطان القولون فالإقبال أدنى من ذلك، إذ لم يخضع للفحص سوى 46% من السكان المؤهلين، وتراوحت النسبة بين 9% في المجر و74% في فنلندا.

فحص الأمراض غير المعدية لدى الفئات المعرضة لخطر مرتفع

في حين رسخت برامج الفحص الشامل، أي فحص جميع البالغين الأصحاء الذين لا تظهر عليهم أعراض، لأنواع معينة من السرطان في معظم دول المنظمة، فإن الفحص على مستوى السكان للأمراض غير المعدية الأخرى أقل شيوعاً. ومع ذلك، توصي دول كثيرة بفحص موجّه للأمراض غير المعدية لدى الأفراد المعرضين لخطر مرتفع.

فمعظم دول المنظمة لا توصي بالفحص الشامل لداء السكري من النوع الثاني، إذ تُعدّ الأدلة على فائدته ضعيفة أو غير كافية عموماً. غير أن دولاً كثيرة لديها إرشادات لفحص السكري لدى من لديهم عوامل خطر معروفة، كالتقدم في السن، أو السمنة، أو وجود تاريخ عائلي للإصابة بالسكري، أو الانتماء إلى أصول عرقية معينة، أو عوامل معينة تتعلق بنمط الحياة. فعلى سبيل المثال، توصي إرشادات الرعاية الأولية في هولندا بإخضاع من تجاوزوا الخامسة والأربعين ولديهم عامل خطر آخر لفحص انتهازي لسكر الدم حين يزورون طبيبهم.

وفيما يخص مرض الانسداد الرئوي المزمن، ينصبّ التركيز عادةً على البحث عن الحالات، أي فحص من تظهر عليهم أعراض، بدلاً من الفحص الشامل، أي فحص من لا تظهر عليهم أعراض. فعلى سبيل المثال، توصي فرنسا بإجراء اختبار قياس التنفس لجميع المرضى الذين تجاوزوا الأربعين ولديهم أحد الأعراض وعامل خطر، ولا سيما التدخين والتعرض المهني.

ويركز فحص أمراض القلب والأوعية الدموية أيضاً في المقام الأول على الأفراد المعرضين لخطر أعلى. إذ توصي الجمعية الأوروبية لأمراض القلب بإجراء تقييم منهجي لخطر الإصابة بهذه الأمراض لدى الأفراد الذين لديهم أي عامل خطر وعائي رئيسي، كوجود تاريخ عائلي للإصابة المبكرة بأمراض القلب والأوعية الدموية، أو فرط كوليسترول الدم العائلي، أو عوامل خطر كالتدخين وارتفاع ضغط الدم الشرياني وداء السكري وارتفاع مستوى الدهون والسمنة، أو أمراض مصاحبة ترفع خطر الإصابة.

ومن المهم الإشارة إلى أن فحص الأمراض غير المعدية مجال متطور، يتأثر بتحولات أنماط الأمراض الخاصة بكل دولة، وسن ظهورها، والتقدم في الكشف المبكر والعلاج. غير أن فحص السرطان يظل في الوقت الراهن الشكل الأكثر استناداً إلى الأدلة والأكثر ترويجاً على نحو منهجي بين أشكال فحص الأمراض غير المعدية على مستوى السكان.

ويمكن للرعاية الأولية أن تؤدي دوراً حيوياً في تحسين الإقبال على فحص السرطان. فمن بين 26 دولة أجابت عن استبيان المنظمة لعام 2023 حول سياسات أداء رعاية السرطان، أفادت 15 دولة بأنها تعتمد اعتماداً كبيراً على مقدّمي الرعاية الصحية الأولية في تنفيذ أنشطة فحص سرطان عنق الرحم، و12 دولة في فحص سرطان القولون والمستقيم. وفي حالة سرطان عنق الرحم، كثيراً ما يجري الفحص ذاته في مرافق الرعاية الأولية، في حين يشارك في فحص سرطان القولون والمستقيم الأخصائيون أو المستشفيات أو الأطباء العامون، بحسب الدولة.

وإلى جانب إجراء الفحص، يمكن للرعاية الأولية أن تسهم أيضاً في زيادة الإقبال عليه بتشجيع المرضى وتذكيرهم بمواعيده. فقد ثبت أن الرسائل التي يوجهها الأطباء العامون لتشجيع المشاركة في الفحص تزيد الإقبال عليه، وكذلك رسائل التذكير التي يرسلونها، والتواصل الهاتفي، وجلسات المعلومات الصحية الجماعية في عيادات الأطباء العامين.

ويؤدي النظام الصحي أيضاً دوراً رئيسياً في فحص مضاعفات الأمراض غير المعدية. فعلى سبيل المثال، يُعدّ داء السكري سبباً رئيسياً لأمراض الكلى المزمنة على مستوى العالم، ويعاني نحو نصف مرضى السكري من مرض كلوي مزمن. ومن دون علاج مناسب، قد يتطور المرض الكلوي المزمن إلى مرض كلوي في مرحلته النهائية، وهي حالة قد تهدد الحياة وقد تستلزم غسيل الكلى أو زراعة كلية. ويمكن لفحص البروتين في البول، أي البيلة الألبومينية، أن يساعد على كشف المراحل المبكرة لاختلال وظائف الكلى لدى مرضى السكري، مما يتيح تدخلاً مبكراً يؤخر نشوء المرض الكلوي المزمن أو يمنعه. وثمة وسائل متعددة لتشجيع فحص المضاعفات في الرعاية الأولية، كإدراج التذكيرات في السجل الطبي الإلكتروني للمريض، وتدريب الأطباء، وعمليات تدقيق مراقبة الجودة.

إدارة الأمراض المتمحورة حول الإنسان

ظل وضع الإنسان في صميم رعايته أولوية للنظم الصحية في العقود الأخيرة، لكنه يكتسب أهمية خاصة في مواجهة الأمراض غير المعدية. فهذه الأمراض كثيراً ما تتطلب إدارة حالات متعددة في آن واحد، مما يجعل الرعاية النمطية الخاصة بكل مرض على حدة غير كافية. وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما تعتمد إدارة هذه الأمراض على المشاركة الفاعلة للمريض؛ إذ يحتاج المرضى إلى مراقبة صحتهم بأنفسهم، كقياس ضغط الدم أو مستوى سكر الدم، وإدارة أدوية متعددة والالتزام بها، وتبنّي تغييرات في نمط الحياة والمحافظة عليها، كالأكل الصحي وزيادة النشاط البدني، والتعرف على العلامات التحذيرية التي تستدعي عناية طبية.

وتستطيع النظم الصحية تقديم إدارة للأمراض متمحورة حول الإنسان من خلال خطط رعاية شخصية، ومراجعات للأدوية، وإرشاد، وأدوات رقمية، وتواصل مستمر يساعد المرضى على الشعور بالجاهزية والثقة. وحين يُشرك المرضى بوصفهم شركاء على هذا النحو، يصبحون أقدر على إدارة حالاتهم وتحسين النتائج والمحافظة على جودة حياتهم، في حين يستفيد النظام الصحي من رعاية أكثر كفاءة وتنسيقاً واستدامة.

وتُظهر نتائج استبيانات المؤشرات التي يبلّغ عنها المرضى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام بناء نظم صحية متمحورة حول الإنسان. فمن بين من بلغوا الخامسة والأربعين فأكثر وزاروا مقدّم الرعاية الأولية، أفاد نحو ثلاثة من كل خمسة بأنهم يتلقون دعماً كافياً لإدارة صحتهم ذاتياً، غير أن هذه النسبة انخفضت في بعض الدول المشاركة إلى اثنين من كل خمسة. وفي المتوسط، منح المرضى تجربتهم في تنسيق الرعاية 8.2 درجة من أصل 15، حيث تعكس الدرجة 15 تجربة مثالية في تنسيق الرعاية من منظور المرضى، بينما انخفضت هذه الدرجة في بعض الدول المشاركة إلى 5 درجات. وكان التفاوت أكبر في مدى جاهزية عيادات الرعاية الأولية لتنسيق الرعاية وتبادل السجلات الطبية إلكترونياً، إذ تراوح بين انعدام الجاهزية في جميع العيادات المشاركة في إحدى الدول وتوافرها في جميعها في دولة أخرى.

ومن العناصر الرئيسية الأخرى لإدارة الأمراض غير المعدية المتمحورة حول المريض المراجعةُ المنتظمة للأدوية. فبمراجعة خطط العلاج بانتظام، يستطيع مقدّمو الرعاية الأولية إيقاف الأدوية غير الضرورية، وتبسيط الأنظمة الدوائية، والتأكد من أن الوصفات قائمة على الأدلة ومكيّفة مع الحالة الصحية المتغيرة للمريض. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لدى المصابين بأمراض غير معدية متعددة، الذين كثيراً ما يتناولون عدداً كبيراً من الأدوية المختلفة في آن واحد.

سلامة الأدوية

قد يكون نحو واحد من كل عشرة حالات دخول إلى المستشفيات في دول المنظمة ناجماً عن حدث مرتبط بالأدوية، ويتعرض ما يصل إلى 20% من المرضى المنومين لأضرار مرتبطة بالأدوية خلال إقامتهم في المستشفى، وتبلغ التكلفة المجتمعة لذلك أكثر من 54 مليار دولار في دول المنظمة.

وإلى جانب الأضرار المرتبطة بالأدوية، يتلقى قرابة نصف المرضى وصفات لأدوية لا تلبي احتياجاتهم السريرية، بسبب جرعة أو مدة غير مناسبة، أو دواء غير ملائم، أو دواء يُعطى في حين قد يكون تدخل بديل مساوياً له في الفعالية أو أكثر فعالية. بل إن نصف الأدوية لا تُتناول بالطريقة الصحيحة، مما يرفع تكاليف المستشفيات ويفاقم نتائج المرضى.

وتكتسب سلامة الأدوية أهمية خاصة لدى المصابين بالأمراض غير المعدية، لأنهم يميلون إلى تعدد الأدوية ويدخلون المستشفيات أكثر من غيرهم. فكل زيارة للمستشفى تحمل احتمال تغيير قائمة أدوية المريض، وقد سُجّل في أستراليا ما يصل إلى خطأين لكل مريض في توثيق الأدوية في ملخصات الخروج من المستشفى. وفضلاً عن ذلك، يواجه المصابون ببعض الأمراض غير المعدية كالسكري خطراً متزايداً لنشوء أمراض الكلى المزمنة وتفاقمها، مما قد يزيد احتمال الضرر مع تغير متطلبات الجرعات، نظراً لأن كثيراً من الأدوية تُطرح عبر الكليتين. ولذلك تُعدّ المراجعة المنتظمة للأدوية مهمة للحد من هذه الأضرار، ولا سيما في مراحل الانتقال، كالانتقال من المستشفى إلى المنزل.

وثمة آليات عديدة لتعزيز الوصف الملائم للأدوية، منها الإرشادات السريرية، والابتكارات الرقمية، ومراجعة استخدام الأدوية، وآليات التدقيق والتغذية الراجعة. وتُعدّ البنية التحتية للمعلومات الصحية عنصراً أساسياً لتحسين سلامة الأدوية، إذ تنطوي الابتكارات الرقمية، كنظم إعطاء الأدوية والوصفات الإلكترونية، إلى جانب تحسين البنية التحتية للبيانات، كقدرات السجلات الصحية الإلكترونية والترميز الشريطي والرقابة اللاحقة للتسويق، على إمكانات كبيرة لتحسين سلامة الأدوية.

الملحق الأول: مقارنة بيانات المنظمة ومنظمة الصحة العالمية بشأن عوامل الخطر

تدخين التبغ

تجمع المنظمة بيانات عن نسبة السكان الذين يدخنون يومياً، في حين تقدّم منظمة الصحة العالمية بيانات عن نسبة المدخنين الحاليين. وعلى الرغم من هذا الاختلاف في المؤشر، تتوافق البيانات إلى حد كبير. واللافت أن المدخنين غير اليوميين، أي من يدخنون بين حين وآخر، أكثر عدداً بين النساء منهم بين الرجال.

استهلاك الكحول

ثمة طرق مختلفة لقياس استهلاك الكحول في أي دولة. إذ تتضمن قاعدة بيانات النظام العالمي للمعلومات بشأن الكحول والصحة التابعة لمنظمة الصحة العالمية بيانات عن الاستهلاك المسجل والاستهلاك الإجمالي معاً. ولا يأخذ الاستهلاك المسجل في الحسبان إلا الاستهلاك المدوّن في الإحصاءات الوطنية المستمدة من بيانات الإنتاج والاستيراد والتصدير والمبيعات، وغالباً عبر الضرائب، ويُعبَّر عنه بلترات الكحول الصافي لكل شخص بلغ الخامسة عشرة فأكثر. أما الاستهلاك الإجمالي فيشمل أيضاً الكحول غير المسجل وغير الخاضع للضريبة، ويطرح منه كمية الكحول التي يستهلكها السياح.

وتقدّم المنظمة كذلك في إحصاءاتها الصحية بيانات عن استهلاك الكحول المسجل. وتُستخدم في بعض الدول بيانات قاعدة المعلومات العالمية لمنظمة الصحة العالمية، بينما تزوّد حكومات دول أخرى المنظمة بالبيانات مباشرة. وفي دول مختارة، قد تختلف الإحصاءات الصحية عن البيانات الواردة في هذا التقرير لأنها لا تتعلق إلا باستهلاك الكحول المسجل.

السمنة

تعتمد منظمة الصحة العالمية في تقديراتها للسمنة على بيانات شبكة التعاون بشأن عوامل خطر الأمراض غير المعدية، وهي تقديرات محسوبة تستند إلى بيانات مقيسة لمؤشر كتلة الجسم، وتستخدم نموذجاً هرمياً بايزياً لتقدير الاتجاهات. وتجمع المنظمة كذلك لإحصاءاتها الصحية بيانات عن انتشار زيادة الوزن والسمنة، مستمدة من المسوح الوطنية، ولا تُعرض إلا للسنوات المتاحة، مع التمييز بين التقديرات المقيسة والتقديرات المبلّغ عنها ذاتياً. وعادةً ما تكون تقديرات مؤشر كتلة الجسم القائمة على البيانات المبلّغ عنها ذاتياً أدنى وأقل موثوقية من تلك القائمة على البيانات المقيسة. ويتوافق انتشار السمنة القائم على البيانات المقيسة إلى حد كبير بين بيانات المنظمة وبيانات منظمة الصحة العالمية.

الملحق الثاني: نموذج المنظمة للتخطيط الاستراتيجي للصحة العامة في مجال الأمراض غير المعدية

نموذج المنظمة للتخطيط الاستراتيجي للصحة العامة في مجال الأمراض غير المعدية أداة متقدمة لنمذجة النظم، تُستخدم في رسم سياسات الصحة العامة والتخطيط الاستراتيجي، ويُستعان به في التنبؤ بالنتائج الصحية والاقتصادية لسكان دولة ما حتى عام 2050. ويحلل النموذج مجموعة شاملة من عوامل الخطر الرئيسية، كالسمنة واستهلاك الكحول والتدخين والنظام الغذائي وتلوث الهواء والنشاط البدني، وما يرتبط بها من أمراض غير معدية. ويغطي النموذج 51 دولة، تضم الدول الأعضاء في المنظمة، ودول مجموعة العشرين، ودول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، والدول المرشحة لعضوية المنظمة، ومجموعة مختارة من الدول الشريكة.

ويستخدم النموذج لكل دولة من الدول الإحدى والخمسين الخصائص الديموغرافية وخصائص عوامل الخطر للفئات السكانية بحسب العمر والجنس، مستمدةً من قواعد بيانات دولية. وتُستخدم هذه المدخلات لتوليد مجتمعات سكانية اصطناعية، يُسند فيها إلى كل فرد خصائص ديموغرافية وملف خاص بعوامل الخطر. وتُوزَّع عوامل الخطر توزيعاً مستقلاً، ولا تُنمذج أي عوامل وسيطة بين عوامل الخطر والأمراض. واستناداً إلى هذه الخصائص، يواجه الفرد في كل عام خطراً محدداً للإصابة بمرض ما، وتستند هذه المخاطر النسبية إلى دراسة العبء العالمي للأمراض وغيرها من المصادر. وتجدر الإشارة إلى أن النموذج يستخدم التوقعات السكانية لتعديل حجم السكان في الدول وملامحهم الديموغرافية مستقبلاً، لكنه يحافظ على المعدلات الحالية لعوامل الخطر بحسب العمر والجنس. وبعبارة أخرى، لا يتنبأ النموذج بأي اتجاهات مستقبلية في انتشار عوامل الخطر، سوى تلك الناجمة عن التغيرات الديموغرافية.

ويمكن الحصول لكل عام تشمله النمذجة على تمثيل مقطعي للسكان، يُستعان به في حساب مؤشرات الحالة الصحية، كمتوسط العمر المتوقع وانتشار الأمراض والوفيات وسنوات العمر المعدّلة حسب الإعاقة. كما تشكّل الملامح المرضية والديموغرافية للسكان الأساس الذي تقوم عليه مخرجات تكاليف الرعاية الصحية وسوق العمل وسائر مخرجات الرفاه. وتُترجَم آثار التغيرات الديموغرافية والمشاركة في القوى العاملة والإنتاجية إلى تغير في الناتج المحلي الإجمالي باستخدام دالة الإنتاج كوب دوغلاس، بما يتسق مع نموذج التنبؤ الاقتصادي طويل الأجل للمنظمة ومع نماذج راسخة أخرى طويلة الأجل، مثل نموذج النمو طويل الأجل للبنك الدولي.

ولتقدير عبء الأمراض غير المعدية، يُنمذج سيناريو افتراضي تُجعل فيه معدلات الإصابة بهذه الأمراض صفراً قبل سن الخامسة والسبعين. ولفهم التقدم المحرز في عوامل الخطر خلال السنوات الأخيرة، قورنت مستويات عوامل الخطر المتحققة عام 2022 بسيناريو افتراضي تظل فيه عوامل الخطر عند مستواها المسجل عام 2010.

وتُسقَط هذه السيناريوهات على المستقبل لرصد أثر مستوى عامل الخطر المعني في الأمراض غير المعدية، وهو أثر يستغرق وقتاً ليتجلى؛ فزيادة الوزن مثلاً لا تسبب أمراض القلب على الفور، لكنها قد تسببها بعد نحو عشر سنوات. وتُقاس الآثار خلال الفترة من 2026 إلى 2050، مع إبقاء معدلات عوامل الخطر ومعدلات البقاء ثابتة عند مستوى عام 2010 أو عام 2022 طوال الفترة المنمذجة. ويأخذ النموذج في الحسبان شيخوخة السكان، وقد صُمم التحليل على نحو يتجنب أي استنتاجات مضللة ناجمة عن التغير الديموغرافي.

ولفهم إمكانات التحسن، تُواءَم معدلات انتشار عوامل خطر الأمراض غير المعدية ومعدلات البقاء بعد الإصابة بها مع معدلات أفضل 25% المرصودة في دول المنظمة، لكل فئة عمرية ولكل جنس. وبدلاً من الاعتماد على غايات دولية محددة سلفاً قد تكون قابلة للتحقيق أو لا تكون، يبيّن هذا النهج ما حققته بعض الدول فعلاً، ومن ثَمّ يمكن أن يكون هدفاً واقعياً لغيرها.

ولما كان النموذج يتضمن بيانات عن عوامل الخطر أكثر تفصيلاً من المؤشرات الرئيسية التي تُنشر عادةً، فقد تبدو النتائج في بعض الحالات مخالفة للتوقعات. فعلى سبيل المثال، في حين كثيراً ما تتناول التقارير انتشار السمنة، أي مؤشر كتلة جسم يبلغ 30 فأكثر، يتضمن النموذج أيضاً معلومات عن انتشار السمنة المفرطة، أي مؤشر كتلة جسم يبلغ 40 فأكثر. وتنطوي هذه الفئة على خطر أعلى للإصابة بالأمراض مقارنة بمؤشر كتلة جسم يتراوح بين 30 و40. ويعني ذلك أنه حتى لو لم تشهد دولة ما أي تغير في معدل السمنة الإجمالي، فإن معدلات الإصابة بالأمراض قد ترتفع مع ذلك إذا ازدادت السمنة المفرطة.

وتركز التحليلات الواردة في هذه الدراسة على ستة عوامل خطر رئيسية، هي التدخين واستهلاك الكحول والسمنة وقلة النشاط البدني والنظام الغذائي وتلوث الهواء، وعلى أربعة أمراض غير معدية رئيسية، هي السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض الانسداد الرئوي المزمن والسكري. ويشمل النظام الغذائي الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات واللحوم المصنعة واللحوم الحمراء والمشروبات المحلاة بالسكر والصوديوم. وتشمل أمراض القلب والأوعية الدموية مرض القلب الإقفاري واحتشاء عضلة القلب، والسكتة الدماغية الإقفارية والنزفية، والرجفان الأذيني. ومن المهم الإشارة إلى أن التغيرات في عوامل الخطر ستؤثر أيضاً في أمراض غير معدية أخرى، ولذلك فإن الأثر المقدَّر في هذا التقرير أدنى من الأثر الكلي الفعلي.

المصدر 

دراسة ذات صلة