القائمة الرئيسية

تقرير المشهد المتغير للمهارات في عصر الذكاء الاصطناعي

تقرير المشهد المتغير للمهارات في عصر الذكاء الاصطناعي
ملخص الدراسة

يُبرز هذا التقرير الأثر العميق للذكاء الاصطناعي على أسواق العمل، مشيراً إلى تحوّل كبير في الطلب على المهارات. فقد ازداد الطلب على المهارات المعرفية العليا كالتفكير النقدي وحل المشكلات، مع تحول المهام البشرية نحو الإشراف والتقييم. كما تبرز أهمية المهارات الرقمية المتقدمة والإلمام بالذكاء الاصطناعي (تقنياً، تحليلياً، وأخلاقياً) كمهارة تأسيسية أساسية لجميع العاملين والمواطنين. وفي المقابل، تتعاظم قيمة المهارات الاجتماعية العاطفية والقدرات البشرية الفريدة كالإبداع والحكم الأخلاقي والتكيف، التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاتها. بينما تُؤتمت المهام اليدوية الروتينية، تظل المهارات اليدوية الدقيقة للتعامل مع المهام غير المنظمة حكراً على البشر. ينشأ طلب جديد ومتزايد على المهارات التقنية المتخصصة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وصيانتها. ولمواجهة هذه التحولات، يدعو التقرير إلى تكييف نظم التعليم والتدريب والمعايير المهنية لدمج الإلمام بالذكاء الاصطناعي وتنمية القدرات الإنسانية الأوسع، مؤكداً أن هذه التغيرات تتأثر بشكل كبير بممارسات أصحاب العمل والسياسات العامة، وليست مجرد نتيجة حتمية للتقدم التكنولوجي.

شكر وتقدير

جاء هذا التقرير ثمرةً لتعاون مشترك بين المؤسسة الأوروبية للتدريب وسيديفوب ويوروفاوند والمفوضية الأوروبية ومنظمة العمل الدولية واليونسكو، وهي الجهات الأعضاء في الفريق العامل الأول المعني بعدم تطابق المهارات في أسواق العمل الرقمية، المنبثق عن فريق العمل المشترك بين الوكالات للتعليم والتدريب التقني والمهني. وقد تولّت المؤسسة الأوروبية للتدريب رئاسة الفريق العامل خلال الفترة الممتدة من عام 2024 إلى عام 2026، ونظّمت ورشة عمل حول أثر الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل والطلب على المهارات، عُقدت يومي 14 و15 مايو 2025 في مدينة تورينو الإيطالية.

وأشرفت المؤسسة الأوروبية للتدريب على إعداد التقرير وإتمامه نيابةً عن الفريق العامل الأول، حيث تولّت أُمّوهان بارداك تنسيق العمل وقيادة عملية الصياغة. وقدّمت المؤسسات الأعضاء إسهاماتها ومدخلاتها المستندة إلى أعمالها في مجال الذكاء الاصطناعي والمهارات، إذ شارك من سيديفوب رالف هيبه وكونستانتينوس بولياكاس، ومن يوروفاوند ماتيو سوستيرو، ومن المفوضية الأوروبية ميلينا تاسيوفاسيليس ومايكل هورغان، ومن منظمة العمل الدولية تاكاكي كيزو وبولورما تومورشودور كلوك وأولغا ستريتسكا إيلينا وخوان إيفان مارتين لاتايكس، ومن اليونسكو رامون إيريارتي ووينهوي تشانغ.

وخضع التقرير لمراجعة أعضاء الفريق العامل الأول، إلى جانب فريق من خبراء المؤسسة الأوروبية للتدريب هم كريستينا ميريوتا وميريلا غافوتشي وإيوان كريستينيل رايليانو، فضلاً عن زملاء آخرين من المؤسسات الأعضاء، وتولّت دينيس لوغران تحريره. وتتقدّم المؤسسة الأوروبية للتدريب بالشكر إلى جميع المساهمين الذين كان لإسهاماتهم أثر حاسم في تشكيل التقرير في صورته النهائية.

الملخص التنفيذي

باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية قادرة على تنفيذ كثير من المهام التي ظلّت حكراً على البشر في السابق، بما في ذلك الأعمال الذهنية الروتينية وغير الروتينية على حدّ سواء. ويؤدي التوسّع في اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل إلى تغيير الطريقة التي يوظّف بها الأفراد قدراتهم المعرفية والاجتماعية العاطفية والبدنية في أداء المهام عبر طيف واسع من المهن، وهو تحوّل يعيد تشكيل تنوّع المهارات المطلوبة من العاملين وعمقها.

تزايد الطلب على المهارات المعرفية

تُبرز الدراسات تنامي الطلب على المهارات المعرفية نتيجةً لاعتماد الذكاء الاصطناعي، ولا سيما تلك المرتبطة بالقدرات التحليلية العليا والتفكير النقدي وحلّ المشكلات. فعمق القدرات المعرفية المتوقعة من العاملين آخذ في الازدياد والتنوّع، وكثيراً ما يفضي ذلك إلى تحوّل في البنية المهنية نحو أدوار تتطلب مهارات متقدمة. ومن المرجّح أن يستمر هذا الاتجاه ويمتد إلى نطاق أوسع من الوظائف، خاصةً إذا تركّزت الوظائف المستحدثة في الفئات غير الروتينية والمعرفية وما وراء المعرفية.

التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي والإشراف عليه

يعيد انتشار المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي تعريف كيفية استخدام المهارات المعرفية، إذ ينتقل التركيز من الإنتاج الخالص نحو مهام من قبيل المراجعة التحريرية والتقييم. ويرفع هذا التحوّل من أهمية وضع الأمور في سياقها والإشراف وإصدار الأحكام، وهي مهام ما زال البشر حتى الآن أقدر على أدائها. ويتطلب التعاون الفعّال بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أن يوفّر الأفراد التأطير والرقابة والسياق، وهو ما يتعذّر تحقيقه دون خبرة متخصصة راسخة في المجال المعني، إلى جانب إلمام علمي وحاسوبي، حتى لدى العاملين في الأدوار غير التقنية.

ارتفاع جديد في قيمة المهارات الرقمية والأدوار الهجينة

تدفع تقنيات الذكاء الاصطناعي نحو مزيد من الطلب على المهارات الرقمية من حيث تنوّعها وعمقها معاً. فالمهارات الرقمية المتوسطة والمتقدمة باتت ضرورية لدمج أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في عدد من القطاعات والمهن. ويعيد هذا التحوّل تعريف معنى أن يكون العامل كفؤاً رقمياً، كما يوسّع نطاق الأدوار الهجينة التي تجمع بين الخبرة التقليدية والمهارات الحاسوبية ويعمّقها. وتُعدّ المعرفة الرقمية ومعرفة البيانات شرطين مسبقين للتفاعل الفعّال مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.

تعاظم قيمة المهارات الاجتماعية العاطفية

على الرغم من التقدّم الذي أحرزه الذكاء الاصطناعي، فإن هذه التقنية لا تزال عاجزة عن أداء المهام التي تستلزم ذكاءً عاطفياً وتفاعلاً إنسانياً معقداً. ويزيد هذا القصور من أهمية المهارات الاجتماعية العاطفية التي تظل إنسانية بامتياز. كما أن هذه المهارات أساسية لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نحو عادل ومتمحور حول الإنسان، إذ تؤدي دور المُمكِّنات البشرية للتقدّم التقني مع صون المبادئ الأخلاقية.

مواطن القوة البشرية في بيئة عمل يقودها الذكاء الاصطناعي

تُعدّ القدرات المعرفية والعاطفية والقدرة على إصدار الأحكام والإبداع لدى الإنسان عناصر جوهرية لتحقيق تعاون هادف بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. ففي عالم تستطيع فيه الآلات معالجة المعلومات بسرعة، والتعرّف على الأنماط على نطاق واسع، وتحسين القرارات الروتينية، تتمثّل مواطن القوة المميزة للبشر في القدرة على التكيّف مع ما هو غير متوقع، وتقدير الأبعاد الأخلاقية، والتواصل عبر التخصصات المختلفة، والتعلّم المستمر. ويندرج ذلك ضمن تحوّل أوسع في طريقة تقديرنا للعمل، وتعاملنا مع حالة عدم اليقين، وعلاقتنا بالآخرين، ودمجنا للمعنى والإنصاف في العمليات التي تقودها التقنية.

تحولات المهارات اليدوية وأوجه التكامل

يؤدي تنفيذ الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمهام اليدوية البسيطة في البيئات المضبوطة إلى تراجع الأهمية النسبية للمهارات اليدوية في الأنشطة الروتينية. غير أن المهارات اليدوية الدقيقة اللازمة لأداء المهام غير الروتينية أقل تأثراً بذلك. فالروبوتات، على سبيل المثال، قادرة على نقل البضائع بكفاءة عبر مسارات محددة سلفاً والتعامل مع طرود موحّدة الشكل، لكن العمّال ذوي المهارات اليدوية الدقيقة يظلون ضروريين لمعالجة المشكلات الطارئة. ولا تزال المشاركة البشرية أساسية في البيئات الواقعية الديناميكية ذات المهام غير المنظّمة.

الطلب الناشئ على المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي وقواه العاملة

لعلّ الأثر الأكثر مباشرة للذكاء الاصطناعي يتمثّل في نشوء طلب جديد على مهارات تقنية متخصصة لم تكن موجودة من قبل، وهي مهارات لازمة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وصيانتها وتشغيلها. ونتيجةً لذلك، أصبحت القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، الآخذة في الاتساع، تضم أفراداً بمستويات متفاوتة من الكفاءة التقنية، بدءاً من الباحثين والمهندسين الذين يعملون على أحدث تطورات الذكاء الاصطناعي، ووصولاً إلى المستخدمين المهنيين الذين يدمجون تقنياته في عملهم اليومي.

حجم صغير ومتنامٍ للقوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي

تشير الأبحاث إلى أن نسبة صغيرة فقط من القوى العاملة تشارك في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها المهني. وتتراوح حصة هذه القوى العاملة، تبعاً للأساليب التحليلية والتعريفات المعتمدة، بين 0.3% و5% من إجمالي العمالة، مع تباين بين البلدان وعبر الزمن. ومع ذلك، ارتفع الطلب على المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفاعاً سريعاً خلال العقد الماضي، مدفوعاً بتنامي الحاجة إلى تصميم هذه الأنظمة وتطبيقها وإدارتها.

ملامح القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي ومهنها وقطاعاتها

يغلب على القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي أن تتكوّن من رجال بيض ذوي تعليم عالٍ في ذروة سنوات العمل، وهو ما يظهر بوضوح خاص بين مطوّري الذكاء الاصطناعي. وتقع المهارات المتخصصة في هذا المجال عند تقاطع الرياضيات والعلوم وعلوم الحاسوب، وقد تركّز الذكاء الاصطناعي حتى الآن في عدد محدود من المهن عالية المهارة، أبرزها علماء الرياضيات والخبراء الاكتواريون والإحصائيون ومطوّرو البرمجيات والتطبيقات ومديرو تقنية المعلومات والاتصالات والمتخصصون في قواعد البيانات والشبكات. ولذلك تتركّز غالبية هذه القوى العاملة بين المهنيين والمهنيين المساعدين في قطاعات تقنية المعلومات والاتصالات والتمويل والخدمات المهنية والعلمية والتقنية، وإن كان الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي يمتد تدريجياً إلى قطاعات أخرى.

مستويات الكفاءة لدى القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي

يمكن النظر إلى المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي بوصفها طيفاً هرمياً يمتد من الإلمام بأدوات الذكاء الاصطناعي في حدود مهام بعينها إلى كفاءات متطورة في تطوير الذكاء الاصطناعي وهندسته. ويُعدّ ملف «مطوّر الذكاء الاصطناعي» الأوضح تحديداً، إذ يتمحور حول تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وبنائها. أما ملف «مستخدم الذكاء الاصطناعي» فيشمل عاملين بدرجات متفاوتة من المهارات التقنية، بدءاً ممن يستطيعون إعادة تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي أو تطبيقها، ووصولاً إلى المستخدمين غير المتخصصين الذين يتعاملون مع أنظمة معزّزة بالذكاء الاصطناعي. ومن ثمّ تُصنّف مهارات الذكاء الاصطناعي إلى مستويات أساسية ومتوسطة ومتقدمة، يُبنى كل منها على ما سبقه.

بروز الإلمام بالذكاء الاصطناعي بوصفه مهارة تأسيسية

مع تزايد اندماج الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية وبيئات عملنا، برزت حاجة الأفراد إلى فهم أدواته واستخدامها بأمان وعلى نحو أخلاقي بوصفها مهارة أساسية جديدة. وبات الإلمام بالذكاء الاصطناعي يُعدّ متطلباً جوهرياً في العصر الرقمي الجديد، إذ يمكّن الأفراد من ممارسة الفاعلية والمشاركة الكاملة في البيئات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي. ولا تقتصر أهميته على العاملين الذين يتعاملون مباشرة مع تقنياته، بل تشمل جميع المواطنين المتأثرين بالامتداد المتزايد لهذه الأدوات في الخدمات الحكومية والإعلام والخصوصية والتمويل والرعاية الصحية والتعليم.

ثلاثة مجالات للإلمام بالذكاء الاصطناعي ينبغي تعلّمها

يتضمّن الإلمام بالذكاء الاصطناعي ثلاثة مجالات مترابطة ترابطاً وثيقاً. أولها الإلمام التقني، ويشمل فهماً أساسياً لكيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الإلمام بالتعلّم الآلي والخوارزميات والتقنيات القائمة على البيانات. وثانيها الإلمام التحليلي ومعرفة البيانات، أي القدرة على تفسير مخرجات الذكاء الاصطناعي وتقييمها في المواقف الواقعية. وثالثها الإلمام الأخلاقي والمجتمعي، إذ يتعيّن على الأفراد، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في العمل والحياة اليومية، أن يكونوا على وعي بالقضايا المتصلة بخصوصية البيانات والتحيّز الخوارزمي والشفافية والمساءلة والإنصاف والاستدامة.

دمج الإلمام بالذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب

يُعدّ إدماج إطار لكفاءات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب الأوليين والمستمرين أمراً ضرورياً لإعداد الأجيال الحالية والقادمة لعالم يقوده الذكاء الاصطناعي. وقد بُذلت جهود لتحويل الإلمام بالذكاء الاصطناعي إلى كفاءة منظّمة قابلة للتدريس والقياس، تُدمج في المناهج بوصفها مهارة مستعرضة من التعليم الابتدائي حتى التعليم العالي، إضافة إلى برامج تعليم الكبار والتدريب في مكان العمل. وتتوافر اليوم أطر متعددة لدعم تعليم الذكاء الاصطناعي وتعلّمه للطلاب والمعلمين والكبار.

استجابات السياسات لتدنّي مستويات الإلمام بالذكاء الاصطناعي ومهاراته

نظراً لتدنّي مستويات الإلمام بالذكاء الاصطناعي بين العاملين حالياً، أدرجت بلدان عدة تنمية مهارات الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجياتها وإجراءاتها الوطنية في هذا المجال. كما تتوافر مسارات تعلّم قصيرة ومتنوعة لتنمية مهارات القوى العاملة في الذكاء الاصطناعي، منها التدريب الذي يقوده أصحاب العمل، والشراكات بين الأوساط الأكاديمية والصناعة، والمعسكرات التدريبية المكثفة. غير أن المعروض الحالي من التدريب قد لا يكفي لتلبية الطلب المتنامي والمتسارع التطور، ولا سيما على الإلمام العام بالذكاء الاصطناعي. ومن ثمّ ينبغي للسياسات أن توسّع برامج الإلمام بالذكاء الاصطناعي لتصل إلى فئات أكثر تنوعاً، إذ سيحتاج معظم العاملين إلى المهارات اللازمة لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والتفاعل معها كي يحافظوا على قابليتهم للتوظيف واستقلاليتهم في عالم عمل يقوده الذكاء الاصطناعي.

مراجعة المعايير المهنية والمؤهلات والمناهج وتكييف نظم ضمان الجودة

أصبح تعديل المعايير المهنية ونواتج التعلّم لتواكب واقع مكان العمل المتغيّر ضرورة ملحّة. فالمتعلمون والعاملون لا يحتاجون إلى إلمام عام بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل يحتاجون أيضاً إلى توجيه خاص بكل قطاع ومهنة حول كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي لسير العمل وعمليات اتخاذ القرار ومعايير الجودة والتفاعل الإنساني داخل المهن والقطاعات المختلفة. كما يستلزم الاستخدام المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم وأماكن العمل تكييفاً جوهرياً لنظم التقييم وإصدار الشهادات وضمان الجودة في التعليم. بيد أن نجاح دمج الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في نظم التعليم والتدريب يتوقف إلى حدّ كبير على مدى جاهزية المعلمين والمدرّبين والمؤسسات.

ما وراء الذكاء الاصطناعي: الجاهزية للمستقبل والتمكين

ليس الذكاء الاصطناعي القوة الوحيدة التي تعيد تشكيل أسواق العمل. ففي ظل تعدّد الاضطرابات، برز مفهوم «المهارات الجاهزة للمستقبل» الذي يؤكد حاجة الأفراد إلى التكيّف والازدهار في عالم سريع التطور. ومع تزايد إتاحة المعلومات، ينتقل التركيز من مجرد اكتساب المعرفة إلى تنمية «الحكمة» من خلال مهارات تأسيسية متينة، والتعلّم الاجتماعي العاطفي، والجاهزية للمستقبل. وهذه المجموعات الأوسع من المهارات ضرورية ليس فقط للتعامل مع مهام العمل الأكثر تعقيداً، بل أيضاً لتمكين المواطنين في مواجهة مستقبل يكتنفه عدم اليقين.

تنمية القدرات الإنسانية في مستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي

يتطلب مستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي مواطنين يتّسمون بسعة الحيلة والمرونة والقدرة على التكيّف ليؤدوا بفاعلية في بيئات عمل مختلفة. ويستلزم ذلك تحويل التركيز من تعليم مجموعات مهارات محددة إلى تنمية «قدرات» إنسانية أوسع. وتتجاوز هذه القدرات حدود مجالات المهارات بعينها، وتشكّل أساس الفاعلية الإنسانية والقدرة على تعلّم المعارف والمهارات وتطبيقها وتكييفها لتلبية احتياجات المستقبل. وتُبنى هذه القدرات داخل منظومات للمهارات تُنسَّق من خلال استثمارات في التعليم والتدريب على امتداد مسار الحياة، وممارسات المنشآت، ومؤسسات سوق العمل، والحوار الاجتماعي. كما أن الحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي والضمانات المتينة في مكان العمل لا تقلّ أهمية عن الاستثمار في المهارات لتعزيز القدرات الإنسانية.

المقدمة

يُقصد بالذكاء الاصطناعي نظام قائم على الآلة، مصمّم ليعمل بمستويات متفاوتة من الاستقلالية، وقد يُظهر قدرة على التكيّف بعد تشغيله. ويستنبط هذا النظام من البيانات المُدخلة سُبل توليد مخرجات، كالتنبؤات أو المحتوى أو التوصيات أو القرارات، يمكن أن تؤثر في البيئات المادية أو الافتراضية. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله الأولى من التطور، فقد استقطب اهتماماً واسعاً بوصفه أحد أكبر الاضطرابات التي شهدتها أسواق العمل في الآونة الأخيرة. ونظراً للطبيعة الواسعة والمتعددة الأوجه لتقنياته، تتّضح يوماً بعد يوم قدرتها على إحداث تأثير واسع وسريع في مختلف القطاعات والمهن. وقد يصبح الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف تقنية ذات أغراض عامة، على غرار الحوسبة والكهرباء والمحرك البخاري، بما يترتب على ذلك من آثار تاريخية مماثلة في النظم الاقتصادية.

ويبيّن رصيد كبير من الأبحاث التي تناولت أثر الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل كيف يمكن للتقنيات أن تؤتمت المهام وتعزّزها وتعيد تعريفها في آن واحد، وأن تغيّر طريقة أداء العمل وتقديره. فأنظمة الذكاء الاصطناعي وأدواته القائمة تدعم بالفعل تنفيذ عدد من المهام التي ظلت طويلاً حكراً على البشر، بما فيها المهام الروتينية، وعلى نحو متزايد المهام غير الروتينية ذات الطابع الذهني. وفي الوقت ذاته، تبرز درجات متفاوتة من المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي المقترنة بالمهارات الرقمية، تتراوح بين المستوى الأساسي المتمثّل في مجرد استخدام تطبيقاته، والمستوى الأكثر تطوراً الذي ينطوي على تطوير أنظمته. غير أن قلة من الدراسات تناقش كيف يمكن للاعتماد الأوسع لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن يغيّر تنوّع الطلب على المهارات وعمقه عبر الطيف الوظيفي بأكمله.

ويهدف هذا التقرير إلى مناقشة انعكاسات تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مكان العمل على المهارات، والتأمل في احتياجات التعلّم في مستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي، دعماً للخبراء والممارسين وصانعي السياسات في مجالَي تنمية المهارات وسياسات التشغيل. وهو في جوهره مراجعة موجزة للمعارف والأمثلة القائمة حول هذا الموضوع، تستند استناداً واسعاً إلى الأعمال التي أنجزها أعضاء فريق العمل المشترك بين الوكالات للتعليم والتدريب التقني والمهني، وتجمعها في نتائج رئيسية.

ويسعى التقرير إلى الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف يغيّر اعتماد الذكاء الاصطناعي تنوّع استخدام المهارات وعمقه بوجه عام، وما انعكاسات ذلك على الطلب على المهارات المعرفية والاجتماعية العاطفية واليدوية؟ وما طبيعة الطلب الناشئ على المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي وعلى القوى العاملة في هذا المجال؟ وما الانعكاسات الأولية لهذه التطورات على سياسات المهارات؟

ويتألف التقرير من أربعة فصول. يمهّد الفصل الأول للموضوع ويقدّم الإطار المفاهيمي للنقاش اللاحق حول أثر الذكاء الاصطناعي في المهارات. ويستهلّ بعرض عام لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل، مع أمثلة على مجالات المهام التي تُنفَّذ على نحو متزايد بواسطة تقنياته أو بالاستعانة بها، ثم يربط المهام التي يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أداؤها باستخدام ثلاث فئات من المهارات، تتطلب جميعها أداء مهام في كثير من المهن والقطاعات.

ويتناول الفصل الثاني الكيفية التي يُرجَّح أن يغيّر بها اعتماد الذكاء الاصطناعي تنوّع استخدام المهارات وعمقه، على افتراض استخدام غالبية العاملين مستقبلاً لأدوات ذكاء اصطناعي جاهزة استخداماً واسعاً. وتُناقش هذه التغيرات وفقاً لفئات المهارات المعرفية والاجتماعية العاطفية واليدوية. وفي ضوء قدرات الذكاء الاصطناعي وقت إعداد هذا التقرير، يسلّط الفصل الضوء على التحوّل في استخدام الإنسان لبعض المهارات المعرفية والقدرات النفسية الحركية والمهارات الاجتماعية العاطفية. فأتمتة المهام الأبسط كثيراً ما تترك للعاملين أداء مهام أكثر تعقيداً، قد يتطلب أداؤها مهارات معرفية واجتماعية عاطفية عليا، إلى جانب مهارات رقمية عامة ومهارات في علم البيانات، بما يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مهارات أكثر تمحوراً حول الإنسان في كثير من المهن.

ويركّز الفصل الثالث على الطلب المحدد على المهارات التقنية اللازمة في سوق العمل لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وصيانتها. فوظائف تطوير هذه الأنظمة تقنية الطابع في الغالب، وتمثّل مهناً ناشئة حديثاً تنطوي على مهام متخصصة لم تكن موجودة من قبل. يضاف إلى ذلك أن بعض المهن كانت قائمة قبل الذكاء الاصطناعي، لكنها تشهد تحوّلاً مع تغيّر المهام التي تنطوي عليها والكفاءات التي تتطلبها بفعل اعتماده. ويستعرض الفصل حجم القوى العاملة التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي إجمالاً، وخصائصها، ودرجات كفاءتها التقنية، واتجاهات استقطاب المواهب في هذا المجال. ومع أن الطلب على المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي لا يزال محدوداً حالياً، فإنه مرشّح للنمو بوتيرة متسارعة مع اتساع نطاق استيعاب تقنياته وتطبيقها.

ويناقش الفصل الرابع انعكاسات هذه التطورات على سياسات المهارات. ويبدأ بمهارة «أساسية» جديدة تتمثل في القدرة على فهم أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بأمان وعلى نحو أخلاقي. إذ يُنظر إلى الإلمام بالذكاء الاصطناعي على نحو متزايد بوصفه مهارة تأسيسية لمرحلة الرقمنة الجديدة، ومُمكِّناً أساسياً للفاعلية الإنسانية والإدماج في البيئات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي. ويقترح الخبراء دمج الإلمام بالذكاء الاصطناعي بوصفه مهارة مستعرضة جديدة في المناهج من التعليم الابتدائي إلى التعليم العالي، وفي برامج تعليم الكبار والتدريب في مكان العمل. وفي ظل تزامن اضطرابات عدة وهشاشة متزايدة في أشكال التوظيف، يتعيّن على المواطنين أن يكونوا أوسع حيلة وأكثر رشاقة ومرونة وقدرة على التكيّف لمواجهة قدر أكبر من عدم اليقين. وتستدعي هذه التطورات تركيزاً أكبر مما كان عليه الحال قبل عصر الذكاء الاصطناعي على القدرات الأوسع والفاعلية الإنسانية، بدلاً من مجموعات المهارات المحددة تحديداً ضيقاً، وهو نهج محوري أيضاً للنهوض بذكاء اصطناعي أخلاقي ومتمحور حول الإنسان.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن التغيرات في الطلب على المهارات المرتبطة باعتماد الذكاء الاصطناعي ليست تلقائية، ولا تحرّكها التقنية وحدها. بل تتوقف على كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي واستخدامه في أماكن العمل، وكيفية تنظيم المهام والوظائف، وعلى مؤسسات التعليم والتدريب وسوق العمل التي تشكّل تنمية المهارات. ومن ثمّ فإن نتائج الطلب على المهارات لا تعكس التغيّر التقني فحسب، بل تعكس أيضاً ممارسات أصحاب العمل وخيارات السياسات العامة.

دراسات ذات صلة