الفصل الثاني: تغيّر الطلب على المهارات في أماكن العمل التي تعتمد الذكاء الاصطناعي
يستخدم هذا الفصل الإطار المفاهيمي للمهام والمهارات الذي عُرض في الفصل السابق لدراسة الأنماط المتغيرة للطلب على المهارات المعرفية والاجتماعية العاطفية واليدوية في سياق اعتماد الذكاء الاصطناعي. فمع ترجيح انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع في مكان العمل، يُتوقع أن يتطور مستوى متطلبات المهارات وتركيبها عبر الطيف الوظيفي بأكمله. ويبدأ الفصل باستكشاف التحولات في الطلب على المهارات المعرفية في أماكن العمل التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على الحاجة المتزايدة إلى المهارات الرقمية، ثم يستعرض التغيرات في الطلب على المهارات الاجتماعية العاطفية، ويتبع ذلك مراجعة للمتطلبات المتطورة من المهارات اليدوية.
2.1 التغيرات في الطلب على المهارات المعرفية
كان لظهور الذكاء الاصطناعي أثره الأكثر مباشرة في العمل المعرفي، حيث تحتل المهارات المعرفية موقعاً محورياً في معالجة المعلومات الجديدة وتطبيقها. وتتفوّق تقنيات الذكاء الاصطناعي في المهام المعرفية الروتينية، وعلى نحو متزايد في بعض المهام المعرفية غير الروتينية. إذ تستطيع خوارزميات التعلّم الآلي تحليل البيانات سريعاً واستخلاص الأنماط. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو فئة أحدث من أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على توليد نصوص شبيهة بالنصوص البشرية وترجمات ومقاطع فيديو ومقاطع صوتية وشيفرات برمجية استناداً إلى المهارات المعرفية، فقد بات منتشراً في كثير من بيئات العمل. ويبيّن ذلك كيف أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة بالفعل على أداء عدد من المهام المعرفية، مما قد يقلّل الطلب على المدخلات المعرفية البشرية في المجالات القابلة للأتمتة. وفي الوقت نفسه، ومع إسناد العاملين جانباً كبيراً من هذه المهام إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكنهم تخصيص وقت أطول للمهام غير الروتينية التي تتجاوز حالياً حدود أدواته. ومن ثمّ يُتوقع أن يرتفع الطلب على الأفراد ذوي المهارات المعرفية العليا.
وتؤكد دراسات عدة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تزايد الطلب على المهارات المعرفية والرقمية نتيجة اعتماد الذكاء الاصطناعي. فالوظائف التي تنطوي على استخدام أدواته تتطلب عادة مهارات معرفية رفيعة المستوى، كحلّ المشكلات الإبداعي والأصالة والاستدلال التحليلي، إلى جانب المهارات الاجتماعية العاطفية ومجموعات مهارات متنوعة. ومن المهارات المكمّلة للذكاء الاصطناعي التي تتزايد أهميتها التفكير النقدي، اللازم مثلاً لاكتشاف الأخطاء أو رصد «الهلوسات» في مخرجات الذكاء الاصطناعي، والمهارات اللازمة للاستخدام الفعّال لهذه التقنيات عموماً. وتجد دراسة أخرى للمنظمة، استندت إلى إعلانات الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت في عشر دول، أن الطلب في المهن شديدة التعرّض للذكاء الاصطناعي يتركّز على مهارات الإدارة ومعالجة الأعمال، بما فيها إدارة المشاريع وإعداد الموازنات والمحاسبة، فضلاً عن المهام الإدارية والمكتبية ومهام دعم العملاء. وأخيراً، يؤكد مسح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة حول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي تزايد الحاجة إلى عاملين من ذوي المهارات العالية في هذا السياق، إذ جاءت مهارات تحليل البيانات وتفسيرها ومهارات الإبداع والابتكار في مقدمة مجالات المهارات الأكثر طلباً.
ويمكن توضيح تغيّر الطلب على المهارات من خلال أمثلة قطاعية عدة. ففي قطاع الخدمات المالية مثلاً، تُستخدم الأتمتة الروبوتية للعمليات لأتمتة المهام المتكررة كإجراءات استقبال العملاء الجدد، وإدارة مطالبات التأمين، وتبسيط بروتوكولات الامتثال التنظيمي. كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر وكشف الاحتيال وقرارات الإقراض وتطوير مقاييس الجدارة الائتمانية. ومع أتمتة المهام الروتينية لإدخال البيانات، يتحوّل محتوى كثير من الأدوار بما يتيح للعاملين تخصيص وقت أكبر لاتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات وغيرها من المهام ذات القيمة المضافة الأعلى، كابتكار المنتجات وتحسين خدمة العملاء وتوسيع قاعدتهم. ويشهد القطاع كذلك بروزاً مطّرداً لأدوار تتطلب من البشر «الإشراف» و«الرقابة» و«الترشيد» على المخرجات التي تولّدها تقنيات الذكاء الاصطناعي، للحدّ من المخرجات والإجراءات المتحيزة، كالتحيّز العرقي والجنسي في خوارزميات تقييم الجدارة الائتمانية.
وعلى نحو مماثل، تُطبَّق تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام والثقافة على أنشطة تمتد من الصحافة إلى إنتاج الموسيقى والأفلام. ففي الصحافة، تستطيع هذه التقنيات معالجة مجموعات بيانات ضخمة، ورصد الاتجاهات، والتحقق من الادعاءات بسرعة تفوق سرعة البشر بكثير. ولذلك يستفيد الصحفيون من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتدقيق الحقائق وإنشاء المحتوى، الذي يمكن تنقيحه ووضعه في سياقه، مما يقلّص الوقت اللازم لإنتاجه. كما تستطيع المؤسسات الإعلامية تقديم محتوى أكثر تخصيصاً وملاءمة لجمهورها. وفي إنتاج الموسيقى، يتزايد استخدام المنتجين ومهندسي الصوت للذكاء الاصطناعي التوليدي في مزج الموسيقى وتنقيحها، بل وفي تأليف أغانٍ جديدة. وفي إنتاج الأفلام، يتزايد استخدامه في توليد النصوص والصور والمؤثرات البصرية. ومع أتمتة الذكاء الاصطناعي التوليدي لبعض المهام، تتطوّر الأدوار الوظيفية وتُولي اهتماماً أكبر للإشراف على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي بدلاً من إنشاء المحتوى مباشرة.
ويعيد الاستخدام المتزايد للمحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي تشكيل تركيبة المهارات المعرفية المطلوبة في كثير من المهن، مما يزيد أهمية وضع الأمور في سياقها والإشراف وإصدار الأحكام. فأوجه القصور في المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي، بما فيها احتمال تراجع جودته من حيث الدقائق والسياق الثقافي واللطائف اللغوية، وإعادة إنتاج التحيزات الكامنة في مجموعات البيانات الضخمة، تستدعي تمحيصاً وتصحيحاً بشريين دقيقين. ففي القطاع المالي مثلاً، يتعيّن على محللي الامتثال رصد الحالات الشاذة التي تشير إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتقدير مدى أهميتها في السياقات القانونية والتنظيمية الواقعية. وفي الصحافة، يظل المحررون الذين يستخدمون أدوات التلخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي مسؤولين عن التحقق من الحقائق وكشف التحيز والحفاظ على المعايير التحريرية. ويُسهم هذا التحوّل في استخدام المهارات المعرفية من «الإنشاء الخام» نحو المهام التحريرية والتقييمية في رفع قيمة المهارات العليا، في حين قد تتراجع قيمة المهارات المعرفية الأكثر روتينية وانتشارها، كتحليل البيانات الأساسي والصياغة والتلخيص.
فما الذي يعنيه التفكير النقدي في أماكن العمل التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي؟ وفقاً لأوتور، تغيّر تقنيات الذكاء الاصطناعي معنى «التفكير النقدي» بثلاث طرق رئيسية. أولاها الانتقال من جمع المعلومات إلى التحقق منها؛ فأدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على جمع كميات كبيرة من المعلومات وتنظيمها استجابة لأمر ما، وهي أكفأ منا بكثير في ذلك، لكن يبقى علينا التحقق من دقتها. ولتحقيق ذلك، سيحتاج البشر لا إلى قدر معين من الخبرة في الموضوع فحسب، بل أيضاً إلى مهارات تحليلية ونقدية أعلى. وثانيتها الانتقال من حلّ المشكلات إلى دمج مخرجات الذكاء الاصطناعي؛ فمع تزايد براعة الذكاء الاصطناعي في تقديم حلول للأوامر ذات الإجابات الواضحة، سيتمكّن البشر من تخصيص وقت أطول لتقدير مدى ملاءمة استجابات النماذج لسياق الطلب، وستكتسب ممارسة الحكم السليم، أي معرفة ما يجعل الشيء ليس صحيحاً فحسب بل ذا معنى أيضاً، أهمية متزايدة. وثالثتها الانتقال من تنفيذ المهام إلى الإشراف عليها؛ فمع إطلاق وكلاء الذكاء الاصطناعي، سيركّز البشر أكثر على تخصيص الموارد وإدارة نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة، ويمثّل النموذج الجديد المعروف بالخدمة بوصفها برمجية، وهو نموذج منتج تقدّم فيه البرمجية خدمة متكاملة من البداية إلى النهاية بدلاً من أن تكون مجرد أداة، عبر اضطلاعها بمهام كانت ستتطلب جهداً بشرياً كبيراً، صورة قصوى لهذا التحوّل. غير أن مهام الإشراف الناشئة هذه قد تزيد العبء المعرفي والمساءلة الواقعين على العاملين، مما يثير مخاطر جديدة تتعلق بتكثيف العمل والإجهاد إذا لم تقترن بتصميم مناسب للوظائف ودعم تدريبي وضمانات تنظيمية.
ومع توليد الذكاء الاصطناعي مخرجات تزداد تعقيداً في جميع المجالات، تصبح القدرة على مساءلة النتائج الخوارزمية وتفسيرها والطعن فيها قدرة جوهرية. ولذلك تتطلب وظائف كثيرة اليوم أشخاصاً يتمتعون بمهارات تفكير نقدي عالية وقدرة على حلّ المشكلات غير الروتينية جنباً إلى جنب مع التقنية. ومن الأمثلة الموضّحة لغياب مهارات التفكير النقدي في مكان العمل المعزّز بالذكاء الاصطناعي ما يُعرف بـ«الرديء المهني»، وهو مصطلح ظهر حديثاً لوصف المحتوى منخفض القيمة الذي يولّده الذكاء الاصطناعي، والذي يكون ناقصاً أو يفتقر إلى سياق جوهري، بينما يبدو في ظاهره منتجاً ومهنياً. فعندما تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى دون حكم بشري مستند إلى الخبرة والتحليل النقدي، فإن المحتوى المولَّد الذي يبدو منسّقاً على نحو احترافي ينقل العبء المعرفي للعمل إلى الآخرين، ويضطر المتلقي إلى تفسير العمل أو تصحيحه أو إعادته. وبعبارة أخرى، لا تعوّض أداة الذكاء الاصطناعي المهارات المفقودة، بل تنقل ضرورة الجهد المعرفي البشري من المُنشئ إلى المتلقي.
ويُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة عبر الإدارة الخوارزمية مثالاً آخر على تغيّر الطلب على المهارات في تنفيذ المهام الإدارية والتنظيمية والتنسيقية. وتُبرز أدوات الإدارة الخوارزمية أهمية الطلاقة الرقمية والإلمام بالذكاء الاصطناعي لأدوار المديرين البشريين. ففي مسح لأصحاب العمل أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أفادوا بتزايد الحاجة إلى المهارات الإدارية العامة والمهارات التحليلية، كالقدرة على استخدام البيانات أو تفسيرها، عند استخدام أدوات الإدارة الخوارزمية. كما يرتفع الطلب على المهارات الاجتماعية، كمهارات الإصغاء الفعّال، ولا سيما في مكان العمل في الولايات المتحدة. غير أن هذا النمط ليس متسقاً عبر السياقات المختلفة، إذ يفيد المديرون الأوروبيون بتراجع ملموس في الطلب على المهارات الاجتماعية. وتشير هذه النتائج إلى اختلاف التوقعات من الدور الإداري بحسب السياق. ومع ذلك، يظل واضحاً أنه يُنتظر من المديرين في المستوى المتوسط امتلاك مهارات تحليلية كافية للعمل بفاعلية مع الأدوات التقنية الجديدة، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بصفات إنسانية فريدة تميّزهم عن التقنية.
ووفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، يظل التفكير التحليلي المهارة الأساسية الأكثر طلباً لدى أصحاب العمل، إذ تعدّه سبع من كل عشر شركات مشمولة بعيّنة المنتدى مهارة ضرورية في عام 2025. ويليه التفكير الإبداعي والابتكار والمهارات المرتبطة بالتقنية. فعلى البشر أن يحكموا على مدى دقة النتائج التي يولّدها الذكاء الاصطناعي، وحسن تفسيرها، واتساقها مع القيم المجتمعية والسياق الثقافي. ومن ثمّ أصبحت المهارات التحليلية العليا والتفكير النقدي والإبداع وحلّ المشكلات أكثر المهارات المعرفية طلباً. وفي حين يرفع استخدام الذكاء الاصطناعي في أداء عدد من المهام المعرفية قيمة المهارات المعرفية العليا، فإنه قد يخفض قيمة المهارات المعرفية الدنيا، أو ما يُطلق عليه أحياناً «تجريد العمل المعرفي من المهارة».
وسيتسع الطلب على المهارات المعرفية العليا تدريجياً ليشمل مزيداً من الوظائف، إلى أن يصبح الذكاء الاصطناعي تقنية ذات أغراض عامة تتمتع بقدرة متزايدة على أداء جميع المهام الروتينية وغير الروتينية بموثوقية. وقد يرتفع الطلب أكثر إذا تركّزت الوظائف الجديدة على الأرجح في الفئات غير الروتينية والمعرفية وما وراء المعرفية. ولذلك سيحتاج العاملون في المستقبل إلى مهارات تحليلية عليا، ولا سيما التفكير النقدي والاستراتيجي واتخاذ القرار. واليوم، يُعدّ فهم تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها، كتحليل البيانات والتعلّم الآلي، مقترناً بالمهارات المعرفية العليا، توليفة مرغوبة في عدد من المهن المكتبية المهنية. وقد يعزّز هذا الاتجاه نحو المهارات المعرفية العليا استقطاب الوظائف، إذ تعود المكاسب إلى الأدوار عالية المهارة وبعض الخدمات منخفضة المهارة، بينما تواجه الوظائف المكتبية متوسطة المهارة ذات التعرّض المرتفع للذكاء الاصطناعي والتكامل المنخفض معه خطراً أعلى للإحلال.
تزايد الطلب على المهارات الرقمية والتقنية
غيّرت الرقمنة طريقة تعلّمنا وعملنا وتواصلنا وتفاعلنا الاجتماعي. وفي هذا المشهد التقني السريع التطور، أصبحت المهارات الرقمية العامة والمتخصصة على حدّ سواء حاسمة في طيف واسع من المهن. ولمّا لم تعد الرقمنة محصورة في صناعات بعينها، بل غدت أداة للبقاء، باتت المهارات الرقمية مطلوبة على نحو متزايد في وظائف لم تكن تتطلبها من قبل. وشكّلت جائحة كوفيد 19 محطة رئيسية في تسارع الرقمنة، إذ أدت إلى طفرة في الخدمات الرقمية والاستهلاك الرقمي، وتوسّع قطاعات التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية والإعلام الرقمي والخدمات المالية الرقمية، إلى جانب الطلب على المهارات المرتبطة بها. ودفع ذلك الطلب على صنّاع المحتوى الرقمي ومنسّقي المحتوى ومقدّمي البودكاست ومديري وسائل التواصل الاجتماعي ومتخصصي التسويق الرقمي وغيرهم.
وفوق هذه الاتجاهات، غذّت تقنيات الذكاء الاصطناعي الطلب على المهارات الرقمية من حيث تنوّعها وعمقها معاً. فالمهارات الرقمية المتوسطة والمتقدمة مطلوبة على نحو متزايد لدمج أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في سير العمل في عدد من المهن والقطاعات. واستناداً إلى الجولة الثانية من المسح الأوروبي للمهارات والوظائف، يفيد سيديفوب بأن أكثر من ثماني وظائف من كل عشر في الاتحاد الأوروبي، أي 87%، تتطلب مهارات رقمية أساسية على الأقل. واضطر نحو أربعة من كل عشرة موظفين بالغين إلى تعلّم استخدام تقنية رقمية جديدة لأداء عملهم الرئيسي خلال الفترة الممتدة حول عامَي 2020 و2021. وقد زادت الرقمنة المتسارعة طلب الأفراد على التدريب زيادة كبيرة، إذ ارتفع احتمال طلب العاملين المتأثرين للتدريب العام بمقدار 15.7 نقطة مئوية، وللتدريب المتخصص في تقنية المعلومات بمقدار 39.7 نقطة مئوية. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن كل قطاع يحتاج إلى مهارات جديدة مرتبطة بتقنية المعلومات، بما يعكس الطابع العام لهذه التقنية. وسيواصل الطلب على المهارات الرقمية نموّه خلال العقد المقبل داخل الاتحاد الأوروبي، في حين يُعدّ الاستثمار الكبير في التدريب على المهارات الرقمية مفتاحاً للتحوّل الرقمي.
وتعرّف اليونسكو المهارات الرقمية بأنها القدرة على الوصول إلى المعلومات وإدارتها وفهمها ودمجها وتبادلها وتقييمها وإنشائها بأمان وعلى نحو ملائم من خلال الأجهزة الرقمية والتقنيات الشبكية، بغرض المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وقد وُضعت أطر دولية عدة لتوجيه تعليم المهارات الرقمية، غير أن التحديث الأخير للإطار الأوروبي للكفاءة الرقمية يكتسب أهمية خاصة، إذ أدمج «كفاءة الذكاء الاصطناعي» في جميع مجالات الإطار الأصلي وكفاءاته في نسخته الثالثة. ويستهدف هذا البعد الأعمق والتقني للمهارات الرقمية، الذي يصفه المنتدى الاقتصادي العالمي بمهارات «التقنية»، قوى عاملة «متمرّسة رقمياً» قادرة على صيانة أنظمة الذكاء الاصطناعي وإدارتها. كما يغيّر الذكاء الاصطناعي نوعية المهارات الرقمية المطلوبة وطريقة استخدامها. ووفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، تُعدّ مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية الأكثر تعرّضاً للتحوّل، إذ يُتوقع أن يتغيّر أسلوب تطبيق 68% من المهارات الرقمية في المتوسط.
ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تصبح مهارات «التقنية» حيوية خلال السنوات الخمس المقبلة، متجاوزة في نموها جميع فئات المهارات الأخرى. ويتصدّر ذلك الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، يليهما الشبكات والأمن السيبراني والإلمام التقني العام. والواقع أن الطلب على تعلّم المهارات الرقمية يشهد ارتفاعاً كبيراً، إذ يستأثر تعلّم الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة الآن بخُمس إجمالي ساعات التعلّم الرقمي، غير أن طلب أصحاب العمل لا يزال متركّزاً في أدوار كالأمن السيبراني وهندسة الشبكات التي تمثّل أكثر من نصف الوظائف الرقمية كافة. ويعني ذلك أن المهارات الرقمية المطلوبة في المهن تنطوي على مهام غير روتينية، وحلّ المشكلات، وإنشاء محتوى رقمي جديد كالتصاميم الجرافيكية والهندسية ومنتجات البرمجيات وخدماتها والمخرجات التحليلية. في المقابل، ترتبط البرمجيات المكتبية المستخدمة لأغراض إدارية بمهن يُتوقع تراجعها. بل إن المهارات الرقمية الأساسية كثيراً ما لا تُذكر في إعلانات الوظائف الشاغرة، لأنها أصبحت واسعة الانتشار إلى حدّ يُفترض معه امتلاك الجميع لها، فالبرمجيات المكتبية مثلاً باتت مهارة أساسية.
ولا يعني ذلك أن المهارات الرقمية الأساسية أقل أهمية للتعليم والتدريب. فالمهارات جوانب من منظومة تعلّم وقدرات ذات بنية هرمية، تُبنى فيها المهارات المتقدمة على أساس من المهارات الأساسية. والمهارات الرقمية الأساسية ضرورة حقيقية لتنمية مهارات رقمية أكثر تقدماً. ومن منظور تنمية المهارات، ترتبط المهارات الرقمية الأساسية ارتباطاً وثيقاً بالإلمام بالذكاء الاصطناعي وتشكّل أساساً له، ومن ثمّ يجب أن تحضر في المناهج والأطر وتصميم السياسات. وهذا ليس مجرد أساس متين يمكّن المتعلمين من التنقّل بنجاح في سوق عمل تزداد تعقيداً في عصر الذكاء الاصطناعي، بل الأهم أنه حاسم لتعزيز الإدماج والإنصاف في توفير المهارات، في وقت تتسع فيه فجوة المهارات الرقمية الأساسية ويتزايد خطر استقطاب الوظائف.
ويُعدّ قطاع الرعاية الصحية مثالاً على قطاع أصبحت فيه المهارات الرقمية المتخصصة ضرورية لفهم آليات الأدوات المدمج فيها الذكاء الاصطناعي ونتائجها والتحكم فيها. فاستناداً إلى تحليل نحو 55.5 مليون إعلان وظيفي عبر الإنترنت في كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بين عامَي 2018 و2023، يبدو أن المهارات الرقمية اللازمة لتطوير وتطبيق إدارة المعلومات الصحية والرعاية الصحية عن بُعد والروبوتات المتقدمة والأمن السيبراني تشهد طلباً متزايداً. وتؤكد دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحضور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الوظائف التقنية وغير التقنية على حدّ سواء في قطاع الرعاية الصحية، بما يعيد تعريف مفهوم «العامل الكفء رقمياً» في هذا القطاع. وعلى نحو مماثل، ارتفع عدد المهارات الرقمية المطلوبة من العاملين ارتفاعاً كبيراً في مجالات أخرى كثيرة، كأن يشغّل فني الرعاية الصحية أنظمة تشخيص تعمل بالذكاء الاصطناعي، أو يُنتظر من محلل التسويق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء محتوى الحملات، أو يستخدم موظف الاستقبال روبوتات محادثة قائمة على الذكاء الاصطناعي أو أدوات معالجة اللغة الطبيعية لمساعدة العملاء.
ووجدت تحليلات منظمة العمل الدولية لإعلانات الوظائف عبر الإنترنت في البرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا أن الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي تضاعف بين عامَي 2016 و2021. وثمة أيضاً أدلة على صعود «الأدوار الهجينة» التي تمزج أدوار الخبرة التقليدية بالمهارات الحاسوبية. فمع استمرار الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الصحافة مثلاً، يُطلب من الصحفيين على نحو متزايد فهم أعمق للقدرات التقنية للذكاء الاصطناعي وحدوده. بل إن الوظائف التي لا تُعدّ «وظائف ذكاء اصطناعي» باتت تتطلب على نحو متزايد مهارات رقمية متوسطة لدمج أدواته واستخدامها بفاعلية في سير العمل. فكثير من مؤسسات البث الإخباري، على سبيل المثال، تستثمر الآن بنشاط في رفع مهارات قواها العاملة عبر برامج تدريب على الذكاء الاصطناعي، استجابة لبروز أدوار تجمع بين الخبرة الصحفية التقليدية والمهارات الرقمية، كإدارة البيانات وفهم الخوارزميات.
وكان صعود الأدوار الهجينة واضحاً قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، لكن أنظمته توسّع هذه الأدوار أكثر، فتنتشر عبر المهن والقطاعات وتطمس الحدود بين المهن والصناعات. ومن الأمثلة على ذلك صحفيو الأعمال والاقتصاد الذين يحتاجون إلى التخصص في الاقتصاد والإحصاء، وامتلاك مهارات الكتابة وإجراء المقابلات وتصوير البيانات، وباتوا يستخدمون الآن وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي. ولم تعد مهارات البرمجة اليوم مطلوبة من المبرمجين وحدهم، بل من الفنانين والمصممين والمهندسين والعلماء أيضاً. وسيتطلب امتلاك مثل هذه المجموعات الهجينة من المهارات لا تخصصاً أولياً متيناً في المهارات التقنية والمعارف الصلبة فحسب، بل أيضاً تحديثاً مستمراً للمهارات لإتقان تقنيات وخبرات موضوعية لم توجد بعد.
غير أن ثمة فروقاً في الطلب على المهارات الرقمية بين البلدان، حتى تلك المتقاربة في مستويات التنمية، وداخل القطاعات وفيما بينها. وتعكس هذه الفروق اختلاف البنى الاقتصادية، إذ تنخفض متطلبات المهارات الرقمية في بعض المهن والوظائف، واختلاف مستويات تبنّي المنشآت للتقنية، وكذلك المعروض القائم من المهارات الرقمية. وتؤكد دراسة المؤسسة الأوروبية للتدريب التي استخدمت نتائج الجولة الثانية من المسح الأوروبي للمهارات والوظائف في دول غرب البلقان تباين الاحتياجات من المهارات الرقمية واستخدامها في مكان العمل، في حين تكشف دراسات العمل عبر المنصات في الدول الشريكة للمؤسسة عن حاجة متزايدة إلى مهارات رقمية متنوعة. وفي الوقت ذاته، يؤثر توافر البنية التحتية الرقمية وجودتها في تبنّي التقنية الرقمية واكتساب المهارات الرقمية معاً، وأكثر ما تُلاحظ اختناقات البنية التحتية وما يرتبط بها من تحديات في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى.
ويزيد الأساس المتين للذكاء الاصطناعي في الرياضيات والعلوم والهندسة وعلوم الحاسوب من قيمة المعرفة في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. فبينما تُطلب المهارات المتصلة بهذه المجالات لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بات حتى العاملون غير التقنيين الذين يستخدمون أدواته بحاجة اليوم إلى معرفة أساسية أعلى مستوى في هذه المجالات. فمعرفة علم البيانات مثلاً تصبح محورية، لأن المعرفة الرقمية ومعرفة البيانات شرطان مسبقان للتعامل الجيد مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. والواقع أن المعرفة العلمية والحاسوبية تتداخلان مع المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتغذّيانها. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تستأثر مهارات تقنية المعلومات بالحصة الأكبر من «المهارات الجديدة» التي يبحث عنها أصحاب العمل، أي المهارات التي كانت شبه غائبة عن إعلانات الوظائف في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ثم أصبحت أكثر شيوعاً، تليها مهارات الأعمال وتحليل البيانات. وخلاصة القول إن مستوى الكفاءات المعرفية المطلوبة من جميع العاملين يميل إلى الارتفاع والاتساع، وكثيراً ما يدفع البنية المهنية نحو مهارات أعلى، حتى في الاقتصادات الناشئة.
2.2 التغيرات في الطلب على المهارات الاجتماعية العاطفية
تُعدّ المهارات الاجتماعية العاطفية أو غير المعرفية أساسية لتيسير تنمية المهارات المعرفية وتطبيقها، ولذلك فهي متشابكة معها تشابكاً عميقاً. ويتضح منذ مدة تزايد الطلب على المهارات الاجتماعية العاطفية استجابة للتغيرات التقنية، لكن أهميتها تتضاعف بفعل دورها في إدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي على نحو أخلاقي، والحفاظ على الثقة، وتمكين اتخاذ القرار التشاركي. ولم تعد المهارات الاجتماعية العاطفية مجرد إضافة «مستحسنة» إلى الخبرة التقنية، بل أصبحت ضرورية لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نحو متمحور حول الإنسان وعادل. فهي أصول لا غنى عنها في الاقتصادات الرقمية التي يقودها الذكاء الاصطناعي، إذ تؤدي دور المُمكِّنات البشرية للتقدّم التقني مع الحفاظ على المبادئ الأخلاقية. وقد أصبح حضور المهارات الاجتماعية العاطفية عاملاً حاسماً في نجاح التحوّل الرقمي وتحوّل المجتمعات نحو الذكاء الاصطناعي.
وقدّرت ماكنزي أن الطلب على المهارات الاجتماعية العاطفية سينمو في جميع الصناعات بنسبة 26% في الولايات المتحدة و22% في أوروبا بين عامَي 2016 و2030. وفي دراسة لنمو المهن في الولايات المتحدة، وُجد أن أعلى نمو تحقق في الوظائف التي تتطلب مستويات عالية من المهارات الاجتماعية ومهارات قوية في الرياضيات. كما شهدت الوظائف ذات المهارات الاجتماعية العالية والمهارات الرياضية المنخفضة زيادة كبيرة في كثافتها المهنية، مما يشير إلى أن المحرّك الحقيقي كان الفئة غير المعرفية، في حين تراجعت الوظائف ذات المهارات الرياضية العالية والمهارات الاجتماعية المنخفضة. ويُلاحظ ارتفاع قيمة العاملين القادرين على المزج بين المعرفة التخصصية والجوانب «الضمنية» والذاتية والحدسية والوجدانية للعمل في سوق العمل الأمريكية، حيث بلغت معدلات البطالة بين حملة شهادات الآداب والعلوم الإنسانية نحو نصف معدلاتها بين علماء الحاسوب والمهندسين في عام 2023. ولا يقتصر هذا الطلب المتزايد على الاقتصادات المتقدمة، بل يشمل أيضاً الاقتصادات الناشئة والمتوسطة الدخل.
ويتطلب التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي تأطيراً ورقابة وفهماً سياقياً بشرياً. فالمهارات الاجتماعية العاطفية مكوّن جوهري لما يجعلنا بشراً في عالم الذكاء الاصطناعي، وأصبحت شرطاً مسبقاً لتطبيقه تطبيقاً فعّالاً وأخلاقياً. فمدير المدرسة الذي يطبّق منصات تعلّم مدعومة بالذكاء الاصطناعي لا يكفيه فهم الأداة، بل عليه أيضاً قيادة التغيير وتحفيز المعلمين وتقييم الانعكاسات الأخلاقية المتعلقة ببيانات الطلاب. ومنسّق الخدمات اللوجستية الذي يشرف على برمجيات التوجيه التنبؤي لا يزال مطالباً بالاستجابة الإبداعية عند اضطراب سلاسل الإمداد، موازناً بين الكفاءة والمعرفة المحلية والحدس البشري. ويعتمد متخصصو التصميم واستراتيجيو التسويق والباحثون على نحو متزايد على القدرات غير المعرفية لتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لا بوصفها بدائل، بل بوصفها منطلقات للابتكار. وسيركّز العاملون أكثر فأكثر على المهام العليا التي تستدعي التفكير الاستراتيجي والإبداعي، مما يمنح قيمة عالية للقدرات المعرفية وغير المعرفية المتقدمة كالقيادة واتخاذ القرار والعمل القائم على الفريق. وتشكّل السمات الشخصية والقدرات الاجتماعية والطاقات العاطفية أساس التفاعل الإنساني الفعّال في مجتمع واقتصاد يقودهما الذكاء الاصطناعي.
ولا يزال الجيل الحالي من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقت كتابة هذا التقرير، محدود القدرة على محاكاة المهارات الاجتماعية العاطفية محاكاة أصيلة. فالأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة بالتأكيد على إيصال الرسائل الإعلامية، لكن لمّا كانت هذه الأدوات لا تضاهي بعدُ قدرة الصحفيين المهرة على إثارة الاهتمام وإشراك الجمهور، فإن قلة من الناس سيرغبون في مشاهدة أخبار يقدّمها أفاتار رقمي. ومع مواصلة المؤسسات دمج الذكاء الاصطناعي في وظائف أعمالها الأساسية، يُرجَّح أن تصبح القدرة على العمل جنباً إلى جنب مع أنظمته، وإضافة قيمة إنسانية فريدة إلى مخرجاتها، متطلباً أساسياً في سوق العمل بأسره. كما تتطلب الفرق المشتركة بين البشر والذكاء الاصطناعي أشكالاً جديدة من التفاعل، لا بين الزملاء فحسب، بل بين البشر والآلات أيضاً. فعلى العاملين أن يتعلّموا التعاون في بيئات هجينة، وشرح القرارات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي للعملاء أو المشرفين، والحفاظ على المعايير الأخلاقية حتى حين تعمل التقنيات خلف الكواليس. ويؤكد كل من المنتدى الاقتصادي العالمي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المهارات الاجتماعية العاطفية من أسرع المتطلبات نمواً في الاقتصادات كثيفة الاستخدام للذكاء الاصطناعي.
ويتجلى أيضاً محدودية قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقت كتابة هذا التقرير، على أداء المهام التي تتطلب ذكاءً عاطفياً وتفاعلاً إنسانياً معقداً في درجات قابلية المهام للأتمتة ومبررات التنبؤ التي وضعتها منظمة العمل الدولية. فبالنسبة لمعلمي المرحلة الابتدائية مثلاً، ترتفع درجات الأتمتة نسبياً في المهام التي تنطوي على معالجة البيانات وتوليد المحتوى، مثل «إعداد خطط الدروس اليومية وطويلة المدى وفقاً للمبادئ التوجيهية للمنهج» بدرجة 0.465، في حين تنخفض الدرجات كثيراً في مهام مثل «الحفاظ على الانضباط وعادات العمل الجيدة في الفصل» بدرجة 0.16، وهي مهام تتطلب مهارات أقوى تتصل بـ«الانخراط الإنساني» و«التعاطف» و«الملاحظة الآنية» و«الحكم والتفاعل» و«التفسير الدقيق». ومن ثمّ يتحوّل الطلب نحو مهام أكثر تعقيداً وإبداعاً تتطلب براعة إنسانية وذكاءً عاطفياً ونهجاً أخلاقياً.
ويشير توزيع درجات الأتمتة عبر حزم مهام المهن إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يؤتمت بعض المهام داخل المهن، لكن لمّا كانت مهام أخرى لا تزال تتطلب مدخلات بشرية، فمن المرجّح في الوقت الراهن أن تتحوّل معظم الوظائف بدلاً من أن تُؤتمت بالكامل. فالمعلمون مثلاً يستطيعون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتقليص الوقت المخصص لإعداد خطط الدروس، وتخصيص وقت أكبر للإرشاد الفردي للطلاب. وعلى نحو مماثل، قد يتمكّن الأطباء والممرضون من الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحصول على اقتراحات تشخيصية سريعة أو مراقبة المرضى، مع فحصها فحصاً نقدياً، والتركيز أكثر على الإرشاد وشرح العلاجات من خلال التواصل الفعّال وإظهار التعاطف. فقد تستخدم الممرضة الذكاء الاصطناعي لمتابعة العلامات الحيوية للمريض، لكن الذكاء العاطفي والتعاطف هما ما يضمنان رعاية رحيمة.
ويرفع الذكاء الاصطناعي قيمة المهارات الاجتماعية العاطفية التي تظل إنسانية بامتياز. فهذه القدرات «المتمحورة حول الإنسان» يقدّرها أصحاب العمل تقديراً عالياً، وهي الأقل عرضة للأتمتة. فالمهام المرتبطة بالتعاطف والإبداع والقيادة والفضول لا تتجاوز إمكانية تحوّلها بفعل الذكاء الاصطناعي 13%، لأنها تعتمد على الحكم البشري لا الآلي، وعلى السياق والتجربة المعيشة. ويُعدّ التواصل الفعّال حاسماً لبناء العلاقات المهنية داخل المؤسسة وخارجها، ولرعاية بيئة إيجابية وبناء فرق قوية. ومع ذلك، يرد التعاون والتواصل ضمن الفجوات المهارية الكبرى التي يشير إليها أصحاب العمل في دراسات كثيرة. كما تؤثر المهارات الاجتماعية العاطفية تأثيراً كبيراً في التطور المهني في المجتمع الحديث، لأنها تعكس القدرة على التفاعل مع التغيرات، والتكيّف المستمر مع أساليب العمل، وتحسين التواصل مع الزملاء. وتشير مسوح حديثة لأصحاب العمل في شركات عالمية كبرى إلى زيادة كبيرة متوقعة خلال الفترة من 2025 إلى 2030 في الطلب على قدرة العاملين على التكيّف ومرونتهم النفسية وليونتهم ورشاقتهم، إلى جانب الفضول وتعلّم كيفية التعلّم.
وتؤكد تحليلات عدة لإعلانات الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت ارتفاع الطلب على المهارات الاجتماعية العاطفية في أسواق العمل. ففي دراسة واسعة شملت عشر دول، من بينها دول ناطقة بالإنجليزية ودول من أوروبا القارية، استمر الطلب المتزايد على المهارات الاجتماعية العاطفية في جميع الدول التي شملها التحليل. ووجدت دراسة لإعلانات الوظائف عبر الإنترنت في البرازيل ومصر والأردن وروسيا وجنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة والأوروغواي أن أصحاب العمل يميلون إلى تجميع أنواع مختلفة من المهارات الاجتماعية العاطفية ودمجها مع المهارات المعرفية في إعلانات الوظائف. ويُظهر هذا التجميع الطبيعة التكاملية للمهارات الاجتماعية العاطفية، وتطوّر توقعات أصحاب العمل بعد أتمتة الذكاء الاصطناعي للمهام التنبؤية، كرصد الأنماط في سلوك المستهلكين، أو توقّع أحجام المبيعات، أو الإشارة إلى المخاطر المحتملة. ومع ذلك، تظل هذه الأنظمة معتمدة على الرقابة البشرية لإصدار الأحكام والتأطير الاستراتيجي والتقييم الأخلاقي. وكما يرى أغراوال وزملاؤه، فإن انخفاض تكلفة التنبؤ يرفع القيمة النسبية للمهارات البشرية المكمّلة، كالتفسير والحوكمة والوعي بالسياق. وبذلك يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الميزة النسبية للقدرات الإنسانية.
وخلاصة القول إن الإدراك والعاطفة والحكم والإبداع لدى الإنسان تشكّل النسيج الرابط للتعاون الناجح بين الذكاء الاصطناعي والإنسان. ففي عالم تستطيع فيه الآلات الحساب بسرعة أكبر، والتعرّف على الأنماط على نطاق واسع، وتحسين القرارات الروتينية، تتمثّل القدرات الفريدة التي يجلبها البشر إلى مكان العمل في القدرة على التكيّف مع غير المتوقع، وتقدير الانعكاسات الأخلاقية، والتواصل عبر التخصصات، والتعلّم المستمر. ويُعدّ الإبداع والفضول وتعلّم كيفية التعلّم أموراً حيوية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع تخيّل نماذج فكرية جديدة، وإن كان قد يكتشف حلولاً مستحدثة لم تخطر للبشر قط ضمن النموذج القائم. فطرح أسئلة جديدة وإعادة صياغة المشكلات يتطلبان براعة إنسانية. وتؤكد هذه الاتجاهات تحوّلاً أوسع في طريقة تقديرنا للعمل؛ فالأمر لا يتعلق بما نفعله فحسب، بل بكيفية فعله وسببه: كيف نتعامل مع عدم اليقين، وكيف نتواصل مع الآخرين، وكيف ندمج المعنى والإنصاف في العمليات التي تقودها التقنية. ومن ثمّ فإن هذه المهارات شرط مسبق لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نحو متمحور حول الإنسان وعادل.
2.3 التغيرات في الطلب على المهارات اليدوية
تشير المهارات اليدوية إلى القدرات البدنية اللازمة لأداء الوظائف، وتشمل براعة الأصابع، والتناسق بين اليد والقدم والعين، والمهارات البدنية المرتبطة بالقوة الجسدية. وكثيراً ما تُناقش في سياق المهام الروتينية وغير الروتينية، وتؤدي دوراً مهماً في قطاعات كالصناعة التحويلية والبناء والزراعة والنقل والتعدين والخدمات. وتتوقف قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على أداء المهام التي تتطلب مهارات يدوية على التقدّم التقني في مجال الذكاء الاصطناعي المادي. كما تتوقف على طبيعة البيئة التي يُتوقع أن تعمل فيها الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أي ما إذا كانت مضبوطة أو غير مضبوطة، وعلى طبيعة المهام المطلوب أداؤها، أي ما إذا كانت روتينية أو غير روتينية.
وقد دخلت الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالفعل إلى القوى العاملة في البيئات المضبوطة ذات المهام المنظّمة والروتينية والمتكررة، كفرز الطرود وحمل الأوزان في المستودعات، مما أحدث تحولات في الأدوار الوظيفية ومتطلبات المهارات وظروف العمل. فبعد أن أدخلت أمازون الروبوتات المتنقلة الذاتية، أصبح موظفو المستودعات أكثر انشغالاً بمهام كالصيانة واستكشاف الأعطال وإصلاحها، بدلاً من الالتقاط اليدوي المتواصل. ويشير ذلك إلى أن الأهمية النسبية للمهارات البدنية، أي القوة الجسدية، وبعض مهارات براعة الأصابع البسيطة اللازمة للمهام الروتينية لدى موظفي المستودعات قد تراجعت على ما يبدو. غير أنه حتى في البيئات عالية الأتمتة، لا تزال بعض المهام تتطلب تدخلاً بشرياً بمهارات أكثر تطوراً في براعة الأصابع. ففي المستودعات الروبوتية، لا تزال مهام كإدارة المخزون من اختصاص البشر، ويتعيّن على العمال التعامل مع الأغراض التي يصعب على الروبوتات الإمساك بها بسبب تنوّع أشكالها. وتُظهر هذه الحالات تحوّل متطلبات المهارات لدى عمال المستودعات من المهارات اليدوية الخالصة إلى مهارات أكثر معرفية تتعلق بالإشراف على الأنظمة المؤتمتة ودعمها من خلال إدارة الاستثناءات.
ولم تشهد تطبيقات الذكاء الاصطناعي المادي حتى الآن سوى حالات استخدام محدودة في البيئات الواقعية الديناميكية غير المضبوطة ذات المهام غير المنظّمة وغير الروتينية. فالقيادة الذاتية من المستويين الرابع والخامس خارج نطاق التصميم التشغيلي المحدد لا تزال في الغالب في مرحلة النماذج الأولية والتجارب مع تدخّل بشري، لأن أتمتة المهام البدنية غير الروتينية في البيئات غير المضبوطة أمر عسير على نحو معروف. والواقع أن وتيرة التقدّم التقني في مجال الذكاء الاصطناعي المادي بطيئة نسبياً. ففي التقرير الختامي للاجتماع التقني لمنظمة العمل الدولية حول مستقبل العمل في صناعة السيارات، كان من المتوقع أن ينمو سوق المركبات الذاتية القيادة بنسبة 63.1% سنوياً بين عامَي 2021 و2030، متفوقاً على سوق السيارات التقليدية بحلول عام 2030. غير أن أحدث مسح للخبراء يشير إلى أن النمو الفعلي لم يكن متسارعاً كما كان متوقعاً، ولا سيما للمركبات ذات الاستقلالية العالية من المستوى الرابع والكاملة من المستوى الخامس.
وتشير بعض الدراسات إلى أن المنشآت شديدة التعرّض للذكاء الاصطناعي قد تُحدث آثاراً غير مباشرة، فترفع التوظيف والأجور في المهن المكمّلة، التي كثيراً ما تكون في الخدمات الأدنى مهارة. فمن خلال التركيز على التعرّض للذكاء الاصطناعي على مستوى المنشأة، وجدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية طلباً متزايداً على المهارات المرتبطة بالإنتاج والتقنية وعلى المهارات اليدوية في المنشآت الأكثر تعرّضاً للذكاء الاصطناعي. وتوجد مجموعات المهارات هذه التي يتزايد الطلب عليها بصورة غير متناسبة في المهن منخفضة التعرّض، وتشمل مهارات كالصيانة والإصلاح وقيادة الرافعات الشوكية، ومهارات أكثر أساسية كالبراعة ورفع الأثقال ونطاق الحركة. ومن ثمّ يؤثر اعتماد الذكاء الاصطناعي أيضاً في المهن منخفضة التعرّض من خلال زيادة الطلب على بعض مهارات العمل اليدوي، ربما عبر أثر إنتاجي يرفع الطلب وينتقل إلى هذه المهن داخل المنشآت. وقد يشير ذلك إلى أن المهارات اليدوية قد تشهد طلباً متزايداً بفعل أوجه التكامل مع الذكاء الاصطناعي في الإنتاج.
ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أيضاً أن تغيّر استخدام المهارات اليدوية في بعض المهن عالية المهارة. ومن الأمثلة على ذلك المهارات اليدوية عالية التخصص لدى الجرّاحين، إذ تتزايد ممارسات الجراحة الروبوتية نتيجة لنمو العمليات الأقل تدخلاً التي تضمن تعافياً أسرع للمرضى. والجراحة الروبوتية ليست بالضرورة أفضل من الجراحة البشرية، وقد تظل المهارات اليدوية ضرورية لاستخدام الروبوتات، لكنها مهارة مختلفة. ويتضمّن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الجراحة الروبوتية تعزيز الاستقلالية، وتكييف الأساليب الجراحية لكل مريض، وتحسين التدريب الجراحي عبر المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات الواقع الافتراضي. ومن ثمّ يُرجَّح أن تتطوّر مهارات الجرّاحين، مع تولّي الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية وتعزيزه الدقة، لكن مع خطر تجريدهم من المهارة إذا أفرطوا في الاعتماد على التقنية.
كما يغيّر الذكاء الاصطناعي المهارات المستخدمة في الفنون الإبداعية لدى الرسامين والنحاتين والموسيقيين بعد أن غدا أداة جديدة، مما قد يزيد المنافسة على وظائف الفن للمبتدئين وبعض الوظائف الفنية التجارية، ويدفع الفنانين إلى إبراز العملية الإبداعية وفن السرد والإبداع الإنساني الفريد بوصفها شكلاً من أشكال القيمة. وسيظل الفنانون بحاجة إلى مهاراتهم اليدوية في الإبداعات الإنسانية، مع تركيز أكبر على الحِرفية المادية الفريدة والسرد الإنساني. وقد ترتفع قيمة الفن اليدوي وأعمال الحِرف المادية لتمييزها عن محتوى الذكاء الاصطناعي المنتج بكميات ضخمة. وعلى نحو مماثل، أتمت الذكاء الاصطناعي بالفعل بعض المهام الموسيقية، لكن مع تزايد انتشار الموسيقى المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، قد تزداد قيمة العروض الحية لما تتمتع به من أصالة وعنصر إنساني.
وخلاصة القول إن المهارات اليدوية اللازمة للمهام الروتينية تفقد أهميتها النسبية بسبب تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي المادي على تولّي المهام اليدوية البسيطة، في حين تظل مهارات براعة الأصابع والتناسق بين اليد والقدم والعين اللازمة للمهام غير الروتينية أقل تأثراً نسبياً. وفي المستقبل، قد يسهم العمال منخفضو المهارة في المصانع أنفسهم في جمع «بيانات العالم الواقعي» حول مهامهم اليدوية، وقد تسعى الشركات إلى الاستعاضة عن عمال المصانع بتحقيق اختراقات في الذكاء الاصطناعي المادي. ويؤكد مسح أصحاب العمل الذي أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي أيضاً تراجعاً صافياً في أهمية البراعة اليدوية والتحمّل والدقة في المهام الروتينية والطلب عليها. وفي الوقت ذاته، لم يشهد الذكاء الاصطناعي المادي حتى الآن سوى حالات استخدام محدودة في البيئات غير المضبوطة ذات المهام غير المنظّمة وغير الروتينية. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك رعاية طفل أو شخص مسنّ؛ إذ يصعب في الوقت الراهن محاكاة المهارات اليدوية المطلوبة في مهن الرعاية هذه، وقد تفضي التطورات المستقبلية إلى تقدير أعلى لهذه الوظائف والمهام، بالنظر إلى أنه لا توجد آلة تستطيع أداءها بالجودة ذاتها حتى الآن.
ويشير الاستنتاج العام لهذا الفصل إلى احتمال تزايد الطلب على المهارات العليا، ولا سيما في المجالين المعرفي والاجتماعي العاطفي، بفعل اعتماد الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا الطلب المتزايد لا يترجم تلقائياً إلى تحسّن في جودة الوظائف. ففي بعض السياقات، قد تؤدي إعادة تنظيم المهام المدفوعة بالذكاء الاصطناعي إلى تكثيف العمل، أو زيادة المتطلبات المعرفية والعاطفية، أو تحميل العاملين مسؤولية أكبر عن الرقابة والحكم دون استقلالية أو تدريب أو أجر كافٍ. ولهذا السبب، يتطلب تحليل التغيرات في الطلب على المهارات الاهتمام أيضاً بجودة الوظائف وظروف العمل وحماية العاملين. ويكتسب ذلك أهمية خاصة للفئات الهشة، كالشباب متوسطي المهارة الباحثين عن وظائف للمبتدئين، والعاملين الأكبر سناً الذين يشغلون أعمالاً مكتبية وكثير منهم من النساء. فمنافع الذكاء الاصطناعي موزّعة، وستظل موزّعة، على نحو غير متكافئ، مما يدفع الاستقطاب إلى مزيد من الحدة، ومن ثمّ تبرز الحاجة إلى سياسات وبرامج لدعم هذه الفئات.
