الملخص التنفيذي
تعمل الوتيرة السريعة لتحويل التقنيات الناشئة إلى تطبيقات تجارية على إعادة تشكيل أساليب العمل ونماذج الأعمال ومسارات استقطاب المواهب. ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى مرحلة الاندماج الفعلي في العمليات، فإن سرعة تطوره والمسار الذي يسلكه يزيدان من حالة عدم اليقين بشأن تأثيراته المحتملة في الشركات والعاملين والاقتصاد العالمي.
وتختلف كذلك آراء قادة الأعمال بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي. فعلى المستوى العالمي، يتوقع نحو 54% منهم أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إزاحة وظائف قائمة، بينما قال 24% إنه سيخلق وظائف جديدة. كما أشار ما يقرب من 45% إلى أن زيادة هوامش الأرباح ستكون من التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي، في حين يتوقع 12% فقط أن يؤدي إلى ارتفاع الأجور.
لن يتحدد مستقبل أماكن العمل وسلاسل القيمة بفعل التكنولوجيا وحدها. فالاستراتيجيات والاستثمارات المتعلقة برأس المال البشري التي يتم إعطاؤها الأولوية اليوم ستحدد مدى قدرة المجتمعات والشركات منفردة على التكيف مع الاقتصاد الجديد وقيادته.
تحويل عدم اليقين إلى استشراف
تستخدم سلسلة حوارات «سيناريوهات الاقتصاد العالمي» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي تحليل السيناريوهات والحوار العابر للقطاعات لمساعدة صناع القرار على التعامل مع تطورات الاقتصاد العالمي وفهم تداعياتها على الاستراتيجيات والقرارات الاستثمارية.
وتجمع هذه الورقة البيضاء آراء ورؤى أعضاء مجتمع كبار مسؤولي الاستراتيجية التابع للمنتدى، إلى جانب خبراء من مجتمعات القطاعات المختلفة وشبكة الاستشراف العالمي التابعة للمنتدى.
وتستكشف هذه النسخة الثانية من السلسلة الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها تطورات الذكاء الاصطناعي واتجاهات المواهب، والمسارات المحتملة لكليهما حتى عام 2030، في مستقبل الوظائف، وما قد ينجم عنها من تداعيات متباينة على استراتيجيات الشركات وقراراتها الاستثمارية.
أربعة سيناريوهات لمستقبل الوظائف في عام 2030
يؤدي الجمع بين مساري تطور الذكاء الاصطناعي وتنمية المواهب إلى أربعة سيناريوهات لمستقبل الوظائف في عام 2030.
التقدم فائق السرعة: تعيد الاختراقات المتسارعة والمتنامية بصورة هائلة في الذكاء الاصطناعي تشكيل القطاعات ونماذج الأعمال وأساليب العمل. ترتفع الإنتاجية بقوة ويزدهر الابتكار. ويسمح الانتشار الواسع للاستعداد للذكاء الاصطناعي للأفراد بالاستفادة من «القفزة نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، والتكيف مع اقتصادات تتمحور حول الذكاء الاصطناعي، والحد جزئيًا من فقدان الوظائف. تختفي وظائف كثيرة، إلا أن وظائف ومهنًا جديدة تظهر وتتوسع بسرعة، ويشمل ذلك قيام البشر بإدارة مجموعات كبيرة من الآلات القادرة، والتحول إلى منسقين لوكلاء الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، تجد شبكات الأمان الاجتماعي والأطر الأخلاقية وأطر الحوكمة صعوبة في مواكبة سرعة التغيير وحجمه.
عصر الإزاحة الوظيفية: يفوق التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي قدرة القوى العاملة على التكيف. تتسابق الشركات نحو الأتمتة باعتبارها حلًا سريعًا للنقص في المواهب، ما يؤدي إلى إزاحة العمال بوتيرة أسرع من قدرة أنظمة التعليم وإعادة التأهيل المهني على الاستجابة. ويتولى الذكاء الاصطناعي الوكيلي عمليات رئيسية، الأمر الذي يطلق موجة كبيرة من مكاسب الإنتاجية، لكنه يولد كذلك مخاطر جديدة. وتتقدم الاقتصادات تكنولوجيًا بسرعة، لكنها تتشظى اجتماعيًا؛ فترتفع البطالة بشدة، وتتراجع ثقة المستهلكين، وتواجه الحكومات مخاطر اجتماعية متفاقمة وعدم استقرار متزايدًا.
اقتصاد «المساعد الذكي»: يؤدي التقدم التدريجي للذكاء الاصطناعي وتوافر المهارات الجاهزة للعمل معه إلى تحويل التركيز نحو تعزيز القدرات البشرية بدلًا من الأتمتة الشاملة. وتفسح موجة الحماس المفرط للذكاء الاصطناعي التي ميزت عشرينيات القرن الحادي والعشرين المجال أمام اندماج عملي وواقعي. وتشهد معظم القطاعات تحولًا تدريجيًا مع قيام فرق تجمع بين البشر والذكاء الاصطناعي بإعادة تشكيل سلاسل القيمة. أما البلدان والشركات التي استثمرت مبكرًا في التدريب والتنقل والبنية التحتية الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي، فقد أوجدت الظروف اللازمة لاستيعاب التقنيات الناشئة وتطويرها.
التقدم المتعثر: يلتقي التقدم المستقر للذكاء الاصطناعي مع قوة عاملة تفتقر إلى المهارات الحيوية. ويصبح نمو الإنتاجية متفاوتًا، بينما تعتمد الشركات على الأتمتة لتعويض نقص المواهب. وتتركز المكاسب داخل الشركات والمناطق الجغرافية التي تمتلك خبرات في الذكاء الاصطناعي، في حين تتراجع القدرة التنافسية لدى الآخرين. ويطال فقدان الوظائف أساسًا الأدوار الروتينية، بينما ترتفع قيمة المهن الفنية والحرفية والوظائف اليدوية الماهرة. وتتبدد الآمال بتحقيق ازدهار مدفوع بالذكاء الاصطناعي لتحل محلها حالة من الإحباط، إذ تؤدي فجوات التبني إلى زيادة عدم المساواة، وخلق اقتصاد منقسم إلى مسارين، والحد من النمو.
يوفر الاستشراف منظورًا يسمح باستكشاف أوجه عدم اليقين الحاسمة وصياغة استراتيجيات تساعد على التعامل مع التحولات الجذرية والاستفادة منها.
استراتيجيات للمستقبل
استنادًا إلى سرديات السيناريوهات، وتحليل تداعياتها على الشركات عبر مختلف الاحتمالات المستقبلية، والحوارات مع كبار مسؤولي الاستراتيجية والخبراء، تم تحديد مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن وصفها بأنها خيارات «لا ندم عليها»، لأنها تساعد الشركات على الاستعداد اليوم لأي سيناريو محتمل:
– ابدأ على نطاق صغير، وابنِ بسرعة، ووسّع نطاق ما يثبت نجاحه.
– وائم بين استراتيجيات التكنولوجيا واستراتيجيات المواهب.
– استثمر في التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي وفي أساليب العمل القائمة على الوكلاء.
– استثمر في حوكمة البيانات والبنية التحتية.
– استبق احتياجات المواهب وحصّن سلاسل القيمة للمستقبل.
– عزز الثقافة التنظيمية والثقة في التقنيات الناشئة.
– استعد لتأثيرات مختلفة باختلاف المهن والمهام والأسواق.
– صمّم أساليب عمل متعددة الأجيال.
– استفد من الشراكات الاستراتيجية.
وبحسب تصورات مجتمع الأعمال، يتوقع المشاركون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى:
إزاحة عدد كبير من الوظائف القائمة: 54.3%.
زيادة هوامش أرباح الشركات في عدد من القطاعات: 44.6%.
زيادة إمكانية الوصول إلى السلع والخدمات: 37.0%.
زيادة القدرة على تحمل تكاليف السلع والخدمات: 30.0%.
زيادة تركز الصناعات في عدد من القطاعات: 23.6%.
خلق عدد كبير من الوظائف الجديدة: 23.5%.
زيادة التمييز ضد مجموعات ديموغرافية معينة: 21.4%.
الارتفاع بالأجور: 12.1%.
1. المقدمة
إن تقاطع التقنيات الناشئة الجذرية مع تحول القوى العاملة يخلق فرصًا ومخاطر جديدة للنمو
يعمل تلاقي عدة قوى تحويلية على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. ومن المتوقع أن تؤدي الاتجاهات العالمية الكبرى، مثل التجزؤ الجيواقتصادي والتغير التكنولوجي والتحول الأخضر وغيرها، إلى خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، وفي الوقت ذاته إزاحة نحو 92 مليون وظيفة قائمة.
ويُعد التسارع السريع للتقنيات الناشئة الجذرية وتحويلها إلى تطبيقات تجارية، مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل والروبوتات، من بين أكثر الاتجاهات تأثيرًا وتحويلًا. وخلال السنوات القليلة الماضية، انتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى مرحلة الاندماج في سير العمل، إذ ارتفعت نسبة الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من 55% في عام 2022 إلى 88% وفق أحدث التقديرات.
ويَعِد تبني هذه التقنيات بمكاسب منهجية في الإنتاجية، لكنه يثير في الوقت نفسه أسئلة جوهرية تتعلق بالشمول الاقتصادي والقيم والثقة والقدرة على الصمود.
ووفقًا لمسح سنوي أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي وشمل أكثر من 10 آلاف مسؤول تنفيذي حول العالم، يتوقع نحو 54% من المشاركين أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إزاحة وظائف قائمة، بينما قال 24% إنه سيؤدي إلى خلق وظائف جديدة. ويتوقع أكثر من أربعة من كل عشرة مسؤولين تنفيذيين شملهم المسح أن يزيد الذكاء الاصطناعي هوامش أرباح الشركات، فيما توقعت نسب أقل بقليل أن يزيد إمكانية الوصول إلى السلع والخدمات بنسبة 37%، وأن يعزز القدرة على تحمل تكلفتها بنسبة 30%. ومن اللافت أن 12% فقط يتوقعون أن يترك الذكاء الاصطناعي أثرًا إيجابيًا على الأجور، بينما يتوقع 24% زيادة في تركز الصناعات.
وتعكس آراء مجتمع الأعمال بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي النسب التالية:
إزاحة عدد كبير من الوظائف القائمة: 54.3%.
زيادة هوامش أرباح الشركات في عدد من القطاعات: 44.6%.
زيادة إمكانية الوصول إلى السلع والخدمات: 37.0%.
زيادة القدرة على تحمل تكاليف السلع والخدمات: 30.0%.
زيادة تركز الصناعات في عدد من القطاعات: 23.6%.
خلق عدد كبير من الوظائف الجديدة: 23.5%.
زيادة التمييز ضد مجموعات ديموغرافية معينة: 21.4%.
الارتفاع بالأجور: 12.1%.
وفي الوقت نفسه، تشهد ديناميكيات المواهب العالمية تغيرات مماثلة. فالاتجاهات الديموغرافية، واستمرار فجوات المهارات، والضغوط الواقعة على شبكات الأمان الاجتماعي تخلق ضغوطًا معقدة ومتراكمة في كثير من الأحيان على أسواق العمل.
كما أن تقلص العمر الافتراضي للمهارات يجعل أنظمة التعليم والتدريب مطالبة بقدر أكبر من المرونة والاستشراف. وعند النظر إلى تأثير الذكاء الاصطناعي وحده، تشير التقديرات إلى أن الطلب على مهارات الإلمام بالذكاء الاصطناعي ارتفع بنسبة 70% بين عامي 2024 و2025.
وتؤدي هذه التحولات مجتمعة، إلى جانب انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيلي، إلى تعميق حالة عدم اليقين المحيطة بمستقبل التكنولوجيا وتداعياتها على الشركات والعاملين والاقتصاد العالمي.
فالتحولات التي كانت تبدو في الماضي وكأنها تنتمي إلى مستقبل بعيد أصبحت تصل الآن بسرعة وعلى نطاق واسع. وتواجه الشركات في مختلف القطاعات منافسة متزايدة للابتكار بسرعة، وتحقيق التوازن بين أولويات استثمارية متغيرة، والتكيف شبه الفوري مع المتغيرات. وفي الوقت ذاته، تتعامل الحكومات مع تقلص الحيز المالي ومع قرارات معقدة تتعلق بكيفية تمكين الابتكار مع الاستمرار في دعم الوظائف والشمول الاقتصادي. وتخلق هذه الاتجاهات فرصًا جديدة للقطاعات وللشركات منفردة، لكنها تنطوي أيضًا على مخاطر.
وعند النظر إلى استراتيجيات الأعمال خلال السنوات الخمس المقبلة، أظهرت نتائج أحدث استطلاع للمنتدى لكبار مسؤولي الاستراتيجية أن تحويل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة إلى تطبيقات تجارية، بنسبة 72%، ونقص المواهب وتحول القوى العاملة، بنسبة 24%، يمثلان اثنين من أكثر الاتجاهات تأثيرًا.
وخلال عامي 2025 و2026، تستخدم سلسلة حوارات «سيناريوهات الاقتصاد العالمي» التابعة للمنتدى تحليل السيناريوهات والحوار بين النظراء وعبر القطاعات لمساعدة صناع القرار على فهم الأنماط المتغيرة للاقتصاد العالمي وما تعنيه للاستراتيجية والقرارات الاستثمارية والقدرة على الصمود.
وتستكشف هذه الورقة الثانية في السلسلة سيناريوهات مستقبل الوظائف عند نقطة التقاء تطور الذكاء الاصطناعي واستعداد القوى العاملة، والمسارات المحتملة لهذين العاملين حتى عام 2030.
يمثل محور تطور الذكاء الاصطناعي سرعة التقدم في قدرات تقنيات الذكاء الاصطناعي واستقلاليتها وحجم هذا التقدم. وتنظر السيناريوهات في مسارين محتملين: تقدم متسارع على نحو أُسّي، وتقدم تدريجي.
أما محور استعداد القوى العاملة فيقيس مدى توافر المهارات لدى العاملين والتي تدعم قدرتهم على الاستعداد لاقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي. وتنظر السيناريوهات في حالتين: استعداد واسع النطاق للذكاء الاصطناعي، واستعداد محدود.
ويولد الجمع بين هذين المحورين أربعة سيناريوهات مستقبلية ممكنة، لكل منها تداعيات مختلفة على استراتيجيات الشركات ونماذج الأعمال والاستثمارات وأساليب العمل.
2. أربعة سيناريوهات لمستقبل الوظائف في عام 2030
تهدف السيناريوهات الأربعة إلى تقديم سرديات مبسطة ومنظمة لمشهد عالمي شديد التعقيد.
ينتج عن تفاعل مساري تطور الذكاء الاصطناعي واستعداد القوى العاملة أربعة سيناريوهات لمستقبل الوظائف في عام 2030.
السيناريو الأول: التقدم فائق السرعة
تعيد الاختراقات المتسارعة بصورة أُسّية في الذكاء الاصطناعي تشكيل القطاعات ونماذج الأعمال وسير العمل. وتقفز الإنتاجية ويزدهر الابتكار. ويسمح الانتشار الواسع للاستعداد للذكاء الاصطناعي للأفراد بالاستفادة من القفزة نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي والتكيف مع الاقتصادات المتمحورة حول الذكاء الاصطناعي والحد جزئيًا من إزاحة العاملين. تختفي وظائف عديدة، لكن مهنًا جديدة تظهر وتتوسع بسرعة، ويشمل ذلك قيام البشر بإدارة مجموعات من الآلات القادرة والتحول إلى منسقين لوكلاء الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تجد شبكات الأمان الاجتماعي والأطر الأخلاقية وأطر الحوكمة صعوبة في مواكبة سرعة التغيير وحجمه.
السيناريو الثاني: عصر الإزاحة الوظيفية
يتجاوز التقدم المتسارع بصورة أُسّية في الذكاء الاصطناعي قدرة القوى العاملة على التكيف. وتتسابق الشركات نحو الأتمتة باعتبارها حلًا سريعًا لتعويض النقص، فتزيح العاملين بسرعة تفوق قدرة أنظمة التعليم وإعادة التأهيل على الاستجابة. ويتولى الذكاء الاصطناعي الوكيلي العمليات الرئيسية، مولدًا طفرة في الإنتاجية، لكنه يخلق في الوقت نفسه مخاطر جديدة. وتتقدم الاقتصادات تكنولوجيًا، إلا أنها تتصدع اجتماعيًا؛ إذ تقفز البطالة وتتآكل ثقة المستهلكين، بينما تواجه الحكومات مخاطر اجتماعية متزايدة وعدم استقرار.
السيناريو الثالث: اقتصاد المساعد الذكي
يؤدي التقدم التدريجي للذكاء الاصطناعي وتوافر مهارات جاهزة للتعامل معه إلى تحويل التركيز نحو تعزيز البشر بدلًا من الأتمتة الشاملة. ويحل الاندماج العملي محل موجة الحماس التي أحاطت بالذكاء الاصطناعي خلال عشرينيات القرن الحالي. وتشهد معظم القطاعات تحولًا تدريجيًا مع قيام فرق بشرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي بإعادة تشكيل سلاسل القيمة. وتكون البلدان والشركات التي استثمرت مبكرًا في التدريب والتنقل والبنية التحتية الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي قد أوجدت الظروف اللازمة لاستيعاب التقنيات الناشئة وتطويرها.
السيناريو الرابع: التقدم المتعثر
يلتقي التقدم المستقر في الذكاء الاصطناعي مع قوة عاملة تفتقر إلى المهارات الأساسية. ويصبح نمو الإنتاجية غير متساوٍ، وتعتمد الشركات على الأتمتة لتعويض نقص المواهب. وتتركز المكاسب في الشركات والمناطق التي تمتلك خبرات في الذكاء الاصطناعي، بينما تواجه جهات أخرى تراجعًا في قدرتها التنافسية. وتطال الإزاحة الوظيفية أساسًا الوظائف الروتينية، بينما تزداد قيمة الحرف الماهرة والمهن اليدوية. وتتراجع الآمال في تحقيق رخاء مدعوم بالذكاء الاصطناعي لتحل محلها حالة من الإحباط، إذ تؤدي فجوات التبني إلى زيادة عدم المساواة، وخلق اقتصاد منقسم، والحد من النمو.
2.1 السيناريوهات في لمحة
يقوم الإطار على محورين:
استعداد القوى العاملة: من محدود إلى واسع الانتشار.
تطور الذكاء الاصطناعي: من تدريجي إلى متسارع بصورة أُسّية.
ينتج عن الاستعداد الواسع للقوى العاملة مع التقدم الأُسّي للذكاء الاصطناعي سيناريو «التقدم فائق السرعة».
وينتج عن الاستعداد المحدود للقوى العاملة مع التقدم الأُسّي سيناريو «عصر الإزاحة الوظيفية».
وينتج عن الاستعداد الواسع مع التقدم التدريجي سيناريو «اقتصاد المساعد الذكي».
أما الاستعداد المحدود مع التقدم التدريجي فيقود إلى سيناريو «التقدم المتعثر».
وتختلف هذه السيناريوهات من حيث الإنتاجية والأتمتة والمشاركة في سوق العمل وعدم المساواة وغيرها من المؤشرات الاقتصادية. ويمكن توضيح الاتجاه المحتمل لهذه المؤشرات بحلول عام 2030 مقارنة بخط الأساس الحالي كما يلي.
المسار المحتمل للمؤشرات الاقتصادية في السيناريوهات الأربعة بحلول عام 2030
قدرة الذكاء الاصطناعي، وفق متوسط أفضل خمسة نماذج في مقياس الفهم متعدد الوسائط واسع النطاق وعبر تخصصات متعددة: خط الأساس 84.2. في سيناريو التقدم فائق السرعة: ارتفاع قوي. في عصر الإزاحة الوظيفية: ارتفاع قوي. في اقتصاد المساعد الذكي: ارتفاع. في التقدم المتعثر: ارتفاع.
الإلمام بالذكاء الاصطناعي والمهارات المرتبطة به: لا توجد قيمة معيارية عالمية معتمدة لخط الأساس. في التقدم فائق السرعة: ارتفاع قوي. في عصر الإزاحة الوظيفية: استقرار أو تغير محدود. في اقتصاد المساعد الذكي: ارتفاع. في التقدم المتعثر: استقرار أو تغير محدود.
نمو إنتاجية العمل سنويًا: خط الأساس 1.5%. في التقدم فائق السرعة: ارتفاع قوي. في عصر الإزاحة الوظيفية: ارتفاع. في اقتصاد المساعد الذكي: ارتفاع. في التقدم المتعثر: استقرار أو تغير محدود.
معدل البطالة: خط الأساس 5%. في التقدم فائق السرعة: ارتفاع. في عصر الإزاحة الوظيفية: ارتفاع قوي. في اقتصاد المساعد الذكي: استقرار أو تغير محدود. في التقدم المتعثر: ارتفاع.
مؤشر ثقة المستهلك: خط الأساس 48.8. في التقدم فائق السرعة: استقرار نسبي. في عصر الإزاحة الوظيفية: انخفاض قوي. في اقتصاد المساعد الذكي: ارتفاع. في التقدم المتعثر: انخفاض.
اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيلي كنسبة من الشركات: خط الأساس 23%. في التقدم فائق السرعة: ارتفاع قوي. في عصر الإزاحة الوظيفية: ارتفاع قوي. في اقتصاد المساعد الذكي: ارتفاع. في التقدم المتعثر: استقرار أو تغير محدود.
استقطاب الأجور، مقاسًا بنسبة إجمالي الأجر بالساعة لأعلى 10% من العاملين أجرًا إلى أدنى 10%: خط الأساس 16.8. في التقدم فائق السرعة: ارتفاع. في عصر الإزاحة الوظيفية: ارتفاع قوي. في اقتصاد المساعد الذكي: ارتفاع. في التقدم المتعثر: ارتفاع قوي.
هامش التشغيل لشركات مؤشر S&P 500 على أساس ربع سنوي: خط الأساس 12.6%. في التقدم فائق السرعة: ارتفاع قوي. في عصر الإزاحة الوظيفية: ارتفاع. في اقتصاد المساعد الذكي: ارتفاع. في التقدم المتعثر: استقرار أو تغير محدود.
لا يوجد حاليًا مقياس عالمي موثوق وموحد لقياس «الإلمام بالذكاء الاصطناعي والمهارات المرتبطة به».
وتشير الاتجاهات المذكورة إلى التغير المحتمل في كل سمة من سمات السيناريو. وجميع القيم ذات طابع عالمي ما لم يُذكر خلاف ذلك. ويستند التحليل إلى سرديات السيناريوهات وإلى استقراء نتائج أبحاث مشابهة، ولذلك فإن اتجاهات التغير توضيحية وتهدف إلى بناء السيناريوهات لا إلى تقديم توقعات حتمية.
2.2 السيناريوهات بالتفصيل
السيناريو الأول: التقدم فائق السرعة
تطور أُسّي للذكاء الاصطناعي، مع استعداد واسع للقوى العاملة.
تعيد الاختراقات الأُسّية في الذكاء الاصطناعي تشكيل الصناعات ونماذج الأعمال وسير العمل. وترتفع الإنتاجية بقوة ويزدهر الابتكار. ويسمح الاستعداد الواسع للذكاء الاصطناعي للأفراد بالاستفادة من القفزة الوكيلية والتكيف مع الاقتصادات التي تتمحور حول الذكاء الاصطناعي، مع احتواء جزء من آثار الإزاحة الوظيفية. وقد اختفت وظائف عديدة، إلا أن وظائف جديدة تنشأ وتتوسع بسرعة، ويقوم البشر بإدارة مجموعات من الآلات القادرة ويتحولون إلى منسقين للوكلاء. غير أن شبكات الأمان الاجتماعي والأخلاقيات وأطر الحوكمة تكافح لمواكبة سرعة التغيير وحجمه.
اتجاه المؤشرات في هذا السيناريو: قدرة الذكاء الاصطناعي ترتفع بقوة؛ الإلمام بالذكاء الاصطناعي والمهارات المرتبطة به يرتفع بقوة؛ نمو إنتاجية العمل يرتفع بقوة؛ البطالة ترتفع؛ ثقة المستهلك تبقى مستقرة نسبيًا؛ انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيلي يرتفع بقوة؛ استقطاب الأجور يرتفع؛ وهوامش التشغيل ترتفع بقوة.
في هذا السيناريو، أدى اختراق أُسّي في قدرات الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تشكيل الاقتصادات وخلق قطاعات جديدة، كما أدى إلى تقليص الفترة الزمنية المتوقعة للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام بصورة كبيرة.
وقد أتاح إعادة تصميم جذري لأنظمة التعليم والتدريب للقوى العاملة التكيف بسرعة. كما ساعدت المنافسة بين نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر على تسريع تطوير الوكلاء مع الإبقاء على التكاليف منخفضة، ما مكّن من تحويل وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات تجارية واسعة النطاق، وأعاد تعريف أساليب العمل والتعلم وخلق القيمة.
وبحلول عام 2030، تكون مهن عديدة قد اختفت بالكامل، بينما تنتقل الوظائف من تنفيذ المهام إلى تصميم الأنظمة البيئية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والإشراف عليها.
وقد تجاوز العائد الإنتاجي الناتج عن دمج الذكاء الاصطناعي التوقعات المبكرة التي رجحت زيادة بنحو 1.3 نقطة مئوية، ما أشعل سباقًا لنشر الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات.
وتجاوز الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي 1.3 تريليون دولار خلال الفترة من 2025 إلى 2030، مع استثمارات في قدرات الحوسبة والبنية التحتية للبيانات حولت الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة إلى فاعل اقتصادي أساسي.
وأدى الانتقال إلى اقتصاد يتمحور حول الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم العديد من التوترات الهيكلية المتعلقة بإزاحة العمال، وفجوات الحوكمة، وضغوط الاستدامة، والأسئلة المتزايدة بشأن دور العامل البشري وقيمته.
المهن والمهام
أُعيدت هيكلة أسواق العمل حول الخطوط الفاصلة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي الوكيلي، مع ارتفاع حاد في نسبة المهام التي تنفذها التكنولوجيا مقارنة بنسبة 22% المسجلة منذ عام 2025. ويصبح العمل البشري أكثر تجزؤًا ومرونة واعتمادًا على الوساطة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي.
ويختفي عدد كبير من الوظائف والمهام التي كانت شائعة في منتصف عشرينيات القرن الحالي أو يتقلص نطاقها.
وتنجح البلدان والقطاعات التي تتمتع باستعداد رقمي قوي والتي استثمرت مبكرًا في التدريب المصمم خصيصًا للذكاء الاصطناعي في كبح البطالة الجماعية إلى حد ما، إذ يصبح العاملون مسؤولين عن الإشراف على مئات «الموظفين الرقميين» وأساطيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي المتخصصين، أو ينتقلون إلى مجموعة أضيق من الوظائف التي تتمحور حول العنصر البشري.
ومع ذلك، تظل إزاحة العمال وتدهور جودة الوظائف ظاهرتين شائعتين في مختلف القطاعات والمناطق الجغرافية.
الآفاق الاقتصادية
تطلق القفزة نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي مكاسب غير مسبوقة في الإنتاجية، مع اقتراب نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من معدلات مكونة من رقمين، وارتفاع كبير في هوامش أرباح الشركات.
وتزداد الاستثمارات العامة والخاصة بسرعة، وتتجه بصورة رئيسية إلى شبكات الذكاء الاصطناعي وقدرات الحوسبة والتقنيات الكمية والبنية التحتية للبيانات ومسارات المواهب والتقنيات المكملة للذكاء الاصطناعي.
وتجعل أدوات الذكاء الاصطناعي الإبداع وريادة الأعمال في متناول ملايين الأشخاص الذين كانوا مستبعدين في السابق بسبب الموقع الجغرافي أو مستوى التعليم.
كما ينتشر الابتكار وإمكانية تجاوز مراحل التطور التقليدية بسرعة عبر القطاعات والمناطق، وتُكسر حدود تاريخية في مجالات مثل الطاقة والمواد والصحة.
لكن تسارع الأتمتة والمخاطر المرتبطة باحتمال ظهور الذكاء الاصطناعي العام يضغطان على الآفاق طويلة الأجل، وعلى ثقة المستثمرين، وعلى الآثار الممتدة للاستدامة.
سلاسل القيمة
يسمح تقارب بنية الذكاء الاصطناعي الوكيلي والتقدم في التقنيات الكمية وتلاشي الحدود بين الأنظمة البيئية المادية والرقمية للقطاعات بإعادة الهيكلة حول طبقات تشغيل قائمة على الوكلاء.
وتصل هذه العملية إلى نقطة تحول تصبح عندها شبكات الذكاء الاصطناعي بأهمية شبكات الكهرباء من حيث مركزيتها للاقتصاد.
ويصبح استخدام التوائم الرقمية والتنسيق الذاتي الشامل من البداية إلى النهاية معيارًا مألوفًا.
عدم المساواة والاستقطاب
تتسع فجوة عدم المساواة مع تضاعف علاوة الأجور تقريبًا للقوى العاملة الجاهزة للذكاء الاصطناعي مقارنة بتقدير بلغ 56% في منتصف عشرينيات القرن الحالي.
أما العاملون في المهن المتمحورة حول الإنسان، بما في ذلك الرعاية والضيافة والقطاع العام والقطاع الثالث، فيشهدون تآكلًا تدريجيًا في أجورهم مع ازدياد المنافسة على هذه الوظائف.
كما يواجه عمال آخرون تراجعًا في قدرتهم التفاوضية رغم المكاسب العامة في الإنتاجية، مع انخفاض الأجور في معظم القطاعات.
المشهد السياسي والتنظيمي
تتخلف الأنظمة التنظيمية عن سرعة وعمق التحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي. وتتأخر الأطر الأخلاقية في التكيف، بينما تكافح شبكات الأمان الاجتماعي لمواكبة التحولات.
وتجرب بعض الحكومات نماذج مثل توزيعات عوائد الذكاء الاصطناعي، وتأمين الأجور، والدخل الأساسي الشامل.
وتواجه حكومات أخرى صعوبة في تحقيق التوازن بين تقلص الحيز المالي بسرعة وتزايد الضغوط الاجتماعية.
السيناريو الثاني: عصر الإزاحة الوظيفية
تطور أُسّي للذكاء الاصطناعي، مع استعداد محدود للقوى العاملة.
يتجاوز تطور الذكاء الاصطناعي المتسارع قدرة القوى العاملة على التكيف. وتتسابق الشركات نحو الأتمتة كحل سريع، فتزيح العمال بوتيرة أسرع من قدرة أنظمة التعليم وإعادة التدريب على الاستجابة. ويتولى الذكاء الاصطناعي الوكيلي عمليات أساسية، مولدًا طفرة في الإنتاجية، إلى جانب مخاطر جديدة. وتتقدم الاقتصادات تكنولوجيًا بينما تتفكك اجتماعيًا، فترتفع البطالة، وتتراجع ثقة المستهلكين، وتواجه الحكومات مخاطر اجتماعية وعدم استقرار متزايدين.
اتجاه المؤشرات: قدرة الذكاء الاصطناعي ترتفع بقوة؛ الإلمام بالذكاء الاصطناعي والمهارات المرتبطة به يشهد تغيرًا محدودًا؛ إنتاجية العمل ترتفع؛ البطالة ترتفع بقوة؛ ثقة المستهلك تنخفض بقوة؛ انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيلي يرتفع بقوة؛ استقطاب الأجور يرتفع بقوة؛ وهوامش التشغيل ترتفع.
في هذا السيناريو، يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة، لكن استعداد القوى العاملة يظل محدودًا. وتفشل أنظمة التعليم والتدريب، العالقة في أساليب تقليدية، في إنتاج المواهب المرنة ومتعددة الوظائف التي يحتاجها اقتصاد قائم أساسًا على الذكاء الاصطناعي.
وتترسخ ثقافة تدفع نحو تسريع التطور بأي ثمن، وتصبح الأتمتة واسعة الانتشار. وتتسابق الحكومات والشركات إلى الأتمتة باعتبارها حلًا مؤقتًا لنقص المواهب، ما يزيد الاعتماد على التكنولوجيا ويؤدي إلى إزاحة العمال على نطاق واسع.
وتؤدي الزيادة في الالتزامات الرأسمالية المخصصة للذكاء الاصطناعي في أواخر عشرينيات القرن الحالي إلى خفض حواجز نشره بصورة جذرية في مختلف القطاعات.
وتتوسع بسرعة النماذج المتنافسة ووكلاء الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل بالكامل. وتصبح الأتمتة أقل تكلفة بكثير من تنفيذ برامج واسعة لتطوير مهارات العاملين وإعادة تأهيلهم.
وتحاول بعض الحكومات والقطاعات تنظيم الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي بهدف الحد من المخاطر الاجتماعية، لكن المنافسة تجعل القيود غير قابلة للاستمرار اقتصاديًا وسياسيًا.
المهن والمهام
تتعرض أسواق العمل لاضطراب شديد نتيجة الإزاحة الجماعية للعاملين وتضييق مسارات التوظيف عبر مختلف مستويات المهارة. ويتولى الذكاء الاصطناعي والأتمتة الشاملة مهام أساسية في مختلف القطاعات.
ولا يعود فقدان الوظائف ظاهرة انتقالية. ففي قطاعات كثيرة، تتقلص مجموعات كاملة من المهن أو تختفي.
وتظهر مهن جديدة مكملة للذكاء الاصطناعي، إلا أن القوى العاملة تجد صعوبة في إعادة اكتساب المهارات والتكيف بما يسمح لها باقتناص الفرص الجديدة.
وتتجاوز نسبة المهام التي تستوعبها التكنولوجيا 50%، وتقترب من 90% في القطاعات الأكثر تعرضًا.
وتدفع ندرة المواهب بعض الشركات إلى إسناد عملية اتخاذ القرار بالكامل إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع قدر محدود أو معدوم من الإشراف البشري.
وبحلول عام 2030، يكاد التنقل العمالي يتوقف. وتجذب الوظائف المتمحورة حول الإنسان والعمل في اقتصاد الوظائف المؤقتة بعض العمال الذين فقدوا وظائفهم، لكنها لا تستطيع استيعابهم جميعًا.
كما أن هذه الوظائف نفسها ليست محصنة ضد الأتمتة، إذ يستمر التسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي في استيعاب مهام جديدة، بالتزامن مع مزيد من التقدم في الروبوتات.
الآفاق الاقتصادية
على الرغم من أن الاختراقات في الذكاء الاصطناعي تحقق مكاسب هائلة في الإنتاجية، فإن عمق الاضطراب يفرض ضغوطًا قوية على الاقتصاد العالمي.
وترتفع التقلبات وحالة عدم اليقين. كما ترتفع هوامش أرباح الشركات، مدفوعة بعدد محدود من الشركات التي تكتسب نفوذًا شبيهًا بنفوذ الدول، وتسيطر على النماذج الأساسية وقدرات الحوسبة ومجموعات البيانات المملوكة لها.
وتحصل هذه الشركات على تأثير غير خاضع للرقابة في الاقتصاد العالمي، وتحدد تكلفة الأتمتة، وتتحكم في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي وفي كيفية حوكمته.
وتتراجع ثقة المستهلكين على المستوى العالمي إلى أقل من أدنى مستوى تاريخي بلغ 44.
وينمو حجم نشر الذكاء الاصطناعي وأعباء العمل في مراكز البيانات بسرعة تتجاوز قدرة شبكات الكهرباء، ما يؤدي إلى تفاقم استهلاك الطاقة والآثار البيئية المرتبطة بالأتمتة.
سلاسل القيمة
تصبح أساليب العمل أكثر اعتمادًا على الخوارزميات. ويعاد تصميم نماذج الأعمال حول هياكل شديدة الأتمتة، وقادرة على تحسين نفسها ذاتيًا إلى حد كبير، ومبنية أساسًا على الذكاء الاصطناعي.
وبحلول عام 2030، تتضاءل فرص التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
وتقوم قطاعات عديدة بتوطين البنية التحتية الرقمية وتبني حزم ذكاء اصطناعي سيادية، إلا أنها تفتقر في النهاية إلى المواهب اللازمة لتحقيق التوازن بين المرونة والكفاءة على نطاق واسع.
عدم المساواة والاستقطاب
تنخفض الأجور عالميًا، لكن سرعة التراجع تختلف بين المناطق والقطاعات. ويصل عدم المساواة في الدخل والفقر إلى مستويات تاريخية.
ويكون العاملون في الوظائف المتمحورة حول الإنسان أكثر حصانة نسبيًا أمام موجة الاضطراب الأولى، إلا أنهم يتعرضون لاحقًا لضغوط نتيجة تشبع أسواق العمل بالباحثين عن هذه الوظائف.
وتتراجع الثقة في المؤسسات وسط ارتفاع المعلومات المضللة وانتشار المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي على نحو يتجاوز مصادر الإعلام التقليدية.
وتتعرض شبكات الأمان الاجتماعي لضغوط تتجاوز قدرتها، ويقوض الاستقطاب شبكات الدعم غير الرسمية.
أما البلدان التي تفشل في تكييف نظم الرعاية الاجتماعية مع الاقتصاد المتمحور حول الذكاء الاصطناعي فتواجه بطالة مزمنة وتصاعدًا في الاستقطاب السياسي.
المشهد السياسي والتنظيمي
تتقلص القواعد الضريبية، وتواجه الحكومات أعباء مالية متزايدة نتيجة البطالة الجماعية، واحتياجات إعادة التدريب، وتوفير الخدمات الأساسية.
وتبحث بعض الحكومات عن توازن جديد من خلال فرض ضرائب على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها التجارية.
وتواجه محاولات توحيد معايير سلامة الذكاء الاصطناعي وحوكمة الأنظمة الوكيلية وأطر البيانات حالة من الجمود.
ويؤدي هذا الاعتماد إلى إدخال نقاط ضعف منهجية. كما تتسبب الانقطاعات، والقيود الجيوسياسية على قدرات الحوسبة، والقيود على الوصول إلى شبكات الذكاء الاصطناعي، في عدم استقرار يمتد إلى الاقتصاد بأكمله.
وتصارع حكومات عديدة مسألة الإشراف الديمقراطي في عالم تُسند فيه قرارات أساسية إلى أنظمة ذاتية التشغيل.
السيناريو الثالث: اقتصاد المساعد الذكي
تقدم تدريجي للذكاء الاصطناعي، مع استعداد واسع للقوى العاملة.
يؤدي التقدم التدريجي في الذكاء الاصطناعي وتوافر المهارات الملائمة إلى تحويل التركيز نحو تعزيز القدرات البشرية بدلًا من الأتمتة الجماعية. وتفسح موجة الحماس للذكاء الاصطناعي المجال أمام دمج عملي، وتشهد معظم القطاعات تحولًا تدريجيًا مع إعادة تشكيل فرق الإنسان والذكاء الاصطناعي لسلاسل القيمة. وقد خلقت البلدان والشركات التي استثمرت مبكرًا في التدريب والتنقل والبنية التحتية الرقمية والحوكمة ظروفًا مناسبة لاستيعاب التقنيات الناشئة وتطويرها.
اتجاه المؤشرات: قدرة الذكاء الاصطناعي ترتفع؛ الإلمام بالذكاء الاصطناعي والمهارات المرتبطة به يرتفع؛ إنتاجية العمل ترتفع؛ البطالة مستقرة نسبيًا؛ ثقة المستهلك ترتفع؛ انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيلي يرتفع؛ استقطاب الأجور يرتفع؛ وهوامش التشغيل ترتفع.
في هذا السيناريو، يسمح التقدم المستقر في الذكاء الاصطناعي وارتفاع مستوى استعداد العاملين للشركات بتبني التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
ويتسع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل محدود العمق. وتشهد معظم القطاعات تحولًا تدريجيًا تقوده عمليات دمج مخصصة للذكاء الاصطناعي وموجهة نحو مهام بعينها، بدلًا من إعادة تصميم هيكلي كامل لسير العمل.
وبعد موجة من الالتزامات الرأسمالية والارتفاعات الضخمة في تقييمات أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تتراجع الآمال بتحقيق قفزات كبيرة في الإنتاجية من دمجه، وتنـفجر «فقاعة الذكاء الاصطناعي» في منتصف عشرينيات القرن الحالي.
ويجف تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا، ما يدفع إلى إعادة ضبط الجداول الزمنية والتوقعات المتعلقة بتحويله إلى تطبيقات تجارية.
وتؤدي الموجة المبكرة من فقدان الوظائف إلى استثمارات أكبر في الاستعداد، بدءًا من مبادرات محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي وتصميم الأوامر والتعليمات، وصولًا إلى تحويل نظم إعادة التأهيل وتطوير المهارات والتدريب.
وتصبح مهارات الذكاء الاصطناعي شائعة بالقدر نفسه الذي أصبحت به المهارات الرقمية الأساسية شائعة في أوائل عشرينيات القرن الحالي.
وعلى الرغم من ارتفاع إزاحة العمال ودوران الوظائف، تبدأ الحكومات والشركات والعاملون بصورة متزايدة في النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة وليس تهديدًا، ويركزون على الدمج العملي واستيعاب التقنيات الناشئة.
المهن والمهام
يستخدم العاملون أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز تنفيذ المهام الروتينية، ويتكيف المديرون مع قيادة فرق تجمع بين البشر والذكاء الاصطناعي.
وتسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في تقليص زمن إنجاز بعض المهام بنسبة قد تصل إلى 80%، بينما تتعرض معظم المهام الإدارية والموحدة والمهام التحليلية الأساسية للتفريغ أو التقليص.
وبحلول عام 2030، تكون أكثر من 40% من المهارات قد تغيرت، وهو معدل يتجاوز التوقعات السابقة.
وتظهر أسواق العمل مستويات أعلى من التنقل والمرونة الوظيفية، مع طلب أقوى على حل المشكلات والمهارات الاجتماعية والإدارية والمهارات البشرية الفريدة.
وتتوسع الوظائف الهجينة التي تجمع بين معرفة الذكاء الاصطناعي وخبرة متخصصة في مجال ضيق.
كما ترتفع نسبة العاملين في اقتصاد الوظائف المؤقتة ورواد الأعمال، إذ يشجع اتساع الوصول إلى الذكاء الاصطناعي والاستعداد الاجتماعي على التجريب.
لكن جودة الوظائف تختلف بصورة كبيرة؛ فهي تتحسن عندما يكون العامل هو من يقود الذكاء الاصطناعي، وتتدهور عندما يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الإبداع البشري والقدرة على المبادرة والتحكم.
الآفاق الاقتصادية
ينجح التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في كسر نمط النمو البطيء للناتج المحلي الإجمالي الذي ساد العقود السابقة.
ومن دون حدوث صدمة أتمتة واسعة، تتراكم مكاسب الإنتاجية تدريجيًا، ويرتفع النمو السنوي في إنتاجية العمل فوق نسبة 1.5% المسجلة في أوائل عشرينيات القرن الحالي.
ويؤدي ارتفاع الديناميكية والابتكار المتسارع بفعل تعزيز القدرات البشرية إلى تقوية ثقة المستهلكين والمستثمرين.
وتساعد الهوامش الأعلى وضغوط التكلفة المنخفضة نسبيًا على استقرار التضخم إلى حد ما، إلا أن اشتداد المنافسة وضيق سوق العمل يبقيان مخاطر التقلب مرتفعة.
وتتمتع الشركات والمناطق التي لديها أطر شفافة لتبني الذكاء الاصطناعي بعلاوات مخاطر أقل وثقة أكبر وتدفقات استثمارية أعلى.
أما الاختلافات في نضج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتكاليف الطاقة فتزيد التباعد بين الاقتصادات الجاهزة للذكاء الاصطناعي وبقية العالم.
سلاسل القيمة
تعيد الشركات تنظيم نفسها حول أساليب عمل أكثر مرونة وتجزؤًا ورقمنة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع إبقاء العاملين البشر في صميم حلقات العمل واتخاذ القرار.
وترتفع كذلك كثافة الأتمتة، لكنها تؤثر بصورة رئيسية في العمليات شديدة التوحيد والمعيارية.
عدم المساواة والاستقطاب
تتسع فجوة عدم المساواة بين العاملين القادرين على التكيف بصورة ديناميكية مع مشهد الذكاء الاصطناعي المتغير وأولئك الذين يظلون خارج هذه الفرص بسبب ضعف الوصول إلى التعليم أو البنية التحتية الرقمية أو أصحاب العمل الداعمين.
لكن أدوات الذكاء الاصطناعي ترفع الحد الأدنى للمهارات، ما يؤدي إلى تضييق فجوات الأجور بدرجة محدودة بين العاملين من ذوي المهارات المتوسطة والعالية.
كما يؤدي صعود العمل عن بعد والعمل المرن وريادة الأعمال إلى توسيع الفرص الاقتصادية في المناطق الطرفية وبين المجتمعات المهمشة.
ومع تجاوز حجم المحتوى المنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي للمحتوى البشري، تتزايد المخاوف المتعلقة بالاستقطاب والمعلومات المضللة.
وتتحول الثقة بصورة أكبر نحو المصادر المنتقاة والمنصات الموثقة والوسطاء البشر.
المشهد السياسي والتنظيمي
تتكاثر معايير الذكاء الاصطناعي ولوائح حماية خصوصية البيانات، لكنها تختلف على نطاق واسع بين الولايات القضائية.
وتستثمر بعض المناطق والقطاعات في توحيد أنظمة الذكاء الاصطناعي والبيانات وضمان قابليتها للعمل معًا.
ويركز آخرون على مناهج أكثر تقييدًا وعلى تأميم أدوات الذكاء الاصطناعي وشبكاته وبنيته التحتية.
كما تتأرجح أطر تنقل المواهب بين مسارات رقمية للمواهب لا تعترف بالحدود، وبين سياسات حمائية تسعى للاحتفاظ بالمواهب داخل الدول.
السيناريو الرابع: التقدم المتعثر
تقدم تدريجي للذكاء الاصطناعي، مع استعداد محدود للقوى العاملة.
يلتقي التقدم المستقر للذكاء الاصطناعي مع قوة عاملة تفتقر إلى المهارات الحيوية. ويصبح نمو الإنتاجية متقطعًا ومتفاوتًا، بينما تعتمد الشركات على الأتمتة لتعويض ندرة المواهب. وتتركز المكاسب في الشركات والمناطق التي تمتلك خبرة في الذكاء الاصطناعي، بينما تتراجع القدرة التنافسية لدى الآخرين. ويتركز فقدان الوظائف في الأدوار الروتينية، بينما ترتفع قيمة الحرف المتخصصة والأعمال اليدوية. ويتحول الأمل في تحقيق ازدهار مدعوم بالذكاء الاصطناعي إلى إحباط، إذ تزيد فجوات التبني عدم المساواة، وتخلق اقتصادًا منقسمًا، وتحد من النمو.
اتجاه المؤشرات: قدرة الذكاء الاصطناعي ترتفع؛ الإلمام بالذكاء الاصطناعي والمهارات المرتبطة به يشهد تغيرًا محدودًا؛ نمو الإنتاجية يبقى محدودًا؛ البطالة ترتفع؛ ثقة المستهلك تنخفض؛ انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيلي يشهد تغيرًا محدودًا؛ استقطاب الأجور يرتفع بقوة؛ وهوامش التشغيل تشهد تغيرًا محدودًا.
في هذا السيناريو، يستمر الذكاء الاصطناعي في التحسن، إلا أن الاختراقات الكبيرة في قدراته تظل نادرة ومكلفة.
وفي الوقت ذاته، لا تتكيف القوى العاملة مع التطورات التدريجية في الذكاء الاصطناعي، ما يجعل تطبيقاته في العالم الحقيقي هشة.
ويؤدي النقص المزمن في المواهب الجاهزة للذكاء الاصطناعي، وارتفاع تكاليف الحوسبة، وظهور أوجه القصور في النماذج القائمة إلى عدم تحقيق مكاسب الإنتاجية المأمولة وزيادة الشكوك تجاه أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتزداد حدة الحذر التنظيمي بعد التداعيات الناجمة عن التصحيح الذي شهدته تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي في الأسواق خلال منتصف عشرينيات القرن الحالي.
وتنتقل الحكومات والشركات إلى نشر انتقائي ومحافظ للذكاء الاصطناعي، مع إعطاء الأولوية لزيادات الكفاءة داخل أساليب العمل القائمة، وتعويض نقص المواهب، ولا سيما في المناطق التي تشهد شيخوخة سكانية سريعة.
ويبقى التقدم التكنولوجي ظاهرًا، لكنه يظل بعيدًا عن أن يكون تحولًا جذريًا، إذ تعرقل القيود الهيكلية النمو والمرونة والتقدم الاجتماعي.
المهن والمهام
ترتفع إزاحة العاملين، إذ تلجأ الشركات إلى الأتمتة لسد فجوات المواهب.
لكن معظم الوظائف تتعرض لتفريغ جزء كبير من مهامها بدلًا من أن تختفي بالكامل، نظرًا إلى بقاء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي غير متكاملة ومتفاوتة.
وينتقل كثير من العاملين الذين فقدوا وظائفهم إلى أعمال أقل إنتاجية وأقل مهارة وأقل حماية، مثل وظائف الخدمات والعمل المؤقت عبر المنصات.
وتكون الوظائف المخصصة لبداية المسار المهني والمهام الإدارية معرضة بصورة خاصة للاستبدال المدفوع بالذكاء الاصطناعي، ما يضيق المسارات التي تسمح للعاملين الجدد بدخول سوق العمل.
كما تتقيد حركة القوى العاملة وإعادة توزيع العاملين وتعزيز قدراتهم بسبب فجوات المواهب وتقادم أطر التدريب.
الآفاق الاقتصادية
يصبح النمو العالمي متفاوتًا. وتحقق مجموعة محدودة من القطاعات والشركات المتقدمة، التي استفادت من استثمارات مبكرة في الذكاء الاصطناعي وفي رقمنة أساليب العمل، زيادات محدودة في الإنتاجية والابتكار.
أما الجهات الأخرى فتجد صعوبة في تحقيق مكاسب واسعة النطاق من الذكاء الاصطناعي.
ويصبح المستثمرون أكثر حذرًا، بينما تؤدي حالة عدم اليقين الراسخة وضعف الآفاق الاقتصادية الكلية إلى تقليص هوامش الأرباح في مختلف القطاعات ورفع تكلفة رأس المال.
وتتراجع ثقة المستهلكين أيضًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الأجور وضعف المزايا الاجتماعية.
سلاسل القيمة
تزداد حالات استخدام الذكاء الاصطناعي، لكنها تبقى محدودة العمق وموجهة نحو مهام بعينها.
وتقوم الشركات برقمنة بعض العمليات القديمة جزئيًا، إلا أنها تفشل في إعادة هيكلة سير العمل.
وتستخدم معظم القطاعات الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام الروتينية، مع إعطاء الأولوية لأدوات الذكاء الاصطناعي العامة والتوليدية، أو إسناد أجزاء من سلاسل القيمة إلى مزودي خدمات يستخدمون الذكاء الاصطناعي.
ولا تنتشر شبكات الوكلاء المتكاملة من البداية إلى النهاية خارج عدد محدود من الشركات المتقدمة.
كما يتراجع استخدام النماذج شديدة التخصيص والمملوكة للشركات بسبب ضغوط التكلفة وعدم اليقين بشأن العوائد على الاستثمار.
عدم المساواة والاستقطاب
يتسع عدم المساواة في الدخل داخل البلدان وفيما بينها. وتتعرض الأجور لضغوط بسبب تبني الذكاء الاصطناعي وإزاحة العمال.
ومع ذلك، يستفيد كثير من العاملين ذوي المهارات العالية من قوة تفاوضية متزايدة في عالم يعاني نقص المواهب وتزداد فيه درجة تعقيد المهام التي لم تتم أتمتتها بعد.
ويؤدي انعدام الأمن الوظيفي المزمن وتراجع الفرص وشبكات الأمان إلى تغذية الاستقطاب وتراجع الثقة.
ويتفاقم الإحباط الاجتماعي عالميًا مع عدم تحقق الوعود السابقة بالازدهار.
المشهد السياسي والتنظيمي
يشدد العديد من الجهات التنظيمية الضوابط والمعايير المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
غير أن توحيد القواعد عالميًا ودمج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يظلان محدودين.
وتستمر الفجوات في الاتساع فيما يتعلق بقدرات الإشراف على الذكاء الاصطناعي، وحماية التكنولوجيا، والرقابة، وخصوصية البيانات.
كما تتوسع سياسات سوق العمل في محاولة لاستيعاب تنامي العمل عبر المنصات، والوظائف غير الرسمية، وتآكل شبكات الأمان، وإعادة توزيع المواهب عبر الحدود.
إلا أن التنفيذ يتعثر بسبب استنزاف الحيز المالي ومحدودية الثقة في المؤسسات.
3. التداعيات على الشركات
صُممت هذه السيناريوهات لدعم الحوار المستند إلى استشراف منظم بشأن مخاطر الأعمال وفرصها واستراتيجياتها.
وتوفر سرديات السيناريوهات الاستكشافية الأربعة منظورًا لتحليل الكيفية التي يمكن بها لديناميكيات الذكاء الاصطناعي والمواهب، ولأوجه عدم اليقين التي تحيط بمسارهما المستقبلي، أن تعيد تشكيل القطاعات واستراتيجيات الشركات.
واستنادًا إلى التحليل الوارد في الأقسام السابقة، وإلى سلسلة من ورش العمل والمشاورات مع كبار مسؤولي الاستراتيجية والخبراء المتخصصين، يستعرض هذا القسم أبرز المخاطر والفرص المرتبطة بالسيناريوهات الأربعة، إلى جانب اعتبارات استراتيجية يمكن أن تساعد الشركات على تعزيز مرونتها وقدرتها التنافسية في هذه الاحتمالات المستقبلية.
السيناريو الأول: التقدم فائق السرعة
أبرز المخاطر
– الثقة المفرطة بالنفس، وتأخر التنظيم، والركون إلى الاطمئنان في ظل تسارع التقدم.
– تعرض شبكات الطاقة لضغوط، وارتفاع أسعار المواد الحيوية، وتصاعد الآثار البيئية الخارجية في حال عدم حدوث اختراق نوعي في التحول الأخضر.
– زيادة أُسّية في التعقيد وقدرات الذكاء الاصطناعي تتجاوز قدرة الشركات والحكومات على التكيف، ما يؤدي إلى تقادم سريع للتقنيات، وظهور ديناميكية «الفائز يحصد كل شيء»، وإضعاف السيطرة على وكلاء الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل والنماذج المملوكة التي تتكاثر بسرعة.
أبرز الفرص
– تحقيق اختراقات في نمو الإنتاجية وكفاءة التكلفة والابتكار.
– يؤدي تلاشي الحدود بين الشبكات المادية والافتراضية إلى إنشاء أنظمة بيئية مترابطة ومبنية أساسًا على الذكاء الاصطناعي، ويقلل من أهمية الحدود الجغرافية عند الوصول إلى المواهب والأسواق وسلاسل القيمة الحيوية.
– تحقيق قفزات سريعة في التنمية وتطوير رأس المال البشري، مع نمو السلع والخدمات فائقة التخصيص، والتعليم والرعاية الصحية المصممين بواسطة الذكاء الاصطناعي، والاستثمارات في محو الأمية وطول العمر والرفاه.
اعتبارات استراتيجية
– إعادة تصميم نماذج الأعمال حول شبكات الوكلاء، والعمليات ذات الاستقلالية العالية، ومسارات المواهب المكملة للذكاء الاصطناعي.
– توسيع البنية التحتية للبيانات، وتحسين كفاءة الشبكات، وتعزيز تكامل سلاسل القيمة ومرونتها.
– الاستثمار في المرونة، وبناء الأنظمة البيئية، والريادة في حوكمة الذكاء الاصطناعي.
– مواءمة استراتيجيات المواهب مع استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، وإشراك العاملين والحكومات وأبرز أصحاب المصلحة في القطاع في عمليات نشر الذكاء الاصطناعي.
السيناريو الثاني: عصر الإزاحة الوظيفية
أبرز المخاطر
– ظهور نقاط عمياء في صنع القرار، والاعتماد المفرط على أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وغياب الإشراف، ما يرفع المخاطر النظامية ومخاطر التلاعب المعرفي.
– نقص المواهب في الوظائف الحيوية وفي وظائف تصميم الذكاء الاصطناعي وبنيته المعمارية والإشراف عليه.
– تركز القوة لدى عدد محدود من منصات التكنولوجيا والحكومات، بما يؤدي إلى تشويه الأسواق والأطر التنظيمية.
– انهيار الأسس الاجتماعية والاقتصادية في أعقاب البطالة الجماعية، وانهيار شبكات الأمان الاجتماعي، وتصاعد الآثار البيئية الخارجية، والمعلومات المضللة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
أبرز الفرص
– توسع العمليات ونماذج الأعمال ودورات البحث والتطوير شديدة الرشاقة والمبنية أساسًا على الذكاء الاصطناعي.
– تحول النشر الشفاف والمسؤول للذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات إلى مصادر رئيسية للثقة والسمعة والتميز التنافسي.
– إعادة تصميم هيكلية لأساليب العمل والتعليم وخلق القيمة وإعادة توزيعها.
اعتبارات استراتيجية
– تعزيز القدرة على الصمود، ووضع خطط مرنة للطلب والاستثمار تساعد على التعامل مع تراجع الاستهلاك وضيق المجال الاقتصادي الكلي.
– تعزيز معايير البيانات وتنويع أدوات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لتقليل الاعتماد على نموذج أو مزود واحد.
– إضفاء طابع مؤسسي على الأدوار المتمحورة حول الإنسان وأطر اتخاذ القرار البشري لضمان الإشراف والسيطرة على العمليات الحيوية في ظل تقلص مجموعة المواهب المتاحة.
– إشراك الجهات التنظيمية وأصحاب المصلحة الرئيسيين في الأتمتة وإعادة تصميم سير العمل.
السيناريو الثالث: اقتصاد المساعد الذكي
أبرز المخاطر
– الاعتماد النظامي المفرط على العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يقلل من الحكم البشري ويزيد مخاطر نقاط ضعف النماذج والتحيزات وفجوات الحوكمة.
– تشدد البيئة المالية وضعف ثقة المستثمرين عقب انفجار «فقاعة الذكاء الاصطناعي».
– التباعد التشغيلي، إذ تتأخر القطاعات والمناطق التي تفرط في التنظيم أو تقلل من الاستثمار.
– تصاعد المنافسة الاستراتيجية حول قدرات الذكاء الاصطناعي وميزة المواهب والسيطرة على سلاسل القيمة الحيوية.
أبرز الفرص
– تسريع دورة الابتكار وتحقيق اختراقات متقدمة في القطاعات الرئيسية.
– يؤدي اتساع تبني الذكاء الاصطناعي إلى جعل الفرص أكثر تكافؤًا، ومضاعفة القدرة الابتكارية للإنسان، وتمكين العاملين من التركيز على حل المشكلات المعقدة والمهام ذات القيمة العالية.
– تعزيز مرونة سلاسل القيمة الحيوية وزيادة قابلية التكامل بين الأنظمة المادية والرقمية.
اعتبارات استراتيجية
– الاستثمار في ريادة طويلة الأجل في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير أطر داخلية للحوكمة والدمج.
– ترسيخ التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وتحديد العمليات التي تعتمد بصورة فريدة على الإنسان، وإعادة تصميم سير العمل القديم والمهام بحيث تستفيد من التعزيز الذي يوفره الذكاء الاصطناعي.
– توسيع أنظمة التدريب وإعادة التأهيل وتطوير المهارات لرفع مستوى الخبرة البشرية وزيادة التنقل الداخلي للعاملين.
السيناريو الرابع: التقدم المتعثر
أبرز المخاطر
– الإفراط في الالتزامات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في ظل تقدم متجزئ وتراجع العائد على الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
– تصاعد الحمائية المتعلقة بالمواهب وفرض قيود على حركتها.
– الركود الاقتصادي، وتقلص الحيز المالي، وتآكل شبكات الأمان الاجتماعي، بما يدفع نحو الاستقطاب وانفصال العاملين عن مؤسساتهم وأعمالهم.
– تؤدي ضغوط التكلفة والسباق لتحقيق عوائد قصيرة الأجل إلى ترسيخ العمليات القديمة وتعطيل إمكانات التحول.
أبرز الفرص
– قدر أكبر من الاعتدال التكنولوجي، إذ يمنح التقدم الأبطأ للذكاء الاصطناعي مجالًا للتنسيق العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي ومعاييره قبل انتشاره على نطاق واسع.
– صعود حلول ذكاء اصطناعي متخصصة بحسب المجالات، والابتكار المحلي، ومسارات المواهب المحلية.
– بيئة أكثر انخفاضًا في المخاطر للتجريب وتنفيذ المشروعات التجريبية.
اعتبارات استراتيجية
– تعزيز الهوامش الاحتياطية التشغيلية والمالية وإعطاء الأولوية للأسواق الأساسية.
– تعزيز استعداد القوى العاملة من خلال مناهج تدريب ديناميكية مصممة بحسب الوظيفة، وتطوير المهارات المكملة للذكاء الاصطناعي، وإنشاء أطر لتنقل المواهب.
– الاستثمار في بنية الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للبيانات لإطلاق مكاسب الكفاءة وتعزيز أساليب العمل المشتركة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
– الاستفادة من الشراكات والتحالفات القطاعية للتخفيف من فجوات القدرات الهيكلية وتوسيع أوجه التكامل في الابتكار.
4. كيف يمكن للشركات أن تستعد اليوم لأي سيناريو
الاستراتيجيات والاستثمارات التي تحصل على الأولوية اليوم ستحدد كيفية تكيف الشركات والقطاعات مع الاقتصاد الجديد، وقدرتها على تولي دور قيادي فيه.
واستنادًا إلى سلسلة من ورش العمل والمشاورات مع كبار مسؤولي الاستراتيجية والخبراء، برزت الاستراتيجيات التالية باعتبارها تحركات محتملة «لا ندم عليها»، ويمكنها مساعدة الشركات على الاستعداد اليوم لأي من السيناريوهات.
وسواء تسارع تطور الذكاء الاصطناعي أو تباطأ، وسواء تكيفت القوى العاملة بالسرعة الكافية أو تأخرت، تهدف هذه الاعتبارات الاستراتيجية إلى مساعدة الشركات على الحد من المخاطر والاستفادة من إمكانات التطورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والمواهب خلال السنوات المقبلة.
ابدأ على نطاق صغير، وابنِ بسرعة، ووسّع نطاق ما ينجح
نفّذ تجارب صغيرة ومضبوطة، وابدأ بالتحديات التشغيلية وتحديات الرقمنة الأقل خطرًا.
وتعلم من حالات الفشل بتكلفة منخفضة، وافهم حالات الاستخدام المختلفة للتكنولوجيا عبر القطاعات والشركات، ثم وسّع نطاق دمج الذكاء الاصطناعي بحذر.
وائم بين استراتيجيات التكنولوجيا والمواهب
مع تسارع وتيرة التحول، يصبح ضمان تطور التكنولوجيا والمواهب جنبًا إلى جنب أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق مكاسب أوسع في الإنتاجية وتعزيز القدرة النظامية على الصمود داخل سلاسل القيمة.
ويجب دمج تعلم الذكاء الاصطناعي في سير العمل نفسه، بما يسمح بتنمية مستمرة وشخصية ومتخصصة للمواهب بحسب المجال.
استثمر في التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي وفي أساليب العمل الوكيلية
سيكون تصميم أساليب عمل تزدهر من خلال التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي ضروريًا لزيادة الثقة والإنتاجية والتبني والمرونة.
وينبغي إعطاء الأولوية للاستثمار في تعزيز القدرات البشرية، ودمج أساليب العمل القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي، وتطوير أنظمة تعلم مدى الحياة جاهزة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحكم السياقي والمهارات الأساسية للقوى العاملة.
استثمر في حوكمة البيانات والبنية التحتية
لا تكون نماذج الذكاء الاصطناعي أفضل من البيانات التي تدربت عليها.
وستكون البيانات الموثوقة مصدرًا بالغ الأهمية لقيمة الشركات وسمعتها والثقة بها.
والشركات التي تستثمر بصورة منهجية في البنية التحتية للبيانات والمعايير والحوكمة ستكون أكثر قدرة على الصمود.
استبق احتياجات المواهب وحصّن سلاسل القيمة للمستقبل
استخدم الاستشراف والتحليلات التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد فجوات المواهب والقدرات الناشئة.
واستثمر في مسارات مرنة للمواهب وفي الشراكات مع مؤسسات التعليم والحكومات.
وطور قدرات تدريب داخلية، وأطرًا لتنقل المواهب داخل القطاعات وبينها، لمساعدة العاملين على الانتقال بين المهن والمهام، وتنمية مهارات متعددة الوظائف ومتكاملة.
عزز الثقافة التنظيمية والثقة في التقنيات الناشئة
سيكون الفضول والمرونة والاستعداد للتجريب عوامل لا تقل أهمية عن الإلمام بالذكاء الاصطناعي في بناء الثقة بالتكنولوجيا ودعم تحول الشركات وقدرتها التنافسية.
وأشرك أصحاب المصلحة الرئيسيين، وضع ضوابط أخلاقية، وضمن الشفافية في تطوير التكنولوجيا ونشرها لمعالجة التحيزات وبناء المساءلة والثقة.
استعد لاختلاف التأثيرات بين المهن والمهام والأسواق
ستختلف سرعة وحجم تأثير تطور الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة بين المهن والمهام والمناطق الجغرافية والقطاعات.
وعلى الرغم من أن كثيرًا من المهام الروتينية والإدارية والتحليلية الأساسية قد تكون الأكثر تعرضًا للإزاحة في المراحل الأولى، فإن مهامًا أخرى قد تصبح أكثر تعرضًا مع تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي.
وقد تتقدم قطاعات مثل الخدمات المالية والخدمات اللوجستية وغيرها بسرعة، بينما تشهد قطاعات البناء والطاقة تحولًا أبطأ.
وفي الوقت نفسه، يمثل تقارب الذكاء الاصطناعي والروبوتات عاملًا حاسمًا من عوامل عدم اليقين، وقد يؤثر في كل من العمال ذوي الياقات الزرقاء والعاملين في الوظائف المكتبية.
صمّم أساليب عمل متعددة الأجيال
ينبغي للعاملين الأكبر سنًا أن يتعلموا من الأجيال الأصغر التي تكون في العادة أكثر إلمامًا بالذكاء الاصطناعي.
ويمكن لبناء فرق تعلم متعددة الأجيال أن يساعد على تسريع التبني وتقليص الفجوات الثقافية.
استفد من الشراكات الاستراتيجية
سيكون العمل مع الشركاء، بمن في ذلك النظراء في القطاع والجامعات والشركات الناشئة ومزودو البرمجيات والمستثمرون، ضروريًا للاستفادة من الخبرات الخارجية وبناء تدفقات معلومات مستمرة والكشف المتواصل عن حالات استخدام وفرص تعلم جديدة.
