الفصل الثالث: الطلب الناشئ على المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي
لعل الأثر الأكثر مباشرة للذكاء الاصطناعي تمثّل في نشوء طلب جديد على مهارات تقنية خاصة بالذكاء الاصطناعي، ومن ثمّ على «قوى عاملة تقنية في مجال الذكاء الاصطناعي» تتولى تطوير أنظمته وأدواته وصيانتها وتطبيقها. وتضم «القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي» درجات متفاوتة من الكفاءة، تتراوح بين باحثي الذكاء الاصطناعي ومهندسيه ذوي الطابع التقني الرفيع، والمستخدمين المهنيين الذين يوظّفون الذكاء الاصطناعي في أداء عملهم. ويتناول هذا الفصل الدراسات التي ركّزت على حجم القوى العاملة الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي وخصائصها، وهي قوى تشهد طلباً سريع النمو على مهاراتها رغم أنها لا تمثّل سوى شريحة صغيرة نسبياً من القوى العاملة. كما يستعرض الأدلة المتاحة حول تباين مستويات كفاءتها التقنية، وبعض الاتجاهات في استقطاب مواهب الذكاء الاصطناعي.
وحتى وقت قريب، لم تكن هناك «مهنة ذكاء اصطناعي» أو تصنيف لتبويب العاملين في هذا المجال. فالتصنيفات المهنية المستخدمة في مسوح القوى العاملة ليست مفصّلة بما يكفي بعدُ لرصد المهارات الدقيقة المطلوبة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. ولذلك يظهر العاملون في هذا المجال بدرجات متفاوتة في مهن مختلفة، ويُصنَّفون مع عاملين تقنيين مماثلين قد لا يشاركون فعلياً في تطوير الذكاء الاصطناعي أو لا يمتلكون المهارات اللازمة لذلك؛ فمهنة علماء الرياضيات والخبراء الاكتواريين والإحصائيين مثلاً تضم مهنة فرعية هي الإحصائيون، يمتلك كثير منهم مهارات الذكاء الاصطناعي، وإن لم يكن ذلك شأنهم جميعاً. وتُستخدم أساليب ومصادر بيانات مختلفة للتغلّب على هذه المشكلة وتقدير حجم القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، كدراسات الحالة والبيانات الإدارية والمسوح التمثيلية على مستوى المنشآت أو العاملين والبيانات الضخمة المستقاة من الإنترنت. ورغم أوجه القصور التي تعتري إعلانات الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت والسير الذاتية، فإنها كثيراً ما تُستخدم لتحديد هؤلاء العاملين أو للاستدلال عليهم. وليس الغرض من هذا التقرير مناقشة مزايا الأساليب ومصادر البيانات المختلفة وحدودها في تحديد القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، بل تقديم لمحة عن الممارسات المتبعة تساعد على فهم التباينات في الحصص المعلنة للعاملين في هذا المجال ضمن القوى العاملة، حتى بالنسبة للبلد ذاته والسنة ذاتها.
وفي غياب تعريف واضح لـ«مهارات الذكاء الاصطناعي»، تُعدّ عادة قائمة بالكلمات المفتاحية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لتصنيف المهام والتقنيات والمهارات المتصلة به. ثم تُراجع هذه الكلمات المفتاحية أحياناً بالتحقق منها مع الخبراء وأصحاب المصلحة في الصناعة وقواعد البيانات المهنية. فكلمات مفتاحية مثل «الذكاء الاصطناعي» و«التعلّم الآلي» تُستخدم على نطاق واسع للاستدلال على مهارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب لغات البرمجة المطلوبة مثل بايثون، أو القدرة على العمل بالبيانات الضخمة وإدارتها. ولمّا كان هذا مجالاً جديداً يشهد تطورات متواصلة، فإن المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتطوّر بسرعة. ومع نضج المجال، أصبحت بعض الكلمات المفتاحية أكثر عمومية وتحوّلت إلى مصطلحات جامعة، في حين غدت أخرى فئات فرعية أكثر تحديداً. وقد أدى ذلك إلى التمييز بين مهارات الذكاء الاصطناعي «العامة» و«المحددة»، وإلى ظهور عدة مجالات فرعية للذكاء الاصطناعي. فالمهارات العامة تشمل مصطلحات كالذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي والرؤية الحاسوبية والترجمة الآلية، بينما تتطلب المهارات المحددة معرفة بنماذج الذكاء الاصطناعي كأشجار القرار والتعلّم العميق والشبكات العصبية والغابات العشوائية، وبأدواته مثل TensorFlow وPyTorch، وببرمجياته مثل Java وGradle.
وعند استخدام إعلانات الوظائف والسير الذاتية لتحديد مهارات الذكاء الاصطناعي، تتحدد أهميتها بعدد المهارات المدرجة وقيمتها المضافة في أداء الوظائف. فشركة لايتكاست مثلاً تصنّف الإعلان الوظيفي بأنه «مرتبط بالذكاء الاصطناعي» إذا تضمّن مهارة واحدة على الأقل من القائمة المحددة سلفاً للكلمات المفتاحية. ويطبّق آخرون معايير أكثر صرامة، تشترط أن يتضمّن الإعلان مهارتين على الأقل من مهارات الذكاء الاصطناعي تنتميان إلى مفاهيم أو منهجيات مختلفة، على ألا تكون إلا إحداهما مهارة مرتبطة بالبرمجيات. وتحول المعايير الأكثر صرامة دون الالتقاط العرضي لإعلانات لا صلة لها بالذكاء الاصطناعي. فحتى لو تضمّن إعلان ما عبارتي «الشبكات العصبية العميقة» و«الشبكات العصبية الالتفافية»، فإنه لا يُعدّ «مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي» ما لم يتضمّن كلمة مفتاحية أخرى مثل «الرؤية الحاسوبية». ذلك أن مهارة برمجية مثل بايثون تُستخدم في مجالات كثيرة حول العالم وليس لأغراض الذكاء الاصطناعي وحدها، واشتراط كلمتين مفتاحيتين على الأقل يستبعد الوظائف التي تتطلب مهارات برمجية تتعلق باستخدام بايثون أو تطويرها في مجالات أخرى، كما أن الاقتصادي لا يشغل وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه «مقدّر الغابات العشوائية» في تحليله. وفي نهج ذي صلة، يميّز أسيموغلو وزملاؤه بين تعريف «ضيق» وآخر «واسع» لوظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة، إذ تقتصر القائمة الضيقة للمهارات على الذكاء الاصطناعي التقني بالمعنى الدقيق، بينما تشمل القائمة الأوسع علم البيانات أيضاً.
ومع تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال العقد الماضي، تزايد عدد مهارات الذكاء الاصطناعي ومجالاته الفرعية وتنوّع تدريجياً. ورغم أن المصطلحات العامة كالذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي لا تزال الأكثر استخداماً للتعبير عن الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي، فقد ظهرت مؤخراً مصطلحات ومجالات أكثر تحديداً، كمعالجة اللغة الطبيعية والذكاء الاصطناعي التوليدي. ففي تحليل لإعلانات الوظائف خلال الفترة من 2019 إلى 2022 في أربع عشرة دولة عضواً، صنّفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مهارات الذكاء الاصطناعي تحت سبعة مجالات فرعية هي: الذكاء الاصطناعي، والتعلّم الآلي، ومعالجة اللغة الطبيعية، والشبكات العصبية، والقيادة الذاتية، والتعرّف على الصور المرئية، والروبوتات. ثم وُسّعت هذه المجالات لاحقاً إلى تسعة لتعكس التطورات الجديدة، بإضافة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته وتنظيمه. كما ارتفع عدد مهارات الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً كبيراً ليتجاوز ثلاثمائة كلمة مفتاحية. ومن المرجّح أن تستمر فئات مهارات الذكاء الاصطناعي هذه في التغيّر، بما يستلزم تحديثات منتظمة وتتبّعاً للتطورات الجديدة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى أن يستقر.
3.1 حجم القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي
رغم الاختلافات في النتائج للأسباب الموضّحة آنفاً، تشير جميع الدراسات إلى مجموعة صغيرة جداً من الأشخاص المنخرطين في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها المهني. ومع ذلك، شهد الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي توسعاً سريعاً خلال العقد الماضي في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حدّ سواء، مدفوعاً بتنامي الحاجة إلى تصميم هذه الأنظمة وتطبيقها وإدارتها. وكما ذُكر سابقاً، تتفاوت القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي بين باحثين ومهندسين ذوي طابع تقني رفيع ومستخدمين مهنيين يوظّفونه في عملهم. وتبعاً لنوع الأساليب التحليلية والتعريفات المستخدمة، تتراوح حصة القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي بين 0.3% و5% من إجمالي العمالة، مع تباين بدرجات متفاوتة عبر الزمن وبين البلدان.
وقد تبيّن أن هذه الحصة بلغت نحو 0.8% من العمالة في عام 2018 وفقاً لدراستي أليكسييفا وزملائها وأسيموغلو وزملائه، وكلتاهما رصدت زيادة كبيرة منذ عام 2012. وتوصّل تحليل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، استخدم بيانات مسح القوى العاملة ومسح السكان وإعلانات الوظائف في أربع وعشرين دولة عضواً، إلى نتائج مماثلة؛ إذ مثّلت القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي 0.34% من العمالة في عام 2019، أي نحو ثلاثة أضعاف حصتها البالغة 0.1% في عام 2012. وثمة تباين كبير في حجم هذه القوى العاملة بين الدول الأربع والعشرين. وتوجد أكبر حصة من العمالة ذات مهارات الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة وفنلندا والسويد وهولندا، بينما تسجّل دول جنوب أوروبا حصصاً أصغر. وقد تركّزت القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي تركّزاً شديداً في مجموعة صغيرة من المهن التقنية عالية المهارة، بما فيها مهندسو البرمجيات والإحصائيون.
ويعكس تحليل آخر لإعلانات الوظائف في أربع عشرة دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية زيادة مماثلة في إعلانات الوظائف ذات الصلة التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي، وإن لم تتجاوز حصتها 1% من إجمالي الوظائف الشاغرة في أي دولة أو أي سنة شملتها الدراسة. وارتفع متوسطها بين الدول من 0.3% في عام 2019 إلى 0.4% في عام 2022. وكان التباين بين الدول كبيراً، وتغيّرت الحصص عبر الزمن. ففي عام 2022، تراوحت حصة إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي بين أدناها، وهي 0.14% في بلجيكا، وأعلاها، وهي 0.84% في الولايات المتحدة. وإلى جانب الولايات المتحدة، لوحظ طلب أعلى في كندا والمملكة المتحدة وسويسرا والسويد. ورغم بعض الاختلافات في النتائج، تلاحظ جميع الدراسات نمواً سريعاً في إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي، وتزايداً في عدد مهارات الذكاء الاصطناعي المطلوبة في كل إعلان.
وفي الجولة الثانية من المسح الأوروبي للمهارات والوظائف التي أُجريت في عام 2021، وجد سيديفوب إجمالاً أن 7% من الموظفين الأوروبيين كانوا يكتبون برامج أو شيفرات بلغة حاسوبية ضمن عملهم الرئيسي، لكن 18% فقط من هؤلاء المبرمجين يكتبون الشيفرات باستخدام أساليب الذكاء الاصطناعي، أي خوارزميات التعلّم الآلي أو التعلّم العميق. وكانت حصة مبرمجي الذكاء الاصطناعي أوسع انتشاراً عبر القطاعات وأقل تركّزاً في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات مقارنة بالقوى العاملة التقليدية من مبرمجي تقنية المعلومات والاتصالات الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في البرمجة. وفضلاً عن ذلك، يُظهر مسح سيديفوب لمهارات الذكاء الاصطناعي لعام 2024 أنه رغم استخدام ما يقارب عاملاً أوروبياً من كل ثلاثة لأدوات الذكاء الاصطناعي أو تقنياته ضمن عمله المعتاد، فإن أقلية فقط من البالغين العاملين بالذكاء الاصطناعي، نحو 4% إلى 5%، هم مطوّرون له.
وتشير دراسة أخرى شملت ثلاثين دولة أوروبية إلى أن الاقتصادات الكبيرة تهيمن على العدد المطلق لإعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي. ففي الفترة من 2023 إلى 2024، نُشر نحو 168 ألف إعلان لـ«وظائف ذكاء اصطناعي» في المملكة المتحدة، تلتها ألمانيا بنحو 102 ألف، وفرنسا بنحو 88 ألفاً. وتستأثر هذه الدول مجتمعة بنسبة 57% من جميع وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة في أوروبا. كما تسجّل إسبانيا والبرتغال وهولندا وبولندا طلباً غير ضئيل على مهارات الذكاء الاصطناعي، إذ يتجاوز عدد إعلانات وظائف الذكاء الاصطناعي في كل منها 25 ألف إعلان. أما من حيث الحصة النسبية لهذه الإعلانات من إجمالي إعلانات الوظائف، فإن المتوسط يبلغ نحو 1%، وتتصدّر الترتيب دول مثل البرتغال وأيرلندا ولوكسمبورغ بنسب تتراوح بين 2% و3%.
وتوضّح المقارنة بين دراسات عدة حول القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة بجلاء اختلاف النتائج الناجم عن استخدام أساليب ومصادر بيانات وتعريفات مختلفة. ففي عام 2019، تراوحت حصة هذه القوى العاملة في الولايات المتحدة بين 0.7% و0.8% و1% و9% بحسب الدراسة. فقد استخدم غيلهاوس وموتيس نموذجاً لعملية تطوير الذكاء الاصطناعي إطاراً لتعريف القوى العاملة فيه، واستناداً إلى تعريفهما تبيّن أن 3% من المهن تُعدّ وظائف «ذكاء اصطناعي تقني»، في حين يرتفع هذا الرقم إلى 9% عند إضافة المهن الأخرى التي «يمكن» أن تتحوّل إلى الذكاء الاصطناعي أو التي تدعم مهن الذكاء الاصطناعي التقنية في تطوير المنتجات أو التسويق.
ويتجلّى مسار نمو الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي على أفضل وجه في الولايات المتحدة، بوصفها بلداً ذا اقتصاد رقمي واستثمارات في الذكاء الاصطناعي متطورة للغاية. فقد وجد صندوق النقد الدولي أن مهارات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة ظهرت في نحو 5% من إعلانات الوظائف في عام 2025، مقارنة بأقل من 1% قبل عام 2015. ويلاحظ معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان أن الحصة العالمية لإعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي تضاعفت أكثر من سبع مرات منذ عام 2014، بما يشير إلى دمج واسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات. وتدعم بيانات التقرير العالمي لآفاق مهارات الذكاء الاصطناعي هذا الاتجاه، إذ كانت إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي تمثّل في عام 2019 أقل من 1% من إجمالي إعلانات الوظائف في الاقتصادات المتقدمة رقمياً، ثم ارتفعت إلى نحو 2% أو أكثر في عام 2024. وخلاصة القول إن حصة القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي من إجمالي العمالة لا تزال صغيرة، لكن الطلب على مهاراته يرتفع بسرعة مع تنامي الحاجة إلى نشر تقنياته ودمجها في مختلف الصناعات.
3.2 خصائص القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي
تُظهر الأبحاث المتعلقة بالقوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي على نحو متسق أن معظمهم رجال بيض ذوو تعليم عالٍ في ذروة سنوات العمل. ويصدق ذلك بوجه خاص على القوى العاملة التقنية في هذا المجال، وإن وُجد بين المستخدمين المهنيين الآخرين للذكاء الاصطناعي بعض حملة المؤهلات الثانوية العليا. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يحمل أكثر من 60% من القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي في المتوسط شهادة جامعية على الأقل في الدول الأربع والعشرين التي شملها التحليل، ولا تتجاوز نسبة النساء بينهم 40%. ويُظهر «مطوّرو الذكاء الاصطناعي» ذوو التخصص الرفيع اختلالاً مرتفعاً على نحو خاص من حيث العرق والنوع الاجتماعي والخلفية الاجتماعية الاقتصادية. والمثال الذي يقدّمه نورسكي من صناعة التقنية الأمريكية لافت للنظر؛ إذ لا تمثّل النساء سوى 15% من العاملين في أبحاث الذكاء الاصطناعي في فيسبوك و10% في غوغل، في حين لا يمثّل العاملون السود سوى 2.5% من القوى العاملة في غوغل و4% في كل من فيسبوك ومايكروسوفت.
ومن حيث الدراسة، تقع المعارف والمهارات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عند تقاطع الرياضيات، بما فيها الإحصاء والتفاضل والتكامل والجبر والخوارزميات والاحتمالات، والعلوم، بما فيها الفيزياء ونظرية التعلّم المعرفي ومعالجة اللغة، وعلوم الحاسوب، بما فيها هياكل البيانات والبرمجة. ووفقاً لماغريني وميلد، درس معظم العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي الذين يشغلون أدواراً تقنية تخصصات متاخمة كعلوم الحاسوب وغيرها من تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات بنسبة 80%، بينما يحمل الباقون مؤهلات من خارج هذه المجالات كلياً. ومن ثمّ تميل المسارات التعليمية لمطوّري الذكاء الاصطناعي إلى أن تكون أوسع من مسارات القوى العاملة التقليدية في تقنية المعلومات والاتصالات، لأنها ليست جاهزة ولا ناتجة عن برامج موحّدة. ويعكس ذلك جزئياً حداثة المجال؛ فالذكاء الاصطناعي يُبنى من نواحٍ كثيرة على علوم الحاسوب وتقنية المعلومات والاتصالات، لكنه يُظهر أيضاً أن الناس يكتسبون مهاراته أثناء العمل أو عبر مسارات بديلة كالحقائب الرقمية والمعسكرات التدريبية المكثفة والشهادات المصغّرة.
وقد كانت الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي أوضح ما تكون في وظائف العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. فمنذ اعتماد الذكاء الاصطناعي، يتركّز العاملون ذوو مهاراته المتخصصة في عدد قليل من المهن عالية المهارة في الدول الأربع والعشرين الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي علماء الرياضيات والخبراء الاكتواريون والإحصائيون، ومطوّرو البرمجيات والتطبيقات، ومديرو تقنية المعلومات والاتصالات، والمتخصصون في قواعد البيانات والشبكات، ومهندسو التقنية الكهربائية. ومن ثمّ تكون مهارات الذكاء الاصطناعي أوثق صلة بمهن كعلماء الحاسوب ومديري تقنية المعلومات وعلماء البيانات، بما في ذلك أدوار كمبرمجي الحاسوب وعلماء الرياضيات ومطوّري البرمجيات ومهندسيها ومهندسي الشبكات والأجهزة ومحللي التنقيب في البيانات ومهندسي قواعد البيانات. وتوجد نتائج مماثلة في المملكة المتحدة، حيث كانت مهن كعالم البيانات وعالم الحاسوب ومهندس الأجهزة ومهندس الروبوتات أكثر المهن كثافة في استقطاب كفاءات الذكاء الاصطناعي في عام 2022.
وأخيراً، حلّل مركز البحوث المشترك في الدول الأوروبية إعلانات الوظائف الخاصة بمتخصصي تقنية المعلومات والاتصالات وحدهم خلال الفترة من 2020 إلى 2023، ووجد أن إعلانات الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في هذا المجال يهيمن عليها مطوّرو البرمجيات والتطبيقات ومحللوها بنسبة 62%، والمتخصصون في قواعد البيانات والشبكات بنسبة 16%. كما تُظهر ثلاث مهن في تقنية المعلومات والاتصالات مستوى أعلى من التخصص في الذكاء الاصطناعي، هي محللو الأنظمة، والمتخصصون في قواعد البيانات والشبكات، ومطوّرو البرمجيات والتطبيقات ومحللوها.
ومن حيث الفئات المهنية، توجد أعلى حصة من القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي بين «المهنيين والمهنيين المساعدين» في قطاعات تقنية المعلومات والاتصالات والتمويل والخدمات المهنية، لكن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية رصدت زيادة في جميع الفئات المهنية تقريباً خلال الفترة من 2012 إلى 2018. وفي دراسة أخرى للمنظمة للفترة من 2019 إلى 2022، كانت نحو 73% من إعلانات الوظائف التي تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي في الدول الأوروبية لشغل وظائف «المهنيين»، و9% لـ«المديرين»، و8% لـ«الفنيين والمهنيين المساعدين»، و10% للمهن الأخرى.
وقسّمت الدراسة التي شملت ثلاثين دولة أوروبية للفترة من 2023 إلى 2024 إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي إلى مجموعتين: الوظائف الشاغرة في مهن تقنية المعلومات والاتصالات، والوظائف الشاغرة في «المهن الأخرى». وإجمالاً، كان نحو ثلثي الوظائف الشاغرة التي جرى تحليلها ضمن مجموعة «المهن الأخرى»، في حين كان الثلث المتبقي ضمن مجموعة مهن تقنية المعلومات والاتصالات. وبطبيعة الحال، فإن حصة هذه الوظائف الشاغرة داخل مجموعة مهن تقنية المعلومات والاتصالات أعلى بكثير، إذ تبلغ 4.3%، من حصتها داخل مجموعة المهن الأخرى التي تبلغ 0.6%، مما قد يعني أن مهارات الذكاء الاصطناعي في طريقها لأن تصبح «مهارة أساسية» لمهن تقنية المعلومات والاتصالات، وأنها تنتشر ببطء في المهن الأخرى.
والواقع أن تحليلاً حديثاً لسيديفوب شمل اثنتين وثلاثين دولة أوروبية، واستند إلى إعلانات الوظائف عبر الإنترنت التي يجمعها سيديفوب بالتعاون مع يوروستات من مركز استخبارات الويب، يصنّف المهن وفقاً لنمو تكرار المصطلحات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال الفترة من 2021 إلى 2024. وتُصنّف المهن التي تذكر الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة في إعلاناتها بحسب وظيفتها في ثلاث مجموعات: «البناء» و«إعادة التصميم» و«التحسين». ويعكس هذا التصنيف الدمج التدريجي للذكاء الاصطناعي في مجموعة أوسع من الوظائف التي تُستخدم فيها تقنيته لأغراض تحسين المنتجات أو المهام أو تصميمها أو الترويج لها، إضافة إلى تطوير التقنية بالمعنى الدقيق ضمن مهن تقنية المعلومات والاتصالات التقنية.
ومن حيث القطاعات الاقتصادية، تتركّز القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر ما تتركّز في ثلاثة قطاعات: تقنية المعلومات والاتصالات، والتمويل والتأمين، والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية. وتفيد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن معظم إعلانات الوظائف التي تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي في عام 2022 في أربع عشرة دولة عضواً كانت في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات بنسبة 24%، والخدمات المهنية بنسبة 25%، والصناعة التحويلية بنسبة 13%. وثمة بعض أوجه التباين بين الدول، ربما تعكس اختلاف التركيب القطاعي لأسواق العمل. فقد وجدت دراسة أخرى ركّزت على المملكة المتحدة أن معظم الطلب تركّز في قطاعي تقنية المعلومات والاتصالات والتمويل والتأمين. واستناداً إلى إعلانات الوظائف في كندا وسنغافورة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة خلال الفترة من 2012 إلى 2018، كانت إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي كبيرة أيضاً في قطاع تجارة الجملة والتجزئة.
وتؤكد الأدلة الحديثة انتشاراً تدريجياً للطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي عبر طيف من القطاعات والمهن، وإن بدرجات متفاوتة وفي بلدان مختلفة. فرغم أن مهارات الذكاء الاصطناعي لا تزال مطلوبة بدرجة أكبر بكثير لمتخصصي تقنية المعلومات والاتصالات، إذ تضمّن 15% من إعلانات وظائفهم في المتوسط مهارة واحدة على الأقل من مهارات الذكاء الاصطناعي مقارنة بنسبة 3% فقط في الأدوار غير المرتبطة بتقنية المعلومات، فإن المنتدى الاقتصادي العالمي يسلّط الضوء على تنامي الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي في التمويل والخدمات اللوجستية والصناعة التحويلية والتعليم والرعاية الصحية. غير أن بعض القطاعات لا تزال متأخرة من حيث حصة إعلانات الوظائف للعاملين من غير المتخصصين في تقنية المعلومات التي تتطلب مهارة واحدة على الأقل من مهارات الذكاء الاصطناعي، كقطاعات التعليم وإمدادات المياه وإدارة النفايات.
وخلاصة القول إن الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات. ففي تحليل حديث آخر لإعلانات الوظائف على المستوى العالمي، ترى لايتكاست أن «وظيفة الذكاء الاصطناعي» لم تعد بالضرورة «وظيفة تقنية»؛ فباستخدام معايير أقل صرامة، تبيّن أن ما يصل إلى 51% من إعلانات الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت خارج مجالي تقنية المعلومات وعلوم الحاسوب في عام 2024، مقارنة بنسبة 39% في عام 2019. ويشير تقرير لايتكاست إلى خمسة قطاعات نما فيها الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي بأسرع وتيرة بين عامَي 2023 و2024، هي الموارد البشرية، والتسويق والعلاقات العامة، والتمويل، والتعليم والتدريب، والعلوم والبحث. ومنذ إطلاق ChatGPT في أواخر عام 2022، ارتفعت إعلانات الوظائف التي تذكر مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي على مستوى العالم بنسبة 800% في الوظائف الواقعة خارج مجالي تقنية المعلومات وعلوم الحاسوب. ومن بين ثمانين ألف إعلان وظيفي عالمي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2024، كان 29050 منها في أدوار غير مرتبطة بتقنية المعلومات.
3.3 القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي بحسب مستوى الكفاءة
يمكن تصوّر المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي على امتداد طيف هرمي، يتراوح بين إلمام محدود بأدوات الذكاء الاصطناعي في حدود مهام بعينها، وكفاءات متطورة في تطوير الذكاء الاصطناعي وهندسته. ومن ثمّ فإن التصنيف الثنائي البسيط، أي ملفات الذكاء الاصطناعي في مقابل غيرها، لا يعكس هذا التعقيد. ويقدّم صندوق النقد الدولي تصنيفاً آخر للمهارات التقنية للذكاء الاصطناعي، يميّز فيه بين مهارات مستخدمي الذكاء الاصطناعي، أي استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي المدمجة في عمليات العمل مثل ChatGPT وGitHub وCopilot، ومهارات مطوّري الذكاء الاصطناعي، أي الكفاءات المتعلقة ببناء النماذج ونشرها، مثل بايثون للتعلّم الآلي وTensorFlow وPyTorch وتقييم النماذج وعمليات التعلّم الآلي. ويتيح هذا النهج الفصل بين أنماط تبنّي الذكاء الاصطناعي وأنماط إنشائه. وبناءً عليه، كان نحو نصف إعلانات الوظائف في الولايات المتحدة في عام 2024 يطلب مهارات مستخدمي الذكاء الاصطناعي فقط، وربعها يشير إلى مهارات مطوّري الذكاء الاصطناعي فقط، والربع الآخر يشير إلى كلا النوعين.
ولعل ملف «مطوّر الذكاء الاصطناعي» هو الفئة الأسهل تحديداً، إذ تلزم الكفاءات التقنية المتقدمة لتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وبنائها وتحسينها. غير أن ملف «مستخدم الذكاء الاصطناعي» ليس بهذا الوضوح، فهو يتفاوت بين من يمتلكون بعض المهارات التقنية لإعادة تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي أو تطبيقها، والمستخدمين غير المتخصصين الذين يتعاملون مع أنظمة وأدوات معزّزة بالذكاء الاصطناعي. ومن الأطر المنطقية لرصد هذا التنوّع نموذج ثلاثي المستويات لأدوار الذكاء الاصطناعي، يتكوّن كل مستوى منه من حزم متماسكة من المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مصنّفة من مستوى الكفاءة الأساسي إلى المتوسط فالمتقدم. والفكرة الكامنة وراء ذلك أن المهارات ليست وحدات مستقلة، بل جوانب من منظومة تعلّم وقدرات ذات بنية هرمية، كثيراً ما تُبنى فيها المهارات المتقدمة على أساس من مهارات أكثر أساسية. فالاقتصادات الحديثة تتطلب مهارات متزايدة التنوّع والتخصص، يتوقف كثير منها على اكتساب مهارات أخرى أكثر أساسية أولاً، وهو ما يُسمى «البنية المتداخلة» لحقائب المهارات، وتتبع تنمية رأس المال البشري والتقدّم المهني هذا المسار المنظّم، إذ تحظى المهارات الأكثر توافقاً مع هذه البنية بعلاوات أجور أعلى، وتتطلب تعليماً أطول، وتقلّ احتمالات أتمتتها، وقد ازدادت هذه البنية وضوحاً خلال العقدين الماضيين بما يشير إلى تزايد العوائق أمام الحراك الوظيفي الصاعد. ويشبه هذا النموذج الفئات الثلاث لوظائف الذكاء الاصطناعي بحسب وظائف «البناء» و«إعادة التصميم» و«التحسين» التي سبق ذكرها.
وقد طوّرت دراسة شملت ثلاثين دولة أوروبية هذا النموذج الثلاثي وطبّقته لتصنيف الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والمعروض منها في أوروبا، مستندة إلى بيانات إعلانات الوظائف من لايتكاست وبيانات الملفات المهنية للقوى العاملة من ريفيليو لابز، ومستعينة بنموذج لغوي كبير لتصنيف المعروض من المهارات عبر المستويات الثلاثة، وبقاموس لمهارات الذكاء الاصطناعي يضم 251 مهارة محددة وُزّعت كل منها على أحد مستويات الكفاءة الثلاثة. وتُصنَّف مهارات الذكاء الاصطناعي في بنية هرمية تنطلق من المهارات الأساسية نحو الكفاءات المتوسطة ثم الأكثر تقدماً، ويُبنى كل مستوى على المهارات القائمة في المستوى الذي يسبقه. وبذلك يتكوّن كل مستوى من حزمة متماسكة من مهارات الذكاء الاصطناعي المسندة إليه، وفق نهج «البنية المتداخلة» لحقائب المهارات. ويُصنَّف الأفراد والوظائف الشاغرة على حدّ سواء بحسب مستوى انخراطهم في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والخبرة التقنية، والأدوار المهنية. وتُعرَّف الفئات الثلاث بالمستوى الصفري أو الأساسي، والمستوى الأول أو المتوسط، والمستوى الثاني أو المتقدم.
فالمستوى المتقدم، مستوى البحث والهندسة في الذكاء الاصطناعي، يشمل الأفراد الذين يعملون أو يدرسون في أدوار تنطوي مباشرة على تطوير تقنيات التعلّم العميق وغيرها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة أو تطبيقها أو البحث فيها، أو الذين يُظهرون مهارات من هذا القبيل. وهم يعملون على بنى معقدة للشبكات العصبية وأنظمة ذكاء اصطناعي في طليعة التطور، كمهندس التعلّم الآلي الذي يطوّر بنى مخصصة للشبكات العصبية، ويحسّن أداء وحدات معالجة الرسوميات، وينفّذ أحدث الخوارزميات. ومن المهارات النموذجية لهذا المستوى أطر التعلّم العميق، وتصميم البنى العصبية، وعمليات التعلّم الآلي، والتعلّم المعزّز. أما المستوى المتوسط، مستوى إتقان البرمجيات والبيانات، فيشمل الأفراد الذين يعملون أو يدرسون في أدوار تقنية، أو يُظهرون مهارات تتعلق بتطوير البرمجيات أو علم البيانات قد تستعين بتقنيات أساسية للتعلّم الآلي، كعلماء البيانات الذين يعملون بالأساليب الإحصائية التقليدية وخوارزميات التعلّم الآلي الأساسية دون التعلّم العميق المتقدم. ومن المهارات النموذجية لهذا المستوى تحليل البيانات، وإدارة قواعد البيانات، وخوارزميات التعلّم الآلي الأساسية، والمعالجة المسبقة للبيانات. وأما المستوى الأساسي، مستوى الإلمام بالذكاء الاصطناعي والفضول تجاهه، فيشمل الأفراد الذين يعملون أو يدرسون في أدوار تتطلب إلماماً بالذكاء الاصطناعي دون العمل المباشر على تطبيقاته التقنية، ولا ينتمون إلى المستويين الآخرين. وهم عاملون في أدوار غير تقنية أو في مجالات دراسية غير ذات صلة، يتمتعون بإلمام أساسي بمفاهيم الذكاء الاصطناعي وباستخدام أدواته بوصفهم مستخدمين نهائيين، كمحلل الأعمال الذي يمتلك فهماً أساسياً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويعرف مصطلحاته، ويستخدم أدوات ذكاء اصطناعي جاهزة لإعداد التقارير. ومن المهارات النموذجية لهذا المستوى الإلمام الأساسي بالذكاء الاصطناعي، والإلمام بأدوات ذكاء الأعمال، وهندسة الأوامر.
وتُبيّن دراسة بال وزملائه أن مهارات الذكاء الاصطناعي من المستوى المتوسط تمثّل حالياً العمود الفقري للطلب على الذكاء الاصطناعي والمعروض منه في أوروبا، مع توازن عام بين الجانبين. ففي المتوسط، تنتمي 47% من الوظائف الشاغرة و63% من السير الذاتية التي تذكر مهارات الذكاء الاصطناعي إلى هذا المستوى المتوسط. في المقابل، تعاني مهارات الذكاء الاصطناعي الأساسية والمتقدمة كلتاهما من نقص في المعروض. فالمهارات الأساسية مطلوبة في 29% من الوظائف الشاغرة، لكنها لا تظهر إلا في 22% من السير الذاتية في المتوسط. وعلى نحو مماثل، تُطلب المهارات المتقدمة في 24% من الوظائف الشاغرة، لكنها لا تظهر إلا في 15% من السير الذاتية. ويُفضي ذلك إلى اختلال واضح على مستويي الخبراء والمبتدئين في أوروبا؛ إذ يقلّ نسبياً عدد المرشحين ذوي مهارات الذكاء الاصطناعي الذين يمتلكون درجة متقدمة أو أساسية من الكفاءة فيه مقارنة بالطلب المعبَّر عنه في إعلانات الوظائف خلال عامَي 2023 و2024.
ويعكس النموذج الهرمي الثلاثي لأدوار الذكاء الاصطناعي، الأساسي والمتوسط والمتقدم، بنية مثلثية يظل فيها عدد العاملين ذوي المهارات المتقدمة في القمة صغيراً جداً، بينما يتزايد حجم العاملين تدريجياً كلما نزلنا مستوى. ويعني ذلك وجود مجموعة أكبر نسبياً من العاملين ذوي المهارات التقنية المتوسطة الذين يحتاجون إلى تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي أو دمجها في مجالات جديدة، في حين ستكون الحاجة إلى العاملين ذوي مهارات الذكاء الاصطناعي الأساسية هي الأكبر، إذ تكاد تشمل القوى العاملة بأسرها. وكثيراً ما يكون العاملون ذوو المهارات الأساسية في أدوار غير تقنية أو مجالات دراسية غير ذات صلة، لكنهم يتمتعون بإلمام أساسي بمفاهيم الذكاء الاصطناعي وباستخدام أدواته بوصفهم مستخدمين نهائيين، كاستخدام أداة ChatGPT في المهام البسيطة.
وقد لا ينتمي ملف المستخدم الأساسي في قاعدة الهرم بالضرورة إلى القوى العاملة التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي، بل يمثّل بالأحرى نوعاً جديداً من المعرفة الأساسية المطلوبة من معظم العاملين. وكما نوقش في الفصل الثاني، ستكون هذه المهارات مطلوبة في أماكن العمل التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي، حيث تتطوّر متطلبات المهارات تدريجياً، وتلزم مهارات إضافية لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي القائمة. وينجم ذلك عن توسّع تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات الاقتصادية، إذ لم تعد محصورة في المجالات التقنية للذكاء الاصطناعي، بل تنتشر في مهن ومجالات كثيرة، من مشغّلي المستودعات وممثلي خدمة العملاء إلى المعلمين والمديرين.
3.4 اتجاهات استقطاب مواهب الذكاء الاصطناعي
كثيراً ما تؤكد إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي على قدرات غير تقنية مكمّلة. ففي البيئات التي يتزايد فيها التفاعل بين البشر والآلات، تكمّل القدرات الاجتماعية والأخلاقية مهام الذكاء الاصطناعي، وتضمن تطبيقه على نحو مسؤول ومراعٍ للسياق ومتمحور حول الإنسان. وقد أبرزت مسوح كثيرة لأصحاب العمل ومراجعات أكاديمية منذ زمن طويل الأهمية المتزايدة للمهارات غير التقنية «الأكثر ليونة»، وربما لا تفعل «وظائف الذكاء الاصطناعي» سوى أن تعكس هذه الاتجاهات القائمة مسبقاً في أسواق العمل أو تعزّزها، على نحو ما نوقش في الفصل الثاني. وفضلاً عن ذلك، تستلزم إعلانات الوظائف التي تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي أيضاً مهارات معرفية رفيعة المستوى ومهارات في الأعمال والإدارة.
علاوة الأجور لمهارات الذكاء الاصطناعي: مع تسارع التحوّل الرقمي والتقدّم التقني بوتيرة عالية، أصبحت اتساع فجوات المواهب والمهارات تحدياً لكثير من المنشآت، ولا سيما في الأدوار الناشئة التي يقلّ فيها رصيد المواهب. ونتيجة لذلك، أظهرت دراسات عدة وجود علاوة أجور للمهارات التقنية للذكاء الاصطناعي في أسواق العمل، تستند عادة إلى بيانات من مصادر على الإنترنت. غير أن حجم هذه العلاوة واتساقها يتفاوتان تفاوتاً كبيراً بين الدراسات والمهن والقطاعات والبلدان. وإلى جانب تزايد الطلب على الأشخاص ذوي المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي، قد تنشأ علاوة الأجور أيضاً بفعل أوجه التكامل مع المهارات المعرفية وغير المعرفية الأخرى. وقد وجد ستيفاني وتويتلوف أن مهارات الذكاء الاصطناعي ذات قيمة خاصة بسبب ارتفاع الطلب عليها وقوة أوجه تكاملها، إذ ترفع أجور العاملين بنسبة 21% في المتوسط.
وتؤكد نتائج الجولة الثانية من المسح الأوروبي للمهارات والوظائف التي أجراها سيديفوب على العاملين البالغين في تسع وعشرين دولة أوروبية في عام 2021 مكافأة مماثلة لمهارات مطوّري الذكاء الاصطناعي في سوق العمل الأوروبية. إذ يتمتع هؤلاء العاملون بعلاوة أجور تتراوح بين 4% و8% بحسب المواصفات، مقارنة بالمبرمجين المماثلين الذين لا يعملون بالذكاء الاصطناعي، وبين 12% و24% مقارنة بالموظفين المماثلين في مستوى التعليم. وتكون عوائد أجور الذكاء الاصطناعي أعلى عموماً بين الإناث والموظفين الحاصلين على تعليم جامعي، مما يدل على ندرة نسبية لهؤلاء العاملين الملمّين بأساليب الذكاء الاصطناعي. وتكشف البيانات عن تشتت أكبر لمبرمجي الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات الاقتصادية والمهن ومجالات الدراسة المتنوعة، مقارنة بالمبرمجين الآخرين الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل.
وفي حالات كثيرة، يبدو أن علاوة أجور الذكاء الاصطناعي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمهارات الرقمية المتقدمة. فاستناداً إلى بيانات إعلانات الوظائف في المملكة المتحدة، وجد مركز البحوث المشترك علاوة أجور بنسبة 16% لتطوير البرمجيات، و11% للبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، و6% لدعم تقنية المعلومات والاتصالات خلال الفترة من 2012 إلى 2020. وفي دراسة أخرى في المملكة المتحدة، ترتبط المهارات الرقمية المتقدمة بأجور أعلى بنسبة 9%، وتحقق مهارات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني أعلى العوائد في إعلانات الوظائف. وقد برز الجمع بين المهارات الرقمية المتقدمة والخبرة التخصصية بوصفه عاملاً رئيسياً مميِّزاً للنتائج. فقد وجد بون وزملاؤه، في دراسة استندت إلى 11 مليون إعلان وظيفي في المملكة المتحدة بين عامَي 2018 و2023، أن مهارات الذكاء الاصطناعي تحظى بعلاوة أجور تبلغ 23% في المملكة المتحدة، متجاوزة قيمة الشهادات حتى مستوى الدكتوراه. ويُعزى ذلك إلى أن المهن الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تعاني نقصاً في العمالة، إذ يفوق طلب الصناعة المعروض من العمالة في المملكة المتحدة. وفي المهن التي يرتفع فيها الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي، تكون علاوة المهارات مرتفعة، بينما تكون مكافأة الشهادات منخفضة نسبياً.
وتأتي أدلة أخرى من الاقتصادات الناشئة، حيث أجرت منظمة العمل الدولية تحليلات لإعلانات الوظائف في البرازيل ومصر والأردن وروسيا وجنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة والأوروغواي. وتُظهر هذه الدراسة أن مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي ترتبط بعلاوات أجور كبيرة حتى بعد ضبط العوامل الخاصة بالمهنة. ففي الإمارات العربية المتحدة، ترتبط مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي بعلاوة أجور تبلغ 18%، بينما تبلغ 5.4% في روسيا. ويشير التحليل أيضاً إلى أن المهارات تُطلب في إعلانات الوظائف على شكل حزم. ففي الإمارات، تُطلب مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي مقترنة بالمهارات الاجتماعية العاطفية والمعرفية، كالتخطيط والتصميم وحلّ المشكلات والتفكير الاستراتيجي والتحليل، ومهارات خدمة العملاء. وفي روسيا، تتمثّل المهارات الأكثر طلباً، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، في المهارات المعرفية المتطورة كالبحث والإحصاء وتحليل البيانات، والمهارات الاجتماعية العاطفية، ومهارات خدمة العملاء. ويوحي ذلك بأنه لا ينبغي التعامل مع تنمية مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي بوصفها تنمية لمهارات تقنية قائمة بذاتها، بل بوصفها محرّكاً لنواتج إيجابية في سوق العمل ضمن مزيج أوسع من المهارات.
ولا يقتصر ظهور الطلب على «المهارات الجديدة» وما يرتبط به من علاوة أجور على مهارات الذكاء الاصطناعي وحدها. فوفقاً لتقرير حديث لصندوق النقد الدولي، يعرّف «المهارات الجديدة» بأنها تلك التي كانت شبه غائبة عن الوظائف الشاغرة في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ثم أصبحت أكثر شيوعاً، فإن معظم المهارات الجديدة ترتبط بتقنية المعلومات، بما يعكس جزئياً الوتيرة السريعة للابتكار التقني والتحديث المستمر للبرمجيات والأدوات والمنصات الرقمية. كما اكتسبت المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حضوراً متزايداً، إذ تمثّل نحو ثلث جميع مهارات تقنية المعلومات الجديدة. غير أن ليست كل المهارات الناشئة مرتبطة بتقنية المعلومات، فإعلانات الوظائف تشير أيضاً إلى طلب متزايد على مهارات الأعمال وتحليل البيانات، والمهارات الاجتماعية والإدارية، والمهارات الجديدة في الرعاية الصحية. والأهم من ذلك كيفية تأثير المهارات الجديدة في التوظيف والأجور، إذ قد تتباين هذه الاتجاهات. فقد وجد صندوق النقد الدولي أن إعلانات الوظائف التي تتطلب مهارات جديدة تدفع أجوراً أعلى بنحو 3% إلى 3.4% في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كما ترفع الأجور والتوظيف على المستوى المحلي. غير أن الطلب على المهارات الخاصة بالذكاء الاصطناعي يحقق علاوات أجور دون مكاسب واسعة في التوظيف، ويخفض التوظيف في المهن شديدة التعرّض للذكاء الاصطناعي ومنخفضة التكامل معه.
نقص مواهب الذكاء الاصطناعي: تشير دراسات عدة إلى فجوة متنامية في المواهب مع تركّز خبرات الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات المتقدمة. ويظهر عدم تماثل في الذكاء الاصطناعي بين البلدان استناداً إلى حجم أبحاثها وبراءات اختراعها واستثماراتها ومواهبها في هذا المجال، رغم الخطاب العالمي الذي يصوّر الذكاء الاصطناعي بوصفه أفقاً مشتركاً، وتُعدّ الصين والهند استثناءين فيما يتعلق بدور الاقتصادات الناشئة في تطوير الذكاء الاصطناعي. وتسرد دراسة لازاروني وبال البلدان الأعلى تركّزاً لمواهب الذكاء الاصطناعي نسبةً إلى عدد السكان، محسوبةً بعدد مواهب الذكاء الاصطناعي لكل ألف نسمة، ومنها سنغافورة ولوكسمبورغ وسويسرا وإسرائيل وهولندا وأيرلندا والسويد والولايات المتحدة وكندا وفنلندا والدنمارك والمملكة المتحدة. أما إذا أُخذ العدد المطلق لمواهب الذكاء الاصطناعي في كل بلد، فإن الولايات المتحدة تتصدّر القائمة بنحو 450 ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي، تليها الهند بنحو 220 ألفاً، والمملكة المتحدة بنحو 60 ألفاً، وألمانيا بنحو 50 ألفاً. ولا تظهر في تلك القائمة سوى بعض الاقتصادات الناشئة، كالبرازيل وتركيا وإندونيسيا وإيران وباكستان.
والواقع أن توزيع مواهب الذكاء الاصطناعي بحسب بلد المنشأ يدل على هجرة كبيرة من بلدان الجنوب العالمي إلى الاقتصادات المتقدمة. فداخل الاتحاد الأوروبي مثلاً، تُعدّ الهند أكبر بلد منشأ للقوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي بنسبة 12%، تليها الصين بنسبة 11%. كما تأتي مواهب من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 10% من كل منهما، مما يعكس على الأرجح تنقّل مواطني الاتحاد الأوروبي. وتشمل البلدان المتنوعة التي يهاجر منها متخصصو الذكاء الاصطناعي إلى الاتحاد الأوروبي إيران بنسبة 7.6%، وروسيا بنسبة 5%، ودولاً ناشئة أخرى كالبرازيل ومصر وباكستان والأرجنتين، مما يبرز جاذبية الاتحاد الأوروبي بوصفه وجهة للقوى العاملة في هذا المجال. وبالنسبة للاقتصادات النامية والناشئة، قد تؤدي علاوة الأجور للمهارات التقنية للذكاء الاصطناعي إلى تفاقم تحديات مجتمعية أوسع، كهجرة المواهب و«هجرة العقول». فبدون ظروف تنافسية في أسواق العمل المحلية، قد يهاجر الأفراد ذوو المهارات العالية على نحو متزايد إلى الاقتصادات المتقدمة التي تتيح أجوراً أعلى وفرصاً أفضل للتطور المهني.
