القائمة الرئيسية

تقرير المشهد المتغير للمهارات في عصر الذكاء الاصطناعي (4/1)

تقرير المشهد المتغير للمهارات في عصر الذكاء الاصطناعي (4/1)
ملخص الدراسة

يتناول هذا الفصل التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي وأدواته، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، في أماكن العمل عبر قطاعات متنوعة مثل تقنية المعلومات والمالية والرعاية الصحية، مع التركيز على تأثيره على المهام المعرفية الروتينية وغير الروتينية. يُبرز الفصل أن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل محتوى الوظائف من خلال أتمتة بعض المهام وتوليد مهام جديدة، مما يؤدي إلى زيادة سرعة إنجاز العمل وظهور أشكال جديدة من الإدارة الخوارزمية والوكلاء الأذكياء. لتقييم هذه التحولات، يقدم الكتاب إطاراً تحليلياً يصنّف المهارات إلى ثلاث فئات رئيسية: المهارات المعرفية (كالتفكير النقدي وحل المشكلات والمهارات الرقمية)، والاجتماعية العاطفية (كالتعاون والتواصل والمرونة)، واليدوية. ويختتم الفصل بالتوقع بأن يقل الطلب على المهارات التي يحل محلها الذكاء الاصطناعي، بينما يرتفع الطلب على المهارات التكميلية، الأكثر تعقيداً وتنوعاً، لا سيما في الفئات المعرفية والاجتماعية العاطفية.

الفصل الأول: ربط استخدام الذكاء الاصطناعي بالمهام والمهارات

يمهّد هذا الفصل للموضوع من خلال عرض موجز لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل، ويحدّد بعض مجالات المهام التي تُنفَّذ على نحو متزايد بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاعات مختلفة. ثم يقدّم إطاراً تحليلياً للمهام والمهارات وفقاً لثلاث فئات هي المهارات المعرفية والاجتماعية العاطفية واليدوية. ويُستخدم هذا الإطار لاحقاً في الفصل التالي لتحديد التغيرات في الطلب على المهارات في مكان العمل بعد اعتماد الذكاء الاصطناعي.

1.1 تزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل

يتميّز الذكاء الاصطناعي، بمحاكاته للذكاء البشري، بخصائص تفرّده عن التقنيات السابقة. فقدرته على التعلّم والاستدلال والإدراك واتخاذ القرار تمكّنه من أداء المهام المعرفية الروتينية وبعض المهام المعرفية غير الروتينية، مما يجعل ذوي التعليم العالي في المهن المكتبية الإدارية والمهنية أكثر عرضة لتأثيراته. ومن خلال تحليل كميات هائلة من البيانات لاستخلاص الأنماط، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي أداء مهام معقدة على نحو مستقل، كالتعرّف على اللغة والصور وتوليدهما، والتحليلات التنبؤية. وحيثما توافرت كميات كبيرة من البيانات، يُحسّن الذكاء الاصطناعي مستوى الذكاء واتخاذ القرار في ذلك المجال. ولا يتطوّر الذكاء الاصطناعي بمرور الوقت بفضل الخبرة التي يضخّها المخترعون والمطوّرون فحسب، بل أيضاً بفضل قدرته على التعلّم الذاتي من البيانات ومن تنبؤاته السابقة. وتفتح هذه التطورات الطريق أمام تنفيذ عدد من المهام المعرفية الجديدة التي لم يكن يُظن أنها ممكنة من قبل.

وتُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي وأدواته اليوم في عدد كبير من أماكن العمل. فقد أظهر مسح سيديفوب لمهارات الذكاء الاصطناعي لعام 2024، الذي شمل 5342 موظفاً بالغاً في إحدى عشرة دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أن نحو 28% من العاملين البالغين في أوروبا يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل في أماكن عملهم. ويستخدمه نحو 5% من هؤلاء لأغراض تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي أو برمجتها أو صيانتها، في حين يستخدمه 63% منهم لأداء عملهم. ويشيع استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض دول غرب أوروبا، مثل بلجيكا وألمانيا وفرنسا ولوكسمبورغ، أكثر مما هو في دول جنوب أوروبا كاليونان وإسبانيا والبرتغال، وكذلك بولندا. وكثيراً ما يتعلّم العاملون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في أداء المهام أثناء العمل، لكنهم لا يدركون دائماً حدودها أو ما تنطوي عليه من مخاطر تتعلق بالبيانات والأخلاقيات.

ويؤكد مسح أحدث بعنوان «تحليل آثار الذكاء الاصطناعي والإدارة الخوارزمية في مكان العمل»، أُجري خلال عامي 2024 و2025 وجمع إجابات 70316 فرداً تتراوح أعمارهم بين 16 و65 عاماً في جميع دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، أن أكثر من 90% من العاملين الأوروبيين يستخدمون الأجهزة الرقمية، وأن ثلثهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأغراض مرتبطة بالعمل. كما وجد المسح الأوروبي لظروف العمل لعام 2024 الذي أجرته يوروفاوند أن 12% من العاملين في الاتحاد الأوروبي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تبسّط المهام الذهنية المعقدة أو تقدّم توصيات حول كيفية أداء العمل، مثل ChatGPT وLlama وDALL·E وMidjourney وJasper. وتظهر اتجاهات مماثلة في استخدام الذكاء الاصطناعي في مسوح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي شملت أصحاب العمل والعاملين في قطاعَي التمويل والصناعة التحويلية في عدد من الدول الأعضاء. كما يُظهر مسح آخر للمنشآت الصغيرة والمتوسطة اتساع استخدامه حتى في المنشآت الأصغر، إذ تبيّن أن 31% من هذه المنشآت تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي، بنسب تتراوح بين 24% في اليابان و39% في ألمانيا، وذلك رغم المخاوف المتعلقة بحقوق النشر والمسائل القانونية والتنظيمية.

وتُعدّ الإدارة الخوارزمية الموسّعة في أماكن العمل التقليدية اتجاهاً آخر مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي تؤكده الدراسات. ففي مسح سيديفوب لمهارات الذكاء الاصطناعي لعام 2024، أفاد موظف من كل سبعة موظفين بأنه يعمل بأدوات أو أنظمة رقمية تحدّد خوارزمياً طريقة أداء بعض مهامه، وأفاد ما بين 16% و17% بأن الخوارزميات تراقب أداءهم أو تقيّمه أو تزوّدهم بتعليمات المهام. ووجد مسح تحليل آثار الذكاء الاصطناعي والإدارة الخوارزمية أن الخوارزميات تحدّد سير العمل أو أولويات المهام لدى 24% من العاملين في الاتحاد الأوروبي. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي استندت إلى مسح شمل أكثر من ستة آلاف مدير من المستوى المتوسط في ست دول، تنتشر الإدارة الخوارزمية انتشاراً خاصاً في الولايات المتحدة، حيث اعتمد 90% من أصحاب العمل أداة واحدة على الأقل لتوجيه العاملين أو مراقبتهم أو تقييمهم. وينخفض معدل الاعتماد قليلاً في الدول الأوروبية المشمولة بالمسح، وهي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، بمتوسط يبلغ 79%، ويكون معتدلاً في اليابان بنسبة 40%. ويمكن لدمج الإدارة الخوارزمية في العمل أن يعزّز الكفاءة التنظيمية، لكنه يثير في الوقت ذاته بعض القضايا المتعلقة بحماية البيانات والخصوصية في أماكن العمل، وهي قضايا لا يتوافر لدى العاملين سوى قدر محدود من الوعي والمعرفة بها.

وتشير الدراسات إلى ارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات كثيفة المعرفة، ولا سيما تقنية المعلومات والاتصالات والخدمات المالية والخدمات المهنية والعلمية والتقنية، وكذلك بين العاملين في المهن الأعلى مهارة. ففي تقنية المعلومات مثلاً، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تطوير البرمجيات وتحليل البيانات والأمن السيبراني وإدارة البنية التحتية لتقنية المعلومات، مما يتيح تطوير تطبيقات ذكية قادرة على الفهم والتعلّم والتنبؤ. وفي قطاع التمويل، يجري الذكاء الاصطناعي التحليلات والتنبؤات ويحسّن التوقعات المالية، كما يتيح الكشف الفوري عن الاحتيال والتداول الخوارزمي. وفي الصناعة التحويلية، تساعد الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج، وتقوم التوائم الرقمية، أي النسخ الافتراضية من أنظمة الإنتاج المادية، بمحاكاة سير العمل ومراقبته وتحسينه، بينما تسهم الصيانة التنبؤية في منع أعطال المعدات. وفي قطاعات التجزئة والتسويق والإعلان، يتيح الذكاء الاصطناعي إنشاء محتوى مخصّص، والتسعير الديناميكي، وتحسين استهداف الإعلانات، وتقديم مساعدة افتراضية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

وفي قطاعات أخرى كالرعاية الصحية، يعمل التعلّم العميق، وهو فرع متخصص من التعلّم الآلي يستخدم شبكات عصبية كبيرة متعددة الطبقات لمعالجة البيانات ويستطيع تعلّم الأنماط ذاتياً من مجموعات بيانات ضخمة، على تحسين أدوات التشخيص حتى باتت تضاهي الدقة البشرية، كما يحلّل البيانات الطبية، داعماً الرعاية الطبية بدءاً من مراقبة المرضى وسلامتهم وتخطيط العلاج المخصّص، ووصولاً إلى التخطيط والتنسيق والمهام الإدارية وإعداد التقارير. وفي قطاع النقل والخدمات اللوجستية، يتيح الذكاء الاصطناعي تشغيل المركبات الذاتية القيادة في خدمات مشاركة الركوب ولوجستيات التوصيل، في حين تعمل أنظمة إدارة المرور المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تحسين انسياب الحركة والحدّ من الازدحام وتعزيز السلامة. وفي مجال الموارد البشرية، تتوافر أدوات وخوارزميات قائمة على البيانات لأغراض الاستقطاب والاختيار وتقييم العاملين وترقيتهم وإنهاء خدماتهم وتعلّمهم وتطويرهم. وتستخدم المنشآت الكبيرة منصات التعلّم المخصّص وأنظمة التدريب التكيّفي وأدوات الاستقطاب ومتابعة الرفاه لاستقطاب المواهب والاحتفاظ بها وتعزيز مرونة القوى العاملة وتطويرها المهني. وعلى الرغم من هذه التطورات، يظل استخدام الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية محدوداً، ويُعزى ذلك جزئياً إلى المخاوف الأخلاقية والتنظيمية، ولا بد من وضع ضمانات أخلاقية وآليات حوكمة قبل التوسّع في استخدامه في هذا المجال.

واستناداً إلى رصيد وافر من أبحاث سوق العمل حتى الآن، يبدو أن التقدّم في الأتمتة والرقمنة والذكاء الاصطناعي يغيّر أولاً وقبل كل شيء المحتوى المهامّي للوظائف. إذ تصوّر نتائج دراسات عديدة مزيجاً من الأتمتة والتعزيز يفضي إلى إعادة تنظيم الوظائف، بينما يُلاحظ تغيّر أقل حدة بكثير على مستوى التوظيف الإجمالي. فالأتمتة كثيراً ما تقلّل حجم العمل المبذول في المهام الروتينية، في حين تسهّل الرقمنة تحويل المهام غير الروتينية سابقاً إلى مهام روتينية. وتاريخياً، كانت الأتمتة تُسبَق دائماً بالتوحيد القياسي، ويبدو أن الرقمنة تيسّر هذه العملية؛ فبينما تستطيع الحواسيب أتمتة بعض المهام المعرفية الروتينية، فتقلّل بذلك التوظيف في المهن كثيفة المهام الروتينية، فإنها تميل أيضاً إلى تيسير توحيد الإجراءات وإضفاء الطابع البيروقراطي عليها من خلال العمليات المرقمنة في المهن غير الروتينية. وعلى غرار التقنيات السابقة، يحلّ الذكاء الاصطناعي محل البشر في تنفيذ بعض المهام عبر الأتمتة، ويولّد طلباً على مهام ومهارات جديدة كانت نادرة أو غير موجودة، ويرفع وزن الطلب القائم على مهارات معينة. وقد يترتب على ذلك توزيع غير متكافئ للمكاسب والأضرار بين فئات القوى العاملة، مع خطر تفاقم عدم المساواة.

وثمة أدلة كثيرة على تغيّر المحتوى المهامّي للوظائف بعد اعتماد الذكاء الاصطناعي. فقد أظهر مسح سيديفوب لمهارات الذكاء الاصطناعي لعام 2024 أن نحو ثلث العاملين الأوروبيين المشاركين في المسح لم يعودوا يؤدون بعض المهام بعد اعتماد الذكاء الاصطناعي ضمن عملهم الرئيسي، في حين بات نحو أربعة من كل عشرة عاملين يؤدون مهام جديدة أو مختلفة. كما يؤدي 67% من العاملين بعض المهام بسرعة أكبر من ذي قبل. وعلى نحو مماثل، تُظهر دراسات الحالة التي أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الذكاء الاصطناعي في قطاعَي التمويل والصناعة التحويلية في ثماني دول درجة عالية من إعادة تنظيم المهام، إذ أفاد 66% من أصحاب العمل في قطاع التمويل و72% منهم في الصناعة التحويلية بأن الذكاء الاصطناعي أتمت مهام كان يؤديها العاملون سابقاً، بينما أفاد نحو نصف أصحاب العمل في كل قطاع بأن الذكاء الاصطناعي أوجد مهام لم يكن العاملون يؤدونها من قبل.

ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تتوسّع أتمتة المهام الروتينية مع إتاحة قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة لحلول مستحدثة، في حين تتقدّم أيضاً أتمتة المهام غير الروتينية بفضله، ومن أمثلة ذلك الصيانة التنبؤية في الصناعة التحويلية التي تساعد الفنيين على رصد مشكلات المعدات قبل وقوعها. وتزداد براعة أنظمة الذكاء الاصطناعي في محاكاة المهام البشرية وتعزيزها، ويتجاوز أثرها الأتمتة البسيطة ليصل إلى إعادة تعريف عمليات عمل كاملة. فعندما تُؤتمت المهام الأبسط، كثيراً ما يُكلَّف العاملون بمهام أكثر تعقيداً، وتنتقل مهامهم نحو تلك التي يتمتع فيها البشر بميزة نسبية. وتشير دراسات الحالة التي حللتها المنظمة إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي يُحدث تغييراً متعدد الأبعاد في المهارات؛ فهو يزيد الطلب على المهارات المعرفية والتواصلية الأكثر تعقيداً والأعلى رتبة، وعلى مجموعات مهارات أكثر تنوعاً، مثل مهارات الذكاء الاصطناعي المتخصصة والمعارف الجديدة في مجالات كعلم البيانات، إلى جانب الطلب المتزايد على مهارات الأعمال والإدارة.

ويمكن تحديد عدة مجموعات من مجالات المهام التي تُنفَّذ على نحو متزايد بدعم من تقنيات الذكاء الاصطناعي. فكما سبقت الإشارة، يُستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم على نحو متزايد في تنفيذ عدد من المهام المعرفية، الروتينية منها وغير الروتينية، ولا سيما في القطاعات التي تتسم بسير عمل منظّم ومتكرر، كالتمويل والخدمات اللوجستية وخدمة العملاء. ومن التطبيقات النموذجية في هذا المجال UiPath وIBM Watson Assistant وMicrosoft Power Automate وChatGPT وClaude وGrammarly وDeepL. وباتت الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتولى إدخال البيانات وتوحيد التفاعلات مع العملاء. كما تستخدم الشركات ذكاء الأعمال القائم على البيانات على نطاق واسع، وهو ما يجسّد الوظيفة التنبؤية لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ إذ تعتمد المنشآت بصورة متزايدة على التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاستخلاص الرؤى من مجموعات البيانات الضخمة، ودعم التخطيط الاستراتيجي، وتحسين التوقعات في مجالات كالتمويل والتسويق والعمليات، مستعينة بتطبيقات مثل Tableau وSAS Viya وMicrosoft Power BI وAmazon SageMaker.

ولعل إنشاء المحتوى وتحسينه بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثّلان أبرز الأمثلة حتى الآن على قدرة الذكاء الاصطناعي الفارقة على محاكاة بعض المهام البشرية المهمة. والذكاء الاصطناعي التوليدي فئة من أنظمة التعلّم العميق صُمّمت للتعرّف على الأنماط النصية أو البصرية أو السمعية في مجموعات بيانات ضخمة وتوظيفها لإنتاج محتوى جديد استجابةً للأوامر، يتعذّر تمييزه عن المحتوى البشري. فاستناداً إلى الأوامر التي يدخلها المستخدمون، بات بإمكان المؤلفين والصحفيين والمعلنين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنشاء النصوص، كالمقالات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الإلكترونية وأوصاف المنتجات والمحادثات. ويستطيع الفنانون استخدام أدوات مثل ChatGPT لإنشاء الصور والرسوم الفنية، والمقاطع الصوتية للتأليف الموسيقي، ومقاطع الفيديو والرسوم المتحركة. ويستخدم مهندسو تقنية المعلومات أدوات مثل GitHub Copilot لكتابة الشيفرات البرمجية ونصوص البرمجة، بينما يستخدمها المعلمون لإعداد مواد تعليمية لفصولهم الدراسية.

وقد أصبح التواصل والتعاون المعزّزان بالذكاء الاصطناعي شبه شاملين في بيئة العمل الحديثة، وتسارع هذا الانتشار بفعل التحوّل العالمي نحو نماذج العمل عن بُعد والعمل الهجين، ولا سيما في أعقاب جائحة كوفيد 19. وتتيح الأدوات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي، المدمجة اليوم في منصات العمل الشائعة مثل Microsoft Teams وGoogle Workspace وZoom، الترجمة الفورية وتلخيص الاجتماعات وتحليل المشاعر والجدولة الذكية. كما أصبح تنفيذ المهام التنظيمية والتنسيقية ممكناً عبر الإدارة الخوارزمية للعمل، التي تؤتمت الوظائف التنظيمية التي كان المديرون البشريون يضطلعون بها تقليدياً، وذلك باستخدام خوارزميات برمجية. وتتوسّع أدوات الإدارة الخوارزمية تدريجياً في أماكن العمل التقليدية، وتُستخدم في إصدار تعليمات العمل والجدولة والتنسيق ومراقبة المهام التشغيلية وتقييمها.

ويمثّل الذكاء الاصطناعي الوكيل خطوة حديثة أخرى في دعم المهام البشرية، ويُقصد به أنظمة ذكاء اصطناعي مستقلة قادرة على أداء مهام معقدة متعددة الخطوات بصورة مستقلة، عبر توظيف استدلال متطور وتخطيط تكراري. وخلافاً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي السابقة، تنقل أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل الأتمتة إلى مرحلة أبعد، إذ تستطيع تنسيق سلاسل من الأنشطة المترابطة وتوليد توصيات تراعي السياق. وهي تعمل بمثابة مساعدين افتراضيين أذكياء يقدّمون رؤى آنية وتوصيات قائمة على البيانات لدعم عمليات اتخاذ القرار المعقدة، مما يخفّف العبء المعرفي فعلياً ويهيّئ بيئة عمل أكثر كفاءة، ومن أمثلتها Microsoft 365 Copilot وGoogle Duet AI وChatGPT Enterprise وSalesforce Einstein GPT. ومن المنتظر أن يُحدث دمج الذكاء الاصطناعي الوكيل في مكان العمل مزيداً من التحوّل في أدوار الموظفين ومسؤولياتهم، لأنه يعزّز المهام المعرفية والتنسيقية ويحلّ محلها ويعيد تنظيمها.

هذه ليست سوى أمثلة على المهام التي تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي دعمها أو أداءها اليوم في العمل. ومع التطورات الجديدة التي تتوالى يومياً، يصعب التنبؤ بإمكاناتها الكاملة مستقبلاً. ومع ذلك، من المعقول توقّع أن يتراجع على المديين المتوسط والطويل الطلب على المهارات التي تحلّ محلها تقنيات الذكاء الاصطناعي وقيمتها، في حين يرتفع الطلب على المهارات المكمّلة لأدواته وقيمتها. وتشير دراسات الحالة التي أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالفعل إلى طلب على مهارات عليا ومجموعات مهارات موسّعة في أماكن العمل التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي، ومن ثمّ فقد يحتاج معظم العاملين إلى نطاق أوسع من المهارات مع انتشار الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات.

1.2 الإطار التحليلي للمهام والمهارات

المهام خصائص تتعلق بالوظيفة، أما المهارات فتخصّ الأفراد. وتُجمع المهام المتشابهة في مجالات يدمجها أصحاب العمل في وظائف. وبالمثل، تشكّل المهارات المتشابهة مجالات مهارية، في حين تعني الكفاءة القدرة على إتقان المهارات عبر هذه المجالات. ولمّا كانت المهارات تُعرَّف عموماً بأنها القدرة على أداء المهام، فإن المفهومين مترابطان ترابطاً وثيقاً. وكثيراً ما تدفع التغيرات في تركيب المهام إلى الحاجة لتنمية المهارات، لا من خلال التدريب وحده، بل أيضاً عبر إعادة تصميم الوظائف أو إجراء تعديلات تنظيمية. ورغم ارتباط كل فئة من فئات المهام بمهارات ذات صلة، يظل ربط المهارات بالمهام ربطاً سليماً من الناحية المفاهيمية أمراً معقداً.

ويميّز تصنيف مفيد للمهام وضعه مركز البحوث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية بين المحتوى المادي للعمل، أي ما يفعله الناس في العمل، والشكل التنظيمي للعمل، أي كيف يؤدون ما يفعلونه. فبينما ينبع محتوى العمل من نوع إنتاج السلع أو الخدمات، أي النشاط الذي يحوّل المدخلات إلى مخرجات، تنبع الأساليب والأدوات من نوع تنظيم العمل والتقنية المستخدمة عبر المهام. ويصنّف هذا التصنيف المهام وفقاً لنوع الموضوع الذي تُؤدى عليه: فالمهام البدنية تتعامل مع الأشياء، والمهام الذهنية تتعامل مع الأفكار، والمهام الاجتماعية تتعامل مع الناس. ويُستكمل التصنيف بالأساليب والأدوات المستخدمة في العمل، مما يساعد على تفسير سبب احتياج العاملين في المهنة الواحدة إلى مستويات مختلفة من المهارات الرقمية، أو مرورهم بدرجات متفاوتة من الروتين والاستقلالية والعمل الجماعي. ويقدّم مسح حديث في دول الاتحاد الأوروبي، استند إلى بيانات الوحدة الخاصة بمهارات الوظائف في مسح القوى العاملة الأوروبي لعام 2022، مثالاً جيداً على التباين الواسع في المهام داخل المهن ذاتها، بما يعكس الفروق في الأساليب والأدوات التي تستخدمها المؤسسات.

أما فئات المهارات فهي أكثر تعقيداً بطبيعتها، لارتباطها الوثيق بالأفراد وسماتهم الشخصية وتجاربهم الحياتية. فالمهارات كثيراً ما تتشابك مع الصفات الشخصية، ويتشكّل تطبيقها تشكّلاً قوياً بحسب السياق. وتؤثر المعتقدات الشخصية والمخاوف والشخصية تأثيراً مباشراً في طريقة تطبيق المهارات، مما يجعلها غير قابلة للانفصال عن الفرد. فضلاً عن ذلك، لا يمكن قياس جميع أنواع المهارات بسهولة أو بموضوعية، ويعكس تكاثر المصطلحات المتعددة للأنواع ذاتها من المهارات هذا التعقيد المفاهيمي وما قد ينجم عنه من لبس. ومع ذلك، يميّز التصنيف الأكثر شيوعاً بين ثلاث فئات عريضة تتوافق مع أنماط المهام السابقة: المهارات المعرفية أو الذهنية، وتعني القدرة على أداء المهام الذهنية؛ والمهارات الاجتماعية العاطفية أو غير المعرفية، المرتبطة بالقدرة على أداء المهام الاجتماعية؛ والمهارات البدنية أو اليدوية، المتعلقة بالقدرة على أداء المهام اليدوية.

والمهارات المعرفية أو الذهنية هي القدرات العقلية على التفكير والتعلّم ومعالجة المعلومات وتطبيقها. وتشمل وظائف أساسية كالذاكرة والانتباه والاستدلال المنطقي والعمليات السمعية والبصرية والإدراك والتأمل الذاتي والحساب الذهني وحلّ المشكلات واللغة والتواصل. وهذه هي الوظائف الدماغية الجوهرية التي تمكّن الناس من معالجة المعلومات وفهم العالم وحلّ المشكلات في الحياة اليومية وفي العمل والمدرسة. وتنعكس عادة في قدرات تدل على المهارات المعرفية، كالقراءة والكتابة والحساب، والتأمل الذاتي، والاستدلال المنطقي، والتفكير المجرد، والتفكير النقدي والتحليلي، وحلّ المشكلات.

ويوسّع بعض الباحثين هذه القائمة لتشمل أنواعاً إضافية من المعارف التأسيسية؛ فمنظمة العمل الدولية مثلاً لا تقصرها على القراءة والكتابة والحساب، بل تضيف إليها المعرفة المالية والعلمية والصحية والثقافية والمدنية. ويُميَّز كذلك بين المهارات المعرفية والمهارات ما وراء المعرفية، إذ تشير الأخيرة إلى وعي الفرد بعملياته الذهنية، كالتأمل الذاتي وتعلّم كيفية التعلّم. وأخيراً، ترتبط المهارات الرقمية، بما فيها استخدام الحاسوب وإتقان البرمجيات والقدرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، ارتباطاً وثيقاً بالمهارات المعرفية، ويمكن عدّها فئات فرعية ضمن هذا المجال.

وتُنمّى المهارات المعرفية عادة في المدرسة، وكثيراً ما تُقاس باختبارات الذكاء والاختبارات المعيارية لتحديد مستوى المعالجة الذهنية، العليا أو الدنيا، في الاستدلال والذاكرة والفهم وحلّ المشكلات. غير أن اختبارات الذكاء لا تفسّر سوى نسبة ضئيلة من التباين في درجات الاختبارات الأكاديمية ونواتج الحياة اللاحقة كالدخل، مما يشير إلى أهمية مهارات أخرى غير أكاديمية. ويُطلق على هذه المهارات عادة اسم «المهارات غير المعرفية»، وهو مصطلح جامع صاغه في الأصل عالما الاجتماع صامويل بولز وهربرت جينتيس للدلالة على المهارات التي ليست معرفية ولا يمكن قياسها بالاختبارات المعيارية، وإن كان استخدامه مثار جدل لأن هذه المهارات قد تنطوي بدورها على جانب ذهني، ولكن بصورة أقل مباشرة ووعياً من المهارات المعرفية. كما يشيع استخدام مصطلحات أخرى مثل «المهارات الاجتماعية العاطفية» و«المهارات الناعمة» و«مهارات الشخصية» و«المهارات الحياتية» و«سمات الشخصية». ولم تستقر بعدُ تعريفات ثابتة لهذه المهارات؛ فهي في نظر بعض الخبراء تتداخل إلى حدّ كبير فيما بينها ومع مصطلحات مثل «المهارات المستعرضة» و«المهارات الأساسية»، لكنها ليست متطابقة دائماً. ورغم محدودية التوافق على تعريف هذه المجموعات المتشابهة من «السمات الناعمة» وقياسها، يجد رصيد كبير من الأبحاث أنها كثيراً ما تكون مؤشرات أقوى على النواتج بعيدة المدى، بما فيها درجات الاختبارات والنجاح الأكاديمي والتوظيف والاستقرار المالي والصحة والرفاه والسلوك الإجرامي.

وترتبط المهارات غير المعرفية أو الاجتماعية العاطفية ارتباطاً وثيقاً بالشخصية والسلوك والمزاج والاتجاهات، وتمكّن الأفراد من إدارة أفكارهم وعواطفهم وسلوكهم، ومن العمل والعيش على نحو جيد مع الآخرين. ويستند الأساس النظري لهذه القدرات إلى نموذج «السمات الخمس الكبرى» للشخصية المستخدم في علم النفس، وهي الانفتاح على التجربة، ويقظة الضمير، والانبساط، والمقبولية، والعصابية. وتشمل هذه المهارات طيفاً من القدرات كالدافعية والنزاهة والمثابرة والتعاون والعمل الجماعي والنضج العاطفي والتعاطف وضبط النفس والمهارات التواصلية والاجتماعية والمرونة النفسية. ويُعدّ ضبط الاندفاعات والعواطف، والحفاظ على الدافعية طويلة الأمد، والتعاون مع الآخرين أموراً لا تقلّ أهمية عن المهارات المعرفية البحتة كالقراءة والكتابة والحساب. وتبرز الأدلة المستقاة من مسح البنك الدولي المعروف باسم STEP العوائد التي تحققها في سوق العمل مهارات مثل «العزيمة»، وهي مزيج من الشغف والمثابرة، ويقظة الضمير واتخاذ القرار، وهي عوائد ذات أهمية خاصة للنساء والفئات منخفضة الدخل. كما تؤدي المهارات غير المعرفية دوراً حاسماً في النجاح الأكاديمي من خلال السلوكيات الأكاديمية كالانتظام في الحضور وإنجاز الواجبات، والمثابرة الأكاديمية كالعزيمة والانضباط الذاتي، واستراتيجيات التعلّم كتحديد الأهداف، والمهارات الاجتماعية كالمهارات التواصلية والتعاون.

وعليه، تمثّل «المهارات الاجتماعية العاطفية» مظلة تضم المهارات الاجتماعية والتحفيزية ومهارات التنظيم الذاتي، إلى جانب سمات الشخصية. وتُعدّ هذه القدرات على فهم العواطف وإدارتها، ووضع الأهداف الإيجابية وتحقيقها، وإظهار التعاطف، حاسمة لبناء المرونة والتكيّف مع أسواق العمل السريعة التطور في عصرنا. بيد أن قياس هذه المهارات لا يزال صعباً، إذ تعتري الأساليب القائمة، بما فيها التقييم الذاتي والأساليب التجريبية والملاحظة السلوكية، أوجه قصور. وبينما تشير بعض الأدلة إلى إمكانية تشكيل المهارات الاجتماعية العاطفية أو تعزيزها على امتداد مسار الحياة من خلال البيئات الداعمة والمتابعة والتوجيه، فقد تبيّن أن التعليم في مرحلة ما قبل المدرسة هو الأكثر فاعلية في تنميتها. ويقترح الإطار الموحّد للمهام والمهارات والكفاءات الذي وضعه مركز البحوث المشترك أن المعارف والاتجاهات تُكتسب في الغالب خلال الطفولة والشباب المبكر، في حين تنمو المهارات بسرعة من خلال الممارسة في العمل، أما الخبرة فلا تُكتسب إلا بعد الانخراط في العمل، وتعوّض مكاسبها على امتداد العمر فقدان بعض المعارف والمهارات بما يحافظ على ارتفاع مستوى الكفاءة حتى التقاعد، ويمكن أن تشكّل هذه العناصر اللبنات الأساسية لإطار للتعلّم مدى الحياة. ويظل تعزيز سمات غير معرفية بعينها أو الحدّ منها أمراً صعباً، لكن إدماج «التعلّم الاجتماعي العاطفي» في نظم التعليم النظامي والتعلّم غير النظامي وأماكن العمل يُطرح على نحو متزايد بوصفه سبيلاً للمضي قدماً.

ولا توجد مقايضة بين المهارات المعرفية وغير المعرفية، لأنها تعزّز بعضها بعضاً. فلكلٍّ منهما آثار مستقلة ومتكاملة في نواتج الحياة، وكثيراً ما توفّر المهارات غير المعرفية قدرة تفسيرية وتنبؤية إضافية كبيرة للنجاح تتجاوز ما توفّره المهارات المعرفية. وهي تتفاعل وتتعاضد، إذ كثيراً ما تعزّز المهارات غير المعرفية المهارات المعرفية في عملية إخصاب متبادل مستمرة. ومن الناحية العملية، يصعب التمييز بينهما؛ فدرجات اختبارات الذكاء لا تعكس الذكاء الفطري فحسب، بل تعكس أيضاً عوامل كالتركيز والدافعية الذاتية. ومن ثمّ فإن عدّ مهارات كالتفكير النقدي وحلّ المشكلات مهارات معرفية بحتة أمر قابل للنقاش، لأنها تتشكّل بقوة بفعل المهارات العاطفية أيضاً.

وأخيراً، فإن «المهارات اليدوية أو البدنية» هي القدرة على أداء المهام والأنشطة التي تتطلب براعة يدوية أو رشاقة أو قوة بدنية. وهي تنطوي على استخدام الجسم بكفاءة ودقة لإنجاز مهمة ما، ويمكن تصنيفها إلى مهارات حركية دقيقة كالطباعة والخياطة، ومهارات حركية كبرى كالرفع والمشي. وتتمثّل المكوّنات الرئيسية للمهارات البدنية واليدوية في البراعة والقوة والرشاقة والتناسق والتحمّل والجلد والمرونة. ورغم أن هذه المهارات أكثر انتشاراً في المهن الأدنى مهارة، كالخدمات التي يعمل فيها النُدُل والطهاة وعمال النظافة، والصناعة التحويلية والخدمات اللوجستية التي يعمل فيها عمال خطوط الإنتاج والمستودعات والسائقون ومشغّلو الآلات، والبناء والحِرَف التي يعمل فيها البنّاؤون والسبّاكون والكهربائيون، فإنها ضرورية أيضاً في بعض المهن عالية المهارة كالجرّاحين والممرضين، وللممارسين في الفنون الإبداعية كالرسامين والنحاتين والموسيقيين.

وفي كثير من الوظائف، قد تتطلب المهمة الواحدة استخدام مهارات متعددة من الفئات الثلاث جميعها، يطبّقها العاملون بطرق مختلفة. فتقديم الرعاية للمرضى مثلاً يتطلب معرفة طبية وتقنية، ومهارات معرفية لتقييم الأعراض واتخاذ القرارات، ومهارات اجتماعية عاطفية للتواصل الفعّال. وقد تُنجز المهمة ذاتها بتوليفات مختلفة من المهارات بحسب طريقة تنظيم العمل. غير أن أصحاب العمل لا يصفون بالضرورة متطلبات المهارات باستخدام هذه الفئات التحليلية، بل يعكسون طريقة تجميعهم للمهام في وظائف وكيفية توظيف المهارات. ففي معظم إعلانات الوظائف الشاغرة، تُوصف المهارات غالباً بثنائية المهارات الصلبة أو التقنية في مقابل المهارات الناعمة. وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما تختلط ضمن ما يُدرج تحت «المهارات الناعمة» المهامُ الذهنية كالتفكير النقدي وحلّ المشكلات، والمهامُ الاجتماعية كالتفاعل مع الناس، وأساليبُ العمل كالاستقلالية والعمل الجماعي. كما تميل إعلانات الوظائف إلى إبراز السمات ذات القيمة الإيجابية كالعمل الجماعي، والتقليل من شأن الجوانب غير المرغوبة في العمل كالرتابة أو الطابع الروتيني.

وأخيراً، يُعدّ تنظيم العمل المحدّد النهائي للمهارات المستخدمة في أداء المهام؛ فهو يشكّل طريقة هيكلة المهام، ومن ثمّ توليفة المهارات المطلوبة. وإن وصف أساليب العمل كالعمل الجماعي أو الاستقلالية، أو الاتجاهات كالقدرة على التكيّف أو المرونة، بأنها «مهارات ناعمة» يتجاهل التفاعل الديناميكي بين السمات الشخصية للفرد وتنظيم العمل. فالتعاون والعمل الجماعي ليسا مجرد سمات شخصية، بل هما أيضاً أساليب عمل يشكّلها تنظيم العمل وعملية الحوكمة. وكما يوضّح نورسكي، فإن مهارات التواصل الجيدة قد تيسّر العمل الجماعي، لكنها لا تستطيع معالجة غموض الأدوار أو عدم وضوح عملية اتخاذ القرار، والأهم من ذلك أنه لا ينبغي للأشخاص الجيدين أن يعوّضوا عن الأنظمة السيئة.

دراسة ذات صلة