الفصل الرابع: انعكاسات السياسات على تنمية المهارات
بيّنت الفصول السابقة كيف تعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل تنوّع الطلب على المهارات وعمقه عبر القطاعات والمهن، وتزيد في الوقت ذاته الحاجة إلى طيف من المهارات التقنية للذكاء الاصطناعي يمتد من المستوى الأساسي إلى المتقدم. ويتأمل هذا الفصل فيما تعنيه هذه الاتجاهات لسياسات المهارات. فهو يقدّم أولاً الإلمام بالذكاء الاصطناعي بوصفه مهارة مستعرضة جديدة، مبيّناً تعريفه ومكوّناته الرئيسية، ومؤكداً أنه ضروري لا للعاملين في أماكن العمل المعزّزة بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل أيضاً للمواطنين من أجل الوصول إلى الخدمات والمعلومات والحقوق. وإلى جانب إدماج الإلمام بالذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، يدعو التقرير إلى رفع مهارات الكبار والعاملين في الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وإلى الانتقال من «مجموعات المهارات» المحددة إلى «القدرات» الأوسع والفاعلية الإنسانية. كما يستلزم الاستخدام المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم ومكان العمل مراجعة المعايير المهنية والمؤهلات والمناهج، وتكييف نظم التقييم وإصدار الشهادات وضمان الجودة في التعليم.
4.1 الإلمام بالذكاء الاصطناعي بوصفه قدرة تأسيسية
يعني أثر الذكاء الاصطناعي في الحياة والعمل أن ثمة مهارة «أساسية» جديدة يحتاجها جميع الطلاب والباحثين عن عمل والعاملين، وهي القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ويُعترف على نحو متزايد بالإلمام بالذكاء الاصطناعي بوصفه مهارة تأسيسية لمرحلة الرقمنة الجديدة، ومُمكِّناً جوهرياً للفاعلية الإنسانية والإدماج في البيئات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي. ويُقصد به القدرة على فهم أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها ومراقبتها والتأمل فيها تأملاً نقدياً. ويتجاوز الإلمام بالذكاء الاصطناعي مجرد الإلمام التقني، إذ يشمل الوعي بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، وإمكاناته وحدوده، وانعكاساته الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية. وهو بهذا المعنى يُبنى على المفاهيم القائمة للمعرفة الرقمية ومعرفة البيانات والمعرفة الإعلامية ويوسّعها.
ويتضمّن الإلمام بالذكاء الاصطناعي في جوهره مزيجاً من المعارف والمهارات والاتجاهات ذات الطابع التقني والاجتماعي والأخلاقي. وهو يمكّن الأفراد من تقييم تقنيات الذكاء الاصطناعي تقييماً نقدياً، والتواصل والتعاون بفاعلية معه، واستخدامه أداةً عبر الإنترنت وفي المنزل ومكان العمل. وتبدأ تنمية الإلمام بالذكاء الاصطناعي بإدراك أن الأمر لا يقتصر على التقنية؛ فالناس بحاجة أيضاً إلى استيعاب المكوّنات الاجتماعية والأخلاقية للتقنية، وهو ما يتصل بالمهارات الاجتماعية العاطفية. فالإلمام بالذكاء الاصطناعي ليس مجرد برمجة أو فهم لآليات الشبكات العصبية، وهو قطعاً ليس مجرد هندسة للأوامر، بل يتجاوز معرفة أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي.
ونظراً لأهميته البالغة، فإن اكتساب الإلمام بالذكاء الاصطناعي ليس مسؤولية فردية فحسب. إذ تتحمّل المنشآت والسلطات العامة التزاماً مشتركاً بتزويد الأفراد بالتدريب والوقت والدعم الكافي لتنمية الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تحتاجها أسواق العمل. ويؤدي الحوار الاجتماعي دوراً حاسماً في صياغة استجابات فعّالة لتحديات المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فالتواصل مع منظمات العمال وأصحاب العمل يمكن أن يساعد على استشراف الاحتياجات من المهارات، والتفاوض على ترتيبات التدريب، وضمان أن يدعم نشر الذكاء الاصطناعي الإنتاجية مع صون حقوق العاملين وجودة الوظائف والإدماج. ومن ثمّ تكون سياسات المهارات الخاصة بالتحوّل نحو الذكاء الاصطناعي أكثر فاعلية حين تندرج ضمن أطر حوكمة أوسع تتضمّن صوت العاملين.
ومن الناحية العملية، يتألف الإلمام بالذكاء الاصطناعي من ثلاثة مجالات مترابطة. أولها الإلمام التقني، أي المعرفة الأساسية بكيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الإلمام بالتعلّم الآلي والخوارزميات والتقنيات القائمة على البيانات. فرغم أن ليس جميع العاملين سيطوّرون النماذج أو يدرّبونها، فإن الفهم الأساسي لكيفية عمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بات مطلوباً على نحو متزايد في مختلف المهن، من خدمة العملاء إلى الاستشارات القانونية والإدارة العامة. وثانيها الإلمام التحليلي ومعرفة البيانات، أي القدرة على تفسير مخرجات الذكاء الاصطناعي وتقييمها في البيئات الواقعية. ويشمل ذلك توظيف الرؤى التي يولّدها الذكاء الاصطناعي لدعم اتخاذ القرار، والتحقق من مصادر البيانات، وإدراك متى تكون الرقابة البشرية ضرورية. فموظف المشتريات الذي يقيّم مخاطر الموردين عبر أداة ذكاء اصطناعي مثلاً يجب أن يكون قادراً على مساءلة الحالات الشاذة أو التحقيق في النتائج المُشار إليها قبل العمل بالتوصيات.
وثالثها الإلمام الأخلاقي والمجتمعي. فمع اندماج الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، يحتاج العاملون إلى الوعي بالقضايا المتعلقة بخصوصية البيانات والتحيّز الخوارزمي والشفافية والمساءلة والإنصاف والاستدامة. ويُعدّ الوعي بالأثر البيئي للذكاء الاصطناعي ومعرفته، كاستهلاك الطاقة والمياه، مثالاً جيداً على ذلك، إذ يجب أن يكون الناس قادرين على الموازنة بين إيجابيات استخدام الذكاء الاصطناعي وسلبياته واستيعاب أثره البيئي طويل الأمد، فلا حاجة مثلاً إلى نماذج ضخمة لمهام بسيطة جداً. كما يجب أن يفهم الناس دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل السلوك البشري، والتأثير في الخطاب العام، أو تعزيز أوجه عدم المساواة القائمة. وتنمية هذا الشكل من الإلمام تمكّن الأفراد لا من الامتثال لأنظمة الذكاء الاصطناعي فحسب، بل من مساءلتها وتشكيلها أيضاً.
والجميع بحاجة إلى الإلمام بالذكاء الاصطناعي، بمن فيهم الموظفون والعاملون الذين يستخدمونه، والمواطنون الذين يتعاملون مع آثاره المتنامية. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي في مزيد من القطاعات ومجالات الحياة، باتت انعكاسات الإلمام به أو غيابه بعيدة المدى، وهي تتجاوز إعداد قوى عاملة ماهرة في الذكاء الاصطناعي. فبدون إلمام أساسي، لا يكون المواطنون والمستهلكون مؤهلين جيداً لفهم المنصات والقرارات الخوارزمية التي تمس مجالات كثيرة من حياتهم، كالخدمات الحكومية والخصوصية والإقراض والرعاية الصحية والتعليم وغيرها. كما أن غياب الإلمام بالذكاء الاصطناعي ينطوي على خطر التنازل عن جوانب مهمة من مستقبل المجتمع لحفنة من الشركات متعددة الجنسيات. ولذلك تحتاج المؤسسات إلى مساعدة الناس على فهم الذكاء الاصطناعي واستخدامه، أو مقاومته، بصفتهم أفراداً وعاملين وآباء ومبتكرين وباحثين عن عمل وطلاباً وأصحاب عمل ومواطنين.
ومن ثمّ يؤدي الإلمام بالذكاء الاصطناعي وظيفة الكفاءة العملية والقدرة المدنية في آن واحد. فهو يُعدّ الناس للعمل بأمان وثقة في أماكن العمل المعزّزة بالذكاء الاصطناعي، ولاتخاذ خيارات مستنيرة في مجتمع تؤثر فيه الأنظمة المؤتمتة في الوصول إلى الخدمات والمعلومات والحقوق. وبذلك يتعلق الإلمام بالذكاء الاصطناعي أيضاً بالتمكين، إذ يتصل بكيفية تثقيف المجتمعات لمواطنيها للتفاعل مع مستقبل التقنية، وكيفية تزويد نظم التعليم للمتعلمين لا بالقدرة على تشغيل الآلات فحسب، بل بمساءلة تصميمها وحوكمتها وانعكاساتها. ولهذا السبب، شبّه عدد من الخبراء الإلمام بالذكاء الاصطناعي بنوع جديد من «رخصة قيادة الذكاء الاصطناعي»، أي الحدّ الأدنى من الشروط اللازمة للمشاركة الآمنة والمسؤولة في الاقتصاد الرقمي.
ومع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مهارة مستعرضة جديدة، يصبح إدماج إطار لكفاءات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب الأوليين ضرورة لإعداد المتعلمين الجدد لمستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي. ويقترح كثير من الخبراء إدماج الإلمام بالذكاء الاصطناعي على نحو منهجي في المناهج كافة، من الدراسات الاجتماعية إلى العلوم، ومن التعليم الابتدائي إلى التعليم العالي، وكذلك في برامج تعليم الكبار والتدريب في مكان العمل. ونتيجة لذلك، أدخلت دول عدة وحدات للإلمام بالذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب والخدمة المدنية لضمان تفاعل واثق ونقدي وأخلاقي مع الذكاء الاصطناعي. ومن الأمثلة المبكرة على ذلك الصين، التي تشترط ثماني ساعات على الأقل من التعليم في الذكاء الاصطناعي سنوياً بدءاً من المرحلة الابتدائية، وإستونيا التي تتعاون مع شركتي Anthropic وOpenAI لإتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للطلاب والمعلمين.
وقد ركّزت الجهود الوطنية والدولية الأخيرة على نحو متزايد على تحويل الإلمام بالذكاء الاصطناعي إلى واقع عملي، لا بوصفه طموحاً مجرداً فحسب، بل بوصفه كفاءة منظّمة قابلة للتدريس والقياس يمكن إدماجها في نظم التعليم العامة. ويؤكد ذلك الإدراك المتنامي لضرورة ألا يقتصر الأفراد على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل أن يفهموها ويقيّموها ويشكّلوها تشكيلاً نقدياً وأخلاقياً منذ سن مبكرة. ولذلك وُضعت أطر عدة لتعليم الذكاء الاصطناعي وتعلّمه للطلاب والمعلمين والكبار. وتهدف هذه الأطر إلى توفير مرجعية مشتركة لمصممي المناهج والمربين وصانعي السياسات لضمان اكتساب جميع المتعلمين المعارف والمهارات والاتجاهات اللازمة للعيش في عالم يتوسّطه الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد. وإضافة إلى ذلك، أطلقت جامعات عدة برامج ماجستير جديدة في الذكاء الاصطناعي على المستوى الجامعي.
ومن الأطر التي توجّه تعليم الإلمام بالذكاء الاصطناعي وتعلّمه الإطار الأوروبي للكفاءة الرقمية للمواطنين، الذي يصف المعارف والمهارات والاتجاهات اللازمة للكفاءة الرقمية في الحياة اليومية والمشاركة في المجتمع والعمل والتعلّم، وقد حُدّث في نوفمبر 2025 ليدمج، ضمن أمور أخرى، كفاءة الذكاء الاصطناعي في نسخة جديدة. ومنها أيضاً إطارا كفاءات الذكاء الاصطناعي للطلاب وللمعلمين الصادران عن اليونسكو، ويتميزان بصلاحيتهما على المستوى العالمي وبتمييزهما بين منظور المتعلم ومنظور المربي. ومنها كذلك مسودة الإطار الخاص بدور الذكاء الاصطناعي في التعليم والتعلّم، القائمة على ثلاث ركائز رئيسية هي المعرفة التقنية بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، والمهارات الإنسانية اللازمة للتعاون الفعّال معه، والاعتبارات الأخلاقية. ويضاف إلى ذلك إطار الإلمام بالذكاء الاصطناعي الصادر عن مبادرة «الوعد الرقمي» الأمريكية، الذي يستهدف الكبار ويقوم على أنماط تفاعل مترابطة تشمل فهم أدوات الذكاء الاصطناعي وتقييمها واستخدامها بمسؤولية وأمان، ومبادرة «الأفكار الخمس الكبرى في الذكاء الاصطناعي» الأمريكية التي تتناول خمسة جوانب تقنية جوهرية، منها طبيعة الذكاء الاصطناعي ودور البيانات في عملية تدريبه، وتستهدف التعليم الابتدائي والثانوي. كما تتيح المفوضية الأوروبية مستودعاً حياً يقدّم أمثلة على الممارسات الجارية في الإلمام بالذكاء الاصطناعي ويعزّز التعلّم والتبادل بين البلدان.
وتلاحظ اليونسكو أن الإلمام بالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبدأ في المدرسة الابتدائية، وأن يُبنى تدريجياً من خلال التعليم في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، والتعلّم متعدد التخصصات، وفرص التعلّم مدى الحياة. ولفهم العناصر الرئيسية لهذه الأطر، يمكن الالتفات إلى أطر كفاءات الذكاء الاصطناعي التي وضعتها اليونسكو لتوجيه نظم التعليم العام. فإطار كفاءات الذكاء الاصطناعي للطلاب، الذي يعزّز نهجاً متمحوراً حول الإنسان في تعليم الذكاء الاصطناعي، يحدد اثنتي عشرة كفاءة موزّعة على بُعدين. يتضمّن البُعد الأول أربعة جوانب للكفاءة هي العقلية المتمحورة حول الإنسان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويتكوّن البُعد الثاني من ثلاثة مستويات للكفاءة هي الفهم والتطبيق والإبداع، يُتوقع أن يتفاعل معها الطلاب على نحو تكراري.
أما إطار كفاءات الذكاء الاصطناعي للمعلمين فهو مصمّم للمعلمين الذين يدمجون الذكاء الاصطناعي لتعزيز التعلّم في المواد الأساسية، لا للمتخصصين في تدريس الذكاء الاصطناعي المتقدم. ومع احتفاظه بنهج متمحور حول الإنسان، يوفّر أداة عملية للمعلمين لتصميم دورات تدريبية تركّز على الذكاء الاصطناعي وتنفيذها، ويدعم تطورهم المهني المستمر. ويتخذ الإطار شكل مصفوفة ثنائية الأبعاد، تُطوَّر فيها خمسة جوانب للكفاءة عبر ثلاثة مستويات للتقدّم هي الاكتساب والتعميق والإبداع، لتنتج خمس عشرة كتلة. وقد صُمّمت هذه الكتل لدعم المدارس والمعلمين، ولتكون في الوقت ذاته مرجعاً لتطوير أطر وطنية لكفاءات الذكاء الاصطناعي.
وتُعدّ مسودة الإطار الخاص بدور الذكاء الاصطناعي في التعليم والتعلّم، التي أطلقتها في عام 2025 المفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة Code.org، أحدث المبادرات الداعمة لتنمية الإلمام بالذكاء الاصطناعي في نظم التعليم. والإطار مصمّم للمعلمين وقادة التعليم وصانعي السياسات التعليمية ومصممي التعلّم، ويحدّد الكفاءات وسيناريوهات التعلّم التي يُسترشد بها في إعداد المواد التعليمية والمعايير والمبادرات على مستوى المدرسة والسياسات المسؤولة للذكاء الاصطناعي في بيئات التعليم الابتدائي والثانوي. وله ثلاثة نواتج تعلّم هي المعرفة التقنية بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، والمهارات الإنسانية اللازمة للتعاون الفعّال معه، والاعتبارات الأخلاقية. وتمزج هذه النواتج بين المعرفة المفاهيمية والمهارات العملية والاتجاهات الجاهزة للمستقبل كالفضول والقدرة على التكيّف والاستدلال الأخلاقي. ويُنظَّم تدريسه حول أربعة مجالات للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي هي التعامل مع الذكاء الاصطناعي، والإبداع باستخدامه، وإدارته، وتصميمه.
وتكتسب هذه الأمثلة من الأطر أهمية بالغة في وقت تتسع فيه فجوة مهارات الذكاء الاصطناعي. فكما تُظهر المسوح الحديثة، يتعرّض الشباب على نحو متزايد للذكاء الاصطناعي ويجرّبونه في بيئات غير نظامية، وكثيراً ما يحدث ذلك دون دعم أو توجيه نقدي كافٍ. إذ لا يشعر سوى 46% من الطلاب بأن مدارسهم تعدّهم إعداداً كافياً للذكاء الاصطناعي، ويواجه 49% من المتعلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و27 عاماً صعوبة في تقييم المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي تقييماً نقدياً. وتقدّم دراسة أخرى ليوروفاوند، استندت إلى مسح يوروستات حول استخدام تقنية المعلومات والاتصالات في الأسر، صورة أوضح عن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين في عام 2025. فإجمالاً، يفوق استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي التوليدي بنسبة 72% استخدام العاملين بنسبة 36.4%، والعاطلين عن العمل بنسبة 28.3%، والمتقاعدين وغير النشطين بنسبة 12.9%. ويتجاوز الاستخدام الشخصي باستمرار الاستخدام المهني، إذ استخدم نحو 64% ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال الأشهر الثلاثة السابقة، مقارنة بنسبة 6.5% فقط ممن بلغوا 65 عاماً فأكثر.
أما فيما يخص المعلمين، فقد كشف المسح الأوروبي التجريبي لمعلمي التعليم والتدريب المهني الذي أجراه سيديفوب في عام 2025 أن 29% من معلمي المدارس المهنية الأولية يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي أو تقنياته بانتظام في عملهم. غير أن نحو ثلثهم يشعرون بحاجتهم إلى تطوير مهني إضافي لتعلّم أفضل السبل لاستخدام هذه التقنية على نحو آمن وأخلاقي. ومن ثمّ تمثّل هذه الأطر خطوة كبيرة إلى الأمام في إعادة التفكير في التعليم لعصر الذكاء الاصطناعي. فبإدماج الإلمام بالذكاء الاصطناعي في التعليم الإلزامي، يُعاد تأطيره لا بوصفه مهارة رقمية فحسب، بل بوصفه كفاءة مدنية ضرورية للمشاركة الفاعلة في المجتمعات الديمقراطية وأسواق العمل المستقبلية.
4.2 إصلاحات المناهج والمؤهلات
يتطلب الدمج المتنامي للذكاء الاصطناعي في أماكن العمل أن تترجم نظم التعليم والتدريب متطلبات المهارات المتطورة إلى معايير مهنية ومؤهلات ومناهج. فمع تزايد أداء الذكاء الاصطناعي للمهام المعرفية الروتينية ومنخفضة التعقيد، بما فيها تلك التي كانت تُستخدم تقليدياً لتعريف المهن والأدوار المخصصة للمبتدئين، تتعرّض المؤهلات المرتكزة ارتكازاً ضيقاً على أداء المهام لخطر التقادم بسرعة أكبر. وتزداد أهمية التعلّم القائم على العمل أكثر من أي وقت مضى، بالنظر إلى تراجع أعداد الوظائف المخصصة للمبتدئين التي طالما وفّرت خبرة عملية متينة للمستجدين. ويتعيّن على نظم المؤهلات أن تحدّ من الاعتماد المفرط على المهام المهنية المحددة تحديداً ضيقاً التي يستطيع الذكاء الاصطناعي الحلول محلها سريعاً، وأن تركّز أكثر على القدرات القابلة للنقل، كالاستدلال التحليلي وحلّ المشكلات والمهارات الاجتماعية العاطفية.
وبينما ناقشت الأقسام السابقة الأهمية المتزايدة للإلمام بالذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، فإن التحدي الذي يواجه نظم المهارات يتمثّل في كيفية تحويل هذه المتطلبات إلى واقع عملي ضمن مسارات التعلّم ونظم إصدار الشهادات والبرامج المهنية. ومن المفيد التمييز بين مستويات مختلفة من الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي: إلمام تأسيسي بالذكاء الاصطناعي للجميع، وكفاءات في الذكاء الاصطناعي خاصة بكل مهنة وقطاع، ومهارات تقنية متقدمة للأدوار التخصصية. وفي جميع الأحوال، ينبغي لنظم المؤهلات والمناهج أن تتجاوز التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مادة تقنية متخصصة محصورة في المجالات المرتبطة بتقنية المعلومات والاتصالات، وأن تعامل الإلمام به بوصفه ناتج تعلّم عاماً وكفاءة مستعرضة قابلة للتطبيق عبر المستويات والقطاعات، وأن تدمجه أفقياً عبر المؤهلات. ولا يقتصر ذلك على القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يشمل أيضاً الفهم النقدي لمخرجاته، ومعرفة البيانات، والوعي الأخلاقي، والتحيّز، والشفافية، والخصوصية، والانعكاسات البيئية، والرقابة البشرية.
وفي التعليم والتدريب التقني والمهني وتعليم الكبار، لا يحتاج المتعلمون والعاملون إلى إلمام عام بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل يحتاجون أيضاً إلى توجيه خاص بكل قطاع ومهنة حول كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي للمهام وتنظيم العمل والمهارات المطلوبة. ومن الناحية العملية، يعني ذلك مراجعة المعايير المهنية ونواتج التعلّم لتعكس واقع مكان العمل المتغيّر، من خلال تواصل منظّم مع منظمات أصحاب العمل والعمال وهيئات المهارات القطاعية ومقدّمي التدريب. فالمتعلمون في قطاع الصناعة التحويلية مثلاً قد يحتاجون إلى التعامل مع أنظمة الصيانة التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وقد يحتاج العاملون في الرعاية الصحية إلى تفسير المخرجات التشخيصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وقد يعتمد العاملون في الخدمات اللوجستية على نحو متزايد على أدوات التخطيط المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في حين قد يحتاج المهنيون في الإعلام إلى مراجعة المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي مراجعة نقدية. والهدف ليس مجرد تعليم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل ضمان قدرة المتعلمين على تطبيق خبرتهم المهنية جنباً إلى جنب مع الحكم الرقمي والتحليلي والأخلاقي.
ويتعيّن إدماج الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المناهج المهنية عبر نظم التعليم والتدريب التقني والمهني والتعليم العالي وتعليم الكبار. ويشمل ذلك تحديد الكيفية التي تغيّر بها أدوات الذكاء الاصطناعي سير العمل وعمليات اتخاذ القرار ومعايير الجودة والتفاعل الإنساني داخل مهن وقطاعات بعينها. وبالنظر إلى البروز المتزايد للملفات المهنية الهجينة التي تجمع الخبرة القطاعية بالمهارات الرقمية ومهارات البيانات، يجب أن تعترف نظم المؤهلات بتوليفات من الكفاءات التقنية والمعرفية والاجتماعية العاطفية بدلاً من المهام المهنية المحددة تحديداً ضيقاً. ففي مهن كثيرة، يُنتظر من العاملين على نحو متزايد الجمع بين الخبرة التخصصية والقدرة على تفسير مخرجات الذكاء الاصطناعي، والعمل بالبيانات، وحلّ المشكلات غير الروتينية، والتعاون بفاعلية في البيئات الغنية بالتقنية.
ويتطلب هذا التطوّر أيضاً مرونة أكبر داخل نظم المؤهلات. إذ يمكن لأطر المؤهلات أن تعترف بالمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المكتسبة عبر التعليم غير الرسمي وغير النظامي، وأن تتبنى أساليب تعلّم مرنة، وأن تبني مساراً يمكّن المتعلمين من التنقّل بين سيناريوهات التعليم والتدريب المختلفة، بما يشكّل أساساً للنجاح في سوق عمل تزداد تعقيداً في عصر الذكاء الاصطناعي. والواقع أن برامج التعلّم القصيرة والمسارات المعيارية والشهادات المصغّرة تُستخدم على نحو متزايد للاستجابة لاحتياجات المهارات السريعة التطور، ولا سيما للمتعلمين الكبار والعاملين الملتحقين بالعمل فعلاً. غير أن تشتّت الشهادات ينطوي على خطر الحدّ من الشفافية والجودة. ولذلك ينبغي ربط الشهادات المصغّرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالأطر الوطنية للمؤهلات والمعايير المهنية ونظم ضمان الجودة، لضمان قابليتها للمقارنة والاعتراف بها وإتاحتها فرصاً للتدرّج.
وخلاصة القول إن إصلاحات المناهج والمؤهلات ينبغي أن تدمج التطورات الجديدة في الذكاء الاصطناعي بوصفها نواتج تعلّم، وأن تتجنّب التركيز المفرط على الأدوات التقنية السريعة التغيّر وحدها، وأن تتسم بمرونة أكبر دون التفريط في ضمان الجودة. كما يجب أن تولي اهتماماً أكبر للتعلّم القائم على العمل، وأن تضمن قابلية الشهادات المصغّرة للتراكم، وخضوعها لضمان الجودة، وارتباطها بأطر المؤهلات والاعتراف بالتعلّم السابق. وبالنظر إلى سرعة التغيّر التقني، تحتاج المناهج إلى تعزيز الأسس القابلة للنقل التي تدعم القدرة على التكيّف على المدى الطويل، بما فيها حلّ المشكلات، والمعرفة الرقمية ومعرفة البيانات، والتواصل، والتعاون، وكفاءات تعلّم كيفية التعلّم. والهدف هو إعداد المتعلمين لا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية فحسب، بل أيضاً للتغيرات التقنية المستمرة على امتداد حياتهم العملية.
4.3 المعلمون والمدرّبون والقدرات المؤسسية
يتوقف النجاح في دمج الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في نظم التعليم والتدريب إلى حدّ كبير على جاهزية المعلمين والمدرّبين والمؤسسات، الذين تُعدّ قدراتهم أساسية للتنفيذ. فالمعلمون والمدرّبون بحاجة إلى وقت مخصص وحوافز ودعم مؤسسي لتجريب أدوات الذكاء الاصطناعي وإعادة تصميم أنشطة التعلّم. ولا يكفي إصلاح المناهج وحده إذا افتقر مقدّمو التعليم إلى القدرات البشرية والمؤسسية اللازمة لتطبيق الأساليب الجديدة بفاعلية، بما في ذلك التوجيه بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في التدريس والتقييم ودعم التعلّم.
ويحتاج المعلمون والمدرّبون إلى وقت وجهد لتنمية قدرتهم على دمج الأدوات والأساليب المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في ممارسات التدريس والتعلّم والتقييم. ويجب أن تشمل هذه القدرة فهم فرص تطبيقات الذكاء الاصطناعي وحدودها ومخاطرها في مجالاتهم المهنية، واختيار الاستخدامات التربوية المناسبة لأدواته، وتوجيه المتعلمين إلى التفسير النقدي لمخرجاته. وفي نظم التعليم والتدريب التقني والمهني على وجه الخصوص، يحتاج المعلمون والمدرّبون إلى الإلمام بالاستخدام المتطور لتقنيات الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل والمهن ذات الصلة بقطاعاتهم، من خلال التدريب الميداني في الصناعة، والتطوير المشترك للمناهج، ومجتمعات الممارسة القطاعية.
ويولّد ذلك طلباً متزايداً على نظم للتطوير المهني المستمر تتجاوز أنشطة التوعية العابرة. فالتطوير المهني الفعّال يتطلب على نحو متزايد مقاربات مستدامة تتضمّن التجريب العملي، والتعلّم من الأقران، والإرشاد، والتصميم التعاوني للدروس، وفرصاً لتكييف المواد التعليمية وأساليب التقييم. ولذلك تُعدّ هياكل الدعم المؤسسي حاسمة لمنح المعلمين والمدرّبين وقتاً وموارد واستقلالية مهنية كافية لإعادة تصميم أنشطة التعلّم ودمج التقنيات الجديدة دمجاً هادفاً.
وبالنسبة لمعلمي التعليم والتدريب التقني والمهني، يغدو الحفاظ على روابط قوية مع الصناعة أكثر أهمية في سياق اعتماد الذكاء الاصطناعي. فالتغيّر التقني السريع يتطلب تحديثاً منتظماً للمعرفة المهنية واطلاعاً على ممارسات مكان العمل المتغيرة. ومن ثمّ يمكن للشراكات بين مؤسسات التدريب وأصحاب العمل أن تدعم التدريب الميداني للمعلمين في الصناعة، وفرص التعلّم في مكان العمل، وأنشطة التطوير المشترك للمناهج.
وتؤدي القيادة المؤسسية وحوكمة الذكاء الاصطناعي بدورهما دوراً حاسماً. إذ تحتاج مؤسسات التعليم والتدريب على نحو متزايد إلى استراتيجيات وقواعد ومدونات سلوك واضحة بشأن تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في خدماتها، بما في ذلك السياسات المتعلقة بالأخلاقيات وخصوصية البيانات والشفافية والنزاهة الأكاديمية. ويجب أن تمتلك المؤسسات التعليمية توجيهات واضحة بشأن الاستخدام المسؤول، وحماية البيانات، والتحيّز، وحقوق النشر، والنزاهة الأكاديمية، وإمكانية الوصول. وبدون توجيه مؤسسي، قد يصبح الوصول إلى فرص التعلّم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي متفاوتاً بين المؤسسات وفئات المتعلمين، بما يعزّز أوجه عدم المساواة القائمة في الوصول الرقمي وجودة التعليم.
ولا تزال فجوات البنية التحتية والموارد تمثّل قيوداً كبيرة في بلدان كثيرة، ولا سيما في السياقات منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. فالاتصال الموثوق، والوصول إلى الأجهزة الرقمية، والبرمجيات الملائمة، والدعم التقني لا تزال موزّعة على نحو غير متكافئ بين المؤسسات والمناطق. ونتيجة لذلك، لا ينبغي لاستجابات السياسات أن تركّز على اعتماد الذكاء الاصطناعي المتقدم فحسب، بل أن تحرص أيضاً على توفير البنية التحتية الرقمية الأساسية والظروف المؤسسية اللازمة للمشاركة المنصفة في بيئات التعلّم المعزّزة بالذكاء الاصطناعي.
4.4 رفع مهارات الكبار والعاملين في الذكاء الاصطناعي
تتضح أهمية الإلمام بالذكاء الاصطناعي لمكان العمل عبر القطاعات والمهن. فرغم أن العاملين ذوي المؤهلات العالية أميل إلى استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي في وظائفهم، فإن الحاجة إلى رفع المهارات في الذكاء الاصطناعي تشمل جميع مستويات المهارة. ففي التعليم مثلاً، يُنتظر من المعلمين تقييم المحتوى الذي تولّده منصات التعليم الخصوصي المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتكييفه. وفي الرعاية الصحية، يجب أن يفهم الممرضون والفنيون كيف تدعم خوارزميات التشخيص الحكم السريري دون أن تحلّ محله. وفي الخدمات اللوجستية والصناعة التحويلية، يتعامل العاملون مع الروبوتات والأجهزة القابلة للارتداء التي تتطلب إلماماً أساسياً ببروتوكولات الأتمتة وقواعد السلامة. ولا تتطلب هذه المهام دائماً تدريباً تقنياً متقدماً، لكنها تعتمد على الوعي بالموقف والتمييز الأخلاقي اللذين يتيحهما الإلمام بالذكاء الاصطناعي. وفضلاً عن ذلك، يمكن لتحسين الإلمام بالذكاء الاصطناعي على نحو مستعرض أن يحفّز الاستخدام التصاعدي لتقنيته في بيئات العمل ويساعد على تعميمه.
ورغم التوافق الواسع على أهميته، تشير الأدلة القائمة إلى تدنّي مستوى الإلمام بالذكاء الاصطناعي بين العاملين نسبياً، حتى في الاقتصادات المتقدمة. فرغم تزايد الحاجة إلى متخصصين في الذكاء الاصطناعي وإلى عاملين ذوي فهم أعم له، فإن الإلمام بالذكاء الاصطناعي منخفض في الولايات المتحدة مثلاً وفقاً لأوريل، إذ لم يكن سوى 25% من العاملين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل، مقارنة بنسبة 60% من العاملين في الصين والهند في عام 2024. وتتعزّز فجوة المهارات هذه بفجوة في الثقة؛ فوفقاً لمقياس إيدلمان للثقة لعام 2025، أفاد 77% من المشاركين الصينيين و75% من المشاركين الهنود بثقتهم في الذكاء الاصطناعي، مقارنة بنسبة 47% فقط من الأمريكيين. وتشير هذه الأرقام إلى أن الإلمام بالذكاء الاصطناعي ليس مسألة تدريب تقني فحسب، بل مسألة بناء ثقة بالتقنية أيضاً، ولا سيما بين فئات العاملين الأكثر عرضة للتغيرات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي.
وتضمّن مسح سيديفوب لمهارات الذكاء الاصطناعي الذي أُجري في عام 2024 مقياساً خاصاً للإلمام بالذكاء الاصطناعي يغطي جوانبه الكلية المختلفة، بدءاً من قدرة العاملين على التعرّف على تقنية الذكاء الاصطناعي وحدودها، مروراً بفهم الطريقة التي تمثّل بها أنظمة الذكاء الاصطناعي والآلات العالم وتتعلّم منه، ووصولاً إلى الوعي بالتحديات الاجتماعية الاقتصادية والأخلاقية التي تنطوي عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتُظهر نتائج المسح تدنّي الإلمام بالذكاء الاصطناعي لدى القوى العاملة البالغة في أوروبا، إذ يمتلك ما بين 40% و60% من العاملين البالغين المشمولين بالمسح فهماً محدوداً نسبياً للركائز المتنوعة للإلمام بالذكاء الاصطناعي. ولذلك أهميته، لأن العاملين الأوروبيين ذوي الإلمام العالي بالذكاء الاصطناعي يسجّلون معدلات أعلى لاستخدامه، وهم بوجه عام أكثر حظاً في تحقيق نواتج إيجابية في سوق العمل. وتُظهر أدلة سيديفوب كذلك أنه خلال عامَي 2023 و2024 لم يشارك سوى نحو 15% من الموظفين في أنشطة تعليمية أو تدريبية تهدف إلى زيادة تحسين معارفهم ومهاراتهم في استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أدرجت دول عدة تنمية مهارات الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجياتها وإجراءاتها الوطنية في هذا المجال. فقد كانت فنلندا مثلاً من الرواد حين أطلقت في عام 2018 سلسلة «عناصر الذكاء الاصطناعي» لتثقيف الجمهور العام بشأن الذكاء الاصطناعي. ويُعدّ برنامج «الذكاء الاصطناعي للجميع» في سنغافورة مقرراً تأسيسياً آخر مفتوح الوصول، يتألف من ست وحدات صُمّمت لإزالة الغموض عن الذكاء الاصطناعي وتبديد المفاهيم الخاطئة وإبراز استخداماته العملية، ويستهدف جمهوراً واسعاً يشمل الطلاب والمهنيين والمتقاعدين، وله نسخة مخصصة للأطفال. كما يستهدف برنامج «كفاءات الذكاء الاصطناعي» في ألمانيا الجمهور العام، مركّزاً على مهارات الذكاء الاصطناعي المهمة لطيف واسع من الأفراد في عالم العمل والحياة. ومن الأمثلة الأخرى مشروع عابر للحدود ممول من برنامج إيراسموس بلس التابع للاتحاد الأوروبي، هو «تحالف مهارات الذكاء الاصطناعي»، الذي يهدف إلى تطوير برامج للمعارف والمهارات في الذكاء الاصطناعي في أوروبا ليتمكّن الناس من فهم حلول قائمة على ذكاء اصطناعي جدير بالثقة ومتمحور حول الإنسان وتصميمها والاستفادة منها.
واستناداً إلى استبيان للسياسات أجابت عنه إحدى وعشرون دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2024، رصد تقرير للمنظمة المعروض الحالي من التدريب ومدى جاهزية نظم تعليم الكبار للتحوّل نحو الذكاء الاصطناعي. وبناءً عليه، استثمرت أربع عشرة دولة في برامج تدريب على الذكاء الاصطناعي ممولة من المال العام، يركّز تسعة منها على إعداد متخصصين في الذكاء الاصطناعي، بينما يقدّم سبعة تدريباً على الإلمام بالذكاء الاصطناعي للجمهور العام. وفضلاً عن ذلك، أدخلت دول عديدة حوافز لدعم أصحاب العمل في تدريب موظفيهم، عادة من خلال الإعانات أو الخصومات الضريبية. غير أن هذه الحوافز المالية نادراً ما تستهدف مهارات الذكاء الاصطناعي، إذ يوجَّه الدعم في الغالب نحو التدريب على المهارات الرقمية العامة دون تركيز صريح على الذكاء الاصطناعي.
وفي الدراسة ذاتها، وجد تحليل كمي أكثر تعمقاً ركّز على أستراليا وألمانيا وسنغافورة والولايات المتحدة أن ما بين 0.3% و5.5% فقط من الدورات التدريبية التي جرى تحليلها تقدّم محتوى في الذكاء الاصطناعي. وقد يكون هذا المحتوى متعلقاً بتنمية مهارات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والإلمام العام به على حدّ سواء. ورغم احتمال أن تكون هذه الأرقام أقل من الواقع، لأن التعلّم قد يحدث أيضاً على نحو غير رسمي أو في مكان العمل، فإن هذه النتيجة تشير إلى أن المعروض الحالي من التدريب قد لا يكفي لتلبية الطلب، ولا سيما الطلب المتنامي على الإلمام بالذكاء الاصطناعي. وفضلاً عن ذلك، تركّز معظم الدول التي شملها التحليل على إعداد متخصصين في الذكاء الاصطناعي أكثر من تركيزها على توسيع الإلمام العام به. وينبغي لصانعي السياسات النظر في سبل توسيع برامج الإلمام العام بالذكاء الاصطناعي لتشمل شريحة أوسع من السكان، لأن معظم العاملين سيحتاجون إلى مهارات استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والتفاعل معها، بما فيها مهارات الإلمام العام به.
وتتوافر مسارات تعلّم قصيرة ومتنوعة عدة لتنمية مهارات القوى العاملة في الذكاء الاصطناعي، من التدريب الذي يقوده أصحاب العمل والبرامج الهجينة بين الأوساط الأكاديمية والصناعة، إلى المعسكرات التدريبية المكثفة والمقررات الإلكترونية المفتوحة واسعة الالتحاق. وكثيراً ما تستهدف هذه المسارات العاملين ذوي التعليم العالي في المجالات الأكثر تمرّساً في التقنية كتقنية المعلومات والاتصالات، الذين يكتسبون معظم مهارات الذكاء الاصطناعي أثناء العمل أو عبر مسارات بديلة كالحقائب الرقمية والشهادات أو المعسكرات التدريبية المكثفة استجابة لاحتياجات تعلّم جديدة. كما بدأ أصحاب العمل في الإدارة العامة والتمويل والصحة بتقديم دورات توعية بالذكاء الاصطناعي، غالباً في إطار مبادرات أوسع لرفع المهارات الرقمية. وهذه مبادرات مفيدة، ولا سيما للحلول السريعة. غير أنه يمكن إدخال مبادرات على مستوى المنظومة ككل، إذ لا تزال نظم التحقق من المهارات المكتسبة خارج الأطر التقليدية والاعتراف بها متأخرة في تطورها.
ويبدو أن العاملين منخفضي المهارة هم في الغالب الأقل حظاً في الوصول إلى التدريب على الإلمام بالذكاء الاصطناعي والمشاركة فيه، رغم أنهم قد يشغلون وظائف أكثر عرضة لخطر الأتمتة ومن ثمّ يحتاجون إلى دعم إضافي. فقد وجد مسح سيديفوب لمهارات الذكاء الاصطناعي لعام 2024 أن احتمال المشاركة في التدريب على الذكاء الاصطناعي أعلى بين العاملين الأصغر سناً، والمديرين، والعاملين ذوي الكفاءة الأعلى في الذكاء الاصطناعي، والعاملين في وظائف ذات احتياجات تعلّم رقمي مستمرة، وأصحاب العقود الدائمة. وهم يميلون إلى التركّز في قطاعات تقنية المعلومات والاتصالات والخدمات المهنية والعلمية والمرافق والتعليم. ولذلك يُعدّ تقديم نطاق أوسع من الدورات لتعزيز الإلمام العام بالذكاء الاصطناعي، مع خيارات تدريب شاملة ومرنة، أمراً محورياً لتوسيع الوصول إلى التدريب وإدارة الآثار غير المتكافئة للذكاء الاصطناعي بين الفئات المختلفة. ويجب أن يشمل توسيع المبادرات وتحسين استهدافها استخدام الحوافز المالية وغير المالية، والتعاون مع الصناعة، وتطوير مسارات تعلّم أكثر شمولاً.
وبالنظر إلى استمرار «الفجوة الرقمية» بين الفئات الاجتماعية والبلدان، يجب أن يكون الإدماج والإنصاف والتنوّع اللغوي في صميم نظم التعليم والتدريب. فداخل البلدان، يواجه الأفراد منخفضو المهارة تحديات أكبر، ومن ثمّ يجب تصميم الوصول إلى التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي بما يلبّي احتياجاتهم. وينبغي لرفع المهارات في الذكاء الاصطناعي أن يكمّل الاستثمارات في المهارات التأسيسية لا أن يحلّ محلها، في ظل المخاوف المتزايدة بشأن مهارات القراءة والكتابة والحساب والمهارات الرقمية الأساسية. كما يصبح التعلّم المستمر مدى الحياة ضرورة لا غنى عنها في مواجهة متطلبات المهارات السريعة التغيّر في عصر الذكاء الاصطناعي.
وفي البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، يُعدّ ضعف الاتصال بالإنترنت العامل الأهم منفرداً الذي يحول دون استخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة في البنى التحتية الرقمية. وتعني القيود المتصلة بالطابع غير الرسمي للعمل، وحجم المنشآت، ومحدودية المعروض من التدريب، والبنية التحتية الرقمية، أن سياسات مهارات الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى إعطاء الأولوية لمسارات تعلّم ميسّرة الوصول وقائمة على العمل ومدعومة من المال العام، بدلاً من الاعتماد أساساً على حلول تدريبية يقودها أصحاب العمل أو تحكمها قوى السوق. وفضلاً عن ذلك، يكتسب تعزيز التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم أهمية أكبر، بالنظر إلى أن معظم النماذج اللغوية الكبيرة مصمّمة بلغات قليلة فقط. وإلى جانب تأثير ذلك في نموذج الذكاء الاصطناعي نفسه أولاً، فقد يؤثر سلباً في المستخدمين من حيث الوصول إلى المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتنميتها.
4.5 نظم التقييم وإصدار الشهادات وضمان الجودة
يتطلب الاستخدام المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم وأماكن العمل أيضاً تكييفاً جوهرياً لنظم التقييم وإصدار الشهادات وضمان الجودة. ومن المهم التمييز بين استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم عمليات التقييم، وتقييم الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ذاتها. فقد تصبح مقاربات التقييم التقليدية أقل فاعلية في السياقات التي يستطيع فيها المتعلمون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج مخرجات متطورة مع قدر محدود من إظهار الفهم أو الكفاءة الكامنة.
وتحتاج نظم التقييم على نحو متزايد إلى التركيز لا على المخرجات النهائية فحسب، بل أيضاً على عمليات الاستدلال لدى المتعلمين، ومقارباتهم في حلّ المشكلات، وحكمهم النقدي، وقدرتهم على تطبيق المعرفة في سياقات حقيقية. ويمكن أن يركّز التقييم ذاته أكثر على العملية والاستدلال والتحقق والحكم المهني والقدرة على رصد الأخطاء أو التحيّز في مخرجات الذكاء الاصطناعي. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في البيئات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي، حيث تصبح القدرة على تفسير المخرجات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي والتحقق منها وتحسينها لا تقلّ أهمية عن إنتاج المحتوى على نحو مستقل.
ونتيجة لذلك، قد يُولى اهتمام أكبر لأشكال التقييم القائمة على الأداء والأصيلة، بما فيها المشاريع العملية، ومحاكاة مكان العمل، والحقائب التعلّمية، والاختبارات الشفهية، وتمارين حلّ المشكلات تحت الإشراف، والمهام التعاونية. ويمكن لهذه المقاربات أن تساعد على تقييم مدى قدرة المتعلمين على تطبيق المعرفة المهنية، وممارسة الحكم، والتعامل بمسؤولية مع الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في بيئات واقعية.
كما تحتاج نظم الاعتراف إلى التطوّر لتعكس أشكال التعلّم المتزايدة التنوّع. فكثير من الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يُكتسب عبر الخبرة في مكان العمل، والتعلّم عبر الإنترنت، والدورات القصيرة، وشهادات الشركات المورّدة، أو مسارات التدريب غير النظامية. ويمكن للاعتراف بالتعلّم السابق ونظم الشهادات المعيارية أن تسهم في جعل هذه الكفاءات أكثر وضوحاً وقابلية للنقل داخل أسواق العمل. غير أن الحفاظ على الثقة والشفافية يتطلب ترتيبات متينة لضمان الجودة، وأوصافاً واضحة لنواتج التعلّم وأساليب التقييم ومستويات المؤهلات.
ومن ثمّ تحتاج نظم ضمان الجودة إلى التكيّف مع البرامج والشهادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي السريعة التطور، ويمكن تعزيزها أكثر بتضمين اعتبارات الإنصاف، لأن التقييم المدعوم بالذكاء الاصطناعي قد يضرّ بالمتعلمين ذوي الوصول الأضعف إلى الأدوات الرقمية أو الاتصال أو الدعم اللغوي أو التعرّض المسبق للذكاء الاصطناعي. وإجمالاً، يجب أن تضمن هذه النظم ملاءمة محتوى التعلّم لتطورات سوق العمل، ومصداقية ممارسات التقييم، وجاهزية الكوادر التعليمية، والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في عمليات التدريس والتقييم. وتكتسب آليات المراجعة والتحديث المنتظمة أهمية خاصة في المجالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالنظر إلى سرعة التغيّر التقني.
وأخيراً، ينبغي أن يدرك إصلاح التقييم أن الكفاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتجاوز الإتقان التقني وحده. فالمشاركة الفعّالة في أماكن العمل المعزّزة بالذكاء الاصطناعي تتطلب على نحو متزايد القدرة على الجمع بين الخبرة المهنية والتفكير النقدي والحكم الأخلاقي والتواصل والاستخدام المسؤول للتقنية. ولذلك تحتاج نظم التقييم وإصدار الشهادات إلى رصد توليفات أوسع من الكفاءات تعكس واقع التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في العمل والمجتمع.
4.6 تحويل التركيز من «المهارات» المحددة إلى «القدرات» الأوسع
من المهم الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس العامل الوحيد الذي يغيّر أسواق العمل، فثمة اضطرابات أخرى متزامنة، كالتحولات الديموغرافية وتغيّر المناخ والتوترات الجيوسياسية والاقتصادية، على سبيل المثال لا الحصر. وتحدث هذه التغيرات المتزامنة بسرعات مختلفة في كل منطقة، وتنطلق من نقاط بداية متباينة بين المناطق الجغرافية. وتحدد الطرق التي تتعايش بها هذه الاتجاهات وتتداخل في نهاية المطاف نوع آثارها النهائية وحجمها. ولعل آثارها المجتمعة هي التي ستشكّل الطلب المستقبلي على المهارات في نهاية المطاف. وفي سياق تعدّد الاضطرابات وارتفاع حالة عدم اليقين، سيتعيّن على الأفراد أن يتحلّوا بالرشاقة مع مجموعة أوسع من المهارات تتجاوز المهارات الرقمية والمرتبطة بالتقنية، كمهارات الاستدامة، ومهارات ريادة الأعمال، ومهارات إدارة المسار المهني، وغيرها.
ويشير بعض الخبراء إلى «المهارات الجاهزة للمستقبل» التي تمكّن الأفراد من التكيّف مع عالم سريع التغيّر، ومن الحفاظ على مرونتهم والتفوّق في مكان عمل القرن الحادي والعشرين. وكثيراً ما تنطوي هذه المهارات على مهارات تأسيسية أقوى بكثير ومهارات اجتماعية عاطفية تمكّن الناس من التكيّف، والتفاعل الجيد، والانسجام مع حالاتهم العاطفية. وضمن المهارات المعرفية والاجتماعية العاطفية الأقوى، تُبرز المهارات الجاهزة للمستقبل بوجه خاص التمرّس الرقمي والتقني، أي فهم التقنية وتوظيفها، والمبادرة والقدرة على التكيّف، أي التطوير المهني المستمر، وعقلية ريادة الأعمال، أي الإقدام على المخاطرة والانفتاح على الأفكار الجديدة. وتُعدّ هذه القدرات المستعرضة وعقلية الجاهزية والرشاقة والمرونة حاسمة في حلّ المشكلات المعقدة والعمل مع الناس في مستقبل غير يقيني. فهي تساعد على زيادة القدرة على التكيّف، وتشجّع الابتكار، وتكمّل التقنية بالمهارات الإنسانية.
ويستخدم آخرون مصطلحَي «مهارات القرن الحادي والعشرين» أو «المهارات الأساسية»، مؤكدين الطابع العام أو المستعرض للمهارات عبر القطاعات والمهن، وهي أسماء مختلفة لقدرات كامنة متشابهة. ورغم اللبس في المصطلحات، فإن الأهمية الحاسمة للجاهزية للمستقبل والنضج الاجتماعي العاطفي تحظى باعتراف واسع، إلى جانب المهارات التقنية والمعرفة الأكاديمية. فهذه هي المادة اللاحمة لجميع المهارات، وهي ضرورية للتكيّف مع التطورات الجديدة ومطلوبة بقدر ما من كل عامل. وفضلاً عن ذلك، تتجاوز الحاجة إلى مهارات رقمية وتقنية موسّعة حدود أماكن العمل، لتصبح مفتاحاً للوصول إلى الخدمات العامة والمعلومات والحقوق.
ونظراً لأهميتها البالغة، تقدّم بعض الأطر الدولية تصنيفاً لهذه المهارات، كالإطار العالمي للمهارات الأساسية للحياة والعمل في القرن الحادي والعشرين الصادر عن منظمة العمل الدولية، والإطار العالمي للمهارات القابلة للنقل الصادر عن اليونيسف. كما وضعت المفوضية الأوروبية أطراً أوروبية عدة توفّر توجيهاً لتعليم صفات مماثلة، منها الكفاءات الأوروبية الرئيسية للتعلّم مدى الحياة، والإطار الأوروبي لكفاءات ريادة الأعمال، والإطار الأوروبي لكفاءات الاستدامة، والإطار الأوروبي للكفاءة الشخصية والاجتماعية وكفاءة تعلّم كيفية التعلّم، إلى جانب الإطار الأوروبي للكفاءة الرقمية للمواطنين.
وثمة صلة وثيقة بين المهارات التأسيسية المتينة والنضج الاجتماعي العاطفي والجاهزية للمستقبل، وكثيراً ما يُعزَّز ذلك بالوصول إلى تعليم جيد الجودة. وقد أصبحت هذه المجموعات الأوسع من المهارات ضرورية لا للتعامل مع مهام العمل الأكثر تعقيداً فحسب، بل أيضاً لتمكين المواطنين في مستقبل غير يقيني. ولا يمكن المبالغة في الأهمية الحيوية للتعلّم والمهارات التأسيسية. فكما تكشف نتائج برنامج التقييم الدولي لكفاءات الكبار، ثمة ميل إلى تراجع مهارات القراءة والكتابة والحساب «الوظيفية» في بلدان كثيرة. ولا يمكن إغفال القراءة والكتابة والحساب والمهارات الرقمية الأساسية في أي نقاش حول مشهد المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ يجب تزويد المتعلمين بمهارات تأسيسية أقوى وأمتن ليتمكّنوا من النجاح في برامج المهارات وأماكن العمل.
ومع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتزايد الطلب على المهارات المعرفية وما وراء المعرفية العليا خارج نطاق المهن عالية المهارة؛ إذ يحتاج المواطنون على نحو متزايد إلى توظيف التفكير التحليلي والنقدي وحلّ المشكلات واتخاذ القرار أو التأمل الذاتي في عملهم وحياتهم على حدّ سواء. وعلى نحو مماثل، يصبح المستوى المعزّز من المهارات الاجتماعية العاطفية حاسماً في ضبط الأفكار والعواطف والسلوكيات، وتعزيز القدرة على التحمّل في أوقات عدم اليقين والتغيرات الكبيرة. كما يمكن للذكاء الاجتماعي العاطفي أن يوفّر ضمانات لذكاء اصطناعي أخلاقي ومتمحور حول الإنسان، يكفل الشمول والفاعلية والرفاه. ومن ثمّ فإن الاستثمار في التعلّم الاجتماعي العاطفي ليس مجرد إسهام في النمو الشخصي للمتعلمين، بل ضرورة استراتيجية لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نحو آمن وفعّال ومنصف.
ورغم الأهمية المتزايدة لتعليم المهارات الاجتماعية العاطفية من أجل ذكاء اصطناعي أخلاقي ومتمحور حول الإنسان، فإن حضوره في التعليم والتدريب أقل وضوحاً. وتعرّف اليونسكو «التعلّم الاجتماعي العاطفي» بأنه عملية اكتساب الكفاءات اللازمة للتعرّف على العواطف وإدارتها، وإبداء الرعاية والاهتمام بالآخرين، وإقامة علاقات إيجابية، واتخاذ قرارات مسؤولة، والتعامل بفاعلية مع المواقف الصعبة. وقد وضعت مؤخراً دليلاً للسياسات حول كيفية تعميم التعلّم الاجتماعي العاطفي في نظم التعليم. ووفقاً لليونسكو، يدمج هذا التعلّم الأبعاد المعرفية والعاطفية والعلائقية لتعزيز رفاه المتعلمين وتحصيلهم الأكاديمي ومواطنتهم العالمية الفاعلة الموجّهة نحو تحوّل اجتماعي إيجابي. وتُعدّ قدرات كضبط النفس والتأمل النقدي والوعي الاجتماعي من السمات المميزة لهذا التعلّم. ويعتمد التفاعل الفعّال بين الإنسان والذكاء الاصطناعي على الاستعدادات الاجتماعية العاطفية. إذ تُظهر الأبحاث أن الناس كثيراً ما يفرطون في الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يُعرف بتحيّز الأتمتة، أو يقلّلون من استخدامها، وهو ما يُعرف بالنفور من الخوارزميات. ويتطلب تجنّب كلا الطرفين وعياً ما وراء معرفي، وحكماً تأملياً، وتنظيماً عاطفياً، وهي كفاءات جوهرية للتعلّم الاجتماعي العاطفي. فهذا التعلّم يزوّد المتعلمين بالقدرة على معايرة ثقتهم بأنظمة الذكاء الاصطناعي، ومساءلة مخرجاتها تساؤلاً نقدياً، وإدراك الضرر المحتمل على الآخرين، وإدارة حالة عدم اليقين، والتصرّف بمسؤولية.
وقد أصبحت هذه المجموعات من المهارات العليا والموسّعة ضرورية لتمكين المواطنين، كي يحققوا أقصى استفادة من أسواق العمل المتغيرة ويؤدوا بفاعلية في بيئات العمل المختلفة، موظفين كانوا أو عاملين لحسابهم الخاص أو رواد أعمال. وليس اعتماد الذكاء الاصطناعي وحده ما ينقل البشر نحو مهام أكثر تطلباً من الناحيتين المعرفية والعاطفية؛ فالتحوّل من دور «المنسّق» إلى دور «المحرّر» يجعل أثر الذكاء الاصطناعي أقل وضوحاً، لأن الذكاء الاصطناعي قادر على التأثير تأثيراً هائلاً في الخطاب العام وفي طريقة تفكير الناس عبر الخوارزميات وروبوتات المحادثة، وكثيراً ما يحدث ذلك دون رقابة مستقلة. فالخوارزميات، كما يرى مارك فضول، ليست محايدة من حيث القيم؛ إذ لا تكتفي روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بتنظيم المعلومات القائمة، بل تولّدها وتؤطّرها، وبينما كانت فيسبوك وغوغل تقرّران أي المقالات الإخبارية تُعرض عليك، فإن أدوات مثل ChatGPT وClaude وGemini تصوغ تلك المعلومات في إجابات تبدو موثوقة. كما يتطلب تزايد الأشكال الجديدة للعمل وتطوّر هياكل التوظيف أن يكون الناس أوسع حيلة في إدارة قدر أكبر من عدم اليقين واحتمال خوض مسارات مهنية متعددة خلال حياتهم. ويُعدّ التعامل مع الأشكال الجديدة للعمل مثالاً واضحاً على تزايد أهمية المهارات الرقمية ومهارات إدارة الذات وتعلّم كيفية التعلّم، ولا سيما في كثير من البلدان النامية.
ويستدعي هذا السياق التحوّل من تعليم مجموعات مهارات ضيقة إلى تنمية «قدرات» إنسانية أوسع لدى المواطنين تمنحهم رشاقة ومرونة وقدرة على التكيّف أعلى. فالقدرات الإنسانية تتجاوز مجالات مهارية بعينها، وتشكّل أساس «الفاعلية الإنسانية» والقدرة على تعلّم المعارف والمهارات وتطبيقها وتكييفها بفاعلية لتلبية احتياجات الفرد المستقبلية. ويذكّر ذلك بـ«نهج القدرات» الذي طرحه الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سن في ثمانينيات القرن العشرين بوصفه نهجاً بديلاً لاقتصاديات الرفاه، إذ يركّز جوهره على ما يستطيع الأفراد فعله بوصفهم «فاعلين» يتصرفون ويُحدثون التغيير، ويؤكد توسيع القدرات من أجل التنمية. وتؤكد الدراسات الجديدة حول الرفاه الإنساني على نحو متزايد أهمية «القدرة الذاتية» بأبعادها المتمثّلة في الفاعلية والمرونة والتفاؤل والإحساس بالهدف. فالفاعلية تعكس قدرة الفرد على الفعل، والمرونة تتعلق بقدرته على النهوض من التحديات، والتفاؤل يقيس قدرته على التحلّي بنظرة إيجابية، والهدف يعبّر عن قدرته على الشعور بمعنى في الحياة.
وتكتسب هذه القدرات الإنسانية الراسخة أهمية تفوق بكثير أهمية المهارات ذاتها، لكن الأفراد لا يستطيعون تنميتها في فراغ. فالقدرات تُبنى داخل منظومات للمهارات، تُنسَّق من خلال الاستثمارات في التعليم والتدريب على امتداد مسار الحياة، وممارسات المنشآت، ومؤسسات سوق العمل، والحوار الاجتماعي. وفي سياق مشهد الذكاء الاصطناعي المتطور، تُعدّ الحوكمة الشاملة، والاعتبارات الأخلاقية، وضمانات مكان العمل، من شفافية وقابلية للتفسير وموافقة وصوت للعاملين، أموراً أساسية لتعزيز القدرات الإنسانية إلى جانب المعرفة الرقمية ومعرفة البيانات والإلمام بالذكاء الاصطناعي، من أجل تعزيز العمل ودعم نواتج لائقة.
ويحمل التقدّم المستمر في الذكاء الاصطناعي انعكاسات مهمة على التعلّم، ويتردّد صداه في النقاشات حول توجّه نظم التعليم المستقبلية والمقاربات التربوية الجديدة، كالتعلّم التجريبي والتأمل والتعاون والتفاعل الاجتماعي بدلاً من اكتساب المحتوى. فالمعرفة العلمية مثلاً تصبح حاسمة في مستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي بسبب التكامل بين الإلمام بالذكاء الاصطناعي وموضوعات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، استناداً إلى ورشة عمل للخبراء عُقدت في عام 2024 مع كبار باحثي تعليم العلوم في الولايات المتحدة، يجب أن تُعدّ مناهج العلوم المستقبلية الطلاب ليكونوا حلّالين للمشكلات مرنين ومتكيّفين ومبدعين وواعين اجتماعياً، وفضوليين تجاه العالم من حولهم، وأن تمكّنهم من فهم وتحليل كيفية تقاطع المعرفة العلمية وغير العلمية، وارتباط القضايا التقنية والاجتماعية بالتطور التقني، كالأثر الاجتماعي للذكاء الاصطناعي. ويتطلب ذلك ربط تعلّم العلوم بظواهر العالم الواقعي لإبراز أهمية المعرفة العلمية للمتعلمين، مع إيلاء اهتمام أكبر للأخلاقيات والمسؤولية المدنية في تعليم العلوم.
ورغم أن ذلك ليس محور هذا التقرير، فإن نظام الذكاء الاصطناعي عالي القدرة يثير أسئلة أكثر جوهرية حول الأولويات والافتراضات التي يقوم عليها التعليم حالياً. فاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الكتابة مثلاً يدفع نظم التعليم إلى النظر في القدرات التي تظل إنسانية بامتياز والمعارف المقابلة لها التي تبقى ذات قيمة. فبينما تتيح أنظمة الذكاء الاصطناعي فرصاً كثيرة، فإنها تُدخل مخاطر قد تتحدى أسس التعليم على المدى الطويل. وحتى في السياق الحالي، باتت المعلومات متاحة على نطاق واسع وفوري بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولذلك أصبحت «المعرفة» في حدّ ذاتها أقل أهمية من المهارات العليا اللازمة لانتقائها وتطبيقها أو تنفيذها، كالتواصل والابتكار واتخاذ القرار والحكم.
فالمعرفة رخيصة، لكن الحكمة نادرة. وبتعبير التربوي أولف دانيال إيلرز، لم تعد المعرفة المورد النادر في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد أعاد الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج اللغوية والمعلمون الآليون ومحركات التوصية تعريف الوصول إلى المعلومات. وإذا كان فعل «المعرفة» ذاته يُنتزع من العقل البشري ويُنقل إلى أنظمة تحاكي الفهم، فإن السؤال يصبح: ما الذي يبقى مجالاً إنسانياً فريداً؟ ينبغي للتعليم أن يتجاوز المعرفة ليغرس الحكمة، منتقلاً من إيصال المعلومات إلى تنمية الحكم والتأمل واتخاذ القرار الأخلاقي والخيال والقدرة على الإبداع المشترك. فهذه الأخيرة تغدو المؤشر الحقيقي للكفاءة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي. ويمكن للتعليم أن يكون أداة لتشكيل نوع المستقبلات التي يستطيع الناس تخيّلها والسعي إليها. ويجب إعداد الطلاب ليكونوا جاهزين، قادرين على تحمّل المسؤولية والمشاركة في ابتكار حلول لمستقبل المجتمع.
وهذه الكفاءات الأساسية أو المهارات الجاهزة للمستقبل ليست مجرد تراكم للمهارات، بل هي القدرة على التصرّف بمسؤولية وفاعلية في سياقات معقدة وغير يقينية ومتطورة. فمستقبل الكفاءة الإنسانية لا يكمن في التفوّق على الآلات، بل في فعل ما لا تستطيع فعله: ممارسة الحكم في المواقف الملتبسة، وتحمّل المسؤولية الأخلاقية عن المستقبلات الجماعية، والانخراط في صناعة المعنى وتطوير الهوية، والتعاون عبر التنوّع والأنظمة والتخصصات، وتخيّل واقع بديل وتحقيقه. وهذه ليست مجرد مهارات ناعمة، بل هي أساس القدرة على تشكيل المجتمع على نحو أخلاقي ومستدام وإبداعي، فالرشاقة والتأمل والتعامل مع عدم اليقين هي التميّز الجديد. ولم يعد التركيز على قابلية التوظيف بوصفها الهدف الأساسي للتعليم كافياً، لأن أزمات عصرنا، البيئية والديمقراطية والإنسانية، تتطلب ما هو أكثر من ذلك.
وفي الختام، يعيد اعتماد الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل تشكيل تنوّع المهارات المستخدمة في الوظائف وعمقها، المعرفية منها والاجتماعية العاطفية واليدوية. وكثيراً ما يزيد الطلب على المهارات المعرفية وما وراء المعرفية، ولا سيما التفكير التحليلي والنقدي العالي. وفضلاً عن ذلك، تتضاعف قيمة المهارات الاجتماعية العاطفية، لأن الإدراك والعاطفة والحكم والإبداع لدى الإنسان عناصر محورية للتعاون الفعّال بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ولاعتماد الذكاء الاصطناعي على نحو عادل ومتمحور حول الإنسان. وبينما لا تزال المهارات اليدوية أقل تأثراً حتى الآن، فإن الطلب على المهارات الرقمية المتوسطة والمتقدمة ومعرفة البيانات يتنامى لدمج أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها. ونتيجة لذلك، برزت حاجة الأفراد إلى فهم أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بأمان وعلى نحو أخلاقي بوصفها مهارة تأسيسية جديدة.
وإجمالاً، ستظل معظم المهارات الإنسانية مطلوبة، لكن طريقة استخدام الناس لها ستتغيّر مع عملهم جنباً إلى جنب مع الآلات الذكية. فالذكاء الاصطناعي يزيد الطلب على مجموعات مهارات جديدة تمزج بين القدرات التقنية والمعرفية والتواصلية. ويشير ذلك إلى الحاجة إلى نهج مختلف لسياسات المهارات، يتمحور حول بناء «الذكاء الهجين»، أي الجمع بين الإلمام التقني بالذكاء الاصطناعي والخبرة التخصصية والقدرات الإنسانية الفريدة والأصالة. ويتطلب ذلك أن تنتقل نظم المؤهلات من إصدار الشهادات على المهام والمهن إلى الاعتراف بالقدرات والفاعلية والقدرة على التعلّم، في حين يجب أن ينتقل استشراف المهارات من التنبؤ بفقدان الوظائف إلى فهم كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل المهارات ومسارات الدخول إلى سوق العمل وجودة الوظائف.
وإلى جانب الحاجة إلى إدماج الإلمام بالذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، يدعو هذا التقرير إلى رفع مهارات الكبار والعاملين في الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، ومراجعة المعايير المهنية والمؤهلات والمناهج، وتكييف نظم التقييم وإصدار الشهادات وضمان الجودة في التعليم والتدريب. كما يدعو إلى الانتقال من تعليم مجموعات مهارات ضيقة إلى غرس قدرات أوسع، لأن المستقبل الذي يقوده الذكاء الاصطناعي يستدعي نهجاً متمحوراً حول الإنسان ومواطنين واسعي الحيلة وقادرين على التكيّف في مواجهة حالات عدم اليقين المتزايدة. وتشكّل هذه القدرات أساس الفاعلية الإنسانية والقدرة على تعلّم المعارف والمهارات وتطبيقها وتكييفها لتلبية احتياجات المستقبل.
وأخيراً، لا تستطيع سياسات المهارات وحدها أن تضمن نواتج شاملة وعادلة للذكاء الاصطناعي. فمنافع تقنياته توزَّع على نحو غير متكافئ، في حين ينطوي استمرار الاختلالات القائمة على النوع الاجتماعي والعرق والوضع الاجتماعي الاقتصادي في القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي على خطر ترسيخ التحيزات القائمة في أنظمته، والحدّ من شمولية فرص سوق العمل المستقبلية. ومن الواضح أن سياسات المهارات تحتاج إلى معالجة قضايا الوصول ومسارات التدرّج والاستبقاء للفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً، لا المعروض الإجمالي فحسب، من أجل دعم الفئات الهشة. غير أن الاستثمارات في المهارات والإلمام بالذكاء الاصطناعي يجب أن تُستكمل بمؤسسات سوق العمل والحماية الاجتماعية وترتيبات الحوكمة التي تحدد كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي، وكيفية تنظيم العمل، وكيفية تقاسم المكاسب الناتجة عن التغيّر التقني.
