تقديم
يعتمد السباق نحو كهربة الاقتصاد العالمي ورقمنته وإزالة الكربون منه على سلاسل إمداد للمعادن والفلزات تتسم بالمرونة والشفافية والاستدامة، بما يوفر الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد العالمي اليوم وكذلك التحول الجاري في مجالي الطاقة والرقمنة.
غير أن سلاسل الإمداد المعقدة هذه تواجه ضغوطًا متزايدة. فهي تمتد عبر القارات، وتعمل وفق جداول زمنية طويلة للحصول على التصاريح، كما تظل شديدة التركّز في عدد محدود من المناطق. وفي الوقت نفسه، تتغير مراكز الطلب العالمي بسرعة كبيرة، من تسارع النشاط الصناعي إلى التوسع غير المسبوق في أنظمة الكهرباء ومراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة النظيفة. وتُنشئ هذه الضغوط مجتمعةً نقاط ضعف نظامية يمكن أن تعطل كل شيء، من تنفيذ مشروعات البنية التحتية إلى القدرة التنافسية الصناعية.
ولمواجهة هذه التحديات، طوّر المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع Kearney وبدعم من مجتمع صناعة التعدين والمعادن التابع للمنتدى، مسار عمل متخصصًا في إطار مبادرة «تحصين سلاسل القيمة العالمية للمستقبل»، بهدف تعزيز الوعي وتحديد إجراءات جماعية عملية لتقوية مرونة سلاسل إمداد المعادن والفلزات التي تعتمد عليها المركبات الكهربائية ومراكز البيانات والبنية التحتية للشبكات الكهربائية.
ولكل من الحكومات والشركات والمستثمرين دور يؤديه في تبسيط إجراءات الحصول على التصاريح، وتوسيع نطاق الإمدادات الثانوية والدائرية، وتعزيز منصات الحوار المستمر، وإرساء مساءلة مشتركة. وسيتطلب إحراز تقدم ملموس أيضًا تنسيقًا أعمق مع قادة القطاع العام حول العالم، الذين يشكلون السياسات ويخططون للبنية التحتية ويرسلون إشارات الاستثمار طويلة الأجل. ويتطلب تحقيق ذلك تعاونًا منظمًا بين القطاعات والصناعات والمناطق على نطاق غير مسبوق.
وعلى الرغم من أن التعاون بين المناطق والقطاعات قائم منذ وقت طويل، فإن طبيعته آخذة في التطور. فاليوم، تتجاوز التحالفات الإقليمية والشراكات العابرة لسلاسل القيمة والمنصات بين القطاعين العام والخاص مرحلة الحوار والامتثال، وتتجه نحو أساليب عمل أكثر تكاملًا واستنادًا إلى البيانات، وقادرة على دفع التقدم على مستويات متعددة. وعندما تُربط هذه الجهود المحلية والإقليمية بمعايير مشتركة وبيانات متبادلة واعتراف متبادل، فإنها تستطيع تعزيز بعضها بعضًا وتقوية مرونة النظام ككل.
ويتطلب دفع هذا النوع من العمل المنسق تهيئة الظروف التي تمكّن الجهات الفاعلة من التوافق حول الأولويات والجداول الزمنية المشتركة، كلٌّ ضمن نطاق مسؤوليته. ويمكن للمبادرات التي تجمع أصحاب المصلحة المتنوعين، وتعزز تبادل المعرفة، وتوائم الحوافز، أن تحول الجهود المجزأة إلى تقدم ملموس. وستكون هذه الإجراءات ضرورية مع رفع مستوى الاهتمام بأجندة المرونة عبر سلاسل القيمة.
وإذا تحركنا معًا، يمكننا تحصين سلاسل القيمة العالمية للمستقبل، وضمان توفير المواد الأساسية للتحول في مجال الطاقة وغيرها من التحولات العالمية النظامية بصورة موثوقة ومسؤولة وعلى النطاق الذي يحتاجه العالم.
الملخص التنفيذي
تعتمد مرونة سلاسل إمداد المعادن التي تقوم عليها الكهربة والرقمنة على تنسيق منظم ومتعدد الأطراف.
إن سرعة الكهربة والرقمنة ونطاقهما يعتمدان على سلاسل إمداد للمعادن والفلزات تتمتع بالمرونة والشفافية والتنسيق الجيد. فالمركبات الكهربائية ومراكز البيانات وشبكات نقل الكهرباء وتوزيعها تعتمد جميعها على المواد نفسها، مثل النحاس والألمنيوم والعناصر الأرضية النادرة. وتُعالَج هذه المواد في عدد محدود من مراكز التكرير، ما يجعل المرونة أولوية مشتركة للصناعة والحكومات.
ومع ذلك، لا يزال النظام مفهومًا بصورة جزئية فقط. فالترابطات ومواطن الضعف عبر سلاسل القيمة أعمق مما يدركه كثير من أصحاب المصلحة. وتعني مراكز التكرير المشتركة والاختناقات المتشابهة في المراحل الأولية أن اضطرابًا في قطاع واحد يمكن أن تتردد آثاره عبر قطاعات عديدة. غير أن هذه الروابط نادرًا ما تنعكس في القرارات النظامية أو السياسات المنسقة، إذ تتعامل إجراءات حديثة كثيرة مع إمدادات المعادن وأمنها بمعزل عن غيرها، بدلًا من اعتبارها جزءًا من نهج متكامل لسلسلة القيمة. وقد أصبحت إشارات الإنذار المبكر واضحة بالفعل، إذ لا تزال قدرات جديدة للمعادن الحرجة من دون تصاريح أو تمويل، بينما يستمر الطلب في تجاوز الاستثمار في المراحل الأولية من سلسلة الإمداد.
وفي هذا السياق، أجرى المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع Kearney وبدعم من مجتمع صناعة التعدين والمعادن التابع للمنتدى، مشاورات مع أكثر من 65 من كبار التنفيذيين العاملين عبر سلاسل القيمة هذه للاستماع إلى وجهات نظرهم وبناء فهم مشترك للقضايا المطروحة. وتهدف هذه الورقة البيضاء إلى ما يلي:
توضيح أوجه الاعتماد المتبادل: إظهار كيف تربط تبعيات المعادن بين قطاعات كان يُنظر إليها سابقًا على أنها منفصلة. فالمركبات الكهربائية والشبكات ومراكز البيانات تعتمد على كثير من المواد ومراكز التكرير والتصنيع نفسها، ومع ذلك لا تزال القرارات تُتخذ في جزر منعزلة.
تعزيز الوعي المشترك: تحديد مواقع مواطن الضعف، وكيف تشكل التحولات التكنولوجية والسياساتية الطلب، ولماذا تؤدي الاستجابات المجزأة إلى تضخيم المخاطر.
دفع العمل الجماعي: التأكيد على أن التنسيق بين سلاسل الإمداد والجداول الزمنية للاستثمار وأطر السياسات ضروري لإدارة هذه المخاطر وضمان نمو القدرات في المكان والوقت اللذين تحتاجهما الأسواق.
لن تنشأ المرونة من تلقاء نفسها. فهي تتطلب تعاونًا منظمًا يربط القرارات والأولويات والجداول الزمنية للاستثمار بين الصناعات والجهات الممولة والحكومات. وسيعتمد التقدم على منصات وشراكات تنسيق تتمتع بالصلاحيات والقدرة على جمع الأطراف المتنوعة ومواءمة جهودها نحو نتائج مشتركة.
واستنادًا إلى نتائج مبادرة المنتدى «تأمين المعادن من أجل تحول الطاقة»، تحدد هذه الورقة أربعة لبنات أساسية للعمل الجماعي بهدف تحويل التعاون إلى تقدم ملموس:
– تعزيز آليات التنسيق لجمع أصحاب المصلحة ومواءمة الأولويات عبر القطاعات.
– بناء صورة مشتركة للمخاطر توضح مواطن الضعف والاختناقات وأوجه الاعتماد المتبادل.
– تطبيق استراتيجيات جماعية للمرونة تجمع بين تنويع الإمدادات وتوسيعها وإجراءات إدارة الطلب.
– تمكين التعاون من خلال منصات الاجتماع وأدوات الشفافية والمعايير المشتركة.
سيكون العقد الحالي حاسمًا لتحولات الطاقة والرقمنة الجارية بالفعل. وسيعتمد توفير المركبات وقدرات البيانات والبنية التحتية للشبكات في الوقت المناسب، وبالسرعة والنطاق اللازمين لهذه التحولات، على التنسيق بين أصحاب المصلحة المتعددين، على أن يستند هذا التنسيق إلى وعي مشترك بأنظمة المعادن التي تربط بين جميع هذه القطاعات.
1. فهم كثافة استخدام المعادن
يُعد فهم كيفية ربط الاعتماد على المعادن بين هذه الأنظمة المترابطة الخطوة الأولى نحو بناء المرونة. فالمركبات الكهربائية ومراكز البيانات وشبكات نقل الكهرباء وتوزيعها تشكل أسسًا للاقتصادات الحديثة والحياة اليومية. وكل واحد منها يدفع الكهربة والرقمنة، ويعتمد على مواد وموردين وقدرات تكرير وأنظمة مترابطة تتداخل مع غيرها.
وتعتمد البطاريات وأشباه الموصلات والمحولات الكهربائية على مراكز تكرير وتصنيع متداخلة ومركزة في عدد محدود من البلدان. وتشحن المركبات الكهربائية عبر الشبكة، وتستخدم مراكز البيانات الشبكة لتشغيل عملياتها، وتحتاج الشبكة إلى تدفق مستمر من المحولات والكابلات وإلكترونيات القدرة، بينما تعتمد سلاسل القيمة العالمية بدورها على البيانات. ولذلك، فإن إدراك هذه الاعتمادات المتبادلة ضروري للتخطيط الفعال والعمل المنسق.
وستحدد مرونة سلاسل إمداد المعادن مدى السرعة التي يمكن بها توسيع نطاق الكهربة والبنية التحتية الرقمية وتعزيز القدرة التنافسية العالمية.
لكثافة استخدام المعادن بُعدان: الحجم والأهمية الحرجة. فالقطاعات التي تستحوذ على حصة كبيرة من الطلب العالمي، مثل المركبات الكهربائية بالنسبة إلى الليثيوم، والشبكات بالنسبة إلى النحاس والفاناديوم، تستطيع تشكيل إشارات السوق وتوجيه الاستثمار وتسريع الابتكار، لكنها تتعرض في الوقت نفسه بشكل متبادل لمواطن الضعف التي يواجهها المنتجون، الذين يعتمدون بدورهم على وجود طلب قابل للتمويل والاعتماد لكي يوسعوا قدراتهم الإنتاجية.
أما القطاعات ذات الحصص الأصغر من الطلب، فلديها العديد من المدخلات المتخصصة الأساسية، مثل اعتماد مراكز البيانات على الغاليوم والجرمانيوم والعناصر الأرضية النادرة. ومع ذلك، فإن قدرتها على التأثير في قرارات الإمداد أو السياسات محدودة، ولذلك عليها متابعة تحركات المشترين الأكبر. ولهذا السبب تحتاج كلتا المجموعتين إلى الانخراط: فالجهات التي تتمتع بالحجم تستطيع التأثير في النتائج، بينما الجهات التي لديها احتياجات حرجة تتحمل العواقب بصورة مباشرة.
وبالإضافة إلى الطلب المباشر على المعادن داخل مراكز البيانات، يُتوقع أن يسهم نمو قدرات مراكز البيانات في ما بين 8% و10% من الزيادة في الطلب على الكهرباء بحلول عام 2035، وبالتالي سيسهم بصورة غير مباشرة في زيادة الطلب على المعادن المرتبطة بشبكات نقل الكهرباء وتوزيعها.
1.1 الحدود المعروفة للتنقل الكهربائي
تعكس المشاورات مع الصناعة والمراجعة الواسعة للأدبيات إدراكًا واسعًا بأن المركبات الكهربائية شديدة الكثافة في استخدام المعادن. وبحلول عام 2035، يُتوقع أن تمثل المركبات الكهربائية 86% من إجمالي الطلب على الليثيوم، و55% من الطلب على الكوبالت، وثلث الاستهلاك العالمي من العناصر الأرضية النادرة، ما يضع سلاسل إمدادها في قلب التوازنات المستقبلية للمعادن.
ويوضح تحليل المكونات الرئيسية للمركبات الكهربائية كيف يتحول كل مكون إلى طلب مختلف على معادن محددة، وكيف يشكل كل منها أنماطًا مختلفة من التعرض للمخاطر والاعتماد على الإمدادات.
حزمة البطارية
تمثل البطاريات محركًا رئيسيًا للطلب على المعادن في المركبات الكهربائية. وتسيطر تركيبتان كيميائيتان رئيسيتان على كاثودات البطاريات: النيكل والمنغنيز والكوبالت، وفوسفات الحديد والليثيوم. وتؤثر خيارات التركيب الكيميائي في تكلفة المركبة الكهربائية وأدائها، وكذلك في البصمة الجغرافية للتكرير والمعالجة في المراحل الأولية. ويسهم التحول نحو بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم في تقليل الاعتماد على الكوبالت والنيكل.
المحرك
تضيف محركات الجر وإلكترونيات القدرة المرتبطة بها، على الرغم من أن كتلتها صغيرة نسبيًا، طبقة أخرى من التعرض للمواد. فالمحركات ذات المغناطيس الدائم تعتمد على عناصر أرضية نادرة مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، إلى جانب النحاس المستخدم في اللفائف وقضبان التوصيل.
الأسلاك وإلكترونيات القدرة
تجعل إلكترونيات القدرة وأنظمة الأسلاك المركبات الكهربائية أكثر كثافة في استخدام النحاس بدرجة كبيرة مقارنة بالمركبات المزودة بمحركات الاحتراق الداخلي. ويُستعاض عن النحاس بالألمنيوم في بعض التصميمات عندما تسمح المعايير بذلك. كما توجد تبعية للسيليكون ولأشباه الموصلات الناشئة المصنوعة من كربيد السيليكون، في وقت لا تزال فيه القدرات التصنيعية المتخصصة لهذه المكونات محدودة مقارنة بالطلب المتزايد.
الهيكل والشاسيه والبدن
تتركز الكتلة المعدنية في المركبات الكهربائية أساسًا في الفولاذ والألمنيوم. وهما معدنان ناضجان ومتداولان عالميًا ولهما تدفقات راسخة لإعادة التدوير، إلا أن حجمهما الكبير يجعلهما حاسمين بالنسبة إلى الإنتاج.
الاتجاه العام
تعمل التغيرات في كيميائيات البطاريات وتصميمات المحركات وإلكترونيات القدرة على إعادة تشكيل الطلب على المواد عبر سلاسل قيمة المركبات الكهربائية. ويؤدي تبني بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم إلى تقليل الاعتماد على الكوبالت والنيكل، بينما تؤدي كهربة منظومة الدفع إلى رفع الحاجة إلى النحاس وأشباه الموصلات، في حين يتزايد استخدام الألمنيوم بسبب الاتجاه نحو خفض الوزن واعتماد الهياكل المصبوبة الكبيرة.
1.2 البصمة الخفية للرقمنة
كشفت المشاورات أن الوعي بالاعتماد على المعادن بين الجهات الفاعلة في قطاع مراكز البيانات لا يزال منخفضًا رغم تسارع الطلب. ويؤدي التوسع السريع في المنشآت فائقة النطاق والمهيأة للذكاء الاصطناعي إلى خلق طبقة جديدة من الطلب على المعادن تتجاوز احتياجات التصنيع التقليدي.
وبحلول عام 2035، يُتوقع أن تستحوذ مراكز البيانات على نحو 6% من الاستخدام العالمي للغاليوم وحوالي 2.4% من الطلب على الجرمانيوم. ورغم أن هذه الكميات محدودة نسبيًا من حيث الحجم، فإن هذه المعادن ضرورية لتمكين الحوسبة عالية الأداء والكفاءة.
ويُظهر تفكيك مركز البيانات إلى أنظمته الفرعية الرئيسية كيف تعتمد وظائف مختلفة، من الحوسبة إلى التبريد، على مجموعات متنوعة من المواد، ما يخلق تعرضًا لمجموعة واسعة من الفلزات المكررة.
الخوادم والرقائق
رغم أن طبقة الحوسبة ليست كبيرة جدًا من حيث الكتلة الإجمالية، فإنها تتركز فيها مواد عالية القيمة وعالية النقاء، مثل السيليكون والغاليوم والجرمانيوم والذهب والفضة والقصدير، وهي مواد تقوم عليها مستويات الأداء والموثوقية.
الشبكات والتخزين
تمثل معدات الشبكات والتخزين على مستوى المنشأة كتلة محدودة، لكنها تعتمد على مزيج معقد من الفلزات المكررة مثل النحاس والألمنيوم، فضلًا عن المواد المتخصصة اللازمة لتحقيق التوصيل الكهربائي ودقة الإشارات والاستقرار الحراري.
أنظمة التبريد
تمثل البنية التحتية للتبريد والتخلص من الحرارة أكبر حصة من إجمالي كتلة المعادن، ويهيمن عليها الألمنيوم والنحاس والفولاذ.
الأنظمة الكهربائية
تُعد أنظمة توزيع الطاقة، بما فيها معدات المفاتيح الكهربائية وكابلات المحولات، من أكثر أجزاء إنشاء مراكز البيانات كثافة في استخدام النحاس والحديد، كما تمثل عاملًا مهمًا في التكلفة والجداول الزمنية للمشروعات.
الطاقة الاحتياطية
تدمج أنظمة الطاقة الاحتياطية مولدات وبطاريات ومحولات ومعدات مفاتيح كهربائية تعمل معًا لضمان موثوقية إمدادات الطاقة وبناء قدر من التكرار الاحتياطي داخل النظام.
الاتجاه العام
يعمل ارتفاع كثافة الحوسبة والطلب على الطاقة والأحمال الحرارية على إعادة تشكيل استخدام المواد في مراكز البيانات، ما يزيد الاعتماد على النحاس والألمنيوم في أنظمة الطاقة والتبريد، ويوسع التعرض للغاليوم وكربيد السيليكون وغيرهما من أشباه الموصلات المتخصصة، ويضيف تبعيات جديدة إلى تقنيات بطاريات الليثيوم-أيون المستخدمة في الطاقة الاحتياطية.
1.3 النحاس والفولاذ من أجل كهربة الاقتصاد
يتزايد الوعي بكثافة استخدام المعادن في شبكات الكهرباء، وخصوصًا اعتمادها على النحاس والفولاذ الكهربائي ذي الحبيبات الموجهة، وهو ما تعكسه الدراسات الحديثة والمشاورات مع الجهات الفاعلة في الصناعة.
وتُعد أنظمة نقل الكهرباء وتوزيعها من أكثر قطاعات البنية التحتية كثافةً في استخدام المعادن، ويمكن مقارنتها بقطاعي النقل والبناء من حيث اعتمادها على المعادن الأساسية.
وبحلول عام 2035، يُتوقع أن تمثل الشبكات نحو 29% من الطلب العالمي على الفاناديوم، و18% من النحاس، و7% من الليثيوم، ما يوضح أن توسعها سيعتمد بصورة متزايدة على تأمين إمدادات متنوعة وموثوقة من المعادن.
ويُظهر تحليل المكونات المادية الرئيسية للشبكة مواقع تركز الطلب على المواد وكيف تؤثر هذه الاحتياجات في الجداول الزمنية للمشروعات ومرونتها.
الأبراج والأعمدة
تمثل الهياكل أكبر حصة من إجمالي كتلة المعادن المستخدمة في شبكات نقل الكهرباء وتوزيعها، بسبب الاستخدام الواسع للفولاذ والألمنيوم وطلاءات الزنك الواقية. ويحدد تصنيع الفولاذ كلاً من التكلفة والمدة الزمنية للتوريد، في حين يساعد الألمنيوم على تقليل الوزن في خطوط النقل طويلة الامتداد.
المحطات الفرعية والمحولات
تجمع المحطات الفرعية والمحولات بين لفائف النحاس وقلوب الفولاذ الكهربائي ذي الحبيبات الموجهة وهياكل الحديد والألمنيوم.
كابلات الكهرباء
يُعد النحاس والألمنيوم الموصلين الرئيسيين في كابلات النقل والتوزيع، مع استخدام الفولاذ في التغليف والتدعيم الهيكلي. ويعتمد اختيار المواد على الجهد الكهربائي والتكلفة والوزن.
أنظمة تخزين طاقة البطاريات
تبرز أنظمة تخزين طاقة البطاريات باعتبارها فئة جديدة من أصول الشبكة تساعد على تعزيز موثوقية توليد الكهرباء من مصادر متجددة متقلبة. وتختلف احتياجات المواد باختلاف التركيب الكيميائي. فأنظمة الليثيوم-أيون تعتمد على الليثيوم والنيكل والغرافيت، بينما تستخدم أنظمة أيون الصوديوم الحديد والألمنيوم، وتعتمد بطاريات التدفق الأكسدي الاختزالي للفاناديوم على الفاناديوم والفوسفور.
الاتجاه العام
يؤدي توسع الشبكات وتسارع الكهربة إلى زيادة الطلب على النحاس والألمنيوم والفولاذ الكهربائي، ويزيد الضغوط على سلاسل إمداد الكابلات والمحولات، بينما تضيف تقنيات تخزين البطاريات الناشئة تبعيات جديدة إلى الليثيوم والحديد والفوسفات والفاناديوم.
2. سلاسل إمداد مجزأة بفعل المستويات والمناطق الجغرافية والجداول الزمنية
تنمو سلاسل القيمة متعددة المستويات والموزعة جغرافيًا بسرعات مختلفة، ما يخلق علاقات اعتماد متبادل معقدة ويختبر قدرات التنسيق ومرونة النظام.
تستحوذ المركبات الكهربائية على الجزء الأكبر من استهلاك معادن البطاريات، بينما تستوعب شبكات الكهرباء كميات كبيرة من المعادن مثل النحاس والألمنيوم، وتحتاج مراكز البيانات إلى مدخلات عالية النقاء لاستخدامها في الرقائق وإلكترونيات القدرة. وتشكل هذه القطاعات مجتمعة اتجاهات تجارة المعادن العالمية وأولويات المعالجة والتكرير.
وتتشارك سلاسل القيمة الثلاث بنية أساسية مشتركة تبدأ باستخراج المعادن، ثم تمتد عبر مراحل متعددة من المعالجة والتصنيع، وصولًا إلى التجميع النهائي والتشغيل.
ويضم كل مستوى مجموعة مختلفة من أصحاب المصلحة، بدءًا من شركات التعدين والمعالجة الكيميائية، مرورًا بمصنعي المكونات والشركات المصنعة للمعدات الأصلية وشركات الهندسة والمشتريات والإنشاء والمرافق، وغالبًا ما تعمل هذه الجهات عبر مناطق جغرافية متباعدة، ما يزيد مستوى التعقيد والاعتماد المتبادل.
ويؤدي هذا التعقيد، الذي يتفاقم بفعل المسافة بين المستويات المختلفة، إلى فجوات في الوعي والرؤية، ما يصعب على أصحاب المصلحة توقع المواقع التي ستحتاج إلى قدرات إضافية أو كيفية توافق الجداول الزمنية، وهو ما يبرز أهمية التنسيق المبكر والتخطيط من أجل المرونة.
وأكدت المشاورات مع المشاركين في المراحل الأولية والنهائية لسلاسل القيمة أنهم لا يتواصلون بصورة متكررة. وأفاد العديد من الجهات الواقعة في المراحل النهائية بأنهم لا يتعاملون حتى الآن مع مخاطر المعادن باعتبارها مخاطر على استمرارية الأعمال، كما أشار معظمهم إلى «المسافة» بين مستويات سلسلة القيمة باعتبارها عائقًا أمام التنسيق.
وعبر سلاسل القيمة، تتبع إضافة القدرات أنماطًا متشابهة، لكنها تعمل وفق جداول زمنية مختلفة بدرجة كبيرة.
– قد تحتاج مشروعات التعدين في بعض المناطق القضائية إلى ما بين 10 و20 عامًا منذ اكتشاف المورد وحتى بدء الإنتاج، بسبب إجراءات التصاريح والبنية التحتية وعقبات التمويل.
– تستغرق منشآت التكرير ما بين ثلاث وثماني سنوات للتطوير، تبعًا لمتطلبات التصاريح وتعقيد الإنشاء وتأهيل العملاء.
– يمكن تشغيل منشآت التصنيع والمنتجات النهائية خلال فترة تتراوح من سنة إلى خمس سنوات بسبب دورات البناء الأقصر والقيود التنظيمية الأقل.
وتصبح هذه الفوارق أكثر أهمية عندما تكون الحاجة إلى قدرات جديدة عاجلة، إذ تستطيع القطاعات الواقعة في المراحل النهائية التوسع بسرعة أكبر كثيرًا من قدرة الإمدادات في المراحل الأولية على التكيف، ما يؤثر في محركات الطلب الأساسية على المواد.
وتنشأ مواطن الضعف ليس بسبب وجود طابور خطي بسيط، بل عندما يتأخر عامل تمكيني محدد، مثل التصاريح أو التكنولوجيا أو تأهيل الموردين أو قدرات تصنيع المكونات أو الربط بالشبكة، عن مواكبة الطلب.
كما توجد فجوة استراتيجية في أفق التخطيط. فشركات التعدين تخطط وفق دورات تمتد بين 10 و15 عامًا، بينما تنظر الجهات الواقعة في المراحل النهائية عادةً إلى أفق زمني يتراوح بين سنتين وخمس سنوات.
ويشكل عدم توافق الجداول الزمنية للتطوير تحديًا هيكليًا لمرونة الإمدادات. فعندما يتباطأ الاستثمار في المراحل الأولية أو تتأخر التصاريح، أو عندما يبدأ تشغيل منجم تمت الموافقة عليه استنادًا إلى توقعات سابقة بعدما تكون التكنولوجيا أو المواصفات أو مواقع الطلب قد تغيرت، تواجه المشروعات تكاليف أعلى، أو الحاجة إلى تغيير مصادر التوريد وإعادة تجهيز المعدات، أو ظهور طاقات عاطلة، ثم تنتقل هذه المشكلات إلى المراحل النهائية.
وتؤدي هذه الاختلالات الزمنية إلى تضخيم التكاليف والتأخيرات عبر سلاسل القيمة. ولذلك، فإن توقع هذه الفجوات والتخطيط المبكر للقدرات أمران ضروريان للحفاظ على التوازن بين العرض والطلب مع تسارع الكهربة والرقمنة.
2.1 تشريح سلسلة إمداد التنقل الكهربائي
يتسم تصنيع المركبات الكهربائية بنظام شديد التكامل لكنه مركز جغرافيًا.
وقد توسع إنتاج البطاريات والمحركات والإلكترونيات بسرعة، إلا أن الاعتماد على عدد محدود من مراكز التكرير والتجميع يجعل السلسلة عرضة لمخاطر السياسات والتجارة والخدمات اللوجستية.
– مستويات توريد متعددة تضاعف التعرض للمخاطر: تتضمن كل مرحلة من سلسلة قيمة المركبات الكهربائية أكثر من عشرة مستويات مختلفة من الموردين، بدءًا من شركات التعدين والمعالجة الكيميائية وصولًا إلى مصنعي الكاثود والأنود والمكونات، ما يخلق جداول زمنية مترابطة في مختلف أنحاء النظام.
– توسع سريع فوق أسس بطيئة: يمكن عادةً زيادة طاقة أصول تصنيع المركبات الكهربائية الجديدة، مثل مصانع البطاريات العملاقة والمحركات وإلكترونيات القدرة والمكونات الهيكلية، خلال فترة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، فيما قد يستغرق التجميع النهائي نحو سنتين. وهذه سرعة أكبر كثيرًا من قدرة التعدين أو التكرير على تعديل طاقاتهما.
– الاقتصاد الدائري لا يزال في انتظار الانطلاق: لا تزال إدارة المنتجات في نهاية عمرها التشغيلي في مراحلها المبكرة. ولا يُتوقع توفر كميات كبيرة قابلة للاسترداد من البطاريات قبل عام 2030، عندما تبدأ المركبات التي بيعت في أوائل عشرينيات هذا القرن في الوصول إلى نهاية عمرها التشغيلي.
– الجغرافيا ميزة ومصدر تعرض في آن واحد: تتسم البصمة الإنتاجية للقطاع بدرجة عالية من التركّز. وتستحوذ الصين على حصص مهيمنة، تقارب 50% من تكرير المعادن عالميًا، و70% من تصنيع البطاريات، و70% من تجميع المركبات الكهربائية. وقد ساعد هذا الهيكل على تحقيق انخفاضات سريعة في التكاليف من خلال التكامل بين سلاسل الإمداد وآثار منحنى التعلم، لكنه يزيد أيضًا التعرض لاضطرابات السياسات والتجارة والخدمات اللوجستية التي يمكن أن تمتد عبر سلسلة القيمة بأكملها.
2.2 هيكل سلسلة إمداد البنية التحتية الرقمية
يواجه العمود الفقري الرقمي، الذي يتزايد اعتماده على المواد، ضعفًا في الرؤية عبر سلسلة طويلة ومعقدة. وقد أدى النمو السريع في المنشآت فائقة النطاق والمهيأة للذكاء الاصطناعي إلى مضاعفة الاعتماد على المعادن عالية النقاء وأشباه الموصلات، إلا أن الوعي بهذا الاعتماد لا يزال منخفضًا لدى كثير من المشغلين.
– أنظمة مترابطة وتبعيات غير مرئية: تربط سلسلة قيمة مراكز البيانات المواد في المراحل الأولية بتصنيع المكونات ثم بالتكامل المعقد داخل المنشآت. ويتم تجميع أنظمة فرعية متعددة، تشمل الحوسبة والطاقة والتبريد والشبكات، بالتوازي، ما يخلق أكثر من 14 مستوى مترابطًا داخل سلسلة الإمداد.
– جداول زمنية لا تستطيع مجاراة الطلب على الحوسبة: تحتاج مصانع أشباه الموصلات الجديدة المبنية من الصفر عادةً إلى ثلاث إلى خمس سنوات من الاستثمار حتى بدء الإنتاج، بينما يمكن إنشاء منشآت تصنيع الخوادم ومعدات الطاقة والتبريد خلال فترة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات. أما مراكز البيانات الجديدة فتحتاج ما بين تسعة أشهر و36 شهرًا، وغالبًا ما تُنفذ على مراحل بحسب حجم المشروع.
– الاقتصاد الدائري ما يزال فرصة أكثر من كونه ممارسة واسعة: توفر المنشآت التي يتم إخراجها من الخدمة مصادر ثانوية قابلة للاسترداد من النحاس والألمنيوم والفولاذ والعناصر الأرضية النادرة. ومع ذلك، لا تزال الممارسات الدائرية المتعلقة بأشباه الموصلات وبطاريات أنظمة الطاقة غير المنقطعة محدودة، رغم توقع توسعها في وقت لاحق من هذا العقد.
– التركّز في مناطق تصنيع الرقائق وما يترتب عليه من مخاطر: لا يزال تصنيع أشباه الموصلات، وهي المكونات الأساسية لوحدات المعالجة المركزية ووحدات معالجة الرسومات وشرائح الذاكرة، متركزًا في شرق آسيا. وتبلغ حصة الصين نحو 24% من السوق، وتايوان 18%، وكوريا الجنوبية 18%، واليابان 15%. أما عمليات بناء مراكز البيانات فهي موزعة بدرجة أكبر في أمريكا الشمالية وأوروبا، مع توسع متنامٍ في آسيا. ويعزز هذا الانقسام كفاءة التكلفة، لكنه يزيد التعرض لاختناقات أشباه الموصلات والقيود التجارية والمخاطر اللوجستية.
2.3 خريطة سلسلة إمداد شبكات الكهرباء
تجمع البنية التحتية للشبكات بين دورات بناء طويلة وقدرات إقليمية غير متوازنة. ويعتمد التوسع على مدخلات صناعية ثقيلة وعمليات متتابعة تحدد الجداول الزمنية ومستوى المرونة في آن واحد.
– مستويات إمداد معقدة تحدد سرعة التقدم: تتفاعل أكثر من 12 طبقة صناعية، من الموصلات والمحولات إلى معدات المفاتيح والمكونات الهيكلية، عبر تسلسلات طويلة من عمليات البناء تحدد وتيرة توسع الشبكات.
– مدد تُقاس بالسنوات لا بالفصول: تحتاج مصانع المحولات الجديدة عادةً إلى سنتين إلى أربع سنوات لبدء التشغيل، بينما تحتاج منشآت التيار المستمر عالي الجهد إلى ثلاث إلى خمس سنوات، ومصانع تصنيع الأبراج والأعمدة إلى ما بين 12 و24 شهرًا. كما يستغرق دمج خطوط النقل والمحطات الفرعية ما بين تسعة أشهر و36 شهرًا، بحسب التضاريس ومستوى التنسيق.
– الاقتصاد الدائري مقيد بطول أعمار الأصول: على عكس المركبات أو الإلكترونيات، تتمتع أصول الشبكات بأعمار تشغيلية تمتد لعقود ومعدلات استبدال بطيئة. ولذلك، تظل التدفقات الثانوية في الأجل القريب محدودة، رغم أن إعادة تدوير النحاس والفولاذ من المكونات الخارجة من الخدمة ممارسة راسخة.
– الجغرافيا تشكل الإمدادات والتأخيرات: تتوزع قدرات التصنيع إقليميًا لكنها غير متوازنة. وتستحوذ الصين وشرق آسيا على نحو 31% من إنتاج المحولات، بدعم من صناعات محلية كبيرة للفولاذ والألمنيوم. وتحافظ أوروبا وأمريكا الشمالية على قدرات متقدمة في التصميم والاختبار، لكنهما تواجهان نقصًا في المحولات ذات القدرات الكبيرة ومعدات التيار المستمر عالي الجهد، ما يطيل فترات التسليم ويؤخر تحديث الشبكات.
3. مخاطر مشتركة واهتمام متفرق
تواجه إمدادات المعادن للمركبات الكهربائية ومراكز البيانات وشبكات نقل الكهرباء وتوزيعها نوعين من التعرض: الاختناقات المادية والاحتكاكات النظامية.
فالتركز في قدرات المعالجة، وطول مدد البناء، والقيود المرتبطة بالمواقع، تحد جميعها من السرعة التي يمكن بها زيادة الإمدادات. وفي الوقت نفسه، يؤدي ضعف الرؤية بين المستويات المختلفة، وتغير الطلب، وتجزؤ المعايير إلى إبطاء الاستثمار وتأهيل الموردين والمواد الجديدة.
ونظرًا إلى أن التعدين والتكرير وتصنيع المعدات تعمل وفق جداول زمنية مختلفة وتواجه مواطن ضعف متميزة، تظل إدارة المخاطر مجزأة، ما يحول الصدمات الصغيرة إلى تأخيرات في المراحل النهائية وتكاليف أعلى.
إضافة إلى ذلك، نادرًا ما يمتد التكامل الرأسي إلى أكثر من مستوى واحد إلى ثلاثة مستويات، ما يترك شركات التعدين والمكررين ومصنعي المكونات وأصحاب المنتجات النهائية ضعيفي الترابط على مستوى النظام ككل.
وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر التي ظهرت خلال المشاورات، برزت أربعة موضوعات نظامية رئيسية:
– تجزؤ الحوار وفجوات الرؤية: تؤدي المسافة بين الأطراف العاملة في المراحل الأولية والنهائية إلى فجوات في المعلومات وفهم غير متكافئ للمخاطر التي يواجهها كل طرف. وغالبًا ما يكون الحوار متقطعًا وثنائيًا بدلًا من أن يكون شاملاً للنظام بأكمله.
– عدم اليقين بشأن الطلب: تعيق توقعات الطلب غير الواضحة والمتغيرة باستمرار عبر سلسلة القيمة، والتي تتأثر جزئيًا بتغير السياسات والتطور السريع في التكنولوجيا، الاستثمار والتخطيط.
– اختلاف أجندات المخاطر: يعمل كل مستوى من مستويات سلسلة القيمة على تحسين أدائه وفق مخاطره وأهدافه الخاصة، ما يخلق حوافز غير متوافقة عبر السلسلة.
– انخفاض أولوية المخاطر وفجوة القدرة على التحرك: كثيرًا ما تبدو مخاطر المعادن هامشية مقارنة بقضايا أقرب زمنيًا مثل تكاليف الطاقة والانبعاثات وأداء الموردين من المستوى الأول. وحتى عندما يتم رصد المخاطر، تفتقر الجهات الواقعة في المراحل النهائية إلى أدوات عملية واضحة للتعامل معها، ما يترك المشكلات بلا حل.
وتُعد الشركات المصنعة للمركبات الكهربائية أكثر تقدمًا في إدارة مخاطر المراحل الأولية مقارنة بمراكز البيانات والعديد من الجهات العاملة في شبكات نقل الكهرباء وتوزيعها. فقد أدى نقص أشباه الموصلات إلى توقف إنتاج المركبات وكشف حدود الرؤية التي تقتصر على مستوى واحد من الموردين.
واستجابة لذلك، رفعت شركات رائدة في صناعة المركبات الكهربائية مخاطر المعادن إلى مستوى الأجندة التنفيذية لتجنب تكرار التجربة. وعلى النقيض من ذلك، لا تزال حوكمة المعادن أقل نضجًا في مراكز البيانات والشبكات، وإن كانت بعض شركات المرافق تتمتع بالفعل برؤية قوية تجاه الموردين.
وتواجه سلاسل القيمة كثيفة المعادن اختناقات مادية وفجوات نظامية يمكن أن تؤدي بسرعة إلى تأخير تسليم المعدات وزيادة تكاليف المشروعات بالنسبة إلى الجهات الواقعة في المراحل النهائية.
3.1 إشارات الإنذار المبكر في جانب العرض
يركز هذا القسم على المعادن والفلزات التي تشكل المكونات الأساسية للمركبات الكهربائية ومراكز البيانات وشبكات نقل الكهرباء وتوزيعها، من خلال النظر إلى إشارات القدرات، وتوازنات العرض والطلب، ومصادر الإمداد.
تقلبات ناشئة في الإمدادات
كانت توازنات العرض والطلب الإجمالية مستقرة نسبيًا في عام 2024، مع وجود فجوات صغيرة في بعض المواد مثل المنغنيز والألمنيوم، تعكس ديناميكيات سوق حادة مثل حالات الإغلاق المؤقتة والتقلبات السريعة في الأسعار والقيود اللوجستية، وليس نقصًا هيكليًا في الإمدادات.
ومع ذلك، بدأت تقلبات الإمداد تظهر بالفعل. ففي مقاطعة يونان الصينية، أدى الجفاف مرارًا إلى انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية، ما قيد إنتاج الألمنيوم. كما أدى توقف منجم Bald Hill في أستراليا إلى إزالة جزء من إمدادات الليثيوم وكشف هشاشة السوق.
وتعكس عمليات إغلاق المصاهر أو خفض إنتاجها الضغوط الاقتصادية الناجمة عن انخفاض رسوم معالجة النحاس وتكريره، بل وصولها أحيانًا إلى مستويات سالبة، في وقت حذرت فيه الحكومات والصناعة من أن مستويات الرسوم الحالية غير قابلة للاستدامة.
وفي الوقت نفسه، تؤدي الإقليمية المتزايدة والإجراءات السياسية إلى إعادة توجيه التدفقات وتعزيز التركّز. فقد فرضت الصين ضوابط على صادرات الغاليوم والجرمانيوم في عام 2023، ثم قيودًا لاحقة على تقنيات العناصر الأرضية النادرة وصادراتها. كما أدى حظر إندونيسيا لصادرات خام النيكل إلى زيادة تركيز قدرات معالجة النيكل داخل البلاد، بينما فرضت جمهورية الكونغو الديمقراطية قيودًا على صادرات الكوبالت، ما زاد تشديد سلاسل الإمداد العالمية.
وحتى في غياب الصدمات، يتراجع إنتاج قاعدة الأصول الحالية مع استنزاف الاحتياطيات وانخفاض درجات الخام. ففي النحاس، على سبيل المثال، يتطلب مجرد الحفاظ على مستوى ثابت من الإمدادات استثمارًا مستمرًا. ويجب على المشروعات الجديدة ومشروعات الحفاظ على الإنتاج أن تعوض أولًا الأحجام المفقودة قبل إضافة أي قدرة صافية جديدة.
وفي الوقت نفسه، تتقدم مشروعات جديدة في الاقتصادات الغربية. فقد صُنّف مشروع Keliber لهيدروكسيد الليثيوم في فنلندا «مشروعًا استراتيجيًا» بموجب قانون المواد الخام الحرجة للاتحاد الأوروبي، وهو تصنيف يهدف إلى تسريع إجراءات التصاريح وتسهيل الوصول إلى التمويل.
كما حصل مشروع Thacker Pass على قرض بقيمة 2.26 مليار دولار من وزارة الطاقة الأمريكية، وتوجه الولايات المتحدة دعمًا عابرًا للحدود إلى مشروعات كندية حليفة في إطار خطة العمل المشتركة بين كندا والولايات المتحدة بشأن التعاون في المعادن الحرجة، بهدف تعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية.
ويظل العقد المقبل نافذة حاسمة للاستعداد قبل أن تختبر الزيادة الحادة في الطلب قدرات السوق.
وبالنظر إلى عام 2035، لا ينبع التشدد المتوقع في الأسواق من نمو الطلب وحده، بل من مقدار الإمدادات التي سيظل من الضروري تطويرها بحلول ذلك العام.
وبالنسبة إلى عدد من المعادن، لا تغطي قاعدة الإنتاج الحالية سوى نصف الطلب المتوقع في عام 2035 أو أقل، بينما يعتمد الجزء المتبقي على مشروعات لا يزال يتعين منحها التصاريح أو تمويلها أو حتى تحديدها من الأساس.
فعلى سبيل المثال، تغطي إمدادات الليثيوم والغرافيت الحالية نحو 35% إلى 45% فقط من الطلب المتوقع في عام 2035. وحتى إذا دخلت جميع المشروعات المعلنة حيز التنفيذ، يُتوقع استمرار نقص المواد، ما يعني أن الإنتاج قد يحتاج إلى ما يقارب الضعف خلال عقد واحد.
وتساعد إعادة التدوير، لكنها لا تستطيع سد هذه الفجوات بمفردها. وتعد مساهمتها مهمة بالنسبة إلى النحاس والألمنيوم، إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن متوسط حصة المدخلات المعاد تدويرها بلغ نحو 35% للألمنيوم وحوالي 17% للنحاس خلال العقد الماضي، عند استبعاد الخردة المستخدمة مباشرة.
لكن إعادة تدوير الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة لا تزال في مراحلها الأولى، بسبب انخفاض أحجام المنتجات التي وصلت إلى نهاية عمرها التشغيلي وعدم كفاية قدرات التجميع والفصل الميكانيكي.
مصادر إمداد شديدة التركّز
عبر المركبات الكهربائية ومراكز البيانات وشبكات نقل الكهرباء وتوزيعها، يُعد التعدين أكثر تشتتًا جغرافيًا نسبيًا، بينما يظل التكرير والمعالجة شديدي التركّز.
وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن متوسط الحصة السوقية لأكبر ثلاث دول في التكرير ارتفع من نحو 82% في عام 2020 إلى 86% في عام 2024، وهو مستوى من التركّز نادر في المدخلات الصناعية الأخرى.
أما في التعدين، فمن بين 19 معدنًا تمت متابعتها، تستحوذ الصين على حصة لا تقل عن 5% من الإنتاج المستخرج في 15 معدنًا، بينما تحقق أستراليا النسبة نفسها في سبعة معادن، والبرازيل وروسيا في ستة معادن لكل منهما. وعلى الرغم من وجود تركّز كبير في عدد من المعادن، يظل التعدين أكثر انتشارًا جغرافيًا من التكرير.
وفي التكرير، تمتلك الصين حصة لا تقل عن 5% من الإنتاج المكرر لجميع المعادن التسعة عشر التي شملها التحليل، وتتجاوز حصتها 75% في عدد من المواد، منها الغاليوم والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة والمغنيسيوم والجرمانيوم والكوبالت.
وتبرز بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة. فمعالجة النيكل تهيمن عليها اليوم إندونيسيا، وفي كثير من الأحيان من خلال أصول مملوكة لشركات صينية. أما تكرير الذهب فهو أكثر توزيعًا، مع وجود سويسرا كمركز رئيسي. وتشمل المراكز الأصغر الهند، التي تمتلك حصصًا لا تقل عن 5% في أربعة معادن أساسية هي الألمنيوم والحديد والزنك والرصاص، واليابان في أربعة معادن هي التنتالوم والنحاس والذهب والفضة.
ويرفع الجمع بين قصر العمر المتوقع لبعض الاحتياطيات وارتفاع تركّز الإنتاج والتكرير مستوى التعرض للمخاطر.
وتستحق المعادن الأساسية للنظام، مثل النحاس، اهتمامًا خاصًا بسبب دورها المركزي في سلاسل القيمة الثلاث.
إضافة إلى ذلك، فإن أكبر ثلاث دول في التعدين والتكرير تستحوذ على أكثر من 75% من السوق بالنسبة إلى مجموعة من المواد المتخصصة، تشمل الغرافيت والعناصر الأرضية النادرة والجرمانيوم والليثيوم والمغنيسيوم والكوبالت والنيكل والمنغنيز والتنتالوم.
ويزيد ذلك من التعرض للاضطرابات التي تقع في نقطة واحدة، مثل الأعطال التشغيلية أو ضوابط التصدير، والتي يمكن أن تتسبب في صدمات عالمية للأسعار والجداول الزمنية حتى عندما تبدو الإمدادات الإجمالية كافية.
وتضيف أنماط الملكية طبقة أخرى من التعقيد. فالسيطرة المؤسسية العابرة للحدود يمكن أن تنوع مصادر التمويل والخبرة، لكنها قد تنقل أيضًا المخاطر السياسية بين المناطق، وتغير بالتالي مراكز السيطرة الاستراتيجية على الأصول.
وبالنسبة إلى المعادن التي يتناولها هذا التقرير، فإن حدوث اضطراب لدى أكبر منتج يمكن أن يخلق خطرًا كبيرًا يتمثل في عدم تلبية الطلب العالمي، ويفرض آثارًا مستمرة على المراحل النهائية، ما يجعل التركّز في السوق أحد أبرز التحديات أمام مرونة سلاسل الإمداد.
3.2 صدمات المنبع وعواقب المصب
نظرًا إلى تركّز عمليات المعالجة وإلى أن تأهيل الموردين أو المواد أو التقنيات الجديدة يستغرق وقتًا، فإن الصدمات المحلية في المراحل الأولية تتحول بسرعة إلى مخاطر على التسليم في المراحل النهائية.
ومن الأمثلة على ذلك الفولاذ الكهربائي ذي الحبيبات الموجهة، وهو مادة أساسية لقلوب المحولات الكهربائية. فقد اصطدمت القدرة العالمية المحدودة على إنتاجه، التي زادت الضغوط عليها بسبب القيود التجارية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، بطلب قوي ونقص في العمالة الماهرة.
ونتيجة ندرة هذه المادة، ارتفعت أسعار المحولات بنحو 50% إلى 80% خلال السنوات الثلاث الماضية، وامتدت أوقات التوريد إلى نحو 18 إلى 36 شهرًا، ما أجبر الشركات على إعادة ترتيب أولويات الطلبات.
وفي المراحل النهائية، اضطرت شركات المرافق والمطورون إلى تأخير عمليات الربط بالشبكة، ما أدى بدوره إلى تأخير نشر شواحن المركبات الكهربائية وتشغيل مراكز البيانات بالطاقة.
وتؤدي ديناميكيات الأسعار دورًا مهمًا. فقد تساعد الارتفاعات في الأسعار على فتح أبواب التمويل وتسريع المشروعات، لكن عندما تتجاوز مستوى معينًا فإنها تحفز الاستعاضة بمواد أخرى وإعادة تصميم المنتجات، ما يزيد عدم اليقين لدى الموردين.
وفي مثل هذه الفترات، قد يؤجل المستثمرون قرارات الاستثمار النهائية إلى أن تستقر خيارات التكنولوجيا وإشارات الطلب، الأمر الذي يطيل أمد الاختناقات التي كان من المفترض أن تساعد الأسعار المرتفعة على حلها.
ورغم اختلاف طبيعة الاختناقات بدرجة كبيرة، فإن نمط المخاطر متشابه: قد تكون القدرة موجودة إجمالًا، لكنها تصل متأخرة أو بسعر أعلى مما كان متوقعًا، فترتفع التكاليف وتتأخر الجداول الزمنية قبل أن يصبح بالإمكان تأهيل مصدر بديل أو إعادة توجيه الإمدادات.
كما أن ارتفاع الطلب في إحدى سلاسل القيمة يؤدي إلى تشديد السوق بالنسبة إلى المعادن والمعدات نفسها التي تحتاجها السلاسل الأخرى. ومع اعتماد توسع المركبات الكهربائية ومراكز البيانات والشبكات على مدخلات متداخلة مثل النحاس والفولاذ الكهربائي وأشباه الموصلات، تظهر مفاضلات قصيرة الأجل، ما يعزز الحاجة إلى الحوار والتخطيط المنسق.
ومع تركّز القدرات في عدد قليل من المراكز، تنتشر الصدمات السياسية أو التشغيلية عبر النظام بأكمله. ومن دون تنسيق، تتحول المشتريات إلى لعبة صفرية، ما يعني أسعارًا أعلى وتأخيرات أطول للجميع.
3.3 أجندات متنافسة للمخاطر
تختلف وجهات النظر المتعلقة بالمخاطر من مستوى إلى آخر، كما يتفاوت فهم الأطراف لمستويات تعرض بعضها بعضًا، إلا أن أنماطًا متكررة تظهر عبر المركبات الكهربائية ومراكز البيانات وشبكات نقل الكهرباء وتوزيعها، وتتراكم من التعدين إلى المنتجات النهائية.
وخلال المشاورات، عرض التنفيذيون عبر سلاسل القيمة أبرز المخاطر التي يواجهونها، والتي يمكن تصنيفها ضمن سبعة محاور رئيسية. ويؤدي ارتفاع تركّز الإمدادات إلى تضخيم كل واحد من هذه المخاطر، بحيث تتحول الصدمات المحلية إلى آثار عالمية.
وسيطر ثلاثة أنواع من المخاطر على النقاشات:
– الجغرافيا السياسية والتجارة: تكاثر القواعد التجارية التي تدفع الإمدادات نحو الإقليمية وتزيد عدم اليقين بشأن مواعيد التسليم والأسعار.
– السوق والتمويل: تقلب السياسات الصناعية، بما فيها الحوافز وقواعد المحتوى المحلي والتراخيص، بما يضغط على الهوامش ويعيد تشكيل إشارات الطلب.
– البنية التحتية: لا تقتصر المسألة على الموانئ والسكك الحديدية والطاقة اللازمة للمواقع الأولية، بل تشمل أيضًا القدرات المحدودة لتصنيع المكونات الحرجة ومدى جاهزية الشبكات في المراحل النهائية، وهي عوامل يمكن أن تقيد تشغيل القدرات الجديدة وتطيل قوائم الانتظار.
الجغرافيا السياسية والتجارة
التعدين والتكرير: تعيد السياسات التجارية والصناعية تشكيل المواقع التي تضاف فيها القيمة، والأطراف التي تحصل على المواد أولًا. وقد أضافت ضوابط التصدير، مثل تلك المفروضة على العناصر الأرضية النادرة والغاليوم والجرمانيوم، إلى جانب العقوبات والتعريفات الجمركية، طبقات جديدة من عدم اليقين في التخطيط.
ويظل الحفاظ على تجارة مفتوحة ويمكن التنبؤ بها أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى المرونة والقدرة على تحمل التكاليف.
تصنيع المكونات والمنتجات النهائية: أفادت الشركات المصنعة للمعدات الأصلية في قطاعي المركبات الكهربائية ومعدات الشبكات بأنها تعتمد بدرجة كبيرة على المعالجة والمكونات الصينية، ما يجعلها عرضة للتغيرات التنظيمية والصدمات اللوجستية.
كما أظهرت الاضطرابات البحرية، بما في ذلك إعادة توجيه مسارات الشحن عبر البحر الأحمر خلال عامي 2023 و2024، كيف يمكن لنقاط الاختناق أن تنقل آثارها إلى سلاسل الإمداد العالمية. وتواجه مشروعات الربط الكهربائي العابرة للحدود أيضًا عدم توافق السياسات الوطنية وتأخيرات الحصول على التصاريح.
السوق والتمويل
التعدين والتكرير: تتعرض هوامش الأرباح لضغوط متزايدة وتتأخر قرارات الاستثمار. ويؤدي انخفاض رسوم المعالجة والتكرير وتقلب السياسات إلى إبطاء المشروعات الجديدة في مجال التكرير، وفي الوقت نفسه تسريع عمليات الإغلاق.
وتؤدي المنافسة المدفوعة بالدعم وتقلبات الأسعار وقواعد توطين الإنتاج إلى خلق حالة من عدم اليقين بشأن الأماكن التي ستظهر فيها القدرات الجديدة، وكذلك بشأن الأصول التي قد تصبح عالقة أو غير مجدية اقتصاديًا.
تصنيع المكونات والمنتجات النهائية: أشار موردو المركبات الكهربائية إلى تقلب السياسات بوصفه عاملًا رئيسيًا وراء عدم اليقين بشأن الطلب.
أما شركات تصنيع مكونات مراكز البيانات فلا تتمتع غالبًا برؤية تتجاوز ستة إلى تسعة أشهر، بينما تواجه شركات المرافق دورات مشتريات لا تتوافق مع استثمارات الشبكات التي تمتد لعقود، ما يحد من قدرتها على تمويل التوسعات.
البنية التحتية
التعدين والتكرير: أصبح الوصول إلى الخدمات اللوجستية والمرافق الحيوية جزءًا من المسار الحرج للمشروعات الجديدة.
وغالبًا ما تكون هناك حاجة إلى بنية تحتية تمكينية بمليارات الدولارات، مثل السكك الحديدية والموانئ وتحلية المياه والطاقة، قبل بدء الإنتاج. وفي بعض المشروعات، قد يصبح حجم البنية التحتية المطلوبة مماثلًا لحجم المنجم نفسه.
تصنيع المكونات والمنتجات النهائية: يمكن أن تؤدي الاختناقات في المحولات وكابلات الجهد العالي إلى تعطيل مشروعات كاملة. وقد تتراوح أوقات التوريد بين سنة وأربع سنوات في بعض الأسواق، ما يعني أن شواحن المركبات الكهربائية ومراكز البيانات وتحديثات الشبكات تتنافس على المعدات نفسها.
الموارد والطاقة
التعدين والتكرير: يؤدي انخفاض درجات الخام وتشدد إمدادات الطاقة إلى رفع التكاليف والانبعاثات. وقد انخفضت درجات خام النحاس بنحو 40% منذ تسعينيات القرن الماضي، بينما واجهت مصاهر في مناطق تمتد من يونان إلى موزمبيق قيودًا على الطاقة أدت إلى تعطيل أصول ذات أهمية عالمية.
تصنيع المكونات والمنتجات النهائية: يؤدي ضيق إمدادات النحاس والألمنيوم والفولاذ الكهربائي ذي الحبيبات الموجهة إلى تعريض سلاسل القيمة الثلاث لمخاطر مشتركة مرتبطة بالمواد.
يمكن للسياسات التجارية والصناعية أن تتغير في منتصف فترة البناء. ولذلك تصبح المخاطر التشغيلية في جوهرها مسألة يقين في التخطيط: هل ستكون المواد متاحة في الوقت والسعر المتوقعين؟ وهل ستظل السياسات داعمة للنمو الذي تم التخطيط له؟
الاستدامة والترخيص لمزاولة النشاط
التعدين والتكرير: لا تزال إجراءات التصاريح بطيئة وغير مؤكدة. فقد يحتاج المنجم إلى 18 عامًا أو أكثر لبدء التشغيل، وقد تستغرق الموافقات وحدها ما يصل إلى عقد كامل.
كما يمكن للمعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة المتزايدة، إضافة إلى معارضة المجتمعات المحلية، أن تؤخر المشروعات قبل وقت طويل من بدء أعمال البناء.
وتتوسع إعادة التدوير، لكنها لا تزال تفتقر إلى مستويات كافية من الشفافية وآليات الضمان.
تصنيع المكونات والمنتجات النهائية: تواجه شركات المنتجات النهائية تدقيقًا متزايدًا بشأن الانبعاثات على امتداد دورة الحياة وقابلية إعادة التدوير والمعادن المرتبطة بالنزاعات، بينما يواجه مطورو الشبكات قيود استخدام الأراضي ومعارضة المجتمعات المحلية.
التكنولوجيا
التعدين والتكرير: تتحرك دورات التكنولوجيا بسرعة أكبر من قدرة سلاسل الإمداد الجديدة على التكيف. ويواجه المنتجون صعوبة في المراهنة على «التركيبة الكيميائية القادمة» من دون المخاطرة بتحول استثماراتهم إلى أصول عالقة، في حين لا تزال إعادة التدوير مقيدة باختناقات التجميع والفصل الميكانيكي.
تصنيع المكونات والمنتجات النهائية: تتطور كيميائيات البطاريات وتصميمات أشباه الموصلات بسرعة أكبر من قدرة الطاقة الإنتاجية على الاستجابة، ما يخلق فجوات بين دورات الابتكار ومرونة الإمداد.
العمالة والمهارات
التعدين والتكرير: يؤدي نقص المهندسين المتخصصين وخبراء المشروعات إلى زيادة التأخير في تطوير المناجم وعمليات المعالجة.
تصنيع المكونات والمنتجات النهائية: أفاد مصنعو المركبات الكهربائية ومعدات الشبكات بارتفاع الطلب على الكيميائيين ومهندسي البطاريات وفنيي الجهد العالي، بينما يواجه مطورو مراكز البيانات فجوات في المهارات الرقمية، وخصوصًا المهارات المتعلقة بعمليات الذكاء الاصطناعي.
وتنذر مخاطر اليوم بمستقبل قد تحد فيه نقاط الاختناق والحوار المجزأ من النمو ما لم يتحسن التنسيق. ومن دون وعي مشترك بالمخاطر، تواصل الأطراف العمل في جزر منفصلة، ما يترك مواطن الضعف النظامية من دون معالجة.
ويتمثل العلاج في توفير رؤية مشتركة، وتسريع التأهيل، وبناء التزامات منسقة.
4. من الوعي إلى العمل
يتطلب بناء المرونة بصورة مشتركة قيادة منسقة لمواءمة الطلب والسياسات والاستثمارات، وضمان توفر المواد في الزمان والمكان المطلوبين.
فالمرونة لن تتحقق من خلال قيام كل شركة بتحسين وضعها منفردة. فالخيارات المتخذة في مستوى واحد تشكل الجداول الزمنية والتكاليف في المستويات الأخرى.
ويعتمد التقدم على تعزيز التنسيق، من خلال مواءمة الأولويات، وحشد رأس المال، وترتيب الإجراءات بين الصناعات والحكومات والجهات الممولة.
ويمكن لآليات التنسيق الفعالة، سواء كانت محلية أو وطنية أو عابرة للصناعات، أن توفر الرؤية والشرعية والقدرة اللازمة لتحويل الخطط إلى تنفيذ.
ومن خلال مواءمة الحوافز والمعايير والجداول الزمنية للاستثمارات، يمكن ضمان أن تدعم القرارات المتخذة في جزء من النظام القرارات في الأجزاء الأخرى بدلًا من أن تنافسها.
وعندما يغيب هذا التوافق، تظل الإجراءات مجزأة. أما عندما يكون موجودًا، فيمكن لسلاسل القيمة أن تتحرك بصورة متسلسلة من الفهم المشترك إلى الاستثمار والتنفيذ.
كما أظهرت المشاورات أن الشركات تتولى أدوارًا جديدة بصفتها وسطاء وبناة جسور، من خلال تعزيز الشفافية وتبادل المعلومات واختبار طرق مبتكرة لإدارة المخاطر وتحويل إشارات السياسات إلى إجراءات عملية.
ولن يحدث التنسيق بصورة تلقائية. بل يجب دعمه من خلال جهات فاعلة تتمتع بالصلاحيات، بما في ذلك التحالفات الإقليمية وفرق العمل المشتركة بين القطاعين العام والخاص والشراكات العابرة للقطاعات، التي تستطيع دفع التقدم على المستويات التي تعمل فيها.
4.1 دروس من الاضطرابات السابقة
أدت صدمات الإمدادات في كثير من الحالات إلى إطلاق إجراءات منسقة متعددة الأطراف. ويتمثل التحدي الآن في استخدام هذه الإجراءات بصورة استباقية لبناء المرونة قبل تحقق المخاطر.
وتشير الدروس المستخلصة من المشاورات والتجارب السابقة إلى أن المرونة تتحسن بأسرع ما يمكن عندما يحدث أمران بالتوازي: تعزيز الإمدادات وتنويعها في المجالات التي تتركز فيها الاختناقات والإمدادات بدرجة أكبر، وإدارة الطلب بحيث ينخفض مستوى التعرض لمخاطر العرض ويصبح أكثر مرونة.
وتشير هذه التجارب مجتمعة إلى مجموعة من الأدوات العملية التي تشمل توسيع الإمدادات وتنويعها وإدارة الطلب، ويمكن لأصحاب الأصول في المراحل النهائية والموردين في المراحل الأولية والجهات الممولة وواضعي السياسات استخدامها بصورة مشتركة.
توسيع الإمدادات وتنويعها: زيادة العرض وخفض مخاطره وإعادة توجيهه
1. قدرات جديدة في التعدين والمعالجة والتكرير
تساعد إضافة القدرات في المجالات التي يكون فيها تركّز الإمدادات أكثر حدة، مثل قدرات الغرافيت الاصطناعي لمواجهة قيود تراخيص التصدير، والفولاذ الكهربائي ذي الحبيبات الموجهة، وإنتاج العناصر الأرضية النادرة، على إدارة مخاطر الاضطراب إذا جرى تطويرها بما يتماشى مع إشارات طلب موثوقة ومحدّثة باستمرار.
كما يساعد ذلك في الحد من خطر تحول الاستثمارات إلى أصول عالقة.
وغالبًا ما تتبع قرارات اختيار المواقع أحد مسارين: توسيع مراكز التكرير القائمة التي تمتلك بالفعل القدرات والروابط اللازمة، أو تقريب عمليات المعالجة من المناجم من أجل خفض تكاليف الخدمات اللوجستية والانبعاثات وبناء قيمة محلية.
ويمكن أن يأتي تنويع الإمدادات أيضًا من طرق استخراج جديدة، مثل الاستخراج المباشر لليثيوم، بعد إثبات جدواها على نطاق واسع.
2. اتفاقيات شراء طويلة الأجل والدفعات المقدمة والاستثمارات في رأس المال
يساعد استخدام اتفاقيات شراء طويلة الأجل ومرنة من حيث الكميات، مع دفعات مقدمة أو استثمارات محدودة في رأس المال عند الحاجة، على تأمين الإمدادات من خلال القدرات الجديدة.
وتساعد هذه الهياكل على سد فجوات التمويل وتقليل مخاطر المشروعات، وخصوصًا بالنسبة إلى عمليات المعالجة في المواقع المتنوعة جغرافيًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة المشتري على التكيف مع تغير المواصفات.
3. التمويل العام المشترك والضمانات
يساعد الجمع بين الالتزامات الخاصة والأدوات العامة، مثل الضمانات وآليات تحمل الخسائر الأولى وائتمانات الإنتاج التي توفرها البرامج الوطنية أو الإقليمية، على تحسين قابلية المشروعات للتمويل وتسريع قرارات الاستثمار النهائية، وخصوصًا بالنسبة إلى القدرات التي تُنشأ للمرة الأولى من نوعها أو للمرة الأولى داخل منطقة معينة.
4. إجراءات تصاريح مبسطة ويمكن التنبؤ بها وتمكين البنية التحتية
يجب التعامل مع التصاريح والربط والموانئ والسكك الحديدية باعتبارها أجزاء من المسار الحرج لسلسلة القيمة.
وتؤدي العمليات الواضحة والمحددة زمنيًا، إلى جانب المشاركة المبكرة للمجتمعات المحلية، إلى تقليل مخاطر تأخير المشروعات بدرجة أكبر من تعديلات التصميم الصغيرة.
5. شراكات بين الحلفاء والدول الصديقة ومشروعات مشتركة
يساعد إنشاء مشروعات مشتركة واتفاقيات شراء متبادلة بين الأسواق الحليفة على توزيع المخاطر الجيوسياسية واللوجستية مع الحفاظ على وفورات الحجم.
وعندما تقترن هذه الشراكات بمعايير مشتركة واعتراف متبادل، فإنها تساعد أيضًا على إبقاء تكاليف تغيير الموردين منخفضة.
6. بنية تحتية صناعية للإمدادات الثانوية
يمكن أن يؤدي توسيع إعادة التدوير على نطاق صناعي وبالمستوى نفسه من الانضباط المطبق على الإمدادات الأولية إلى تحقيق تنويع إضافي.
وتشير التحليلات إلى أن أكثر من 20% من الطلب العالمي الحالي على واردات مجموعة مختارة من المعادن المرتبطة بتحول الطاقة يمكن تلبيته من خلال إعادة التدوير.
إدارة الطلب: إعادة تشكيل الطلب
1. الكفاءة وخفض كثافة استخدام المعادن
يمكن للتصميم والهندسة، من خلال دمج الأجزاء وتحسين مردود الإنتاج وتحسين استخدام المواد لكل وحدة، خفض كثافة المعادن من دون التضحية بالسلامة أو الأداء.
ومع ذلك، أثارت المشاورات تنبيهًا مهمًا: قد يؤدي خفض المحتوى المعدني إلى مستويات شديدة الانخفاض إلى جعل استعادة المواد في نهاية العمر التشغيلي صعبة من الناحية التجارية أو التقنية.
ولذلك، من الضروري التصميم من أجل الأداء والدائرية في الوقت نفسه.
2. الاستعاضة الملائمة للغرض
عندما تسمح متطلبات الأداء والسلامة، يمكن تغيير المواد والكيميائيات والمكونات لتقليل الضغط على المدخلات النادرة.
ومن الأمثلة على ذلك استخدام بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم أو محركات خالية من العناصر الأرضية النادرة في الفئات المناسبة من المركبات الكهربائية، أو استخدام موصلات الألمنيوم بدلًا من النحاس عندما تسمح مواصفات الشبكة، أو الاستفادة من أجهزة القدرة المصنوعة من كربيد السيليكون أو نيتريد الغاليوم في مراكز البيانات لرفع الكفاءة باستخدام مزيج مختلف من المواد.
3. إعادة التدوير والدائرية على نطاق واسع
يؤدي بناء إمدادات ثانوية من المنتجات في نهاية عمرها التشغيلي ومن مخلفات التصنيع، مثل استخلاص أملاح بدرجة جودة البطاريات من «الكتلة السوداء» للبطاريات وجمع خردة النحاس والألمنيوم، إلى تغيير أنماط الطلب.
ولا تزال إعادة التدوير اليوم توفر حصة صغيرة من الإمدادات بالنسبة إلى عدة معادن حرجة. إذ تظل معدلات استرداد الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة من المنتجات في نهاية عمرها أقل من 5% عالميًا، بسبب القيود المرتبطة بالتجميع والجدوى الاقتصادية والتكنولوجيا.
وشدد المشاركون في المشاورات على أن الاختناق المباشر يتمثل في التجميع والفصل الميكانيكي، ولذلك يجب أن يمثل هذا المجال أولوية رئيسية.
4. المخزونات الاستراتيجية والاحتياطيات
يمكن لاحتياطيات مستهدفة في المستوى المناسب من سلسلة القيمة، مثل المواد الفعالة أو المعادن الخاضعة لقيود تجارية، أن تمنع توقفات إنتاج طويلة.
وتتراوح الأساليب من المخزونات الاستراتيجية العامة إلى المخزونات الخاصة التي يديرها الموردون وفق قواعد شفافة للسحب ومحفزات واضحة لإعادة التعبئة.
5. المعايير وقابلية التشغيل البيني
يساعد الاتفاق على معايير مشتركة وتصميمات معيارية، مثل تقليل عدد أنواع الرقائق وتوحيد مواصفات المحولات ووضع أهداف واضحة للكفاءة ومواءمة متطلبات التدقيق، على إعادة تشكيل هيكل الطلب وتبسيط متطلبات التصنيع وتحفيز البحث والتطوير الهادف إلى خفض كثافة استخدام المعادن وتجنب عمليات التدقيق المكررة.
4.2 جعل التنسيق ممكنًا
لا تستطيع أي شركة تأمين المعادن بمفردها. وتتطلب الاعتمادات المتبادلة العميقة خفض المخاطر بصورة منسقة، في حين يتعين على واضعي السياسات تهيئة الظروف التي تسمح بالاستثمار الخاص والابتكار.
وقد ظهرت ثلاثة عوامل تمكينية بصورة متكررة في المشاورات:
– منصات للاجتماع والتنسيق: منتديات دورية مدعومة بتفويض واضح يجتمع فيها أصحاب المصلحة عبر سلاسل القيمة لتبادل وجهات النظر حول السوق وإبراز الاختناقات والتحرك بشأنها. وقد يشمل ذلك موائد مستديرة تجمع مختلف مستويات سلسلة القيمة لمناقشة متطلبات الإمداد والقيود، أو اتحادات متعددة الصناعات عندما لا يمتلك قطاع واحد الحجم الكافي للتحرك منفردًا، كما في التعاون بين قطاعي طاقة الرياح والسيارات بشأن مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة.
– أدوات شفافية المعلومات: آليات لتبادل البيانات غير الحساسة بما يحسن فهم السوق من دون المساس بالحساسيات التجارية. ويمكن أن تشمل، على سبيل المثال، توقعات الإنتاج العالمي للمعادن والقدرات الإنتاجية، بما يوفر فهمًا قائمًا على البيانات للإمدادات المستقبلية المحتملة.
– المعايير: التقارب حول خطوط أساس مشتركة للتتبع والتأهيل بهدف القضاء على عمليات التدقيق المكررة وتقليص الوقت اللازم لإدخال الإمدادات الجديدة إلى السوق. وعلى الرغم من تقدم جهود المواءمة، لا يزال الاعتراف المتبادل وقابلية تشغيل البيانات بين الأنظمة المختلفة قيد التطوير.
4.3 خارطة طريق للتنفيذ
تتطلب المرونة عبر سلاسل قيمة المعادن والفلزات قيادة حاسمة، وملكية واضحة للمسؤوليات، وجهدًا تكراريًا متعدد السنوات لتحويل الخطط إلى تنفيذ، وإيقاعًا منتظمًا لقياس التقدم والتكيف.
واستنادًا إلى المشاورات والتحليل السابق، تقدم هذه الخارطة نقطة انطلاق عملية لتحقيق هذا الهدف من خلال تحديد قيادة موزعة وتنسيق فعال وتنفيذ جماعي.
الخطوة الأولى: تعزيز القدرة على التنسيق
تعتمد المرونة على وجود توافق موثوق عبر سلاسل قيمة معقدة ومتعددة المستويات.
وبدلًا من الاعتماد على جهة منسقة واحدة، سيظهر التقدم من خلال مراكز تنسيق متعددة، مثل التحالفات بين القطاعين العام والخاص، والشراكات الإقليمية، والمبادرات التي تقودها الصناعة، والتي تستطيع مواءمة الحوافز وحشد الموارد والحفاظ على التعاون مع مرور الوقت.
وتجمع آلية التنسيق الفعالة مجموعة متميزة من القدرات:
– الرؤية: امتلاك صورة على مستوى النظام بأكمله للتدفقات والقدرات والمخاطر، مدعومة ببيانات شفافة وموثوقة.
– الشرعية والثقة: المصداقية اللازمة لجمع الجهات الفاعلة عبر مختلف مستويات سلسلة القيمة والقطاع المالي والحكومات.
– التأثير والحجم: القدرة على تشكيل المعايير وأولويات الاستثمار وأطر السياسات التي تدفع نحو نتائج جماعية.
– القدرة على التنفيذ: توافر الموارد والانضباط اللازمين للانتقال من التنسيق إلى التنفيذ، مع وجود محطات واضحة ومؤشرات للتقدم تضمن تحول الالتزامات إلى نتائج.
– التمكين التكنولوجي: استخدام الأدوات الرقمية، مثل الذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية والتحليلات التنبؤية، لتعزيز الاستشراف وسرعة الاستجابة.
ولا تجمع جهات كثيرة كل هذه القدرات، لكن عددًا من الآليات القائمة يوضح بالفعل كيف يمكن أن يبدو التنسيق الموزع، مثل قانون المواد الخام الحرجة في الاتحاد الأوروبي، والتحالف العالمي للبطاريات، والدعوات إلى إنشاء وكالة دولية للمعادن.
وتوضح هذه الجهود كيف يمكن للتحالفات القطاعية أو الإقليمية أو الموضوعية أن تكمل بعضها بعضًا لتحسين مرونة النظام ككل.
ويُعد بناء هذه القدرة على التنسيق، على أن تكون راسخة في الواقع المحلي ومتصلة في الوقت نفسه بمعايير وأطر معلومات مشتركة، أمرًا أساسيًا للانتقال من المبادرات المجزأة إلى تقدم عالمي تراكمي.
الخطوة الثانية: بناء رؤية مشتركة
هناك حاجة إلى قاعدة مشتركة من الحقائق من أجل توضيح مواطن الضعف وأوجه الاعتماد المتبادل والفجوات الزمنية عبر سلاسل القيمة.
– تطوير خرائط مشتركة للمخاطر بهدف تحديد الاختناقات الحرجة وأوجه التعرض المترابطة وعدم توافق الجداول الزمنية بين القطاعات. ويمكن لهذه الخرائط أن توجه الأولويات، وتبرز المواقع التي يكون التنسيق فيها أكثر إلحاحًا، وتضع خطوطًا أساسية لتتبع التحسن بمرور الوقت.
– إنشاء أطر جماعية للمرونة تساعد على مواءمة الاستثمارات والسياسات لإضافة القدرات حيث يمكن أن تحقق أكبر تأثير.
الخطوة الثالثة: تحديد استراتيجيات جماعية لبناء المرونة
بعد تكوين صورة مشتركة، يمكن لأصحاب المصلحة تحويلها إلى استراتيجيات منسقة.
– على جانب العرض: يزيد التنويع واتفاقيات الشراء طويلة الأجل والتمويل العام المشترك وتبسيط إجراءات التصاريح من القدرات والخيارات المتاحة.
– على جانب الطلب: تؤدي الكفاءة الهندسية والاستعاضة بين المواد وتطبيق الاقتصاد الدائري إلى تقليل التعرض للإمدادات الأولية.
الخطوة الرابعة: إنشاء عوامل تمكين للعمل الجماعي
هناك ثلاث آليات حاسمة:
– منصات التنسيق: منتديات دورية مدعومة بتفويض واضح لتبادل المعلومات وحل المشكلات بصورة مشتركة ومتابعة التقدم وفق مؤشرات مشتركة.
– أدوات شفافية المعلومات: تبادل البيانات غير الحساسة لتحسين رؤية السوق ودعم اتخاذ القرار من دون الإخلال بالسرية.
– المعايير وقابلية التشغيل البيني: أطر متوائمة لخفض الاحتكاكات وتسريع جاهزية الإمدادات.
وتشكل هذه الخطوات مجتمعة مسارًا ينتقل من إدراك المخاطر المشتركة إلى التنفيذ. ويُعد التنسيق بين سلاسل القيمة العامل المحفز لمواءمة الأولويات وتسريع التنفيذ وترسيخ المرونة عبر النظام بأكمله.
الخلاصة
هدفت هذه الورقة البيضاء إلى تحقيق ثلاثة أمور رئيسية: أولًا، جعل الاعتماد على المعادن مرئيًا عبر سلاسل إمداد المركبات الكهربائية ومراكز البيانات ونقل الكهرباء وتوزيعها؛ وثانيًا، تحديد المواقع والطرق التي تتحول من خلالها المخاطر إلى تأخيرات في التسليم وتضخم في التكاليف؛ وثالثًا، تقديم نهج يسمح لأصحاب الأصول في المراحل النهائية والموردين في المراحل الأولية والجهات الممولة وواضعي السياسات بتنفيذ أجندة ناجحة للعمل الجماعي.
وتبرز من التحليل والمشاورات خمس خلاصات رئيسية.
1. النظام مترابط بطبيعته، ويصبح عرضة للمخاطر بسبب التركّز
تتشارك سلاسل القيمة الثلاث هياكل متعددة المستويات ومواد متداخلة. ويُعد التعدين أكثر انتشارًا جغرافيًا، لكن التكرير والمعالجة يتركزان في عدد محدود من المراكز، ما يجعلهما نقاط الاختناق الرئيسية.
وتنتقل الاضطرابات في هذه المراكز، سواء كانت ناتجة عن ضوابط التصدير أو نقص الطاقة أو الأحوال الجوية القاسية أو المشكلات اللوجستية، إلى مصانع المكونات والجداول الزمنية لتشغيل المشروعات في المراحل النهائية.
2. التوقيت، وليس الكمية وحدها، هو القيد الحاسم
يتطلب تلبية الطلب المتوقع في عام 2035 قفزة كبيرة في القدرات، ولا يزال جزء كبير منها في مرحلة التخطيط أو قبل ذلك.
فالمناجم قد تحتاج عقودًا من اكتشاف الموارد إلى إنتاج أول خام، بينما تحتاج منشآت المعالجة إلى ثلاث إلى ثماني سنوات للبناء والتأهيل، ويمكن لمصانع المعدات زيادة الإنتاج خلال سنة إلى خمس سنوات.
ومن دون إشارات مبكرة وتخطيط منسق، قد تتأخر حتى البرامج التي تمتلك موارد كافية عن تلبية الاحتياجات في الوقت المطلوب.
3. المخاطر متعددة الأبعاد، ونقاط الألم الحالية تقدم دروسًا مهمة
هناك سبعة محاور للمخاطر تتكرر عبر مختلف المستويات وسلاسل القيمة: الجغرافيا السياسية والتجارة، والسوق والتمويل، والبنية التحتية، والموارد والطاقة، والاستدامة والترخيص لمزاولة النشاط، والتكنولوجيا، والعمالة والمهارات.
ويساعد تفاعل هذه العوامل على تفسير نقاط الألم الحالية والأسباب التي تجعل الصدمات تنتشر عبر السلاسل.
وكان مصنعو المركبات الكهربائية أول من تحرك بسبب الدروس المستفادة من أزمة أشباه الموصلات، ما يوفر نهجًا يمكن للقطاعات الأخرى تكييفه مع ظروفها.
4. يجب إدارة العرض والطلب بالتوازي
تتحسن المرونة بأسرع وتيرة عندما يتم توسيع الإمدادات وتقليل التعرض للطلب في الوقت نفسه، وهي مقاربات أثبتت فعاليتها خلال الأزمات السابقة.
فعلى جانب العرض، تساعد اتفاقيات الشراء والتمويل المشترك وتبسيط إجراءات التصاريح والإمدادات الثانوية على توسيع القدرات وتقليل مخاطرها.
وعلى جانب الطلب، تؤدي الكفاءة والاستعاضة وإعادة التدوير والمعايير إلى خفض مستوى التعرض وتسريع عمليات التأهيل.
5. المرونة جهد جماعي
ستعتمد المرونة على تنسيق موزع بين الحكومات والصناعات والمستثمرين، بحيث يساهم كل طرف ضمن نطاق مسؤولياته.
ويمكن للشراكات الإقليمية والتحالفات القطاعية والتعاون عبر سلاسل القيمة أن تعزز مجتمعةً الشفافية وقابلية التنبؤ والثقة الاستثمارية.
وتؤدي الحكومات دورًا محوريًا من خلال توفير إجراءات تصاريح قابلة للتنبؤ، وتمكين البنية التحتية، وتقديم التمويل المشترك المستهدف عندما لا توفر الأسواق وحدها المستوى المطلوب من الاستثمار.
ولتمكين هذا التقدم الجماعي، تمثل منصات الحوار المنتظم، وأدوات تبادل المعلومات غير الحساسة، والمعايير المتوائمة، أسسًا بالغة الأهمية للنجاح.
ولا تتعلق مرونة المعادن بمجرد توفر المواد الخام. بل تتعلق أيضًا بتسليم المركبات وقدرات البيانات ووصلات الشبكات في الوقت المناسب، بما يدعم النمو وتحول الطاقة.
وتحافظ التجارة المفتوحة والقابلة للتنبؤ على تدفق المواد بكفاءة، كما تعزز ثقة المستثمرين.
ولا تستطيع أي منطقة تأمين احتياجاتها بمفردها. ويمكن للطلب المنسق وإجراءات التصاريح التي يمكن التنبؤ بها والإمدادات المتنوعة أن تحول الهشاشة النظامية إلى موثوقية.
وتتمثل الأولوية الآن في التنظيم والترتيب والتنفيذ بصورة مشتركة، باستخدام خارطة الطريق الإرشادية لمواءمة الآفاق الزمنية عبر مستويات سلسلة القيمة، ووضع مؤشرات مشتركة للمرونة والإفصاح عنها، وتعزيز التنسيق عبر الحدود.
وسيواصل المنتدى الاقتصادي العالمي تسهيل الحوار بين قطاعات التعدين والمعالجة والتصنيع وواضعي السياسات، بهدف رفع مستوى الوعي بالمخاطر التي تؤثر في سلاسل القيمة كثيفة الاستخدام للمعادن، وتوفير مساحة تساعد على تطوير إجراءات منسقة تعزز قدرتها على الصمود.
