القائمة الرئيسية

تقرير : سدّ فجوة البنية التحتية للمياه البالغة 6.5 تريليون يورو: دليل عملي للتحول والاستثمار

تقرير : سدّ فجوة البنية التحتية للمياه البالغة 6.5 تريليون يورو: دليل عملي للتحول والاستثمار
ملخص الدراسة

يناقش هذا التقرير فجوة البنية التحتية للمياه عالميًا، المقدّرة بنحو 6.5 تريليون يورو، ويكشف كيف يمكن لسدها بحلول عام 2040 أن يحوّل أزمة المياه إلى فرصة اقتصادية هائلة تولد تريليونات اليوروهات من القيمة المضافة وتدعم أكثر من 200 مليون وظيفة. كما يستعرض أربعة محاور رئيسية لمستقبل القطاع، هي توسيع الوصول العادل إلى المياه والصرف الصحي، وتعزيز مرونة البنية التحتية، وتوسيع إعادة الاستخدام والاقتصاد الدائري، وتسريع الابتكار والرقمنة، إلى جانب مجموعة من النماذج الناجحة من دول وشركات حول العالم. ويؤكد التقرير أن الحلول موجودة بالفعل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في توسيع نطاقها عبر سياسات أكثر فاعلية، وتمويل مبتكر، وتقنيات متقدمة، وثقافة مجتمعية جديدة تجعل المياه أصلًا استراتيجيًا للنمو والاستقرار والاستدامة.

تقديم

يُعترف بالمياه على نحو متزايد بوصفها محركًا استراتيجيًا للنمو الاقتصادي والأمن والتوظيف. ومع ذلك، لا تزال الاستثمارات والإجراءات الحالية أقل بكثير مما هو مطلوب، فيما يظل سوء إدارة المياه أحد أكبر مصادر عدم المساواة على مستوى العالم.

وتكتسب التقييمات الجديدة الواردة في هذا التقرير بشأن فوائد سد فجوة البنية التحتية، والآثار الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية للاستثمار في المياه، أهمية حاسمة في تحفيز التحرك. ويُظهر التقرير أن البنية التحتية للمياه تحقق عوائد اجتماعية واقتصادية أعلى بكثير من تلك التي تحققها قطاعات بنية تحتية مماثلة، بما في ذلك الطاقة والتكنولوجيا الرقمية. والرسالة واضحة: الاستثمار في المياه ليس مجرد التزام اجتماعي، بل استراتيجية اقتصادية ذات أثر مضاعف مرتفع وعوائد طويلة الأجل على النمو والاستقرار والقدرة التنافسية.

وإلى جانب الأبحاث المنجزة من أجل هذا التقرير، يشهد علم المياه تقدمًا متسارعًا. فالتطورات في علم الهيدرولوجيا، وبيئة المياه العذبة، ونمذجة البيانات، باتت تتيح لنا فهمًا أفضل لكيفية عمل النظم البيئية للمياه العذبة وقياس المنافع التي توفرها للمجتمع.

وتعزز هذه التطورات قدرتنا على تقييم الآثار البشرية في النظم البيئية للمياه العذبة على مختلف المستويات، كما تدعم تقييمات أكثر موثوقية لرأس المال الطبيعي، بما يشجع على اتخاذ إجراءات أقوى لحماية الموارد المائية والحفاظ عليها، ولا سيما لصالح المجتمعات الأكثر هشاشة.

ويُعد إعادة التفكير في إدارة الموارد المائية أمرًا أساسيًا لتحقيق الإنصاف والشمول على المستوى العالمي.

وسيتطلب ربط مليارات الأشخاص بشبكات مياه مأمونة وشبكات للصرف الصحي استثمارات كبيرة في بنية تحتية جديدة، فضلًا عن تغيير جذري في نظرة الحكومات وقطاعات الأعمال والمواطنين إلى المياه.

ويمكن لبرامج التعليم وتغيير السلوك أن تساعد في ترسيخ ثقافة الصمود المائي، وهي ضرورة أخلاقية واقتصادية ستسهم في تحديد مستقبلنا المشترك.

أندريا رينالدو
الفائز بجائزة ستوكهولم للمياه لعام 2023

تقديم

جرى التأكيد مرارًا على ضرورة معالجة التحدي العالمي للمياه من جانب مؤسسات رائدة وقادة فكر، من بينهم مجموعة البنك الدولي واللجنة العالمية لاقتصاديات المياه ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وإدراكًا لحجم هذا التحدي وتداعياته، يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي من جهة على تعزيز أمن المياه ومرونتها عالميًا من خلال مجتمعه متعدد أصحاب المصلحة، ومن جهة أخرى على رفع الصوت الجماعي لقطاع المياه بهدف تعزيز التعاون والحد من التجزؤ.

ويركز هذا التقرير على تعزيز حضور صوت قطاع المياه داخل المنتدى، ويسعى إلى توسيع نطاق الحوار العالمي بشأن المياه.

وإلى جانب الضرورة الأساسية المتمثلة في ضمان توفير المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي للجميع، يدعو التقرير القطاع إلى الذهاب أبعد من ذلك من خلال تسريع مرونة البنية التحتية، وتعزيز الاقتصاد الدائري، ودفع الابتكار.

ويركز البحث على أنظمة المياه المدنية والصناعية، مع استبعاد الزراعة، على الرغم من أن بعض التحديات الزراعية يمكن التخفيف منها من خلال حلول إعادة الاستخدام التي يتناولها هذا العمل.

وتُقدَّر فجوة التمويل بنحو 6.5 تريليون يورو. ومن شأن سدها أن يطلق 8.4 تريليون يورو إضافية من الناتج المحلي الإجمالي، مع دعم أكثر من 206 ملايين وظيفة حول العالم.

ويقدم التقرير دليلًا استراتيجيًا للممارسات الفضلى، يعزز صوت قطاع المياه داخل المنتدى الاقتصادي العالمي، ويوضح كيف يمكن للتعاون في مجالات التمويل والسياسات والتكنولوجيا والثقافة أن يسرّع التقدم.

كما يعرض 27 حالة استثمارية ناجحة وأطرًا تمكينية تثبت أن تقدمًا ملموسًا يتحقق بالفعل في بلدان وقطاعات مختلفة. والغاية الأساسية هي إلهام الآخرين لتكييف الحلول الناجحة وتكرارها وتوسيع نطاق ما يثبت نجاحه بالفعل. وما نحتاج إليه الآن هو الإرادة لتوسيع هذا النطاق.

والرسالة الشاملة واضحة: التعاون في مختلف أنحاء قطاع المياه أمر أساسي.

فبإمكان صناع السياسات إطلاق الاستثمارات من خلال وضع استراتيجيات واضحة، واعتماد تنظيم فعال، وتحسين الحوكمة.

كما يستطيع قادة القطاعات الاقتصادية دمج الكفاءة ومبادئ الاقتصاد الدائري في عملياتهم، خصوصًا باعتبار ذلك ضرورة لاستمرارية الأعمال والقدرة التنافسية طويلة الأجل.

أما الجهات الممولة، فيمكنها استخدام أدوات مالية موجهة لتوسيع الأثر وجذب رأس المال الخاص.

فرانسيسكو بيتي
رئيس فريق الصناعات العالمية وعضو اللجنة التنفيذية في المنتدى الاقتصادي العالمي

ماركو باستوريلو
الرئيس التنفيذي للتحول ورئيس الأبحاث والدراسات في Acea

الملخص التنفيذي

تقع البنية التحتية للمياه في صميم قدرة الاقتصاد العالمي والمناخ على الصمود. ومن أجل توفير أنظمة لمياه الشرب والصرف الصحي تكون عادلة وقادرة على الصمود ومستدامة ومتقدمة تكنولوجيًا ومتاحة للجميع، سيتعين مضاعفة الإنفاق العالمي بحلول عام 2040.

ويبلغ إجمالي الاستثمارات المطلوبة 11.4 تريليون يورو، أي ما يعادل 13.2 تريليون دولار، ما يكشف عن فجوة تمويلية تقارب 6.5 تريليون يورو مقارنة بالمسارات الحالية للإنفاق.

ومن شأن سد هذه الفجوة أن يولّد 8.4 تريليون يورو إضافية من الناتج المحلي الإجمالي، وأن يدعم أكثر من 206 ملايين وظيفة بدوام كامل حول العالم بحلول عام 2040، أي ما يعادل نحو 14 مليون وظيفة كل عام.

وتتحدد فجوة الاستثمار من خلال أربعة محركات هيكلية للطلب، تشكل مجتمعة أجندة التحول في قطاع المياه العالمي.

أولًا، الوصول العادل، أي ضرورة توسيع نطاق الحصول على مياه مأمونة وميسورة التكلفة لأكثر من ملياري شخص، وتوفير خدمات الصرف الصحي لأكثر من ثلاثة مليارات شخص لا يزالون يفتقرون إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

ثانيًا، مرونة البنية التحتية، مع التركيز على تحديث الأصول القديمة وغير الكفؤة التي تفقد عالميًا نحو 30% من المياه التي يجري توزيعها، إلى جانب تعزيز البنية التحتية لحماية ما يقرب من 4 مليارات شخص من الصدمات المرتبطة بالمناخ.

ثالثًا، الاقتصاد الدائري، من خلال تعزيز كفاءة الطاقة، ومكافحة التلوث، والأهم من ذلك توسيع إعادة استخدام المياه، التي لا تمثل اليوم سوى 12% من عمليات سحب المياه العذبة عالميًا.

وأخيرًا، الابتكار لسد فجوة الابتكار من خلال نشر الأدوات الرقمية والأتمتة والذكاء الاصطناعي.

ويمثل الاقتصاد الدائري والابتكار مفتاح تحويل أنظمة المياه من أنظمة خطية إلى أنظمة دائرية، بحيث يعاد استخدام كل قطرة مياه، ويعاد توظيف كل تصريف، وتصبح القدرة على الصمود جزءًا أصيلًا من الطريقة التي يوفر بها القطاع وصولًا عادلًا إلى المياه.

وتُظهر الأمثلة المشجعة التي يقدمها التقرير من شركات ودول رائدة أن التقدم ممكن ويمكن تكراره. ومن ثم، لا يتمثل التحدي في اختراع حلول جديدة بقدر ما يتمثل في توسيع نطاق الحلول القائمة، وتبادل الممارسات الفضلى، وزيادة الوعي بها، وتكييفها مع الواقع المحلي.

وسيعتمد توفير أنظمة مياه قادرة على الصمود وجاذبة للاستثمار على أربعة عوامل تمكينية تعمل بالتوازي وليس بالتتابع.

يجب أن يؤدي إصلاح السياسات إلى وضع استراتيجيات وطنية متماسكة للمياه، ومواءمة التعريفات مع التكلفة الحقيقية للخدمة، وتحسين التنسيق وشفافية البيانات للحد من استخدام المياه، ورفع كفاءة الاستخدام، وزيادة إعادة الاستخدام، وتحسين قابلية المشاريع للتمويل.

كما يمكن للابتكار المالي، من خلال أدوات مثل السندات الزرقاء والتمويل المختلط والشراكات بين القطاعين العام والخاص القائمة على الأداء ونماذج قاعدة الأصول المنظمة، أن يحشد رأس المال الخاص عندما يكون مدعومًا بضمانات عامة وتمويل تنموي.

وينبغي أن يركز اعتماد التكنولوجيا على خلق بيئة محفزة لتسريع البحث والتطوير واستثمارات رأس المال الجريء، مع ضمان تنفيذ الحلول التي ثبت نجاحها وتوسيع نطاقها دون تأخير.

وأخيرًا، يعد التحول الثقافي أمرًا أساسيًا. فبناء ثقافة تقوم على الإدارة المسؤولة للمياه من خلال التعليم والتدريب المهني يضمن تغييرًا سلوكيًا طويل الأجل ومشاركة مجتمعية مستدامة.

ولا تمثل هذه العوامل أهدافًا في حد ذاتها، بل تشكل مجموعة الأدوات التي تسمح للحكومات والمستثمرين وقادة القطاعات بتحويل الطموح إلى تنفيذ.

إن سد فجوة البنية التحتية للمياه عالميًا هدف قابل للتحقيق، لكنه يتطلب التنسيق والقيادة.

وينبغي للحكومات اعتبار المياه أصلًا استراتيجيًا ضمن الأولويات الوطنية، وإنشاء أطر مستقرة يمكن التنبؤ بها، وتعزيز الكفاءة وإعادة الاستخدام، وتوظيف رأس المال العام الاستراتيجي أو الضمانات لجذب الاستثمار الخاص.

وينبغي لقادة القطاعات الاقتصادية السعي إلى تحقيق التميز التشغيلي، وتعزيز الاقتصاد الدائري، وتحقيق نتائج قابلة للقياس ترفع قابلية المشاريع للتمويل.

أما الجهات الممولة فيمكنها توسيع استخدام الأدوات المبتكرة والنظر في التعامل مع المياه بوصفها فئة أصول مستقلة لتوجيه المزيد من رأس المال إليها.

ولا يقدم هذا التقرير وصفة واحدة للجميع، بل قائمة من الممارسات الفضلى التي أثبتت نجاحها، والتي يمكن تكييفها وتكرارها وهي جاهزة للتوسع.

ومن خلال سياسات متماسكة وتمويل مبتكر وتكنولوجيا تُوظف في إطار الشراكات، يمكن أن تتحول المياه من قيد يحد من التنمية إلى محفز للنمو المستدام ومرونة البنية التحتية والوصول العادل.

الأدوات موجودة، وما نحتاج إليه الآن هو عمل جماعي وحاسم لتطبيقها على نطاق واسع.

ويتطلب سد فجوة البنية التحتية للمياه البالغة 6.5 تريليون يورو تحركًا منسقًا بين الحكومات وقطاع الأعمال والقطاع المالي.

1. فرصة استثمارية في المياه بقيمة 11.4 تريليون يورو

يمكن لسد فجوة البنية التحتية للمياه عالميًا أن يولد 8.4 تريليون يورو من القيمة المضافة الإجمالية ويوفر 206 ملايين وظيفة جديدة.

1.1 حجم فجوة البنية التحتية للمياه عالميًا

رغم أن تحدي البنية التحتية للمياه عالميًا غير مسبوق من حيث الحجم، فإنه يوفر فرصة فريدة للمجتمعات لتوسيع أنظمة المياه وتحديثها وجعلها أكثر استدامة وابتكارًا.

ومع ذلك، لا يزال التجزؤ واستمرار نقص التمويل وضعف التنسيق وتدني الكفاءة عوامل تعوق التقدم.

ومن شأن سد هذه الفجوة أن يحقق فوائد واسعة للجميع: إذ يمكن للمواطنين الحصول على خدمات أكثر موثوقية وإنصافًا، ويمكن للحكومات تعزيز قدرتها على الصمود وتحقيق النمو، ويمكن للجهات الممولة الوصول إلى استثمارات مستدامة جديدة، فيما يستطيع قطاع المياه تحسين أدائه وقدرته التنافسية.

وسيستلزم اغتنام فرص الاستثمار الهادفة إلى توسيع البنية التحتية للمياه وتحديثها وجعلها أكثر استدامة وابتكارًا بحلول عام 2040 استثمارات تراكمية تُقدَّر بنحو 11.4 تريليون يورو.

ويكشف هذا الرقم عن فجوة تمويلية تبلغ نحو 6.5 تريليون يورو مقارنة بالإنفاق الحالي، في إطار سيناريو طموح يجري فيه تنفيذ مجموعة من الاستثمارات في البنية التحتية للمياه بهدف تحقيق منافع اقتصادية واجتماعية وبيئية متعددة.

ويحتاج العالم، لسد فجوة الاستثمار، إلى 6.5 تريليون يورو إضافية فوق مستويات الإنفاق الحالية، ليصل إجمالي الاستثمارات المطلوبة إلى 11.4 تريليون يورو.

وتتوزع الاحتياجات الاستثمارية والفجوات التقريبية حسب المناطق على النحو التالي:

أمريكا الشمالية: احتياجات استثمارية بنحو 1.838 تريليون يورو، منها فجوة إضافية تقارب 677 مليار يورو.

أمريكا اللاتينية: نحو 757 مليار يورو، منها فجوة تقارب 539 مليار يورو.

أوروبا: نحو 1.710 تريليون يورو، منها فجوة تقارب 695 مليار يورو.

أفريقيا: نحو 1.016 تريليون يورو، منها فجوة تقارب 810 مليارات يورو.

أوقيانوسيا: نحو 154 مليار يورو، منها فجوة تقارب 54 مليار يورو.

الشرق الأوسط: نحو 649 مليار يورو، منها فجوة تقارب 384 مليار يورو.

آسيا: نحو 5.184 تريليون يورو، منها فجوة تقارب 3.265 تريليون يورو.

ويبلغ الاستثمار العالمي الحالي في البنية التحتية للمياه نحو 326 مليار يورو سنويًا، أي ما يعادل 41 يورو فقط للفرد.

ولسد هذه الفجوة بحلول عام 2040، يجب أن ترتفع الاستثمارات السنوية بنحو 431 مليار يورو إضافية سنويًا، أي بزيادة تقارب 54 يورو للفرد.

وهذا يعني أن الإنفاق المطلوب مستقبلًا يجب أن يبلغ نحو 757 مليار يورو سنويًا، أو 94 يورو للفرد، وهو ما يعادل أقل قليلًا من 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2025.

ويكشف تركيب احتياجات البنية التحتية للمياه عالميًا عن جوانب مهمة لطبيعة هذا التحدي.

إذ يرتبط ما يقرب من نصف إجمالي الاحتياجات، أي نحو 5.3 تريليون يورو، بتوسيع البنية التحتية الجديدة، بما يعادل 352 مليار يورو سنويًا، ويعكس ذلك إلى حد كبير اتساع فجوة الوصول إلى البنية التحتية في المناطق منخفضة ومتوسطة الدخل.

ويُخصص 4.8 تريليون يورو أخرى، أي نحو 40% من الإجمالي العالمي، لتجديد البنية التحتية. وتبلغ هذه النفقات نحو 323 مليار يورو سنويًا، وتهدف إلى تحديث البنية التحتية القائمة، خصوصًا في البلدان متوسطة وعالية الدخل، لتحسين الكفاءة والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ.

أما الاستثمارات الموجهة إلى الاستدامة، والمصممة لتوسيع إعادة استخدام المياه والاقتصاد الدائري، فتمثل 10% أخرى من إجمالي الاحتياجات، أي نحو تريليون يورو، بما يعادل نحو 65 مليار يورو سنويًا.

وأخيرًا، يخصص نحو 300 مليار يورو للابتكار، بما يشمل تقنيات متقدمة مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي.

وعلى الرغم من أن هذه الاستثمارات تمثل حصة أصغر من إجمالي الإنفاق، فإنها أقل كثافة من حيث رأس المال، ومن المتوقع أن تحقق عوائد أعلى بصورة غير متناسبة من حيث مكاسب الكفاءة.

وعند تقسيم الاحتياجات على امتداد سلسلة القيمة، تستحوذ البنية التحتية في المرحلة الوسطى على الحصة الأكبر، إذ تمتص نحو 6.2 تريليون يورو، أي 55% من إجمالي الاحتياجات العالمية.

ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى الاستثمارات الضخمة المطلوبة لتوسيع الشبكات وتحديثها لربط السكان بخدمات المياه المأمونة والصرف الصحي.

وتمثل الاستثمارات في المرحلة الأولى نحو 3 تريليونات يورو، أي 25% من الاحتياجات، ما يعكس الحاجة الملحة إلى تأمين مصادر مياه آمنة للجميع.

أما المرحلة النهائية فتستحوذ على الـ20% المتبقية، أي نحو 2.2 تريليون يورو، وهي استثمارات مطلوبة لتوسيع مرافق المعالجة وتحديثها بما يسمح بإعادة استخدام المياه والحد من التلوث.

ولا تتوزع الاحتياجات الاستثمارية بالتساوي بين المناطق.

فآسيا تستحوذ على الحصة الأكبر، باستثمارات مقدرة بنحو 5.2 تريليون يورو، أي ما يعادل 46% من إجمالي الاحتياجات العالمية.

ويشكل توفير الوصول إلى البنية التحتية الأساسية للمياه والصرف الصحي جانبًا كبيرًا من هذه الاحتياجات، فيما يدفع الإجهاد المائي العديد من البلدان إلى الانخراط بصورة نشطة في إعادة الاستخدام، ما يتطلب استثمارات كبيرة لتحديث محطات معالجة مياه الصرف وبناء شبكات مخصصة لذلك.

وتحتاج أوروبا وأمريكا الشمالية مجتمعتين إلى موارد كبيرة، تبلغ نحو 1.7 و1.8 تريليون يورو على التوالي، أي نحو 30% من الإجمالي العالمي.

وتتمثل الحاجة الرئيسية في المنطقتين في تحديث الأنظمة المتقادمة لرفع الكفاءة وضمان مرونة البنية التحتية على المدى الطويل، إلى جانب توجه قوي لتحديث محطات معالجة مياه الصرف والتعامل مع الملوثات الناشئة، مثل مواد البيرفلورو ألكيل والبولي فلورو ألكيل، المعروفة اختصارًا باسم PFAS، في مياه الشرب.

وتقترب احتياجات أفريقيا والشرق الأوسط مجتمعتين من تريليون يورو، أي نحو 15% من الإجمالي العالمي.

وفي أفريقيا والبلدان منخفضة الدخل في الشرق الأوسط، من المتوقع توجيه أكثر من ثلثي الموارد نحو توسيع البنية التحتية الجديدة، بما يعكس الضرورة العاجلة لسد فجوات الوصول المستمرة.

كما توفر هذه الاستثمارات فرصة لاعتماد تقنيات مبتكرة منذ البداية بدل الاعتماد فقط على الأنظمة التقليدية، ما قد يسمح بتحقيق تحسينات أسرع وأكثر كفاءة.

أما دول الخليج، فستؤدي دورًا مختلفًا للغاية، إذ تتركز استراتيجياتها الاستثمارية على إعادة استخدام المياه وتطوير البنية التحتية المدعومة بالتكنولوجيا، بما يعكس أهدافًا طموحة وضعتها الحكومات المحلية لتعزيز الاقتصاد الدائري وضمان المرونة المائية على المدى الطويل في واحدة من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه.

وفي أمريكا اللاتينية، يوجه الجزء الأكبر من الاحتياجات الاستثمارية البالغة 757 مليار يورو إلى تحسين خدمات الصرف الصحي الأساسية وتوسيع الوصول إلى إمدادات مياه موثوقة.

ومن الأولويات الاستثمارية الرئيسية للمرافق في المنطقة الحد من المياه غير المدرة للإيرادات، وهي المياه التي توزعها شركة المرافق ولكنها تفقد قبل أن تتمكن من إصدار فاتورة عنها للمستهلك. ويبلغ متوسط هذه النسبة في المنطقة نحو 40%، وهي من أعلى المعدلات عالميًا.

وتمثل أوقيانوسيا حصة صغيرة نسبيًا من إجمالي الاحتياجات العالمية، تبلغ نحو 154 مليار يورو أو 1% من الإجمالي، مع اختلاف الأولويات نتيجة تفاوت مستويات التنمية وتغطية البنية التحتية.

ومن المتوقع أن تركز الاستثمارات بدرجة كبيرة على الاقتصاد الدائري ومرونة البنية التحتية.

المنهجية

الغرض والنطاق: يقيس هذا التقرير فجوة البنية التحتية للمياه عالميًا خلال الفترة من 2025 إلى 2040.

ويركز التحليل على البنية التحتية التي تديرها شركات المرافق، وعلى أنظمة المياه ومياه الصرف المنزلية والبلدية والصناعية.

ويستبعد الزراعة والأصول التي تدار بصورة خاصة، نظرًا إلى اختلاف هياكل التمويل والحوكمة فيها بدرجة كبيرة.

النهج التحليلي: تعرف الفجوة بأنها الفرق بين الاحتياجات الاستثمارية المتوقعة لتحقيق أهداف عام 2040 ومستوى الإنفاق الأساسي المتوقع في ظل مسارات السياسات الحالية.

البيانات والتغطية: يغطي النموذج 100 دولة ممثلة موزعة على سبع مناطق هي أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا.

وتشمل البيانات قواعد معلومات متخصصة إضافة إلى سلسلة من المقابلات مع خبراء من شركات المرافق والجهات التنظيمية والمؤسسات المالية.

أهداف سد فجوة الاستثمار: تُنظم الاحتياجات الاستثمارية حول أربعة أهداف رئيسية تتوافق مع أجندة التحول طويلة الأجل للقطاع:

تحقيق الوصول الشامل إلى مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي الأساسية للجميع.

تجديد الأصول المتقادمة وفق معدلات استبدال مثلى وخفض التسرب إلى مستويات مقبولة.

تحقيق معدلات مرتفعة لإعادة استخدام المياه.

نشر التقنيات الذكية والمتقدمة في الأصول والشبكات داخل المناطق الحضرية.

ويجري تطبيق هذه المحركات عبر مراحل سلسلة القيمة، بدءًا من توفير مصادر المياه ومعالجتها، مرورًا بتوزيع المياه وجمع مياه الصرف، ووصولًا إلى معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها.

منهجية تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي

الغرض والنطاق: يقيس التقرير الفوائد الاجتماعية والاقتصادية للاستثمارات العالمية في البنية التحتية للمياه خلال الفترة 2025-2040.

البيانات والتغطية: يعتمد التحليل على جداول المدخلات والمخرجات بين الدول التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومجموعات بيانات الاقتصاد الكلي، ومراجعة الأدبيات، واستشارات الخبراء.

وجرت مواءمة هذه المصادر لبناء نموذج عالمي للمدخلات والمخرجات يمثل نحو 100 دولة ويغطي ما بين 60% و90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في المناطق الرئيسية.

النهج التحليلي: يطبق النموذج مضاعفات المدخلات والمخرجات الخاصة بكل بلد على الاحتياجات الاستثمارية المحددة في الدراسة، لتقدير آثار الإنفاق على البنية التحتية للمياه في الناتج الاقتصادي والقيمة المضافة الإجمالية والتوظيف.

ويشمل النموذج الآثار المباشرة وغير المباشرة والمحفزة على امتداد سلسلة القيمة، ويميز ثمانية أنماط من التدخلات، تشمل التجديد والتطوير الجديد لشبكات المياه وشبكات مياه الصرف ومحطات معالجة المياه ومحطات معالجة مياه الصرف، بما يغطي أبرز أنماط الاستثمار في قطاع المياه.

المخرجات الاقتصادية: يقيس النموذج العوائد الاجتماعية والاقتصادية، موضحًا كيف يولد كل يورو يُستثمر في البنية التحتية للمياه آثارًا مباشرة وغير مباشرة ومحفزة في الناتج الاقتصادي والقيمة المضافة الإجمالية والوظائف بدوام كامل.

1.2 تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي

إن سد فجوة الاستثمار العالمية في البنية التحتية للمياه البالغة 6.5 تريليون يورو بحلول عام 2040 سيولد فوائد اجتماعية واقتصادية عميقة.

وتشير نتائج نموذج الأثر الاجتماعي والاقتصادي الذي طور من أجل هذا التقرير إلى أن هذه الجهود يمكن أن تولد 17.4 تريليون يورو من الناتج الاقتصادي الإضافي، و8.4 تريليون يورو من القيمة المضافة الإجمالية التي تستخدم مقياسًا تقريبيًا للناتج المحلي الإجمالي، وأن تدعم توفير أكثر من 206 ملايين وظيفة بدوام كامل على مستوى العالم بحلول عام 2040.

وعلى أساس سنوي، تعادل هذه الأرقام توفير نحو 14 مليون وظيفة جديدة، أي زيادة تقارب 1% في القوة العاملة العالمية.

وتتمثل النتائج الرئيسية في الآتي:

فجوة الاستثمار مقارنة بالإنفاق الحالي: 6.5 تريليون يورو.

قيمة الناتج الاقتصادي المتولد: 17.4 تريليون يورو.

القيمة المضافة الإجمالية المتولدة: 8.4 تريليون يورو.

العمالة التي يجري تنشيطها: أكثر من 206 ملايين وظيفة مكافئة لدوام كامل.

الناتج الاقتصادي لكل يورو مستثمر: 2.7 يورو.

القيمة المضافة الإجمالية لكل يورو مستثمر: 1.3 يورو.

الوظائف التي يدعمها كل مليون يورو مستثمر: نحو 31.8 وظيفة مكافئة لدوام كامل.

ويُبرز ذلك حجم الآثار المضاعفة التي يمكن تحقيقها من خلال الاستثمار في البنية التحتية للمياه.

فعالميًا، يقدر المضاعف الاجتماعي والاقتصادي للاستثمارات المدروسة بنحو 2.7 من حيث الناتج الاقتصادي، منها 1.3 تُحتسب ضمن الناتج المحلي الإجمالي.

وبعبارات عملية، يعني ذلك أن كل يورو يستثمر في سد فجوة البنية التحتية للمياه يولد 2.70 يورو من النشاط الاقتصادي، بما في ذلك 1.30 يورو من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن أثر التوظيف كبير بالقدر نفسه، إذ يخلق كل مليار يورو يستثمر في البنية التحتية للمياه نحو 32 ألف وظيفة بدوام كامل.

ويمكن تفسير ارتفاع هذه المضاعفات بالنظر إلى الطبيعة الواسعة لسلاسل التوريد في القطاع.

فمشروعات البنية التحتية للمياه تعتمد على مجموعة واسعة من القطاعات وتعود عليها بالفائدة، بدءًا من البناء والهندسة، مرورًا بالتصنيع والتقنيات الرقمية، ووصولًا إلى الخدمات المهنية، ما يخلق آثارًا غير مباشرة ومحفزة واسعة عبر الاقتصاد.

وحتى عندما يُنظر إلى قطاع المياه بوصفه قطاعًا مستقلًا، مع احتساب كل من النفقات التشغيلية والنفقات الرأسمالية، يمكن لمضاعفات الاستثمار في البنية التحتية للمياه أن تحقق عوائد اجتماعية واقتصادية أعلى من قطاعات بنية تحتية أخرى.

وفي الواقع، يحتل قطاع المياه الصدارة في مضاعفات النشاط الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي، إذ يبلغ مضاعف الناتج الاقتصادي 2.3 ومضاعف الناتج المحلي الإجمالي 1.2 لكل وحدة نقدية مستثمرة.

وتبلغ المضاعفات الاقتصادية للقطاعات الأخرى نحو 2.2 للطاقة، و2.1 لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، و2.2 للنقل.

أما مضاعف الناتج المحلي الإجمالي فيبلغ نحو 1.0 للطاقة، و1.1 لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، و1.1 للنقل.

ومن حيث الوظائف الناتجة عن كل مليون يورو من النفقات الرأسمالية، يأتي قطاع المياه بنحو 24.7 وظيفة، في المرتبة الثانية بعد النقل الذي يبلغ نحو 25.2 وظيفة، ومتقدمًا على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنحو 16.7 وظيفة والطاقة بنحو 11.7 وظيفة.

وإلى جانب هذه القنوات التقليدية، تضيف عوامل اجتماعية واقتصادية وبيئية مكملة مزيدًا من الإمكانات الإيجابية للاستثمار في البنية التحتية للمياه.

فتحسين الوصول إلى المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي يقلل الوقت والطاقة اللذين تنفقهما الأسر في جمع المياه، خصوصًا في المناطق المحرومة، ما يتيح ساعات إضافية للعمل والتعليم والمشاركة الاقتصادية، ولا سيما للنساء والفتيات.

وفي الوقت نفسه، تستفيد المجتمعات الأكثر صحة من انخفاض معدلات المرض والوفاة المرتبطة بالأمراض المنقولة بالمياه، ما يمكن الأفراد من المساهمة بصورة أكثر انتظامًا وإنتاجية في الاقتصاد.

كما أن الإدارة المستدامة للبنية التحتية للمياه تعزز النظم البيئية، مثلًا من خلال الحد من أحمال الملوثات في الأنهار، وهو ما يدعم بدوره التنوع البيولوجي وقدرة الطبيعة على توفير السلع والخدمات التي تعتمد عليها الاقتصادات والمجتمعات.

2. محركات الطلب على الاستثمار

سيحدد الوصول إلى المياه والمرونة والاقتصاد الدائري والابتكار مستقبل قطاع المياه العالمي، ويوجه أولويات الاستثمار والسياسات.

إن نمو الطلب وتغير المناخ وتسارع التكنولوجيا والتحول في مجال الطاقة كلها عوامل تعيد تشكيل قطاع المياه.

ومن المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 9.8 مليارات نسمة بحلول عام 2050، فيما انخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة بالفعل بأكثر من 60% منذ ستينيات القرن الماضي.

كما يُتوقع أن يرتفع الطلب الصناعي بقوة، مع ظهور البنية التحتية الرقمية الجديدة، مثل مراكز البيانات، كمصدر جديد لاستهلاك المياه.

واستنادًا إلى سلسلة من ورش العمل والمقابلات مع شركاء رئيسيين في قطاع المياه، إلى جانب مراجعة واسعة للأدبيات، يحدد هذا الفصل أربعة محركات مترابطة ستشكل مستقبل قطاع المياه العالمي وينبغي أن توجه أولويات الاستثمار والسياسات.

الوصول العادل: توسيع الربط بمياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي للجميع، وخصوصًا في المناطق المحرومة.

مرونة البنية التحتية: تحديث الأصول المتقادمة وبناء القدرة التشغيلية لأنظمة البنية التحتية للمياه بما يسمح لها بالاستمرار في العمل وتلبية احتياجات المستخدمين أثناء الصدمات وبعدها.

الاقتصاد الدائري واسترداد الموارد: نشر حلول فعالة ومستدامة تعزز الدائرية وإعادة الاستخدام واسترداد الموارد من المياه ومياه الصرف والحمأة.

الابتكار من أجل الكفاءة: اعتماد تقنيات المياه الذكية لتحسين حالة الأصول، وتحسين العمليات وإدارة الموارد، والحد من سحب المياه، وتعزيز إعادة الاستخدام.

ولا تعمل هذه المحركات الأربعة بصورة منفصلة، بل يعزز بعضها بعضًا.

فدمج الاقتصاد الدائري والابتكار قادر على تحويل سلسلة قيمة المياه بأكملها من عملية خطية تقوم على السحب والتصريف إلى نظام دائري مغلق الحلقة يلتقط الموارد ويعيد استخدامها ويجددها.

ويشكل هذا التحول أساس المرونة الحقيقية للبنية التحتية والوصول العادل، بما يضمن قدرة كل مجتمع وكل نظام بيئي على الازدهار ضمن حدود المياه المتاحة.

أما عدم اغتنام هذه الفرصة، فيهدد بتقويض صحة الإنسان والبيئة، فضلًا عن التنمية الاقتصادية والاستقرار.

وتتوزع الاحتياجات الاستثمارية تقريبًا على النحو التالي:

الوصول العادل: 5.3 تريليون يورو.

مرونة البنية التحتية: 4.8 تريليون يورو.

الاقتصاد الدائري واسترداد الموارد: تريليون يورو.

الابتكار: 0.3 تريليون يورو.

وفي مجال الوصول العادل، تشمل التدخلات توفير وصول عالمي إلى مياه شرب مأمونة وموثوقة وميسورة التكلفة، وتوسيع خدمات مياه الصرف والصرف الصحي الأساسية.

وتشمل الممارسات المناسبة التحلية الخضراء، وإعادة استخدام مياه الصرف في المدن، وتجميع مياه الأمطار، والأنظمة المركزية للمناطق الحضرية، والأنظمة المعيارية أو اللامركزية للمناطق الريفية.

وفي مجال مرونة البنية التحتية، تشمل التدخلات خفض تسرب المياه، وتجديد البنية التحتية المتقادمة، وزيادة القدرة على الصمود في مواجهة الفيضانات والجفاف.

وتشمل الممارسات مناطق القياس القطاعية، وإدارة الضغط، واكتشاف التسرب بالذكاء الاصطناعي، والمواد المتقدمة في أنابيب المياه، والبنية التحتية التقليدية، والحلول القائمة على الطبيعة، والتنبؤات المناخية.

وفي مجال الاقتصاد الدائري واسترداد الموارد، تشمل التدخلات توسيع إعادة استخدام مياه الصرف، وتحسين كفاءة الطاقة للأصول واسترداد الموارد، وتسريع استخدام تقنيات متقدمة لمعالجة الملوثات الدقيقة.

وتشمل الممارسات مرافق إعادة الاستخدام الصناعي، والأنظمة المغلقة الحلقة، وتجميع مياه الأمطار، والشبكات المصغرة للطاقة، واستعادة الغاز الحيوي من الحمأة، وتقنيات الطاقة الذكية عالية الكفاءة، وتقنيات تدمير مواد PFAS.

أما في مجال الابتكار، فتشمل التدخلات نشر التقنيات الذكية وتوسيع حلول تقنيات المياه، ومنها أنظمة التحكم الإشرافي وجمع البيانات، والمراقبة بإنترنت الأشياء، والتوائم الرقمية، والاستشعار عن بُعد، وتقنيات الإصلاح دون حفر، والروبوتات غير المأهولة.

2.1 الوصول العادل إلى المياه

إن ضمان وصول الجميع إلى مياه شرب مأمونة وميسورة التكلفة وخدمات الصرف الصحي لا يمثل حقًا إنسانيًا أساسيًا وهدفًا رئيسيًا من أهداف التنمية المستدامة فحسب، بل يمثل أيضًا محفزًا للنمو الاجتماعي والاقتصادي.

ففي البلدان منخفضة الدخل التي تحسن فيها الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي، نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 3.7%، مقارنة بنحو 0.1% فقط في البلدان التي تفتقر إلى هذا الوصول.

وفي المقابل، يؤدي عدم كفاية إمدادات المياه والصرف الصحي إلى عواقب اقتصادية وصحية عامة خطيرة، مع خسائر عالمية تُقدَّر بنحو 225 مليار يورو سنويًا.

وتتطلب مواجهة هذا التحدي استثمارات كبيرة.

فبحلول عام 2040، سيحتاج العالم إلى استثمارات تُقدَّر بنحو 5.3 تريليون يورو لتوسيع أنظمة المياه والصرف الصحي.

ويكتسب التحدي حدة خاصة في المناطق منخفضة الدخل، حيث تحد أوجه القصور في بنية المياه ومياه الصرف من مستوى الخدمات، وتفاقم الإجهاد المائي، وتعيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

توفير وصول عالمي إلى مياه شرب مأمونة وموثوقة وميسورة التكلفة

لا يزال جزء كبير من سكان العالم يفتقر إلى الوصول إلى مياه شرب مدارة بأمان، وتبلغ المشكلة أقصى درجاتها في البلدان منخفضة الدخل.

فنحو 26% من سكان العالم، أي ما يعادل 2.2 مليار شخص، ما زالوا يفتقرون إلى مياه شرب مدارة بصورة مأمونة، من بينهم 106 ملايين شخص يعتمدون مباشرة على مصادر مياه سطحية غير معالجة.

وتبرز تفاوتات إقليمية كبيرة، إذ لا يحصل سوى نحو 42% من سكان أفريقيا و62% من سكان آسيا على هذه الخدمات، مقارنة بنحو 93% في الدول المتقدمة.

وتبلغ نسب السكان الذين يحصلون على مياه شرب مدارة بأمان تقريبًا:

أوقيانوسيا: 95%.

أوروبا: 93%.

أمريكا الشمالية: 93%.

أمريكا اللاتينية: 82%.

الشرق الأوسط: 74%.

آسيا: 62%.

أفريقيا: 42%.

ولا تقتصر تلبية هذه الاحتياجات على توسيع بنية الإمداد والنقل، بل تتطلب كذلك حماية مصادر المياه العذبة الطبيعية مثل مستجمعات المياه.

وتصبح الحلول الدائرية للمياه، بما في ذلك إعادة استخدام المياه وتجميع مياه الأمطار، ضرورية بصورة متزايدة لضمان إمدادات موثوقة ومستدامة للاستخدامات الصالحة للشرب.

ومن خلال تحويل مياه الصرف ومياه الأمطار إلى موارد جديدة، تغلق هذه الحلول دورة المياه، وتحافظ على النظم البيئية للمياه العذبة، وتحد من الاعتماد على المياه الجوفية المستنزفة بشكل مفرط.

وتبرهن أمثلة رائدة، مثل مدينة ويندهوك في ناميبيا وبرنامج NEWater في سنغافورة، على قدرة إعادة الاستخدام واسعة النطاق على تأمين إمدادات المياه الحضرية في البيئات الجافة والمناطق شديدة الكثافة السكانية على حد سواء.

كما يمكن للتحلية المدعومة بالطاقة المتجددة أن تؤدي دورًا مهمًا، لا سيما في المناطق الجافة.

وتعتمد التحلية الخضراء على إنتاج الطاقة المتجددة في الموقع لتشغيل العمليات، وتطبق إدارة متقدمة للمياه المالحة المركزة لحماية النظم البيئية البحرية، وتستخدم الجيل الجديد من التناضح العكسي وغيره من التقنيات عالية الكفاءة التي يمكن أن تخفض استهلاك الطاقة بما يصل إلى 85% مقارنة بالأنظمة الأقدم.

دراسة حالة 1: Acciona – محطة الدار البيضاء الخضراء لتحلية المياه في المغرب

يجري تطوير مثال واسع النطاق على التحلية بالطاقة المتجددة في المغرب، حيث تعمل Acciona بالشراكة مع Green of Africa وAfriquiaGaz على إنشاء محطة الدار البيضاء الخضراء لتحلية المياه بتكلفة تبلغ 600 مليون يورو.

وتعمل المنشأة بالكامل باستخدام طاقة الرياح المتجددة بموجب اتفاقية طويلة الأجل لشراء الطاقة، حيث يخصص نصف إنتاج مزرعة بير أنزران للرياح، التي تبلغ قدرتها 360 ميغاواط، للمحطة.

وصُممت المنشأة لإنتاج 300 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، وستوفر مياه شرب مأمونة لنحو 7.5 ملايين شخص، إضافة إلى مياه للري الزراعي، مع تجنب الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالتحلية التقليدية.

وتتيح وفورات الحجم إنتاج المياه بتكلفة قد تنخفض إلى نحو 0.40 دولار للمتر المكعب.

توفير وصول عالمي إلى خدمات مياه الصرف والصرف الصحي الأساسية

وبالمثل، لا تزال البنية التحتية للصرف الصحي ومياه الصرف في معظم البلدان غير متطورة أو غائبة تمامًا.

فأكثر من 40% من سكان العالم، أي نحو 3.4 مليارات شخص، يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية، فيما لا يزال 1.7 مليار شخص محرومين من خدمات النظافة الأساسية في منازلهم.

والوصول الآمن إلى خدمات الصرف الصحي منخفض للغاية في أفريقيا وآسيا، إذ لا تتجاوز النسبة نحو 27% و39% من السكان على التوالي، مقارنة بنحو 86% في أوروبا و81% في أمريكا الشمالية.

وتبلغ النسب التقريبية للسكان المرتبطين بشبكات الصرف:

أوقيانوسيا: 89%.

أوروبا: 86%.

أمريكا الشمالية: 81%.

أمريكا اللاتينية: 64%.

الشرق الأوسط: 46%.

آسيا: 39%.

أفريقيا: 27%.

دراسة حالة 2: Veolia – محطة استصلاح المياه في ويندهوك، ناميبيا

تقع ويندهوك، عاصمة ناميبيا، في منطقة صحراوية لا يتجاوز معدل الأمطار السنوي فيها 250 مليمترًا، مع معدلات تبخر شديدة، إذ لا يتسرب إلى المياه الجوفية سوى نحو 1% من مياه الأمطار.

ومع النمو السريع للمدينة رغم القيود الصارمة على استخدام المياه، واجهت السلطات تحديين متزامنين: تأمين إمدادات المياه وتحسين قدرة معالجة مياه الصرف.

وفي عام 2002، دخلت الحكومة في شراكة مع Veolia لتصميم وبناء وتشغيل محطة غوريانغاب لاستصلاح المياه، التي تعالج المياه الخارجة من محطة معالجة مياه الصرف الأقدم وتحولها.

وتجمع العملية المتقدمة متعددة الحواجز بين المعالجات الفيزيائية والكيميائية والمراقبة المستمرة، ما يحسن معالجة مياه الصرف بصورة كبيرة ويحوّل المياه الخارجة منها إلى مياه شرب آمنة.

وتنتج المحطة 21 ألف متر مكعب يوميًا، وتلبي نحو 30% من احتياجات سكان المدينة البالغ عددهم 400 ألف نسمة، كما عززت الأمن المائي العام للمدينة.

ويُعد توسيع البنية التحتية لجمع مياه الصرف ومعالجتها وإعادة استخدامها جزءًا أساسيًا من سد الفجوة القائمة وتحقيق الوصول الشامل.

غير أن الحلول يجب أن تكون مصممة وفق السياق المحلي.

ففي المناطق الحضرية، تظل الأنظمة المركزية الاستراتيجية الأكثر فعالية. إذ تسمح المحطات المدارة مركزيًا بتحقيق وفورات الحجم، واعتماد تقنيات معالجة متقدمة، ودمج استرداد الطاقة والموارد، وهي قدرات يكون تحقيقها في الأنظمة الأصغر أكثر صعوبة.

وفي المدن، تنخفض التكلفة الرأسمالية للفرد من نحو ألف دولار عند خدمة ما يعادل 2,500 نسمة إلى أقل من 250 دولارًا عند خدمة ما يعادل 200 ألف نسمة في المحطات المركزية.

وعلى النقيض من ذلك، يمكن للمناطق الريفية وشبه الحضرية أن تستفيد أكثر من وحدات معالجة لامركزية ومعيارية تتميز بالمرونة وقابلية التوسع والإدارة المحلية.

ويمكن للأنظمة اللامركزية أن تخفض النفقات بنسبة تتراوح بين 40% و45% مقارنة بالمرافق المركزية من خلال تقليص تكاليف الضخ والنقل وغيرها من التكاليف الغارقة.

2.2 مرونة البنية التحتية

بحلول عام 2040، سيحتاج العالم إلى استثمار ما يقدر بنحو 4.8 تريليون يورو لتجديد البنية التحتية للمياه، بهدف تعزيز قدرتها على الصمود ومعالجة المخاطر المرتبطة بالمناخ.

وستركز الاستثمارات ذات الأولوية على ثلاثة مجالات حاسمة: خفض فاقد المياه لتحسين الكفاءة والموثوقية، واستبدال الشبكات المتقادمة وتحديثها لضمان استمرارية الخدمة، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الفيضانات والجفاف.

الحد من تسرب المياه

يمثل فاقد المياه داخل شبكات التوزيع نقطة ضعف حاسمة للقطاع بأكمله.

فعالميًا، يُفقد نحو 30% من المياه قبل وصولها إلى المستهلكين.

وتصنف المياه المفقودة ضمن المياه غير المدرة للإيرادات، وتنشأ نتيجة التسرب والاستخدام غير المصرح به وعدم دقة العدادات.

وتفاقم البنية التحتية القديمة ومحدودية أعمال الصيانة هذه الخسائر، ما يزيد الضغط على المرافق التي تعاني بالفعل من ارتفاع الطلب وتراجع توافر المياه.

وتبلغ نسبة فاقد المياه في شبكات التوزيع تقريبًا:

أمريكا اللاتينية: 36%.

آسيا: 30%.

الشرق الأوسط: 22%.

أوروبا: 22%.

أفريقيا: 19%.

أمريكا الشمالية: 16%.

أوقيانوسيا: 13%.

ومن أكثر الاستراتيجيات فعالية تقسيم شبكة التوزيع إلى مناطق قياس قطاعية صغيرة، بحيث يمكن مراقبة التدفق والضغط فيها والتحكم فيهما بدقة.

ومن خلال الجمع بين أجهزة الاستشعار والعدادات الذكية والتقنيات المتقدمة مثل التحليلات والتوائم الرقمية، تتيح هذه المناطق لشركات المرافق الاستجابة للتسرب في الوقت الفعلي.

وبحسب الظروف المحلية، يمكن أن يؤدي استخدام مناطق القياس القطاعية إلى خفض التسرب بنسبة تتراوح بين 26% و59%.

والأهم أن هذه الأساليب المبتكرة يمكن أن تحقق مكاسب كبيرة في الكفاءة دون الحاجة إلى استبدال الأنابيب على نطاق واسع، ما يطيل العمر التشغيلي للأصول ويخفض التكاليف والخسائر.

دراسة حالة 3: Acea – مناطق القياس القطاعية في روما

تدير Acea Ato2، وهي جزء من مجموعة Acea وشركة المياه التي تخدم روما في إيطاليا، شبكة يبلغ طولها 17 ألف كيلومتر، حيث أدت البنية التحتية المتقادمة وصعوبة التضاريس إلى ارتفاع الفاقد إلى نحو 50% من الإنتاج.

كما أدى تغير المناخ إلى خفض توافر المياه بما يصل إلى 20%، في الوقت الذي فرضت فيه لوائح الاتحاد الأوروبي حدودًا أكثر صرامة على فاقد المياه.

وللتعامل مع ذلك، أطلقت Acea برنامجًا بقيمة 850 مليون يورو لتقسيم الشبكة إلى أكثر من 790 منطقة قياس قطاعية تغطي 80% من النظام، مع نشر أجهزة استشعار وصمامات ذكية مرتبطة بنظام لإدارة المياه يمكنه التنبؤ بالتسرب وتحسين مستويات الضغط.

ومنذ عام 2017، انخفض فاقد المياه بنسبة 10%، ما وفر 80 مليون متر مكعب من المياه غير المدرة للإيرادات، بالتوازي مع توسيع الخدمة لتشمل 150 ألف مقيم جديد.

تجديد البنية التحتية المتقادمة

تجاوز جزء كبير من البنية التحتية العالمية لتوزيع المياه عمره التصميمي الأمثل، نتيجة عقود من تأجيل الاستثمار في تجديد الشبكات وتحديثها، ما أدى إلى ارتفاع مخاطر الأعطال وانقطاع الخدمات.

ففي المملكة المتحدة مثلًا يبلغ متوسط عمر خطوط الأنابيب نحو 70 عامًا، ويتراوح في أوروبا بين 40 و60 عامًا، فيما يبلغ في الولايات المتحدة نحو 45 عامًا.

كما لا تزال معدلات التجديد أقل بكثير من المستوى الذي يعد مستدامًا.

ففي أوروبا، لا يتجاوز متوسط معدل التجديد السنوي 0.6%، بينما يبلغ نحو 1% في الولايات المتحدة.

في المقابل، يعتبر معدل تجديد يقارب 2% سنويًا مناسبًا عمومًا لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مع ضرورة ألا يقل عن 1% للمحافظة على سلامة الأنظمة على المدى الطويل.

وتبلغ الأعمار المتوسطة التقريبية لشبكات المياه في عدد من البلدان ذات الدخل المرتفع:

المملكة المتحدة: 70 عامًا.

النرويج: 60 عامًا.

اليابان: 50 عامًا.

الولايات المتحدة: 45 عامًا.

إسبانيا: 40 عامًا.

هولندا: 40 عامًا.

دراسة حالة 4: Arup – خط أنابيب لمياه الصرف بالجاذبية في وادي السيليكون

تدير Silicon Valley Clean Water شبكة لمياه الصرف ومحطة معالجة تخدم ما يعادل نحو 220 ألف نسمة، إضافة إلى عدد من شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية في المنطقة الساحلية لخليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وهي منطقة معرضة للزلازل.

ومع تزايد الكميات المطلوب معالجتها، وافقت الجهة في عام 2017 على برنامج RESCU بقيمة 580 مليون دولار لتحديث بنيتها التحتية البالغ عمرها 50 عامًا وزيادة قدرتها من 272 مليون لتر إلى 380 مليون لتر.

وكان أحد المكونات الرئيسية للمشروع، بقيمة 253 مليون دولار، استبدال خط أنابيب بالجاذبية يبلغ طوله 5.3 كيلومترات وكان قد تجاوز عمره التصميمي.

وصممت Arup، بالتعاون مع مقاولين محليين ودوليين، نفقًا خرسانيًا جديدًا بعرض أربعة أمتار يضم خط أنابيب بعرض ثلاثة أمتار مصنوعًا من ملاط البوليمر المقوى بالألياف الزجاجية.

وصُمم الخط الرئيسي الجديد لعمر تشغيلي يبلغ 100 عام، أي نحو ضعف عمر البنية الأصلية، كما صُمم لتحمل الزلازل والظروف الجوية القصوى.

زيادة القدرة على الصمود أمام الفيضانات والجفاف

تعرض الظواهر الهيدرولوجية المتطرفة الأكثر تكرارًا وشدة السكان والاقتصادات للخطر في مختلف أنحاء العالم.

ومن المتوقع أن تصل الخسائر الاقتصادية العالمية التراكمية الناجمة عن الجفاف بحلول عام 2050 إلى نحو 5.6 تريليون دولار، بما يعرض نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي في المناطق الهشة للخطر.

ويتطلب تعزيز أنظمة المياه لمواجهة الفيضانات والجفاف الجمع بين الحلول الهندسية التقليدية والحلول القائمة على الطبيعة والحلول التكنولوجية.

وتشمل البنية التحتية التقليدية أعمال الحماية من الفيضانات، ومرافق التخزين المقاومة للجفاف، والبنية التحتية لتصريف مياه الأمطار.

أما الحلول القائمة على الطبيعة، مثل الأراضي الرطبة والأسطح المنفذة للمياه والمساحات الخضراء الحضرية، فتساعد على إدارة الأمطار والجريان السطحي.

كما تؤدي التكنولوجيا، بما في ذلك الإدارة المتكاملة لمستجمعات المياه، وأنظمة الإنذار المبكر، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالمناخ، دورًا متزايد الأهمية في تحسين التنبؤ بالمخاطر ورفع كفاءة العمليات.

دراسة حالة 5: Tasreef – خطة لإدارة مياه الأمطار في دبي

في عام 2024، تعرضت دبي لفيضانات تاريخية نتيجة هطول أمطار قياسية، ما تسبب في أضرار واسعة وخسائر مؤمَّن عليها تجاوزت 3 مليارات يورو.

واستجابة لذلك، أقرت المدينة مبادرة كبرى طويلة الأجل للبنية التحتية، وهي مشروع «تصريف» بقيمة 7 مليارات يورو، لتحديث شبكة تصريف مياه الأمطار بشكل شامل.

وستغطي الشبكة الإمارة بأكملها، وستستخدم تقنيات متقدمة للحفر والأنفاق والتصريف، بما في ذلك آلات حفر أنفاق عالية الدقة مجهزة بأنظمة تحكم آلية ومراقبة لحظية وتحليلات للبيانات لضمان أعمال حفر آمنة وفعالة.

وعند اكتمال المشروع في عام 2033، ستزيد قدرة المدينة على التعامل مع مياه الأمطار بنسبة 700%، ما يتيح إدارة أكثر من 20 مليون متر مكعب من المياه يوميًا، مع تدفق أقصى يبلغ 230 مترًا مكعبًا في الثانية.

2.3 الاقتصاد الدائري واسترداد الموارد

تكشف الأنماط غير المستدامة لاستخدام المياه والطاقة عن الحاجة العاجلة إلى تحول منهجي في إدارة البنية التحتية للمياه نحو الاقتصاد الدائري.

ويتطلب هذا التحول التزامات مالية كبيرة، إذ سيحتاج العالم بحلول عام 2040 إلى استثمار ما يقرب من تريليون يورو في ممارسات دائرية تدمج إعادة استخدام المياه، واسترداد الطاقة، ومكافحة التلوث.

ويمكن للاستثمار الاستراتيجي في إعادة الاستخدام المتقدمة، وتثمين الحمأة وتحويلها إلى موارد، وتجميع مياه الأمطار، أن يتيح للمرافق تجاوز نموذج تقديم الخدمات التقليدية والتحول إلى مراكز مرنة تضمن موارد المياه والطاقة والمغذيات.

توسيع إعادة استخدام مياه الصرف

على الرغم من الاعتراف الواسع بإمكانات ممارسات إدارة المياه الدائرية، بما في ذلك إعادة استخدام المياه وتجميع مياه الأمطار، لا يزال اعتمادها محدودًا.

حاليًا، لا يُعاد استخدام سوى 12% من عمليات سحب المياه العذبة البلدية حول العالم، رغم أن التوقعات تشير إلى إمكانية الوصول إلى ما يصل إلى 50% من عمليات السحب البلدية للمياه العذبة بحلول عام 2040.

ويمكن تنفيذ إعادة الاستخدام عبر أنظمة مركزية تطبق عمليات معالجة ثلاثية متقدمة في محطات معالجة مياه الصرف، ثم تنقل المياه المستصلحة عبر خطوط مخصصة إلى التجمعات الصناعية أو المزارعين.

كما يمكن استخدام أنظمة لامركزية في المباني السكنية أو التجارية، تعالج المياه الرمادية أو المياه السوداء لاستخدامات غير صالحة للشرب، مثل تنظيف المراحيض والري.

وتبلغ إعادة الاستخدام كنسبة من عمليات سحب المياه العذبة في القطاع البلدي تقريبًا:

الشرق الأوسط: 18%.

أوقيانوسيا: 15%.

أوروبا: 11%.

أفريقيا: 11%.

أمريكا الشمالية: 9%.

أمريكا اللاتينية: 5%.

آسيا: 1%.

دراسة حالة 6: Aquapolo Ambiental – شراكة بين القطاعين العام والخاص في ساو باولو

تواجه منطقة ABC في ساو باولو، التي يقطنها 3 ملايين شخص وتضم 24 ألف منشأة صناعية، ندرة حادة في المياه، إذ لا يتوافر للفرد سوى 130 مترًا مكعبًا من المياه العذبة سنويًا، أي نحو 5% فقط من المعيار الذي تحدده الأمم المتحدة.

ولمعالجة هذا الوضع، أنشأت Sabesp وGS Inima Industrial شركة Aquapolo Ambiental في عام 2012، التي أصبحت أكبر منشأة لإعادة استخدام المياه صناعيًا في أمريكا اللاتينية.

وتم تنظيم المشروع بوصفه شراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة 90 مليون يورو، مول الدين 90% منها، ويعمل بموجب عقد «خذ أو ادفع» لمدة 42 عامًا بين Aquapolo ومجمع Braskem للبتروكيماويات.

وتخضع المياه الخارجة من محطة Sabesp لمعالجة مياه الصرف في ABC للمعالجة الثلاثية، والترشيح الفائق، والترشيح النانوي، قبل نقلها عبر خط أنابيب بطول 17 كيلومترًا.

وبقدرة تبلغ ألف لتر في الثانية، توفر Aquapolo المياه إلى 12 منشأة صناعية، وقد أنتجت 135 مليون متر مكعب من المياه المعاد تدويرها، كما تعمل مركزًا للتثقيف والتوعية.

وبالمثل، يوفر تجميع مياه الأمطار ممارسة دائرية تكميلية ذات إمكانات كبيرة.

فالكثافات السكانية المرتفعة حاليًا والظواهر الجوية المتطرفة المتزايدة تكشفان عن محدودية شبكات مياه الأمطار التقليدية.

واستجابة لذلك، تلتقط أنظمة تجميع مياه الأمطار المياه التي كانت ستُفقد عادة وتخزنها لاستخدامها لاحقًا.

ويمكن استخدام المياه المجمعة لأغراض غير صالحة للشرب، بل وحتى للشرب إذا عولجت على النحو المناسب.

كما يمكن لهذه الأنظمة تعزيز تسرب المياه إلى باطن الأرض والمساهمة في تغذية طبقات المياه الجوفية.

وتساعد عملية تجميع مياه الأمطار على تحقيق التوازن بين العرض والطلب خلال فترات الذروة، ويمكن أن تقلل جريان مياه الأمطار ومخاطر الفيضانات بما يصل إلى 70%، مع إمكانية توفير المياه بنسبة تتراوح بين 10% و30%.

دراسة حالة 7: Microsoft وFieldFactors – مشروع BlueBloqs لإعادة تغذية المياه الحضرية في مدريد

تواجه مدريد ضغوطًا مائية نتيجة الجفاف والفيضانات الحضرية وتغطية التربة بالأسطح غير المنفذة.

ولمعالجة هذه التحديات، تعاونت Microsoft مع FieldFactors لتطبيق تقنية BlueBloqs لإدارة مياه الأمطار في فالدبيباس.

وتلتقط التقنية ما يصل إلى 95% من مياه الأمطار المحلية، ثم تعالجها عبر الترشيح الحيوي وتعيد تغذيتها في مجرى فالدبيباس، وهو أحد روافد نهر خاراما.

ومع قدرة متوقعة على جمع 200 مليون لتر سنويًا، سيخفض النظام مخاطر الفيضانات، ويحسن جودة المياه، ويعيد التدفقات الطبيعية داخل المدينة.

ويبرهن المشروع على كيفية تعزيز حلول المياه الدائرية لمرونة المدن ودعم إعادة تغذية طبقات المياه الجوفية وتأمين الموارد للأجيال المقبلة، بما يوفر نموذجًا قابلًا للتكرار في المدن التي تواجه ضغوطًا مناخية ومائية.

كما يمكن للأنظمة المغلقة الحلقة أن تعالج تحدي الحفاظ على المياه في البيئات الصناعية، ولا سيما في عمليات التبريد.

فمن خلال جمع مياه العمليات المستخدمة ومعالجتها باستخدام تقنيات مثل الترشيح بالأغشية والمعالجة البيولوجية أو التطهير، يعاد إدخال المياه في دورات الإنتاج، مع إمكانية لتوفير المياه تقدر بنحو 50% إلى 75% من الاستهلاك الصناعي الحالي.

دراسة حالة 8: Grundfos – الإدارة الشاملة للمياه في مصنع Carlsberg في فريدريسيا

كان مصنع الجعة التابع لمجموعة Carlsberg في مدينة فريدريسيا الدنماركية يحتاج تاريخيًا إلى 3.4 لترات من المياه لإنتاج كل لتر من الجعة، وكانت نسبة تتراوح بين 60% و65% من المياه تستخدم في التنظيف والتبريد والعمليات المساعدة.

ولتعزيز كفاءة المياه، أنشأت Carlsberg محطة للإدارة الشاملة للمياه تعالج مياه العمليات إلى معايير مياه الشرب بهدف إعادة استخدامها في خدمات المصنع، محققة معدل استرداد يبلغ 90%، أي 1,800 متر مكعب يوميًا من إجمالي تدفق يبلغ 2,000 متر مكعب يوميًا.

وتجمع المحطة بين المعالجة اللاهوائية والهوائية، والترشيح الفائق، والتناضح العكسي، وإعادة التمعدن، والتطهير بالأشعة فوق البنفسجية، والجرعات الكيميائية.

وتولد المرحلة اللاهوائية غازًا حيويًا يُستخدم في إنتاج الحرارة والطاقة معًا، ويوفر نحو 10% من الطلب على الحرارة.

وقد وفرت Grundfos نحو 95% من المضخات وأنظمة الجرعات والمراقبة.

وتوفر المنشأة 560 ألف متر مكعب من المياه سنويًا، ما خفض استخدام المياه إلى 1.4 لتر لكل لتر من الجعة المنتجة.

تحسين كفاءة الطاقة في الأصول واسترداد الموارد

تُعد معالجة المياه لأغراض الشرب ومعالجة مياه الصرف، بما في ذلك التحلية، عمليات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتمثل أكثر من 5% من استهلاك الكهرباء عالميًا.

ويمكن للجمع بين الشبكات المصغرة للطاقة وتقنيات كفاءة الطاقة الذكية وتثمين الموارد، مثل إنتاج الميثان الحيوي، أن يوفر مسارًا لتقليل البصمة الطاقية.

والشبكات المصغرة هي أنظمة طاقة محلية، مثل الألواح الشمسية وتخزين البطاريات، تعمل بالقرب من محطات المعالجة وتنتج الطاقة المتجددة.

وتتيح التقنيات الذكية، مثل التوائم الرقمية وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء وأنظمة التحكم الإشرافي وجمع البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي التنبؤية، الأتمتة والإدارة الفورية للأصول بهدف خفض استهلاك الطاقة في الضخ والمعالجة.

كما يمكن تحويل الحمأة إلى مصدر للطاقة.

فالهضم اللاهوائي ينتج الغاز الحيوي الذي يمكن استخدامه لتوليد الكهرباء والحرارة اللازمة لتشغيل عمليات المعالجة، بل ويمكن تصدير الطاقة والحرارة الفائضتين إلى الشبكة.

ويمكن لمحطات معالجة مياه الصرف، بما في ذلك منشآت إعادة الاستخدام، تحقيق مستوى من إمدادات الطاقة الصافية يتراوح بين 30% و110% من خلال مزيج من الطاقة الشمسية الكهروضوئية والغاز الحيوي.

دراسة حالة 9: Schneider Electric – محطة معالجة مياه الصرف في بونتا غراديل

في شبه جزيرة سورينتو الإيطالية، التي تخدم ما يعادل 140 ألف نسمة، كانت معالجة مياه الصرف تعتمد على منشأة قديمة تسببت في تدهور بيئي وأثرت في السياحة والزراعة، كما أدت إلى فتح إجراء مخالفة أوروبي.

واستثمر تحالف بين القطاعين العام والخاص بقيادة Veolia وSchneider Electric نحو 46 مليون يورو لبناء محطة تحت الأرض مؤتمتة بالكامل في رأس بونتا غراديل.

وباستخدام منصة EcoStruxure من Schneider Electric للإدارة المتكاملة للطاقة والأتمتة، يربط النظام وحدات التحكم ولوحات الأتمتة ومنصة الإشراف المركزية عبر شبكة داخلية عالية السرعة.

ويحقق هذا التكوين وفورات في الطاقة بنسبة 15%، وزيادة في كفاءة العمليات بنسبة 20%، مع قدرة مرنة على إدارة فترات الذروة الموسمية، بالتوازي مع حماية النظم البيئية الساحلية وسبل العيش المحلية.

المعالجة المتقدمة للمياه

تشمل الملوثات الناشئة، التي قد يتجاوز عددها الإجمالي 12 ألف مادة على مستوى العالم، مواد دائمة مثل PFAS والمستحضرات الصيدلانية والجسيمات البلاستيكية الدقيقة.

وقد تبين أن هذه الملوثات تلوث ما لا يقل عن ثلث المسطحات المائية العالمية، كما أن معظمها مقاوم للإزالة بواسطة محطات معالجة المياه التقليدية.

ولمعالجة هذه الفجوات، يجري تطوير حلول متقدمة في صورة أنظمة معيارية جاهزة للتركيب يمكن دمجها بسهولة في البنية التحتية القائمة للمعالجة.

وتتيح هذه التقنيات استهداف الملوثات وتدميرها بصورة دائمة وفعالة من خلال مزيج من تقنيات التركيز والتدمير الجزيئي، مع إمكانية تحقيق كفاءة إزالة تصل إلى 99%.

دراسة حالة 10: Oxyle – تدمير مواد PFAS في سويسرا

في موقع بناء في سويسرا، كشف تحليل المياه الجوفية عن وجود حمض البيرفلوروبوتانويك، وهو أحد مركبات PFAS قصيرة السلسلة شديدة الحركة.

وOxyle شركة سويسرية للتكنولوجيا النظيفة صممت أنظمة معالجة معيارية يمكنها تدمير مركبات PFAS في المياه بصورة دائمة، بما في ذلك الأنواع قصيرة وقصيرة جدًا في السلسلة التي تقاوم غالبًا طرق المعالجة التقليدية.

وفي إطار معالجة الموقع، أجرت Oxyle تجربة على نطاق مخبري باستخدام سلسلة معالجة مصممة خصيصًا وفق التركيب الكيميائي للمياه في الموقع.

وجمع النظام بين الترشيح النانوي لفصل مركبات PFAS وتركيزها، وتقنية OxLight الخاصة بالشركة للاختزال الضوئي الكيميائي، التي تعمل على تحطيم المركبات المركزة وإزالة الفلور منها بصورة دائمة، فيما تستفيد من الطاقة الميكانيكية لتدفق المياه في تشغيل عملية التحلل.

وأظهرت النتائج المعلنة تحقيق تحلل بنسبة 99%، مع انخفاض تركيز الملوثات في المياه الخارجة إلى ما دون حدود الكشف، إذ انخفض تركيز PFBA من 8 أجزاء في المليار إلى 0.02 جزء في المليار.

وتشير هذه النتائج إلى إمكانية تمعدن مركبات PFAS الدائمة الموجودة في المياه الجوفية الملوثة بكفاءة في استهلاك الطاقة.

2.4 الابتكار من أجل الكفاءة

للتكنولوجيا قدرة على تحويل العمليات الأساسية، من إدارة الأصول إلى التفتيش والصيانة.

ومع ذلك، لا يزال القطاع يعاني نقصًا في الرقمنة، إذ لا يوجه سوى جزء صغير من الاستثمارات إلى الابتكار، ما يجعل العديد من المرافق معتمدة على أنظمة تستجيب للمشكلات بعد وقوعها بدل التنبؤ بها.

وعلى الرغم من وجود حالات استخدام مثبتة وتقنيات فعالة، لم تُفعّل إمكانات تقنيات المياه بالكامل بعد.

وبحلول عام 2040، ستكون هناك حاجة إلى ما يقرب من 0.3 تريليون يورو، أي ما يعادل نحو يورويْن للفرد سنويًا، للاستثمار في التحليلات التنبؤية والروبوتات والأمن السيبراني.

ويُظهر انتشار العدادات الذكية فجوة كبيرة بين قطاع المياه وقطاع الكهرباء.

ففي الشرق الأوسط، تبلغ نسبة انتشار عدادات المياه الذكية نحو 44% مقابل 89% للكهرباء.

وفي أمريكا الشمالية تبلغ النسبة نحو 21% للمياه مقابل 82% للكهرباء.

وفي الصين، نحو 33% للمياه مقابل 99% للكهرباء.

وفي أوروبا، نحو 17% للمياه مقابل 73% للكهرباء.

وفي أمريكا اللاتينية، نحو 11% للمياه مقابل 8% للكهرباء ضمن العينة المستخدمة.

نشر التقنيات الذكية

لا تزال رقمنة عمليات المياه محدودة.

ففي أوروبا وأمريكا الشمالية، لا تتجاوز نسبة انتشار عدادات المياه الذكية 17% و21% على التوالي، مقارنة بنحو 73% و82% لعدادات الكهرباء الذكية.

وتؤدي نماذج الصيانة التقليدية القائمة على الاستجابة للأعطال إلى مستويات مرتفعة من عدم الكفاءة، وانقطاع الخدمات، وتكاليف غير متوقعة، إضافة إلى كونها أكثر عرضة للهجمات السيبرانية.

وتغير التقنيات الذكية هذا النموذج من خلال استخدام البيانات والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمراقبة الفورية بواسطة أجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء، وأنظمة التوجيه الآلية، من أجل التنبؤ بأعطال الأصول قبل حدوثها.

وعند تطبيقها على الشبكات والمحطات، تستخدم النماذج التنبؤية البيانات الفورية والتاريخية للكشف عن الضغوط أو تآكل المواد أو الحالات غير الطبيعية، وتوجيه الموارد بدقة إلى الأماكن والأوقات التي تحتاج إليها.

وعادة ما تسجل المرافق التي تنشر هذه الأنظمة وفورات سنوية تتراوح بين 10% و20% في النفقات التشغيلية، وبين 20% و30% في النفقات الرأسمالية.

دراسة حالة 11: Siemens – إدارة متكاملة للمياه لدى هيئة لنقل المياه في الشرق الأوسط

واجهت هيئة لنقل المياه في الشرق الأوسط أوجه قصور في الكفاءة نتيجة تشغيل عدد كبير من محطات الضخ باستخدام أنظمة أتمتة متباينة.

ونفذت Siemens نظامًا متكاملًا لإدارة المياه يضم نظامًا متقدمًا للتحكم الإشرافي وجمع البيانات ومكتبة للتوحيد القياسي بهدف مواءمة عمليات الأتمتة، مع دمج البيانات والتحليلات لدعم اتخاذ القرار، والكشف عن التسرب بالذكاء الاصطناعي، والتحسين الفوري، والأمن السيبراني.

وبدعم من استثمار عام بقيمة 10 ملايين يورو، يسمح النظام بمركزة التشغيل والصيانة، إلى جانب استخدام تقنيات متقدمة للصيانة التنبؤية والكشف المبكر عن الأعطال والتحسين المستمر للأداء.

وقد مكّن النظام من تحقيق توافر للأصول يتجاوز 98% وتوافر للخدمة على مستوى النظام يبلغ 99.99%.

كما أظهرت تطبيقات حزمة Siemens للتحسين الفوري SIWA لدى مرافق مختلفة حول العالم إمكانية خفض وقت سير العمل بما يصل إلى 85% وخفض التسرب بنسبة 50%.

ويسهم ذلك في رفع الكفاءة والموثوقية، موضحًا كيف يمكن للتكامل الرقمي أن يحول إدارة المياه.

توسيع حلول تقنيات المياه

غالبًا ما تقع البنية التحتية للمياه في أماكن ضيقة أو نائية أو خطرة، ما يجعل أعمال التفتيش والصيانة محفوفة بالمخاطر ومكلفة.

ويمكن للأنظمة الروبوتية، سواء كانت أجهزة جوية أو أرضية أو تحت الماء تعمل بصورة مستقلة أو شبه مستقلة، إجراء عمليات تفتيش دقيقة، والكشف عن الأعطال، وتنفيذ إصلاحات طفيفة داخل الأنابيب والخزانات ومرافق المعالجة.

ويمكن لهذه الحلول أن تقلص الوقت الذي يقضيه العاملون في المهام الخطرة بما يصل إلى 70%، مع تحسين دقة عمليات التفتيش بأكثر من 50%.

كما تعزز تقنيات الإصلاح دون حفر هذه القدرات، إذ تسمح بإعادة تأهيل الأنابيب وخفض التسرب دون أعمال حفر تعطل المناطق المحيطة، مع إمكانية خفض تكاليف الصيانة بنسبة تتراوح بين 20% و65% مقارنة بعمليات الاستبدال التقليدية بالحفر المفتوح، وفقًا لحجم الأنابيب.

دراسة حالة 12: Xylem – الروبوتات والمراقبة الذكية لتعزيز مرونة شبكات المياه في المملكة المتحدة

في المملكة المتحدة، تمثل البنية التحتية المتقادمة التي يصعب الوصول إليها، إلى جانب متطلبات المراقبة الصارمة لجودة المياه، تحديات تشغيلية كبيرة أمام شركات المرافق.

وللتعامل مع ذلك، دعمت Xylem المرافق في اعتماد أدوات تفتيش تُشغّل عن بُعد وأنظمة مراقبة ذكية تحسن الكفاءة والسلامة وتخفض التكاليف.

فعلى سبيل المثال، استخدمت Scottish Water تقنيتي SmartBall وPipeDiver من Xylem لفحص خط نقل المياه الخام المعرض للمخاطر في نيومور دون الحاجة إلى الحفر.

وجمعت هذه الأدوات غير المأهولة التي تعمل دون حفر بيانات تفصيلية عن حالة الخط، ما سمح بتنفيذ إصلاحات دقيقة وموجهة بتكلفة تقل عن 1.6 مليون جنيه إسترليني، مع تجنب استبدال كامل لخط الأنابيب كان سيكلف نحو 16 مليون جنيه.

وبالتوازي، مكّنت أجهزة الاستشعار متعددة المعايير EXO التابعة لـXylem شركات المرافق من مراقبة جودة المياه باستمرار وعن بُعد.

ومن خلال التمييز بين أسباب التغيرات المفاجئة في جودة المياه، مثل الأمطار أو فيضانات شبكات الصرف، يمكن للمشغلين الاستجابة بسرعة وثقة دون تعريض العاملين لبيئات خطرة.

3. العوامل الرئيسية المُمكِّنة لسد فجوة الاستثمار

يمكن للسياسات والتمويل والتكنولوجيا والثقافة تسريع التغيير.

ويتطلب اغتنام الفرصة التي توفرها البنية التحتية للمياه نهجًا متعدد الأبعاد يقوم على أربعة عوامل تمكينية: السياسات، والتمويل، والتكنولوجيا، والتغيير الثقافي.

واستنادًا إلى نحو 20 ورشة عمل ومقابلة مع ممثلين كبار من قطاع المياه والجهات التنظيمية وصناع السياسات، جرى تحديد 15 إجراءً ذا أولوية يمكن أن يساعد في تسريع الاستثمارات في البنية التحتية للمياه.

ولا تمثل هذه العوامل أهدافًا في حد ذاتها، بل تشكل الأدوات التي تسمح للحكومات والمستثمرين وقادة القطاعات بتحويل الطموحات إلى تنفيذ فعلي.

وتشمل العوامل الممكنة في مجال السياسات وضع استراتيجية وطنية أو إقليمية للمرونة المائية، والإصلاح المؤسسي والتسعير، وتحسين الحوكمة، وإنشاء بنية وطنية مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني للبيانات، وتعزيز التعاون داخل القطاع.

أما العوامل المالية فتشمل نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقاعدة الأصول المنظمة، والتأمين على مخاطر المياه ونقل المخاطر، وأدوات تمويل المياه، ورأس المال العام الاستراتيجي، والأدوات القائمة على السوق.

وتشمل العوامل التكنولوجية مراكز الابتكار، والبيئات التنظيمية التجريبية، وصناديق الاستثمار في تقنيات المياه.

أما العوامل الثقافية فتشمل برامج المواطنة والتعليم والتدريب.

ويتطلب نجاح جميع هذه العناصر تعاونًا على مستوى النظام البيئي بأكمله.

3.1 السياسات

تهدف العوامل التمكينية في مجال السياسات، المستوحاة من الممارسات الدولية الفضلى ومبادئ حوكمة المياه، إلى رفع كفاءة المرافق، وتشجيع الحفاظ على المياه، وتطبيق تسعير فعال، وتحسين قابلية الاستثمارات للتمويل، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى جذب المزيد من رأس المال الخاص.

رؤية وطنية أو إقليمية للمياه واستراتيجية للمرونة

يُعد وضع رؤية واضحة ومحددة زمنيًا للمياه الخطوة الأولى والأساسية في تحديد الفرص المرتبطة بالمياه في بلد ما ومواءمتها مع الأهداف المناخية والاقتصادية والاجتماعية.

وينبغي لهذه الرؤية أن تتضمن أهدافًا كمية ومحددة زمنيًا ومؤشرات دنيا لأداء القطاع في مجال المرونة المائية، بدءًا من إعادة استخدام مياه الصرف وصولًا إلى معدلات التسرب.

كما ينبغي للرؤية والاستراتيجية المرتبطة بها أن تتضمنا قائمة من مشروعات المياه ذات الأهمية الوطنية لتوجيه الإنفاق العام وتحفيز الاستثمار الخاص.

دراسة حالة 12: الإطار الجديد للصرف الصحي في البرازيل لعام 2020

في عام 2020، قدمت البرازيل «الإطار الجديد للصرف الصحي» بهدف صياغة رؤية وطنية جديدة للصرف الصحي ومعالجة أوجه القصور الهيكلية في خدمات المياه ومياه الصرف.

وحرر الإصلاح القطاع من خلال المناقصات التنافسية، ووضع أهدافًا ملزمة لتحقيق التغطية الشاملة للمياه والصرف الصحي بحلول عام 2033، وعزز السلطة التنظيمية للوكالة الوطنية للمياه، وشجع على تكوين تجمعات إقليمية للبلديات للحد من التجزؤ.

ويؤدي بنك التنمية الوطني البرازيلي BNDES دورًا رئيسيًا في تنفيذ الاستراتيجية، من خلال تزويد المجالس المحلية بأطر تعاقدية لمزادات الامتيازات، وتقديم ضمانات عامة للمؤسسات المالية، والمشاركة في تمويل الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وبين عام 2020 والربع الثالث من عام 2025، نجحت البرازيل في تعبئة ما يقرب من 50 مليار دولار، منها أكثر من 36 مليار دولار في صورة استثمارات خاصة.

وخلال الفترة نفسها، زاد طول شبكات مياه الشرب والصرف الصحي بنسبة 21% و16% على التوالي.

وبحلول عام 2025، كانت 23 جهة اتحادية من أصل 26 قد جمعت امتيازاتها المحلية، فيما أسند نحو ثلث البلديات تقديم الخدمة إلى جهة خاصة.

سياسات المرونة المائية والتسعير

استنادًا إلى قصص النجاح، يمكن توجيه تحول قطاع المياه من خلال ثلاثة نهج متكاملة: سياسات المستخدم النهائي، والحوافز والإعانات، وآليات التسعير.

ويمكن لسياسات المستخدم النهائي تشجيع مستخدمي المياه، من الأسر إلى التجمعات الصناعية، على تبني ممارسات أكثر استدامة.

وقد تشمل هذه السياسات حدودًا لسحب المياه وتصريفها، ووضع علامات لكفاءة استهلاك المياه على المنتجات الاستهلاكية، ومتطلبات إفصاح الشركات عن استخدام المياه، واعتماد الممارسات الدائرية.

كما يمكن تكييف الحوافز والإعانات لتعزيز الإدارة المستدامة للمياه وتحديث البنية التحتية واعتماد التقنيات الجديدة.

ويمكن لإعادة توجيه الإعانات غير الفعالة حاليًا نحو الإدارة المستدامة للمياه وتحديث البنية التحتية واعتماد التكنولوجيا أن تحسن مستويات الخدمة والكفاءة التشغيلية، وهما عنصران حاسمان لزيادة قابلية الاستثمارات المائية للتمويل ورفع الجدارة الائتمانية للجهات المعنية.

أما أدوات التسعير، مثل التعريفات ورسوم سحب المياه وتصريفها، فهي ضرورية لتعكس القيمة الحقيقية للمياه.

ويتمثل التحدي في تصميم هياكل تسعير تعكس التكلفة الحقيقية لتقديم الخدمة، بما يشمل عوامل البنية التحتية والبيئة والاستهلاك.

وعلى الرغم من أن التصميم المحدد سيختلف من منطقة وسياق إلى آخر، فإن التسعير الفعال يعزز جهود الحفاظ على المياه والكفاءة مع ضمان استرداد التكاليف.

ودون تسعير مناسب، لا تستطيع مصادر المياه الجديدة مثل إعادة الاستخدام أو تجميع مياه الأمطار منافسة الإمدادات التقليدية المسعرة بأقل من تكلفتها الحقيقية، ما يحد من قدرتها على التوسع بصورة مستدامة.

دراسة حالة 13: المبادرة الوطنية للمياه في أستراليا

تمثل المبادرة الوطنية للمياه، التي وُقعت عام 2004، واحدة من أكثر خطط إصلاح المياه الوطنية شمولًا عالميًا، إذ وضعت إطارًا متسقًا للحقوق المائية الآمنة، والأسواق الكفؤة، والتسعير العاكس للتكلفة، وحماية البيئة.

وقدمت المبادرة مبادئ لتسعير المياه، ونظامًا لوضع ملصقات ومعايير كفاءة المياه يفرض تصنيفات بالنجوم على الأجهزة التي تستخدم المياه، ومتطلبات إفصاح للقطاعات الصناعية والزراعية، وخططًا قانونية للمياه تغطي حاليًا أكثر من 80% من استخدامات المياه لتوجيه التخصيص والتدفقات البيئية وإدارة المخاطر، إضافة إلى اعتبار حقوق الوصول إلى المياه أصولًا مالية قابلة للتداول.

تحسين الحوكمة

غالبًا ما تكون حوكمة المياه مجزأة ومتعددة المستويات، مع توزيع المسؤوليات بين عدد من الجهات.

وفي السياقات التي يعيق فيها هذا التجزؤ التقدم، قد يساعد إنشاء وكالة وطنية مركزية للمياه، أو تقديم دعم إضافي لها حيث تكون قائمة بالفعل، على تجميع الخبرات، وتبسيط تنفيذ المشروعات، وتوحيد معايير التطبيق.

ورغم أن المركزية ليست حلًا عامًا يناسب جميع السياقات، يمكن لوكالة المياه دعم التخطيط الاستراتيجي وتوجيه تخصيص التمويل والإشراف على تنفيذ البنية التحتية.

وفي بعض الحالات، يمكن لهذا النهج الحد من ازدواجية العمل وتعزيز الكفاءة التشغيلية، ما يجعله عنصرًا مهمًا لتوسيع الاستثمار وتحسين قابلية المشروعات للتمويل.

دراسة حالة 14: سلطة المياه الإسرائيلية

في عام 2007، أُنشئت سلطة المياه الإسرائيلية لتوحيد حوكمة المياه المجزأة تحت مظلة جهة مستقلة واحدة.

وتتولى السلطة إدارة السياسات والبنية التحتية والتعريفات والتخطيط الاستراتيجي، مع ضمان التمثيل والشفافية.

وبين عامي 2007 و2023، انخفض سحب المياه العذبة بنسبة 38%، وتراجع استهلاك الأسر بنسبة 15%، وانخفضت المياه غير المدرة للإيرادات من 14% إلى 8%، وتراجع الإجهاد المائي من 60% إلى 45%.

وساندت هذه النتائج استثمارات في تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف، وهما مصدران يمثلان الآن نحو 48% من إجمالي الإمدادات.

بنية وطنية مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني لبيانات المياه

تمثل البيانات الموثوقة العمود الفقري لحوكمة المياه.

فالبيانات تتيح اتخاذ قرارات قائمة على الأدلة، وتدعم إنفاذ الأنظمة، وتحسن إدارة المخاطر، وتجذب الاستثمار من خلال تقليص عدم تماثل المعلومات.

كما تتيح البيانات تطوير أدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة وموثوقية.

وينبغي للبلدان الاستثمار في بنية تحتية وطنية لبيانات المياه يمكنها جمع البيانات المتعلقة بالتوافر والاستخدام والجودة وإعادة الاستخدام عبر القطاعات، وتوحيدها وتخزينها ونشرها.

ولضمان التواصل بين مكونات النظام وقابلية التشغيل البيني، من الضروري فرض معايير مفتوحة للبيانات تشمل تنسيقات البيانات المختلفة وواجهات البرمجة ومعايير المشتريات.

كما ينبغي أن تسهّل قابلية التشغيل البيني المواءمة مع مرافق أخرى مثل الكهرباء والغاز، ومع الأهداف المناخية والتخطيط الحضري.

دراسة حالة 15: بوابة Stream لبيانات المياه في المملكة المتحدة

Stream مبادرة تقودها شركات المرافق وجرى إطلاقها بدعم أولي من الجهة التنظيمية في المملكة المتحدة، وتهدف إلى إنشاء قدرة وطنية مفتوحة وموحدة في مجال بيانات المياه من خلال تجميع أكثر من 160 مجموعة بيانات متنوعة حتى الآن، بدءًا من قراءات عدادات المياه مجهولة الهوية، مرورًا بتقارير جودة المياه، وصولًا إلى مراجعات الأداء.

وتجمع المبادرة 16 من أصل 18 من كبرى شركات المياه، إضافة إلى شركات استشارات متخصصة في إدارة البيانات والاستراتيجيات.

وأنتج البرنامج إطارًا للبيانات المفتوحة، وبيانات وصفية قابلة للقراءة آليًا، ومواصفات لواجهات البرمجة، وعملية عملية لتحليل البيانات وترتيب أولويات نشر مجموعات البيانات مرتفعة القيمة، مع معالجة الحساسيات القانونية وقضايا الإشراف والحوكمة عبر نماذج تشغيل وائتمان بيانات مقترحة.

التعاون داخل القطاع

غالبًا ما يتسم قطاع المياه بدرجة كبيرة من التجزؤ، مع وجود عدد كبير من المشغلين الصغار في كثير من البلدان.

فعلى سبيل المثال، يضم الاتحاد الأوروبي أكثر من 27 ألف مشغل، فيما يتجاوز العدد في الولايات المتحدة 150 ألفًا.

وفي الحالات التي يحد فيها هذا التجزؤ من الكفاءة أو القدرة على الاستثمار، يمكن لتشجيع دمج المرافق الصغيرة في جهات إقليمية أكبر أن يساعد في تحقيق وفورات الحجم وتحسين تقديم الخدمات.

ويمكن للحكومات دعم هذه العملية من خلال مجموعة من الإجراءات المنسقة، مثل تحديد حدود أو معايير تستدعي الدمج، وتشجيع التعاون بين البلديات، وتمكين منصات الخدمات المشتركة للمشتريات أو نشر التكنولوجيا أو التمويل.

ومع ذلك، يجب أن تظل الحلول مرتبطة بالمكان ومرنة وفق السياقات المحلية، مع الإقرار بأنه لا يوجد نموذج حوكمة واحد يصلح لجميع الحالات.

دراسة حالة 16: الدمج الإقليمي في هولندا

قبل سبعينيات القرن الماضي، كانت هولندا تضم نحو 150 شركة مياه بلدية وألفي مجلس مياه محلي، وكانت تخدم نحو 11.5 مليون نسمة.

وبدأت إصلاحات تقودها الحكومة في سبعينيات القرن الماضي، وحددت حدًا أدنى لقاعدة العملاء يبلغ 100 ألف اتصال، ومنحت السلطات المحلية صلاحية دمج المرافق في شركات محدودة، بما عزز التحول إلى الإدارة المؤسسية.

ثم جاءت موجة ثانية من عمليات الاندماج الطوعية خلال اتجاهات التحرير في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.

وأدت هذه الإصلاحات إلى خفض عدد شركات المياه بنسبة 70% خلال 25 عامًا، حتى وصل العدد إلى 10 شركات بحلول عام 2007.

وبالتوازي، دمجت الحكومات الوطنية والمحلية مجالس المياه، مع استمرار عمليات اندماج إضافية في العقد الثاني من القرن الحالي، لينخفض عددها إلى 21 مجلسًا.

3.2 التمويل

يتطلب تسريع الاستثمار في المياه أكثر من سياسات قوية؛ إذ يحتاج أيضًا إلى ابتكار مالي.

وتشمل العوامل التمكينية المالية مزيجًا من الإجراءات عبر المؤسسات العامة والخاصة لتحفيز الطلب على تمويل المياه.

نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقاعدة الأصول المنظمة

يمكن للحكومات أن تؤدي دورًا محفزًا من خلال تشجيع نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية التحتية للمياه واسعة النطاق، مع تكييف النهج وفق خصائص كل مشروع.

وبالنسبة للأصول ذات المخرجات المحددة بوضوح وفترات الإنشاء الأقصر، مثل محطات معالجة مياه الصرف، تكون الشراكات بين القطاعين العام والخاص فعالة.

وينبغي لصناع السياسات تسهيل هذه الشراكات من خلال أطر قانونية شفافة، ومناقصات تنافسية، ودعم إعداد المشروعات، وأدوات عادلة لتقاسم المخاطر مثل الضمانات أو الإعانات.

أما المشروعات كثيفة رأس المال ذات الفترات الزمنية الطويلة ومخاطر البناء الأعلى، مثل المشروعات العملاقة والشبكات الكبيرة، فيمكن أن تستفيد من نموذج قاعدة الأصول المنظمة.

ويتيح هذا النموذج لمطور المشروع تحقيق إيرادات خلال مرحلة البناء، في الوقت الذي تشرف فيه جهة تنظيمية حكومية على المشروع.

ويساعد ذلك في استرداد الإيرادات خلال التنفيذ، وخفض تكلفة رأس المال، وجذب المستثمرين المؤسسيين على المدى الطويل.

ولهذا ينبغي للحكومات تمكين جهات تنظيمية مستقلة من تحديد تعريفات مستقرة، وإنشاء مراكز تميز للتصميم التنظيمي، وتقديم أدوات دعم مستهدفة لتعزيز ثقة المستثمرين.

دراسة حالة 17: نفق Thames Tideway في لندن

يُظهر نفق Thames Tideway، وهو «مجرى الصرف العملاق» في لندن بقيمة 4.2 مليارات جنيه إسترليني، كيف يمكن لنموذج قاعدة الأصول المنظمة أن يطلق الاستثمار في البنية التحتية المعقدة.

فالشراكات التقليدية بين القطاعين العام والخاص تؤجل عادة عوائد المستثمرين إلى ما بعد بدء التشغيل، ما يفرض الاعتماد على ديون مرتفعة التكلفة خلال فترات البناء الطويلة ويرفع التكاليف.

أما ترخيص Tideway، الذي يخضع لإشراف الجهة التنظيمية البريطانية للمياه، فقد سمح باسترداد الإيرادات أثناء البناء من خلال رسم إضافي محدود على فواتير المستهلكين يبلغ نحو 20 جنيهًا إسترلينيًا سنويًا، مقارنة بتقدير أولي كان يتراوح بين 70 و80 جنيهًا.

وساعد هذا النموذج على خفض تكلفة رأس المال وتقليل الاعتماد على تمويل المشروعات قصير الأجل، كما وفر عوائد منظمة ومستقرة ومرتبطة بالتضخم، ما جذب المستثمرين المؤسسيين طويلَي الأجل مثل صناديق التقاعد الذين ربما كانوا سيترددون في المشاركة ضمن نموذج شراكة تقليدي.

التأمين ونقل المخاطر

لا تزال المخاطر المرتبطة بالمياه غير معترف بها وغير مؤمَّن عليها بالقدر الكافي، رغم تزايد آثار الفيضانات والجفاف.

ففي أوروبا مثلًا، لم يكن مؤمنًا سوى نحو 25% من الخسائر البالغة 900 مليار يورو التي سببتها الكوارث الطبيعية خلال الأربعين عامًا الماضية.

وينبغي تعزيز أدوات التأمين، مثل التأمين البارامتري وصناديق الكوارث السيادية، التي تصرف الأموال بناءً على محفزات محددة مسبقًا مثل نقص الأمطار أو مستويات الخزانات.

ويمكن لقطاع التأمين أن يؤدي دورًا حاسمًا في قياس المخاطر المرتبطة بالمياه من خلال التعاون مع مختلف الأطراف في النظام.

كما يمكن تحفيز شركات التأمين على تصميم منتجات مخصصة للمياه تتضمن معايير مخاطر وهياكل دفع وآليات تمويل مختلط مخصصة.

دراسة حالة 18: Zurich Insurance – حلول المرونة

تمثل Zurich Resilience Solutions وحدة الأعمال المتخصصة لدى Zurich Insurance في المرونة المناخية وإدارة المخاطر.

وتجمع الوحدة بين التحليلات المتقدمة، باستخدام نماذج مناخية خاصة، والتقييمات الميدانية، لمساعدة العملاء على تحديد مواطن الضعف المناخية وقياسها والتكيف معها عبر الأصول والعمليات.

وتقيّم الوحدة المخاطر المرتبطة بالمياه، مثل التعرض للفيضانات والجفاف، باستخدام نماذج سيناريوهات تتضمن محفزات قابلة للقياس مثل حدود هطول الأمطار ومستويات الخزانات، وتربطها باستراتيجيات التخفيف والتمويل.

ومن الأمثلة التطبيقية تأمين مؤشر الطقس البارامتري من Zurich Syariah في إندونيسيا، حيث يواجه صغار مزارعي القهوة أحوالًا جوية متطرفة بينما يفتقرون إلى التأمين التقليدي.

وقد قدمت الشركة تأمينًا يستند إلى مؤشر الطقس، يجري تفعيله باستخدام بيانات الأقمار الصناعية ومحفزات الأمطار، من دون الحاجة إلى تقييم الأضرار في الموقع، ما يسمح بتسريع المدفوعات وتعزيز مرونة القطاع الزراعي.

أدوات تمويل المياه

لا يزال تمويل المياه من خلال السندات الزرقاء والقروض المرتبطة بالاستدامة والنماذج المختلطة محدود التطور.

فالسندات الزرقاء مثلت أقل من 1% من إجمالي إصدارات السندات المستدامة عالميًا عام 2024، رغم ملاءمتها الكبيرة لمشروعات المياه، إذ يتوافق متوسط آجالها البالغ تسع سنوات مع فترات استرداد تكاليف البنية التحتية.

ويمكن للأدوات الخاصة بالمياه تحفيز الطلب من الجهات الممولة من خلال ربط جمع رأس المال بأهداف واضحة للكفاءة والمرونة.

ومع ذلك، يظل تعزيز الكفاءة التشغيلية لشركات المياه أكثر أهمية في تحسين قابليتها للتمويل وجدارتها الائتمانية، بما يخلق الظروف التي تسمح بتدفق التمويل على نطاق واسع.

ولإطلاق السوق، ينبغي لصناع السياسات دعم تطوير تصنيف خاص باستثمارات المياه، وفرض تقارير موحدة للأثر، ودمج مؤشرات المياه ضمن إفصاحات الشركات عن الاستدامة، وهي إجراءات تزيد الوضوح وتحفز الطلب.

وفي الوقت نفسه، تستطيع الحكومات ومؤسسات تمويل التنمية وبنوك التنمية متعددة الأطراف تحفيز التمويل عبر تعزيز التعاون، والعمل كمستثمرين أساسيين أو ضامنين، واستخدام أدوات التمويل المختلط لتقليل مخاطر مشاركة القطاع الخاص.

دراسة حالة 19: مجموعة موارد المياه 2030 التابعة للبنك الدولي

تعد مجموعة موارد المياه 2030 إحدى الجهات الرائدة في تسريع تمويل المياه، إذ تعمل على تعبئة الاستثمار من خلال جمع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني حول برامج ومشروعات محددة على المستويات الوطنية ودون الوطنية ومستوى المدن.

وتدعم عمليات المجموعة تبرعات ثنائية ومؤسسات مانحة وشركاء من الشركات، بينما تؤدي المجموعة دورًا محفزًا في إطلاق تدفقات مالية أكبر بكثير من الميزانيات العامة ومؤسسات تمويل التنمية ورأس المال الخاص.

وتحقق ذلك من خلال تهيئة الظروف التي تسمح بابتكار القطاع الخاص والاستفادة من خبراته وحشد رأس ماله في قطاع المياه، بدءًا من وضع سياسات ولوائح ومعايير ملائمة للغرض، وصولًا إلى دعم تصميم الشراكات بين القطاعين العام والخاص وآليات التمويل المبتكرة.

ففي حوض نهر الغانج بالهند مثلًا، شاركت المجموعة في تطوير نموذج شراكة هجينة قائم على الدفعات السنوية لمحطات معالجة مياه الصرف البلدية، ونجح النموذج بالفعل في تعبئة عقود بقيمة 1.5 مليار دولار بمشاركة القطاع الخاص.

وفي منغوليا، ساعد تطوير المجموعة للائحة جديدة لرسوم تلوث المياه، إلى جانب معايير لإعادة استخدام مياه الصرف، على إطلاق استثمار بقيمة 98 مليون دولار في محطة لإعادة تدوير المياه في أولان باتور.

رأس المال العام الاستراتيجي

ينبغي للأموال العامة أن تدعم رأس المال الخاص وأن تستخدم استراتيجيًا لإطلاقه وتعزيز الطلب على الاستثمار.

ويمكن للحكومات وبنوك التنمية الوطنية ومتعددة الأطراف سد فجوة الجدوى الاقتصادية من خلال أدوات مالية مستهدفة تخفض المخاطر وتحسن قابلية المشروعات للتمويل.

وفي الحلول التي لا تزال في مراحلها المبكرة، مثل الحلول القائمة على الطبيعة، يمكن للقروض الميسرة أو ضمانات الخسارة الأولى أن تساعد في إثبات الجدوى المالية وجذب مستثمرين مشاركين.

أما التقنيات الأكثر نضجًا وإثباتًا، مثل إعادة استخدام مياه الصرف أو التحلية، فتستفيد غالبًا من الضمانات السيادية أو هياكل التمويل المختلط.

وفي الوقت نفسه، يمكن للإعفاءات الضريبية والحسومات الممنوحة للمستهلكين تحفيز اعتماد التقنيات الكفؤة في استخدام المياه، مثل كشف التسرب أو أنظمة إعادة الاستخدام اللامركزية، بما يساعد في بناء الطلب على التمويل.

دراسة حالة 20: برنامج مرونة المياه التابع لبنك الاستثمار الأوروبي

من أجل تنفيذ استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمرونة المياه، أطلق بنك الاستثمار الأوروبي برنامجًا لمرونة المياه يتضمن أكثر من 40 مليار يورو من التمويل المخطط للفترة 2025-2027.

وتجمع المبادرة نطاقًا واسعًا من الأدوات، تشمل القروض، مثل القروض الإطارية للحكومات والقروض عبر الوسطاء للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وشركات المرافق، والاستثمارات في رأس المال، ومنها ديون المشاريع لتقنيات المياه في مراحلها المبكرة وصناديق البنية التحتية والبيئة، إضافة إلى الضمانات، مثل تعزيز الائتمان لتمويل المشروعات وضمانات المحافظ للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات المتوسطة.

وإلى جانب التمويل، يقدم البنك خدمات استشارية لإعداد المشروعات وبناء القدرات والإصلاحات التنظيمية.

ويمكن أن يصل التمويل المشترك إلى 75% من تكاليف المشروعات ذات الأولوية المناخية المرتفعة.

ومن خلال الجمع بين الإقراض المباشر وأدوات تقليل المخاطر ودعم رأس المال، يسعى البرنامج إلى جذب رأس المال الخاص وتوسيع الاستثمار في تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف ومكافحة التلوث والحلول القائمة على الطبيعة.

الأدوات القائمة على السوق

ينبغي لصناع السياسات النظر إلى ما هو أبعد من أساليب التمويل التقليدية واستكشاف الآليات القائمة على السوق التي تكافئ الأداء وتتيح الامتثال بمرونة، مثل «الشهادات الزرقاء» ونظم تحديد السقف والتداول لتخصيص المياه.

ويمكن لهذه الأدوات تحفيز الطلب على الاستثمار في المياه، مع استهداف رأس المال الخاص على وجه الخصوص.

ولتفعيل هذه الأدوات، ينبغي لصناع السياسات تحديد الأنشطة المؤهلة، مثل الوفورات الحجمية في المياه والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتحديد الجهات المصدرة أو المشاركة مثل المستخدمين الصناعيين والمزارعين، ووضع بروتوكولات للرصد والتحقق، وإنشاء منصات تداول شفافة.

كما يمكن لهذه الأدوات أن تسهّل إنشاء شركات خدمات المياه، على غرار شركات خدمات الطاقة، بحيث تركز على تقديم الاستشارات وجمع رأس المال المتعلق بالحفاظ على المياه والمرونة.

دراسة حالة 21: أسواق المياه الأسترالية

طورت أستراليا واحدة من أكثر أسواق المياه تقدمًا في العالم في حوض موراي-دارلينغ، حيث يستطيع المزارعون والصناعات وحكومات الولايات شراء حقوق المياه وبيعها.

وتشمل السوق حقوقًا دائمة وحصصًا موسمية، ما يمنح المستخدمين مرونة للتكيف مع السنوات الجافة أو الرطبة.

وفي كل عام، يجري تداول مليارات اللترات من المياه، مع وصول القيمة التقديرية لدوران السوق إلى أكثر من 6 مليارات دولار أسترالي في عام 2021.

ويستخدم المزارعون السوق لتأمين المياه للمحاصيل مرتفعة القيمة، أو تأجير الحقوق لعدة سنوات، أو ترحيل المياه غير المستخدمة إلى الموسم التالي.

ورغم استمرار بعض التحديات المتعلقة بالشفافية والوصول، قدمت سوق حوض موراي-دارلينغ نموذجًا لإدارة الموارد النادرة من خلال التسعير والتداول.

3.3 التكنولوجيا

تعد التكنولوجيا عاملًا تمكينيًا حاسمًا آخر للاستثمار في المياه.

وعلى الرغم من أنها ليست كثيفة رأس المال، فإنها قادرة على تحسين الكفاءة التشغيلية وإطلاق القيمة بسرعة، بما يعزز أثر السياسات والتمويل والثقافة الداعمة.

مراكز الابتكار

لسد الفجوة بين البحث والنشر على نطاق واسع، ينبغي لشركات المرافق والمستثمرين والشركات الناشئة والأوساط الأكاديمية التعاون لإنشاء مراكز ابتكار للمياه تعمل كمختبرات فعلية للتقنيات ونماذج الأعمال الجديدة.

ويمكن للقطاع العام أن يؤدي دورًا مهمًا، مثل تحديد التوجهات والأولويات الاستراتيجية العامة للبحث والتطوير، وتشجيع البحث والتطوير المشترك بين شركات المياه والقطاعات الأخرى، ومنها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة والنفايات، من خلال إطلاق مشروعات تجريبية لمعالجة مشكلات محددة.

ويمكن لهذه المراكز أن تتحول إلى منصات للتسويق التجاري تساعد على تجاوز الفجوة الصعبة بين تطوير التكنولوجيا ونشرها تجاريًا، من خلال ربط الشركات الناشئة بالمرافق والمستثمرين.

دراسة حالة 22: مجلس المرافق العامة في سنغافورة

أنشأ مجلس المرافق العامة في سنغافورة مركزًا رائدًا لابتكار المياه من خلال دعم دورة حياة تقنيات المياه بالكامل، بدءًا من التمويل والاختبارات الميدانية وصولًا إلى التوسع والتسويق التجاري.

وتوفر أدوات مثل صندوق البحث والتطوير وصندوق عرض الحلول الصناعية للمياه رأس المال، فيما تتيح مرافق مخصصة إجراء تجارب في ظروف تشغيل حقيقية.

ويجري تسريع التوسع من خلال مركز START للأبحاث التطبيقية ونقل تقنيات الفصل، ومركز الابتكار في تكنولوجيا البيئة والمياه، ومنصة Singapore Water Exchange التي تجمع أكثر من 38 شركة ومجموعة بحثية.

وبين عامي 2002 و2022، استثمر المجلس وشركاؤه 800 مليون دولار سنغافوري في 700 مشروع في 30 دولة، وانتقل ثلثا هذه المشروعات إلى مرحلة التنفيذ.

البيئات التنظيمية التجريبية

البيئة التنظيمية التجريبية هي إطار مراقب يسمح للمبتكرين باختبار التقنيات الجديدة والتحقق منها في ظروف تشغيل حقيقية، مع توفير مرونة تنظيمية مؤقتة وإشراف حكومي وثيق.

وتسمح هذه البيئات للشركات بتجربة حلول مثل أنظمة المراقبة الرقمية وأساليب المعالجة المتقدمة وتقنيات إعادة الاستخدام من دون التقيد الكامل بجميع المتطلبات التنظيمية منذ البداية، مع الحفاظ على السلامة والرقابة.

كما تساعد الجهات التنظيمية على التعلم من الابتكار وتسريع اعتماد التقنيات الجديدة في السوق.

دراسة حالة 23: وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية

أنشأت وزارة البيئة والمياه والزراعة بيئة تنظيمية تجريبية للمياه لدعم اختبار واعتماد حلول مبتكرة في تقنيات المياه ضمن إطار تنظيمي خاضع للرقابة.

وحددت الجهة مجالات تركيز رئيسية لتوجيه الطلبات وتشجيع الابتكار في قطاع المياه، مثل الإدارة الذكية للتسرب والتحلية المتقدمة.

ويُدعى المبتكرون إلى تقديم مقترحات تصف التحديات التنظيمية، ومستوى الجاهزية التقنية، والفوائد المتوقعة.

ثم تراجع الوزارة الطلبات، وتمنح مرونة تنظيمية مؤقتة، وتراقب الأداء.

وتستخدم الدروس المستفادة من هذه التجارب لاحقًا لتعديل الأطر التنظيمية ودعم التوسع الوطني للتقنيات التي يثبت نجاحها، بما يعزز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

النظام البيئي لابتكار المياه

يمكن لصناع السياسات أن يؤدوا دورًا حاسمًا في بناء منظومة ابتكار أكثر جذبًا للاستثمار.

وتستطيع البلدان جذب المواهب من خلال برامج تأشيرات وانتقال مستهدفة، كما يحدث في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، واستخدام حوافز ضريبية لتشجيع الشركات على إنشاء مراكز للبحث والتطوير محليًا.

كما يمكن لمسابقات الابتكار التي ترعاها الجهات العامة، والتي تكافئ الحلول القابلة للتطبيق التجاري في خفض التسرب أو إعادة استخدام المياه أو مواجهة الإجهاد المائي، أن تعزز الظهور في السوق وتحفز الطلب بدرجة كبيرة.

وأخيرًا، تستطيع الحكومات تحفيز المشاريع في مراحلها المبكرة من خلال دعم صناديق عامة وخاصة لتقنيات المياه، تمزج رأس المال الميسر مع التمويل المؤسسي وتمويل الشركات.

ولتحسين كفاءة تكلفة تخصيص رأس المال، ينبغي للحكومات تركيز الموارد على عدد محدود من المشروعات التي تتمتع بإمكانات مرتفعة للتوسع، ومنحها تمويلًا كبيرًا.

دراسة حالة 24: صندوق التحالف الوطني الأمريكي لابتكار المياه

التحالف الوطني لابتكار المياه اتحاد بحثي تموله وزارة الطاقة الأمريكية وتقوده مختبرات لورنس بيركلي الوطنية.

وأُنشئ عام 2019 بميزانية قدرها 110 ملايين دولار لمدة خمس سنوات.

ويهدف إلى جعل 90% من مصادر المياه غير التقليدية قابلة للمعالجة بتكلفة مستوية مماثلة لتكلفة المصادر الهامشية الحالية للمياه خلال عشر سنوات.

وينسق التحالف أكثر من 70 مشروعًا بحثيًا وتجريبيًا في التحلية وإعادة استخدام المياه، يركز كل منها على واحد من ثلاثة مجالات: ابتكار العمليات وتكثيفها، والمواد والتصنيع، ونمذجة البيانات وتحليلها.

ويتكون التحالف من أكثر من 400 منظمة شريكة تشمل مراكز البحوث والجامعات والصناعة والجهات الفدرالية وجهات الولايات والمؤسسات غير الربحية.

3.4 الثقافة

لا يمكن لجميع العوامل الممكنة المذكورة سابقًا أن تنجح بمعزل بعضها عن بعض.

فمن الضروري بناء ثقافة تقدر المياه، وتفهم أهميتها الاجتماعية والاقتصادية، وتدعم الإدارة المسؤولة لها على جميع المستويات.

برامج المواطنة

تتمثل الخطوة الأولى في تعزيز حملات التوعية العامة بشأن المرونة المائية.

وينبغي لهذه الحملات إبراز الأهمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمياه.

ويمكن لشركات المياه والحكومات التعاون مع وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني لتعظيم مدى الوصول والتأثير.

كما تستطيع الحكومات إنشاء جوائز أو شهادات للشركات أو المجتمعات أو الأفراد الذين يظهرون ريادة في مجال المرونة المائية.

ويمكن تنفيذ برامج التقدير على جميع المستويات، من البلديات إلى المناطق والولايات.

كما يمكن للتدخلات السلوكية الصغيرة ولكن المستمرة أن تؤدي إلى تحسين المرونة المائية.

فتطبيقات الهاتف المحمول وأدوات التغذية الراجعة الفورية تساعد المستهلكين على متابعة استهلاكهم وتعديل عاداتهم وفقًا لذلك.

دراسة حالة 25: Scottish Water

في أوائل عام 2025، ومع مواجهة اسكتلندا لأكثر بدايات الأعوام جفافًا خلال ستة عقود، أطلقت Scottish Water حملة سلوكية وطنية لتحفيز العملاء على اتخاذ إجراءات بسيطة ولكنها مؤثرة، مثل إيقاف مرشات المياه، واستخدام أوعية الري اليدوية، وتقليص مدة الاستحمام.

وبدعم من اتصالات عبر قنوات متعددة ومشاركة مجتمعية، أسهمت هذه الجهود الجماعية في خفض الطلب اليومي بما يقدر بنحو 60 مليون لتر، وهي كمية تكفي لتزويد نصف منطقة فايف الاسكتلندية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 375 ألف نسمة.

ولم تقتصر الحملة على حماية الإمدادات، بل أسهمت أيضًا في بناء ثقافة للمسؤولية المشتركة عن المياه.

ومن خلال الربط بين كفاءة استخدام المياه وتوفير الطاقة، أظهرت Scottish Water كيف تستطيع التدخلات السلوكية تعزيز المرونة الوطنية وتحقيق منافع اقتصادية وبيئية في الوقت نفسه.

التعليم والتدريب المهني

إن إدماج الثقافة المائية في المناهج المدرسية والجامعية يبني وعيًا ومرونة على المدى الطويل.

وينبغي أن تشمل الموضوعات دورة المياه وتغير المناخ والاقتصاد والتكنولوجيا، وأن يجري تصميمها بصورة مشتركة بين وزارات التعليم وشركات المرافق وشركات التكنولوجيا.

كما يمكن لبرامج التدريب المستهدفة أن تزود المتخصصين، من المهندسين الصناعيين إلى الخبراء الماليين، بالمهارات اللازمة لاعتماد التقنيات والممارسات الجديدة.

ويمكن للحكومات دعم الجامعات والمدارس المهنية وأكاديميات الشركات في تطوير مناهج وشهادات مخصصة تتوافق مع الاحتياجات المتغيرة للقطاع والمتطلبات التنظيمية ومتطلبات الاستدامة.

دراسة حالة 26: Acea وIntesa Sanpaolo – أكاديمية المياه

أطلقت Acea «أكاديمية المياه»، وهو برنامج شامل مبني على ثلاثة مجالات للعمل.

أولًا، مبادرة تعليمية للمدارس الابتدائية والثانوية جرى تطويرها بالتعاون مع وزارة التعليم الإيطالية، وتهدف إلى تعزيز الوعي باستدامة المياه والاستهلاك المسؤول.

ثانيًا، برنامج ماجستير مهني في إدارة المياه، أُنشئ بالشراكة مع Intesa Sanpaolo، ويزود المديرين من المستوى المتوسط في شركات المرافق والصناعة والتمويل بمهارات عملية في البنية التحتية والاقتصاد الدائري وقانون المياه والتحول الرقمي من خلال التدريب داخل قاعات الدراسة وفي مواقع العمل.

ثالثًا، مختبر للروبوتات أُنشئ بالتعاون مع المعهد الإيطالي للتكنولوجيا، ويعمل على تطوير البحث والتطوير في تقنيات المياه، ودعم الابتكار لصالح Acea والشركاء الخارجيين على حد سواء.

الخاتمة

يقف العالم اليوم عند مفترق طرق.

إن سد فجوة البنية التحتية للمياه البالغة 6.5 تريليون يورو ليس مجرد ضرورة تنموية، بل هو أيضًا واحدة من أهم الفرص الاجتماعية والاقتصادية المتاحة اليوم.

ومن شأن تحقيق ذلك أن يطلق نحو 8 تريليونات يورو من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويوفر نحو 200 مليون وظيفة جديدة، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة، مع تعزيز المرونة في المناطق والقطاعات والمجتمعات المختلفة.

ويهدف هذا التقرير إلى أن يكون دليلًا استراتيجيًا للتحول، يجمع نماذج استثمارية قابلة للتكرار وشروطًا تمكينية توضح كيف يمكن تحقيق تقدم ملموس في سياقات مختلفة.

ولا تتمثل غاية هذا الدليل في فرض نموذج عالمي واحد، بل في إلهام العمل والتكييف، ومنح الحكومات والشركات والمستثمرين المرونة لتطبيق الأفكار الأكثر ملاءمة لسياقاتهم.

فالمياه قضية عالمية، لكن كل حل هو حل محلي.

ومن ثم فإن المهمة المقبلة لا تتمثل في اختراع كل شيء من جديد، بل في تسريع ما ينجح بالفعل وتكراره.

وتثبت خبرات شركات ودول رائدة، من بينها أستراليا والبرازيل وإيطاليا وسنغافورة، أن هذا التحول ممكن عندما تكون الممارسات الفضلى متاحة ومطبقة.

وسيدفع الاحتياج إلى الوصول العادل والمرونة والاقتصاد الدائري والابتكار عملية تحول قطاع المياه.

وتحدد هذه الركائز الأربع المترابطة مدى إلحاح التغيير واتجاهه.

وعندما تتلاقى الاستدامة مع التكنولوجيا، يمكنهما إعادة تشكيل القطاع من نموذج خطي يقوم على الاستخراج والتصريف إلى نظام دائري يقوم على إعادة الاستخدام والاسترداد، بحيث تُقدَّر كل قطرة مياه وتُعاد الاستفادة منها وتوظيفها.

ويتطلب تحقيق هذه الإمكانات روحًا متجددة من التعاون على مستوى النظام البيئي.

فصناع السياسات وقادة القطاعات والجهات الممولة قادرون جميعًا على أداء أدوار حاسمة في دفع التغيير والحفاظ عليه.

وينبغي للحكومات اعتبار المياه أصلًا وطنيًا استراتيجيًا، وجزءًا لا يتجزأ من القدرة التنافسية الاقتصادية والتكيف مع المناخ والشمول الاجتماعي.

ومن خلال تحسين أداء شركات المرافق، ومواءمة التعريفات مع التكلفة الحقيقية للخدمة، وإنشاء أطر حوكمة مستقرة وشفافة، يمكن للحكومات خلق الظروف اللازمة لازدهار الاستثمار والابتكار.

أما قادة القطاعات الاقتصادية، فيمكنهم تحويل الطموح إلى تنفيذ.

فمن خلال دمج الرقمنة والاقتصاد الدائري والمرونة في عملياتهم، تستطيع الشركات زيادة الكفاءة، وتقليص المياه غير المدرة للإيرادات، وتعزيز مصداقيتها المالية، وإثبات أن الإدارة المستدامة للمياه ليست تكلفة إضافية بل ميزة تنافسية.

وسيكون لقيادتهم دور محوري في دفع التغيير الثقافي داخل المجتمعات نحو الإدارة المسؤولة للمياه.

وقد حان الوقت للانتقال من المشروعات التجريبية إلى التطبيق واسع النطاق، عبر تسريع نشر التقنيات ونماذج الإدارة التي أثبتت نجاحها في مختلف القطاعات والمناطق الجغرافية من أجل تحقيق أثر قابل للقياس.

كما يؤدي القطاع المالي دورًا محوريًا في هذا التحول.

فمن خلال الأدوات المبتكرة، مثل السندات الزرقاء والقروض المرتبطة بالاستدامة والشراكات بين القطاعين العام والخاص ونماذج قاعدة الأصول المنظمة وآليات التمويل المختلط، يستطيع الممولون تعبئة رأس المال الخاص مع مواءمة الأداء المالي بالنتائج المستدامة القابلة للقياس.

وفي الوقت نفسه، ينبغي لمجتمع الاستثمار النظر في مراجعة استراتيجياته المؤسسية لإدراج المياه بوصفها فئة أصول رئيسية تجذب المستثمرين المؤسسيين وتسرع التغيير المنهجي.

والمسار إلى الأمام واضح.

فمن خلال سياسات متماسكة، وتمويل مبتكر، وتسريع تكنولوجي، والتزام مشترك بالتعاون، يستطيع المجتمع العالمي تحويل البنية التحتية للمياه من عامل قيد إلى محفز للنمو المستدام والمرونة.

الأدوات موجودة، والأمثلة أثبتت نجاحها، ولحظة التحرك هي الآن.

وفقط من خلال القيادة الجماعية للحكومات وقادة القطاعات والجهات الممولة يمكن للقطاع إطلاق كامل إمكاناته وضمان أن تظل المياه أساسًا للازدهار من أجل الأجيال المقبلة.

المصدر

دراسات ذات صلة