تقديم
في عصر يتسم بالتسارع المتواصل في التغير التكنولوجي، واستمرار التقلبات الجيوسياسية، واتساع فجوات القدرات، أصبح المشهد السيبراني في الوقت ذاته محفزاً للتقدم ومصدراً لمخاطر عميقة.
تتسارع مخاطر الأمن السيبراني في عام 2026، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وتعمق التجزؤ الجيوسياسي، وتعقيد سلاسل التوريد. وتتفاقم هذه التحولات بفعل معضلة السيادة المستمرة وانتشار عدم المساواة السيبرانية، وهما عاملان يكشفان عن نقاط ضعف منهجية. والنتيجة هي بيئة تهديدات تختبر فيها سرعة الهجمات وحجمها حدود وسائل الدفاع التقليدية.
وقد أصبح تقرير آفاق الأمن السيبراني العالمي، الذي يدخل عامه الخامس، مرجعاً موثوقاً يمكّن القادة من الحصول على الرؤى اللازمة للتعامل مع التحديات السيبرانية، كما أصبح أداة مهمة لإعادة تعريف استراتيجيات الأعمال واستثمارات المؤسسات والمبادرات الحكومية، والاستفادة من الفرص التي يتيحها مشهد الأمن السيبراني الحالي.
ومن خلال دراسة وجهات نظر القادة وتسليط الضوء على الأولويات التي تقود إلى النجاح، يقدم هذا التقرير رسالة واضحة: مستقبل الأمن السيبراني ليس محدداً سلفاً. فهو يعتمد على الخيارات التي نتخذها اليوم. ومن خلال الاستثمار في الاستشراف والقدرات والابتكار، وتعزيز التعاون بين الصناعات والقطاعات وعبر الحدود الوطنية، يمكننا تحويل التقلبات إلى قوة دفع وبناء مستقبل رقمي أكثر أماناً وقدرة على الصمود معاً.
جيريمي يورغنز، المدير الإداري، المنتدى الاقتصادي العالمي
باولو دال تشين، المسؤول العالمي عن الأمن السيبراني، أكسنتشر
يناير 2026
الملخص التنفيذي
يتسارع تطور الأمن السيبراني في عام 2026 في ظل تزايد التهديدات، والتجزؤ الجيوسياسي، واتساع الفجوة التكنولوجية. ويعمل الذكاء الاصطناعي على تحويل المجال السيبراني على جانبي المواجهة، فهو يعزز الدفاع في الوقت نفسه الذي يتيح فيه شن هجمات أكثر تطوراً.
وتسعى المؤسسات إلى تحقيق توازن بين الابتكار والأمن، من خلال تبني الذكاء الاصطناعي والأتمتة على نطاق واسع، في وقت تكافح فيه أطر الحوكمة والخبرات البشرية لمواكبة هذا التطور. والنتيجة هي مشهد سريع الإيقاع ومتغير باستمرار، تنتقل فيه الاضطرابات بسرعة عبر الحدود، في حين توفر التكنولوجيا في المقابل إمكانات جديدة لتعزيز المرونة.
ويتناول تقرير هذا العام العلاقة بين تبني الذكاء الاصطناعي والاستعداد السيبراني، إلى جانب الفوارق الناشئة التي يخلقها الابتكار. وعلى الصعيد الجيوسياسي، تعيد التجزئة والمخاوف المرتبطة بالسيادة تشكيل التعاون والثقة بين الدول. كما تعكس التهديدات الهجينة والهجمات السيبرانية المتصاعدة حالة التقلب المتزايد في البيئة العالمية.
ومن المنظور الاقتصادي، يستمر التفاوت في الوصول إلى الموارد والخبرات في توسيع فجوة عدم المساواة السيبرانية.
وفي نهاية المطاف، أصبح تعزيز المرونة السيبرانية الجماعية ضرورة اقتصادية ومجتمعية في آن واحد. فالأمن السيبراني يمثل مجالاً لا يزال التعاون فيه ممكناً فحسب، بل قوياً ومؤثراً أيضاً، وهو ما يذكرنا بأنه حتى في ظل التجزؤ والضغوط الاقتصادية وعدم اليقين، يمكن للعمل الجماعي أن يقود إلى تقدم يعود بالنفع على الجميع.
وتبرز ثلاثة اتجاهات رئيسية يتعين على المسؤولين التنفيذيين التعامل معها في مجال الأمن السيبراني خلال عام 2026.
1. الذكاء الاصطناعي يشعل سباق التسلح السيبراني
يتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي أهم عامل محرك للتغيير في الأمن السيبراني خلال العام المقبل، وفقاً لـ94% من المشاركين في الاستطلاع.
ويتحول هذا الإدراك المتزايد إلى إجراءات ملموسة داخل المؤسسات. فقد تضاعفت تقريباً نسبة المشاركين الذين ذكروا أن مؤسساتهم تقيّم أمن أدوات الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها، لترتفع من 37% في عام 2025 إلى 64% في عام 2026.
وفي الوقت نفسه، تتسارع نقاط الضعف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، إذ اعتبر 87% من المشاركين أن نقاط الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت أسرع المخاطر السيبرانية نمواً خلال عام 2025.
2. الجغرافيا السياسية أصبحت عاملاً حاسماً في الأمن السيبراني
في عام 2026، لا تزال الجغرافيا السياسية أهم عامل يؤثر في استراتيجيات الحد من المخاطر السيبرانية بصورة عامة. وتأخذ 64% من المؤسسات في الاعتبار الهجمات السيبرانية ذات الدوافع الجيوسياسية، مثل تعطيل البنية التحتية الوطنية الحيوية أو التجسس.
ومن اللافت أن 91% من أكبر المؤسسات غيرت استراتيجياتها للأمن السيبراني بسبب التقلبات الجيوسياسية.
وفي سياق هذا التقلب، تواصل الثقة في الاستعداد السيبراني الوطني تراجعها، إذ أفاد 31% من المشاركين بانخفاض ثقتهم في قدرة دولهم على الاستجابة للحوادث السيبرانية الكبرى، مقارنة بـ26% في العام السابق.
وتختلف مستويات الثقة بشكل كبير بين المناطق. فقد أبدى المشاركون من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا درجة مرتفعة من الثقة في قدرة دولهم على حماية البنية التحتية الحيوية، بلغت 84%، بينما بلغت هذه النسبة 13% فقط لدى المشاركين في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
وتواصل الحوادث الأخيرة التي أثرت في بنى تحتية رئيسية، مثل المطارات ومنشآت الطاقة الكهرومائية، لفت الانتباه إلى هذه المخاوف. وعلى الرغم من الدور المحوري للقطاع العام في حماية البنية التحتية الحيوية، فإنه يظهر ثقة أقل بكثير في مستوى الاستعداد الوطني.
وأفادت 23% من مؤسسات القطاع العام بأن قدراتها في مجال المرونة السيبرانية غير كافية، مقارنة بـ11% في القطاع الخاص.
3. الاحتيال المدعوم بالفضاء السيبراني يهدد الرؤساء التنفيذيين والأسر على حد سواء
أفاد 73% من المشاركين في الاستطلاع بأنهم أو أشخاصاً ضمن شبكاتهم المهنية أو الشخصية تعرضوا شخصياً لأحد أشكال الاحتيال السيبراني خلال عام 2025.
ويصنف الرؤساء التنفيذيون الاحتيال المدعوم بالفضاء السيبراني باعتباره مصدر قلقهم الأول، في تحول عن التركيز السابق على برمجيات الفدية نحو مخاطر ناشئة تشمل الاحتيال السيبراني ونقاط الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
أما مسؤولو أمن المعلومات، فيواصلون التركيز على برمجيات الفدية ومرونة سلاسل التوريد. ويعكس ذلك اختلافاً في أولويات الأمن السيبراني بين مجالس الإدارة والخطوط الأمامية للعمليات.
في عام 2025، كان ترتيب أهم مخاوف الرؤساء التنفيذيين: هجمات برامج الفدية أولاً، ثم الاحتيال السيبراني والتصيد، ثم اضطرابات سلاسل التوريد.
وفي عام 2026 أصبح الاحتيال السيبراني والتصيد في المركز الأول، تليهما نقاط الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ثم استغلال الثغرات البرمجية.
أما لدى مسؤولي أمن المعلومات، فقد بقيت برامج الفدية في المركز الأول خلال عامي 2025 و2026، وبقيت اضطرابات سلاسل التوريد في المركز الثاني، بينما انتقل المركز الثالث من الاحتيال والتصيد إلى استغلال الثغرات البرمجية.
1. خمس سنوات من تقرير آفاق الأمن السيبراني العالمي
في عام 2026، سيواصل الأمن السيبراني التطور عبر أبعاد تكنولوجية وجيوسياسية واقتصادية واستراتيجية.
خلال العام الماضي، أصبح الفضاء السيبراني متشابكاً بصورة عميقة مع الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي والحياة اليومية للأفراد والمؤسسات على حد سواء.
وكشف جيل جديد من الحوادث السيبرانية هشاشة هذه الروابط، من اضطرابات سلاسل تجارة التجزئة والتصنيع، إلى تباطؤ حركة الطيران، والاختراقات التي أصابت أنظمة القطاع العام، والانقطاعات واسعة النطاق في الخدمات السحابية.
وأكد كل حادث مدى الترابط الوثيق داخل النظام البيئي الرقمي، حيث يمكن لخلل محلي واحد أو هجوم مستهدف أن يتصاعد بسرعة ويؤدي إلى عواقب ذات نطاق عالمي.
وفي عام 2026، سيستمر الأمن السيبراني في التطور عبر الأبعاد التكنولوجية والجيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وفي هذا المشهد، لم يعد الأمن السيبراني وظيفة تقنية تجري في الخلفية، بل أصبح قضية استراتيجية أساسية للحكومات والشركات والمجتمعات.
وسيختبر العام المقبل ليس فقط مستوى الاستعداد التكنولوجي العالمي، وإنما أيضاً القدرة على مواءمة السياسات والأخلاقيات والتعاون في الدفاع عن عالم يزداد اعتماداً على التكنولوجيا الرقمية.
وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، تابع تقرير آفاق الأمن السيبراني العالمي تطور المخاطر المرتبطة بالمشهد الرقمي، ابتداءً من الحاجة الملحة إلى الرقمنة التي فرضتها الجائحة، وصولاً إلى البيئة الحالية التي تتسم بتسارع التعقيد والتجزؤ والتحول التكنولوجي.
وقد رصد إصدار عام 2022 عالماً يتكيف مع مستوى غير مسبوق من الترابط. فمع تسابق المؤسسات لرقمنة عملياتها خلال جائحة كوفيد-19، حذر التقرير من اتساع فجوات القدرات التي تركت المؤسسات والدول الأصغر تكافح لحماية بنيتها التحتية التي أصبحت أكثر رقمية.
وبحلول عام 2023، أصبح من الصعب فصل المخاطر السيبرانية عن الجغرافيا السياسية. ووثق التقرير كيف أعادت حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي المتصاعدة والاعتماد المتبادل في سلاسل التوريد تشكيل أولويات الشركات.
ووصف إصدار عام 2024 عالماً يتسم بالاستقطاب والتقدم غير المتكافئ. فقد نما اقتصاد الأمن السيبراني بوتيرة أسرع من الاقتصاد العالمي، إلا أن هذا النمو أخفى اتساع عدم المساواة السيبرانية بين المؤسسات المرنة والغنية بالموارد، وتلك التي كانت تتخلف عن الركب.
وفي عام 2025، خلص الإصدار الرابع إلى أن سلسلة من العوامل المتراكمة، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية، وتعقيد سلاسل التوريد، وتزايد اللوائح التنظيمية، وسرعة تبني التكنولوجيا، كانت تخلق حقبة من التعقيد المتزايد وعدم القدرة على التنبؤ.
وعبر هذه الأعوام الأربعة وصولاً إلى العام الخامس، يبرز موضوع واحد بوضوح: أصبح التعاون ضرورة لا غنى عنها في عالم مجزأ يواجه تهديدات متزايدة وفجوة تكنولوجية متسعة وحالة متنامية من عدم المساواة تهدد بتعميق فجوة المرونة السيبرانية.
2. الرؤية من القمة: أولويات الرؤساء التنفيذيين في مشهد سيبراني متغير
جمع استطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي 2026 آراء أكثر من 100 رئيس تنفيذي من مختلف القطاعات والمناطق. وتقدم إجاباتهم منظوراً فريداً حول كيفية فهم قادة المؤسسات للمشهد السيبراني المتغير.
مشهد التهديدات
الاحتيال السيبراني هو مصدر القلق الأول للرؤساء التنفيذيين، بينما تبقى برامج الفدية في صدارة مخاوف مسؤولي أمن المعلومات
في عام 2025، كان الرؤساء التنفيذيون أكثر قلقاً بشأن هجمات برامج الفدية، يليها الاحتيال السيبراني. أما في عام 2026، فقد تغير ترتيب الأولويات، وأصبح الاحتيال السيبراني والتصيد في المركز الأول، فيما ظهرت نقاط الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المركز الثاني.
وبالنسبة إلى مسؤولي أمن المعلومات، اتسم ترتيب المخاطر بدرجة كبيرة من الاستمرارية، إذ بقيت هجمات برامج الفدية في المركز الأول، وظلت اضطرابات سلاسل التوريد في المركز الثاني خلال العامين.
ويشير ذلك إلى أن الرؤساء التنفيذيين يعطون الأولوية لمنع الخسائر المالية والاستعداد للتهديدات الجديدة، بينما يواصل مسؤولو أمن المعلومات تركيزهم على المرونة التشغيلية.
الرؤساء التنفيذيون في المؤسسات الأعلى مرونة يشعرون بقلق أكبر إزاء نقاط ضعف الذكاء الاصطناعي
يبقى الاحتيال السيبراني والتصيد أهم مخاوف الأمن السيبراني لدى الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
لكن مع تحسن مستوى المرونة، تتغير النظرة إلى المخاطر باتجاه التهديدات الناشئة. ففي المؤسسات عالية المرونة، تحتل نقاط الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المرتبة الأولى في قائمة مخاوف الرؤساء التنفيذيين.
ويشير ذلك إلى أن المؤسسات الأكثر مرونة أكثر انتباهاً إلى المخاطر المتطورة التي تفرضها التقنيات المتقدمة.
وبالنسبة إلى المؤسسات عالية المرونة، جاء ترتيب المخاطر على النحو الآتي: نقاط الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أولاً، والاحتيال السيبراني والتصيد ثانياً، واضطراب سلاسل التوريد ثالثاً، واستغلال الثغرات البرمجية رابعاً، وهجمات برامج الفدية خامساً، والتهديد الداخلي سادساً، وهجمات حجب الخدمة سابعاً.
أما المؤسسات ذات المرونة غير الكافية، فجاء الاحتيال السيبراني والتصيد أولاً، وبرامج الفدية ثانياً، واستغلال الثغرات البرمجية ثالثاً، ونقاط ضعف الذكاء الاصطناعي رابعاً، وهجمات حجب الخدمة خامساً، والتهديد الداخلي سادساً، واضطرابات سلاسل التوريد سابعاً.
مخاطر الذكاء الاصطناعي
تسرب البيانات وتطور قدرات الخصوم يتصدران مخاوف الرؤساء التنفيذيين بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي
حدد الرؤساء التنفيذيون تسرب البيانات بنسبة 30% وتطور قدرات الخصوم بنسبة 28% باعتبارهما أهم المخاوف الأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويبرز هذان الخطران بوضوح مقارنة ببقية المخاطر، بما يشير إلى أن احتمال كشف البيانات المملوكة للمؤسسات من خلال الذكاء الاصطناعي التوليدي، وازدياد تطور المهاجمين السيبرانيين، هما القضيتان الأساسيتان على رادار الرؤساء التنفيذيين في عام 2026.
وجاءت بقية المخاوف على النحو الآتي: الأمن التقني لأنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها بنسبة 15%، وزيادة تعقيد حوكمة الأمن بنسبة 13%، والمخاوف القانونية المتعلقة بالملكية الفكرية والمسؤولية بنسبة 9%، ومخاطر سلسلة توريد البرمجيات وتطوير الشيفرات بنسبة 6%.
الجغرافيا السياسية
الرؤساء التنفيذيون في القطاع الخاص يشككون في الاستعداد الوطني للتعامل مع الهجمات السيبرانية الكبرى على البنية التحتية الحيوية
أقل من 45% من الرؤساء التنفيذيين في القطاع الخاص يثقون في قدرة بلدانهم على الاستجابة للحوادث السيبرانية الكبرى التي تستهدف البنية التحتية الحيوية.
وبلغت نسبة الواثقين 43%، بينما اتخذ 26% موقفاً محايداً، وأعرب 31% عن عدم ثقتهم في مستوى الاستعداد الوطني.
الرؤساء التنفيذيون في المؤسسات عالية المرونة يعطون الأولوية لمعلومات التهديدات وتبادل المعلومات لمواجهة التقلبات الجيوسياسية
يعطي 52% من الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات عالية المرونة الأولوية للمعلومات المتعلقة بالتهديدات الصادرة عن جهات مرتبطة بالدول، مقارنة بـ13% فقط من الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
وبالمثل، يزيد 48% من الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات عالية المرونة مستوى التعاون مع الوكالات الحكومية ومجموعات تبادل المعلومات، بينما تبلغ هذه النسبة 6% فقط لدى الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
ويشير ذلك إلى أن المرونة لم تعد تُبنى بمعزل عن الآخرين، بل تتحقق من خلال المعلومات المشتركة والشراكات.
كما زاد 30% من الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات عالية المرونة ميزانياتهم المخصصة للأمن السيبراني بسبب التقلبات الجيوسياسية، وغير 30% منهم الموردين أو هم بصدد تغييرهم لاعتبارات جيوسياسية، فيما أوقف 19% ممارسة الأعمال أو العمليات في بعض الدول.
في المقابل، بلغت هذه النسب 13% و13% و6% على التوالي في المؤسسات ذات المرونة غير الكافية، وأفاد 13% منها بأن ميزانيات الأمن السيبراني تعرضت للتخفيض.
الأمن السيبراني هو أساس عالمنا الرقمي. وهو في قلب الثقة، وسيتيح للمجتمع الاستفادة الكاملة من التحولات التي تمكّنها تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية. لكنه ليس شيئاً يمكن القيام به بصورة منفردة. علينا أن نجتمع، وأن نتبادل المعلومات الاستخباراتية عالمياً، وأن نطور المهارات التي تتناسب مع المخاطر الناشئة. يدرك المجتمع حجم ما هو على المحك إذا أخطأنا في هذا الأمر. ومن الضروري أن ننجح فيه. وإذا فعلنا ذلك، سنتمكن من تحقيق الإمكانات العديدة التي يمكن أن يستفيد منها عدد هائل من الناس حول العالم.
مايكل ميباخ، الرئيس التنفيذي، ماستركارد
المرونة
الرؤساء التنفيذيون في المؤسسات عالية المرونة يرون مخاطر النظام البيئي الخارجي أكبر تحدٍ للمرونة السيبرانية، بينما يشير نظراؤهم الأقل مرونة إلى نقص التمويل والمهارات
مع تحسن مرونة المؤسسات، يحول الرؤساء التنفيذيون اهتمامهم بصورة متزايدة من القيود الداخلية على الموارد، مثل نقص التمويل أو المهارات، إلى المخاطر الأوسع المرتبطة بالنظام البيئي.
وفي الاستطلاع، اعتبر 78% من الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات عالية المرونة أن الاعتماد على سلاسل التوريد والأطراف الثالثة يمثل أكبر تحدٍ أمام زيادة تعزيز المرونة.
وعلى الجانب الآخر، كان نقص مهارات الأمن السيبراني بنسبة 56% ونقص التمويل بنسبة 63% أبرز التحديات التي حددها الرؤساء التنفيذيون في المؤسسات ذات المرونة غير الكافية لتحسين مرونتهم السيبرانية.
ومن بين المؤسسات عالية المرونة، اعتبر 56% المشهد سريع التطور للتهديدات والتقنيات الناشئة تحدياً كبيراً، و41% تعقيدات الامتثال التنظيمي والحوكمة، و19% نقص الرؤية عبر بيئات تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية وإنترنت الأشياء، و19% نقص المهارات والخبرات السيبرانية، و15% قصور التخطيط للاستجابة للحوادث والتعافي، و15% الأنظمة القديمة، و15% نقص التمويل.
سلسلة التوريد
الرؤساء التنفيذيون في المؤسسات عالية المرونة يدمجون الأمن في عمليات المشتريات لمواجهة مخاطر سلاسل التوريد
يدمج الرؤساء التنفيذيون في المؤسسات عالية المرونة الاعتبارات الأمنية في عملية المشتريات بنسبة 70%، ويعطون الأولوية لتقييم نضج الموردين في مجال الأمن بنسبة 59%، بهدف معالجة مخاطر سلاسل التوريد.
كما يعمل 48% منهم على مواءمة استراتيجية المرونة السيبرانية مع شركائهم في النظام البيئي، و48% يرسمون خريطة تفصيلية لنظامهم البيئي لفهم المواضع التي قد تتعرض فيها مؤسساتهم أو شركاؤهم للتهديدات السيبرانية، و44% يحاكون الحوادث السيبرانية أو يخططون لتمارين التعافي مع شركاء النظام البيئي، و30% يتبادلون معلومات التهديدات مع العملاء والموردين والشركاء.
عدم المساواة
الرؤساء التنفيذيون في أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي يواجهون أكبر نقص في المهارات السيبرانية
خارج أوروبا وأمريكا الشمالية، يعترف أكثر من نصف الرؤساء التنفيذيين بعدم توافر المهارات اللازمة لتحقيق أهداف الأمن السيبراني الحالية.
وتواجه أفريقيا جنوب الصحراء أكبر فجوة، إذ ذكر 70% من الرؤساء التنفيذيين أن لديهم نقصاً في الأشخاص والمهارات الأساسية، تليها أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 69%.
وبلغت النسبة 50% في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و50% في جنوب آسيا، و50% في شرق آسيا والمحيط الهادئ، و35% في أمريكا الشمالية، و33% في أوروبا وآسيا الوسطى.
3. الاتجاهات التي تعيد تشكيل الأمن السيبراني
مع مواجهة المؤسسات لتهديدات الذكاء الاصطناعي، والتقلبات الجيوسياسية، ونقاط ضعف سلاسل التوريد، لم تكن الحاجة إلى المرونة أكثر وضوحاً مما هي عليه اليوم.
3.1 الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المخاطر ويسرّع قدرات الهجوم والدفاع معاً
تعمل التطورات في الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل مجالات عديدة، من بينها الأمن السيبراني. وعندما تُطبّق هذه التقنيات بشكل سليم، يمكنها مساعدة العاملين ودعمهم في اكتشاف التهديدات السيبرانية والدفاع ضدها والاستجابة لها.
لكنها قد تطرح أيضاً مخاطر خطيرة مثل تسرب البيانات والهجمات السيبرانية والأضرار عبر الإنترنت إذا تعطلت أو أسيء استخدامها.
ويتعين على الحكومات تبني نهج عملي وتعاوني واستشرافي لتطوير التقنيات الناشئة واستخدامها بأمان، مع استمرار تطور قدراتها ومخاطرها. وتتجاوز هذه المخاطر الحدود، ويتمثل التحدي في تعظيم فوائد الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك استخدامه لتعزيز المرونة السيبرانية، مع تقليل مخاطره إلى أدنى حد.
جوزفين تيو، وزيرة التنمية الرقمية والمعلومات والوزيرة المسؤولة عن الأمن السيبراني ومجموعة الأمة الذكية، سنغافورة
يتوقع 94% من المشاركين في الاستطلاع أن يكون الذكاء الاصطناعي أهم محرك للتغيير في الأمن السيبراني خلال العام المقبل.
ويعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مشهد الأمن السيبراني عبر ثلاثة أبعاد مترابطة.
أولاً، يؤدي الدمج واسع النطاق لأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى توسيع سطح الهجوم وخلق نقاط ضعف جديدة لم تكن الضوابط التقليدية مصممة للتعامل معها.
ثانياً، يستخدم المدافعون الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتهم السيبرانية، من خلال تحسين الاكتشاف، وتسريع الاستجابة للحوادث، وأتمتة المهام التحليلية ذات الأحجام الكبيرة.
ثالثاً، يستخدم الفاعلون المهددون الذكاء الاصطناعي لزيادة حجم هجماتهم وسرعتها وتطورها ودقتها، وهو ما يدفع نحو جيل جديد من الاستغلال الآلي والهندسة الاجتماعية الموجهة.
وتوضح هذه الديناميكيات مجتمعة الطبيعة مزدوجة الاستخدام للذكاء الاصطناعي، فهو مضاعف للقوة الدفاعية ومحفز للمهاجمين في الوقت نفسه.
ومع اشتداد هذه المنافسة التكنولوجية، تتحول المؤسسات من الأمن التفاعلي إلى الأمن الاستباقي، وتعيد تقييم الحوكمة والتحقق والإشراف في كل مرحلة من مراحل تبني الذكاء الاصطناعي.
وتعتمد فوائد الذكاء الاصطناعي على الانضباط في التنفيذ. فالحلول التي تطبق بصورة سيئة قد تخلق مخاطر جديدة، مثل سوء الإعداد، واتخاذ قرارات متحيزة، والاعتماد المفرط على الأتمتة، والقابلية للتلاعب من الخصوم، ما لم تدمج المؤسسات ضوابط قوية وممارسات تقوم على الأمن منذ مرحلة التصميم ومراقبة مستمرة.
والخلاصة واضحة: يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين الأمن السيبراني، لكن فقط عندما يُستخدم ضمن أطر حوكمة سليمة تُبقي الحكم البشري في صميم العملية. وفي الوقت ذاته، يمكن أن يؤدي الإفراط في الضوابط إلى خلق عراقيل، ولذلك من الضروري الوصول إلى توازن دقيق.
أمن الذكاء الاصطناعي: من الوعي إلى التنفيذ
وفقاً لاستطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي 2026، اعتبر 87% من المشاركين أن نقاط الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت أسرع المخاطر السيبرانية نمواً خلال عام 2025.
كما برز تسرب البيانات المرتبط بالذكاء الاصطناعي التوليدي بنسبة 34% وتطور قدرات الخصوم بنسبة 29% باعتبارهما أهم المخاوف لعام 2026.
ويمثل ذلك انعكاساً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة. ففي عام 2025، تصدر تطور قدرات الخصوم القائمة بنسبة 47%، مقارنة بـ22% فقط لتسرب البيانات المرتبط بالذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويكشف هذا التحول عن نقطة انعطاف في مشهد مخاطر الذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل. ففي الوقت الذي يستمر فيه تصاعد «سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي» بين المهاجمين والمدافعين، يتحول الاهتمام من الابتكار الهجومي القائم على الذكاء الاصطناعي وحده نحو التعرض غير المقصود للبيانات الحساسة وإساءة استخدامها من خلال الأنظمة التوليدية والوَكيلية.
وتنعكس زيادة الوعي بالمخاطر السيبرانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاهتمام المتزايد باستخدامه بصورة آمنة.
وكان تقرير آفاق الأمن السيبراني العالمي لعام 2025 قد سلط الضوء على فجوة كبيرة بين الاعتراف الواسع بالمخاطر المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وبين التبني السريع لهذه التقنيات من دون ضمانات أمنية كافية.
وبحلول عام 2026، بدأت الصورة تتغير. فقد ارتفعت نسبة المؤسسات التي تقيّم أمن أدوات الذكاء الاصطناعي لديها من 37% في عام 2025 إلى 64% في عام 2026، وهو ما يشير إلى أن عدداً أكبر من المؤسسات بدأ في تطبيق عمليات منظمة ونماذج حوكمة لإدارة الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة ومسؤولة.
وفي استطلاع عام 2026، أفادت 40% من المؤسسات بأنها تجري مراجعات دورية لأدوات الذكاء الاصطناعي قبل نشرها، بدلاً من الاكتفاء بتقييم لمرة واحدة، وهو ما تقوم به 24% من المؤسسات. ويشكل ذلك مؤشراً واضحاً على التقدم باتجاه التحقق المستمر.
ومع ذلك، لا يزال نحو ثلث المؤسسات يفتقر إلى أي عملية للتحقق من أمن الذكاء الاصطناعي قبل نشره، ما يترك نقاط تعرض منهجية قائمة في الوقت الذي يتسارع فيه سباق تبني الذكاء الاصطناعي في الدفاع السيبراني.
وغالباً ما تتجاوز رغبة السوق في تبني ميزات جديدة للذكاء الاصطناعي مستوى الجاهزية الأمنية، وهو ما يخلق نقاط ضعف قابلة للاستغلال.
واستجابة لهذه المخاطر الناشئة، ينبغي إعطاء الأولوية لمجموعة من التدابير الأساسية لتأمين الذكاء الاصطناعي على مستوى البنية التحتية.
ويشمل ذلك حماية البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتخصيصها من الاختراق والوصول غير المصرح به.
كما ينبغي تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي بحيث يكون الأمن مبدأً أساسياً فيها، مع إدخال تحديثات وتصحيحات منتظمة لمعالجة نقاط الضعف المحتملة.
ومن الضروري أيضاً استخدام بروتوكولات قوية للمصادقة والتشفير من أجل حماية تفاعلات العملاء وبياناتهم.
الانتشار الواسع لوكلاء الذكاء الاصطناعي
مع تزايد انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي، يُتوقع أن يغيروا بصورة جوهرية الطريقة التي تُصمم وتُطور بها الأنظمة الرقمية.
ويمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تحسين الكفاءة وسرعة الاستجابة وقابلية التوسع من خلال أتمتة الأنشطة المعقدة أو المتكررة بسرعة واتساق.
لكن دمجهم يمكن أن يتحدى أطر الأمن التقليدية، ويعيد تعريف الأدوار والعمليات، ويثير أسئلة أساسية حول اتخاذ القرار وترتيب التنبيهات بحسب الأولوية.
ويجعل تضاعف الهويات والاتصالات إدارة بيانات اعتماد هؤلاء الوكلاء وأذوناتهم وتفاعلاتهم أمراً لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر تعقيداً، من إدارة بيانات المستخدمين البشر.
ومن دون حوكمة قوية، قد تتراكم لدى الوكلاء صلاحيات مفرطة، أو يتعرضون للتلاعب عبر عيوب التصميم أو حقن التعليمات، أو ينشرون الأخطاء ونقاط الضعف على نطاق واسع من دون قصد.
وتضاعف سرعتهم وقدرتهم على الاستمرار هذه المخاطر، ما يؤكد الحاجة إلى التحقق المستمر، ومسارات التدقيق، وهياكل واضحة للمساءلة تستند إلى مبادئ انعدام الثقة، بحيث يُعامل كل تفاعل على أنه غير موثوق افتراضياً.
الذكاء الاصطناعي من أجل الأمن السيبراني
يغير الذكاء الاصطناعي عمليات الأمن بصورة جوهرية، إذ يسرع الاكتشاف والفرز والاستجابة، مع أتمتة مهام كثيفة العمل مثل تحليل السجلات وإعداد تقارير الامتثال.
وتمنح قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات هائلة من البيانات وتحديد الأنماط بسرعة ميزة تنافسية للمؤسسات التي تسعى إلى البقاء متقدمة على التهديدات السيبرانية المتزايدة التطور.
وتظهر بيانات الاستطلاع أن 77% من المؤسسات تبنت الذكاء الاصطناعي لأغراض الأمن السيبراني، وبشكل أساسي لتعزيز اكتشاف التصيد بنسبة 52%، واكتشاف الاختراقات والشذوذ والاستجابة لها بنسبة 46%، وتحليلات سلوك المستخدم بنسبة 40%.
كما يستخدم 43% الذكاء الاصطناعي لأتمتة العمليات الأمنية، و39% في معلومات التهديدات وترتيب المخاطر حسب الأولوية، و8% لأغراض أخرى.
وعند النظر إلى التحديات العملية لتبني الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني، تشير المؤسسات بصورة متكررة إلى نقص المعرفة أو المهارات بنسبة 54%، والحاجة إلى إشراف بشري بنسبة 41%، وعدم اليقين بشأن المخاطر بنسبة 39% باعتبارها العقبات الرئيسية.
وتشير هذه النتائج إلى أن الثقة لا تزال عائقاً أمام التبني الواسع للذكاء الاصطناعي.
المجرمون على استعداد دائماً لاستخدام جميع الوسائل الممكنة للوصول إلى الأشياء ذات القيمة، والكثير من هذه القيمة موجود داخل البنية التحتية السيبرانية. وبالتالي، لكي نبقى في المقدمة، علينا نحن المدافعين استخدام كل أداة متاحة لنا، وهو ما يشمل الآن الذكاء الاصطناعي الوكيلي.
أرفيند كريشنا، الرئيس التنفيذي، IBM
ومع تعامل المؤسسات مع دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها الأمنية، يصبح التوازن بين الأتمتة والحكم البشري أكثر أهمية.
ورغم تفوق الذكاء الاصطناعي في أتمتة المهام المتكررة ذات الأحجام الكبيرة، فإن محدوديته الحالية في الحكم السياقي واتخاذ القرارات الاستراتيجية لا تزال واضحة.
وقد يؤدي الاعتماد المفرط على أتمتة غير محكومة إلى خلق نقاط عمياء يمكن للخصوم استغلالها.
وتعيد هذه الديناميكية المتغيرة تشكيل دور المتخصصين في الأمن السيبراني، وتبرز أهمية تكييف مجموعات المهارات لتلبية المتطلبات الجديدة.
وتُعد «الشبكات والأمن السيبراني» من بين أسرع ثلاث مجموعات مهارات نمواً متوقعة حتى عام 2030، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة ومحو الأمية التكنولوجية، وهو ما يعزز الحاجة الملحة إلى رفع المهارات بصورة مستهدفة والتعلم المستمر.
وبدلاً من استبدال الخبرة البشرية، يتيح الذكاء الاصطناعي للمتخصصين تحويل تركيزهم نحو الإشراف الاستراتيجي والحوكمة والسياسات، مع تفويض المهام التشغيلية الروتينية إلى الأتمتة.
ويتطلب هذا الانتقال مجموعات جديدة من المهارات تجمع بين الكفاءة التقنية والاعتبارات الاستراتيجية والأخلاقية، ويؤكد الأهمية المتزايدة لمحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي داخل فرق الأمن.
وأولويات المؤسسات واضحة: الاستثمار في المعرفة بالذكاء الاصطناعي ومهارات استخدامه الآمن، ودمج الحوكمة والتحقق، من دون خلق نقاط فشل منفردة جديدة.
ويبرز نموذج تعاوني قائم على مبادئ «الأمن منذ التصميم» بوصفه المسار الموصى به، إذ يمكّن المؤسسات من الاستفادة من مزايا الذكاء الاصطناعي مع الحد من نقاط الضعف وضمان أن يؤدي الابتكار إلى تعزيز الأمن السيبراني بدلاً من الإضرار به.
كيف تتبنى القطاعات الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني
يختلف تبني أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات السيبرانية بين القطاعات، بما يعكس اختلاف ملفات المخاطر والاحتياجات التشغيلية.
يركز قطاع الطاقة على اكتشاف الاختراقات والشذوذ والاستجابة لها، وهو ما ذكره 69% من المشاركين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للأمن السيبراني في هذا القطاع.
أما قطاع المواد والبنية التحتية فيعطي الأولوية للحماية من التصيد بنسبة 80%.
وفي قطاع التصنيع وسلاسل التوريد والنقل، يبرز استخدام أوسع لأتمتة العمليات الأمنية بنسبة 59%.
ولا تعكس هذه الاختلافات طبيعة المخاطر والقيود التشغيلية الخاصة بكل قطاع فحسب، بل تشير مجتمعة إلى نضج مجموعة قدرات الدفاع السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بحيث أصبحت تشمل الاكتشاف، والمعلومات الاستخباراتية، والتحليلات، والدفاع السيبراني المنسق.
3.2 الجغرافيا السياسية أصبحت سمة حاسمة في الأمن السيبراني
في بيئة عالمية تزداد تجزؤاً، وتتسم بالصراعات والتوترات الجيو-اقتصادية والحروب التجارية والعقوبات والمنافسة التكنولوجية المتزايدة، أصبحت الجغرافيا السياسية قوة حاسمة تعيد تشكيل الأمن السيبراني.
وتظهر بيانات استطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي 2026 أنه رغم انخفاض نسبة المؤسسات التي غيرت استراتيجيات الأمن السيبراني لديها بسبب الجغرافيا السياسية من 93% في عام 2023 إلى 66% في عام 2026، فإن الجغرافيا السياسية لا تزال العامل الأول المؤثر في الاستراتيجيات العامة للحد من المخاطر السيبرانية.
ويشير ذلك إلى أن الموجة الأولى من التكيفات التي أعقبت الاضطرابات الجيوسياسية التي تصدرت العناوين في عامي 2022 و2023 قد مرت، وأن المخاطر الجيوسياسية أصبحت الآن عنصراً رئيسياً مدمجاً في كيفية بناء الدفاع السيبراني.
وتأخذ 64% من المؤسسات في اعتبارها الهجمات السيبرانية ذات الدوافع الجيوسياسية، بما في ذلك تعطيل البنية التحتية الوطنية الحيوية والتجسس.
كما يأخذ 49% التضليل في الحسبان، و42% تقارب تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية وإنترنت الأشياء والروبوتات، و41% الكوارث الطبيعية والاضطرابات البيئية طويلة الأجل، و18% الاعتماد على الكابلات البحرية أو خطوط الاتصالات، و15% الاعتماد على الأصول الفضائية مثل الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع والاتصالات الفضائية.
وتتحول المؤسسات بصورة متزايدة من الدفاع المنعزل إلى التعاون القائم على المعلومات الاستخباراتية.
واعتبر المشاركون أن زيادة التركيز على معلومات التهديدات، وتعميق التعاون مع الجهات الحكومية، أهم عاملين يقودان التغيير في استراتيجيات الأمن السيبراني استجابة للتقلبات الجيوسياسية.
ويشير ذلك إلى إدراك متزايد بأن التعامل مع مشهد جيوسياسي غير مستقر يتطلب التعاون والوعي المشترك بالموقف.
وفي عام 2026، أفادت 36% من المؤسسات بأنها عززت تركيزها على معلومات التهديدات المتعلقة بالجهات المرتبطة بالدول، بينما زادت 33% مستوى تعاملها مع الوكالات الحكومية أو مجموعات تبادل المعلومات.
كما زادت 21% ميزانيات الأمن السيبراني لديها، وغيرت 19% الموردين أو تعمل على تغييرهم لأسباب جيوسياسية، وأوقفت 14% أعمالها أو عملياتها في بعض الدول، في حين أفادت 9% بأن ميزانياتها تعرضت للتخفيض.
ويقود التحول باتجاه التعاون القائم على المعلومات في المقام الأول مؤسسات عالمية ذات أعداد كبيرة من الموظفين، وهي بطبيعتها أكثر تعرضاً للتقلبات الجيوسياسية بسبب نطاق عملياتها العالمي.
وتسعى هذه المؤسسات الكبيرة بصورة استباقية إلى تعزيز التعاون لإدارة هذا التعرض المتزايد، مستفيدة من حجمها ومواردها لتقوية المرونة.
وتظهر البيانات أن 70% من أكبر المؤسسات، التي يزيد عدد موظفيها على 100 ألف موظف، عززت تركيزها على معلومات التهديدات، مقارنة بـ30% فقط من المؤسسات الصغيرة التي تضم ألف موظف أو أقل.
وبالمثل، عمق 49% من أكبر المؤسسات تعاملها مع الجهات الحكومية أو مجموعات تبادل المعلومات، مقابل 26% من المؤسسات الصغيرة.
أما المؤسسات الأصغر، التي تعمل بموظفين أقل ونطاق جغرافي أضيق، فيبدو أنها أقل وعياً بالضغوط الجيوسياسية المباشرة، وغالباً ما تمتلك قدرة أقل على المشاركة في جهود الأمن الجماعي.
وقد يعني ذلك اعتمادها بصورة أكبر على قبول المخاطر بدلاً من التخفيف النشط منها عند التعامل مع التقلبات الجيوسياسية.
أحداث محلية وتأثير عالمي
تعيد حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي والصراعات المسلحة تشكيل مشهد التهديدات السيبرانية، وتخلق أوضاعاً معقدة وغير قابلة للتنبؤ بالنسبة إلى المؤسسات.
ومع تعمق التجزؤ العالمي المدفوع بالصراعات والعقوبات والمنافسة التكنولوجية، يبرز الأمن السيبراني بوصفه امتداداً حاسماً للمنافسة الجيوسياسية.
وقد أبرز الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية، رغم أنه لم يكن نتيجة لهجوم سيبراني، حجم التأثير الذي قد ينجم عن هجوم سيبراني يستهدف بنية تحتية وطنية حيوية من هذا النوع.
كما تزامنت حالة عدم الاستقرار المستمرة في أعقاب الحرب في أوكرانيا مع تصاعد الهجمات الهجينة، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف المطارات الأوروبية وغيرها من البنى التحتية الحيوية، إضافة إلى انتشار التضليل، وهو ما زاد من زعزعة المشهد الأمني الإقليمي.
وخارج أوروبا، تتطلب المنافسات الجيوسياسية والصراعات المتصاعدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والشرق الأوسط وأفريقيا من المؤسسات الحفاظ على مستويات مرتفعة من اليقظة، مع ازدياد حدة المخاطر عبر المناطق والقطاعات.
ومن القضايا التي أثارت قلق المشاركين استخدام جهات مرتبطة بالدول قدرات هجومية سيبرانية متقدمة لاختراق شبكات الاتصالات في الولايات المتحدة.
كما يؤدي الانتقال نحو نموذج أكثر عالمية للمواجهة، بما في ذلك استخدام السياسات التجارية مثل الرسوم الجمركية وقيود التصدير، إلى إعادة تشكيل التحالفات والاعتماد على التكنولوجيا.
وتسهم التوترات السياسية في زيادة تجزؤ الأنظمة التكنولوجية العالمية، حيث تعمل الدول على تنويع شراكاتها وسلاسل توريدها.
كما تدفع التوترات السياسية والاقتصادية الدول والشركات إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد، وإعادة التصنيع إلى الداخل، وبناء علاقات مع شركاء إقليميين «موثوقين».
وغالباً ما تتجاوز سرعة البحث عن موردين بديلين أو قنوات لوجستية أو ترتيبات لاستضافة البيانات مستوى العناية الواجبة في مجال الأمن السيبراني، ما يؤدي إلى توسيع سطح الهجوم عبر شبكات وأطراف ثالثة أقل أماناً.
ومع انتشار تأثير الرسوم الجمركية والتحولات السياسية عبر القطاعات، ينبغي أن تتطور إدارة المخاطر السيبرانية بالتوازي، وأن تُعامل اضطرابات التجارة بوصفها محفزاً لإعادة نمذجة التهديدات وإعادة تقييم مخاطر الموردين.
وفي هذه البيئة المتقلبة، أصبحت العمليات السيبرانية أدوات للدبلوماسية والنفوذ، تستخدم للتأثير في النتائج السياسية وتعطيل التجارة، وهو ما يعزز الرابط بين عدم اليقين الجيوسياسي والتعرض للمخاطر السيبرانية على مستوى المؤسسات.
وعلى الرغم من استمرار تأثير التقلبات الجيوسياسية في القرارات الاستراتيجية، ظهر اتجاه مثير للقلق يتمثل في خفض ميزانيات الأمن السيبراني، ما قد يحد من قدرة المؤسسات على إدارة التهديدات المتزايدة.
وتظهر بيانات الاستطلاع أن 12% من المؤسسات في أمريكا الشمالية و13% من المؤسسات في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي خفضت ميزانيات الأمن السيبراني بسبب التقلبات الجيوسياسية.
ومع تصاعد الهجمات المدعومة من الدول وحملات التجسس، تواجه المؤسسات تحديات متزايدة في توقع المخاطر السيبرانية ومواءمة استراتيجياتها مع الظروف العالمية المتغيرة.
ويحذر الخبراء من استمرار هذه الضغوط، ما يعزز الحاجة إلى استراتيجيات سيبرانية تكيفية ومرنة، حتى في ظل القيود المفروضة على الميزانيات.
التوترات الجيوسياسية تزيد تعرض البنية التحتية الحيوية
تكشف التوترات الجيوسياسية بصورة خاصة عن التهديدات ونقاط الضعف في البنية التحتية الوطنية الحيوية التي تدعم المجتمع وتشكل أساس عمليات عدد لا يحصى من المؤسسات.
وتتعرض قطاعات مثل الطاقة والمياه والنقل بصورة متزايدة للاستهداف ضمن حملات الحرب السيبرانية، حيث تضاعف الطبيعة المترابطة للأنظمة تأثير الاضطرابات.
وفي أبريل 2025، تعرض سد كهرومائي في النرويج للاختراق، ما أدى إلى فتح بوابة وإطلاق 500 لتر من المياه في الثانية لمدة أربع ساعات، في حادث وصفه المسؤولون بأنه عمل تخريبي متعمد.
ومن المثير للقلق أن 31% من المشاركين في استطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي أعربوا عن عدم ثقتهم في قدرة دولهم على الاستجابة بصورة فعالة للحوادث السيبرانية الكبرى، مقارنة بـ26% في العام السابق.
ويشير ذلك إلى زيادة الشعور بعدم اليقين وارتفاع مستوى التعرض للمخاطر.
تعزيز الاستعداد السيبراني من خلال عمل وطني منسق
تعتمد المرونة السيبرانية في المملكة العربية السعودية على مبدأ وطني واضح: القوة تبدأ بالإنسان.
فعندما يمتلك الأفراد والمؤسسات والقطاعات مستوى الوعي والمهارات المناسبة، فإنهم يشكلون درعاً موحدة تعزز الأمن الرقمي والمرونة على مستوى الدولة.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، أنشأت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني نموذجاً يشمل الدولة بأكملها ويرفع مستوى الجاهزية في مختلف طبقات المجتمع.
وتحدد الهيئة التوجه الاستراتيجي، وتدعمها الشركة السعودية لتقنية المعلومات، التي تحول هذه الأولويات إلى برامج عملية عالية الأثر.
ومن خلال التدريبات السيبرانية، تقدم الشركة عمليات محاكاة عالية الدقة تعزز الاستعداد للتهديدات السيبرانية المتطورة.
وخلال الفعاليات الكبرى مثل موسم الحج، تختبر هذه التدريبات قدرات الاحتواء وإدارة الأزمات والتنسيق بين القطاعات، بما يضمن أن تكون الجاهزية عملية ومثبتة.
وبالتوازي مع ذلك، تعمل مبادرات التوعية الوطنية على تحويل الرؤى التقنية إلى إرشادات سهلة الفهم ومتوافقة ثقافياً، بما يعزز اليقظة اليومية.
وتمتد هذه الحملات من البرامج الوطنية إلى التفاعل مع الأفراد، وتعمل على مواءمة أصحاب المصلحة عبر القطاعات للتعامل مع مخاطر مثل التصيد والمعلومات المضللة التي يقودها الذكاء الاصطناعي.
وبهذه الجهود المشتركة، تعمل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني والشركة السعودية لتقنية المعلومات على بناء ثقافة أمن سيبراني تصبح فيها التوعية والاستعداد والعمل المنسق جزءاً راسخاً في جميع أنحاء الدولة.
وتختلف تصورات المشاركين بشأن قدرة بلدانهم على حماية البنية التحتية الوطنية الحيوية اختلافاً كبيراً بين المناطق.
ففي حين أبدى 84% من المشاركين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثقة كبيرة، انخفضت هذه النسبة إلى 13% لدى المشاركين في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
الأمن السيبراني في عصر السيادة
يشير التفاوت في مستويات الثقة بين المناطق إلى تحول أوسع في الطريقة التي تنظر بها الدول إلى المرونة السيبرانية، من كونها تحدياً تقنياً إلى اعتبارها مسألة تتعلق بالسيادة والاعتماد على الذات.
ومع سعي الدول إلى حماية البنية التحتية الحيوية، تعيد كثير منها تقييم اعتمادها على مزودي التكنولوجيا الأجانب وسلاسل التوريد العالمية.
وأصبحت هذه الصلة بين حماية البنية التحتية والاستقلال الرقمي سمة أساسية من سمات سياسة الأمن السيبراني الحديثة.
وخلال عام 2025، أصبحت حالة عدم اليقين الاقتصادي وعدم الاستقرار الجيوسياسي مترابطتين بصورة عميقة، ما أدى إلى تضخيم المخاطر السيبرانية العالمية وتعقيد قدرة المؤسسات على توقع التهديدات الناشئة والحد منها.
ومع إعادة التوترات السياسية والنزاعات التجارية تشكيل التحالفات والاعتماد على التكنولوجيا، يشهد العالم تجزؤاً متزايداً للأنظمة الرقمية والتكنولوجية.
ويعكس هذا التركيز المتجدد على السيادة الرقمية رغبة ملحة لدى الدول والمؤسسات في حماية استقلالها والتحكم في أصولها الحيوية وتقليل تعرضها للصدمات الخارجية.
ويُستخدم مصطلح «السيادة السيبرانية» عادة للإشارة إلى تطبيق حقوق والتزامات السيادة التقليدية للدول، مثل السيطرة على الإقليم، وعدم التدخل، والاختصاص القضائي، على الفضاء السيبراني.
إلا أن المفهوم يصبح أكثر تعقيداً لأن الفضاء السيبراني لا يتطابق بصورة مباشرة مع الأراضي المادية. فالخوادم والكابلات وتدفقات البيانات تعبر الاختصاصات القضائية، ولذلك يصبح تطبيق مفهوم السيادة التقليدية القائم على الإقليم أمراً صعباً.
وعلى مستوى المؤسسات، أصبحت المخاوف بشأن السيادة أكثر واقعية.
إذ تعيد الحكومات والمؤسسات العامة والشركات الخاصة تقييم اعتمادها على مزودي التكنولوجيا الأجانب والبنية التحتية السحابية العالمية في ضوء التوترات الجيوسياسية ونقاط ضعف سلاسل التوريد.
وقد بدأت جهات أوروبية، من بينها بلديات وهيئات حكومية، في الانتقال نحو حلول سحابية سيادية أو تُدار إقليمياً لضمان الامتثال لمتطلبات حماية البيانات الوطنية وتقليل المخاطر المتصورة المرتبطة بسيطرة جهات خارج الإقليم على البيانات.
وتجري مناقشات مماثلة في مناطق أخرى، حيث توازن المؤسسات بين فوائد قابلية التشغيل البيني العالمية وبين ضرورة الحفاظ على السيطرة على الأصول الرقمية الحيوية والمعلومات الحساسة.
ويكشف هذا الاتجاه عن إعادة أوسع لمعايرة مفهوم الثقة، ليس فقط في الأنظمة والتقنيات، وإنما أيضاً في الموثوقية الجيوسياسية للأنظمة البيئية التي تقوم عليها.
ويبرز الاهتمام المتزايد بالسيادة التوتر القائم بين الحفاظ على الانفتاح وقابلية التشغيل البيني من جهة، وحماية الاستقلال الوطني والسيطرة والمرونة في مواجهة الاضطرابات الخارجية من جهة أخرى.
مع تطور مشهد التهديدات واعتماد العمليات الهجومية في الفضاء السيبراني بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، يتعين علينا تعزيز جهودنا المتعلقة بمرونة بنيتنا التحتية الحيوية واتصالاتنا. والاتحاد الأوروبي مستعد للعمل مع الشركاء المتقاربين في الرؤية لحماية ما يشكل اليوم العمود الفقري الرقمي لاقتصادنا ومجتمعنا. وبالنظر إلى المستقبل، تتمثل أولويتنا في زيادة الاستثمار في الأمن السيبراني لتعزيز القدرات الصناعية الأوروبية، والاستفادة من التقنيات العميقة لتحسين الاكتشاف والاستباق، والاستثمار في الأشخاص لسد فجوة المهارات السيبرانية، وتعميق تبادل المعلومات الاستخباراتية حتى نتمكن من اكتشاف نقاط الضعف والتعامل معها بصورة أسرع.
هينا فيركونين، نائبة الرئيس التنفيذي للسيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية، المفوضية الأوروبية
3.3 المشهد المتطور للجريمة السيبرانية: الذكاء الاصطناعي والاحتيال والاستجابة العالمية
خلال عام 2025، تصدرت عدة قضايا بارزة للجريمة السيبرانية العناوين، مع هجمات عطلت تجارة التجزئة والشركات وعمليات التصنيع، بل واستهدفت دور حضانة للأطفال.
وتواصل برامج الفدية تصدر مخاوف مسؤولي أمن المعلومات، في حين يميل الرؤساء التنفيذيون إلى القلق بصورة أكبر من الآثار التجارية الأوسع لعمليات الاحتيال.
وبالنسبة إلى مسؤولي أمن المعلومات، يعكس هذا القلق حجم الاضطراب التشغيلي الذي يمكن لهجوم ناجح ببرمجيات الفدية أن يحدثه في توافر أنظمة تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية الحيوية.
وكان عدد كبير من الحوادث السيبرانية الكبرى التي تصدرت العناوين في عام 2025 مدفوعاً بالفعل بمطالب مرتبطة ببرامج الفدية.
وباعتبارها إحدى أكثر التكتيكات ربحية للمجرمين السيبرانيين، لا تزال برامج الفدية تهديداً مستمراً، ومن المتوقع أن يؤدي الدمج المتزايد للذكاء الاصطناعي في أساليب الهجوم إلى جعل هذه الهجمات أكثر فعالية.
ويواصل الاحتيال السيبراني النمو من حيث الحجم، ويلحق أضراراً كبيرة بالأفراد والمؤسسات حول العالم.
وتظهر بيانات الاستطلاع أن 77% من المشاركين لاحظوا زيادة عامة في الاحتيال السيبراني والتصيد، بينما ذكر 73% أنهم أو أشخاصاً في شبكاتهم تعرضوا شخصياً لأحد أشكال الاحتيال السيبراني.
وكانت الأنواع الثلاثة الأكثر شيوعاً التي جرى الإبلاغ عنها هي التصيد، بما في ذلك التصيد الصوتي والتصيد عبر الرسائل النصية، ثم الاحتيال في المدفوعات، ثم سرقة الهوية.
وأفاد 62% بالتعرض للتصيد أو التصيد الصوتي أو عبر الرسائل النصية، و37% بالاحتيال في الفواتير أو المدفوعات، و32% بسرقة الهوية، و20% بتهديد داخلي أو احتيال يقوده موظفون، و17% بعمليات الاحتيال العاطفي أو انتحال الشخصية، و17% بالاحتيال الاستثماري أو المرتبط بالعملات المشفرة.
وعالمياً، بلغ الاحتيال السيبراني مستويات قياسية. وتتصدر أفريقيا جنوب الصحراء هذا الاتجاه، حيث أفاد 82% من المشاركين بالتعرض لعمليات احتيال رقمية، تليها أمريكا الشمالية بنسبة 79%.
ويمثل الاحتيال السيبراني تهديداً مجتمعياً واسع الانتشار يقوض الثقة والأمن عبر مختلف الفئات، من قادة الشركات إلى الأسر والفئات الأكثر عرضة للخطر.
الجهود العالمية لمكافحة الاحتيال السيبراني
تتزايد قوة الجهود العالمية لمكافحة الجرائم المدعومة بالفضاء السيبراني.
ويعمل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول» على تنظيم قمة عالمية للاحتيال في مارس 2026.
وستكون القمة منصة لدفع العمل الدولي من خلال تشجيع الحوار رفيع المستوى، والالتزامات السياسية والتزامات أجهزة إنفاذ القانون، والتعاون الفعال بين القطاعات.
ويأتي هذا النقاش رفيع المستوى بعد عدة عمليات ناجحة لتعطيل شبكات الجريمة السيبرانية في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأوروبا خلال عام 2025.
كما تنسق منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص جهودها لمكافحة هذه الجرائم، من خلال تعزيز القدرة على الحصول على معلومات آنية بشأن سلاسل الإمداد التي تمكّن عمليات الاحتيال.
وبالتوازي مع ذلك، تدعو جهود دولية متعددة الأطراف إلى العمل عبر ثلاثة محاور: الوقاية، من خلال الحد البنيوي من إساءة الاستخدام قبل وقوعها؛ والحماية، من خلال دمج سلامة المستخدم في الأنظمة بصورة افتراضية؛ والتخفيف، من خلال تمكين استجابة سريعة وجماعية.
ويهدف هذا النموذج للمسؤولية المشتركة إلى تعطيل الاحتيال السيبراني على نطاق واسع.
وتعكس هذه المبادرات مجتمعة التزاماً دولياً متزايداً بتقوية الدفاعات المنهجية ومعالجة الاحتيال السيبراني من خلال عمل عالمي منسق.
الجريمة السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
تعمل التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي التوليدي على خفض الحواجز أمام تنفيذ هجمات التصيد، وفي الوقت نفسه تزيد مستوى تطورها ومصداقيتها.
ويستغل المجرمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لأتمتة جهود الهندسة الاجتماعية وتوسيع نطاقها، وإنتاج رسائل تصيد إلكتروني واقعية، ومقاطع صوت وفيديو مزيفة بعمق، ووثائق مزورة قادرة على تجاوز أنظمة الكشف التقليدية والتدقيق البشري.
كما يجري تسليح نماذج ذكاء اصطناعي مدربة على مجموعات بيانات مخترقة أو مسروقة لتحسين دقة الاستهداف، وتقليد أساليب التواصل الحقيقية، والتلاعب بالثقة البشرية بمستوى أعلى من الفاعلية.
وتمثل هذه القدرات تطوراً كبيراً في مشهد التهديدات، وتتطلب آليات دفاع أكثر تقدماً وقدرة على التكيف.
كما تضاعف هذه القدرات مخاطر السلامة الرقمية على الفئات الأكثر عرضة للخطر، بما في ذلك الأطفال والنساء، الذين يتعرضون بصورة متزايدة لانتحال الشخصية والاستدراج وإساءة استخدام الصور الحميمة الاصطناعية.
ومن خلال تمكين ترجمة تكتيكات الهندسة الاجتماعية وتوطينها ثقافياً، تجعل هذه الأدوات عمليات انتحال الشخصية أكثر أصالة وإقناعاً، وهو ما يساعد المهاجمين على الوصول الأولي إلى أنظمة الضحايا أو كسب ثقتهم.
ونتيجة لذلك، أصبحت الشبكات الإجرامية التي كانت تستهدف في السابق المتحدثين باللغات واسعة الانتشار قادرة على استهداف مجتمعات جديدة في مناطق كانت أقل عرضة لهذه العمليات.
كما يسرع ذلك انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ويعقد جهود المنصات والجهات التنظيمية للحفاظ على سلامة المعلومات وحماية المستخدمين من عمليات التلاعب المنسقة.
ويخلق الصعود السريع لتكنولوجيا التزييف العميق تحديات جديدة أمام المؤسسات والحكومات والمجتمعات.
ففي إندونيسيا، استخدمت موجة من عمليات الاحتيال بالتزييف العميق مقاطع فيديو مزيفة للرئيس برابوو سوبيانتو وهو يعد بتقديم مساعدات مالية، وأدت إلى الاحتيال على مواطنين في عشرين مقاطعة.
وفي أيرلندا، أثار مقطع فيديو مزيف بصورة خبيثة، يصور مرشحة رئاسية وهي تعلن انسحابها من السباق، موجة غضب وشكوى رسمية إلى السلطات الانتخابية.
ومع زيادة الذكاء الاصطناعي لحجم الأضرار السيبرانية وتعقيدها، تصبح زيادة مستوى الأمن السيبراني وسلامة المستخدمين ركناً أساسياً للمرونة، وهو ما يتطلب معايير تحقق أقوى، وتنسيقاً بين المنصات، وضمانات للفئات الأكثر عرضة للخطر، وأدوات تساعد المستخدمين على التعامل مع بيئة معلوماتية تزداد صعوبة.
وبينما يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي حالياً بصورة أساسية لتعزيز الهندسة الاجتماعية والاستطلاع، فإن ظهور وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين قادرين على تنفيذ هجمات كاملة يشير إلى نقطة تحول محتملة.
وفي نوفمبر 2025، كُشف عن عملية تجسس سيبراني أظهرت استخداماً غير مسبوق للذكاء الاصطناعي على امتداد دورة حياة الهجوم بأكملها، من الاستطلاع والاستغلال إلى استخراج البيانات.
وأظهر الحادث كيف تتطور حملات التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بسرعة باتجاه مستويات أكبر من الأتمتة والاستقلالية.
كما مثل أول حالة مؤكدة يتمكن فيها ذكاء اصطناعي وكيلي من الوصول إلى أهداف عالية القيمة، بما في ذلك شركات تكنولوجية كبرى ووكالات حكومية.
البنية المتغيرة للجريمة السيبرانية
كان تقرير آفاق الأمن السيبراني العالمي 2025 قد أبرز التقارب المتزايد بين الجريمة السيبرانية وجماعات الجريمة المنظمة، مشيراً إلى أن المشهد تطور من أنشطة انتهازية إلى عمليات منظمة بدرجة عالية تحاكي بصورة متزايدة ممارسات الأعمال المشروعة.
ويستمر تحويل الجريمة السيبرانية إلى نشاط تجاري، من خلال منصات «الجريمة السيبرانية كخدمة»، في خفض حواجز الدخول وتوسيع حجم الهجمات وتعقيدها وتأثيرها.
وخلال عام 2025، ظهر تحول جديد في هيكل وسلوك مجموعات الجريمة السيبرانية.
إذ أصبح عدد متزايد من المجرمين السيبرانيين، ولا سيما الأصغر سناً، يسعون بصورة نشطة إلى تعطيل الأعمال، إلى جانب السعي إلى الشهرة والمكانة داخل النظام البيئي للجريمة السيبرانية.
وكثيراً ما تعلن هذه المجموعات عن أنشطتها بصورة علنية، من خلال إعلان الهجمات أو تسريب البيانات المسروقة أو مشاركة لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي لاستعراض قدراتها.
وقد أدت ثقافة الاستعراض هذه إلى طمس الحدود التقليدية بين النشاطية الرقمية والجريمة السيبرانية وعمليات التأثير.
وتقدم بعض المجموعات أعمالها بصورة متزايدة باعتبارها نوعاً من النشاط السياسي أو الاجتماعي بهدف اكتساب شرعية أخلاقية وتوسيع جمهورها على الإنترنت، وهو ما يزيد صعوبة الإسناد والاستجابة.
ويتمثل اتجاه مستمر آخر في تلاشي الحدود بين الجريمة السيبرانية والنشاط المدعوم من الدول.
فغالباً ما يتبنى المجرمون السيبرانيون أدوات الجهات الحكومية وتكتيكاتها وإجراءاتها ويكيفونها بمجرد أن تصبح معروفة علناً.
وفي الاتجاه المعاكس، تخفي بعض الدول مشاركتها من خلال التعاون مع جماعات إجرامية أو إسناد العمليات إليها للحفاظ على إمكانية الإنكار، أو الاستفادة من قدرات هذه الجهات لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وغالباً مقابل التغاضي عن أنشطتها غير القانونية.
في مواجهة الابتكار التكنولوجي السريع إلى جانب التأثير التحويلي للذكاء الاصطناعي، لا تستطيع أجهزة إنفاذ القانون مكافحة الجريمة السيبرانية بمفردها. إن حماية المجتمعات تعتمد الآن على تعاون حقيقي بين أصحاب المصلحة المتعددين. ومن خلال العمل معاً فقط يمكننا البقاء في المقدمة أمام المجرمين والحفاظ على السلامة والحقوق والمرونة من أجل مستقبل رقمي آمن.
فالديسي أوركيزا، الأمين العام للإنتربول
التعاون ضد الجريمة السيبرانية
شهد عام 2025 عدة تطورات في مكافحة الجريمة السيبرانية، من بينها اعتماد إطار عالمي جديد للتعاون في التحقيق والملاحقة القضائية للجرائم المرتكبة عبر الإنترنت، بدءاً من برامج الفدية والاحتيال المالي وصولاً إلى مشاركة الصور الحميمة من دون موافقة.
كما مكّن التعاون بين القطاعين العام والخاص أجهزة إنفاذ القانون من تنفيذ عدد من العمليات الناجحة لتعطيل البنى التحتية للجريمة السيبرانية.
ومن أبرز العمليات الدولية التي شهدها عام 2025 عملية شاركت فيها 18 دولة أفريقية والمملكة المتحدة لمكافحة برامج الفدية والاحتيال عبر الإنترنت واختراق البريد الإلكتروني للشركات، وأسفرت عن 1,209 اعتقالات واستعادة 97.4 مليون دولار.
كما نُفذت عملية أخرى بمشاركة أجهزة إنفاذ القانون في 26 دولة وشركاء من القطاع الخاص، وركزت على برمجيات سرقة المعلومات، وأدت إلى تعطيل 20 ألف عنوان إنترنت ونطاق خبيث، ومصادرة 41 خادماً، وإجراء 32 عملية اعتقال.
وفي عملية دولية أخرى، جرى تفكيك بنية تحتية للبرمجيات الخبيثة تتكون من مئات الآلاف من أجهزة الكمبيوتر المصابة التي احتوت على عدة ملايين من بيانات الاعتماد المسروقة.
كما تعرض نظام برمجيات خبيثة آخر إلى عملية تعطيل واسعة أثرت في 394 ألف جهاز مصاب، وشملت السيطرة على أكثر من 1,300 نطاق.
3.4 المرونة السيبرانية هي مفتاح حماية القيمة الاقتصادية
تدعم المرونة السيبرانية قدرة المؤسسة على الحد من تأثير الحوادث السيبرانية الكبيرة في أهدافها وغاياتها التجارية الأساسية.
وتظهر بيانات الاستطلاع تزايد الثقة في مستوى المرونة السيبرانية للمؤسسات.
فقد أفادت 64% من المؤسسات بأنها تستوفي الحد الأدنى من متطلبات المرونة السيبرانية، بصرف النظر عن الاختلافات الإقليمية أو القطاعية، بينما قالت 19% فقط إن مستوى مرونتها السيبرانية يتجاوز احتياجاتها.
ومع ذلك، تمثل نسبة 19% زيادة بأكثر من عشر نقاط مئوية مقارنة بعام 2025، حين أفادت 9% فقط بأن مستوى المرونة لديها يتجاوز المتطلبات.
وفي عام 2026، اعتبرت 17% من المؤسسات أن مرونتها غير كافية، و64% أنها تلبي الحد الأدنى من المتطلبات، و19% أنها تتجاوز المتطلبات.
وفي عام 2025، بلغت هذه النسب 22% و69% و9% على التوالي.
وعلى الرغم من ذلك، تظل المرونة السيبرانية تحت الضغط.
ففي عام 2025، ضربت موجة من الهجمات السيبرانية مؤسسات على جميع المستويات. وفي المملكة المتحدة وحدها، عانى عدد من كبار تجار التجزئة من اضطرابات تشغيلية كبيرة وخسائر في البيانات بسبب هجمات برامج الفدية.
وتؤكد هذه الحوادث أنه على الرغم من تزايد الثقة المعلنة في المرونة السيبرانية، لا تزال المؤسسات تواجه تأثيرات تشغيلية وسمعية كبيرة من خصوم يتكيفون بسرعة.
وفي هذا السياق، تتمثل أكبر ثلاثة تحديات أمام تعزيز المرونة السيبرانية، وفقاً للاستطلاع، في المشهد سريع التطور للتهديدات والتقنيات الناشئة بنسبة 61%، ونقاط ضعف الأطراف الثالثة وسلاسل التوريد بنسبة 46%، ونقص المهارات والخبرات السيبرانية بنسبة 45%.
كما اعتبر 31% الأنظمة القديمة تحدياً، و30% نقص التمويل، و24% تعقيدات الامتثال التنظيمي والحوكمة، و24% نقص الرؤية عبر بيئات تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية وإنترنت الأشياء، و22% قصور التخطيط للاستجابة للحوادث والتعافي.
مخاطر الأنظمة القديمة في مشهد سريع التطور
تتعرض المؤسسات لضغوط لاعتماد تقنيات جديدة والاستعداد لها، في الوقت الذي لا تزال تكافح فيه لتأمين أنظمتها القديمة.
وقد حدد 31% من المشاركين البنية التحتية القديمة باعتبارها أحد أكبر التحديات أمام تحقيق المرونة السيبرانية.
وعندما يتجاوز الابتكار التكنولوجي قدرة المؤسسة على تبني التقنيات الجديدة وترقية بنيتها التحتية الحالية، يصبح من الضروري في كثير من الأحيان تطبيق ضوابط أمنية إضافية.
ورغم أن هذه التدابير تساعد على دعم العمليات الآمنة داخل المؤسسة، فإن مواكبة المشهد التكنولوجي سريع التطور تتطلب بصورة حتمية قبول مستوى معين من المخاطر المتبقية.
وعلى مدى السنوات، أدت موجات متعاقبة من دورات الابتكار إلى تراكم «دين أمني» كبير لدى المؤسسات، لأن السرعة والابتكار كانا يُقدمان في كثير من الأحيان على التدابير الأمنية القوية.
ومن المؤشرات على هذه الديناميكية أن المشاركين صنفوا التقنيات السحابية بوصفها ثاني أكثر التقنيات تأثيراً في الأمن السيبراني خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.
ورغم أن كثيراً من المؤسسات قطعت شوطاً كبيراً في انتقالها إلى السحابة، فإن هذه النتيجة تؤكد أن عدداً كبيراً منها لا يزال يعتبر هذا الموضوع أولوية رئيسية.
واعتبر 94% أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيلي، والاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي، والاكتشاف والاستجابة المدفوعان بالذكاء الاصطناعي، ستكون من أكثر التقنيات تأثيراً في الأمن السيبراني خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.
وجاءت التقنيات السحابية في المرتبة التالية بنسبة 61%، ثم التقنيات الكمية بنسبة 37%، والأنظمة المستقلة والروبوتات بنسبة 26%، والتقنيات اللامركزية مثل الحوسبة الآمنة متعددة الأطراف وسلاسل الكتل بنسبة 20%، والتقنيات الفضائية بنسبة 9%، وتقنيات أخرى مُزعزعة بنسبة 3%.
من الأنظمة القديمة إلى المرونة: تمكين الأمن السيبراني-المادي
في العصر الرقمي الصناعي الحالي، تكاد الحدود بين تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية تختفي.
فبينما كان الفصل الصارم والمعزول بين أنظمة تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية هو القاعدة في أطر حوكمة التكنولوجيا التشغيلية لسنوات، جعل التقدم التكنولوجي الحديث والتوقعات المتزايدة بشأن ترابط الأنظمة هذه الممارسات صعبة الاستمرار.
وتشهد قطاعات مثل التصنيع والطاقة والنقل والبنية التحتية الحيوية تقارباً متزايداً بين أنظمة تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية، وهو ما يحقق مكاسب في الكفاءة والابتكار، لكنه يتطلب أيضاً استخدام أساليب أكثر تقدماً لتقسيم الشبكات والسيطرة على التعرض للمخاطر.
ولا تزال بيئات صناعية عديدة غير مجهزة بصورة كافية للتعامل مع سرعة وتعقيد التهديدات الحديثة.
وعادة ما تتحفظ أنظمة التكنولوجيا التشغيلية تجاه التحديث السريع بسبب ارتباطها الوثيق بوظائف الأعمال الأساسية وطول دورات الاستثمار فيها.
وتظهر بيانات الاستطلاع أنه رغم تزايد الوعي، لا تزال ممارسات الحوكمة المرتبطة بالتكنولوجيا التشغيلية غير متسقة وغالباً ما تبقى محصورة داخل فرق العمليات.
وفي المؤسسات التي تمتلك بيئات للتكنولوجيا التشغيلية، يكون مسؤول أمن المعلومات مسؤولاً عن أمن تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية معاً في 36% فقط من الحالات.
وتراقب 32% أمن التكنولوجيا التشغيلية باستخدام أدوات أمنية مخصصة، و20% فقط لديها فرق أمن متخصصة بالتكنولوجيا التشغيلية، بينما ترفع 16% فقط تقارير بشأن أمن التكنولوجيا التشغيلية إلى مجالس إداراتها.
وتشير هذه النتائج إلى أن حماية التكنولوجيا التشغيلية لا تزال في المقام الأول أولوية لدى متخصصي البيئات الصناعية، وأن سد الفجوات الثقافية بين بيئات تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية أمر بالغ الأهمية للحد من المخاطر السيبرانية المتزايدة.
ولا يؤدي غياب الإشراف على مستوى مجلس الإدارة إلى تأخير الاستثمار فحسب، بل يحد أيضاً من فهم المؤسسة بأكملها لمستوى التعرض للمخاطر.
ولهذه الفجوة في الحوكمة تداعيات منهجية، إذ يمكن لاضطرابات الأنظمة الصناعية، كما هو الحال مع أنظمة تكنولوجيا المعلومات، أن تنتشر آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من مؤسسة واحدة، لتصل إلى الموردين والشركاء وحتى الاقتصادات الوطنية.
اللوائح السيبرانية في عصر التجزؤ
مع سعي الدول إلى الحد من تعرض اقتصاداتها الرقمية للتحديات السيبرانية العالمية، أضاف اختلاف النهج التنظيمية طبقة جديدة من التعقيد أمام المؤسسات التي تحاول التعامل مع شبكة متباينة من اللوائح.
ويعكس انتشار لوائح الأمن السيبراني والتكنولوجيا حول العالم تسارع الجهود الرامية إلى تقنين الثقة والمساءلة في المجال الرقمي.
لكن هذه التطورات تكشف أيضاً أن المناطق المختلفة تتقدم بسرعات وأولويات مختلفة، ما ينتج مجموعة مجزأة من الالتزامات يصعب على المؤسسات متعددة الجنسيات التوفيق بينها.
ومع ذلك، يواصل قادة الأمن حول العالم الاعتراف بقيمة الأطر التنظيمية في تقوية النظام البيئي للأمن السيبراني.
وأظهر استطلاع هذا العام أن 74% من المشاركين يحملون نظرة إيجابية إلى فعالية اللوائح المرتبطة بالأمن السيبراني.
ويشير العاملون في المجال بصورة متكررة إلى أن هذه اللوائح تساعد مسؤولي أمن المعلومات على رفع مستوى الوعي بالأمن السيبراني على مستوى مجالس الإدارة بنسبة 58%، وتؤدي إلى تحسينات ملموسة في الوضع الأمني العام بنسبة 55%.
كما ذكر 36% أنها تساعد على تأمين ميزانيات للأمن السيبراني، و30% أنها تزيد ثقة العملاء وسمعة العلامة التجارية.
وفي المقابل، ذكر 18% صعوبة ضمان امتثال الموردين من الأطراف الثالثة للمتطلبات المتنوعة، و17% صعوبة فهم مدى انطباق العدد الكبير من اللوائح على مختلف أجزاء الأعمال، و16% محدودية الموارد الداخلية أو الخبرات اللازمة لمتابعة التغييرات وتنفيذها، و11% صعوبة ضمان تنفيذها بصورة متسقة عبر وحدات الأعمال والأقسام.
ورغم أن النظرة العامة إلى فوائد اللوائح إيجابية إلى حد كبير، تواجه المؤسسات في الأسواق ذات البيئات التنظيمية الأكثر نضجاً، مثل أوروبا وأمريكا الشمالية، صعوبة أكبر في تطبيقها بصورة متسقة عبر الحدود.
وقد يعكس ذلك حقيقة أن البيئات التنظيمية الأكثر تقدماً يمكن أن تضيف بدورها مزيداً من التعقيد وأعباء الامتثال.
وفي سياق يتسم بارتفاع التقلبات الجيوسياسية والتجزؤ الرقمي، تعمل اللوائح بالتالي بوصفها قوة للاستقرار ولغة مشتركة للمرونة، حتى مع استمرار تطور حدود السيادة والتنسيق.
سمات المؤسسات المرنة
يمكن تصنيف ممارسات المؤسسات المرنة في سبع فئات مترابطة: القيادة؛ والحوكمة والمخاطر والامتثال؛ والأشخاص والثقافة؛ وعمليات الأعمال؛ والأنظمة التقنية؛ وإدارة الأزمات؛ والتفاعل مع النظام البيئي.
وتظهر بيانات عام 2026 أن المؤسسات عالية المرونة تطبق عدداً من هذه الممارسات بدرجات أعلى بكثير من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
فعلى مستوى القيادة، يتحمل أعضاء مجلس الإدارة مسؤولية شخصية في حالة وقوع خروقات سيبرانية لدى 30% من المؤسسات عالية المرونة مقابل 9% في المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
وفي الحوكمة والمخاطر والامتثال، يحمل 79% من المؤسسات عالية المرونة نظرة إيجابية إلى فعالية اللوائح، مقابل 62%.
وفي الأشخاص والثقافة، تمتلك 78% من المؤسسات عالية المرونة الأشخاص والمهارات اللازمة لتحقيق أهدافها الحالية للأمن السيبراني، مقابل 15% فقط من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
وفي عمليات الأعمال، تشرك 76% من المؤسسات عالية المرونة وظيفة الأمن في عمليات الشراء، مقارنة بـ53%.
وفي الأنظمة التقنية، تقيّم 83% من المؤسسات عالية المرونة أمن أدوات الذكاء الاصطناعي قبل نشرها، مقابل 39%.
وفي إدارة الأزمات، تحاكي 44% من المؤسسات عالية المرونة حوادث سيبرانية أو تخطط لتمارين التعافي مع شركائها في النظام البيئي، مقابل 16%.
وفي التفاعل مع النظام البيئي، تقيّم 74% من المؤسسات عالية المرونة النضج الأمني لمورديها، مقابل 48%.
القيادة
تظهر المؤسسات المرنة مستوى مرتفعاً من مشاركة مجالس الإدارة في الأمن السيبراني.
فقد أفاد 99% من المشاركين من المؤسسات عالية المرونة بأن مجالس إداراتهم تشارك في هذا المجال.
ومن بينهم، قال 52% إن أعضاء مجلس الإدارة يتلقون تحديثات منتظمة بشأن الأمن السيبراني، و48% إن أعضاء المجلس يتفاعلون بصورة نشطة مع وظيفة الأمن السيبراني، و45% إن لمجلس الإدارة دوراً محدداً بوضوح في الإشراف على الأمن السيبراني.
ولتعزيز المرونة في عصر المخاطر السيبرانية المنهجية، يتعين على المؤسسات تمكين مسؤولي أمن المعلومات وكبار القادة من ترجمة أولويات الأمن السيبراني إلى إجراءات استراتيجية على مستوى الأعمال.
الحوكمة والمخاطر والامتثال
عند النظر إلى الحوكمة والمخاطر والامتثال من منظور تنظيمي، تظهر بيانات الاستطلاع أن المؤسسات التي تبلغ عن مستويات مرتفعة من المرونة تميل إلى إبداء آراء أكثر إيجابية بشأن فعالية اللوائح.
ويؤكد 44% من المؤسسات عالية المرونة أن اللوائح تساعدها على زيادة ثقة العملاء وسمعة العلامة التجارية، مقابل 20% من المؤسسات التي تعتبر مرونتها غير كافية.
وعلى النقيض، تكون المؤسسات ذات المرونة غير الكافية أكثر ميلاً إلى الإبلاغ عن محدودية الموارد اللازمة لمتابعة التغيرات التنظيمية وتنفيذها، بنسبة 34%.
الأشخاص والثقافة
تفيد 22% فقط من المؤسسات عالية المرونة بأنها تفتقر إلى القوة العاملة اللازمة لتحقيق أهداف الأمن السيبراني، في مقابل 85% من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
عمليات الأعمال
تشكل عمليات الأعمال المحددة التي تدعم الوضع الأمني سمة أساسية للمؤسسات المرنة.
وتظهر البيانات أن 76% من المؤسسات عالية المرونة تشرك وظيفة الأمن في عملية المشتريات، مقابل 53% فقط من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
الأنظمة التقنية
تتبنى المؤسسات المرنة نهجاً منظماً في تصميم الأنظمة التقنية أو الرقمية ونشرها وصيانتها.
وتراقب 44% من المؤسسات عالية المرونة أمن التكنولوجيا التشغيلية، مقارنة بـ9% فقط من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
كما تراجع 71% من المؤسسات عالية المرونة أمن أدوات الذكاء الاصطناعي لديها بصورة دورية، مقارنة بـ20% فقط من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
إدارة الأزمات
تمتلك المؤسسات المرنة خططاً وأدلة تشغيلية للأزمات، وتجري بصورة منتظمة تمارين على نطاق النظام البيئي.
ووفقاً للاستطلاع، تحاكي 44% من المؤسسات عالية المرونة الحوادث السيبرانية مع شركائها في النظام البيئي، مقارنة بـ16% فقط من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
كما أنها أكثر استعداداً بكثير للاستجابة للحوادث والتعافي منها، إذ أفادت 15% فقط من المؤسسات عالية المرونة بأن تخطيطها في هذا المجال غير كاف، مقارنة بـ37% من المؤسسات الأقل مرونة.
التفاعل مع النظام البيئي
تتسم المؤسسات عالية المرونة بنهج أكثر استباقية في التعامل مع نظامها البيئي بأكمله.
فتتبادل 53% منها معلومات الأمن السيبراني مع الشركاء، مقابل 31% من المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
كما تقيّم 74% منها أمن الموردين مقابل 48%، وترسم 44% خريطة لنظامها البيئي وتقيم تعرض الشركاء للمخاطر مقابل 23%.
وبصورة أوسع، تظهر المؤسسات عالية المرونة منظوراً أكثر شمولاً للمخاطر، إذ لا تركز فقط على وضعها الداخلي، وإنما أيضاً على الاعتماديات الخارجية عبر نظامها البيئي.
وتظهر البيانات أن التعرض لمخاطر سلاسل التوريد يحتل المرتبة الأولى بين مخاوف المؤسسات عالية المرونة، بينما لا يحتل سوى المرتبة الخامسة لدى المؤسسات متوسطة المرونة أو ذات المرونة غير الكافية.
ويشير ذلك إلى أن المؤسسات الأكثر نضجاً تدرك بصورة متزايدة أن مرونتها تعتمد على قوة شركائها بقدر اعتمادها على دفاعاتها الخاصة.
وعند ترتيب المخاطر بحسب مستوى المرونة، جاءت برامج الفدية في المرتبة الأولى لدى المؤسسات ذات المرونة غير الكافية والمتوسطة، بينما احتلت اضطرابات سلاسل التوريد المركز الأول لدى المؤسسات عالية المرونة.
وفي المؤسسات عالية المرونة، جاء استغلال الثغرات البرمجية ثانياً، والاحتيال السيبراني والتصيد ثالثاً، وبرامج الفدية رابعاً، ونقاط ضعف الذكاء الاصطناعي خامساً.
مع تضاعف قدرات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كل ثلاثة أشهر تقريباً، لم تكن مخاطر الجرائم السيبرانية المتطورة المدعومة بالتكنولوجيا أكبر في أي وقت سابق من التاريخ البشري. وبغض النظر عن ارتفاع أسوار الحماية، فإن كل شركة تواجه خطراً متزايداً من التعرض للاختراق. وباعتبارنا مؤسسات تتكيف باستمرار، يجب أن ينصب تركيزنا على بناء أطر قوية للمرونة والتعافي حتى نتمكن من إعادة تشغيل أعمالنا ومجتمعاتنا واقتصاداتنا بسرعة بعد وقوع أي حادث. والمؤسسات التي ستزدهر في المستقبل ليست تلك التي لم تتعرض قط لهجوم أو جريمة سيبرانية، بل تلك التي بنت أقوى قدرة على التعافي منها.
ك. كريثيفاسان، الرئيس التنفيذي والمدير الإداري، تاتا للخدمات الاستشارية
البعد الاقتصادي للأمن السيبراني
لم يعد الأمن السيبراني مجرد قضية تقنية، بل أصبح بصورة متزايدة أولوية اقتصادية استراتيجية.
فالقرارات المتعلقة بحجم الاستثمار في حماية الأصول الرقمية أصبحت قرارات مالية تؤثر في مرونة المؤسسة وقدرتها التنافسية ومسار نموها.
وقد أبرزت الهجمات السيبرانية الأخيرة مدى الترابط العميق بين الأمن السيبراني والمشهد الاقتصادي الأوسع، إذ يمكن لهذه الهجمات أن تُحدث أضراراً مالية ملموسة بالشركات والاقتصادات الوطنية على حد سواء.
وتشير أبحاث حكومية في المملكة المتحدة إلى أن متوسط تكلفة الهجوم السيبراني الكبير على الشركات يقترب من 195 ألف جنيه إسترليني، أي نحو 250 ألف دولار.
وعلى المستوى الوطني، يعادل ذلك خسائر اقتصادية سنوية مقدرة بـ14.7 مليار جنيه إسترليني، أي نحو 19.4 مليار دولار.
كما تشير تقديرات اقتصادية إلى أن خفض عدد الحوادث السيبرانية الكبرى قد يرفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5% في الاقتصادات النامية.
وتوضح هذه الأرقام سبب استحواذ المحركات المالية والنتائج الاقتصادية للحوادث السيبرانية على اهتمام متزايد من قادة القطاعين العام والخاص.
وفي أغسطس 2025، تعرضت شركة جاغوار لاند روفر، أكبر شركة بريطانية لصناعة السيارات، لهجوم سيبراني مدمر أدى إلى توقف الإنتاج في عملياتها العالمية لمدة خمسة أسابيع وأثر في أكثر من خمسة آلاف مورد.
وتكبدت الشركة تداعيات مالية مباشرة، شملت 196 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 260 مليون دولار، من التكاليف المرتبطة بالهجوم، إلى جانب انخفاض الإيرادات بنحو 25% إلى 4.9 مليار جنيه إسترليني.
لكن الاقتصاد البريطاني الأوسع تعرض لصدمة أكبر، مع تقديرات بخسائر بلغت 1.9 مليار جنيه إسترليني، أي نحو 2.5 مليار دولار، بسبب الاضطراب.
ويكشف هذا الحادث عدة دروس مهمة بشأن اقتصاديات الأمن السيبراني.
أولاً، يبرز أهمية قياس المخاطر السيبرانية وبناء السيناريوهات لنمذجة التأثير المحتمل للتهديدات، بما يساعد على توجيه استثمارات كافية نحو المرونة.
ثانياً، يوضح الترابط داخل سلاسل التوريد، إذ يمكن لاضطراب لدى جهة واحدة أن ينتشر عبر قطاعات كاملة ويضاعف المخاطر، ما يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات مرونة على مستوى القطاع.
وثالثاً، يعزز أهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص، إذ يمكن أن تكون الاستجابات المنسقة والحوافز المالية المناسبة ضرورية لإدارة المخاطر السيبرانية المنهجية وتجنب الحاجة إلى تدخلات إنقاذ مكلفة.
والأمن السيبراني ليس مجرد وظيفة لتكنولوجيا المعلومات، بل ضرورة استراتيجية للأعمال وركيزة للمرونة الاقتصادية الوطنية.
وإضافة إلى الحد من المخاطر ومنع الخسائر، يؤدي الأمن السيبراني دوراً في دفع النمو الاقتصادي من خلال تحفيز الابتكار وخلق الوظائف وتعزيز القدرة التنافسية عبر القطاعات.
ولا يحمي الاستثمار في إدارة المخاطر السيبرانية واستراتيجيات المرونة القيمة المؤسسية والاستقرار الوطني فحسب، بل يعزز أيضاً أسس اقتصاد رقمي آمن وديناميكي.
ولتعميق فهم هذا البعد الاقتصادي للأمن السيبراني ودعم السياسات والممارسات الصناعية، أُنشئ في مايو 2025 مركز متخصص في اقتصاديات الأمن السيبراني، يهدف إلى تمكين أصحاب المصلحة من المعرفة والأدوات والقدرات اللازمة لضمان بقاء الأمن السيبراني ركناً أساسياً للنمو الاقتصادي.
ويركز هذا العمل على التحديات والفرص الاقتصادية الناشئة عن مشهد سيبراني يزداد تعقيداً.
ومن خلال الأبحاث المتقدمة والتعاون بين القطاعات والأطر القائمة على الأدلة، يسعى المركز إلى تحسين قدرة الجهات المختلفة على دمج الأمن السيبراني في عملية تحقيق النمو الاقتصادي.
وتشمل مجالات عمله الأساسية التأثيرات الكلية للهجمات السيبرانية، وقياس تكلفة الجريمة السيبرانية، وآثار النقص في القوى العاملة المتخصصة وفجوات المهارات على النمو الاقتصادي.
3.5 تأمين سلاسل التوريد في ظل مخاطر الغموض والتركّز
تتميز سلسلة التوريد الرقمية بدرجة عالية من الترابط، مع اعتماديات داخل القطاعات وبينها لا تكون مرسومة أو مفهومة دائماً بصورة واضحة.
ويمكن لاختراق أو اضطراب لدى مورد واحد أن ينتشر عبر النظام البيئي بأكمله، ويؤثر في الإنتاج والعمليات، وحتى في الموردين أو العملاء الآخرين.
ويجعل هذا التعقيد تقييم المخاطر السيبرانية وإدارتها بصورة فعالة أمراً صعباً.
كما يمكن للهجمات التي تستهدف برامج أو مزودي خدمات يستخدمهم عدد كبير من المؤسسات أن تترك تأثيرات عالمية ومنهجية.
وقد ظهرت هذه الاعتماديات الحرجة بوضوح خلال هجوم سيبراني أثر في مطارات أوروبية في سبتمبر 2025، عندما أدى اختراق محدود نسبياً لأنظمة تسجيل الوصول والصعود المستخدمة في عدة مطارات كبرى إلى سلسلة من الاضطرابات التشغيلية وتأخير وإلغاء الرحلات.
ورغم احتواء الأضرار المباشرة، كشف الحادث هشاشة سلاسل التوريد الرقمية المترابطة، وأثار تساؤلات حول حجم الضرر الذي يمكن أن يسببه هجوم مشابه إذا استهدف المستشفيات أو بنية تحتية حيوية أخرى.
ولا تزال مرونة سلاسل التوريد في مواجهة الهجمات السيبرانية تشكل مصدر قلق لقادة الأعمال والأمن السيبراني.
وتظهر بيانات هذا العام أن 65% من الشركات الكبيرة من حيث الإيرادات تعتبر نقاط ضعف الأطراف الثالثة وسلاسل التوريد أكبر تحدٍ لها، ارتفاعاً من 54% في عام 2025.
ورغم أن نقاط ضعف سلاسل التوريد تقلق كلاً من قادة الأعمال وقادة الأمن، تظهر البيانات أن مسؤولي أمن المعلومات يميلون إلى القلق بصورة أكبر بشأن سلامة الاعتماديات الخارجية مقارنة بالرؤساء التنفيذيين.
وقد احتلت نقاط ضعف سلسلة التوريد المركز الثاني بين المخاطر الأكثر إثارة لقلق مسؤولي أمن المعلومات لعامين متتاليين.
ويتمتع هؤلاء المسؤولون بحساسية عالية تجاه الاعتماديات التكنولوجية التي تطورت مع تبني المؤسسات أنظمة جديدة لدعم العمليات والمرونة، وهو ما يجعلهم أكثر انتباهاً إلى احتمال تعطيل استمرارية الأعمال.
أبرز مخاطر سلاسل التوريد في عام 2026
غالباً ما تفتقر المؤسسات إلى السيطرة المباشرة على الممارسات الأمنية لدى الموردين والأطراف الثالثة.
وتظهر بيانات الاستطلاع أن «مخاطر الإرث»، أي عدم القدرة على ضمان سلامة البرمجيات والأجهزة والخدمات المقدمة من الأطراف الثالثة، تمثل أكبر مخاطر سلسلة التوريد، يليها نقص الرؤية.
وحتى عندما تكون لدى المؤسسة ضوابط داخلية قوية، غالباً ما تكون الحلقة الأضعف مورداً أو شريكاً ذا مستوى أقل من النضج في الأمن السيبراني.
وتكون هذه المشكلة أكثر حدة لدى الموردين الأصغر، الذين قد يفتقرون إلى الموارد أو الحوافز اللازمة لتطبيق تدابير أمنية قوية.
وجاء ترتيب مخاطر سلسلة التوريد على النحو التالي:
المركز الأول: مخاطر الإرث، أي عدم القدرة على ضمان سلامة برامج وأجهزة وخدمات الأطراف الثالثة.
المركز الثاني: نقص الرؤية، أي غياب الرؤية الكافية داخل سلسلة التوريد الممتدة.
المركز الثالث: مخاطر التركّز، أي الاعتماد الزائد على عدد محدود من الموردين الحيويين من الأطراف الثالثة.
المركز الرابع: مخاطر المشتريات، أي عدم القدرة على فرض ضوابط أمنية على الموردين الخارجيين.
المركز الخامس: العوامل الخارجية وعدم اليقين بشأن تأثيرها.
وتختلف مخاطر سلسلة التوريد بحسب القطاع.
ففي الطاقة والخدمات المالية والتصنيع وسلاسل التوريد والنقل والمواد والبنية التحتية، يبرز نقص الرؤية على سلسلة التوريد الممتدة بوصفه الخطر الأول أو أحد أهم المخاطر.
أما في قطاع الصحة والمنتجات الاستهلاكية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام، والخدمات المهنية والمؤسساتية، فتبرز مخاطر الإرث وعدم القدرة على ضمان سلامة برمجيات وأجهزة وخدمات الأطراف الثالثة بصورة أكبر.
ورغم أن غالبية المؤسسات في مختلف القطاعات تقيّم النضج الأمني لمورديها بنسبة 66% وتشرك وظيفة الأمن في عمليات الشراء بنسبة 65%، فإن عدداً أقل بكثير يتبنى تدابير مرونة أكثر تقدماً.
فـ27% فقط تحاكي الحوادث السيبرانية أو تجري تمارين للتعافي، و33% فقط ترسم بصورة شاملة خريطة نظام سلسلة التوريد لديها لفهم أعمق لمستوى التعرض للتهديدات والاعتماديات.
وتشير النتائج إلى أن إدارة مخاطر سلاسل التوريد لا تزال تُعامل في كثير من الأحيان باعتبارها قائمة امتثال يجب استكمالها، بدلاً من كونها عملية ديناميكية ومستمرة.
وعادة ما تضع اللوائح الحالية حداً أدنى فقط للأمن، قد لا يكون كافياً لمواجهة التهديدات سريعة التطور.
ويكمن أحد التحديات الرئيسية في إيجاد حوافز لكل من المؤسسات ومورديها لتعزيز المرونة السيبرانية.
فالموردون الأصغر غالباً ما يفتقرون إلى الموارد اللازمة لتطبيق تدابير أمنية قوية، بينما قد يستمر المشترون في إعطاء الأولوية للتكلفة والكفاءة على حساب الأمن عند اختيار الشركاء.
ويخلق هذا الاختلال نقاط تعرض مستمرة، لأن المهاجمين يميلون إلى استغلال أضعف الحلقات داخل سلسلة التوريد.
لم تعد المرونة السيبرانية محصورة داخل المؤسسة الواحدة، بل أصبحت تعتمد على قوة نظامنا البيئي بأكمله. ومن خلال دمج الأمن السيبراني عبر سلاسل التوريد، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشفافية، ومواءمة جهود القطاعين العام والخاص، يمكننا بناء أساس رقمي موثوق يدعم الابتكار والاستقرار والنمو الاقتصادي المستدام.
محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني، حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة
وتعد الإدارة المناسبة للأزمات والتخطيط للتعافي أمرين أساسيين للحد من تأثير أي اختراق سيبراني عند وقوعه.
فعلى سبيل المثال، في أعقاب هجوم استهدف شركة يابانية كبرى لصناعة المشروبات في أكتوبر 2025، توقفت خدمات تكنولوجيا معلومات أساسية، واضطر الموظفون إلى العودة إلى القلم والورق للحفاظ على عمليات حيوية مثل تتبع المخزون وإجراء الفحوص اليدوية لبيانات التحكم.
تركّز المخاطر
لا يزال الاعتماد المتزايد على عدد صغير من مزودي الخدمات الرقمية الحيوية مصدر قلق لقادة الأمن السيبراني، لأنه يضاعف مخاطر التركّز عبر النظام البيئي.
وقد تتسبب ثغرة واحدة لدى مقدم خدمة حيوي في تأثيرات متسلسلة يشعر بها مستخدمون في أنحاء العالم.
كما يؤدي الاستخدام المتزايد لأجهزة إنترنت الأشياء والخدمات السحابية إلى توسيع سطح الهجوم وإدخال نقاط ضعف جديدة، خصوصاً عندما تُدمج هذه التقنيات في سلاسل التوريد أو أنظمة الموردين من دون ضوابط أمنية مناسبة.
وتبرز البيانات هذه المخاطر، إذ حلت التقنيات السحابية في المرتبة الثانية بين التقنيات الأكثر تأثيراً في الأمن السيبراني لعام 2026 بعد الذكاء الاصطناعي.
وأصبح مزودو الخدمات السحابية من المكونات الحيوية للأنظمة البيئية الحديثة، لكنهم يمثلون أيضاً نقاط اعتماد مركزة عبر أنظمة المؤسسات.
ومع اعتماد سلاسل التوريد الرقمية بصورة أكبر على بيئات سحابية مترابطة، تصبح الحدود أكثر تعقيداً وتظهر تحديات جديدة تتعلق بالحوكمة والمرونة.
ورغم أن هذه المنصات تعزز الكفاءة والاتصال، فإن اضطراباً أو إعداداً خاطئاً واحداً يمكن أن ينتشر عبر النظام البيئي للمؤسسة بأكمله، ما يكشف كيف يزيد تكامل السحابة وإنترنت الأشياء من مستوى التعرض العام.
وفي أكتوبر 2025، تسبب إعداد خاطئ في نظام أسماء النطاقات لدى مزود سحابي كبير في اضطراب أثر في آلاف المؤسسات حول العالم.
كما شهدت منصة سحابية عالمية أخرى انقطاعاً خلال الشهر نفسه، ثم شهد مزود عالمي لخدمات الإنترنت انقطاعاً إضافياً في نوفمبر.
ورغم أن تلك الوقائع لم تكن حوادث أمن سيبراني بحد ذاتها، فإنها توضح كيف يمكن للحوادث على مستوى مزودي الخدمات أن تولد آثاراً واسعة النطاق على الجهات الأخرى داخل الأنظمة الرقمية المترابطة.
3.6 محركات عدم المساواة السيبرانية في عام 2026
لا تزال القدرات السيبرانية عبر النظام البيئي العالمي غير متكافئة بين القطاعات والمناطق، وتتأثر بالفروق في المهارات والموارد والبنية التحتية الرقمية المتاحة وأطر الحوكمة.
وفي حين تستمر بعض المؤسسات في الاستثمار في الأمن، تواجه مؤسسات كثيرة تحديات حتى في الحفاظ على الحد الأساسي من الحماية السيبرانية.
ويخلق هذا الاختلال، الذي يوصف بعدم المساواة السيبرانية، نقاط ضعف تتجاوز المؤسسات الفردية وتعرض سلاسل توريد مترابطة بالكامل للمخاطر.
وكان تقرير عام 2025 قد تناول عدم المساواة السيبرانية من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: المؤسسات الصغيرة مقابل الكبيرة؛ والاقتصادات المتقدمة مقابل الناشئة؛ والفوارق بين القطاعات.
وتكشف بيانات عام 2026 أن التصورات المتعلقة بمستويات المرونة لا تزال تختلف بين المناطق.
ويعبّر المشاركون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن مستويات مرتفعة من الثقة بمرونتهم، بينما تظهر مستويات أقل في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأفريقيا جنوب الصحراء.
ورغم ارتفاع الثقة العامة في المرونة السيبرانية، لا تزال الفوارق قائمة بين المؤسسات الصغيرة والكبيرة.
وتشير البيانات إلى أن المؤسسات الصغيرة من حيث الإيرادات أكثر عرضة بمرتين للإبلاغ عن مستويات غير كافية من المرونة مقارنة بالمؤسسات الكبيرة.
كما لا تزال الفجوة واضحة بين القطاعات، إذ تبلغ نسبة المؤسسات ذات المرونة غير الكافية 37% بين المنظمات غير الحكومية، و23% في القطاع العام، مقارنة بـ11% فقط في القطاع الخاص.
وعلى المستوى الإقليمي، أفادت 40% من مؤسسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأن مرونتها السيبرانية تتجاوز احتياجاتها، و47% بأنها تلبي الحد الأدنى، و13% بأنها غير كافية.
وفي أمريكا الشمالية، بلغت النسب 24% و62% و14% على التوالي.
وفي أوروبا وآسيا الوسطى، 21% و66% و13%.
وفي شرق آسيا والمحيط الهادئ، 18% و66% و16%.
وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، 12% و62% و25%.
وفي جنوب آسيا، 9% و77% و15%.
وفي أفريقيا جنوب الصحراء، 8% و61% و32%.
نقص المهارات السيبرانية بوصفه محركاً رئيسياً لعدم المساواة
عدم المساواة السيبرانية تحدٍ متعدد الأبعاد، تشكله الفروق في الموارد والقدرات والوصول بين الدول والقطاعات والمؤسسات.
ورغم أن الفجوات في أطر الحوكمة الأمنية، ومحدودية الموارد المالية، وعدم التكافؤ في الوصول إلى البنية التحتية الرقمية تسهم جميعها في هذا الاختلال، فإن عاملاً واحداً يبرز بسبب اتساع تأثيره: نقص مهارات الأمن السيبراني.
وفي حين يبقى مشهد التهديدات المتطور المصدر الأول للقلق، يحتل نقص الخبرة السيبرانية المرتبة الثانية بين أبرز التحديات في المنظمات غير الحكومية والقطاع العام.
ويبلغ تأثير هذا النقص 51% لدى المنظمات غير الحكومية و57% في القطاع العام.
وعند مقارنة المؤسسات الصغيرة والكبيرة، تظهر فجوة مستمرة، إذ أفادت 46% من المؤسسات الصغيرة بنقص المهارات والخبرات في الأمن السيبراني، مقابل 29% من المؤسسات الكبيرة.
وأصبح توافر مهارات كافية في الأمن السيبراني عاملاً أساسياً يميز المؤسسات عالية المرونة عن المؤسسات ذات المرونة غير الكافية.
فمن بين المؤسسات التي تصف مرونتها بأنها غير كافية، أفادت 85% بأنها تفتقر أيضاً إلى أشخاص ومهارات أساسية لتحقيق أهداف الأمن السيبراني.
وفي المقابل، لم تعتبر سوى 22% من المؤسسات عالية المرونة فجوة المهارات تحدياً كبيراً.
وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن أكثر ثلاثة أدوار سيبرانية تعاني نقصاً في الكفاءات هي محللو معلومات التهديدات، ومهندسو DevSecOps، ومتخصصو إدارة الهوية والوصول.
وعند النظر إلى الفجوة من منظور إقليمي، تكون مشكلة المواهب السيبرانية أكثر حدة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، حيث أفادت 65% من المؤسسات بأنها تفتقر إلى أشخاص ومهارات أساسية لتحقيق أهدافها، وفي أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 63%.
وبلغت نسبة المؤسسات التي تعاني نقصاً في الأشخاص والمهارات 48% في أمريكا الشمالية، و47% في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و44% في شرق آسيا والمحيط الهادئ، و43% في أوروبا وآسيا الوسطى، و43% في جنوب آسيا.
ومن المؤشرات المشجعة أن بعض المؤسسات تعترف بهذا الاختلال وتتخذ خطوات لمعالجته.
فمن بين خبراء الأمن السيبراني الذين شملهم استطلاع خلال اجتماعات عالمية متخصصة في عام 2025، ذكر 34% أن مؤسساتهم تقدم إرشاداً أو دعماً رسمياً ومنظماً، مثل البرامج والتدريب والخدمات، للشركاء الأصغر أو الأقل امتلاكاً للموارد.
كما أفاد 31% بأن مؤسساتهم تقدم مساعدة غير رسمية أو حسب الحاجة.
معالجة عدم المساواة السيبرانية لضمان إتاحة المرونة للجميع
مع تعمق عدم المساواة السيبرانية، أصبح عمل الجهات التي تقدم خدمات أمن سيبراني للمصلحة العامة ضرورياً لسد فجوات القدرات لدى المؤسسات المحرومة من الموارد.
وتظهر بعض المبادرات كيف يمكن للدعم الموجه والمدفوع برسالة واضحة أن يغير نتائج المرونة، من خلال حشد متطوعين ذوي مهارات وتقديم إرشادات مصممة حسب الحاجة، بما يساعد المنظمات غير الحكومية على تعزيز دفاعاتها والحفاظ على استمرارية خدماتها الحيوية.
ويبين هذا النموذج أنه عندما تصبح الخبرة متاحة، يمكن للمؤسسات التي تواجه قيوداً في الموارد تحسين مرونتها بصورة ملموسة.
لكن لا تستطيع مبادرة واحدة تلبية الطلب العالمي.
وتتطلب معالجة عدم المساواة السيبرانية على نطاق واسع وجود نظام بيئي مستدام من المدافعين السيبرانيين، بما يشمل الباحثين والمدربين وفرق الاستجابة للحوادث ومطوري الأدوات ومجتمعات المتطوعين، يعملون بصورة منسقة للحفاظ على البنية التحتية التي تعتمد عليها المؤسسات محدودة الموارد ولا تستطيع تحمل تكلفتها، وتقديم الأدوات والخدمات في المواضع التي لا يستطيع السوق تلبيتها.
ولتعزيز هذا النظام البيئي، ظهرت جهود أوسع لرسم خريطة لأنشطة هذه المؤسسات، وتحديد احتياجاتها المشتركة، وتعزيز قدراتها، وتمكين تعاون أعمق بينها.
كما أطلقت آليات تمويل منسقة لضمان قدرة خدمات الأمن السيبراني الموجهة للمصلحة العامة على النمو بصورة مستدامة بدلاً من الاعتماد على دعم قصير الأجل ومجزأ.
ومن خلال الاستثمار في هذه المبادرات وربطها ببعضها لصالح المصلحة العامة، يمكن للمجتمع العالمي المساعدة في معالجة عدم المساواة السيبرانية وضمان إتاحة المرونة للجميع، وليس فقط للجهات التي تمتلك الموارد.
التقدم في الذكاء الاصطناعي يعمق عدم المساواة القائمة
يبرز الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه كأداة تحولية ومصدر جديد لعدم المساواة في الأمن السيبراني.
ومع تحول قدرات الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي في استراتيجيات الدفاع والاكتشاف، يهدد عدم التكافؤ في الوصول إلى التقنيات المتقدمة والبيانات والخبرات بتعميق الفجوة بين المؤسسات الغنية بالموارد والمؤسسات التي تعاني القيود.
وفي الوقت نفسه، غالباً ما يُدمج الذكاء الاصطناعي في التحديثات ويطرح في صورة ميزات جديدة، وهو ما يجعل من الصعب على المؤسسات محدودة الموارد فهم كيفية إدخاله أو حوكمته أو السيطرة عليه بالكامل.
وقد حدد أكثر من نصف المشاركين، بنسبة 54%، نقص المعرفة والمهارات باعتباره عقبة أساسية أمام تبني حلول الأمن السيبراني المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
وتظهر المؤسسات الأكبر من حيث الإيرادات بوصفها من أوائل القادة في استخدام اكتشاف التهديدات والأتمتة بالذكاء الاصطناعي.
وتظهر البيانات أن الشركات ذات الميزانيات الأكبر تسجل معدلات أعلى من تبني الذكاء الاصطناعي، في حين تتأخر المؤسسات الأصغر والحكومات والمنظمات غير الحكومية.
كما يلاحظ الخبراء أن بعض القطاعات تتقدم بصورة أسرع بسبب ارتفاع نضجها التقني وقدرتها الاستثمارية، في حين تظل قطاعات أخرى مقيدة بعوائق مالية أو تنظيمية أو إجرائية، ما يعزز الفوارق القائمة في مستوى الاستعداد السيبراني.
وفي سلاسل التوريد المترابطة، تؤدي هذه الاختلافات في القدرات إلى زيادة كبيرة في مستوى التعرض المنهجي.
إذ يستطيع الخصوم استهداف الشركاء الأقل حماية من أجل التسلل إلى مؤسسات أعلى قيمة في مراحل لاحقة من سلسلة التوريد.
وقد تصبح ثغرة موجودة لدى مورد اليوم اختراقاً لمؤسسة أخرى غداً.
ويؤكد ذلك الأهمية المتزايدة للنظر إلى الأمن من منظور النظام البيئي، حيث تعتمد مرونة كل جهة على يقظة جميع الجهات الأخرى.
عدم المساواة السيبرانية ليس مجرد مسألة اختلاف في الميزانيات أو المناطق الجغرافية، بل هو خط صدع غير مرئي يُستهدف عنده أولئك الذين يفتقرون إلى المهارات الأمنية والموارد والوعي بصورة دائمة من عدد لا يحصى من الجهات السيئة. والفجوة الحقيقية في القدرات لا تكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في الأشخاص أيضاً: في المتخصصين الذين يحتاجون إلى مزيد من التدريب والدعم، وفي الشركات الصغيرة والمتوسطة محدودة التمويل وغيرها من الجهات المشابهة التي تشكل نحو 90% من نظامنا البيئي العالمي ولا تستطيع مواكبة التهديدات المتطورة. ويتطلب سد هذه الفجوة أكثر من مجرد النوايا الحسنة التي تفشل عادة في الحصول على دعم شامل من أعلى المؤسسة إلى أسفلها. فهو يتطلب تعليماً واعتماداً لا يرتبط بمورد بعينه، وإرشاداً، وعقلية عالمية منفتحة مدفوعة بتعاون متنوع وشامل.
إيلينا أرمسترونغ، رئيسة تحالف أمن السحابة
وتظهر معدلات استخدام أدوات الأمن السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي فجوة واضحة بحسب حجم المؤسسة.
فقد أفادت 78% من المؤسسات الصغيرة، التي تقل إيراداتها عن 250 مليون دولار، باستخدام مثل هذه الأدوات، مقابل 83% لدى المؤسسات المتوسطة، و93% لدى المؤسسات الكبيرة التي تتجاوز إيراداتها 5.5 مليار دولار.
وفي المقابل، تبلغ النسبة 45% لدى المنظمات غير الحكومية و70% لدى القطاع العام.
3.7 متجهات تهديد مستقبلية تنشأ بصمت
بينما يواصل الذكاء الاصطناعي الهيمنة على مشهد الأمن السيبراني، توجد عدة تقنيات ومتجهات تهديد أخرى تنمو بهدوء في الخلفية، ومن المتوقع أن تؤثر في الأمن السيبراني بحلول عام 2030.
وتشير الرؤى المستقبلية للخبراء، عند جمعها مع بيانات استطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي 2026، إلى مجموعة من المخاطر الناشئة التي يُحتمل أن تحدد ملامح الأمن السيبراني في السنوات المقبلة.
الأنظمة المستقلة والروبوتات
أفاد 26% من المشاركين بأن الأنظمة المستقلة والروبوتات ستؤثر في الأمن السيبراني خلال عام 2026، ويتوقع الخبراء أن ترتفع أهمية هذا التأثير بحلول عام 2030.
وبحلول نهاية العقد، ستصبح الأنظمة المستقلة عنصراً قريب المدى في العمليات، بدءاً من استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة التحليل، وصولاً إلى توجيه إجراءات مادية في المصانع والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والأماكن العامة.
وقد يؤدي هذا التطور إلى إنشاء ملف جديد للمخاطر السيبرانية-المادية، حيث تستطيع القرارات التي تنفذها الآلات التأثير في السلامة وجودة الخدمات خلال ثوانٍ، ما يقلص الوقت المتاح للاكتشاف والاستجابة.
ومن المرجح أن تتعمق الاعتماديات مع اعتماد سير العمل المستقل على منصات سحابية ونماذج وبيانات مشتركة، بما يعني أن الاضطرابات أو الأخطاء يمكن أن تنتشر بسرعة عبر العمليات وسلاسل التوريد.
ويتحول «الذكاء الاصطناعي المادي» إلى مصدر قلق أمني، إذ تتطور الروبوتات الذكية، مثل المستخدمة حالياً في انتقاء الطلبات داخل المستودعات أو تحريك الحاويات في الموانئ، من آلات بسيطة إلى أنظمة تكيفية.
ويجعل ذلك سلوكها أقل قابلية للتنبؤ وأكثر عرضة لعمليات تعلم مخترقة أو برامج تحكم تعرضت للتلاعب.
ويتطلب تأمين هذه الأنظمة دمج الأمن السيبراني منذ مرحلة التصميم، وضوابط وصول قوية للتفاعل بين البشر والروبوتات، ومراقبة مستمرة للحفاظ على سلامة العمليات.
العملات الرقمية
بحلول عام 2030، يُتوقع أن تؤدي العملات الرقمية دوراً متزايداً في النشاط الاقتصادي اليومي، مع انتشار أوسع في مدفوعات تجارة التجزئة، وأنظمة الرواتب، وبعض الخدمات العامة وعبر الحدود.
وهذا الانتشار يجعلها في الوقت نفسه بنية أساسية وعرضة للهشاشة.
وقد تسببت الهجمات السيبرانية التي استهدفت منصات التداول والمحافظ والبنية التحتية للعقود الذكية بالفعل في خسائر بمليارات الدولارات، وبحلول عام 2030 يمكن أن تكون لمثل هذه الحوادث عواقب منهجية تؤدي إلى صدمات محتملة في السيولة أو تقوض الثقة في الأصول الرقمية الوطنية والمؤسسية.
وفي عام 2025، أدى اختراق كبير لإحدى منصات العملات المشفرة، نُسب إلى جهة مرتبطة بدولة، إلى خسائر تجاوزت 1.5 مليار دولار.
وقدّر المحققون أن ما يقارب خمس الأموال المسروقة حُولت بسرعة إلى أصول يصعب استردادها، وهو ما يوضح مدى سرعة اختفاء السيولة الرقمية داخل سياقات تنظيمية لا تزال في طور التطور.
ومع تطور الهويات الاصطناعية والاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي، سيحدد التحقق في الوقت الحقيقي ومرونة شبكات التسوية مستوى الثقة في النظام المالي.
كما يعني الترابط بين التمويل اللامركزي والعملات الرقمية للبنوك المركزية ووكلاء الدفع المستقلين أن أي اضطراب في طبقة واحدة قد ينتقل بسرعة إلى الطبقات الأخرى.
وفي هذه البيئة، أصبحت العملات الرقمية شكلاً من أشكال البنية التحتية الحيوية التي يعتمد أمنها عليها الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي.
التقنيات الفضائية والكابلات البحرية
لا تزال البنية التحتية الفضائية وتلك الموجودة في قاع البحار تحظى باهتمام أقل نسبياً في خطط المخاطر السيبرانية، رغم أنها تمكّن وظائف أساسية للبنية التحتية الحيوية.
وفي عام 2026، أشار 9% من المشاركين إلى أن التقنيات الفضائية ستكون من أكثر التقنيات تأثيراً في الأمن السيبراني.
وبالنظر إلى عام 2030، ستصبح خدمات تحديد المواقع والملاحة والتوقيت القائمة على الأقمار الصناعية أكثر أهمية للطيران والأنشطة البحرية وتنسيق شبكات الطاقة والمعاملات المالية.
وفي الوقت نفسه، ستشكل اتصالات الأقمار الصناعية والكابلات البحرية العمود الفقري لخدمات الطوارئ والبنية التحتية السحابية وتبادل البيانات الدولي.
عالمنا الرقمي يعمل عبر كابلات تقع في أعماق المحيطات. ومع مرور 99% من حركة البيانات الدولية عبرها، تمثل هذه الأنظمة البحرية شرايين الحياة غير المرئية للاقتصاد العالمي، وهي أيضاً معرضة بصورة فريدة للمخاطر. ويمكن لقطع واحد أن يعطل خدمات أساسية والحياة اليومية لمليارات البشر. ويتطلب بناء مرونة حقيقية الانتقال من الوعي إلى العمل: إصلاحات أسرع، ومسارات أكثر تنوعاً، وتعاون دولي يتناسب مع الطبيعة الحيوية لهذه الأصول.
دورين بوغدان-مارتن، الأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات
وعلى الرغم من ذلك، لا يأخذ سوى 15% من المشاركين الأصول الفضائية و18% الكابلات البحرية في الاعتبار ضمن استراتيجيات الحد من المخاطر السيبرانية.
ومع نمو العمليات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية والأنظمة المستقلة، ستعتمد المؤسسات بصورة أكبر على دقة التوقيت والملاحة واتصالات البيانات القوية.
ويعني ارتفاع مستوى الاعتماد أن اضطرابات محدودة حتى في الأقمار الصناعية أو الكابلات البحرية قد تطلق تأثيرات واسعة عبر الأنظمة الرقمية بأكملها.
الكوارث الطبيعية وتغير المناخ
بحلول عام 2030، سيكون التقارب بين التقلب المناخي والاعتماد الرقمي قد حول الكوارث الطبيعية إلى أزمات معقدة سيبرانية-مادية.
وتعطل الظواهر الجوية المتطرفة وموجات الجفاف الطويلة وموجات الحر شبكات الطاقة والبيانات والخدمات اللوجستية بصورة متكررة، بينما تخلق أنظمة التنسيق المدعومة بالذكاء الاصطناعي لشبكات الطاقة والمياه والاستجابة للطوارئ أسطح هجوم جديدة.
ومع توسع البنية التحتية للطاقة المتجددة والتخزين، تؤدي الشبكات الكثيفة من المحولات وأجهزة الاستشعار ووحدات التحكم المتصلة بالسحابة إلى مضاعفة نقاط التعرض السيبراني.
كما تتزامن الصدمات المناخية بصورة متزايدة مع المعلومات المضللة وعمليات التأثير المنظمة التي تستغل حالة الارتباك أثناء الطوارئ وتضعف الثقة بالمؤسسات.
وتوضح التأثيرات العابرة للحدود، مثل تدهور أداء الأقمار الصناعية بسبب العواصف الشمسية أو تضرر الكابلات البحرية نتيجة التحولات في قاع البحر، كيف يمكن للأحداث المادية أن تنتشر عبر البنية التحتية الرقمية.
وبحلول عام 2030، قد لا يعود المناخ مجرد عامل ضغط في الخلفية، بل يصبح مضاعفاً مستمراً للمخاطر السيبرانية، يطيل أوقات التعافي ويمحو الحدود بين المرونة البيئية والمرونة الرقمية، خصوصاً مع تفاعل التقنيات الناشئة وتراكم المخاطر بما يضاعف تأثير الاضطرابات الناتجة عن المناخ.
التقنيات الكمية
في عام 2026، يعتقد 37% من المشاركين في استطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي أن التقنيات الكمية ستؤثر في الأمن السيبراني خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.
ويعكس ذلك توقعات بزيادة الاستثمار، وتسارع الزخم التنظيمي، وارتفاع وتيرة التحول الرقمي.
وبحلول عام 2030، ستكون الحوسبة الكمية قد تحولت من عامل تعطيل نظري إلى تهديد انتقائي لكنه ملموس لأنظمة التشفير.
وقد تصبح الجهات الحكومية أو الجهات ذات الموارد الكبيرة قادرة على تنفيذ هجمات مسرعة بالحوسبة الكمية ضد أهداف عالية القيمة، حتى لو بقي كسر الشيفرات على نطاق كامل أمراً نادراً.
وفي الوقت نفسه، سيستخدم المدافعون التحليلات والاستشعار المدعومين بالحوسبة الكمية لاكتشاف الحالات الشاذة، ما يخلق سباقاً ديناميكياً جديداً بين المهاجم والمدافع.
وسيأتي أكبر تعرض منهجي من أنظمة التشفير القديمة داخل الأنظمة المدمجة والصناعية التي يصعب نقلها إلى تقنيات جديدة.
ومع زيادة الوعي وتوافر معايير وإرشادات جديدة، إلى جانب المواعيد الصارمة التي تحددها الهيئات الوطنية للأمن السيبراني، تتحرك الجهات التنظيمية بصورة أكثر حسماً وتقدم إرشادات أوضح للانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمية.
والفترة المتاحة للانتقال الاستباقي إلى هذه المعايير الجديدة تضيق بسرعة.
والجهات التي تؤخر هذا الانتقال قد تجد أن الاستعداد للحوسبة الكمية أصبح الجبهة التالية للمخاطر السيبرانية المنهجية.
الخاتمة
يتسم المشهد السيبراني المتطور لعام 2026 بتسارع التغير التكنولوجي، وتعميق الاعتماديات المتبادلة، واستمرار أوجه عدم المساواة.
ومع مواجهة المؤسسات موجة متزايدة من التهديدات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، والتقلبات الجيوسياسية، ونقاط ضعف سلاسل التوريد، لم تكن الحاجة إلى المرونة أكثر وضوحاً مما هي عليه اليوم.
وتؤكد نتائج هذا العام أن المخاطر السيبرانية لم تعد قضية تقنية فقط، بل أصبحت قضية استراتيجية واقتصادية ومجتمعية تتطلب عملاً منسقاً عبر القطاعات والحدود.
وفي حين يستخدم الخصوم الأتمتة والتكتيكات المتقدمة لاستغلال نقاط الضعف المنهجية، يكمن التحدي بالنسبة إلى المدافعين في مواكبة هذا التطور، ليس فقط من خلال الابتكار التكنولوجي، بل عبر تعزيز الحوكمة والاستثمار في المهارات وبناء ثقافة من الثقة والتعاون.
ولا تزال الفجوة بين المؤسسات عالية المرونة وتلك التي تتخلف عن الركب كبيرة، مع تفاقم المخاطر المنهجية بسبب نقص المهارات والقيود على الموارد.
ومع ذلك، توجد أسباب تدعو إلى التفاؤل.
فالمؤسسات التي تدمج المرونة في أجندات القيادة، وتدير بصورة استباقية مخاطر سلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي، وتتفاعل مع نظامها البيئي الأوسع، تكون في وضع أفضل لتحمل الصدمات والتكيف مع عدم اليقين.
كما يشير التحول باتجاه التعاون القائم على المعلومات الاستخباراتية، والاختبارات المستندة إلى السيناريوهات، وزيادة التنسيق التنظيمي، إلى نضج النهج المتبع في الدفاع الجماعي.
وفي نهاية المطاف، يتطلب بناء مستقبل رقمي آمن أكثر من حلول تقنية.
فهو يحتاج إلى قيادة حاسمة، ومساءلة مشتركة، والتزام برفع الحد الأساسي للحماية على مستوى الجميع، بما يضمن أن تكون المرونة متاحة للجميع، وليس فقط للمؤسسات التي تمتلك أكبر قدر من الموارد.
ومع استمرار تلاشي الحدود بين العالمين الرقمي والمادي، ستكون المؤسسات القادرة على الازدهار هي تلك التي تدرك أن المرونة السيبرانية مسؤولية استراتيجية مشتركة، وأنها الركيزة التي تقوم عليها الثقة وتمكّن الابتكار وتحمي الأسس المترابطة للمجتمع العالمي.
المنهجية
كان استطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي 2026 مجموعة البيانات الأساسية التي استند إليها البحث في هذا التقرير.
وتضمن الاستطلاع 19 سؤالاً لجميع المشاركين، إضافة إلى سؤالين مخصصين للمشاركين من القطاع الخاص، وثمانية أسئلة ديموغرافية إضافية.
وأُطلق الاستطلاع في 25 أغسطس 2025 واستمر حتى 1 أكتوبر 2025.
وشمل المشاركون مسؤولين تنفيذيين من الإدارة العليا، وأكاديميين، وممثلين عن المجتمع المدني، وقادة للأمن السيبراني في القطاع العام.
وتلقى المنتدى الاقتصادي العالمي إجابات من 873 مشاركاً من 99 دولة.
وبعد توحيد البيانات باستخدام الأسئلة الديموغرافية الثمانية للتحقق من أهلية المشاركين، ضمت مجموعة البيانات النهائية 804 مشاركين مؤهلين من 92 دولة.
ومن بين المشاركين في المناصب التنفيذية العليا، أكمل الاستطلاع 316 مسؤولاً لأمن المعلومات، و105 رؤساء تنفيذيين، و123 مسؤولاً تنفيذياً آخر، مثل مسؤولي المخاطر الرئيسيين أو مسؤولي التكنولوجيا الرئيسيين.
وقد تتجاوز النسب في بعض النتائج 100% بسبب صياغة بعض الأسئلة بحيث تسمح باختيار عدة إجابات.
وللحصول على بيانات نوعية إضافية، شارك 52 شخصاً، من بينهم مسؤولون تنفيذيون وقادة من القطاعات المختلفة وأكاديميون، في مقابلات لمجموعات تركيز متخصصة.
وخلال هذه المناقشات الصغيرة، طُرحت أسئلة إضافية أو مكملة لاستكشاف بيانات الاستطلاع بصورة أعمق.
وفي يوليو 2025، عقدت ورشة عمل مدتها 90 دقيقة مع أعضاء من مجلس عالمي متخصص في الأمن السيبراني، وركز قادة فكر من الأوساط الأكاديمية والحكومات والمنظمات الدولية والشركات والمجتمع المدني على الموضوعات التي تناولها الاستطلاع.
وفي أكتوبر 2025، عُقدت أيضاً ورشة عمل لمدة 60 دقيقة مع 21 مسؤولاً تنفيذياً من مجتمع مسؤولي أمن المعلومات التابع لمركز الأمن السيبراني، وركزت على الموضوعات التي تناولها التقرير.
وجُمعت بيانات كمية إضافية من خلال استطلاعات قصيرة خلال اجتماع عالمي متخصص انعقد بين 14 و16 أكتوبر 2025.
وعُقدت عدة جلسات، وجُمعت بيانات نوعية من أكثر من 130 مسؤولاً تنفيذياً في مجال الأمن السيبراني وأعضاء من مجالس المستقبل العالمية الذين حضروا الفعالية.
وخلال الحدث، شارك 35 شخصاً من مجالس مستقبلية مختلفة في ورشة استكشفت مشهد الأمن السيبراني وتأثيراته المحتملة حتى عام 2030، من زوايا شملت الحوسبة من الجيل التالي والتقنيات الفضائية وحدود البيانات.
واستخدم المنتدى الاقتصادي العالمي الذكاء الاصطناعي التوليدي لدعم هذا البحث.
واستُخدمت نماذج توليدية مخصصة للمساعدة على اكتشاف النقاط العمياء أثناء مرحلة صياغة التقرير، واستخراج الموضوعات الرئيسية من طرق جمع البيانات النوعية المختلفة.
كما استخدم المنتدى الذكاء الاصطناعي التوليدي لترجمة استطلاع آفاق الأمن السيبراني العالمي 2026 إلى خمس لغات أخرى غير الإنجليزية، مع مراجعة بشرية.
