مقدمة
يندرج هذا العمل في إطار مشروع ثقافي طموح بادرت إليه ونفذته مؤسستان ثقافيتان مرموقتان، جائزة الملك فيصل في الرياض ومعهد العالم العربي في باريس الممثل في كرسي المعهد.
ويهدف هذا المشروع إلى أن يعرف لدى الجمهور الواسع، بمئة من الباحثين والأساتذة الجامعيين العرب والفرنسيين الذين تميزوا من خلال جهودهم الجبارة في تطوير مختلف أشكال الحوار البناء والتفاعلي بين ضفتي البحر المتوسط في غضون القرنين الماضيين.
وإن ما تروم هو تكريم حقيقي لهذه الجماعة العلمية، ولهذه الأعمال الاستثنائية التي أنجزها هؤلاء الوسطاء الثقافيون ولحياتهم التي كرسوها كليا من أجل تقدم المعرفة، وقد وسموا عصرهم بالتجديد وخلدوا بذلك تقليدا علميا وإنسانويا بهدف بالخصوص إلى التفاهم والوفاق والتعاون بين البشر.
إن اختيار ستين شخصية عربية وأربعين شخصية فرنسية هو ثمرة شهور عديدة من التفكير المتروي والهادف تعهدت به لجنة علمية مشتركة حرصت على جمع باقة من الشخصيات وتقديمها لتكون ممثلة قدر الإمكان، لكل اختصاص علمي وتيار فكري عبر مختلف العصور .
وهذه الباقة التي تقدمها أبعد من أن تكون مستوفاة غير أن الاختيار يفرض نفسه بالرغم من المجازفة المؤسفة حقيقة بالتضحية ببعض الكتاب الجديرين. دون أدنى شك، بالانتماء إلى هذه المجموعة التي تعد بالآلاف فحسبنا أن نقدم إليكم هذه الكوكبة الرائعة من الكتاب، وأن تبادر بفتح هذه الطريق التي تأمل أن يمضي فيها قدما مؤلفون آخرون.
وأخيرا، نحن تعبر عن امتناننا العميق للكتاب الذين آمنوا بهذه المبادرة وساهموا في إنجازها. وتتوجه أيضا بخالص عبارات الشكر إلى الأمير خالد الفيصل، رئيس جائزة الملك فيصل، وإلى السيد جاك لانغ (lack Lang) رئيس معهد العالم العربي لدعمهما ومتابعتهما المتواصلة لهذا المشروع في جميع مراحله.
عبد العزيز السبيل معجب الزهراني
تمهید
افتتحت ندوة ديكارت والعصر الوسيط (Descartes et le Moyen Age) التي عقدت في السوريون من الرابع إلى السابع من حزيران / يونيو عام 1996، بمناسبة الذكرى المئوية الرابعة العالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي العظيم، بكلمة القاها رشدي راشد بعنوان ""الخيام وديكارت"". ولم يكن الهدف الرئيسي من هذه الكلمة التي كان موضوعها دراسة مقارنة بين أعمال الخيام الجبرية وكتاب ديكارت في ""الهندسة"" ( Geometrie "" البحث عن تأثير الخيام المباشر في عالم الرياضيات الفرنسي، وإن كان هذا الاحتمال غير مستبعد قبليا نظرا إلى وجود نسخة من كتاب الخيام في ذلك الوقت في الأوساط الاستشرافية الأوروبية المعروفة لدى ديكارت. بل إن ما كان يريد أن يبينه راشد من خلال هذه الدراسة هو وجود علاقات مفهومية بين مشروع الخيام الجبري والمشروع الذي أنجزه ديكارت في كتاب ""الهندسة"". كان يريد أن يبين أن مشروع ديكارت لم يكن من الناحية المفهومية امتدادا لأعمال علماء الجبر الإيطاليين ولا علماء الجبر الألمان ولا أسلافه الفرنسيين مثل فيات (Viete). وعندما يضع المرء نفسه منذ البداية في هذا التقليد تحديدا فهو في نظر المؤرخ، يجازف بتقديم تفسير سيء للانقلاب العميق الذي أحدثه عمل ديكارت في مجال الرياضيات ولكي نفهم عمل ديكارت في سياقه المفهومي، كان علينا أن نتوغل أبعد من ذلك، وأن نعود إلى الوراء وتنظر إلى الأعمال التي كتبت باللغة العربية قبل ذلك بنحو سنة قرون.
وفي نهاية الجلسة، ونحن نغادر المبنى العريق التفت إلى راشد قائلا: ""لا يمكنك أن تتخيل إلى أي مدى كان من الصعب الحديث عن الخيام إلى جانب ديكارت تحت هذه القبة قبل ثلاثين عاما"". وكانت القبة التي يُشير إليها مدرج الجامعة المهيب الذي تشيد هندسته المعمارية بعدة قرون من النشاط العلمي في فرنسا، وهو نشاط كان يجرى في ظل اضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة. وقد ذكرتني ملاحظة راشد المقتضبة هذه بالصعوبات التي واجهها في بداية حياته المهنية في إعادة إدخال البحث في العلوم العربية إلى الأوساط العلمية والأكاديمية الفرنسية من جهة، وذكرتني من جهة أخرى بالشوط الذي قطع طوال تلك السنوات حتى أصبحت فرنسا، في نهاية المطاف، مركزا مهما ، بل المركز الأهم، للبحث في تاريخ العلم العربي.
قد تبدو هذه الملاحظة، للوهلة الأولى، مثيرة لمفارقة نوعا ما. أليس صحيحًا أن فرنسا قد احتلت منذ البداية مكانة مهمة في البحث في تاريخ العلوم العربية ؟ ولكي نكون فكرة عن الدور الأساسي الذي لعبته في تاريخ العلم العربي، حسبنا أن نستعرض أسماء بعض الباحثين الفرنسيين في القرن التاسع عشر - أمثال كوسان دي برسيفال (Caussin de Perceval)، وجان بابتيست دلامبر Jean Baptiste) (Delambre ، وجان جاك سيديو Jean-Jacques Sedillot)، ولويس أميلي سيديو (LA. Sedillot) وغيرهم - الذين ندين لهم بمساهمات أساسية في تطوير معرفتنا بهذا العلم. أما بالنسبة إلى الخيام نفسه، فقد كانت فرنسا هي التي احتضنت العالم الألماني فرانز وبكه (Franz Woepcke) في منتصف القرن التاسع عشر، مما أتاح له اكتشاف رسالة الخيام في الجبر وتقديم أول تحقيق لها وأول تحليل.
لم يكن غرض راشد بهذه الملاحظة إذن التقليل من شأن المساهمة الفرنسية في تاريخ العلم العربي. بل كان يريد على العكس من ذلك، تسليط الضوء على بعض العوائق التاريخية منها والابستيمولوجية ( المعرفية)، التي حالت دون أن يحقق هذا البحث، رغم بداياته الواعدة كل النتائج التي كان ينوء بها، وهي عوائق أدت إلى انقطاع البحث الأساسي بعد فترة خصيبة سنعود إلى هذه الفترة بشكل مستفيض في الفصول التالية.
وينطبق الأمر نفسه على البحوث التي أجريت في البلدان الغربية الأخرى. ففي الواقع، ومع بعض الاستثناءات القليلة، بدأ الجزء الأكبر من البحث في تاريخ العلم العربي على أيدي علماء أوروبيين، ولكن بعد أن حقق هذا الاختصاص المعرفي بعض النتائج المهمة، يبدو أنه فقد الدفع الأولي الذي عرفه لا سيما أنه بحلول منتصف القرن العشرين، لم يكن نشاط المؤرخين في هذا المجال يزيد في العادة عن اكتشاف من حين إلى آخر لنص ظل مجهولا ، أو تقديم تحليل جديد لنتيجة تم التوصل إليها من قبل. ولم يكن الباحثون مهتمين في الغالب إلا بالنتائج، مما أدى إلى ظهور نقاشات حول أولية العلماء المسلمين في بعض المجالات. وكانت تقتصر هذه النقاشات في كثير من الأحيان، على النتائج التي تم التوصل إليها في صورة فرضية رياضية أو نموذج فلكي أو طريقة في الحساب، دون اعتبار السياق النظري الذي تم فيه الحصول عليها. وقد كان لهذا النشاط المشتت والمتقطع أصداء أحيانا في الأعمال الموجهة إلى عموم القراء، وهي أعمال لم تقدم في الحقيقة، وقد استندت إلى قراءة متسرعة للبحوث المتاحة، غير عرض موجز لهذا العلم. أما بالنسبة إلى مكانة العلم العربي في تاريخ العلوم، فقد كانت الغالبية العظمى من المؤلفين المتخصصين منهم أو أولئك الذين يكتبون للعموم، تشدّد على أنه مجرد ملحق للعلم اليوناني. وعلاوة على ذلك، كان البحث في تاريخ العلم في الحضارة الإسلامية، في معظمه، من شأن المستشرقين الذين اهتموا بالجوانب اللغوية لهذا العلم بقدر اهتمامهم بأبعاده العلمية أو الفلسفية الخالصة.
ويبدو أن ما أجمع عليه المؤرخون كلهم إنما هو الدور الذي لعبته الحضارة الإسلامية في الحفاظ على جزء كبير من التراث العلمي اليوناني ونقله إلى الغرب في العصر الوسيط. أما بالنسبة إلى الإسهامات الخاصة بهذا العلم، فغالبا ما كانت تقدم على أنها تنويعات طفيفة في مواضيع تناولها اليونانيون من قبل.
ففي الغرب وفي البلدان الإسلامية على حد سواء، كان تاريخ العلم العربي يفتقر إلى مؤسسات خاصة، وكانت المهنية فيه شبه معدومة، وكان معظم المهتمين به إما علماء تكونوا في المدرسة الاستشراقية التي كانوا يشاركونها أحكامها المسبقة الأساسية، أو متخصصين في مجالات علمية مختلفة كانوا يتناولون القضايا التاريخية إلى جانب اهتماماتهم الرئيسية. وغالبًا ما كان هؤلاء المتخصصون عرضة لخطر ""التحديث""، أي تقديم تفسير حديث خارج السياق، لعمل ما، وتكون نتيجة ذلك إما المبالغة في أهميته أو التقليل منها. وفي الحالات التي اجتمعت لدى الشخص نفسه الكفاءة الفيلولوجية (فقه) أو علم اللغة والمعرفة العلمية، كانت النتيجة مرضية. غير أن حالات من هذا القبيل كانت نادرة.
يمكن تبرير الوصل بين هذين المجالين البحثيين المنفصلين تماما للوهلة الأولى، بضرب من رد فعل تجاه تصور معين لكتابة تاريخ العلم (historiographie de la science)، تصوّر سائد في ذلك الوقت، كان يضع بداية ""العلم"" في ""الثورة العلمية"" التي حدثت في القرن السابع عشر، ويرى أن النشاط العلمي المتعدد الأشكال قبل ذلك القرن العظيم هو ""ما قبل تاريخ"" العلم. وبدلا من هذه الثنائية ""تاريخ / ما قبل تاريخ، إن البحوث التي أنجزها راشد حول بدايات ""ترييض العلوم الاجتماعية في الغرب قادته إلى مفهوم ""النظريات غير المهيأة"" (doctrines informes)، وهو مفهوم بلوره في أطروحته التي أعدها لنيل
شهادة الدكتوراه وفي بعض الكتابات ذات الطابع المنهجي. وكان السؤال الذي أثار اهتمامه في عمله في تلك المرحلة هو كيف تتحوّل نظرية غير مهيأة، بفضل تدخل الرياضيات، إلى نظرية علمية. ما هي خصائص هذه النظريات وكيف يحدث مثل هذا التحول ؟ وفي امتداد لبحثه في تاريخ النظريات غير المهيأة وخصائصها، اهتم راشد بتاريخ علم المناظر في الحضارة الإسلامية، واهتم في الوقت نفسه تقريبا بتاريخ علم الجبر.
هكذا بدأت حياة الباحث التي ستتواصل إلى يومنا هذا. وعلى الرغم من أن راشد كان يكتب من حين إلى آخر بشكل مباشر عن تاريخ الرياضيات الأوروبية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر - حيث ندين له على سبيل المثال بالدراسة الوحيدة باللغة الفرنسية عن فارما (Fermat) وسلسلة من المساهمات الأساسية حول ديكارت، وبحثًا عن تاريخ حساب الاحتمالات - فإنّ الأهمية غير المباشرة للقرن السابع عشر في عمله كانت تفوق بكثير كونها مجرد موضوع بحثي فهذا القرن هو الذي بحث فيه عن نقطة مرجعية تاريخية، وهو الذي سعى أن يزيل عنه الغموض بمحاولة فرز ما هو جديد بالفعل وما يُتوهم أنه كذلك، وهذا القرن هو أخيرا، الذي سيكون له دور أساسي في تصوره للعلم الكلاسيكي وكذلك في تحقيبه الزمني الجديد، أي التمييزي لتاريخ العلوم.
ينقسم هذا العمل إلى ستة فصول وخاتمة.
سنتناول في الفصل الأول منه حياة رشدي راشد محاولين وضعها في سياقها التاريخي وسنستحضر الوضع السياسي والفكري لمصر خلال أربعينيات القرن العشرين، حيث قضى جزءًا من الفترة التكوينية من حياته، ولفرنسا كذلك على نحو ما اكتشفها خلال السنوات الخمسين وفيها تشكل مشروعه البحثي.
وخصصنا الفصل الثاني للتصور الذي بلوره راشد لتاريخ العلم. سنشرح هذا التصور من خلال بعض كتاباته المتعلقة بكتابة تاريخ العلم عموما والعلم العربي بالخصوص. وسنبين كيف أن النظرية التي صاغها راشد في هذه الكتابات تتعارض مع بعض النزعات في كتابة تاريخ العلم وتندرج في الآن نفسه في تواصل لتقليد يعود إلى القرن التاسع عشر.
وموضوع الفصل الثالث هو مفهوم ""العلم العربي""، كما يظهر في أعمال راشد. وسنتناول فيه من خلال نبذة تاريخية عن هذا العلم عن نشأته وتطوره، سمات هذا المفهوم الخاصة به، وفيم يختلف كذلك عن التيارات [ص. [15] السائدة في كتابة تاريخ العلوم. سنرى كيف أن هذا المفهوم يتشكل في تناقض مع التصورات ذات النزعة التقليدية والقومية والاستشراقية وتلك القائمة على المركزية الأوروبية. وهذا يتطلب عند راشد، تحقیبا (periodisation) جديدا لتاريخ العلم، يكون فيه العلم العربي جزءا لا يتجزأ من العلم الكلاسيكي، ويضع موضع سؤال مفهومي ""العلم الأوروبي"" و ""النهضة العلمية"".
وسننظر في الفصل الخامس في كتابات راشد في تاريخ علم المناظر. وكما ذكرنا من قبل، ركز راشد في بداية مسيرته مؤرخا للعلوم على تاريخ المناظر العربي، وعلى شخصية ابن الهيثم بالخصوص والأسئلة التي طرحها في هذا الصدد أثمرت بعض المقالات عن ابن الهيثم وعن خليفته كمال الدين الفارسي. وقد قاده تعميق بحوثه في السنوات التالية إلى تاريخ علم المناظر قبل ابن الهيثم باللغة اليونانية وكذلك العربية. ومن أجل إبراز ""مشروع"" ابن الهيثم وبيان شروط إمكانه""، وضع راشد لنفسه برنامجا قاده هو بدوره إلى اكتشاف العديد من النصوص في علم المناظر المفقودة باللغة اليونانية والتي لا تتوفر إلا من خلال الترجمات العربية. إلى اهتمامه الأصلي، يلقي بحث راشد في تاريخ علم المناظر ضوءًا جديدًا على العلاقات التاريخية والمفهومية بين تطور هذا التخصص العلمي وبين الرياضيات. فالدور الذي قامت به التجربة سواء عند ابن الهيثم أو عند أسلافه وأخلافه سيقودنا إلى بعض التأملات حول مشكل بدايات العلم التجريبي. وقد أدى النشاط الرياضي المكثف الذي عرفته الحضارة الإسلامية في الفترة الكلاسيكية إلى تحوّل في حقل فلسفة الرياضيات. وكان لهذا التحول جانبان إزاء الوضع الجديد الذي أوجده تطور العلوم الرياضية من ناحية أولى، مثل ظهور تخصصات علمية جديدة، وتصدّر مسائل أنطولوجية دراسة جوهر الأشياء أو علم الوجود) جديدة عقب إنشاء علم الجبر، ومحو الحواجز بين فروع الرياضيات وتطبيقات جديدة للرياضيات في حل مسائل لم تحل بعد، شعر بعض الفلاسفة بضرورة إعادة التفكير في الإشكاليات الأساسية لهذا العلم، بل في علومهم أيضا. ومن ناحية ثانية، ساهم الرياضيون أنفسهم، متجاوزين أحيانا الحدود التي فرضتها الأرثودوكسية الفلسفية في فلسفة الرياضيات فدمجوا فيها إشكاليات جديدة ومكتسبات جديدة. يتناول الفصل السادس إذن هذين الجانبين الفلسفة الرياضيات من خلال دراسة كتابات راشد التاريخية، والتأريخية والمنهجية.
وأخيرا، أتوجه بأسمى عبارات الشكر إلى معهد العالم العربي، وبالخصوص إلى مديره العام الدكتور معجب الزهراني، لتعاونه وصبره وتفهمه.
حسين معصومي همداني
طهران، أكتوبر 2020
